تحرير الفتاوىكتاب قسم الفيء والغنيمة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب قسم الفيء والغنيمة

3362 - المشهور: تغايرهما، وعليه مشى الثلاثة 1، وفي "أصل الروضة" عن المسعودي وطائفة: أن اسم كل منهما يقع على الآخر إذا أفرد بالذكر، فإذا جمع بينهما .. افترقا؛ كالفقير والمسكين، وعن أبي حاتم القزويني وغيره: أن اسم الفيء يشمل المالين، واسم الغنيمة خاص بما أخذ بقتال، وفي لفظ الشافعي في "المختصر" ما يشعر به 2. 3363 - قول "المنهاج" [ص 364]: (الفيء: مال حصل من كفار بلا قتال وإيجاف خيل وركاب) فيه أمران: أحدهما: أن التقييد بالمال في "التنبيه" أيضاً 3، وهو مخرج للكلاب المنتفع بها والخمر المحترمة وما ينتفع به من النجاسات، وعبر "الحاوي" بقوله [ص 442]: (ما حصل) فتناولها، وكذا عبر به "التنبيه" في الغنيمة 4، وفي "أصل الروضة" فيما إذا وقع في الغنيمة كلب ينتفع به .. حكى الإمام عن العراقيين: أن للإمام أن يسلمه إلى واحد من المسلمين؛ لعلمه بحاجته إليه، ولا يحسب عليه.
واعترض: بأن الكلب منتفع به، فليكن حق اليد فيه لجميعهم كما لو مات وله كلب لا يستبد به بعض الورثة، والموجود في كتب العراقيين: أنه إن أراده بعض الغانمين أو أهل الخمس ولم ينازعه غيره .. سلم إليه، وإن تنازعوا؛ فإن وجدنا كلاباً وأمكنت القسمة عدداً .. قسم، وإلا .. أقرع بينهم، وهذا هو المذهب، وقد سبق في (الوصية) أنه يعتبر قيمتها عند من يرى لها قيمة وتعتبر منافعها، فيمكن أن يقال به هنا.
انتهى 5. وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 445]: (والكلاب قسمت عدداً، وإن لم يمكن .. أقرع)، وذكره "المنهاج" في (السير) 6، وقال ابن الرفعة: إن ما حكاه الرافعي عن العراقيين لم يجده في شيء من كتبهم إلا في "الشامل" فإنه ذكره احتمالاً لنفسه.
واعترض قياس الرافعي الغنيمةَ على الوصية: بأن للإمام مدخلاً في الغنيمة بخلاف الوصية،

الحديث: 3362 - الجزء: 2 - الصفحة: 465

وذكر السبكي: أن ما حكاه الإمام عن العراقيين موجود في كتبهم، قال: وهو المختار، وبه وبغيره يتبن أنها داخلة في الغنيمة والفيء، لكنها لا تقوم ولا تحسب على أخذها بمال، وقال: أن فرق ابن الرفعة صحيح ولا يمنع أصل الإلحاق.
ثانيهما: أنه اعتبر في حصول اسم الفيء انتفاء القتال وإيجاف الخيل والركاب، وهذا يصدق بانتفاء المجموع وبانتفاء كل واحد على انفراده، والثاني هو المراد؛ فإن واحداً من هذه الثلاثة كاف في حصول اسم الغنيمة، فلا يكون فيئاً حتى ينتفي الثلاثة، فكان ينبغي أن يقول: (ولا إيجاف خيل ولا ركاب)، وقال السبكي: اجتماع الخيل والإبل ليس بشرط، بل أحدهما كاف في انتفاء حكم الفيء؛ ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَا رِكَابٍ﴾ فدل على أنه لو كان أحدهما .. يغير الحكم، فإذاً (الواو) في كلام المصنف بين الخيل والركاب بمعنى (أو)، ثم ذكر في (الواو) التي بين القتال وإيجاف ما حاصله: أنها محتملة لمعنى (أو) ولمعنى (الواو) الجامعة.
قلت: إنما طهر كون (الواو) بمعنى (أو) في جانب الإثبات في حد الغنيمة، وأما في جانب النفي في حد الفيء .. فالواو على بابها، والمراد: انتفاء كل واحد على انفراده كما تقدم، وفهم من قول "الحاوي" في الغنيمة [ص 444]: (ما حصل بإيجاف خيل) أن قوله أولاً في الفيء [ص 442]: (ما حصل من الكفار) أراد به: بلا إيجاف خيل؛ لما استقرئ من عادته من حذف القيد أولاً اكتفاء بذكره ثانياً في ضده، وقال في "التنبيه" [ص 236]: (كل مال أخذ من الكفار من غير قتال) ولم يزد على ذلك.
وقال شيخنا ابن النقيب: هذا هو الذي يظهر، لكن ينبغي زيادة: (أن يكون على سبيل الغلبة) ليخرج ما يعطونه بطيب نفس؛ كالهدية والبيع ونحوهما، وحينئذ .. فالواو في "المنهاج" وغيره بمعنى (أو) أي: ما حصل منهم عند انتفاء أحد الثلاثة الذي هو أعم من كل واحد واحد، ويلزم من انتفاء الأعم انتفاء الأخص؛ لأن الأعم جزء الأخص كما ينتفي الإنسان بانتفاء الحيوان 7. 3364 - قول "التنبيه" [ص 236]: (كالمال الذي تركوه فزعاً من المسلمين) أخص من قول "المنهاج" [ص 364]: (وما جلوا عنه خوفاً) ويرد عليهما المال الذي جلوا عنه لضر أصابهم، وإن لم يكن خوفاً .. فإنه فيء أيضاً بلا خلاف، واختلفوا في تخميسه، والصحيح: أنه يخمس.
3365 - قول "التنبيه" [ص 236]: (وفيها قولان، أحدهما: أنها تخمس فيصرف خمسها إلى أهل الخمس، والثاني: لا يخمس إلا ما هربوا عنه فزعاً من المسلمين) الصحيح: الأول، وبه

