3464 - قول " الحاوي " [ص 451]: (خُصَّ النبي عليه الصلاة والسلام بوجوب الضحى والأضحى والوتر) أراد بالأضحى: الأضحية، وفي إيجاب هذه الأمور الثلاثة على النبي صلى الله عليه وسلم نظر؛ لعدم صحة ذلك وقد روى أحمد والبيهقي من حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث هن عليّ فرائض ولكم تطوع: النحر، والوتر، وركعتا الضحى" 1 ضعفه البيهقي وعبد الحق الإشبيلي وابن الجوزي وغيرهم، وذكره ابن السكن في " سننه " الصحاح بلفظ: " ركعتا الفجر " بدل " النحر "، ولم يوافق على تصحيحه، وروى البيهقي أيضًا من حديث عائشة مرفوعًا: " ثلاث هن عليّ فريضة ولكم سنة: الوتر، والسواك، وقيام الليل " وضعفه البيهقي، وقال: لم يثبت في هذا إسناد 2. 3465 - قوله: (والوتر والتهجد) 3 فيه أمران: أحدهما: أن كلامه صريح في أن الوتر غير التهجد، وهو الذي ذكر الرافعي والنووي هنا: أنه الأرجح 4، لكنهما قالا في (صلاة التطوع): إن الأشبه أن الوتر هو التهجد 5. ثانيهما: تبع في وجوب التهجد عليه الرافعي 6، وحكاه النووي عن الجمهور، ثم قال: وحكى الشيخ أبو حامد أن الشافعي نص على أنه نسخ وجوبه في حقه كما نسخ في حق غيره، قال: وهذا هو الأصح أو الصحيح؛ ففي " صحيح مسلم ": عن عائشة رضي الله عنها ما يدل عليه 7. 3466 - قوله: (وتخيير نسائه) 8 يفهم أنه ليس من الخصائص تحريم طلاقهن بعد ما اخترنه،
وكذا صححه في " أصل الروضة " 1 وفي " الشرح الصغير "، وحكى في " الكبير " تصحيحه عن الإمام 2، لكن قال شيخنا الإمام البلقيني: الذي يقتضيه كلام الشافعي في " الأم " تحريمه 3، وبه جزم الماوردي، وصححه أبو الفرج الزاز، وهو أقرب.
3467 - قوله: (والمشاورة) 4 نص الشافعي على أنها غير واجبة عليه، حكاه البيهقي في " المعرفة " عند ذكر استئذان البكر 5.
3468 - قوله: (وتغيير المنكر) 6 قال النووي: قد يقال: هذا ليس من الخصائص، بل كل مكلف تمكن من إزالته.. لزمه تغييره، ويجاب عنه: بأن المراد: أنه لا يسقط عنه للخوف، فإنه معصوم بخلاف غيره 7.
3469 - قوله: (والزكاة على قريبيه) 8 كذا الكفارة.
3470 - قوله: (ونكاح الكتابية) 9 يفهم جواز تَسَرِّيه بالأمة الكتابية، وهو الأصح، وكلام الرافعي في " الشرح الصغير " يفهم خلافه.
3471 - قوله: (ومدخولته لغيره) 10 يفهم أنه يجوز لغيره نكاح زوجته التي فارقها في حياته قبل دخوله بها، وهو الذي حكى الرافعي تصحيحه عن الشيخ أبي حامد، وقال في " الشرح الصغير ": إنه الأظهر، والمحكي في الرافعي عن نص الشافعي في أحكام القرآن: التحريم مطلقًا 11، ورجحه النووي في زيادة " الروضة " 12، وقال ابن الصلاح: إنه ظاهر نص الشافعي وأشبه بظاهر القرآن.
3472 - قوله: (وينكح بالهبة) 13 أي: بلفظ الهبة، وهذا من جهة الراغبة، أما من جهته
عليه الصلاة والسلام.. فلا بد من لفظ النكاح على الأصح في " أصل الروضة " (1)، ونقل الرافعي ترجيحه عن الشيخ أبي حامد (2). 3473 - قوله: (وبإحرام) (3) أي: ينكح وهو محرم، قال الرافعي: إن كلام النقلة بترجيحه أشبه (4)، وصححه النووي (5)، لكن الماوردي إنما حكاه عن أبي الطيب بن سلمة، ثم نسب إلى سائر الأصحاب أنه في ذلك كغيره، فلا ينعقد نكاحه في الإحرام (6).
فصلٌ [حكم النكاح وسننه وبيان العورات]
3474 - قول " التنبيه " [ص 157]: (من جاز له النكاح من الرجال وهو جائز التصرف؛ فإن كان غير محتاج إليه.. كره له أن يتزوج، وإن كان محتاجًا إليه.. استحب له أن يتزوج) فيه أمور:
أحدها: أنه أخرج بقوله: (من الرجال) النساء، واقتضى أن حكمهن في ذلك ليس كحكم الرجال، لكنه قال بعد ذلك: (فإن كانت لا تحتاج إلى النكاح.. كره لها أن تتزوج، وإن كانت محتاجة إليه.. استحب لها أن تتزوج) 7 فدل على استواء الصنفين في الاستحباب عند الحاجة، والكراهة عند عدم الحاجة.
وقال الشيخ عماد الدين الزنجاني في " شرح الوجيز " المسمى بـ " الموجز ": لم يتعرض الأصحاب للنساء، والذي يغلب على الظن أن النكاح في حقهن أولى مطلقًا؛ لأنهن يحتجن إلى القيام بأمورهن والتستر عن الرجال، ولم يتحقق فيهن الضرر الناشئ من النفقة.
ثانيها: أخرج بقوله: (جائز التصرف) غيره، واقتضى أن حكمه في ذلك يخالف حكم جائز التصرف، قال في " الكفاية ": وهو ظاهر عند عدم الحاجة؛ إذ لا يكره في حقه، بل يجوز له؛ رعاية للحظ، وأما عند الحاجة.. فلا يطرد في كل محجور؛ فإن استحبابه في حق السفيه كما في الرشيد، وكذا العبد إذا خاف العنت ولم تندفع شهوته بالصوم.
قلت: والظاهر أن " التنبيه " إنما فصل بين جائز التصرف وغيره؛ لأن جوازه لغير جائز التصرف123456
له شروط، وفيه تفصيل، وأما جوازه لجائز التصرف.. فلا شرط له ولا تفصيلى فيه، وهذا التفصيل بين الحاجة وعدمها ليس للجواز، بل لقدر زائد عليه من الكراهة أو الاستحباب، فالتقييد بجواز التصرف ليس لأجل هذا التفصيل، بل للجواز المطلق، وهذا التفصيل زيادة على ما اقتضاه المفهوم
ثالثها: أطلق الكراهة لغير المحتاج، ومحله في صورتين:
إحداهما: إذا فقد الأهبة.
الثانية: إذا وجدها لكن كانت به علة؛ كهرم أو مرض دائم أو تعنين، فأما إذا وجد الأهبة ولا علة به.. فلا يكره له النكاح، لكن التخلي للعبادة أفضل، فإن لم يتحبد.. فالنكاح أفضل في الأصح، وقد ذكر ذلك " المنهاج "، لكنه عبر بقوله: (العبادة أفضل) 1 واستصعب السبكي كون الخلاف بيننا وبين الحنفية في أن العبادة أفضل أو النكاح، ورأى أن العبادة أفضل قطعًا، وقال: إنما محل الخلاف: التخلي للعبادة، وهي عبارة الجمهور؛ أي: جحل نفسه بالمرصاد لها، فنحن نقول: هو أفضل، والحنفية يقولون: النكاح أفضل، فالصواب: التعبير: بأن التخلي للعبادة أفضل كما عبرت به، ثم استثنى السبكي من قول أصحابنا: أن النكاح ليس عبادة: نكاح النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فإنه عبادة قطعًا، ومن فوائده: نقل الشريعة المتعلقة بما لا يطلع عليه الرجال، ونقل محاسنه الباطنة؛ فإنه مكمل الظاهر والباطن، وقال السبكي أيضًا: لم يزد الشافعي على أنه يُحِبُّ تركه، ومحبة الترك لا تقتضي الكراهة.
رابعها: أطلق الاستحباب عند الحاجة، وشرطه: أن يجد مع ذلك أهبة النكاح كما صرح به " الحاوي " 2 و " المنهاج " وقال: (فإن فقدها.. استحب تركه) 3، وكذا في " تصحيح التنبيه " 4، وفي " شرح مسلم ": أن النكاح في هذه الحالة مكروه، وهو أبلغ في طلب الترك 5، وعبارة " المحرر " و " الروضة ": (الأولى: ألَّا ينكح) 6، وقال شيخنا ابن النقيب: وهي دون عبارة " المنهاج " و " التصحيح " في الطلب، وفيه نظر؛ فلا يظهر فرق بين قولنا: يستحب ترك النكاح وقولنا: الأولى: ترك النكاح، ثم قال ابن النقيب: وليس في الحديث تعرض للندب ولا للأولوية، إنما اقتضى عدم الطلب لا طلب العدم، فلو قال: (فإن فقدها.. لم
يستحب).. لكان أخصر وأحسن.
انتهى 1.
ويرد على قول "الحاوي" [ص 453]: (ندب لمحتاج ذي أهبة) أنه يندب أيضًا لغير المحتاج إذا كان ذا أهبة، ولا علة به، وليس مشتغلًا بالعبادة في الأصح، وقد ذكره " المنهاج " [ص 372]، وقال الغزالي في " الإحياء ": من اجتمع له فوائد النكاح من النسل والتحصين وغيرهما، وانتفت عنه آفاته من تخليط في الكسب وتقصير في حقهن.. استحب له، وعكسه العزلة له أفضل، قإن اجتمعا.. اجتهد وعمل بالراجح 2.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: الذي يدل له نص الشافعي أنه إن كان تائقًا.. استحب له، وإلا.. فهو مباح.
لم يقل بأنه مستحب ولا مكروه، وهي طريقة أكثر العراقيين.
3475 - قول " التنبيه ": [ص 157] (والمستحب: ألَّا يتزوج إلا من تجمع الدين والعقل) المراد: قدر زائد على مناط التكليف، وهو وفور العقل.
3476 - قول " الحاوي " [ص 453]: (بكر، ولود) يقال: كيف يجتمع هذان الوصفان؟ فإن البكر لا ولد لها.
ويجاب عنه: بأن ذلك يعرف من أقاربها، وقيد الرافعي والنووي ترجيح البكر بما إذا لم يكن عذر 3.
