كتابُ قطع السّرقة
5055 - كذا في "المنهاج" 1، وفي "التنبيه" [ص 244]: (حد السرقة)، ولو قالا: (كتاب السرقة) كما فعل "المنهاج" في (كتاب الزنا) .. لكان أخصر وأعم؛ لتناوله أحكام نفس السرقة.
5056 - قول "التنبيه" [ص 245]: (والنصاب ربع دينار أو ما قيمته ربع دينار) قيد ذلك "المنهاج" و"الحاوي" بكونه خالصًا 2، ومثله ما لو كان مغشوشًا خالصه كذلك، وقيده "الحاوي" أيضًا بكونه مضروبًا 3، وأورد عليه: أنَّه لا يحتاج إليه مع قوله: (دينار) لأن اسم الدينار إنما يقع على المضروب، وأورد شيخنا الإمام البلقيني على "المنهاج" في إخلاله بكونه مضروبًا، وذلك يدل على صدق اسم الدينار بدونه، وهو خلاف ما صرح به الرافعي وغيره 4، وأطلق "التنبيه" و"المنهاج" القيمة، وقيدها "الحاوي" مع غيرها بقوله: (قطعًا)، وتبع في ذلك ما حكاه في "أصل الروضة" عن الإمام أنَّه قال: الذي أرى الجزم بأنه لا تجب ما لم يقطع المقومون ببلوغها نصابًا، وللمقومين قطع واجتهاد، والقطع من جماعة لا يَزلّون معتبر، ومن جماعة لا يبعد الزلل منهم فيه احتمالان:
أحدهما: يكفي كما تقبل الشهادة مع احتمال الغلط.
والثاني: المنع؛ لأن الشهادة تستند إلى معاينة 5.
لكن قال شيخنا الإمام البلقيني: إن ذلك ليس بمعتمد؛ لأن القتل قصاصًا أثبته الشرع بشاهدين وإن جاز عليهما الغلط، ومتى ثبتت القيمة بشاهدين من غير شهادة تعارض شهادتهما .. قطعته وإن لم أقطع بالقيمة كسائر البينات.
قلت: قد عرفت الفرق باستناد غير شهادة القيمة إلى المعاينة بخلافها، فلا بد من تقويها بالقطع، والله أعلم.
وعبارة "الحاوي" [ص 587]: (بسرقة قدر ربع دينار خالص مضروب قطعًا) وأورد في هذا المحل عليه: ما لو سرق ربعًا سبيكةً لا يساوي ربعًا مضروبًا .. فإنه لا قطع على الأصح في
الحديث: 5055 - الجزء: 3 - الصفحة: 205
"المحرر" و"المنهاج" 6، وسنتكلم عليه مع أنَّه يصدق أنَّه قدر ربع دينار، فلو عبر بالقيمة .. لكان أصرح في المقصود.
5057 - قول "المنهاج" [ص 506]: (ولو سرق ربعًا سبيكة لا يساوي ربعًا مضروبًا .. فلا قطع في الأصح) تبع في ترجيحه "المحرر" 7، ونقل في "الشرح" ترجيحه عن الإمام وغيره، وصححه في "أصل الروضة"، وحكى الرافعي ميل جماعة إلى ترجيح القطع؛ منهم البغوي، وفي "البيان": إنه المذهب 8.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه ظاهر نصوص الشَّافعي على ربع دينار من غير اشتراط أن يكون مضروبا، قال: وهو المذهب المعتمد، وعليه أكثر الأصحاب، وقال الشيخ أَبو حامد: لا يختلف فيه المذهب، وقال الماوردي: إنه ظاهر المذهب 9، وحكاه البندنيجي وصاحب "المهذب" عن عامة الأصحاب 10، ونحوه في "الشامل" و"الحلية" للشاشي 11، وحكاه البغوي والخوارزمي والعمر إني عن الأكثرين 12، وصححه الهروي، واختاره في "المرشد".
انتهى أما عكسه، وهو خاتم زنته دون ربع وقيمته ربع بالصنعة .. فقال في "أصل الروضة": إنه لا قطع فيه على الصحيح 13، وليس في "الشرحين" فيه تصحيح، بل مقتضى كلامه تصحيح القطع فيه، وإن صحح في عكسه عدمه؛ فإنه بنى القطع فيه على اعتبار العين، ومقابله على اعتبار القيمة، وبناهما في عكسه على العكس 14، وذكر في "المهمات": أن ذلك غلط فاحش وذهول عجيب؛ فإنه عقبه بقوله: والخلاف في المسألتين راجع إلى الاعتبار بالوزن أم بالقيمة 15، فكيف يصح مع هذا البناء عدم القطع فيهما؟ "
وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه ليس بغلط فاحش، بل هو فقه مستقيم، وإن لم يعطه كلام الرافعي؛ فإن الوزن لا بد منه، وهل يعتبر مع ذلك في غير المضروب أن تبلغ قيمته ربع دينار
الحديث: 5057 - الجزء: 3 - الصفحة: 206
مضروب؟ فيه الخلاف الذي في السبيكة، أما إذا نقص الوزن في عين الذهب ولكن قيمته بصنعته تساوي ربع دينار مضروب .. فهذا يضعف فيه الاكتفاء بالقيمة، وصار على اعتبار القيمة وجهان: أحدهما: أنَّه لا بد من مراعاة الوزن.
والثاني: يكفي بلوغ القيمة ربع دينار وإن نقص الوزن من نفس الذهب، وهذا ضعيف جدًا؛ لأن النصاب معتبر من عين الشيء كما في نصاب الزكاة، ويؤيد هذا أن الإصطخري المخالف في صورة السبيكة إنما نصبوا خلافه في سبيكة زنتها ربع مثقال، ونصب الشيخ أَبو حامد خلافه فيما نقص بضربه، وذلك يقتضي مراعاة الوزن والقيمة، ومن خرج على كلام الإصطخري النظر إلى القيمة وحدها .. كان نظرًا ضعيفًا، ولم أر أحدًا ذكر تخريج ذلك إلَّا الإمام ومن تبعه 16، وهو منفرد بذلك، وقد تنبه في "الوسيط" لشيء من هذا، فقال بعد حكاية الوجهين في السبيكة: ولو سرق خاتمًا قيمته ربع وزنته سدس .. وجب القطع إن اعتبرنا التقويم، وإن اعتبرنا الوزن .. فلا قطع 17، وإن نظرنا إلى العين .. لم يجب، ومن ذلك يظهر أن النظر إلى العين أو الوزن لا يوجب القطع، وأن النظر إلى القيمة المجردة يقتضي القطع، وهو ضعيف، قال: فظهر أن الذي في "الروضة" صواب، وأن الغالط من غلطه.
انتهى
واعلم: أن المعتبر في كون قيمة المسروق ربع دينار حالة السرقة، فلو نقصت قيمته بعد ذلك .. لم يسقط القطع، ذكره في "التنبيه" 18، وهو داخل في قول "الحاوي" [ص 587]: (لدى الإخراج من الحرز).
5058 - قول "التنبيه" [ص 245]: (وإن نقب الحرز وأخذ دون النصاب وانصرف ثم عاد وأخذ تمام النصاب .. فقد قيل: يقطع، وقيل: لا يقطع، وقيل: إن اشتهر خراب الحرز .. لم يقطع، وإن لم يشتهر .. قطع) الأصح: أنَّه يقطع، ومحل الخلاف: ما إذا لم يتخلل علم المالك وإعادة الحرز، فإن وجدا أو أحدهما .. فلا قطع، وعليه مشى "المنهاج" فقال [ص 506]: (فإن تخلل علم المالك وإعادة الحرز .. فإخراج الثاني سرقة أخرى، ولا قطع في الأصح) و"الحاوي" فقال [ص 589]: (ودفعاتٍ بلا تخلل علم المالك كالنقب والأخراج ليلة أخرى) وظاهر كلامهما: أنَّه لا فرق في القطع بين أن يشتهر خراب الحرز أم لا، وهو صريح كلام "أصل الروضة" فإنه جعل الفرق بين اشتهار الحرز وعدمه وجهًا مرجوحًا 19، وقد استدرك "المنهاج" على قول "المحرر":
الحديث: 5058 - الجزء: 3 - الصفحة: 207
ولو نقب وعاد في ليلة أخرى فسرق .. قطع في الأصح 20، فقال: (قلت: هذا إذا لم يعلم المالك النقب ولم يظهر للطارقين، وإلَّا .. فلا يقطع قطعًا) 21 وهذا الاستدراك وارد على إطلاق "الحاوي" في النقب أيضًا، وكذا قال في "أصل الروضة": إن علم صاحب الحرز بالنقب أو كان ظاهرًا يراه الطارقون وبقي كذلك .. فلا قطع؛ لانتهاك الحرز، وإلَّا .. فيقطع على الأصح 22.
وذكر شيخنا الإمام البلقيني: أن ما في "المنهاج" هنا غير مستقيم؛ لأنه إذا اشتهر ذلك .. فلا يقطع.
انتهى
والحاصل: أن ظهور ذلك واشتهاره كعلم المالك .. فلا قطع معه، وذكر شيخنا الإمام البلقيني في كلامه على الموضع الثاني من "المنهاج": أن في المسألة طريقين، وقد ذكر ذلك البغوي: إحداهما: إثبات الخلاف مطلقًا وإن تخلل علم المالك والطارقين.
والثانية: القطع عند التخلل المذكور بعدم القطع، قال: وكأن من قال: يقطع مطلقًا - وهو ابن سريج - نظر إلى أن الحرز قد انتهك بفعل السارق، فكل ما فيه محرز بالنسبة إليه وإن تخلل الإطلاع، ومن قطع بعدم القطع رأى أن انتهاك الحرز صير ما فيه غير محرز مطلقًا، قال: وهذا أوجه، لكن النقل عن ابن خيران يخالفه، فهو ضعيف من جهة المعنى صحيح من جهة النقل، والله أعلم 23.
5059 - قول "المنهاج" [ص 506]: (ولو سرق خمرًا أو خنزيرًا أو كلبًا أو جلد ميتة بلا دبغ .. فلا قطع) يستثنى منه: ما لو دبغه السارق في الحرز وصار يساوي نصاب سرقة، وقلنا: بجواز بيعه وهو الجديد، وبأنه للمغصوب منه إذا دبغه الغاصب وهو الأصح .. فالأرجح: أنَّه يقطع، وقد تناوله مفهوم قوله: (بلا دبغ) وفيه احتمال؛ لأنه حالة السرقة غير مدبوغ وحالة الإخراج من الحرز مدبوغ، وطرد شيخنا الإمام البلقيني هذا الخلاف فيما إذا صار الخمر خلًّا بعد وضع السارق يده قبل الإخراج، قال: ولم يذكروه.
5060 - قوله: (فإن بلغ إناء الخمر نصابًا .. قطع على الصحيح) 24 كان ينبغي أن يقول: (على النص) ففي "أصل الروضة": إنه الأصح المنصوص 25، وذكر شيخنا الإمام البلقيني: أن محل الخلاف فيه: ما إذا لم يكن الخمر محترمًا، فإن كان محترمًا لمسلم أو خمرًا لذمي لا يراق ..
الحديث: 5059 - الجزء: 3 - الصفحة: 208
قطع قطعًا، قال؛ لأنهم وجهوا عدم القطع بأن ما في الإناء يستحق الإراقة، فيصير شبهة في دفع القطع، وهذا لا يأتي في التي لا تراق، قال: ولو كان إناء الخمر من ذهب أو فضة .. فمقتضى إيراد الماوردي وابن الصباغ وغيرهما: الجزم بأنه يقطع 26، ولكن بطريقه خلاف من جهة أنَّه إذا لم يجز اتخاذه وهو الأصح .. يصير كآلات الملاهي.
5061 - قول "التنبيه" [ص 245]: (وإن سرق طنبورًا أو مزمارًا يساوي مفصَّلُه نصابًا .. قطع، وقيل: لا يقطع فيه بحال) صحح الرافعي في "المحرر" الثاني 27، مع نقله في "شرحيه" الأول عن الأكثرين 28، فلذلك استدركه فيه في "المنهاج"، وصحح القطع بالشرط المذكور 29، وعليه مشى "الحاوي"، فقال عطفا على ما لا قطع فيه [ص 590]: (وجائز الكسر بقصده أو قلَّ رضاضه).