الحديث: 3364 - الجزء: 2 - الصفحة: 466

جزم "المنهاج" و"الحاوي" 8، وعلى القول الثاني يلتحق بما هربوا عنه فزعاً ما بذلوه للكف عن قتالهم، وهو غير الجزية؛ لأنهم وإن بذلوها للكف عن قتالهم .. فليس لخوف ناجز، بل لإثبات عصمة دائمة.
3366 - قول "التنبيه" [ص 235]: (يصرف في المصالح، وأهمها سد الثغور، ثم الأهم فالأهم من أرزاق القضاة والمؤذنين وغير ذلك) فيه زيادة على "المنهاج" و"الحاوي" 9، وهي تصريحه بأن أهم المصالح سد الثغور، وفي "أصل الروضة" في المسائل المنثورة في أواخر الفيء عن الشافعي رضي الله عنه: أنه يرزق من مال الفيء الحكام ... إلى آخر كلامه، ثم قال: والمراد بالحكام: الذين يحكمون بين أهل الفيء في مغزاهم.
انتهى 10. وذلك يفتضي أن المراد بالقضاة الذين يرزقون من مال الفيء: قضاة العسكر، لا غيرهم من القضاة، والله أعلم.
3367 - قولهم: (إن ذوي القربى: بنو هاشم وبنو عبد المطلب) 11 نازع فيه السبكي، وقال: المراد بالقربى: قربى النبي صلى الله عليه وسلم، فأولاد بناته؛ كأمامة بنت أبي العاص من بنته زينب وعبد الله بن عثمان من بنته رقية من ذوي القربى بلا شك، قال: ولم أرهم تعرضوا لذلك، فينبغي أن يضبطه بالقرابة.
قلت: قد توفي المذكوران صغيرين، ولم يكن لهما عقب؛ فلا فائدة لذكرهما.
3368 - قول "المنهاج" [ص 364]: (يشترك الغني والفقير) وهو مفهوم من "التنبيه" و"الحاوي" 12، قال الإمام: إنما يعطى الغني عند سعة المال، وإلا .. قدم الأحوج، وتصير الحاجة مرجحة وإن لم تكن معتبرة 13، ولابن الرفعة بحث حاصله أنه يؤخر حتى يجتمع أو يعطي لهم نصيب الأغنياء قرضاً.
3369 - قول "التنبيه" في ذوي القربى [ص 235]: (يدفع إلى القاصي منهم والداني، وقيل: يدفع ما يحصل منه في كل إقليم إلى من فيه منهم) يقتضي اختصاص هذا الخلاف بذوي القربى؛ فإنه لم يحكه في غيرهم، وليس كذلك؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 364]: (ويعم الأصناف الأربعة المتأخرة، وقيل: يخص بالحاصل في كل ناحيةٍ مَنْ فيها).

الحديث: 3366 - الجزء: 2 - الصفحة: 467

3370 - قولهما: (وسهم للمساكين) 14 قد يتوهم اختصاصه به، وليس كذلك؛ فالفقراء يشاركونهم فيه؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 442]: (وللفقير والمسكين).
3371 - قول "التنبيه" [ص 235]: (ولا يعطي الكافر منه شيئاً) قال في "الكفاية": إلا من سهم المصالح عند المصلحة.
3372 - قوله: (وفي أربعة أخماسه قولان، أحدهما: أنها لأجناد الإسلام يقسم بينهم على قدر كفايتهم، والثاني: أنها للمصالح وأهمها أجناد الإسلام) 15 الأظهر: الأول كما صرح به "المنهاج"، وعليه مشى "الحاوي" 16، والقولان متفقان على الصرف للمرتزقة، وإنما الخلاف في الفاضل عنهم، وفيه قول آخر: أن مصرفها مصرف الخمس فيقسم جميع الفيء على الخمسة المذكورين، وهو ظاهر آية (الحشر)، لكنه ضعيف عندهم، والآية مؤولة، ولم يبين "المنهاج" مقابل الأظهر، والمراد: الأجناد المثبتون في الديوان بتعيين الإمام، أما المتطوعة الذين يغزون إذا نشطوا .. فإنما يعطون من الزكاة، ولو لم يفِ الفيء بالمرتزقة .. صرف الإمام لهم من الزكاة إن لم يكونوا أغنياء.
وقد يفهم من عبارة "التنبيه" إعطاء الجندي قدر كفايته وحده، وليس كذلك؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص 364]: (ويبحث عن حال كل واحد وعياله وما يكفيهم، فيعطيه كفايتهم) و"الحاوي" [ص 443]: (قدر حاجته وزوجاته وولده وعبد) أي: ولا يعطي إلا لعبد واحد.
قال الرافعي: وهذا في عبيد الخدمة، فأما الذين تتعلق بهم مصلحة الجهاد .. فينبغي أن يُعطى لهم كم كانوا 17. قال في "الروضة": كذا هو منقول، وإنما يقتصر في عبيد الخدمة على واحد إذا حصلت به الكفاية، فأما من لا تحصل كفايته إلا بخدمة عبيد .. فيعطى لمن يحتاج إليه، ويختلف باختلاف الأشخاص 18. وظاهر كلام "التنبيه" أيضاً: أنه لا يصرف منه على الأول شيء لغير الأجناد، لكن قال في "المنهاج" [ص 365]: (الأصح: أنه يجوز أن بصرف بعضه - أي: بعض الفاضل عن حاجتهم - في إصلاح الثغور والسلاح والكراع) وكذا في "الحاوي" 19.