3477 - قول " المنهاج ": [ص 372] (ليست قرابة قريبة) هو معنى قول " الحاوي " [ص 453]: (بعيدة)، وقد توقف فيه السبكي؛ لعدم صحة الحديث الدال عليه؛ فقد قال ابن الصلاح: لم أجد له أصلًا معتمدًا.
قال السبكي: فلا ينبغي إثباته؛ لعدم الدليل، وقد زوج النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة من على رضي الله عنهما وهي قرابة قريبة؛ لأنه ابن عم أبيها صلى الله عليه وسلم.
وعبارة " الكفاية ": (أن تكون غريبة) وهي تقتضي نفي القرابة وإن لم تكن قريبة، وجزم في زيادةأ الروضة ": بأن قرابته غير القريبة أولى من الأجنبية 4، لكن في " البحر " و " البيان " عن النص: الأولى: ألَّا يتزوج من عشيرته؛ لأن الغالب حينئذ على الولد الحمق 5.
3478 - قول " المنهاج " [ص 372]: (وإذا قصد نكاحها.. سن نظره إليها قبل الخطبة) هو
معنى قول " الحاوي " [ص 453]: (إذا عزم على نكاحها) لكنه لم يصرح بأنه قبل الخطبة، فتصريح " المنهاج " أحسن.
قال في " المهمات ": وهو معارض بالحديث والمعنى، أما الحديث: فروى البيهقي عن جابر مرفوعاً: " إذا خطب أحدكم المرأة فقدر على أن يرى منها ما يعجبه ويدعوه إليها.. فليفعل " 1، وأما المعنى: فلأنها قد تعجبه ولا يجاب، فيتضرر، والحديث المذكور رواه أبو داوود، فعزوه إليه أولى، وقال والدي رحمه الله: ما ذكره الرافعي أولى 2، ويدل له: ما رواه ابن ماجه من حديث محمد بن مسلمة مرفوعًا: "إذا ألقى في قلب امرءٍ خطبة امرأة.. فلا بأس أن ينظر إليها " 3، وروى ابن ماجه أيضًا عن أنس: أن المغيرة بن شعبة أراد أن يتزوج امرأة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اذهب فانظر إليها " 4، ورواه أيضًا من حديث المغيرة، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له امرأة أخطبها، فقال: " اذهب فانظر إليها... " الحديث 5.
3479 - قول " المنهاج " [ص 372]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص 453]: (ولا ينظر غير الوجه والكفين) علله الرافعي: بأن ما سواهما عورة 6، ومقتضاه: اختصاص هذا الحكم بالحرة؛ فإن الأصح: أنه ينظر من الأمة ما ينظره الرجل من الرجل، فمع حاجة النكاح أولى، وبه صرح ابن الرفعة، فقال: مفهوم كلامهم في الأمة الجواز إلى ما ليس بعورة منها 7.
3480 - قول " التنبيه " [ص 157]: (والأولى: ألَّا يزيد على امرأة واحدة) قيده النووي في " الروضة " بما إذا لم تكن حاجة ظاهرة 8، ومقتضاه: أنه إذا كان لا يقنع بواحدة، لقوة شهوته.. استحب له الزيادة، وقد ذكره الماوردي كما حكاه عنه الرافعي في (النفقات) 9، وجزم به الغزالي في " الإحياء " 10.
3481 - قول " المنهاج " [ص 372]: (ويحرم نظر فحلٍ بالغٍ إلى عورة حرةٍ كبيرةٍ أجنبيةٍ، وكذا وجهها وكفيها عند خوف الفتنة، وكذا عند الأمن على الصحيح) فيه أمور:
أحدها: تبع في تصحيح التحريم عند الأمن " المحرر " فإنه قال: (إنه أولى الوجهين) 1، وهو ظاهر إطلاق " الحاوي " تحريم النظر 2، وحكى في " الشرح الصغير " ترجيحه عن جماعة؛ وعلله، ولم ينقل مقابله عن أحد، وذلك يفهم ترجيحه، لكنه في " الكبير " قال: أكثر الأصحاب لا سيما المتقدمون على أنه لا يحرم، بل يكره 3، وتبعه في " الروضة " 4، ووجهه الإمام باتفاق المسلمين على منع النساء من الخروج سافرات 5، وعن القاضي عياض عكسه 6، وهو أنه حكى عن العلماء مطلقًا: أنه لا يلزمها ستر وجهها في طريقها، بل يندب، وعلى الرجال غض البصر.
قال شيخنا ابن النقيب: وإذا كان أكثر الأصحاب عليه.. لزمه في " المحرر " تصحيحه، ثم إنه في الحقيقة ما صحح مقابله، بل جعله أولى؛ فلعله رآه أولى من حيث حسم الباب، لا أنه المصحح في المذهب، فينكر على المصنف التصريح بتصحيحه مع تضعيف مقابله الذي عليه الأكثر؛ لتعبيره بالصحيح 7.
وقال في " المهمات ": الصواب: الجواز؛ لتصريحه في " الشرح " بأن الأكثرين عليه.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: الترجيح بقوة المدرك والفتوى على ما في " المنهاج ".
ثانيها: فرض الإمام الوجهين فيما إذا لم يظهر خوف فتنة 8، قال السبكي: وهو حسن؛ فالأمن عزيز إلا ممن عصم الله.
قال في " التوشيح ": قد يقال: عدم ظهور الخوف أمن.
ثالثها: ظاهر كلامه: أن وجهها وكفيها غير عورة، وإنما ألحقت بها في تحريم النظر، وهو محتمل، قد يقال ذلك، وقد يقال: هو عورة في النظر دون الصلاة، وقال الماوردي في (كتاب الصلاة): عورتها مع غير الزوج كبرى وصغرى، فالكبرى ما عدا الوجه والكفين، والصغرى ما بين السُّرة والركبة، فيجب ستر الكبرى في الصلاة، وكذا عن الرجال الأجانب والخناثى، والصغرى عن النساء وإن قربن، وكذا عن رجال المحارم والصبيان، وهل عورتها مع الشيخ الهرم والمجبوب الكبرى أو الصغرى؟ وجهان 9.
3482 - قول "الحاوي " [ص 453]: (ومن أمة) أي: يباح النظر إلى الأمة فيما عدا ما بين السرة والركبة، والمراد: عند فقد الشهوة، وتبع فيه الرافعي؛ فإنه قال في " المحرر " و " الشرح الصغير ": إنه الأظهر 1، وحكى في " الكبير " تصحيحه عن البغوي والروياني 2، والمراد: الإباحة مع الكراهة، وخالفه النووي، فقال في " الروضة ": صرح صاحب " البيان " وغيره: بأن الأمة كالحرة، وهو مقتضى إطلاق كثيرين، وهو أرجح دليلًا 3، وفي " المنهاج " [ص 373]: (الأصح عند المحققين: أن الأمة كالحرة) وفي الرافعي: أنه لا يكاد يوجد إلا في " الوسيط " 4.
3483 - قول " المنهاج " [ص 372]: (وإلى صغيرة إلا الفرج) و" الحاوي " [ص 453]: (والصبية لا الفرج) جزم به الرافعي 5، وقال النووي: نقل صاحب " العدة " الاتفاق عليه، وليس كذلك، بل قطع القاضي حسين في " تعليقه " بجواز النظر إلى فرج الصغيرة التي لا تُشتهى والصغير، وقطع به في الصغير إبراهيم المَرُّوذِي، وذكر المتولي فيه وجهين، وقال: الصحيح: الجواز؛ لتسامح الناس بذلك قديمًا وحديثًا، وأن إباحة ذلك تبقى إلى بلوغه سن التمييز، ومصيره بحيث يمكنه ستر عورته عن الناس.
انتهى 6.
وقال ابن الصلاح: إن المانع كاد أن يخرق الإجماع، وذكر الماوردي: أنها إذا جاوزت سبعًا.. حرم النظر إلى الفرج، ويبقى غيره إلى عشر في الصبي وتسع في الصبية 7.
3484 - قول " المنهاج " [ص 372]- والعبارة له - و " الحاوي " [ص 453] عطفًا على الأصح: (وأن نظر العبد إلى سيدته ونظر ممسوحٍ كالنظر إلى مَحْرَمٍ) فيه أمور:
اْحدها: كذا حكى الرافعي تصحيحه عن الأكثرين 8، وقال النووي: هو المنصوص وظاهر الكتاب والسنة، وإن كان فيه نظر من حيث المعنى 9، وصحح في " نكت " له على " المهذب ": التحريم، وكذا صححه ابن الرفعة في " المطلب " والسبكي.
ثانيها: محل ذلك: ما إذا لم تكاتبه كما حكاه في " الروضة " عن القاضي حسين 1، ويوافقه تصريح الرافعي في عكسه، وهو مكاتبة الرجل أمته: بأنه لا يحل له النظر إليها 2، لكن جوز أبو نصر أبي القاسم القشيري نظره إليها ولو كاتبته، وحكاه شيخنا الإمام البلقيني عن نص الشافعي، وخرج في " المطلب " فيه وجهين، وقال: لم أر المحكي عن القاضي حسين في " تعليقه "، وقال شيخنا الإمام البلقيني: لم يطلقه القاضي، بل قال: إن كان معه وفاء.. فتحتجب منه، وإلا.. فلا.
ثالثها: محله أيضًا: في العبد الثقة دون الفاسق كما ذكره البغوي في " تفسيره "، وفي المرأة الثقة أيضًا كما ذكره المهدوي في " تفسيره "، وهو معدود من الشافعية، وكذا قيد الواحدي والكواشي الآية بأن يكونا عفيفين 3.
رابعها: اقتصر على جواز النظر، والخلوة في معناه، وقد صرح بجوازها صاحبا " المهذب " و" البيان " 4، وكذا السفر بها، وقد صرح به المرعشى في " ترتيب الأقسام " وقال شيخنا الإمام البلقيني: الذي يقوى جواز النظر دون الخلوة، والمسافرة محل نظر.
انتهى.
والذي في " الروضة " وأصلها: أنه مَحْرَم لها عند الأكثرين 5، ومقتضاه: جواز النظر والخلوة والسفر، بل جواز اللمس، وأنه غير ناقض، وليس كذلك؛ ولهذا قال في " المهمات ": الصواب: التعبير بجواز الخلوة والنظر ونحوهما، لا بالمحرمية.
خامسها: خرج بالعبد: المبعض، فهو كالأجنبي، وقد صرح به الماوردي 6، ويوافقه جزم الرافعي والنووي بتحريم نظر الشريك من المشتركة لما بين سرتها وركبتها 7.
سادسها: قال السبكي: الصحيح عندي: أن نظر الممسوح إلى الأجنبية كنظر الفحل.
انتهى.