لكن مال شيخنا الإمام البلقيني إلى عدم القطع فيه مطلقًا، وتمسك بإطلاق الشَّافعي رضي الله عنه عدم القطع فيها، وبأن الأكثرين على إبطال بيع آلات الملاهي ولو عُدَّ رضاضها مالًا، وبأن الحرز الذي هي فيه كلا حرز بالنسبة إليها؛ فلا يجب القطع بسرقتها، وقال الروياني في "الكافي" بعد حكاية النص المشهور، وقال في موضع آخر: إلَّا أن تبلغ قيمتها مخلّعة ربع دينار، قال شيخنا الإمام البلقيني: ولم أقف على هذا النص الذي ذكره ولا ذكره غيره.
5062 - قول "الحاوي" [ص 587]: (مِلكَ غيرٍ لدى الإخراج من الحرز، بلا شرك) تبع فيه الغزالي 30، وقال الرافعي: لك أن تقول: في اشتراطه كونه ملك الغير غنية عن هذا الشرط؛ لخروج المشترك عنه؛ فإنه لا يصدق أن يقال في المشترك: إنه مملوك لغير السارق 31، ولهذا اقتصر "المنهاج" على قوله [ص 506]: (الثاني: كونه ملكًا لغيره) وفي قول "الحاوي" [ص 587]: (لدى الإخراج من الحرز) و"المنهاج" [ص 506]: (قبل إخراجه من الحرز) ما يقتضي أنَّه لو ملكه بعد إخراجه من الحرز .. لم يسقط القطع، لكن لو وقع الملك قبل الرفع إلى القاضي .. لم يمكن استيفاء القطع؛ فإنه يتوقف على مطالبة المسروق منه بالمال، ذكره في "الروضة" وأصلها 32.
الحديث: 5061 - الجزء: 3 - الصفحة: 209
5063 - قول "المنهاج" [ص 507]: (الثالث: عدم شبهة فيه؛ فلا قطع بسرقة مال أصل وفرع) أعم من تعبير "التنبيه" بالأب والابن 33، وتناولت عبارتهما ما لو كان الأصل والفرع رقيقًا سرق من مال فرعه أو أصله الحر؛ لإطلاق الشَّافعي والأصحاب، ويؤيده أن المنقول: أنَّه لو وطئ الأصل العبدُ جاريةَ فرعه الحر التي ليست موطوءة الفرع .. لم يحد؛ للشبهة مع وجود الرق، ذكر ذلك شيخنا الإمام البلقيني، وقال: لم أر من صرح به هنا، لكنه استثنى من ذلك: ما لو نذر إعتاق عبده غير المميز فسرقه أصل الناذر أو وفرعه .. فقال: يقطع؛ وعلله بأن شبهة استحقاق النفقة إنما تتعلق بالمال الذي لمالكه تصرف فيه، ولا تصرف له في هذا، وإن لم يَزُل ملكه عنه، وليس كالمستولدة وولدها؛ لأن للمالك إجارتهما، قال: ولم أر من تنبه له.
5064 - قولهم: (إن العبد لا يقطع بسرقة مال سيده) 34 كذا مال أصل سيده أو فرعه.
5065 - قول "التنبيه" [ص 246]: (وإن سرق أحد الزوجين من الآخر .. فقد قيل: يقطع، وقيل: فيه أقوال:
أحدها: يقطع، والثاني: لا يقطع، والثالث: بقطع الزوج دون الزوجة) الأصح: طريقة الأقوال، وأصحها: القطع، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 35، ولا يخفى تقييده بأن يكون محرزًا عنه، وقال شيخنا الإمام البلقيني: الذي عندنا: أن مذهب الشَّافعي في ذلك: أنَّه لا قطع على واحد منهما؛ لاختياره له، وبسط دليله، وذكر مقابله مختصرًا من غير إقامة دليل ولا بسط، وإن كان الأرجح في القياس: أن يقطع الزوج دون الزوجة.
5066 - قول "التنبيه" [ص 246]: (ومن سرق مالًا فيه شبهة؛ كمالِ بيت المال .. لم يقطع) محله: فيما إذا كان السارق مسلمًا والمسروق لم يفرز لطائفة معينة، ويرد ذلك على قول "الحاوي" [ص 590]: (والفقير من بيت المال والغني من المصالح) ويزيد أمرًا آخر، وهو: أنَّه إنما فرق بين الغني والفقير؛ لظنه أن مال الصدقات من أموال بيت المال، فذكر أن الفقير لا يقطع بسرقة مال بيت المال مطلقًا، وأن الغني لا يقطع به إذا كان من سهم المصالح، وهو خمس الخمس، ومال الصدقات ليس من أموال بيت المال، ومال بيت المال شيئان: خمس خمس الغنيمة والفيء، ومال من مات من المسلمين ولا وارث له مستغرق، ولا فرق فيهما بين الغني والفقير، وعبارة "المنهاج" [ص 507]: (ومن سرق مال بيت المال؛ إن أفرز لطائفة ليس هو منهم .. قطع، وإلَّا .. فالأصح: أنَّه إن كان له حق في المسروق؛ كمال المصالح وكصدقةٍ وهو
الحديث: 5063 - الجزء: 3 - الصفحة: 210
فقيرٌ .. فلا، وإلَّا .. قطع) ويرد عليه مما تقدم أمران:
أحدهما: اختصاص ذلك بالمسلم.
الثاني: أن مال الصدقة ليس من أموال بيت المال، ويزيد أمورًا أخر:
أحدها: أن ما ذكره فيما قرر لطائفة قال شيخنا الإمام البلقيني: محله: في طائفة لها مستحق مقدر بالأجزاء في مال مشاع بصفة؛ كذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والمقرر من الأخماس الأربعة من الفيء للمرتزقة تفريعًا على أنَّه ملكهم، فأما إذا أفرز الإمام من سهم المصالح لطائفة من العلماء أو القضاة أو المؤذنين شيئًا من ذلك .. فلا أثر لهذا الإفراز؛ إذ لا سهم لهم مقدر يتولى الإمام إفرازه لهم، والحكم فيه كما لو كان مشاعًا، قال: ولم أر من تعرض له، ولا بد منه.
ثانيها: في معنى ما لو كان السارق ممن أفرز لهم ذلك المال: ما لو كان أصلًا أو فرعًا أو عبدًا لأحدهم، وكذا كل من لا يقطع بسرقة مال بيت المال .. لا يقطع أصله ولا فرعه ولا عبده بسرقته منه.
ثالثها: يستثنى من قطع الغني بأخذه من الصدقات: ما لو كان غارمًا لإصلاح ذات البين أو غازيًا، وذلك يرد على "الحاوي" أيضًا.
5067 - قول "التنبيه" [ص 246]: (وإن سرق القناديل أو الحصر - أي: التي للمسجد - .. فقد قيل: يقطع، وقيل: لا يقطع) الأصح: أنَّه لا يقطع، ومحله: في القناديل التي تسرج دون التي للزينة، فتلك يقطع بها، وعلى هذا مشى "المنهاج" فقال [ص 507]: (والمذهب: قطعه بباب مسجد وجذعه لا حُصُرِهِ وقناديل تسرج) لكن في تعبيره بالمذهب نظر، ومحل ذلك: في المسلم، أما الكافر: فيقطع بها بلا خلاف، وقد دخل ذلك في قول "الحاوي" [ص 587]: (بلا شرك وحق) فقوله بعد ذلك فيما يقطع فيه: (ولمسجد) 36 أراد به: الجذع والباب دون القناديل والحصر.
5068 - قول "التنبيه" [ص 246]: (وإن سرق شيئًا موقوفًا .. فقد قيل: يقطع، وقيل: لا يقطع) الأصح: أنَّه يقطع، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 37، والخلاف في نفس الموقوف، فلو سرق غلة الوقف .. قطع قطعا، ولا يخفى أن محله: فيما إذا لم يكن السارق من الموقوف عليهم ولا أصلًا لأحدهم ولا فرعًا ولا عبدًا.
5069 - قول "الحاوي" [ص 589]: (وأم ولد) صوره "المنهاج" فقال [ص 507]: (سرقها
الحديث: 5067 - الجزء: 3 - الصفحة: 211
نائمة أو مجنونة) وإنَّما صور بذلك؛ لأنها بالغ، لكن ولدها من زوج أو زنا التابع لأمه في العتق بموت السيد يجيء فيه الوجهان إذا كان صغيرًا، ويجريان فى المنذور إعتاقه والموصى بعتقه إذا سرق بعد موت السيد بشرط صغر أو نوم أو جنون.
5070 - قول "المنهاج" [ص 507]: (الرابع: كونه محرزًا بملاحظةٍ أو حصانةٍ موضعِهِ) يقتضي التفاء بالحصانة بلا ملاحظة، وليس كذلك؛ فقد قال بعده: (وإن كان بحصن .. كفى لَحْظٌ معتادٌ) 38 فدل على أن اعتبار اللحظ لا بد منه إلَّا أنَّه يحتاج في غير الحصن إلى دوامه، ويكتفى في الحصن بالمعتاد؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 587]: (بلحاظٍ مبالىً به دائم في الصحراء، أو معتادٍ بحصانةٍ) وأورد شيخنا البلقيني: أن الإحراز يكون بثالت غير الملاحظة والحصانة، وهو ما نزل منزلة الملاحظة، وذلك في النائم على ثوبه؛ فإنه لا ملاحظة منه، وليس الثوب بموضع حصين، ولكن نُزِّل نومه عليه منزلة ملاحظته.
ويكفي في جواب هذا الإيراد قوله: (إنه منزل منزلة الملاحظة) فالتعبير بالملاحظة يغني عن ذكر ما نُزِّل منزلتها.
5071 - قول "المنهاج" [ص 507]: (فإن كان بصحراء أو مسجد .. اشترط دوام لحاظٍ) و"الحاوي" [ص 587]: (بلحاظ مبالًى به دائم في الصحراء والشارع والمسجد والسكة المنسدة) يقتضي أن الفترات العارضة للإنسان في العادة تقدح في هذا اللحاظ، فلو تغفله وأخذ في تلك الفترة .. لم يقطع، والمشهور: أن ذلك لا يقدح، وأن السارق منه يقطع؛ فينبغي التعبير باللحاظ المعتاد في مثله.
5072 - قول "المنهاج" [ص 507]: (وإصطبلٌ حرز دواب لا آنيةٍ وثيابٍ) كقول "الحاوي" [ص 588]: (كدابة الإصطبل) وفيه أمور:
أحدها: أنَّه لو عبر بالفاء فقال: (فإصطبل) .. لكان أحسن؛ لأنه أخذ في تفصيل ما أجمله أولًا.
ثانيها: اختار شيخنا الإمام البلقيني في الإصطبل أنَّه كالدار، فيفصل فيه بين أن يكون متصلًا بالعمارة أم لا، ويعود فيه ما سيأتي فيها.
ثالثها: استثنى شيخنا الإمام البلقيني من الآنية والثياب: آنية الإصطبل كالسطل وثياب الغلام وآلات الدواب من سروج وبرادع ولجم ورجال جمال وقربة السقاء والراوية ونحو ذلك مما جرت العادة بوضعه في إصطبلات الدواب.
الحديث: 5070 - الجزء: 3 - الصفحة: 212
5073 - قول "المنهاج" [ص 507]: (وعرصة دارٍ وصُفَّتُها حرز آنية وثياب بذلة لا حلي ونقد) كقول "الحاوي" [ص 588]: (وإناء الصحن كثوب البذلة) اختار شيخنا الإمام البلقيني أنهما حرز للحلي والنقود أيضًا، وتمسك بإطلاق قول الشَّافعي رضي الله عنه في "الأم" و"المختصر": (والبيوت المغلقة حرز لما فيها) 39، قال: وعليه جرى الشيخ أَبو حامد، وهو المذهب المعتمد، قال: وإنَّما يتخذ الناس لنقودهم وحليهم حرزًا خاصًا غير الصفة من أجل عائلتهم لا من أجل السارق، فالعادة أن الدار المحكمة الباب العالية البناء حرز لذلك وإن لم يوضع في خزانة أخرى مغلقة.