الحديث: 3370 - الجزء: 2 - الصفحة: 468

3373 - قول "التنبيه" [ص 236]: (ويبدأ فيه بالمهاجرين، ويقدم الأقرب فالأقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويسوي بين بني هاشم وبني المطلب، فإن استوى بطنان في القرب .. قدم من فيه أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بالأنصار، ثم بسائر الناس) فيه أمران: أحدهما: أن مقتضاه: تقديم المهاجر ولو بَعُدَ نسبه على غيره ولو قرب نسبه، قال في "الكفاية": وهذا لم أره لأحد، فيتعين حَمْلهُ إما على أن يكون أراد بالمهاجرين: قريشاً؛ لأن أكثر المهاجرين منهم، هاما أن يكون فيه تقديم وتأخير، وتقديره: يقدم الأقرب فالأقرب ويبدأ منهم بالمهاجرين، لكن ذكر الرافعي وغيره أنا نقدم عند الاستواء في القرب بالسن، فإن استووا في السن .. قدم أقدمهما هجرة وأفضلهما سابقة، هذا كلام "الكفاية" 20. ومشى "الحاوي" على ما قاله الرافعي فقال [ص 443]: (الأسن، ثم الأسبق إسلاماً وهجرة) لكن قال النووي: قد عكسه الماوردي فقال: يقدم بالسابقة في الإسلام، فإن تقارنا فيه .. قدم بالدين، فإن تقارنا فيه .. قدم بالسن، فإن تقارنا فيه .. قدم بالشجاعة، فإن تقارنا فيه .. فولي الأمر بالخيار بين أن يرتبهم بالقرعة أو برأيه واجتهاده، قال النووي: وهذا الذي قاله هو المختار 21. الأمر الثاني: أن مقتضاه: استواء العرب والعجم بعد الأنصار، وليس كذلك؛ فالعرب مقدمون، وقد ذكر "المنهاج" الأمرين على الصواب فقال [ص 364، 365]: (ويُقدِّم في إثبات الاسم والإعطاء قريشاً - وهو ولد النضر بن كنانة - ويُقدِّم منهم بني هاشم والمطلب ثم عبد شمس ثم نوفل ثم عبد العزى، ثم سائر البطون الأقرب فالأقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم الأنصار، ثم سائر العرب، ثم العجم) وفيه أمور: أحدها: أن ما ذكره من أن قريشاً هم ولد النضر بن كنانة هو قول الشافعي والأكثرين 22، لكن اختار الحافظ شرف الدين الدمياطي وتبعه صاحبه السبكي أنهم ولد فهر بن مالك بن النضر، قال السبكي: ولا يكاد يظهر تفاوت بين القولين.
ثانيها: ما ذكره من تقديم الأنصار على سائر العرب، قال الرافعي: كذا رتبوه، وظاهر لفظ الشافعي يوافقه، وحمله السرخسي على من هم أبعد من الأنصار، فأما من هم أقرب من الأنصار

الحديث: 3373 - الجزء: 2 - الصفحة: 469

إلى النبي صلى الله عليه وسلم .. فيقدمون عليهم 23، ويوافقه كلام "الحاوي" فإنه اعتبر القرب من الرسول عليه الصلاة والسلام خاصة ثم قال: (ثم العرب)، ولم يخص الأنصار بالذكر 24. ثالثها: أن مقتضاه: استواء العجم، وفي"المهذب" و"التهذيب": أن التقديم فيهم بالسن والفضائل لا بالنسب 25، قال الرافعي: وفيه كلامان: أحدهما: أن العجم قد يعرف نسبهم، فينبغي أن يعتبر فيمن عرف نسبه القرب والبعد أيضاً.
الثاني: أنا قدمنا في صفة الأئمة عن الإمام: أن الظاهر: رعاية كل نسب يعتبر في الكفاءة في النكاح، وسنذكر أن نسب العجم مرعي في الكفاءة على خلاف فيه، فليكن كذلك هنا 26. قال النووي: قد أشار الماوردي إلى اعتبار نسب العجم، فقال: إن كانوا عجماً لا يجتمعون على نسب جميعهم بالأجناس؛ كالترك والهند وبالبلدان، ثم إذا كانت لهم سابقة في الإسلام .. ترتبوا عليها، وإلا .. فبالقرب من ولي الأمر، فإن تساووا .. فبالسبق إلى طاعته 27. رابعها: أن هذا الترتيب كله مستحب، وقد صرح به "الحاوي" 28. 3374 - قول "المنهاج" [ص 365]: (ولا يُثْبِتُ في الديوان أعمى ولا زمناً ولا من لا يصلح للغزو) ذكره بعدهما من ذكر العام بعد الخاص، وفي "أصل الروضة": أنه لا يثبت اسم من لا يصلح للغزو؛ كالأعمى والزمن، فجعل عدم الصلاحية ضابطاً، ومثله بالأعمى والزمن، قال: وإنما يثبت في الديوان الرجال المكلفين المستعدين للغزو، زاد في "الروضة": ترك من الشروط الإسلام، وذكر الماوردي شرطاً آخر: وهو أن يكون فيه إقدام على القتال ومعرفة به، قال: ولا يجوز إثبات الأقطع، ويجوز إثبات الأعرج إن كان فارساً، وإن كان راجلاً .. فلا، ويجوز إثبات الأخرس والأصم 29. 3375 - قول "التنبيه" [ص 236]: (ومن خرج عن أن يكون من المقاتلة .. سقط حقه) محمول على المأيوس منه، ومع ذلك فالمراد: سقوط حقه من الكتابة في الديوان، لا من الإعطاء، وعبارة "المنهاج" [ص 365]: (ولو مرض بعضهم أو جن ورُجِىَ زواله .. أُعطي، فإن لم يرج .. فالأظهر: أنه يُعطى) وعبارة "الحاوي" [ص 1443: (وبضعف وجنون أُيِسَا مَحَا).