وبتقدير جوازه.. فينبغي تقييده بعفته وعفة المنظور إليها كما تقدم في عبد المرأة، وقال المتولي: إن كان له ميل إلى النساء.. حرم، وإلا.. فكالشيخ الهرم.
3485 - قول " المنهاج " [ص 372]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص 453]: (وأن المراهق
كالبالغ) قال الرافعي: معناه: أنه يلزم المنظور إليها الاحتجاب منه كما أنه يلزمها الاحتجاب من المجنون قطعًا، وأما الصبي.. فلا تكليف عليه 1، وقال النووي: إذا جعلناه كالبالغ.. لزم الولي أن يمنعه النظر كالزنا وكل محرم 2، وقال الإمام: إن لم يبلغ أن يحكي ما يراه.. فهو كالعدم، وإن بلغه دون ثوران شهوة.. فهو كالمحرم، وإن كان.. فكالبالغ الأجنبي 3، وحينئذ.. فلا ينبغي التعبير بعبارة تقتضي التحريم، فلو عبر بالمنع.. لكان أحسن.
3486 - قول " المنهاج " [ص 373]: (ويحرم نظر أمرد بشهوة) فيه أمور:
أحدها: أنه لا معنى لتخصيص تحريم النظر بشهوة بالأمرد؛ فالملتحي يحرم النظر إليه بشهوة أيضًا، وقد قال قبل ذلك: (ويحل نظر رجل إلى رجل) 4 ولما ذكر الشهوة.. قيد بالأمرد، وذلك يقتضي أن الكلام الأول على إطلاقه؛ وكأنه إنما ذكر ذلك توطئة لما بعده من تحريم النظر إليه بغير شهوة أيضًا.
ثانيها: قال السبكي: المراد من الشهوة: أن يكون النظر لقصد قضاء وطر فيها، بمعنى: أن الشخص يحب النظر إلى الوجه الجميل ويلتذ به، قال: فإذا نظر ليلتذ بذلك الجمال.. فهو النظر بشهوة، وهو حرام، قال: وليس المراد: أن يشتهي زيادة على ذلك من الوقاع ومقدماته؛ فإن ذلك ليس بشرط بل زيادة في الفسوق، قال: وكثير من الناس لا يقدمون على فاحشة ويقتصرون على مجرد النظر والمحبة، ويعتقدون أنهم سالمون من الإثم، وليسوا سالمين.
ثالثها: لا يختص التحريم بحالة الشهوة، بل لو انتفت وخيف الفتنة.. حرم النظر أيضًا كما حكاه الرافعي عن الأكثرين 5، ولهذا قال " الحاوي " عطفًا على الجائز [ص 453]: (وأمرد بغير شهوة وأمن) أي: ومع الأمن، وقد تفهم عبارته أنه معطوف على شهوة؛ أي: بغير شهوة وبغير أمن، وليس كذلك؛ فهو إما معطوف على (غير) أو (الواو) فيه بمعنى: (مع).
رابعها: قوله من زيادته: (وكذا بغيرها في الأصح المنصوص) 6 نازعه في " المهمات " في العَزْوِ للنص، وقال: الصادر من الشافعي على ما بينه في " الروضة ": إنما هو إطلاق يصح حمله على حالة الشهوة.
قلت: عبارة " الروضة ": أطلق صاحب " المهذب " وغيره: أنه يحرم النظر إلى الأمرد بغير حاجة، ونقله الداركي عن نص الشافعي 1.
فإن أراد نقل الإطلاق.. صح ما قاله في " المهمات "، وإن أراد نقل النص.. صحت عبارة " المنهاج ".
خامسها: ظاهر إطلاقه: أنه لا فرق في الأمرد بين أن يكون جميلًا أم لا، وقال السبكي: إنه محتمل، لعدم انضباط الحسن، قال: ولكن الظاهر الأول، وعليه يدل كلام الأكثر، وإليه يرشد تبويب النووي في " رياض الصالحين " 2، قال السبكي: وهذا القيد منتف في النساء؛ لأن في الطباع الميل إليهن، فضبط بالأنوثة، وذلك مفقود فيما بين الرجال إلا في الأمرد الحسن.
قلت: وقيده القاضي حسين والمتولي بالجميل الوجه، الناعم البدن، وحرر السبكي موضع الخلاف، وحصره في جميل يمكن الافتتان به، فعند النووي: يحرم وإن انتفت الفتنة والشهوة اعتبارًا بالمنظور إليه 3، وعند الرافعي: يجوز؛ اعتبارًا بالناظر 4، واستشكل إيجاب الغض عن الأمرد مطلقًا، وقال الغزالي في " الإحياء ": من يتأثر قلبه بجمال الأمرد بحيث يدرك الفرق بينه وبين الملتحي - أي: من حيث الشهوة -.. فلا يحل له النظر 5.
3487 - قول " الحاوي " [ص 453]: (كللمرأة) أي: كما لا يحرم نظر المرأة إلى المرأة إلا فيما بين السرة والركبة، يتناول نظر الذمية للمسلمة، وهو الذي صححه الغزالي 6، وصحح البغوي تحريمه؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ وليست الذمية من نسائهن 7، وتبعه النووي 8؛ ولهذا قال في " المنهاج " [ص 373]: (الأصح: تحريم نظر ذمية إلى مسلمة) وفي " المحرر ": (أنه الأحوط) 9، وفيه أمور:
أحدها: أن التحريم لا يختص بالذمية، بل يحرم على المسلمة كشف وجهها لها، وقد صرح به النووي في " فتاويه " 10، وإذا لم يخاطب الكفار بفروع الشريعة.. اختص التحريم بالمسلمة.
ثانيها: يستثنى من الذمية: مملوكة المسلمة فيباح لها النظر لها كما ذكره النووي في " فتاويه " 1، وكلام البغوي في " تفسيره " يقتضيه 2.
ثالثها: ويستثنى منها أيضًا: محرمها؛ كبنتها أو أمها.. فيباح لها النظر إليها كما دل عليه كلام القاضي حسين؛ حيث فرض الخلاف في الأجانب، وأما القريبة؛ كبنت العم وبنت الخال ونحوهما.. فهل يجري عليها حكم نساء المحارم أم نساء الأجانب؛ قال شيخنا الإمام البلقيني: الأقرب: الثاني.
رابعها: لا يختص ذلك بالذمية، بل سائر الكافرات كذلك كما حكاه في "الروضة" عن صاحب " البيان " 3، بل ذكر الشيخ عز الدين بن عبد السلام في " تفسيره ": أن الفاسقة كالذمية في ذلك، ونازعه شيخنا الإمام البلقيني فيه، وقال: هي من المؤمنات، والفسق لا يخرجها عن ذلك.
خامسها: ذكر الرافعي والنووي أن الأشبه: أن الذى يحرم نظر الذمية له من المسلمة هو ما لا يبدو في حال المهنة، ولها النظر إلى ما يبدو في المهنة، بعد أن نقلا عن الإمام: أنها كالرجل الأجنبي 4، وتقدم قول النووي في " فتاويه ": أنه يحرم على المسلمة كشف وجهها للذمية 5، وهو موافق لكلام الإمام 6، وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه الأصح، قال: وبه جزم القاضي حسين وغيره.
سادسها: أما عكسه، وهو نظر المسلمة للذمية.. فمقتضى كلام الأصحاب: جوازه، وقال شيخنا الإمام البلقيني: عندي فيه وقفة إن قيل: أو نسائهن في الناظرة والمنظورة.
3488 - قول " الحاوي " [ص 453]: (ومن الرجل) أي: لا يحرم نظر المرأة للرجل إلا فيما بين السرة والركبة، تبع فيه الرافعي 7، وصحح النووي تحريم نظرها إليه كنظره إليها 8؛ ولهذا قال " المنهاج " [ص 373]: (قلت: الأصح: التحريم كَهُوَ إليها) ويوافقه قول الرافعي في (شروط الصلاة): إنه يحرم عليها النظر إلى شعره، هاذا قلنا بالإباحة.. فشرطها عدم خوف الفتنة، وقد صرح به " المنهاج " 9.
3489 - قوله: (ومتى حرم النظر.. حرم المس) 1 قال السبكي: إن تعبير " المحرر " بـ (حيث) 2 أحسن منه؛ لأن (حيث) اسم مكان، والمقصود هنا: أن المكان الذي يحرم نظره يحرم مسه، و (متى) اسم زمان، وليس مقصودًا هنا.
قال شيخنا ابن النقيب: وقد يقال: إن الزمان أيضًا مقصود؛ فإن الأجنبية يحرم نظرها، فإذا عقد عليها.. جاز، فإذا طلقها.. حرم، وكذلك الطفلة على العكس؛ ولذلك استثنى زمان المداواة والمعالجة.
انتهى 3.
ويستثنى منه: جواز مس الرجل فرج زوجته أو أمته قطعًا، مع تحريم النظر إليه على وجه، ومفهومه: أنه لا يلزم من تحريم المس تحريم النظر، وهو كذلك، فيحرم مس وجه الأجنبية وإن جاز النظر، بل حكى الرافعي عن العبادي، عن القفال: أنه لا يجوز للرجل مس بطن أمه ولا ظهرها، ولا أن يغمز ساقها ولا رجلها، ولا أن يقبل وجهها، ولا أن يأمر ابنته أو أخته بغمز رجله 4، وفصل السبكي في ذلك؛ فجوز ما كان منه لحاجة أو شفقة، وحرم ما كان لشهوة، قال: وبينهما مراتب متفاوتة؛ فما قرب إلى الأول.. ظهر جوازه، أو إلى الثاني.. ظهر تحريمه، وعبارة " الروضة " تقتضي أنه يحرم مس يد الأم، وهو خلاف الإجماع؛ فإنه قال عطفًا على المحرم: ومس كل ما جاز النظر إليه من المحارم 5، وعبارة الرافعي عطفًا على ما لا يجوز: ولا مس كل ما يجوز النظر إليه من المحارم 6، وهي عبارة صحيحة، ومقتضاها: أنه لا يجوز مس الكل، بل البعض؛ كقولنا: لا يجوز أن يتزوج كل امرأة: وهو المسمى بسلب العموم، فعبر النووي بالإثبات، فقال: يحرم، وأسنده إلى كل فرد، وهو المسمى عموم السلب، فوقع في الغلط، ذكره في " المهمات ".
وفي " شرح مسلم " للنووي: أن مس رأس المحرم وغيره مما ليس بعورة مجمع على جوازه 7، وعبارة " الحاوي " [ص 453]: (وحرم للذكر مس شيء من المرأة - شعرها وغيره - وإن أبين، والنظر لا لحاجةٍ... إلى آخره) ومقتضاها: تسوية المس والنظر إثباتًا ونفيًا، ويرد عليه ما تقدم.