5074 - قول "المنهاج" [ص 507]: (ولو نام بصحراءَ أو مسجدٍ على ثوبٍ أو توسد متاعًا .. فمحرز) فيه أمران:
أحدهما: التمثيل بالصحراء والمسجد يشعر بأن المراد: موضع مباح، وكذا قيده به الشَّافعي رضي الله عنه والقاضي حسين كما حكاه شيخنا الإمام البلقيني، وقال: وهذا قد يفهم من الكلام في الغاصب، ولكن التنبيه عليه حسن.
ثانيهما: دخل في إطلاق المتاع ما لو كان فيه دراهم أو دنانير أو نحوها، وقال الماوردي في هذه الصورة: لا يكون وضعه تحت رأسه إذا نام حرزًا له حتَّى يشده في وسطه 40، وهو مقتضى ما ذكره المصنف في الحلي والنقد في الصحن والصفة، وقال شيخنا الإمام البلقيني: ليس ذلك عندنا بمعتمد، ولا فرق عندنا في ذلك؛ فجميع ما يوضع تحت رأسه محرز به؛ لأن المدرك في إحرازه أنَّه إذا جرّه السارق .. انتبه النائم، وذلك يقتضي الاستواء، وفي "أصل الروضة": أنَّه لو أخذ الخاتم من إصبع النائم .. قطع 41، ولم يفرق بين خاتم وخاتم، وقد يكون فيه فص يساوي ألفًا أو أكثر.
5075 - قوله: (فلو انقلب فزال عنه .. فلا) 42 يشمل ما لو كان انقلابه عنه بفعل السارق؛ بأن رفعه عن الثوب أولًا ثم سرقه، وبذلك صرح في "الروضة" وأصلها 43، لكن قال شيخنا الإمام البلقيني: إنه ممنوع لم يسبق البغوي إليه أحد؛ فإن السارق إذا أزال الحرز بالنقب والفتح ونحوهما، ثم سرق .. يقطع اتفاقًا، ولم يقل أحد بأنه إنما يقطع إذا سرق مع قيام الحرز، فبطل ما قاله البغوي؛ لإفضائه إلى مُخَالَفَةُ ما اتفقوا عليه، وذكر شيخنا أيضًا: أن مقتضى عبارة
الحديث: 5073 - الجزء: 3 - الصفحة: 213
"المنهاج" في هذه الصورة: القطع؛ لأنه أطلق الحرز فيما توسد عليه، ولم يخرج عنه إلَّا صورة الانقلاب.
قلت: وفيه نظر؛ لأن الانقلاب قد يكون بغير فعل أحد، وقد يكون بفعل فاعل؛ إما السارق وإما غيره، فالحق: أن مقتضى عبارة "المنهاج" في ذلك "الروضة"، والله أعلم.
5076 - قوله: (وثوب ومتاع وضعه بقربه بصحراء إن لاحظه .. محرز، وإلَّا .. فلا) 44 فيه أمور:
أحدها: أن هذا مكرر تقدم ذكره في قوله: (فإن كان بصحراء أو مسجد .. اشترط دوام لحاظ) 45.
ثانيها: لم يقيد "الحاوي" ذلك بكونه بقربه 46، وقال شيخنا الإمام البلقيني: مقتضى نصوص الشافعي وكلام أصحابه: أنَّه يكتفي بأن ينظر إليه من غير اعتبار القرب.
ثالثها: إنما يكتفي بالملاحظة إذا لم يكن هناك زحام شاغل، وقد ذكره "الحاوي" 47 ولعله مفهوم من تعبير "المنهاج" بالصحراء؛ لأن الغالب خلو الصحاري.
رابعها: قال شيخنا الإمام البلقيني: شرط الملاحظة: كون الملاحظ بحيث يراه السارق حتَّى يمتنع من السرقة إلَّا بتغفله، فإن كان في موضع لا يراه السارق .. فلا قطع؛ إذ لا حرز يظهر للسارق حتَّى يمتنع من السرقة.
5577 - قول "المنهاج" [ص 507]: (ودار منفصلةٌ عن العمارة إن كان بها قويّ يقظان .. حرز مع فتح الباب وإغلاقه، وإلَّا .. فلا) يقتضي أنَّه إذا كان فيها قوي نائم والباب مغلق .. ليست حرزًا، وهو مقتضى إطلاق الإمام والبغوي 48، لكن الذي أجاب به الشيخ أَبو حامد ومتابعوه أنَّها حرز، وهو مقتضى قول "الحاوي" [ص 588]: (وبحافظ بلا فتح ونوم) لأنه لم يخرجها عن الحرز إلَّا عند اجتماع الأمرين، وقال الرافعي في "الشرح الصغير": إنه أقرب، وفي "زيادة الروضة": إنه أقوى 49.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: هو الأرجح في الفتوى، وقد نص في "الأم" فيما إذا نزل في صحراء فضرب فسطاطًا وآوى فيه متاعه واضطجع فيه؛ فإن سُرق الفسطاط أو المتاع من جوف
الحديث: 5076 - الجزء: 3 - الصفحة: 214
الفسطاط .. فأقطعُ فيه؛ لأن اضطجاعه فيه حرز للمتاع والفسطاط 50، وسيأتي في "المنهاج" في الخيمة بالصحراء أنَّها إذا شُدّت أطنابها وأرخيت أذيالها .. فالمتاع الذي فيها محرز بشرط حافظ قوي فيها ولو نائم 51، ولا يقال: الخيمة لا توضع للدوام في الصحراء، بخلاف الدار؛ لأن أهل الخيام قد لا يظعنون صيفًا ولا شتاء، والحكم مستمر فيهم، ثم استثنى شيخنا من موضع الخلاف .. الدواب؛ فإنها محرزة في الدار التي فيها حافظ قوي نائم والباب مغلق.
5078 - قول "التنبيه" [ص 245]: (فإن سرق الثياب والجواهر ودونها أقفال في العمران .. قطع) يتناول ما إذا لم يكن فيها أحد، ومحله حينئذ: في النهار زمن الأمن، وقد ذكره "المنهاج" فقال [ص 507]: (ومتصلة حرز مع إغلاقه وحافظ ولو نائم، ومع فتحه ونومه غير حرز ليلًا، وكذا نهارًا في الأصح، وكذا يقظان تَغفَّله سارق في الأصح، فإن خلت .. فالمذهب: أنَّها حرز نهارًا زمن أمن وإغلاقه، فإن فقد شرط .. فلا) وعبارة "الحاوي" [ص 587، 588]: (كدار وغلقت نهارًا) أي: زمن أمن، وذكر شيخنا الإمام البلقيني: أن هذا شذ به البغوي، فتابعه عليه الرافعي والنووي 52، قال: والذي نص عليه الشَّافعي رضي الله عنه في "الأم" و"المختصر" وجرى عليه شراح"المختصر ": أن المغلقة حرز وإن لم يكن صاحبها فيها 53، ولا فرق في ذلك بإن الليل والنهار، ولا بين الأمن والخوف، وقال في "التوشيح" فيما لو أغلق بابه ووضع المفتاح في بخش فأخذه السارق وفتح به الباب وسرق: الظاهر أن وضع المفتاح هنا تفريط فيكون شبهة تدرأ القطع، قال: ولم أجد المسألة منصوصة، فإن صحت .. وجب استثناؤها من قولهم: إن الدار المغلقة نهارًا حرز، وفي عبارة "المنهاج" مع ذلك أمور:
أحدها: كان ينبغي أن يقول: (ولو نائمًا) على أنَّه خبر كان المحذوفة بعد لو.
ثانيها: يستثنى من فتح الباب مع نوم الحارس: ما إذا كان فيها بيت مغلق .. فهو حرز لما فيه كما حكاه الشيخ أَبو حامد عن أبي إسحاق المروزي، ولم يتعقبه، وجزم به ابن الصباغ في "الشامل" والقاضي حسين في "تعليقه"، وقد يقال بعد تسليمه: إنه لا يرد؛ لأن باب ما جعلناه في حرز ليس مفتوحًا.
ثانيها: يستثنى من الصورة المذكورة أيضًا: باب الدار؛ فهو بتركيبه في حرز وإن لم يكن في الدار أحد، حكاه أَبو حامد عن أبي إسحاق، وجزم به ابن الصباغ والقاضي حسين، ونفى الدارمي
الحديث: 5078 - الجزء: 3 - الصفحة: 215
الخلاف فيه، فأما أَبواب التي داخله؛ فإن كانت مغلقة .. فهي في حرز، وإن كانت مفتوحة .. فقال ابن المرزبان: هي في حرز، وقال أَبو إسحاق: ليست في حرز، حكاه عنهما الدارمي.
رابعها: ألحق شيخنا الإمام البلقيني بإغلاق الباب ما إذا كان مردودًا وخلفه نائم بحيث لو فتح .. لأصابه، وانتبه، وقال: إنه أبلغ من الضبة والمتراس، قال: وكذا لو كان نائمًا أمام الباب بحيث لو فتح .. لانتبه بصريره، وفي "الاستذكار" للدارمي: فإن نام على باب مفتوح .. فحرز إذا كان له صرير.
خامسها: أورد شيخنا المذكور أيضًا أن الليل يدخل بغروب الشمس، وينبغي أن يكون لساعة أو ساعتين من أوله حكم النهار في جريان الخلاف؛ لاطراد العادة بفتح الباب فيه.
سادسها: رجح شيخنا المذكور: أنَّها مع نومه وفتحه حرز نهارًا إذا سرق من الموضع الذي فيه النائم بحيث يراه لو كان منتبهًا؛ لأنه يعد عند العامة حرزًا، وقد قال الشَّافعي رضي الله عنه: أنظر إلى المسروق، فإن كان في الموضع الذي تنسبه العامة إلى أنَّه في مثل ذلك الموضع محرز .. فأقطع فيه 54.
سابعها: محل الخلاف: في اليقظان الذي تغفّله سارق: ما إذا لم تدم الملاحظة، بل كان يتردد في الدار، فلو أدامها بحيث يحصل الإحراز بمثله في الصحراء .. فحرز قطعًا، كذا في "أصل الروضة" 55، وقال شيخنا الإمام البلقيني: إن نفي الخلاف ممنوع؛ ففي تمام الملاحظة وجه بالقطع، وهو آتٍ هنا.
ثامنها: أورد شيخنا أيضًا على قوله في الخالية: (نهارًا زمن أمن) 56 أن من الغروب إلى ساعة ونحوها في انتشار الناس في حكم النهار، ومن طلوع الفجر إلى قريب الأسفار في حكم الليل كما تقدم عنه نظيره في الأمر الخامس.
5079 - قول "المنهاج" [ص 508]: (وخيمة بصحراء إن لم تشد أطنابها وترخى أذيالها .. فهي وما فيها كمتاعٍ بصحراء، وإلَّا .. فمحرز بشرط حافظ قوي فيها ولو نائم) فيه أمور:
أحدها: أن اعتبار شد الأطناب وإرخاء الأذيال إنما هو بالنسبة لما فيها، فاما بالنسبة إليها .. فهي محرزه بدون إرخاء الأذيال، كما ذكره في "الروضة" وأصلها 57، وهذا وارد أيضًا على قول "الحاوي" [ص 588]: (وخيمة بإرسال أذيال وشد أطناب).
الحديث: 5079 - الجزء: 3 - الصفحة: 216
ثانيها: أنَّه اعتبر في الحافظ كونه قويًّا، وليس ذلك في "المحرر"، وعبارة "الروضة" وأصلها تقتضي أنَّه يشترط إما القوة وإما إمكان الاستغاثة؛ فإنه قال: قال الأئمة: والشرط أن يكون هناك من يتقوى به؛ أي: من هو فيها، فإن كانت في مفازة بعيدة عن الغوث وهو ممن لا يبالي به .. فليست بحرز 58، وأطلق "الحاوي" الحافظ اعتمادًا على ما فهم من قوله: (بلحاظ مبالًا به) 59 من كونه لا بد أن يكون مبالًا به إما بقوة أو باستغاثة.