الحديث: 3374 - الجزء: 2 - الصفحة: 470

3376 - قول "التنبيه" [ص 236]: (ومن مات منهم .. دفع إلى ورثته وزوجته الكفاية) المراد: أولاده الذين تلزمه نفقتهم، لا مطلق الورثة؛ ويدل لذلك قوله بعده: (فإن بلغ الصبي فاختار أن يفرض له .. فرض، وإن لم يختر .. ترك) 30 وعبارة "المنهاج" [ص 365]: (وكذا زوجته وأولاده إذا مات فتعطى الزوجة حتى تنكح، والأولاد حتى يستقلوا) وقد تفهم عبارتهما الاقتصار على زوجة واحدة، وليس كذلك؛ ولهذا قال "الحاوي" بعد ذكر إعطاء زوجاته وولده [ص 443]: (وإن مات إلى أن تُنكح النساء ويستقل البنون) واستنبط السبكي من هذه المسألة أن الفقيه أو المعيد أو المدرس إذا مات .. تعطى زوجته وأولاده مما كان يأخذ ما يقوم بهم ترغيباً في العلم كالترغيب هنا في الجهاد، فإن فضل المال عن كفايتهم .. صرف الباقي لمن يقوم بالوظيفة، قال: فإن قيل: في هذا تعطيل لشرط الواقف إذا اشترط مدرساً بصفة .. فإنها غير موجودة في زوجته وأولاده.
قلنا: قد حصلت تلك الصفة مدة من أبيهم، والصرف لهؤلاء بطريق التبعية، ومدتهم مغتفرة في جنب ما مضى كزمن البطالة، قال: وإنما يمتنع تقرير من ليس بأهل للجهاد في الديوان أو إثبات اسم الزوجة والأولاد.
قال شيخنا ابن النقيب: قد يفرق بينهما بأن العلم محبوب للنفوس لا يصد عنه شيء فيوكل الناس فيه إلى ميلهم إليه، والجهاد مكروه للنفوس فيحتاج الناس في إرصاد أنفسهم له إلى التأليف، وإلا .. فمحبة الزوجة والولد قد تصد عنه 31. قلت: وفرق آخر، وهو: أن الإعطاء من الأموال العامة - وهي أموال المصالح - أقوى من الخاصة كالأوقاف، فلا يلزم من التوسع في تلك التوسع في هذه؛ لأنه مال معين أخرجه شخص لتحصيل مصلحة نشر العلم في هذا المحل المخصوص، فكيف يصرف مع انتفاء الشرط؟ ومقتضى هذا الفرق: الصرف لأولاد العالم من مال المصالح كفايتهم كما كان يصرف لأبيهم، ومقتضى الفرق الأول: عدمه، والله أعلم.
3377 - قول "التنبيه" [ص 236]: (وإن كان في مال الفيء أراض وقلنا: إنها للمصالح .. صارت وقفاً تصرف غلتها إليها، وإن قلنا: إنها للمقاتلة .. قسمت بينهم، وقيل: تصير وقفاً وتقسم غلتها بينهم) قد عرفت أن الأصح: أن خمسها لأهل الخمس وأربعة أخماسها للمقاتلة، والأصح في حصة المقاتلة: أن الإمام مخير بين وقفها وقسمة ريعها بينهم وبيعها وقسمة ثمنها وقسمتها هي، وأما حصة الخمس .. فسهم المصالح لا سبيل إلى قسمته، بل يوقف وتصرف غلته في المصالح، أو يباع ويصرف ثمنه إليها، والوقف أولى، والأسهم الباقية كالأخماس الأربعة،

الحديث: 3376 - الجزء: 2 - الصفحة: 471

وعبارة "المنهاج" [ص 365]: (فأما عقاره .. فالمذهب: أنه يجعل وقفاً، وتقسم غلته كذلك) ويرد عليه: أنه لا يتعين جعله وقفاً كما تقدم، ولا يرد ذلك على قول "الحاوي" [ص 442]: (وغلة عقارهم بعد أن وقف) فإنه لم يذكر أنه يتعين وقفه، وإنما ذكر حكمه بتقدير وقفه.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: ما صححه الرافعي والنووي في مسألة الأراضي لم يصححه أحد من الأصحاب، والذي عليه الأئمة كما في "النهاية": أنه لا يجوز بيع شيء من ذلك، وأن الأراضي تبقى موقوفة، وفي وجه: لا بد من وقفها، وجعله الماوردي خطأ، وتبع في ذلك الشيخ أبا حامد؛ فإنه قال: إنه ليس بشيء (1).

فَصلٌ [في الغنيمة والسلَب]

3378 - قول "التنبيه" [ص 235]: (الغنيمة: ما أخذ من الكفار بالقتال وإيجاف الخيل والركاب) فيه أمور: أحدها: تقدم في الكلام على الفيء أن تعبيره هنا وتعبير "الحاوي" بـ (ما) 33 أعم من تعبير "المنهاج" بـ (مال) 34. ثانيها: أنه لا يشترط اجتماع إيجاف الخيل والركاب؛ فأحدهما كاف؛ ولذلك عبر "المنهاج" بقوله [ص 365]: (وإيجاف) و"الحاوي" بقوله [ص 444]: (بإيجاف خيل) وكأنه تمثيل، فإيجاف الركاب - وهي الإبل - كذلك، والظاهر: أن الواو في كلام "التنبيه" بمعنى أو.
ثالثها: أنه لا يشترط إيجاف الخيل ولا الركاب؛ فالمأخوذ بقتال المشاة وفي السفن غنيمة ولا إيجاف فيه، وذلك يرد على "المنهاج" أيضاً؛ ولعل الواو في كلامهما بمعنى أو، وقال السبكي: إنه خارج مخرج الغالب، ويقصد به التبرك بلفظ الكتاب العزيز، والمعنى على سبيل القهر والغلبة.
انتهى.
والإيراد على "الحاوي" أشد؛ لاقتصاره على قوله [ص 444]: (ما حصل بإيجاف خيل) وعبر "المنهاج" في (السير) بقوله [ص 522]: (المال المأخوذ من أهل الحرب قهراً) وهي عبارة شاملة.
رابعها: أنه لا يشترط القتال، فلو التقى الصفان فانهزم الكفار قبل شهر السلاح وتركوا مالهم ..32