3490 - قول " المنهاج " [ص 373]: (ويباحان لفصدٍ وحجامة وعلاج) هي داخلة في الحاجة التي ذكرها " الحاوي " 1، وله شروط:
أحدها: أن يكون ذلك بحضور محرم أو زوج، قال شيخنا الإمام البلقيني: والمراد: أن يكون هناك من يمنع حصول الخلوة كما هو مذكور في العدد.
ثانيها: يشترط في معالجة الرجل للمرأة: فقد امرأة تعالجها، وفي معالجة المرأة للرجل: فقد رجل يعالجه كما صححه النووي 2، وحكاه الرافعي عن أبي عبد الله الزبيري والروياني خلافًا لابن القاصّ 3.
ثالثها: يشترط أيضًا: ألَّا يكون ذميًا مع وجود مسلم كما في زوائد " الروضة " عن القاضي حسين والمتولي 4، وقال شيخنا الإمام البلقيني: اللائق بالترتيب أن يقال: إن كانت العلة في الؤجه.. سومح بذلك كما في المعاملة، وإن كانت في غيره؛ فإن كانت امرأة.. فيعتبر وجود امرأة مسلمة، فإن تعذرت.. فصبي مسلم غير مراهق، فإن تعذر.. فصبي غير مراهق كافر، فإن تعذر.. فامرأة كافرة، فإن تعذرت.. فمحرمها المسلم، فإن تعذر.. فمحرمها الكافر، فإن تعذر.. فأجنبي مسلم، فإن تعذر.. فأجنبي كافر.
رابعها: أصل الحاجة كاف في نظر الوجه والكفين، ويعتبر في غير ذلك تأكدها وهو مبيح التيمم، قاله الإمام 5، وفي الفرج مزيد تأكيد، وهو ما لا يعد الكشف له هتكًا للمروءة، قاله الغزالي 6، ولهذا قال " الحاوي " [ص 453]: (ومؤكدها في السوأة).
3491 - قول " المنهاج " من زيادته [ص 373]: (ويباح النظر لمعامله وشهادةٍ وتعليمٍ ونحوها بقدر الحاجة) وهو داخل في تعبير " الحاوي " [ص 453] بـ (الحاجة) وفيه أمور:
أحدها: أن الرافعي والنووي اقتصرا في هذه الصورة على النظر إلى الوجه 7، وصحح الماوردي أنه إذا حصلت معرفتها ببعض الوجه.. وجب الاقتصار عليه، ولم يجز رؤية جميعه، وحكاه الروياني عن الجمهور، فإن لم يعرفها إلا بالكل أو بالتكرار.. فعل؛ ولعل قول " المنهاج " [ص 373]: (بقدر الحاجة) و " الحاوي " [ص 453]: (بحاجة) يوافق ذلك.
وقال في " المهمات ": إن الاقتصار على الوجه غير مستقيم؛ فقد تقدم أنه يجوز النظر إلى الكفين عند الأكثرين لا لحاجة، فكيف مع هذه الحاجة؟ وهو مردود، وكيف ينظر زيادة على الوجه وهو غير محتاج إليه؟ ! فإن المعرفة بالوجه خاصة.
ثانيها: محل ذلك: عند أمن الفتنة، فلو خافها.. قال الرافعي في (الشهادات): يشبه أن يقال: إن لم يتعين.. لم ينظر، وإن تعين.. فينظر ويضبط نفسه.
انتهى 1.
ولم يتعرضوا لما إذا انضم لخوف الفتنة قيام الشهوة، وقال السبكي فيما إذا تعين: هو مشكل، والذي أراه: أنه ينظر؛ فإن عصم، وإلا.. وقع في الإثم، وجعله ذا وجهين: يأثم بالشهوة، ويؤجر بالتحمل، وحكى في " التوشيح ": جواز النظر مع الشهوة عند التعين عن الماوردي والرا فعي وابن الرفعة، والظاهر أنه وهم.
ثالثها: ما ذكره في جواز النظر للتعليم يخالفه ما سيأتي في " المنهاج " في (الصداق): أنه لو أصدقها تعليم قرآن وطلق قبله.. فالأصح: تعذر تعليمه 2، وقال السبكي هناك: لعل الجمع بين الكلامين أن هنا أمورًا أخرى أوجبت التعذر؛ منها: أنه لو أصدق تعليم كل القرآن.. فنصفه وإن عرف من حيث عدد الحروف.. فيختلف سهولة وصعوبة، وحكى الماوردي وجهين في أن القرآن هل يتجزئ في كلماته وحروفه التي جزأه السلف عليها أم لا؟ لتشابهه وصعوبة بعضه، فعلى الأول: يعلمها النصف دون الثاني، وقال السبكي هنا: كشفت كتب المذهب فإنما يظهر جواز النظر للتعليم فيما يجب تعلمه وتعليمه كـ (الفاتحة)، وما يتعين من الصنائع بشرط التعذر من وراء حجاب، وأما غير ذلك.. فإن كلامهم يقتضي المنع، ثم استشهد بالمذكور في (الصداق).
رابعها: قال شيخنا الإمام البلقيني: لم يقيدوا المعاملة والشهادة بألَّا يوجد من محارمها من يعاملها، ويشهد عليها، وألَّا توجد امرأة تعاملها؛ وكأنهم سامحوا في ذلك؛ لتعلقه بالوجه خاصة.
قلت: الشهادة لا تختص بالوجه؛ فإنه يجوز النظر للفرج لتحملها على الزنا والولادة، وللثدي للشهادة على الرضاع على الأصح.
3492 - قولهم - والعبارة لـ " المنهاج " -: (وللزوج النظر إلى كل بدنها) 3 يستثنى منه: حلقة الدبر، فحكي عن الدارمي: أنه لا يجوز النظر إليها؛ لأنها ليست محل استمتاعه، وعبارة " الحاوي " مصرحة بخلافه؛ حيث قال: (حتى السوءة بكرهٍ) 4، وقال في
" التوشيح ": لم يذكره الوالد في " شرح المنهاج " فلعله لم يرضه.
3493 - قول " التنبيه " [ص 159]: (وقيل: لا ينظر إلى الفرج) خصه الفارقي بغير حالة الجماع، وقال: يجوز عند الجماع قطعًا، وحكاه صاحب " المعين " اليمنى عن الشيباني، وفيه نظر؛ فإن الحديث الذي استدل به للتحريم مصرح بحالة الجماع، ولفظه: " لا ينظرن أحد منكم إلى فرج زوجته ولا فرج جاريته إذا جامعها؛ فإن ذلك يورث العمى " رواه البيهقي بسند ضعيف 1، ويخرج من كلام السبكي احتمال بعكسه، وهو تخصيص التحريم بحالة الجماع؛ فإنه قال: لفظه مقيد بحالة الجماع، واختلفوا هل يورث عمى الناظر أو الولد؟ فحيث لا وطء ولا ولد.. قد يقال بالتخصيص فيه.
3494 - قول " الحاوي " [ص 454]: (وملكٍ) أي: يجوز النظر إلى بدن المملوكة، والمراد: الملك الذي يجوز الاستمتاع معه؛ لتخرج المرتدة والمجوسية والوثنية والمزوجة والمكاتبة والمشتركة؛ فإنه لا يجوز النظر فيهن إلى ما بين السرة والركبة، ولا يحرم ما زاد على الصحيح، كذا في " الروضة " 2 وأصلها 3.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: الصواب في المشتركة والمبعضة: أنه يقضي عليهما بحكم الأجانب، وقد قال الماوردي في عبدها المبعض: إن عليها ستر عورتها الكبرى عنه لا يختلف أصحابنا فيه، وذكر قبل ذلك: أن العورة: الكبرى جميع البدن غير الوجه والكفين 4.
3495 - قوله: (وفي المشكل يحتاط) 5 أي: في نظره والنظر إليه، فيجعل مع النساء رجلًا ومع الرجال امرأة، كذا صححه الرافعي، وتبعه النووي، ثم حكيا عن القفال جواز نظره والنظر إليه مطلقًا؛ استصحابًا لحكم الصغر، وزاد النووي: أنه قطع به الفوراني والمتولي وإبراهيم المروذي، ونقله المروذي عن القاضي.
انتهى 6.
وهذا قد يفهم ترجيحه وإن لم يصرح به، ويوافقه تصحيح النووي في " شرح المهذب ": أنه يغسله بعد موته الرجال والنساء 7، وعليه مشى " الحاوي " في بابه 8، وليس ذلك في " الروضة "
وأصلها، إنما فيهما وجهان بلا ترجيح في أنه يغسل أو يتيمم، ثم صححا تفريعًا على غسله: أنه يغسله الرجال والنساء (1).
فصلٌ [في استحباب الخطبة وما يتعلق بها]
3496 - قول " المنهاج " [ص 373]: (تحل خطبة خليَّةٍ عن نكاحٍ وعدَّةٍ) فيه أمران:
أحدهما: أنه اقتصر على حلها، وعبارة " الحاوي " تقتضي الاستحباب؛ فإنه قال: (ندب لمحتاج ذي أهبة نكاح) إلى أن قال: (بخطبة) 2 فجعل الخطبة داخلة في حيز الندب، وصرح به في " الوجيز " 3 و" التعجيز " و" شرحه ".
قال الرافعي والنووي: ويمكن أن يحتج له بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، وما جرى عليه الناس، لكن لا ذكر للاستحباب في كتب الأصحاب وإنما ذكروا الجواز 4.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: في كلام الشافعي والأصحاب استحبابها؛ لأنهم ذكروا استحباب النكاح، ومن ضرورته عادة تقدم خطبة.
ثانيهما: أنه لم يعتبر في حل الخطبة سوى خلو المخطوبة عن نكاح وعدة، ولا بد من خلوها أيضًا عن الاستبراء المانع من التزويج، ومقتضاه: جواز الخطبة ولو كان في نكاح الخاطب أربع، لكن صرح الماوردي بتحريمه، قال شيخنا ابن النقيب: وقياسه تحريم خطبة من يحرم الجمع بينها وبين زوجته 5.
وقال شيخنا الإمام البلقيني في من في نكاحه أربع: لم أقف فيه على نقل، والأقرب: الجواز إذا كان القصد أنها إذا أجابت.. أبان واحدة وتزوج بها، قال: وقياسه يجري في زوج يخطب أخت زوجته، وفي هذا بعد.
انتهى.