ثالثها: أنَّه اعتبر كون الحافظ فيها، وذلك غير مشترط؛ ولذلك أطلقه "الحاوي" كما تقدم، بل يكتفي بكونه بقربها ولو كان نائمًا، فإن كان مستيقظًا .. لم يعتبر القرب، بل يكفي أن يكون في موضع تحصل منه الملاحظة ويراه السارق بحيث ينزجر به.
قال شيخنا الإمام البلقيني: وهو جلي، وقال شيخنا ابن النقيب في قوله: (ولو نائم): أي: سواء نام فيها أو بقربها، كذا في "الروضة" وينبغي أن يكون جلوس المستيقظ بقربها أولى، وعبارة "الروضة" لا تعطيه؛ فإنه قال: فإن كان صاحبها في نفسها مستيقظًا أو نائما أو نام بقربها .. قطع بسرقتها أو سرقة ما فيها.
انتهى 60.
ففهم أن النوم بقربها للاحتراز عن الاستيقاظ بقربها، وهو فهم عجيب؛ وإنَّما هو للاحتراز عن الاستيقاظ بالبعد منها؛ فإنه كاف بالشرط المتقدم، والله أعلم.
فإن قلت: كيف أطلق "الحاوي" الحافظ وفيه هذا التفصيل؟
قلت: قد يقال: لا يكون حافظًا في العرف إلَّا بهذا التفصيل، ويرد على "الحاوي": أنَّه أطلق هذا الحكم في الخيمة، ومحله: في الصحراء، فاما الخيمة المضروبة في العمارة .. فكمتاع بين يديه في السوق.
5080 - قول "المنهاج" [ص 508]: (وماشية بابنية مغلقة متصلة بالعمارة محرزة بلا حافظ)، و"الحاوي" [ص 588]: (وماشية ببناء مغلق متصل بالعمارة) أطلقاه هنا، وقيداه في الدار المتصلة بالعمارة؛ بأن يكون نهارًا، وفيده "المنهاج" أيضًا بأن يكون زمن أمن، ولا يظهر بينهما فرق؛ ولذلك رجح شيخنا في تلك الإطلاق كما تقدم.
5081 - قول "التنبيه" [ص 245]: (أو الجمال من الرعي ومعها راع) شرطه: أن يراها، كما صرح به "المنهاج، فقال [ص 508]: (وإبل بصحراء محررة بحافظ يراها) أي: فإن لم ير بعضها لكونه في وهدة أو خلف جبل .. فذلك البعض غير محرز، ولو نام أو تشاغل عنها .. لم تكن
الحديث: 5080 - الجزء: 3 - الصفحة: 217
محرزة، ولو لم يبلغ صوته جميعها .. ففي "المهذب" وغيره: أن ما لم يبلغه صوته غير محرز 61، وسكت آخرون عن اعتبار الصوت اكتفاء بالنظر؛ لأنه إذا قصد ما يراه .. أمكنه العدو إليه، وفي "الشرح الصغير": الأشبه الاكتفاء بالرؤية.
قال شيخنا الإمام البلقيني: ويخرج من هذا الكلام اعتبار أن تكون الإبل في موضع بحيث يمكنه العدو إلى قاصدها لياخذ منها ودفعه عن مقصوده، والخيل والبغال والحمير في المرعى كالإبل، وكذا الغنم إذا ارتفع الراعي بحيث يراها ويبلغها صوته وإن تفرقت؛ ولهذا عبر "الحاوي" بالماشية 62.
5082 - قول "المنهاج" [ص 508]: (ومقطورة يُشترط التفات قائدها إليها كل ساعة بحيث يراها، وألا يزيد قطار على تسعة) فيه أمور:
أحدها: لم يذكر "الحاوي" اشتراط التفاته كل ساعة، وقال شيخنا الإمام البلقيني: لم يعتبره الشَّافعي رضي الله عنه، وهو مشق على القائد، فلا يعتبر، ويكفي في خوف السارق أن يتوقع التفاته، فيمتنع لهذا التوقع.
ثانيها: وبتقدير اعتباره .. فيستثنى منه: ما إذ كان في ممر الناس من الأسواق وغيرها .. فيكفي في إحرازه رؤية الناس، ولا يحتاج لالتفات، كما صرح به في "النهاية" 63.
ثالثها: اعتبار تسعة بتقديم التاء مشى عليه "الحاوي" أيضًا 64، وفي "مشكل الوسيط" لابن الصلاح: أن الأصح: أنَّه سبعة بسين ثم باء موحدة، وعليه أهل العرف 65، والأصح في "أصل الروضة": توسط ذكره السرخسي: أنَّه في الصحراء لا يتقيد القطار بعدد، وفي العمران تعتبر العادة، وهي من سبعة إلى عشرة، فإن زاد .. فالزِّيادة غير محرزة 66.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: لم يعتبر ذلك الشَّافعي رضي الله عنه في شيء من كتبه ولا جمع كثير من الأصحاب منهم الشيخ أَبو حامد وأتباعه، وقال القاضي حسين: ولو كان في فضاء مستو وطول القطار وجرت العادة بالواحد يفعل ذلك .. فذلك حرز لها، وقال الماوردي: الأغلب أنَّه يكون في ثلاثة من الإبل، فإن تجاوزت .. فإلى أربعة، وغايته خمسة إن كان في الجمال فضل جلد وشهامة 67.
الحديث: 5082 - الجزء: 3 - الصفحة: 218
قال شيخنا الإمام البلقيني: وهذا له وجه، قال: وظهر بذلك أن التقييد بالتسع أو السبع ليس بمعتمد.
انتهى
وقيد "الحاوي" ذلك تبعا لـ "الوجيز" بقوله: (في صحراء خالية؛ وسكة مستوية) 68 وقال الرافعي: اعتبر - أي "الوجيز" - كون الصحراء خالية؛ إشارة إلى أنَّه لو كان في المارة كثرة .. حصل الإحراز بنظرهم، وقوله: (وسكة مستوية) ليقع نظره على الكل إذا لاحظ؛ أي: فإن لم ير البعض؛ لحائل .. فذلك البعض غير محرز 69.
5083 - قول "الحاوي" [ص 588، 589]: (وإلَّا واحدٌ) قال صاحبا "التعليقة" و"المصباح": أي: وإن لم يكن في صحراء خالية ولا سكة مستوية .. فالمحرز منها واحد.
قال في "المصباح": وهو البعض الذي في نظر القائد.
وقال في "الوجيز": إن كان يلاحظ ما وراءه .. فالمحرز بالقائد الأول 70.
وقال في "التعليقة": المراد من الصحراء: الموضع المنبسط الواسع، قال: وقد شرط فيها الخلو عن زحمة الزاحمين، ولم يشترط ذلك في السكة؛ لأن الغالب فيها الخلو عن الزحمة، فذكر الصحراء مثالًا لما يغلب فيه الخلو عن الزحمة، وهذا خلاف ما ذكره الرافعي في اعتبار كون الصحراء خالية 71.
5084 - قوله: (وبالراكب مركوبه وما أمامه وواحد خلفه) 72 تبع فيه الغزالي 73، وهو مذهب أبي حنيفة كما نقله الرافعي عنه، ونقل عن المذهب: أنَّه لما بين يديه كسائق ولما خلفه كقائد 74، فينبغي أن محل كلام "الوجيز" و"الحاوي": على ما إذا لم يلاحظ ما وراءه، أو يكون المراد بقوله: (وواحد خلفه): أي: فأكثر.
5085 - قول "المنهاج" [ص 508]: (وغير مقطورة ليست محرزة في الأصح) هو مفهوم من قول "الحاوي" [ص 588]: (والقطار تسعة بالقائد) فإن معناه: أن القطار وهو تسعة محرز بالقائد، فدل على أنَّه لا يحصل الإحراز إلَّا بالتقطير، وحكى هذا في "أصل الروضة" عن قطع البغوي، قال: وسوى صاحب "الإفصاح" بين المقطورة وغيرها، وبه أخذ الروياني 75.
الحديث: 5083 - الجزء: 3 - الصفحة: 219
قال في "الشرخ الصغير": وهي أولى.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: الأصح: أنَّها محرزة إذا كان سائقها حافظًا لها، ولا فرق بين أن يكون في صحراء أو بنيان، قال: وقد جرت عادة العرب في الصحاري والأبنية بسوق إبلهم من غير تقطير.
وقال في "المهمات": الفتوى على الأول؛ فقد نص عليه في "الأم"، فقال: وأي إبل كانت لرجل تسير وهو يقودها، فيقطر بعضها إلى بعض، فسرق منها أو مما عليها شيء .. قطع فيه، ثم قال بعد ذلك: فلو اضطجع مضطجع في صحراء ووضع ثوبه بين يديه أو أرسل رجل إبله ترعى أو تمضي على الطَّرِيقِ ليست مقطرة، فسرق من هذا شيء .. لم يقطع؛ لأن العامة لا ترى هذا حرزًا 76.
5086 - قول "التنبيه" [ص 245]: (أو الكفن من القبر) قيده "المنهاج" بأن يكون ببيت، وكذا بمقبرة بطرف عمارة في الأصح، لا بمضيعة في الأصح 77، وكذا قال "الحاوي" [ص 589]: (والكفن الشرعي لا بقبر ضائع) وفي "المحرر" و"الشرح الصغير": إنه الأظهر 78، والذي في "الروضة" وأصلها: قطع به صاحب "المهذب" والغزالي، وعزاه الإمام إلى جماهير الأصحاب، واختار مقابله القفال والقاضي حسين، ورجحه العبادي 79.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: ليس هذا التقييد في كلام الشَّافعي، وممن جرى على ظاهر النص الشيخ أَبو حامد والقاضي أَبو الطيب والبندنيجي والشيخ في "التنبيه" وابن الصباغ في "الشامل"، وهو الذي يعتمد في الفتوى، وإن كان الغزالي ضعفه، ثم في كلام "المنهاج" أمور:
أحدها: أنَّه يوهم التسوية في الحكم بين المحرز ببيت والذي بمقبرة بطرف عمارة، مع أن الأول يقطع به، وإن زاد على خمسة أثواب، بل لا يختص ذلك بالكفن؛ فغيره من الثياب والدراهم والجواهر وغيرها محرزة فيه أيضًا، بخلاف الثاني؛ فإنه ليس حرزًا لما زاد على الأثواب الخمسة التي تلي الميت على الأصح؛ ولذلك قيده "الحاوي" بالشرعي 80، وإطلاقه مدخول؛ لورود القسم الأول عليه، إلَّا أن يقال: إن كلامه فيما ليس بحرز إلَّا للكفن، والأول حرز مطلقًا، وقال أَبو الفرج الزاز: لو غالى في الكفن بحيث جرت العادة ألأَ يخلى مثل ذلك بغير حارس .. لا قطع على سارقه.
الحديث: 5086 - الجزء: 3 - الصفحة: 220
ثانيها: محل الوجهين في المقبرة بطرف العمارة ألَّا يكون لها حارس، فإن كان .. وجب القطع.
ثالثها: قيد الماوردي القبر بأن يكون عميقًا على معهود القبور، فإن دفن قريبًا من ظاهر الأرض .. لم يقطع 81، ويخالفه قول البغوي في "فتاويه": أنَّه لو وضع على وجه الأرض ووضعت الحجارة عليه .. فهو كالدفن حتَّى يقطع بسرقة الكفن خصوصًا ما إذا كان الحفر متعذرًا، وفي زيادة "الروضة": ينبغي ألَّا يقطع إذا لم يتعذر الحفر؛ لأنه ليس بدفن 82.
ولو طرح على الأرض فسفت الريح التراب عليه .. لم يقطع؛ لأنه لا يسمى دفنًا، قال الرافعي: وقد يتوقف في هذا 83.
5087 - قول "التنبيه" [ص 245]: (وإن سرق المتاع من الدكاكين وفي السوق حارس .. قطع) محله: في الليل، واستثنى منه الماوردي زمن انتشار الفساد وقلة الأمن .. فلا تكون حوانيت البزازين والصيارف حرزًا فيه لأموالهم ليلًا، بل ينقلونها إلى منازلهم أو خاناتهم، حكاه عنه في "الكفاية"، ولم يعترضه 84.
5088 - قوله: (أو سرق الثياب من الحمام وهناك حافظ) 85 له شروط:
أحدها: استحفاظ الحارس.