الحديث: 3378 - الجزء: 2 - الصفحة: 472

فهو غنيمة كما قال الإمام 35، ولا قتال، وقال الروياني في "الحلية": لو صالحونا على مال عند القتال .. فهو غنيمة، وأقره الرافعي والنووي 36، ولكن تعقبه شيخنا الإمام البلقيني: بأن بلاد الصلح المفتوحة صلحاً عند القتال لا تكون غنيمة، فكذلك المال المصالح عليه عند القتال.
انتهى.
ولو دخل واحد أو طائفة دار الحرب وأخذوا مالاً اختلاسًا أو سرقة .. فالأصح: أنه غنيمة ولا قتال، وقد اعتبر "المنهاج" أيضاً القتال، ولم يذكره "الحاوي" كما تقدم.
خامسها: المراد: الحاصل للمسلمين، فأما الحاصل لأهل الذمة من أهل الحرب بقتال .. فالنص: أنه ليس غنيمة، ولا يخمس، ولا ينتزع منهم، وقيل: يرضخ لهم منه ويؤخذ الباقي، والمراد بالكفار: أهل الحرب بقرينة القتال.
سادسها: لو تركوا مالاً بسبب حصول خيلنا أو ركابنا في دارهم وضرب معسكرنا فيها .. فإنه ليس غنيمة على الأصح عند الإمام مع وجود الإيجاف 37، وهذا والذي قبله ينبه عليهما في لفظ "المنهاج" و"الحاوي" أيضاً 38. سابعها: لا بد من تقييده أيضاً بألاَّ يكون لمسلم ولا ذمي، فلو أخذ المسلمون من الكفار ما كانوا أخذوه من مسلم أو ذمي استيلاء أو وديعة أو عارية .. لم يملكه المسلمون؛ ولذلك قال شيخنا الإمام البلقيني: ينبغي أن يقال: إنها المال أو المختص الذي يأخذه المسلمون من الكفار الحربيين بإيجاف الخيل والركاب، أو بالرجالة أو بالسرقة غير مملوك لمسلم ولا ذمي، وأطلق "المنهاج" أن السلب للقاتل 39، وقيده "التنبيه" بأن يكون له سهم ثم قال: (وإن كان لا سهم له وله رضخ .. فقد قيل: يستحق وقيل: لا يستحق) 40 والأصح: التفصيل، فيستحق العبدُ والمرأة والصبي، ولا يستحق الذمي، ولذلك قيده "الحاوي" بالإسلام 41، فلو كان المقتول صبياً أو امرأة .. نظر: إن لم يقاتل .. فلا سلب لقاتله؛ للنهي عن قتله، وإن قاتل .. استحق في الأصح، وقد ذكره "التنبيه" 42، وألحق البغوي العبد بالمرأة 43، وقال الإمام: يستحق سلبه قطعاً 44.

الجزء: 2 - الصفحة: 473

وأورد في "الكفاية" على تعبير "التنبيه" بالتغرير بنفسه 45: أن مقتضاه: أنه لو أغرا عليه كلباً عقوراً فقتله .. لا يستحق سلبه، وقال القاضي حسين: يستحق؛ لمخاطرته بمقاتلته حتى عقره الكلب.
وقال النشائي: كلام الشيخ إلى هذا أميل؛ لأنه يصدق عليه أنه غرر بنفسه في القتال بذلك.
انتهى 46. وعبارة "المنهاج" [ص 366]: (بركوب غرر) ولم يعبر "الحاوي" بالتغرير.
3379 - قول "الحاوي" في السلب [ص 444]: (وجنيبةٍ أمامه) 47 يقتضي أنها لو كانت خلفه .. لم تكن من السلب، وليس كذلك، وكأنه اغتر بقول الرافعي: والجنيبة التي تقاد بين يديه 48، وإنما ذكر الرافعي ذلك تمييزاً لها عن الحقيبة - بالحاء والقاف - وهي: وعاء القماش، ومشى على العرف عند العرب في قودها بين يدي صاحبها بخلاف العجم؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 365]: (وجنيبةٌ تقاد معه في الأظهر) فلم يقيده بقودها أمامه، واحترز بقودها معه عما أُعدّ لأن يجنب، وقد تخرج الجنيبة بقول "التنبيه" [ص 233]: (وفرسه)، قال أبو الفرج الزاز: ولا يستحق إلا جنيبة واحدة، قال الرافعي: فعلى هذا: إذا قاد جنايب .. يبقى النظر في أنه هل يرجع إلى تعيين الإمام في أيها السلب أو يقرع 49؟ قال النووي: تخصيص أبي الفرج بجنيبة فيه نظر، وإذا قيل به .. فينبغي أن يختار القاتل جنيبة منها؛ لأن كل واحدة جنيبة قتيله، فهذا هو المختار، بل الصواب، بخلاف ما أبداه الرافعي.
انتهى 50. وجزم الإمام بواحدة أيضاً، وأبدى تعيين الإمام والإقراع وتخيير القاتل احتمالات ثلاثة، ورجح الأول 51، وقال في "المهمات": والذي اختاره النووي واضح متعين؛ لأن الزيادة إن لم تنفعه .. لم تضره.
3380 - قول "المنهاج" [ص 365]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 444]: (لا حقيبةٌ مشدودةٌ على الفرس على المذهب) اختار السبكي: دخولها ودخول ما فيها، وهو ظاهر قول "التنبيه" [ص 233]: (ما تثبت يده عليه في حال القتال من ثيابه وحليه ونفقته).

الحديث: 3379 - الجزء: 2 - الصفحة: 474

3381 - قولهم في أمثلة فقد التغرير: (رَمَاه من الصف) 52 مخالف لقول "المحرر" تبعاً للغزالي: (من وراء الصف) 53 وكذا كتبها النووي بخطه في "المنهاج"، ثم ضرب بخطه على لفظة (وراء)، والصورتان في "الروضة" و"الشرحين" 54، فأتى "المنهاج" بما ليس في أصله؛ لفهم ما في أصله من طريق الأولى، وهو من مفهوم الموافقة، وهو من دلالة اللفظ عند بعضهم.
قال السبكي: وهو حسن لمن لا يلتزم في الاختصار معنى الأصل، وإلا .. لم يحسن، وقد يقال: التقييد بوراء الصف يفهم أن الرامي من الصف يستحق، وأبداه ابن الرفعة احتمالاً.
3382 - قول "التنبيه" [ص 233]: (وإن قتله وقد ترك القتال وانهزم .. لم يستحق سلبه) قد يتناول ما لو قاتل كافراً فهرب منه فقتله المسلم مدبراً، والأصح: أنه يستحق سلبه، ويرد ذلك أيضاً على قول "الحاوي" [ص 444]: (مقبل) ولم يعتبر "المنهاج" إقباله على القتال، وإنما اعتبر أن يكون ذلك في حال الحرب، ثم ذكر ما احترز عنه بقوله: (أو قتله وقد انهزم الكفار) 55 فلم يعتبر انهزامه هو، وقال الرافعي في قول الغزالي: (مقبل على القتال): ليس المراد: اشتغاله بالقتال حين قتله؛ لأنهما لو تقاتلا زماناً ثم هرب فقتله في إدباره .. قال الأصحاب: استحق، ولو قصد كافر مسلماً فجاء مسلم آخر من ورائه فقتله .. استحق، بل المرعي ما قاله العراقيون: أن يقتله مقبلاً أو مدبراً والحرب قائمة، ولو قتله آخر بعد ما ولى من قرنه .. قال الإمام: فالظاهر عدم استحقاقهما 56. 3383 - قول "التنبيه" [ص 233]: (وإن قطع أحدهما إحدى يديه وإحدى رجليه وقتله الآخر .. ففيه قولان، أحدهما: أن السلب للأول، والثاني: أنه للثاني) الأظهر: الأول، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 444]: (كقطع طرفيه) وهو نظير تصحيح "المنهاج" فيما لو قطع يديه أو رجليه .. أن السلب له 57. وقال في "التوشيح" إن قول "التنبيه" [ص 235]: (وأول ما يبدأ به سلب المقتول، فيدفع إلى القاتل) ظاهر في أن غير القاتل لا يستحق ولو فقأ العينين أو قطع اليدين والرجلين، وهو اختيار