3497 - قول " المنهاج " [ص 373، و" الحاوي " [ص 454]- والعبارة له -: (وحرم صريح خطبة المعتدة) محله: في غير صاحب العدة، أما صاحبها الذي يحل له نكاحها.. فله التصريح بخطبتها، وقد صرح به " التنبيه " فقال [ص 161]: (وإن خالعها زوجها فاعتدت منه.. لم يحرم على زوجها التصريح بخطبتها) وقد اعترض على قول " التنبيه " [ص 161]: (وإذا طلقت المرأة ثلالًا1
أو توفى عنها زوجها فاعتدت منه.. حرم التصريح بخطبتها) بأنه لا معنى لذكر العدة في المتوفى عنها؛ فإنها لا تنفك عن العدة.
3498 - قوله في المختلعة: (وفي التعريض قولان، أحدهما: يحرم، والثاني: لا يحرم) 1 الأظهر: أنه لا يحرم، وهو مفهوم قول " الحاوي " [ص 454] (والتعريض للرجعية) وداخل في قول " المنهاج " [ص 373]: (وكذا - أي: يحل تعريض - لبائن في الأظهر) ومقتضى كلامه: التسوية بين البائن بالثلاث وما دونها في جريان القولين، وليس كذلك؛ فالأصح: القطع في البائن بالثلاث، وكل من ليس لصاحب العدة نكاحها؛ كاللعان والرضاع بجواز التعريض بخطبتها، والقولان في البائن بدون الثلاث أو بفسخ؛ ولهذا خص " التنبيه " القولين بالمختلعة، وجزم في المطلقة ثلاثًا بجواز التعريض بخطبتها كالمتوفى عنها، فكان ينبغي للمنهاج فصل البائن بالثلاث والتعبير فيها بالمذهب، وفي " البحر " عن " الأم ": لو قال: عندي جماع يرضي من جومعت.. فهو تعريض محرم 2، وهذا يدل على أن بعض التعريض حرام، وقال بعضهم: التعريض بالجماع تصريح بالخطبة.
3499 - قول " التنبيه " [ص 161، 162]: (ويحرم على الرجل أن يخطب على خطبة أخيه إذا صرح له بالإجابة) فيه أمور:
أحدها: تبرك بلفظ الحديث في التعبير بأخيه، لكنه مخرج للذمي، والأصح: أنه في ذلك كالمسلم، فتحرم الخطبة على خطبته خلافًا لابن حربويه؛ ولذلك أطلق " المنهاج " و" الحاوي " تحريم الخطبة على الخطبة 3.
ثانيها: محل ذلك: ما إذا لم يأذن له كما صرح به " المنهاج " 4، ولم يتعرض له " الحاوي "، وكذا إذا ترك الخطبة ورغب عنها كما في " الروضة " وأصلها 5.
ثالثها: أبهم " التنبيه " و" المنهاج " المعتبر تصريحه بالإجابة، وهو الولي المجبر إن كانت مجبرة، والسيد إن كانت رقيقة، والمرأة إن انتفى الإجبار والرق، والسلطان في المجنونة، وقد صرح به " الحاوي " [ص 454] فقال: (أجاب المجبر أو غير المجبرة أو السلطان في المجنونة نطقًا) وأورد في " المهمات " ما إذا كان الخاطب غير كفء.. فالنكاح متوقف على رضا الولي والمرأة معًا، فالمعتبر في تحريم الخطبة إجابتها، وأن اعتبار إجابة المجبر مبني على أنه المجاب فيما إذا عين كفئًا وعينت كيره، وهو الأصح.
رابعها: أن مقتضى عبارتهما إجابة البكر نطقًا كغيرها، وبه صرح " الحاوي " 1، لكن نص الشافعي على الاكتفاء بسكوتها، فقال: فوجدنا الدلالة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن النهي أن يخطب الرجل على خطبة أخيه إذا كانت المرأة راضية، ورضاها إذا كانت ثيبًا.. أن تأذن بالنكاح بنعم، وإن كانت بكر.. أن تسكت، فيكون ذلك إذنًا، حكاه في " المهمات " 2.
خامسها: يرد على الثلاثة: أنه لا بد مع الإجابة من الإذن للولي في تزويجها له، فإن لم تأذن له في ذلك.. فلا تحرم، نص عليه في " الأم " وفي " الرسالة " كما في " المهمات " 3، والذي في " أصل الروضة " الاكتفاء بأحدهما 4.
سادسها: يرد عليهم أيضًا: أن شرط التحريم: أن تكون الخطبة الأولى جائزة، فإن كانت محرمة؛ كالتي في العدة.. لم تحرم الخطبة عليها، ذكره في " البحر "، وكذا لو خطب خمسًا مرتبًا فأَذِنَّ.. قال الصيمري: تحل الخامسة، واختار النووي تحريم الجميع؛ فإنه قد يرغب في الخامسة 5.
سابعها: شرط تأثير إذنها في التحريم: أن يكون لمعين، فلو أذنت لوليها أن يزوجها بمن شاء.. جاز وحل لكل أحد خطبتها على خطبة غيره، نص عليه كما حكاه في " البحر ".
ثامنها: قال في " المهمات ": نصوا على استحباب خطبة أهل الفضل من الرجال، فيأتي في التحريم ما سبق في المرأة.
قلت: إذا خطبت المرأة الرجل وأجابها إلى التزويج بها.. لم يمتنع على امرأة أخرى خطبته؛ لأن جمعه بين امرأتين لا مانع منه؛ فلعل صورته: أن تكون المجابة يكمل بها العدد الشرعي، أو يكون لا يريد إلا تزوج واحدة وفي خطبة الثانية له إذا أجابها الامتناع من تزوج الأولى التي أجابها قبل ذلك بمقتضى ما يريد فعله، وإن لم يكن ممنوعًا منه شرعًا.
وقد أورد على " الحاوي ": أنه لم يعتبر صريح الإجابة، ومقتضاه: الاكتفاء بالتعريض بها، وأصح القولين خلافه كما صرح به " التنبيه " 6.
وجوابه: أن التعريض ليس إجابة.
3500 - قول " المنهاج " [ص 373]: (فإن لم يجب ولم يُرَدَّ.. لم يحرم في الأظهر) عبارة
" الروضة " وأصلها: قيل: يجوز قطعًا، وقيل: على القولين 1، أي: في التعريض بالإجابة، قال الرافعي: فأقام ذلك مقيمون طريقين، ويمكن ألَّا يجعل خلافًا فحمل الأول على ما لم يقترن به مايشعر بالرضا 2، وإجراء الخلاف فيما اقترن به مايشعر بالرضا، وأسقط ذلك في " الروضة " 3.
وقال الرافعي في (البيع): إن السكوت العاري عما يشعر بالإنكار كالرضا في الخطبة 4.
3501 - قول " المنهاج " [ص 373]: (ومن استشبر في خاطب.. ذكر مساوئه بصدق) فيه أمور:
أحدها: أن ذلك لا يختص بالخاطب، بل لو استشير في مخطوبة.. كان كذلك، قال فى " أصل الروضة ": وكذا من أراد نصيحة غيره، ليحذر مشاركته ونحوها.
انتهى 5.
ومن ذلك: التحذير من مجاورة شخص أو الرواية عنه أو القراءة عليه، وذلك وارد أيضًا على قول " الحاوي " [ص 454]: (لا ذكر مساوئ الخاطب).
ثانيها: أن مقتضاه: أنه لا يذكرها إلا بعد الاستشارة، وليس كذلك، بل ينصحه ابتداء؛ ولذلك لم يتعرض " الحاوي " للاستشارة 6.
ثالثها: يرد عليهما: أن محله: عند الاحتياج إليه، فلو حصل الغرض بقوله: لا يصلح لك مصاهرته ونحوه.. وجب الاقتصار عليه، ولم يجز ذكر عيوبه، قاله النووي في " الأذكار " 7.
رابعها: أن مقتضى عبارتهما: ذكر جميع مساوئه، قال شيخنا ابن النقيب: والذي يظهر أنه يذكر منها ما يحصل المقصود من إعلام المستشير بما يقتضي النفرة، فإن علم أنه لا ينفر إلا بذكر الكل.. ذكره، قال: ولم أره في هذا المحل 8.
قلت: الكلام المتقدم أنه لا يذكر شيئًا من مساوئه إلا مع الاحتياج إليه يدل عليه.
خامسها: مقتضى عبارة " الحاوي ": أنه لا يجب ذكرها؛ فإنه اقتصر على نفي الحرمة 9، وكذا اقتصر في " الروضة " وأصلها على جواز ذكرها 10، وعبارة " المنهاج " محتملة للوجوب
والجواز، وصرح النووي في " الأذكار " و" الرياض " بالوجوب 1، وفي " شرح مسلم ": ليس من الغيبة المحرمة، بل من النصيحة الواجبة 2، وفي " الروضة " في (البيع) مثله، وسبقه إليه الشيخ عز الدين بن عبد السلام، قال السبكي: كأنه إنما أهمله لظهوره؛ فإنه لا تردد فيه، فليحمل كلام " المنهاج " عليه، وقال شيخنا الإمام البلقيني: الظاهر وجوبه.
سادسها: دخل في عبارتهما ما لو كان المستشار هو الخاطب استشير في نفسه، قال في " المهمات ": فهل يجب عليه الإخبار بعيوبه أم يستحب، أم لا يجب ولا يستحب؟ فيه نظر.
سابعها: قال شيخنا الإمام البلقيني: محل جواز ذكر المساوئ: إذا لم تأذن في العقد، فإن أذنت.. فلا، وقد نص عليه الشافعي فقال: ولا يكون لها أن تستشيره وقد أذنت لأحدهما 3.
3502 - قول " المنهاج " [ص 374]: (ولو خطب الولي، فقال الزوج: " الحمد لله والصلاة على رسول الله، قَبِلتُ ".. صح النكاح على الصحيح، بل يستحب ذلك.
قلت الصحيح: لا يستحب) ما صححه من عدم الاستحباب يخالفه قول " أصل الروضة " هنا بعد تصحيحه الصحة: وبه قطع الجماهير، وقالوا: للنكاح خطبتان مسنونتان، إحداهما تتقدم العقد والأخرى تتخلل، وهي: أن يقول الولي: بسم الله والصلاة على رسول الله، أوصيكم بتقوى الله، زوجتك فلانة، ثم يقول الزوج مثل ذلك، ثم يقول: قبلت.
انتهى.
فتبع الرافعي على استحباب تخلل الخطبة بزيادة الوصية بالتقوى 4، ولذلك قال " الحاوي " [ص 454] (وندب تخلل التحميد والصلاة) وصحح السبكي وفاقًا للماوردي: عدم الصحة 5.
3503 - قول " المنهاج " [ص 374]: (فإن طال الذكر الفاصل.. لم يصح) فيه أمران:
أحدهما: قال الرافعي: كان يجوز أن يقال: إذا كان الذكر مقدمة للقبول.. وجب ألَّا تضر إطالته؛ فإنه لا يشعر بالإعراض 6.