والثاني: أن يدخل السارق للسرقة، فلو دخل على العادة ثم سرق .. فلا قطع، ذكرهما في "أصل الروضة" ناقلًا للأول عن البغوي وغيره من غير مُخَالَفَةُ 86، وعبر شيخنا الإسنوي في "تصحيحه" عن اشتراطهما بلفظ: الصواب 87، ويرد عليه: أن البغوي قال في "فتاوى شيخه القاضي حسين" بعد نقله عن الأصحاب اشتراط الاستحفاظ: الأصح: تضمنينه وإن لم يستحفظ للعادة؛ فيكون الذي في "التهذيب" حكاية المذهب، والمختار عنده خلافه.
والثالث: أن يخرج السارق الثياب من الحمام، حكاه في "الروضة" في آخر الباب عن "فتاوى الغزالي" 88.
الحديث: 5087 - الجزء: 3 - الصفحة: 221
فَصْلٌ [فيما يمنع القطع وما لا يمنعه]
5089 - كذا في "المنهاج" 89، وكان ينبغي تأخيره إلى قوله: (ولا بُقطع مختلس) 90 لأنه أول الركن الثاني، ويذكر ما قبل ذلك من المسائل في الفصل الذي قبله.
5595 - قول "المنهاج" [ص 508]: (يقطع مؤجر الحرز) فيه أمران:
أحدهما: علله الرافعي بأن المنافع مستحقة للمستأجر، قال: وفيه إعلام بأن التصوير فيمن استحق بالإجارة إيواء المتاع، دون من استأجر لزراعة فآوى إليها ماشيته مثلًا 91.
وقال ابن الرفعة: إن فيه نظرًا.
قال في "التوشيح": ولعل وجهه أن اليد على الحرز للمستأجر ولا حق للمؤجر في تلك المدة، بل هو كالأجنبي، فلا فرق بين أن يستحق المستأجر إيواء المتاع أم لا، وليس لغاصب الحرز؛ فإنه لا يد له عليه.
انتهى.
ونازع شيخنا الإمام البلقيني في هذا المثال، وقال: العادة تقضي بأن من استأجر للزراعة .. يدخل فيها هو ومواشيه ورجاله وآلاته، وذلك لا منع منه قطعًا، فيقطع المؤجر بسرقته قطعا إذا كان محرزًا؛ فلذلك مثله في "تصحيح المنهاج" بما لو استأجر موضعًا لزرع الحنطة مثلًا، فغرس فيه أشجارًا، فدخل المالك فسرق منها .. فإنه لا يقطع؛ لأن ذلك الغراس ليس محرزًا لاستحقاقه القطع.
ثانيهما: قال شيخنا الإمام البلقيني: محله: فيما إذا لم يثبت له خيار الفسخ بطريق معتبر، فإن ثبت على وجه لا يبطل بالتأخير؛ كما لو بلغه ليلًا إفلاس المستأجر، فسرق تلك الليلة من الحرز .. ففيه خلاف المعير؛ لتمكنه من فسخ الإجارة كما أن المعير متمكن من الرجوع في العارية، قال: ولم أر من تعرض له.
5091 - قوله: (وكذا معيره في الأصح) 92 كان ينبغي أن يقول: (على المنصوص) كما في "التنبيه" 93 فقد نص عليه في "الأم" و"المختصر"، ثم فيه أمران:
أحدهما: محل الخلاف في عارية له الرجوع فيها، فإن كانت لازمة يمتنع الرجوع فيها .. قطع قطعا؛ كالمؤجر الذي لا يتمكن من فسخ الإجارة.
الحديث: 5089 - الجزء: 3 - الصفحة: 222
ثانيهما: لو استعمله المستعير في غير المأذون فيه؛ كأن استعار للزرع، فغرس، فسرق المعير من الغراس .. لم يقطع على الأصح كما تقدم في صورة المؤجر.
واعلم: أن في معنى دوام الإجارة والعارية: ما إذا انقضتا لكن لم يتمكن المستأجر والمعير من الانتقال والتفريغ، فاما بعد التمكن والتفريط في الانتقال .. فلا قطع على المالك في الأصح؛ لأنهما صارا غاصبين، فدخل ذلك في قولهم: (ولو غصب حرزًا .. لم يقطع مالكه).
5092 - قول "التنبيه" [ص 246]: (وإن سرق المغصوب منه من مال الغاصب من الحرز المغصوب، أو المسروق منه من مال السارق .. فقد قيل: يقطع، وقيل: لا يقطع) الأصح: أنَّه لا يقطع، وبه جزم "المنهاج" و"الحاوي" 94، وقال في "الكفاية": إنه الذي أورده الماوردي والقاضي أَبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ والفوراني والإمام وصاحب "الكافي" والرافعي، وادعى الإمام أنَّه مما لا شك فيه، ولم أر ما يخالفه في شيء مما وقفت عليه.
انتهى 95
قال في "التوشيح": ولك أن تقول: تصريح الشيخ بحكايته وجهًا كاف، وقد أتى النووي في "التصحيح" بلفظ: أن الأصح: عدم القطع؛ فدل على أن مقابله وجه، ولو كان مجزومًا به .. لقال: الصواب.
انتهى 96.
وفهم من تقييد "التنبيه" محل الخلاف بأن يكون السارق المغصوب منه: أنَّه لو كان السارق أجنبيًا .. قطع قطعًا، وليس كذلك، بل هذه الصورة الثانية هي محل الخلاف في كلام الرافعي والنووي، والأصح فيها في "المنهاج": أنَّه لا قطع، وعليه مشى "الحاوي" 97.
5093 - قول "المنهاج" [ص 508]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 587]: (ولو غصب مالًا وأحرزه بحرزه فسرق المالك منه مال الغاصب .. فلا قطع في الأصح) قال شيخنا الإمام البلقيني: ليس بالأصح، والأصح: أنَّه يقطع؛ لئلا يؤدي إلى أن من غصب من شخص فلسًا ووضعه في حرزه الذي فيه النقود والحلي .. أن المالك يسرق جميع ما هنالك ولا يقطع، وهذا خرق عظيم، لا يصار إليه ولا يعول عليه؛ ويؤيده ما في "أصل الروضة": أن صاحب الدين إذا أخذ مقدارًا لا بقصد استيفاء الحق مع جحد المديون أو مطله .. قطع على الأصح 98، وأن الراهن أو المؤجر أو المعير أو المودع أو مالك القراض لو سرق مع مال نفسه نصابًا آخر لزمه القطع 99، وأما ما صححه
الحديث: 5092 - الجزء: 3 - الصفحة: 223
في "الروضة" وأصلها: من أن المشتري إذا لم يقبض العين المعينة وأدى ثمنها؛ أنَّه إذا سرق معها مالكٌ آخر لم يقطع في الأصح 100 .. فهو نظير المصحح هنا، وهو غير معتمد، والمعتمد أنَّه يقطع.
5094 - قول "التنبيه" [ص 246]: (وإن سرق الأجنبي المال المغصوب من الغاصب، أو المسروق من السارق .. فقد قيل: يقطع، وقيل: لا يقطع) الأصح: أنَّه لا يقطع، وعليه مشى "المنهاج" 101، وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه ليس بمعتمد، بل الأصح: أنَّه إن أخذه بنية السرقة .. قطع، أو بنية رده على مالكه .. فلا قطع كما تقدم في صاحب الدين إذا أخذ لا بنية استيفاء الحق، وقد جعل البغوي محل الوجهين: في غير أخذه بنية الرد على المالك، وجزم فيها بعدم القطع 102، وأشار الإمام وغيره إلى بناء الخلاف على أن الأجانب هل لهم انتزاعه لمالكه حسبة؟ 103 ومقتضى هذا البناء: أنَّه إذا لم يكن معرضًا للضياع .. يقطع قطعًا؛ لأنه يمتنع الأخذ قطعًا.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: إن البناء المذكور غير صحيح، والأصح: أنَّه يقطع وإن أجزنا له الأخذ؛ لأنه لم يأخذه على القصد المذكور.
5095 - قول "التنبيه" [ص 246]: (ولا قطع على من خان أو جحد) يُسأل عن الفرق بينهما؛ فإن الذي يظهر اتحادهما، وقد اقتصر "المنهاج" على الجاحد 104، وقد فرق بينهما بأن الجاحد من ينكر أصل الوديعة، والخائن من يأخذ بعضها، وقد يقال: هو جحد في ذلك البعض.
5096 - قول "المنهاج" [ص 508]: (ولو نقب وعاد في ليلة أخرى فسرق .. قُطع في الأصح) لا يخفى أن محل الخلاف: ما إذا لم يُعَد الحرز، فلو أعيد فسرق .. قُطع قطعًا، وقد ذكر ذلك "المنهاج" فيما لو سرق نصابًا بدفعات، فقال: (فإن تخلل علم المالك وإعادة الحرز .. فالإخراج الثاني سرقة أخرى) 105.
5097 - قوله من زيادته: (هذا إذا لم يعلم المالك النقب ولم يظهر للطارقين، وإلَّا .. فلا يقطع قطعًا) 106 فيه مُخَالَفَة لقوله في أول الباب: (ولو أخرج نصابًا من حرز مرتين) 107 فإن مقتضى
الحديث: 5094 - الجزء: 3 - الصفحة: 224
كلامه هنا: أن ظهور ذلك للطارقين كعلم المالك، ومقتضى كلامه هناك: خلافه، وقد تقدمما في ذلك هناك.
5098 - قول "التنبيه" [ص 245]: (وإن نقب أحدهما ودخل الآخر فأخرج المتاع .. لم يقطع واحد منهما، وقيل: فيه قولان كالمسألة قبلها، وإن نقب واحد فانصرف وجاء آخر فسرق .. لم يقطع واحد منهما) تناول الصورتين معًا قول "المنهاج" [ص 508]: (ولو نقب وأخرج غيره .. فلا قطع) ويستثنى من عدم قطع الثاني: ما لو كان في الحرز حافظ بقرب النقب يلاحظ المتاع .. فيقطع الآخذ، إلَّا إن كان ذلك الحافظ نائما في الأصح، وقول "التنبيه" [ص 245]: (وقيل: فيه قولان كالمسألة قبلها) أي: وهي: ما لو نقبا ودخل أحدهما فوضع المتاع في وسط النقب وأخذه الخارج؛ مقتضاه: أن أحد القولين: أنهما يقطعان، وجعل الرافعي هذه الطريقة حاكية للخلاف في قطع الثاني خاصة 108، ونسبه شيخنا الإمام البلقيني في ذلك إلى الوهم، وليس كذلك؛ فقد سبقه إليه الإمام 109، ورجحه بعضهم، ولم يستحضر شيخنا الإمام البلقيني المسألة الثانية في "التنبيه"، فذكرها بحثًا، وقال: ينبغي أن يختص الخلاف فيها بقطع الثاني، وقد عرفت النقل من "التنبيه" بالجزم في هذه الصورة بعدم قطع واحد منهما، وأنه لا يأتي فيها تلك الطريقة، وذكر ذلك صاحب "المعين" بحثًا، وقال: لعل الخلاف إذا تواطأا على ذلك.
5099 - قول "المنهاج" [ص 508]: (ولو تعاونا في النقب وانفرد أحدهما بالإخراج، أو وضعه ناقب بقرب النقب فأخرجه آخر .. قُطع المخرج) قد يفهم كلامه في الصورة الثانية أن المراد: أخرجه آخر لا مدخل له في النقب، وليس كذلك، بل المراد: أن يخرجه ناقب آخر، فلو قال: (الآخر) بالتعريف .. لاندفع هذا الإيهام، وحاصله: أنهما إذا تعاونا في النقب لإخراج أحدهما صورتان:
إحداهما: أن ينفرد أحدهما بالدخول، فيدخل، فيأخذ المال ويخرج به، وهي قوله: (وانفرد أحدهما بالإخراج).
والثانية: أن يدخل أحد الشريكين في النقب يده فيه فيخرج المال، وهي قوله: (فاخرجه آخر) وبسبب 110 هذا الإيهام جعل في "المهمات" هذا مناقضًا لقول "المنهاج" قبله [ص 508]: (ولو نقب وأخرج غيره .. فلا قطع) وقال: إذا لم يقطع فيما إذا كان هو الداخل والسارق .. فطريق الأولى: ألَّا يقطع مع عدم الدخول وتقريب الناقب له من النقب.