الحديث: 3381 - الجزء: 2 - الصفحة: 475

الوالد رحمه الله أخذاً بظاهر: "من قتل قتيلاً .. فله سلبه" 58، وبأن ذلك لا يزيل الامتناع؛ فرب أعمى شر من بصير، ومقطوع اليدين والرجلين يحتال على الأخذ بثأره بنفسه، ولكن المجزوم به في "المنهاج" وغيره: استحقاق السلب 59، والأصحاب مطبقون عليه؛ ويدل لهم نص الشافعي وإن كان الشيخ حاول تأويله.
انتهى.
وما ذكره ذهول عن قول "التنبيه" بعد ذلك [ص 233]: (وإن قطع أحدهما يديه ورجليه وقتله الآخر .. فالسلب للقاطع) ثم حكى الخلاف في الصورة المتقدمة عه، واعتبر "المنهاج" و"الحاوي" في استحقاق السلب إزالة امتناعه 60، وفي "المحرر": (أن يقتله أو يزيل امتناعه) 61، فاقتصر "المنهاج" على الثاني؛ لفهم الأول من طريق الأولى، واستحسن بعضهم ما في "المحرر" فإنه ذكر محل النص، وألحق به ما في معناه، لكن هذا شأن المطولات دون المختصرات.
3384 - قول "التنبيه" [ص 234]: (وإن غرر بنفسه في أسره فقتله الإمام أو من عليه .. ففي سلبه قولان، أحدهما: أنه لمن أسره، والثاني: ليس له) الأظهر: الأول، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 62. 3385 - قول "التنبيه" [ص 234]: (وإذا استرقه أو فاداه بمال .. فهل يستحق من أسره رقبته أو المال المفادى به؟ فيه قولان): قال في "الروضة" وأصلها: يشبه أن يكون الأظهر هنا: المنع 63، وأطلق تصحيحه الرافعي في "الشرح الصغير" والنووي في "التصحيح" 64، وعليه مشى "الحاوي".
3386 - قول "التنبيه" [ص 235]: (ثم يقسم الباقي على خمسة ثم الخمس على خمسة) ثم قال: (ويقسم الباقي - وهو أربعة أخماس - بين الغانمين) ظاهره: أن أهل الخمس يفوزون بسهامهم قبل قسمة الأخماس الأربعة على الغانمين، والذي ذكره الرافعي والنووي: أنه يخرج الخمس بالقرعة، ثم يقسم الباقي على الغانمين قبل قسمة الخمس على أهله؛ لأن الغانمين حاضرون محصورون 65، ولهذا قال "المنهاج" [ص 366]: (ثم يخمس الباقي) ولم يقل:

الحديث: 3384 - الجزء: 2 - الصفحة: 476

يقسم، ولم يعبر "الحاوي" بتخميس ولا قسمة، لكنه قال بعد الخمس والنفل: (والباقي لشاهد الحرب له) 66 فعليه الإيراد ظاهراً كـ"التنبيه".
قال الرافعي: ولا تكره قسمتها في دار الحرب 67، قال النووي: بل يستحب، بل في "المهذب" وغيره: يكره التأخير إلى دار الإسلام بغير عذر 68. قال السبكي: في العبارتين نظر، والصواب: استحباب التعجيل، لا خصوص القسمة في دار الحرب، وعليه نص في "الأم"، فقال: والسنة: أن يقسمه الإمام معجلاً، فلا يؤخر قسمته إذا أمكنه في الموضع الذي غنمه فيه.
انتهى 69. وذكر الماوردي والبغوي: أنه يجب التعجيل ولا يجوز التأخير 70، وحكاه السبكي عنهما في (الزكاة)، ولم يذكره هنا، قال في "التوشيح": وذلك هو الحق إن شاء الله.
وقال في "المهمات": ويمكن حمل السنة في كلام الشافعي على الطريقة، وفي "المنهاج" [ص 366]: (وبعد السلب تخرج مؤنة الحفظ والنقل وغيرهما، ثم يخمس الباقي) ولم يتعرض لذلك "التنبيه" و"الحاوي".
3387 - قول "التنبيه" [ص 234]: (ويجوز لأمير الجيش أن يشرط البداءة والرجعة ما يرى على قدر عملهم من خمس الخمس) المشهور: أن البداءة: السرية: التي يبعثها قبل دخوله دار الحرب مقدمة له، والرجعة: التي أمرها بالرجوع وقد توجه الجيش إلى بلاد الإسلام، ولا يختص ذلك بهما؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص 366]: (والنفل: زيادة يشرطها الإمام أو الأمير لمن يفعل ما فيه نكاية في الكفار) وعبارة "الحاوي" [ص 444]: (لمتعاطي خطر) فعبارتهما أعم، ومع ذلك فشرطه: أن تدعو إليه حاجة، وهذا أحد قسمي النفل، والقسم الثاني: أن ينفل من صدر منه أثر محمود؛ كمبارزة وحسن إقدام من غير شرط سابق.
3388 - قول "التنبيه" في غير ما يتبسط فيه [ص 235]: (لا يجوز لأحد منهم أن يستبد به، وله قول آخر: أنه إذا قال الأمير: "من أخذ شيئاً .. فهو له" .. صح، ومن أخذ شيئاً .. ملكه) محل هذا القول: في الغانمين، ولا يجوز لغيرهم قطعاً، ولم يصحح هذا القول متقدم ولا متأخر إلا الشيخ تاج الدين الفركاح؛ فإنه رجحه، ورد عليه النووي في تصنيف مفرد.