وأجاب عنه السبكي: بأن مقدمة القبول التي قام الدليل عليها هي: الحمد له والصلاة، لا ما زاد.
ثانيهما: لو لم يطل الفاصل لكن كان لا يتعلق بالعقد ولا يستحب فيه.. بطل العقد على الأصح
في " الروضة " هنا (1)، لكن صحح في (الخلع) خلافه (2)، وكذا في الاستثناء في الطلاق عن الإمام، فقال: لا ينقطع الإيجاب والقبول بتخلل كلام يسير في الأصح، وينقطع الاستثناء به في الأصح (3). وقد لا يرد التصحيح الأول على عبارة " المنهاج " لأن المتبادر إلى الفهم منه: أن المراد: الذكر المتعلق بالعقد، ومحل المنع: إذا صدر الكلام من القابل الذي يطلب منه الجواب، فإن كان من المتكلم.. ففيه وجهان، حكاهما الرافعي في (الخلع) (4)، واقتضى إيراده أن المشهور أنه لا يضر.
فصلُ [في قبول النكاح وبقية شروط العقد]
3504 - قول " المنهاج " [ص 374]: (وقبول؛ بأن يقول الزوج: " تزوجت "، أو " نكحت "، أو " قبلت نكاحها "، أو " تزويجها ") فيه أمور:
أحدها: أنه لا ينحصر القبول في الزوج، فقد يكون القابل من يقوم مقامه من ولي أو وكيل.
ثانيها: أن قوله: (تزوجت أو نكحت) ليس قبولًا حقيقة، وإنما هو قائم مقامه، فكان ينبغي تقديم القبول الحقيقي، وهو: (قبلت نكاحها أو تزويجها) كما فعل " الحاوي " 5.
ثالثها: تعبيره وتعبير " الحاوي " (بقبلت نكاحها) 6 قال شيخنا ابن النقيب: أطبقوا عليه، وكان ينبغي أن يقول: (إنكاحها) ليقبل ما أوجبه الولي؛ ولهذا قالوا: لا يصح إلا بلفظ التزويج أو الإنكاح؛ أي: منهما؛ فالإنكاح مصدر أنكح كما أن التزويج مصدر زوج، وأما النكاح فهو اسم لمجموع العقد من إيجاب وقبول؛ كالزواج أو للوطء، وقول الولي: أنكحتك؛ أي: جعلتك ناكحًا، فليقبل منه هذا الجعل، أو يقول: نكحتها، فهانه مطاوع أنكح، ثم حكى عن جماعة أنه يقال: نكح نكاحًا.
انتهى 7.
قلت: وبهذا يحصل الجواب عما أورده، وقد يجاب عنه أيضًا: بأنه لا يقبل نفس الصادر من1234
الولي وهو الإنكاح، وإنما يقبل الأمر الذي أصدره إليه وهو النكاح.
3505 - قوله: (ويصح تقدم لفظ الزوج) 1 يستثنى منه: (قبلت نكاحها أو تزويجها) فإنه لا يصح تقديمه.
3506 - قول " التنبيه " [ص 159]: (وإن عقد بالعجمية وهو يحسن العربية.. لم يصح) الأصح: الصحة؛ ولذلك أطلق " المنهاج " تصحيح صحته بالعجمية 2، وهو معنى قول " الحاوي " [ص 454]: (ومعناها) أي: معنى الألفاظ المذكورة، والمراد بالعجمية: ما عدا العربية من اللغات، وشرطه: أن يفهم كل منهما معناه، وكذا الشهود، فإن لم يفهمه فأخبره بمعناه ثقة.. فوجهان بلا ترجيح في " الروضة " وأصلها 3.
وفي " الكفاية ": إن أخبره فتعلم.. صح، وإن لم يتعلمه وصار بحيث لو سمعه ثانيًا لعرف معناه.. فوجهان.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: الراجح: البطلان كما في العجمي الذي ذكر لفظ الطلاق وأراد به معناه وهو لا يعرفه، قال: وصورة المسألة: أنه لا يفهم معناه إلا بعد إتيانه به، فلو قال شخص للقابل: معنى هذا اللفظ كذا، فأتى به بعد علمه بمدلوله.. صح إن لم يطل الفصل وكان الموجب عالمأ بمدلول لفظه.
3507 - قول " المنهاج " [ص 374]: (لا كناية قطعًا) القطع من زيادته على " المحرر "، وهو صحيح، فإن قلت: يقدح فيه وجه في صحة النكاح بالكتابة لغائب.. قلت: قال السبكي: المصحح يجعل الكتابة صريحًا لا كناية.
3508 - قول " التنبيه " [ص 159]: (فإن قال: " زوجتك " أو " أنكحتك "، فقال: " قبلت "، ولم يقل: " نكاحها " ولا " تزويجها ".. فقد قيل: يصح، وقيل: لا يصح) الأصح: أنه لا يصح، وعليه مشى " المنهاج " 4، وهو مفهوم " الحاوي " 5، وفي بعض نسخ " التنبيه ": (وقيل: على قولين)، وليست في " الكفاية " وهي أصح الطرق، وتعبير " المنهاج " بالمذهب 6 لا يدل على ترجيح طريقة قطع ولا خلاف، وفهم من قوله: (ولم يقل: " نكاحها " ولا " تزويجها ") أنه لو قال غير اللفظين؛ كقوله: (قبلت النكاح، أو التزويج، أو قبلتها)..
فهو كاقتصاره على: (قبلت)، وهو الذي يقتضيه حصر " المنهاج " في قوله [ص 374]: (وقبول؛ بأن يقول:... إلى آخره) فإنه لم يذكر ذلك في ألفاظ القبول، وكذا حصر " الحاوي " الألفاظ، ولم يذكره منها 1، والذي في " الروضة " وأصلها: أن الخلاف فيه بالترتيب، وأولى بالصحة 2، لكن نص الشافعي في " الأم " على أنه لا يصح، فقال: ولا يكون نكاحًا؛ بأن يقولط: (قد قبلتها) حتى يصرح بما وصفت؛ أي: من قولى: تزوجتها أو نكحتها 3.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: المعتمد في قبلتها: الإبطال، وحكى الوزير بن هبيرة إجماع الأئمة الأربعة على الصحة فيما إذا قال: رضيت نكاحها.
قال السبكي: ويجب التوقف في هذا النقل، والذي يظهر أنه لا يصح، وقال في البيع: مأخذ ما حكاه إن صح.. أن لفظ النكاح موجود، وهو المتعبد به، لا لفظ (قبلت).
3509 - قول " المنهاج " [ص 374]: (ولو بشر بولد فقال: " إن كان أنثى.. فقد زوجتكها ".. فالمذهب: بطلانه) خرج بذلك ما لو بشر بأنثى فقال: (إن صدق المخبر.. فقد زوجتكها).. فإنه يصح كما قال البغوي: قال: وليس تعليقًا، بل تحقيق، ومثله: لو أخبر بموت إحدى زوجاته الأربع فقال: (إن صدق المخبر.. تزوجت بنتك).. قال الرافعي: ويجب أن يفرض في تيقن صدقه وإلا.. فهو تعليق 4.
قال السبكي: هو تعليق سواء تيقن صدقه أم لا لصورة التعليق.
3510 - قول " التنبيه " [ص 161]: (ولا يصح نكاح الشغار؛ وهو: أن يزوج الرجل وليته من رجل على أن يزوجه ذاك وليته ويكون بضع كل واحدة منهما صداقًا للأخرى) مقتضاه: الصحة فيما إذا لم يجعل البضع صداقًا، والبطلان ولو سميا مالًا مع جعل البضع صداقًا، وهو الأصح فيهما كما في " المنهاج " 5، وتعبيرهما بـ (على) مثال، فلو قال: زوجتك وتزوجت بنتك.. كان كذلك، وتعبير " التنبيه " بـ (الولية) أعم من تعبير " المنهاج " بـ (البنت) 6، وهذا واضح، وكلامهما يقتضي حصر الشغار في شرط أن يزوجه الآخر وليته، لكن في " شرح المختصر " لابن داوود: أن من الشغار أن يقول: زوجتك بنتي على أن تزوج ابني بنتك، وقول " المنهاج " [ص 375]: (فيقبل) يقتضي الاكتفاء بقوله: قبلت العقدين جميعًا، وكذا في
" الروضة " وأصلها 1، وفيه نظر، وعبارة " الكفاية ": فيقبل أو يقول مثله، وقول " الحاوي " [ص 454]: (مطلقًا) يقتضي البطلان بقوله: على أن تزوجني بنتك وإن لم يضم إليه التشريك في البضع؛ لأنه ليس مطلقًا، بل هو مشروط بشرط، والأصح عند الرافعي والنووي الصحة كما تقدم 2، لكن قال شيخنا الإمام البلقيني: نص الشافعي على البطلان.
3511 - قول " التنبيه " [ص 159]: (ولا يصح النكاح إلا بحضرة شاهدين ذكرين حرين مسلمين عدلين) أهمل " المنهاج " كونهما مسلمين مكلفين 3، وإن ذكره " المحرر " استغناءً عنه بالعدالة 4، وزاد ذكر السمع والبصر، ولا بد منهما، وأهملا معًا: النطق، وفي اشتراطه وجهان بلا ترجيح في " الروضة "، وبناهما الرافعي على قبول شهادته 5، ومقتضاه: اعتباره؛ فإن الأصح: عدم قبول شهادة الأخرس، وصححه هنا الشيخ أبو حامد، وصحح مقابله القاضي أبو الطيب، ويجري الوجهان في ذي الحرفة الدنيئة.
ويشترط أيضًا: التيقظ، وقد تناول هذه الشروط كلها قول " الحاوي " [ص 455]: (سميعين مقبولي شهادة نكاح) وإنما قيد بشهادة النكاح؛ لتخرج المرأة؛ فإنها من أهل الشهادات في الجملة، وقوله: (سميعين) حشو غير محتاج إليه، فإن في قبول الشهادة غنية عنه، وإذ قد ذكره.. فليذكر بقية الشروط المندرجة في قبول الشهادة تفصيلًا، ولو عقد بخنثى ثم بانت ذكورته.. فوجهان كالاقتداء، ومقتضاه: تصحيح البطلان، لكن صحح النووي هنا الصحة 6، وعكس ذلك في " الكفاية "، فأبطل النكاح وصحح الصلاة، وقال: شرط النكاح: تحقق الشرائط حالة العقد، وقد يفرق بأن خطر النكاح في نظر الشرع آكد؛ لتعديه بغير العاقد؛ ولهذا صحت الصلاة بالاجتهاد مع الاشتباه، بخلاف النكاخ.