انتهى.
الحديث: 5098 - الجزء: 3 - الصفحة: 225
وقد عرفت أن الصورتين لم يتواردا على محل واحد، فتلك فيما إذا لم يكن للمخرج مدخل في النقب، وهذه فيما إذا كان له مدخل فيه، وقوله: (أو وضعه) معطوف على قوله: (وانفرد أحدهما بالأخراج) فهو من تتمة مسألة التعاون في النقب ولو عبرب (الآخر) كما في "المحرر" 111 .. لزال هذا الإيهام كما قدمته، والله أعلم.
5100 - قول "التنبيه" [ص 245]: (وإن نقب رجلان فدخل أحدهما فأخذ المتاع ووضعه في وسط النقب وأخذه الخارج .. ففيه قولان، أحدهما: يقطعان، والثاني: لا يقطعان) الأظهر: الثاني، ومحل الخلاف: ما إذا ساوى المتاع نصابين، هالا .. فلا قطع قطعًا، وعلى ذلك مشى "المنهاج" فقال [ص 509]: (ولو وضعه بوسط نقبه فأخذه خارج وهو يساوي نصابين .. لم يقطعا في الأظهر) وعبارته موهمة؛ لأن المراد: أن الواضع له بوسط النقب منفرد بالنقب، والآخذ الخارج لا مدخل له في النقب، وليس كذلك، وإنما أراد: أن الواضع له في النقب أحد الناقبين والخارج شريكه في النقب، فهي من أحوال مسألة التعاون في النقب، فكان ينبغي أن يقول: (ولو وضعه أحد الناقبين بوسط النقب فأخرجه الآخر).
5101 - قول "المنهاج" [ص 509]: (ولو رماه إلى خارج حرز .. قطع) يخرج ما إذا رماه من بيت مغلق إلى صحن دار بابها مغلق، ومن إحدى داري المالك إلى دار له أخرى، وستأتي الأولى في كلامه، وألحق بها الدارمي في "الاستذكار" الثانية، ويرد عليه: ما إذا رماه إلى دار غير المالك .. فيقطع ولو كانت حرزًا مع ذلك.
فيستثنى من رميه إلى خارج حرز: ما لو وقع في نار فاحترق، أو ماء فغرق .. ففي "الاستذكار" للدارمي عن ابن القطان: أنَّه لا قطع، وعن ابن المرزبان: أنَّه يقطع، قال الدارمي: وعندي إن رمى بها للنار والماء عالمًا .. فلا قطع، وإن لم يقصد إلَّا إخراجها لأخذها .. قطع، حكاه شيخنا الإمام البلقيني، وقال: هذا الذي ذكره الدارمي أرجح، ولم أر من تعرض لهذا الفرع غيره، وقال: لو رماه فانكسر .. فعلى قول ابن القطان تعتبر قيمته مكسورًا، وابن المرزبان صحيحًا، وقال: إن أخذه رجل قبل أن يقع على الأرض .. قطع الرامي دون الآخذ.
5102 - قول "المنهاج" [ص 509] و"الحاوي" [ص 590]: (أو وضعه بماء جار .. قطع) كذا لو وضعه بماء راكد وحرّكه حتَّى خرج به، أما لو حرّكه غيره .. قطع المحرّك دون الواضع.
5103 - قول "التنبيه" [ص 245]: (وإن تركه في ماء راكد فتفجر وجرى وخرج مع الماء إلى خارج الحرز .. فقد قيل: يقطع، وقيل: لا يقطع) الأصح: أنَّه لا يقطع.
الحديث: 5100 - الجزء: 3 - الصفحة: 226
5104 - قول "المنهاج" [ص 509]: (أو ظهر دابة سائرة) كذا لو سيّرها، وقد صرح به "المحرر " و"الحاوي" 112، وحذفه "المنهاج" لفهمه من طريق الأولى.
5105 - قول "التنبيه" [ص 245]: (وإن ترك المال على بهيمة ولم يَسُقها فخرجت البهيمة بالمال .. فقد قبل: يقطع، وقيل: لا يقطع) الأصح: أنَّه لا يقطع، وعليه مشى "المنهاج" 113، وهو مفهوم "الحاوي" 114.
قال شيخنا الإمام البلقيني: ومحله فيما إذا لم يستول عليها وكان الباب مفتوحًا، فإن استولى عليها وكان الباب مغلقًا ففتحه لها .. فلا توقف في وجوب القطع؛ لأنها صارت تحت يده من حين الاستيلاء، ولما فتح لها الباب وهي تحمله فخرجت .. كان الإخراج منسوبا إليه، قال: وقضية هذا: أنَّه لو كانت الدابة له أو مستأجرة معه أو مستعارة وخرجت وهو معها .. أن يقطع؛ لأنها تحت يده، ففعلها منسوب إليه؛ ولهذا لو أتلفت شيئًا بيدها أو رجلها وهو معها .. كان ضامنًا له، فكذلك يكون سارقًا لما خرجت به وهو معها، ولم أر من تعرض لذلك.
5106 - قول "المنهاج" [ص 509]: (أو عرّضه لريح هابةٍ فأخرجته .. قُطع) منعه شيخنا الإمام البلقيني، قال: وليس تعريضه للريح مما يقتضي العادة أن تخرج به، بخلاف الماء الجاري.
5107 - قول "التنبيه" [ص 245]: (وإن نقب الحرز وقال لصغير لا يعقل: أخرج المال، فأخرجه .. وجب القطع) مثله: المجنون والأعجمي الذي يعتقد وجوب طاعة الآمر له.
5108 - قوله (وإن ابتلع جوهرة في الحرز وخرج .. فقد قيل: يقطع، وقيل: لا بقطع) 115 الأصح: وجه ثالث: أنَّها إن خرجت منه بعد ذلك .. قطع، وإلَّا .. فلا، وعليه مشى "الحاوي" 116، وصححه في "أصل الروضة" مع كون الرافعي إنما نقل تصحيحه عن الإمام والروداني 117.
5109 - قول "التنبيه" [ص 245]: (وإن سرق حرًا صغيرًا وعليه حلي يساوي نصابًا .. فقد قبل: يقطع، وقيل: لا يقطع) الأصح: أنَّه لا يقطع، وعليه مشى "المنهاج" فقال [ص 509]: (ولو سرق صغيرًا بقلادة .. فكذا في الأصح) و"الحاوي" فقال [ص 590]: (أو حرًا بثوبه) وفيه أمور:
الحديث: 5104 - الجزء: 3 - الصفحة: 227
أحدها: كان ينبغي أن يقيد محل الخلاف بكونه غير مميز، وفي معناه: المجنون والأعجمي الذي لا تمييز له كما ذكروه في سرقة العبد الصغير.
ثانيها: الزيادة والحلي مثال، والمدار على أن يكون ما معه من ثيابه وغيرها يبلغ نصابًا .. ففيه الخلاف.
ثالثها: كان ينبغي لـ"المنهاج" أن يصور المسألة بكونه حرًا، وأن يعبر بالصحيح؛ لأن الخلاف ضعيف جدًا.
رابعها: محل الخلاف: ما إذا لم يجاوز ما يليق به، فإن جاوزه .. قطع إن أخذ الصبي من حرز الحلي، وإلَّا .. فلا، ذكره في "الكفاية".
خامسها: محل الخلاف أيضًا: أن يكون ذلك للصبي، فلو كان لغيره؛ فإن أخذه من حرز مثل ما عليه .. قطع، وإلَّا .. فلا وجها واحدًا فيهما، قاله الماوردي 118.
سادسها: محل الخلاف أيضًا: فيما إذا سرق الصبيَّ من حرز مثله؛ بأن يكون في دار، أو على بابها بحيث يُرى، أو يكون مع حافظ، وإلَّا .. لم يقطع قطعًا، صرح به الماوردي 119، وقيد الإمام الوجهين بما إذا كان الصبي نائمًا أو مربوطًا عند الحمل 120، ولا يحتاج إلى ذلك مع كونه غير مميز، والنوم أو الربط يجعل المميز كغير المميز.
5110 - قول "المنهاج" [ص 509]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 590]: (ولو نام عبد على بعير فقاده وأخرجه عن القافلة .. قُطع، أو حُرٌّ .. فلا في الأصح) أي: فيهما؛ فيه أمور:
أحدها: أنَّه أطلق العبد والحر، ومحل الخلاف فيهما: إذا كانا مستقلين؛ بأن يكونا بالغين عاقلين.
ثانيها: يستثنى من العبد: المكاتب كتابة صحيحة .. فهو كالحر؛ لاستقلاله.
ثالثها: المراد: أخرجه عن القافلة إلى مَضيعة، فلو أخرجه عنها إلى قافلة أخرى أو بلدة .. لم تجيء فيه الأوجه.
5111 - قول "الحاوي" عطفا على ما قطع فيه [ص 590]: (أو خرج - أي: العبد المميز - مكرهًا) تبع فيه تصحيح بعض نسخ الرافعي، لكن أكثرها لا ترجيح فيه، والأولى في "الشرح الصغير"، والأصح في "أصل الروضة": وجوب القطع في هذه الصورة 121.
الحديث: 5110 - الجزء: 3 - الصفحة: 228
5112 - قول "التنبيه" [ص 245]: (وإن كان المال محرزًا ببيت في دار وأخرجه منه إلى الدار وهي مشتركة بين سكان .. قطع، وإن كان الجمبع لواحد وباب الدار مفتوح .. قطع، وإن كان مغلقًا .. فقد قيل: يقطع، وقيل: لا يقطع) الأصح: الثاني، وعليه مشى "المنهاج" 122، وهو مفهوم قول "الحاوي" [ص 590]: (ورمي من بيت مغلق إلى صحن الدار المفتوحة وترك).
قال الرافعي: وهذا ظاهر إذا لم يوجد من السارق تصرف في باب الدار؛ بأن تسور الجدار ودخل، أما إذا فتح الباب المغلق ثم أخرج المتاع إلى الصحن .. فالحرز الذي يهتكه السارق كالحرز الدائم بالنسبة إليه، فيكون كالنقل إلى الصحن وباب الدار مغلق، هذا ما رآه الإمام أصح، فإن أغلق الباب بعد فتحه .. فهو أظهر.
انتهى 123.
فعلى هذا: المراد: المفتوح بنفسه لا ما فتحه هو، سواء تركه مفتوحًا أم أغلقه؛ ونازع في ذلك شيخنا الإمام البلقيني فيما إذا لم يغلقه، وقال: قوله: (الحرز الذي يهتكه السارق كالحرز الدائم بالنسبة إليه) هو فيما إذا عاد، أما بالنسبة إلى غيره .. فلا يكون حرزًا، ونبه شيخنا على أن كلامهم هنا مخالف لقولهم: إن الصحن ليس حرزًا للنقد ولا للحلي، قال: والمذكور هنا هو النص المعتمد، قال: وينبغي تقييد وجه القطع بما لا يكون الصحن حرزًا له، فلو كان الصحن حرزًا له .. فلا يقطع قطعًا.
5113 - قول "المنهاج" [ص 509]: (وبيت خان وصحْنُهُ كبيتٍ ودارٍ في الأصح) تبع فيه "المحرر" 124، وفي "الشرح الصغير": إنه الأظهر، وحكاه في "أصل الروضة" عن قطع البغوي والغزالي وغيرهما، وعن قطع صاحب "المهذب" وغيره: أنَّه يقطع بكل حال؛ لأن الصحن ليس حرزًا لصاحب البيت، بل هو مشترك كالسكة المنسدة 125، وحكاه شيخنا الإمام البلقشِي عن نصه في "الأم" و"المختصر" حيث قال: (وإن أخرجه من البيت والحجرة إلى الدار، والدار للمسروق وحده .. لم يقطع حتَّى يخرجه من جميع الدار؛ لأنها حرز لما فيها، ولو كانت مشتركة وأخرجه من الحجرة إلى الدار .. فليست الدار بحرز لأحد من السكان، وقطع) 126 قال: وعليه جرى الشيخ أَبو حامد وأتباعه، ومنهم صاحبا "المهذب" و"الشامل" وغيرهما، وهو المعتمد في الفتوى، ومحل الخلاف: ما إذا كان السارق من غير السكان، فإن كان منهم ..