الحديث: 3387 - الجزء: 2 - الصفحة: 477

3389 - قوله: (ويقسم الباقي - وهو الأربعة أخماس - بين الغانمين) 71 ليس فيه إفصاح عن المستحق له، وقد نبه "المنهاج" فقال [ص 366]: (وهم: من حضر الوقعة بنية القتال وإن لم يقاتل) وعبارة "الحاوي" [ص 445]: (لشاهد الحرب له) وقد أورد عليهما أمور: أحدها: أنه ينبغي أن يزاد: (ممن يسهم له) ليخرج العبد والمرأة والصبي والكفار؛ ولعل إهمال ذلك لكونه معلوماً، وقد ذكرا حكمهم بعد، وقال السبكي: يحتمل إبقاء الكلام على عمومه، ومن يرضخ لهم من جملة الغانمين، فلا حاجة إلى إخراجهم.
وقال شيخنا ابن النقيب: هو صحيح بناء على الأصح: أن الرضخ من الأخماس الأربعة، وهو مراد الشيخ إن شاء الله تعالى؛ فإن الكلام على غانم يستحق من الأخماس الأربعة، لا في مطلق غانم، ولما عبر في "الروضة" بمن شهد الوقعة .. زاد هذه الزيادة.
انتهى 72. ثانيها: لو انهزم غير متحرف لقتال ولا متحيز إلى فئة ولم يعد .. لم يستحق شيئاً مع حضوره الوقعة، وهو مفهوم قول "الحاوي" [ص 445]: (أو خرج لتحيز إلى فئة قريبة) فلو عاد قبل انقضائها .. استحق من المحوز بعده فقط، قاله البغوي 73. قال الرافعي: وقياسه: أن من حضر في الأثناء .. لا يستحق من المحوز قبل حضوره، وقد قاله بعض الأصحاب 74. قال النووي: وهو متعين، وكلام من أطلق محمول عليه 75. ورده السبكي: بأن المنهزم معرض، فلا يأخذ مما حيز في إعراضه، بخلاف المدد، وصحح الإمام والغزالي: استحقاقه من الكل.
ثالثها: المخذل والمرجف لا يستحقان سهماً ولا رضخاً، وقد ذكر "الحاوي" المخذل 76. وأجيب عنهما: بأنه لا نية لهما في القتال، فإن فرضت النية مع التخذيل والإرجاف .. احتيج إلى لفظ يُخرجهما.
3390 - قول "الحاوي" [ص 445]: (ويُخْرَج) قال الرافعي: إلا أن يحصل بإخراجه وهن .. فيترك 77.

الحديث: 3389 - الجزء: 2 - الصفحة: 478

3391 - قول "المنهاج" [ص 366]: (ولا شيء لمن حضر بعد انقضاء القتال، وفيما قبل حيازة المال وجه) تبع "المحرر" في أنه وجه 78، لكن رجح في "الروضة" أنه قول، فقال: قولان، وقيل: وجهان 79، وعبارة أصله: وجهان في رواية بعضهم وقولان في رواية آخرين 80. وأما عكسه، وهو: ما لو حيز المال قبل انقضاء الحرب .. فقال ابن الرفعة: قياس البناء على وقت الملك: أن يأتي فيمن جاء حينئذ الخلاف، وبه صرح الفوراني، وصحح الإمام والغزالي المشاركة؛ لأن الحيازة لم تكمل؛ فإنه بصدد الاسترداد 81، وجعله القاضي حسين أولى بالمشاركة مما قبله.
3392 - قول "التنبيه" [ص 235]: (ومن مات أو خرج عن أن يكون من أهل القتال بمرض قبل أن تنقضي الحرب .. لم يسهم له) ليس كذلك في المريض؛ فإنه يستحق إن رجي زوال مرضه، وكذا إن لم يرج؛ كالعمى والزمانة في الأصح؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 445]: (وإن مرض).
3393 - قول "التنبيه" [ص 235، 236]: (وفي الأجير ثلاثة أقوال، أحدها: يسهم له، والثاني: يرضخ، والثالث: يخير، فإن اختار السهم .. فسخت الإجارة وسقطت الأجرة، وان اختار الأجر .. سقط السهم) فيه أمور: أحدها: أنه أطلق محل الخلاف تبعاً لـ"المختصر"، وكذا فعل المسعودي، وقيده الغزالي والبغوي بمن قاتل 82. ثانيها: صورة المسألة: أن ترد الإجارة على عينه وتقدر بمدة معينة؛ ولهذا مثله "المنهاج" بسياسة الدواب وحفظ أمتعة 83، فأما إذا وردت على الذمة وقدرت بعمل كخياطة ثوب وبناء حائط .. استحق السهم قطعاً.
ثالثها: صحح النووي في "تصحيح التنبيه" الأول 84، لكن أهمل شرطه، وهو: أن يقاتل، وقد صرح به "الحاوي" 85، وفي "المنهاج" أنه الأظهر إذا قاتل 86، فيحتمل أن يكون تقييداً