3512 - قول " المنهاج " [ص 375]: (والأصح: انعقاده بابني الزوجين وعدويهما) المراد: ابنا الزوج أو ابنا الزوجة وعدو الزوج أو عدو الزوجة، أما لو حضر العقد ابناه وابناها أو عدواه وعدواها.. فإنه يصح قطعًا كما قاله في " الروضة " 7 لكن فيه وجه في " التتمة " لأنه لم يوجد شاهدان يقبلان على كل منهما.
3513 - قول " التنبيه " [ص 159]: (فإن عقد بشهادة مجهولين.. جاز على المنصوص) محمول على مجهول العدالة في الباطن دون الظاهر وهو المعبر عنه بالمستور، أما مجهول الإسلام.. فلا ينعقد به، وكذا مجهول الحرية ومجهول العدالة في الظاهر أيضًا على الصحيح فيهما؛ ولذلك قال " المنهاج " [ص 375]: (وينعقد بمستوري العدالة على الصحيح، لا مستوري الإسلام والحرية) و" الحاوي " [ص 455]: (ولو مستور العدالة، لا الإسلام والحرية) وهنا أمور: أحدها: ما ذكرته من أن المستور من عرف بالعدالة ظاهرًا؛ أي: بالمخالطة، لا باطنًا؛ أي: بالتزكية عند الحاكم، هو الذي ذكره الرافعي أولًا، ثم قال: وربما قبل من يجهل حاله، ثم قال: ويشبه ألَّا يكون بينهما خلاف بحمل الثانية على من يجهل حاله بالنسبة إلى الباطنة، لكنه بعد ذلك اقتضى كلامه الاكتفاء بمجهول الحال في الظاهر أيضًا؛ فإنه بعد أن حكى قول البغوي: لا ينعقد بمن لا تعرف عدالته ظاهرًا.. قال: وهذا كأنه مصور فيمن لا يعرف إسلامه، وإلا.. فالظاهر من حال المسلم الاحتراز من أسباب الفسق 1، وما ذكره الرافعي بحثًا نص عليه الشافعي كما حكاه في " البحر "، وعبارته: ولو حضر رجلان مسلمان العقد ولا يعرف حالهما من الفسق والعدالة.. انعقد النكاح بهما في الظاهر، نص عليه في " الأم " 2 لأن الظاهر من المسلمين العدالة.
انتهى.
وقال في " المهمات ": إنه الصواب، وذلك ينافي قولي فيما سبق: إنه لا ينعقد بمجهول العدالة في الظاهر، وللنووي هنا زيادة غير مفيدة قد بسطت الرد عليها في موضع آخر 3، ويتحصل في تفسير المستور أوجه:
أحدها: أنه من عرفت عدالته ظاهرًا لا باطنًا، وهو الذي يدل عليه كلام الرافعي أولًا 4، وقال النووي: إنه الحق 5.
الثاني: أنه من علم إسلامه ولم يعلم فسقه وهو الذي بحثه الرافعي 6، وحكاه الروياني عن النص، وصوبه في " المهمات "، وقال السبكي: إنه الذي يظهر من كلام الأكثرين ترجيحه.
الثالث: أنه من عرفت عدالته باطنًا في الماضي وشك فيها وقت العقد.. فتستصحب، وصححه السبكي.
ثانيها: قال ابن الصلاح: محل الخلاف في الانعقاد بالمستور: ما إذا كان العاقد غير الحاكم،
فإن عقد الحاكم.. لم ينعقد بهما جزمًا؛ لأنه لا يشق عليه البحث، وحكى في " التتمة " فيه طريقين، أصحهما: إجراء الخلاف فيه.
قال السبكي: فإما أن يكون ابن الصلاح رجح طريق القطع، أو لم يبلغه غيرها، واختار السبكي: عدم اكتفاء الحاكم بالمستور، لكن السبكي يثبت الخلاف وابن الصلاح ينفيه.
ثالثها: ما جزمنا به من عدم الانعقاد بمجهول الإسلام جزم به الرافعي والنووي 1، لكن جزم القاضي أبو الطيب في القضاء من " تعليقه " بانعقاده به، حكاه في " المهمات " وقال: سلك في " التنبيه " مسلك شيخه، ولم يقف ابن الرفعة على مستنده، فظن أن أحداً لم يقل به، فحمله على غير ما يقتضيه كلامه
قلت: وكذا النووي؛ فإنه عبر في " تصحيحه " عن عدم انعقاده بمجهول الإسلام بالصواب.
3514 - قول " المنهاج " [ص 375]: (ولو بان فسق الشاهد عند العقد.. فباطل على المذهب، وإنما يتبين ببينة) قال شيخنا ابن النقيب: هو في المستور واضح، وفيمن تثبت عدالته ببينة شرط الجارحة أن تفسر لتقدم على المعدلة 2.
قلت: اشتراط تفسير الجرح لا فرق فيه بين أن يعارض ببينة عدالة أم لا؟ فحيث اكتفينا بالستر.. لا يقدح فيه الجرح الذي ليس مفسرًا عند من يشترط تفسيره، لكنَّ تَرَدُّدَ الإمام في زوال الستر بإخبار عدل بفسقه وزواله بذلك - وهو الذي قال الإمام: إنه الظاهر 3، ورجحه شيخنا الإمام البلقيني كما علقته عنه - يشهدُ للاكتفاء بزوال الستر بغير المفسر، على أن ابن الصلاح قد ذكر في " علوم الحديث ": أن الجرح غير المفسر وإن لم يقبل؛ فإنه يحدث ريبة توجب التوقف عن قبوله حتى يبحث عنه ويتبين لنا صحته من فساده 4، وما أورده ابن النقيب إن صح.. قد لا يرد على قول " الحاوي " [ص 455]: (أو بأن بحجة) فإنه قد يقال: الجرح غير المفسر عند من يرده ليس بحجة.
3515 - قول " المنهاج " [ص 375]: (أو اتفاق الزوجين) استثنى منه في " الكافى ": ما إذا تعلق به حق الله تعالى؛ بأن طلق ثلاثًا ثم تقارّا على عدم شرط.. فإنه لا يقبل، فلا تحل إلا بمحلل، فلو أقاما عليه بينة.. لم تسمع.
3516 - قول " الحاوي " [ص 455]: (فإن عرف فسقه أحد الزوجين أو بأن بحجةٍ أو تذكُّرٍ.. بطل) فيه أمور:
أحدها: أنه يتناول ما إذا اعترف الزوج بفسق شاهد العقد وأنكرت المرأة، وقوله فيه: (بطل) قد يفهم تجدد البطلان، وليس كذلك، بل يتبين بطلانه من الأول " ولذلك قال " المنهاج " [ص 375]: (ولو اعترف به الزوج وأنكرت.. فُرق بينهما) وهي فرقة.
فسخ لا تنقص العدد عند العراقيين، ومال إليه الإمام والغزالي، وصححه النووي 1، وقيل: هي طلقة بائنة تنقص العدد، وبنى الرافعي الأول على تصديق مدعي الفساد في البيع، والثاني على تصديق مدعي الصحة 2، ومقتضى البناء: تصحيح الثاني، واستشكلهما السبكي، فإن كلًا من الفسخ والطلاق يقتضي وقوع عقد صحيح، وهو ينكره فليؤول الفسخ على الحكم بالبطلان والطلاق الظاهر لا الباطن.
ثانيها: ويتناول ما إذا اعترفت به المرأة وأنكر الزوج، لكن صحح النووي في هذه الصورة: تصديقه بيمينه، فلا ترثه، ولا مهر إن مات أو طلق قبل الدخول، ولها بالوطء الأقل من المسمى ومهر المثل، فإن نكل وحلفت.. فرق بينهما 3، وقيد في " المهمات " قولنا: لا مهر قبل الدخول بما إذا لم يعطه لها، فإن أعطاها.. فلا استرداد كما في نظيره المذكور في آخر (الرجعة)، وهو ما إذا قال: طلقتها بعد الدخول، وقالت: قبله.
ثالثها: لو اقتصر على معرفة الفسق المذكور أولًا.. أغناه عن التذكر الذي ذكره بعد ذلك؛ فإنه يتناول ما إذا كان عارفًا بفسقه وقت العقد، وما إذا كان يعرفه ثم نسيه ثم تذكره، وما إذا تجددت له معرفته بعد ذلك، وكأنه أراد أولًا: ما إذا كان عارفًا به وقت العقد، أو تجددت له معرفته بعد ذلك، فاحتاج إلى ذكر الصورة الأخرى بقوله: أو تذكر، وهو حشو وموهم.
3517 - قول " المنهاج " [ص 375]: (وعليه نصف المهر إن لم يدخل بها، وإلا.. فَكُلُّهُ) ينبغي فيما إذا دخل بها وكان مهر المثل أزيد من المسمى.. أن تجب لها الزيادة، لكنها منكرة لها، فيتخرج فيه الخلاف فيمن أقر لشخص بشيء وهو ينكره، قلته بحثًا.
3518 - قوله: (ويستحب الإشهاد على رضا المرأة حيث يعتبر رضاها، ولا يشترط) 4 أحسن من قول " الحاوي " [ص 455]: (لا شهادة رضاها) فإنه اقتصر على نفي الاشتراط من غير تصريح بالاستحباب.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: لو كان المزوج الحاكم أو نائبه.. فالذي أفتيت به: أنه لا بد من ظهور إذنها له؛ إما بمشافهة وإما بشهادة وإما بإخبار حاكم ونحو ذلك، فأما إذا لم يظهر له ذلك
بطريق شرعي.. فإنه يكون عقده باطلًا؛ لأمورٍ يطول شرحها، وقال في الولي الخاص: لا يجوز له الإقدام عليه تهورًا، بل لا بد من ظنه ذلك ولو بإخبار واحد.
فصلٌ [في اشتراط الولي في النكاح]
3519 - قولهم - وهو في " التنبيه" و" الحاوي " في حد الزنا -: (إن الوطء في نكاح بلا ولي يوجب الحد) 1 قال الماوردي: محله: ما إذا لم يحكم قاض ببطلانه، فإن حكم ببطلانه، وفرق بينهما، فوطئها بعد ذلك.. فعليه الحد، ويمتنع على الحنفي بعد ذلك الحكم بصحته 2، ويرد على قول " التنبيه " [ص 242]: (وإن وطئ في نكاح مختلف في إباحته؛ كالنكاح بلا ولي ولا شهود) أن الحد إنما يسقط بأحدهما خاصة، فلو اجتمعا.. حد قطعًا، فكأن (الواو) في كلامه بمعنى (أو).