الحديث: 5112 - الجزء: 3 - الصفحة: 229
قطع مطلقًا؛ لأن ما في الصحن ليس محرزًا عنه، وهو داخل في قول "الحاوي" [ص 588]: (وعرصة الدار لا للساكن).
5114 - قول "التنبيه" [ص 246]: (وإن وهبه منه .. قطع) محله: ما إذا كان ذلك بعد الرفع إلى الحاكم، فإن كان قبله .. لم يقطع.
فَصْلٌ [إقامة الحد على الذِّمِّيُّ والمعاهد]
5115 - قول "الحاوي" [ص 591]: (ولذمي بالترافع) أي: إنما يقطع الذِّمِّيُّ بسرقة مال ذمي إذا ترافعا إلينا، تبع فيه الإمام 127، لكن في "التهذيب" وغيره: أنا إذا ألزمنا حاكمنا الحكم بينهم .. حده في الزنا وقطعه في السرقة وإن لم يرض، وإلَّا .. اشترط رضاه، سواء سرق من مسلم أو ذمي؛ ولذلك أطلق "التنبيه" قطع الذِّمِّيُّ 128، و"المنهاج" قطع الذِّمِّيّ بمال الذِّمِّيّ 129. 5116 - قول "المنهاج" [ص 509]: (وفي معاهد أقوال: أحسنها: إن شُرط قطعه .. قطع، وإلَّا .. فلا) كذا في "المحرر" 130، واستحسنه في "الشرح الكبير"، وقال في "الصغير": إنه الأقرب، لكن في "الشرح الكبير": إن المنصوص في أكثر كتب الشَّافعي: أنَّه لا يقطع مطلقًا 131، وفي " أصل الروضة": إنه أظهرها عند الأصحاب 132، ولذلك استدركه "المنهاج" فقال [ص 509]: (الأظهر عند الجمهور: لا قطع) وهو مفهوم قول "التنبيه" [ص 244]: (وهو مسلم أو ذمي أو مرتد) وعليه مشى "الحاوي" 133، والمراد بالمعاهد: المهادن؛ بدليل عطف "الروضة" وأصلها عليه من دخل بأمان 134، وفسر الشيخ أَبو حامد في "تعليقه" المعاهد: بالداخل بأمان، وذكر شيخنا الإمام البلقيني: أن إثبات الأقوال في المهادن لم نجده منصوصًا للشافعي رضي الله عنه، وأن منصوصاته في أهل الهدنة: أنَّه لا يجب الحكم بينهم إلَّا برضاهم.
الحديث: 5114 - الجزء: 3 - الصفحة: 230
فَصْلٌ [فيما تثبت به السرقة]
5117 - قول "المنهاج" [ص 509]: (وتثبت السرقة بيمين المدعي المردودة في الأصح) تبع فيه "المحرر" 135، وحكاه الإمام عن الأصحاب 136، وقطع به الغزالي وإبراهيم المروزي 137؛ لكن ذهب ابن الصباغ والعمراني وغيرهما إلى خلافه 138، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 592]: (وتثبت بالمردودة لا القطع) وجزم به في "الروضة" وأصلها في اليمين في (الدعاوى) 139.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه المعتمد؛ لنص الشَّافعي رضي الله عنه في "الأم" و"المختصر" على أنَّه لا يثبت القطع إلَّا بشاهدين أو إقرار السارق.
5118 - قول "المنهاج" [ص 509]: (والمذهب: قبول رجوعه) أي: بالنسبة إلى القطع دون المال.
5119 - قول "الحاوي" [ص 592]: (وللقاضي تعريض بإنكاره؛ كما إخالك سرقت، ما لم تظهر) أي: السرقة باعترافه بها، تبع فيه الغزالي 140، وحكاه الإمام عن الجمهور 141، وليس كما قال كما نبه عليه الرافعي 142، بل الذي أجاب به المعظم: أن له التعريض بالرجوع بعد الاعتراف، وعليه مشى "المنهاج" فقال [ص 509]: (ومن أقر بعقوبة لله تعالى .. فالصحيح: أن للقاضي أن يعرض له بالرجوع)، وحكى الرافعي عن الأصحاب تقييد ذلك بأن يكون المقر جاهلًا بالحد؛ إما لقرب عهده بالإسلام أو لكونه نشأ في بادية بعيدة عن أهل العلم 143، وأسقط ذلك في "الروضة".
وقال شيخنا الإمام البلقيني: معناه: أن يكون جاهلًا بأن حد الله تعالى يندب إلى ستر موجبه، وأنه يسقط برجوعه؛ في ن عبارة النص في "المختصر": (ولو ادعى على رجل من أهل الجهالة بالحد .. لم أر بأسًا أن يعرّض له؛ بأن يقول: لعله لم يسرق) 144 وشرحه الشيخ أَبو حامد في "تعليقه": بأن يكون ممن لا يعرف أنَّه مندوب إلى ستر ذلك، وأنه إذا اعترف به فثبت عليه ..
الحديث: 5117 - الجزء: 3 - الصفحة: 231
سقط برجوعه، وشرحه الماوردي على أنَّ المراد: الجهل بوجوب الحد، واستبعده شيخنا الإمام البلقيني، ثم أورد على نفسه: أن الفرق بين الجاهل بجواز الرجوع وعدمه وجه ضعيف، وقد ذكره في "الشرح" و"الروضة" ثالث الأوجه 145، ثم أجاب عنه: بأنه ضعيف في طريقة الإمام الذي تحكي ثلاثة أوجه، وينقل عن الجمهور أنَّه لا يعزض بعد الإقرار، وأما في الطريقة التي حكاها الرافعي عن عامة الأصحاب .. فإنه متعين فيها، ولزم من إسقاطه هذا القيد في "الروضة" عن عامة الأصحاب أن يكون الثالث ضعيفًا مطلقًا، وليس كذلك، بل هو ضعيف في طريقة الإمام، وهو المجزوم به في طريقة غيره.
واعلم: أنَّه يستثنى من التعريض بالإنكار قبل الاعتراف ما إذا كان ذلك في سرقة ادعاها صاحبها .. فلا يعرّض بالإنكار المطلق، بل بالإنكار المقتضي لعدم القطع خاصة، حكاه القاضي حسين عن الأصحاب، ولا يخفى أن محله: في الرشيد؛ فإن السفيه لا يقبل اعترافه بالنسبة إلى المال.
5120 - قول "المنهاج" [ص 509]: (ولا يقول: "ارجع") يُوهم أنَّه من تتمة ما قال: إنه الصحيح، وليس كذلك، بل هو مجزوم به في الرافعي وغيره 146، وقول "التنبيه" في (الإقرار) [ص 274]: (ويستحب للإمام أن يلقنه الرجوع عن ذلك) أراد به: التعريض دون التصريح، ومع ذلك: فالأصح: أنَّه لا يستحب، وإنَّما يباح خاصة كما تقدم عن "المنهاج" وغيره، وهل يجوز التعريض للشهود بالتوقف في حدود الله تعالى؛ صحح النووي: الجواز إن رأى المصلحة فيه، وإلا .. فلا 147.
5121 - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (ولو أقر بلا دعوى أنَّه سرق مال زيدٍ الغائب .. لم يقطع في الحال، بل ينتظر حضوره في الأصح) 148 استثنى منه شيخنا الإمام البلقيني: ما إذا كان الغائب سفيهًا .. فإنه لا ينتظر حضوره؛ لأنه لو اعترف بأنه أباحه له .. لم يؤثر، وإذا طلب وليه المال .. قطع، وقال: هذا هو الذي تقتضيه القواعد، واحتمال إسقاط القطع بإباحة السفيه بعيد، قال: وأما ما في "الروضة" وأصلها عن ابن كج من انتظار بلوغ الصبي وإفاقة المجنون عند سرقة مالهما: إذا انتظرنا حضور الغائب 149، فهو غير معتمد؛ لتعذر الإباحة منهما، فيكفي طلب الولي، وتختص عبارة "المنهاج" بأمور:
أحدها: أنَّه لا معنى لقوله: (بلا دعوى) فلو تقدم إقراره دعوى حِسبة إذا سمعناها كما قاله
الحديث: 5120 - الجزء: 3 - الصفحة: 232
القاضي حسين، أو دعوى وكيل الغائب الذي وكله وكالة تتناول هذه القضية من غير شعور له بها .. كان كذلك، ذكره شيخنا الإمام البلقيني، ثم قال: فإن قيل: يحترز به عن دعوى وكيل الغائب الذي وكله بعد علمه بالسرقة؛ فإنه لا ينتظر حضور الغائب؛ لاندفاع احتمال الإباحة بتوكيله بعد علمه بذلك .. قلنا: فيكون المفهوم عامًا والمراد به خاص، فإن قيل: يكون المفهوم أنَّه إذا تقدمت دعوى فيه تفصيل .. قلنا: الظاهر تعميم المفهوم أو إطلاقه، فتعين ذكر ما يخالف الظاهر، قال: وفي "الاستذكار" للدارمي: إن قلنا: من شرطه حضوره، فحضر وكيله .. فوجهان.
ثانيها: أنَّه لا يكفي حضوره، بل لا بد من طلبه.
ثالثها: في تعبيره بالأصح نظر؛ لأن المسألة ذات نصوص وطرق، وقد عبر "التنبيه" فيها بالمذهب، ولكن لا اصطلاح له في ذلك، وإنَّما يفهم بذلك الترجيح خاصة.
5122 - قول "المنهاج" [ص 510]: (أو أنَّه أكره أمة غائبٍ على الزنا .. حد في الحال) يوهم أن الإكراه قيد في المسألة، وليس كذلك، فلو قال: (زنيتُ بأمة فلان) ولم يذكر إكراهًا .. كان الحكم كذلك، غير أن ذكر الإكراه فيه حق للسيد، وهو المهر، وهذا منفصل عن الحد، وعبارة "الحاوي" [ص 591]: (بطلب المالك لا في الزنا).
5123 - قول "المنهاج" [ص 510]: (فلو شهد رجل وامرأتان .. ثبت المال ولا قطع) محله: ما إذا شهدوا بعد دعوى المالك أو وكليه، فلو شهدوا حسْبة .. لم يثبت بشهادتهم المال أيضًا؛ لأن شهادتهم مفضية إلى المال، وشهادة الحسبة بالنسبة إلى المال غير مقبولة.
5124 - قوله: (ويشترط ذكر الشاهد شروط السرقة) 150 استثنى شيخنا الإمام البلقيني من إطلاقه مواضع:
أحدها: أن من شروط القطع كون المسروق نصابًا، وهذا لا يشترط أن يذكره الشاهد، بل يكفي تعيين المسروق، ثم الحاكم ينظر فيه، فإذا ظهر له أنَّه نصاب .. عمل بمقتضاه.
قلتُ: لا بد من قيام البينة بأن قيمته نصاب، فرجع الأمر إلى شاهدي السرقة أو غيرها.
ثانيها: ومن شروط السرقة: كون المسروق ملكًا لغير السارق، وهذا لا يشترط في شهادة الشاهد، بل يكفي أن يقول: سرق هذا، ثم المالك يقول: هذا ملكي، والسارق يوافقه، فيقطع.
قلت: لم يحصل القطع بمجرد البينة، بل مع ضميمة اعتراف السارق بأنه ملك المسروق منه.
ثالثها: ومن شروطها: عدم الشبهة، ومقتضاه: اعتبار أن يقول في شهادته: ولا أعلم له فيه
الحديث: 5122 - الجزء: 3 - الصفحة: 233
شبهة، وقد حكاه في " أصل الروضة" عن القاضي أبي الطيب وغيره، ثم قال: قال صاحب "الشامل": وليكن هذا تأكيدًا؛ لأن الأصل عدم الشبهة (1).