الحديث: 3391 - الجزء: 2 - الصفحة: 479

لمحل الخلاف، فيوافق البغوي والغزالي، ويحتمل أن يكون تقييداً للفتوى فقط.
رابعها: الأجرة الساقطة عند اختيار الفسخ هي أجرة زمن الوقعة فقط دون ما قبلها وبعدها، وإذا سقط السهم لاختياره الأجرة .. أرضخ له.
3394 - قول "التنبيه" [ص 236]: (وفي تجار العسكر قولان، أحدهما: يسهم لهم، والثاني: يرضخ، وقيل: إن قاتلوا .. أسهم لهم، وإن لم يقاتلوا .. فعلى قولين) الأصح: طريق ثالث وهو: الجزم بالمنع إن لم يقاتلوا وحكاية القولين إن قاتلوا، وأصحهما: الاستحقاق، وعليه مشى "المنهاج" فقال [ص 366]: (والأظهر: أن الأجير لسياسة الدواب وحفظ أمتعة والتاجر والمحترف يسهم لهم إذا قاتلوا) وفي "الحاوي" [ص 445]: (وللتاجر والمحترف والأجير إن قاتل) فقوله: (إن قاتل) يعود للمسائل الثلاث، وإذا لم يسهم .. أرضخ في الأصح.
3395 - قولهم: (للفارس ثلاثة أسهم) 87 يتناول ما لو قاتل في سفينة ومعه فرس، وقد نص عليه الشافعي؛ لأنه قد يحتاج إليه، وحمله ابن كج على من بقرب الساحل واحتمل أن يخرج ويركب، وإلا .. فلا، فلو حضرا بفرس مشترك .. فهل يعطي كل منهما سهم فرس، أو لا يعطيان، أو يعطيان سهم فرس مناصفة؟ أوجه، قال النووي: لعل الثالث أصح 88، وصححه السبكي أيضاً، فلو ركباه .. فهل لهما ستة أسهم، أم سهمان، أم أربعة أسهم؛ سهمان لهما وسهمان للفرس؟ فيه ثلاثة أوجه، حكاها الرافعي بلا ترجيح 89، وقال النووي: اختار ابن كج في "التجريد" وجهاً رابعاً حسناً: أنه إن كان فيه قوة الكر والفر مع ركوبهما .. فأربعة أسهم، وإلا .. فسهمان 90، ونزل السبكي الثالث عليه، وصححه.
3396 - قول "التنبيه" [ص 235]: (وإن حضر بفرس ضعيف أو أعجف .. أسهم في أحد القولين دون الآخر) الأظهر: أنه لا يسهم له، وعليه مشى "الحاوي" و"المنهاج"، وبين أن محل القول الآخر: إذا لم يُعلم نَهْيُ الأمير عن إحضاره 91. 3397 - قول "التنبيه" [ص 235]: (وإ عار فرسه فلم يجده إلا بعد انقضاء الحرب .. لم يسهم له، وقيل: يسهم له، وليس بشيء) قال الماوردي: محل الخلاف: إذا غاب الفرس عن الوقعة ومصاف القتل، وإلا .. أسهم له 92.

الحديث: 3394 - الجزء: 2 - الصفحة: 480

3398 - قوله: (وإن غصب فرساً وقاتل عليه .. فالسهم له في أظهر القولين، ولصاحب الفرس في الآخر) 93، صحح السبكي: أنه لصاحب الفرس، لكن الأصح عند الرافعي والنووي: الأول 94، وعليه مشى "الحاوي" بقوله [ص 445]: (ملكٍ وغيره).
3399 - قول "التنبيه" [ص 235] و"الحاوي" [ص 445]: (إنه يرضخ للذمي إن أذن له الإمام) شرطه: أن يحضر بلا أجرة، فإن استؤجر للجهاد .. استحق الأجرة فقط، ذكره "المنهاج" 95. 3400 - قول "المنهاج" [ص 367]: (وهو: دون سهم) و"الحاوي" [ص 445]: (سهم ناقص) أي: لا يبلغ برضخ الراجل سهمه، وهل يبلغ برضخ الفارس سهم الراجل؟ وجهان كبلوغ تعزير الحر حد العبيد، وبالمنع قطع الماوردى 96. 3401 - قول "التنبيه" [ص 236]: (ومن أين يكون الرضخ؟ فيه أقوال) الأظهر: الثاني، وهو: أنه أربعة أخماسها، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 97. 3402 - قوله: (وشارك في غنيمة السرية جيش الإمام المترصد بالقرب للنصرة) 98 هذا الشرط - وهو: الترصد بالقرب - اعتبره جماعة منهم الغزالي 99، ولم يتعرض له الأكثرون، واكتفوا باجتماعهم فى دار الحرب.
قال في "الروضة": وهو الأصح أو الصحيح 100، ولذلك أطلق "التنبيه" مشاركة الجيش للسرية في غنيمتها، بل مشاركة سرية أخرى لها في ذلك 101.

الحديث: 3398 - الجزء: 2 - الصفحة: 481

فصول الكتاب · 71 فصل
فصول تحرير الفتاوى
المقدمةكتابُ الطهارةكتابُ الصَّلاةكتاب الجنائز باب ما يفعل بالميتكتاب الزّكاةكتابُ الصِّيامكتاب الاعتِكافكتابُ الحَجّكتابُ البيعكتابُ السَّلَمِكتابُ الرَّهْنكتابُ التفليسكتابُ الشّركةكتابُ الوكالةكتاب الإقراركتابُ العاريةكتابُ الغَصْبكتابُ الشُفْعةكتاب القِراضكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتابُ إحياء المَواتكتابُ الوَقْفكتابُ الهِبَةكتابُ اللُّقَطةكتابُ اللَّقِيطكتابُ الجِعَالةكتابُ الفَرائِضكتاب الوصاياكتابُ الوَدِيعةكتاب قسم الفيء والغنيمةكتاب قسم الصّدقاتكتابُ النِّكاحكتابُ الصَّدَاقكتابُ القسْمِ والنُّشُوزكتابُ الخُلْعكتابُ الطَّلاقكتابُ الرَّجْعَةكتابُ الإيلاءكتابُ الظِّهاركتابُ الكفّارةكتابُ اللِّعانكتابُ العِدَدكتابُ الرّضاعكتابُ النّفقاتكتاب الجِناياتكتابُ الدّياتكتابُ البُغاةكتابُ الرِّدَّةكتابُ الزِّناكتابُ حَدِّ القّذْفكتابُ قطع السّرقةكتابُ قاطع الطَّريقكتاب الأشربةكتابُ الصِّيال وضمان الولاةكتاب السيركتابُ الصَّيُد والذّبائحكتابُ الأضحيةكتابُ الأَطعِمةكتاب المسابقة والمناضلةكتابُ الأَيْمانكتابُ كفّارة اليمينكتابُ النَّذْركتابُ القضاءكتابُ الشهاداتكتابُ الدعوى والبيّناتكتابُ إلحاق القائفكتابُ العِتْقكتابُ التَّدبيركتابُ الكِتابةكتابُ أمّهات الأولاد
جارٍ التحميل