5125 - قوله: (ولو اختلف شاهدان؛ كقوله: "سرق بكرة"، والآخر: "عشية" .. فباطلة) (2) أي: بالنسبة إلى القطع، وكذا قول "المحرر": "لم يثبت بشهادتهما شيء) (3) أي: من القطع، ولو قالا كـ "التنبيه" في اختلاف الشهود: (لم يجب الحد) (4) .. لكان أحسن؛ لأنه المقصود، قال في "التنبيه" [ص 273]: (فإن حلف المسروق منه مع الشاهد .. قضى له) أي: بالغرم، وعبارة "الروضة": وللمشهود له أن يحلف مع أحدهما فيغرمه (5)، والمراد: حلفه مع من وافقت شهادته دعواه والحق في زعمه كما بينه في "الكفاية".
5126 - قوله: (وإن قامت البينة عليه من غير مطالبة .. فقد قيل: يقطع وهو المنصوص، وقيل: لا يقطع، وقيل: فيه قولان) (6) الأصح: أنَّه لا يقطع، وطريقة القطع بالقطع قال في "الكفاية": لا ذكر لها فيما وقفت عليه؛ أي: فضلًا عن أن يكون هي المنصوصة، وأورد الجيلي لفظ "التنبيه": (فقد قيل: لا يقطع، وهو المنصوص، وقيل: يقطع، وهذا هو الصواب) وعليه جرى في "المهذب" (7)، وهذا يقتضي أن شهادة الحسبة في حقوق الله تعالى - ومنها السرقة - مسموعة، وهو الصحيح، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 591]: (وتسمع الشهادة بغيبته وتعاد للمال) أي: وتعاد الشهادة بعد حضور المسروق منه لإثبات المال لا للقطع؛ لأن شهادة الحسبة لا تقبل في الأموال، فيقطع بعد حضوره من غير إعادة بينة؛ لأنا قد سمعناها أولًا، وإنَّما انتظرنا؛ لتوقع ظهور ما يسقط ولم يظهر.
فَصْلٌ [في صفة القطع وما يتعلق بها]
5127 - قول "المنهاج" [ص 510]: (وتقطع يمينه) محله: فيما إذا لم تكن شلاء، فإن كانت شلاء .. رُجع لأهل الخبرة، فإن قالوا: ينقطع الدم وتستد أفواه العروق .. قطعت واكتُفي بها،151152153154155156157
الحديث: 5125 - الجزء: 3 - الصفحة: 234
وإلَّا .. لم تقطع؛ لأنه يؤدي إلى فوات الروح 158، وعلى الأول يحمل قول "الحاوي" [ص 591]: (واكتفي بالشلاء) وعلى الثاني يحمل قول "التنبيه" [ص 246]: (ومن سرق ولا يمين له أو كانت وهي شلاء .. قطع رجله اليسرى) فإطلاق كل منهما مدخول.
5128 - قول "الحاوي" [ص 591]: (وكفان والأصلية إن أمكن) أي: لو كان على المعصَم كفان ولم تتميز الأصلية عن الزائدة، أو تميزت ولم يمكن استيفاء الأصلية بدونهاء.
فإنهما يقطعان، هذا اختيار الإمام بعد أن حكى عن الأصحاب قطعهما مطلقًا 159، وفي "التهذيب": أنَّه إن تميزت الأصلية .. قطعت، وإلا .. فإحداهما فقط، فإن سرق ثانيًا .. قطعت الأخرى، ولا يقطعان بسرقة واحدة، بخلاف الإصبع الزائدة؛ فإنه لا يقع عليها اسم يد 160.
قال الرافعي: وهذا أحسن 161، وقال النووي: إنه الصحيح المنصوص، وقد جزم به جماعة منهم القاضي أَبو الطيب وصاحب "البحر" والشيخ نصر المقدسي وغيرهم، ونقله القاضي والمقدسي عن نص الشَّافعي رضي الله عنه 162.
قال في "شرح المهذب": وأما قول الغزالي في (كتاب السرقة): قال الأصحاب: نقطعهما جميعًا .. فغير موافق عليه، بل أنكروه، وردوه، فالصواب: التفاء بإحداهما.
انتهى 163.
فعلى ترجيح الرافعي والنووي قد ترد هذه الصورة على قول "التنبيه" [ص 246] و"المنهاج" [ص 510]- والعبارة له -: (فإن سرق ثانيًا بعد قطعهما .. فرجله اليسرى)، ويقال: محله ما إذا لم يكن له يد أخرى على المعصم الأيمن، وقد يقال: إنما تكلما على الخلقة المعتادة الغالبة.
5129 - قول "التنبيه" [ص 246]: (فإذا قطع .. حسم بالنار) قد يفهم أنَّه يفعل به ذلك بغير دهن، فيخالف قولَ "المنهاج" [ص 510]: (ويغمس محل قطعه بزيتٍ أو دهنٍ مغلىً) و"الحاوي" [ص 591]: (يغمس في زيت مغلىً) وقد يقال: أراد: فعل ذلك بواسطة الدهن المغلى، وقد قال الماوردي في الغمس في الدهن المغلى: هذا إذا كان حضريًا، فإن كان بدويا .. حسم بالنار؛ لأنه عادتهم 164، وقال في قاطع الطَّرِيقِ: وإذا قُطع .. حسم بالزيت المغلي وبالنار بحسب العرف فيهما.
انتهى 165.
الحديث: 5128 - الجزء: 3 - الصفحة: 235
يدل على اعتبار عادة أهل تلك الناحية، ثم قد تفهم عبارة "التنبيه" وجوب ذلك، وفي "الحاوي" [ص 591]: (ندبًا) وفي "المنهاج" [ص 510]: (قيل: هو تتمة للحد، والأصح: أنَّه حق للمقطوع؛ فمؤنته عليه، وللإمام إهماله) وفيه أمور:
أحدها: كون مؤنته عليه إذا قلنا: إنه حق له، ذكره الإمام، واقتصر الرافعي على حكايته 166، وذكر شيخنا الإمام البلقيني: أن المعروف في الطريقين أنَّها في بيت المال وإن قلنا: حق للمقطوع، وحكاه عن العراقيين والماوردي والروياني والقاضي حسين والبغوي 167.
ثانيها: أن مقتضاه: أنَّه على الوجه الأول، وهو كونه تتمة للحد ليست مؤنته على المقطوع، وليس كذلك؛ ففي "أصل الروضة" على هذا الوجه: أنَّه على الخلاف في مؤنة الجلاد، والأصح في مؤنة الجلاد: أنَّها على المجلود والسارق، فهو على طريقته على الوجهين معًا على المقطوع 168.
ثالثها: قيد شيخنا الإمام البلقيني كون الإمام له إهماله بما إذا لم يؤد إلى تلفه؛ بأن أغمي عليه وليس له من يقوم بحاله، أو كان على حال يتعذر عليه حسم نفسه .. فلا يجوز للإمام إهماله.
5130 - قولهم - والعبارة لـ"التنبيه" -: (وإن كانت له يمين بلا أصابع .. قطع الكف) 169 في "المنهاج": (إنه الأصح) وفي "التنبيه": (إنه المنصوص) وفي الرافعي: إن الخلاف قولان، حكى الأول الحارث ابن سريج، والثاني القاضي أَبو حامد 170، وعبارة "الروضة": وجهان أو قولان 171، وصحح شيخنا الإمام البلقيني: أنَّه لا يكتفي بها، وحكاه عن اختيار القاضي أبي حامد، وأن القاضي الحسين قال: إنه المذهب، ثم إن الخلاف لا يختص بذهاب الأصابع مع بقاء جميع الكف، بل هو جار وإن لم يبق إلَّا بعض الكف إذا بقي محل القطع كما في "الروضة" وأصلها 172.
5131 - قول "المنهاج" [ص 510]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 591]: (وتقطع يد زائدة إصبعًا) يقتضي أنَّه لا تقطع زائدة إصبعين وأكثر، وليس كذلك؛ فالإصبع مثال، وَإِذا كان "الحاوي" يقطع كفين كما تقدم عنه 173 .. فكف واحدة زائدة خمس أصابع أولى بذلك، وقول
الحديث: 5130 - الجزء: 3 - الصفحة: 236
"المنهاج" [ص 510]: (في الأصح) يقتضي قوة الخلاف، وليس كذلك، بل هو ضعيف نقلًا ومعنى كما ذكر شيخنا الإمام البلقيني.
5132 - قول "المنهاج" [ص 510] و"الحاوي" [ص 591]: (ولو سرق فسقطت يمينه بآفة .. سقط القطع) كذا بجناية؛ ولهذا أطلق "التنبيه" ذهابها 174.
فإن قيل: الجناية آفة أيضًا .. قلنا: هذا خلاف المتبادر إلى الفهم منه، وبتقدير صحته .. فلا حاجة للتقييد بالآفة.
5133 - قول "التنبيه" [ص 246، 247]: (وإن وجب عليه قطع اليمين فقطع اليسار عمدًا .. قطعت يمينه، وأقيد من القاطع من يساره، وإن قطع سهوًا .. غرم الدية، وفي يمين السارق قولان: أحدهما: يقطع، والثاني: لا يقطع) قال النووي في "تصحيحه": الأصح: أنَّه إذا قطعها الجلاد عمدًا أو سهوًا .. أجزأت عن اليمين ولا قصاص على القاطع ولا دية 175.
قال في "المهمات": وهو يقتضي بعمومه تصحيح الإجزاء في صورتين:
إحداهما: إذا قطع الجلاد من غير إخراج السارق، وليس كذلك اتفاقا.
الثانية: إذا قال المخرج: علمت أنَّها اليسار وأنها لا تجزئ، مع أنَّه ليس الأمر أيضًا كذلك، وكلام الرافعي في القصاص يقتضي أنَّه لا فرق في الصورة الثانية بين أن يكون الإخراج على قصد حسبانها عن اليمين أم لا 176، وهو واضح؛ لأن القصد المذكور مع علمه بأنه لا يقع لا أثر له.
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": ويزاد عليه اعتراض ثالث، وهو: أنَّه في "التنبيه" ألزم الجلاد دية اليد، وحكى في قطع اليمين قولين، فصحح في "التصحيح" إجزاء اليسار؛ وقضيته أن يكون مع إيجاب الدية، ولكن الجديد: الإجزاء ولا دية.
قلت: وقد صرح في "التصحيح" بأنه لا دية، فكيف يقال: إن قضيته إيجاب الدية؟ والله أعلم.
وكان ينبغي للنووي أن يبين أن محل ما صححه في صورة خاصة، وهي: أن يقول الجلاد للسارق: أخرج يمينك، فيخرجها ظانأ أنَّها اليمين أو أن اليسار تجزئ عن اليمين؛ فإنه محل الخلاف، والصحيح كما تقدم.
5134 - قوله: (ولا يقطع السارق - أي: الحرّ - إلَّا الإمام أو من فوض إليه الإمام) 177 قد يفهم
الحديث: 5132 - الجزء: 3 - الصفحة: 237
أنَّه لو قطعه قاطع بغير إذن الإمام .. فعليه القصاص، وهو مقتضي قول "الحاوي" في أول (الجنايات) [ص 548]: (إن يد السارق معصومة على غير المستحق) لكن المنقول: أنَّه لا قصاص عليه، قال الرافعي: هكذا أطلق، ويشبه جعل وجوب القصاص على الخلاف في الزاني المحصن 178.
قال ابن الرفعة: والذي جزم به الماوردي الوجوب، ثم حمل كلام الماوردي على ما إذا لم يقصد القاطع استيفاء الحد، وكلام غيره على ما إذا قصد.
قال في "المطلب": ويرشد إليه ما ذكره الماوردي فيما إذا قتل قاطع الطَّرِيقِ مرتدًا فإن علم بردته .. لم يقتل جزما، وإلَّا .. ففيه الخلاف في قتل غير المكافئ، قال: ويستأنس له بما إذا قتل الإمام عبدًا اشتراه مرتدًا في يد البائع قبل القبض، فإن قصد قتله عن الردة .. وقع عنها وانفسخ البيع، وإن لم يقصد .. جعل قابضأ للمبيع واستقر عليه الثمن، كما حكاه الرافعي قبيل (الديات) عن "فتاوى البغوي" 179، ثم قال: ولو قيل: يحمل ما أطلقه الماوردي على ما إذا كان القاطع ذميًا والسارق مسلمًا، وكلام غيره على ما إذا كان القاطع مسلمًا .. لم يبعد كما قلنا بمثله في قتل الزاني المحصن.
الجزء: 3 - الصفحة: 238