3520 - قوله: (وقيل: إن وطئ في نكاح بلا ولي وهو يعتقد تحريمه.. حد) 3 حكى في " الوسيط " عن الصيرفي إيجابه على الحنفي مع اعتقاده الحل بظهور الأخبار فيه؛ كشرب النبيذ 4، لكن المشهور: تقييد هذا الوجه بمعتقد التحريم.
3521 - قول " المنهاج " [ص 375]: (ويُقبل إقرار الولي بالنكاح إن استقل بالإنشاء) قد يتناول ما إذا استقل بالإنشاء وزال ذلك؛ بأن كانت ثيبًا فادعى أنه زوجها وهي بكر، مع أنه لا يقبل في هذه الحالة، فلو عبر كما في " المحرر " بقوله: (إذا كان مستقلًا بالإنشاء) 5 لم ترد على هذه الصورة؛ لأن المراد: وصفه به حين الإقرار.
3522 - قوله - والعبارة له - و" الحاوي ": (ويقبل إقرار البالغة العاقلة بالنكاح على الجديد) 6 قد يفهم أنه يكفي مطلق الإقرار، وهو المذهب في " الروضة " في (الدعاوى) 7، وحكاه الرافعي هناك عن تصحيح " الوسيط " 8، وصححه شيخنا الإمام البلقيني، وقال: إنه ظاهر نصوص
الشافعي، لكن صحح الرافعي والنووي هنا: أنه لا بد أن تقول: زوجني ولي بحضرة عدلين ورضاي إن كان شرطًا 1.
قال شيخنا الإمام البلقيني: والذي ظهر لي حمل ما في الدعاوى على إقرارها في جواب الدعوى، والذي هنا على الإقرار المبتدأ، والأصح: أنه لا يتأثر بتكذيب الولي والشاهدين إذا عينتهما، فلو أقرت لزوج وأقر وليها لآخر؛ فهل يقبل إقراره أم إقرارها؟ وجهان، أم السابق أم يبطلان جميعًا" احتمالان للإمام 2، ولم أر فيها ترجيحًا.
3523 - قولهم: (إن للأب والجد عند عدمه تزويج البكر صغيرة وكبيرة بغير إذنها) 3 شرطه: أن يزوجها من كفء بمهر مثلها، وألَّا يكون الزوج معسرًا، كما حكاه الرافعي عن القاضي حسين، وأقره 4، وألَّا يكون بينها وبين الولي عداوة ظاهرة، قاله ابن كج، ونقله الحناطي عن ابن المرزبان، قال: ويحتمل جوازه.
وفي " المهمات ": عن الماوردي والروياني: أنه على ولايته مع العداوة: وفي " الكفاية ": عن الحناطي: وجهان، وغلطه شيخنا الإسنوي، وقال: إنما حكاهما الجيلي.
وينبغي أن يعتبر في الإجبار أيضًا: انتفاء العداوة بينها وبين الزوج، قلته بحثًا، وهو واضح.
واختار السبكي لنفسه أن علة الإجبار: البكارة مع الصغر جميعًا، قال: وهو رأي ابن حزم، لكن مأخذنا غير مأخذه، قال: ولم نر أحدًا من أهل المذهب قال بمقالتنا، وهي خلاف مذهب الشافعي؛ فإنه اعتبر البكارة خاصة، وأبي حنيفة؛ فإنه اعتبر الصغر خاصة، والله أعلم.
وعبر " الحاوي " [ص 456] بـ (غير الموطوءة) لأنها المراد بالبكر ولو خلقت بلا بكارة كما حكاه في " الروضة " من زيادته عن الصيمري 5.
وقال الماوردي: إنه لا خلاف فيه، وسواء زالت البكارة بوطء حلال أو حرام كما صرح به " المنهاج " 6، وكذا وطء الشبهة، ولم تتناوله عبارته، وقد يرد على " الحاوي " الموطوءة في الدبر؛ فإنها بكر على الصحيح مع صدق اسم الوطء عليه.
3524 - قولهم - والعبارة لـ " المنهاج " -: (ويكفي في البكر سكوتها) 7 فيه أمور:
أحدها: قد يتناول سكوتها مع التزويج بحضورها، وذلك لا يكفي على الأصح، والمراد: السكوت بعد الاستئذان؛ ولذلك قال في " المحرر ": (يكفي السكوت بعد المراجعة) 1.
ثانيها: أنه يتناول ما إذا استؤذنت في التزويج بغير كفء، وكذا حكاه الرافعي في آخر النكاح عن " فتاوى القاضي حسين "، وأقره 2، وقال هنا: لو استأذنها أبوها في غير كفء.. فهل يكفي السكوت؟ فيه الوجهان؛ أي: المذكوران في غير الأب، ومقتضاه: تصحيح الاكتفاء، وفي " زيادة الروضة " في الكفاءة أنه المذهب، وفيها أيضًا عن " البيان " قال أصحابنا المتأخرون: إذا استاذن الولي البكر في أن يزوجها بغير نقد البلد أو بأقل من مهر المثل.. لم يكن سكوتها إذنًا في ذلك 3.
ثالثها: يستثنى منه: ما إذا اقترن بسكوتها بكاءٌ مع الصياح وضرب الخد، فلا يكون رضا، ويختص " المنهاج " بأنه أطلق محل الخلاف في قوله [ص 376]: (في الأصح) وهو في غير الأب والجد، أما فيهما.. فيكفي السكوت قطعًا حيث استأذنا استحبابًا.
3525 - قول " التنبيه " [ص 158]: (ثم المولى) قيده في " الكفاية " بكونه رجلًا، ولا يحتاج إليه؛ لقوله أولًا: (ولا يصح النكاح إلا بولي ذكر) 4 وفي " المنهاج ": أن المرأة لا تزوج غيرها، ثم ذكر أنه يزوج عتيقة المرأة من يزوج المعتقة ما دامت حية 5، واحترز عنه " الحاوي " فاستثنى من العصبة: المعتق المشكل أو الأنثى 6، وتعبير "التنبيه " بالمولى أحسن من تعبير "المنهاج " بالمعتق 7، لتناوله من عَتَقَ عليه من أصل وفرع، ومن لم يعتق الزوجةَ، بل أعتق أصلها في ولاء الانجرار، وأيضًا: فإعتاق عبد بيت المال سائغ، والولاء للمسلمين، فالمعتق هنا غير الولي.
3526 - قول " المنهاج " [ص 376]: (ثم عصبته كالإرث) قال السبكي: يحتمل ثلاثة معانٍ:
أحدها: القياس على الإرث، والثاني: أن الترتيب هنا كالترتيب في الإرث، والثالث: أن ترتيب عصبة المعتق في التزويج كترتيب عصبة النسب، فعلى هذا الثالث.. يستثنى منه: أن جد النسب أولى من الأخ، وأصح القولين هنا: أن أخا المعتق أولى من جده، والثاني: يستويان كالقولين في إرثهما، وأن الابن هنا يزوج بخلاف النسب.
قلت: وأن الشقيق هنا يقدم قطعًا، وقيل: قولان كالنسب، وقيل: يستويان قطعًا، وأن العم مقدم على أبي الجد في الولاء كما نص عليه في " البويطي "، وهو المذهب كما ذكره شيخنا الإمام البلقيني، وفي النسب ليس كذلك، ولا يرد ذلك على قول " الحاوي " [ص 457]: (بترتيب الإرث) لأنه لم يفصل في التزويج لا عصبة النسب ولا عصبة الولاء، بل أحال الكل على الإرث، وذلك معروف فيه.
3527 - قول " المنهاج " [ص 376]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص 457]: (ويزوج عتيقة المرأة من يزوج المعتقة ما دامت حية) قوى السبكي أنه يزوجها ابن المعتقة في حياتها بناء على ما صححه في الولاء من ثبوته للعصبة في حياة المعتقة معها، قال: فيقدم الابن في التزويج؛ لأنه مقدم في الولاء على الأب.
3528 - قول " المنهاج " [ص 376]: (ولا يعتبر إذن المعتقة في الأصح) و" الحاوي " [ص 457]: (في حياتها بلا إذن) اختار السبكي مقابله إذا قلنا: يزوجها الأب؛ لأنه لم يزوج بالولاء، بل كما كان قبل العتق، وهو قبله لا يزوج إلا بإذنها، وعلى هذا: إن لم تأذن.. ناب السلطان عنها في الإذن، قال: ولا نعلم من أوجب إذنها إذا قلنا: الابن يزوج.
3529 - قول " المنهاج " [ص 376]: (فإن فُقِدَ المعتق وعصبته.. زوَّج السلطان، وكذا يُزوج إذا عضل القريب والمعتق) اقتصر هنا على هذين الموضعين، وذكر بعد ذلك: أنه يزوج عند غيبة الولي مسافة القصر وإحرامه، وإرادته تزوج موليته والمجنونة البالغة عند فقد الأب والجد، وقد ذكرها " الحاوي " مجموعة خلا الأخيرة، فأفردها 1، وذكر " التنبيه " منها: الغيبة والعضل والمجنونة 2.
وبقي عليهم جميعًا مسائل:
الأولى والثانية: عند تعزز الولي أو تواريه.
الثالثة: عند حبسه ومنع الحابس له الناس من الوصول إليه.
الرابعة: فقده حيث لا يقسم ماله.
الخامسة: المستولدة المسلمة التي لكافر يزوجها الحاكم بإذن سيدها.
السادسة: أنه يزوج أمة محجوره.
السابعة: حالة الإغماء إذا كانت قدر مسافة القصر كما قال الإمام 3، وقال شيخنا الإمام
البلقيني: إنه المعتمد، وقال البغوي وغيره: ينتظر إفاقته كالنائم 1، وهو المذكور في " المنهاج " بعد ذلك 2.
والمراد بالسلطان: من له سلطنة الحكم بالنسبة لمن هو في محل حكمه كما عبر به " الحاوي " 3 ولذلك عبر " التنبيه " بالحاكم 4، ومراده: ما ذكرته، وحكى الإمام خلافًا في أن تزويجه حالة العضل بالولاية أم بالنيابة عن الولي؛ وأجرى هذا الخلاف حيث زوج مع وجود الولي الخاص وأهليته 5، وذكر له في " الكفاية " فائدتين:
إحداهما: عند الغيبة إن قلنا بالولاية.. زوج الأبعد، أو بالنيابة.. زوج القاضي.
الثانية: عند العضل لو أذنت لحاكم بلد الولي وهى في بلد ليست في حكمه.. زوجها إن قلنا بالنيابة دون الولاية، وفي حاشيتها فائدتين:
الأولى: إذا زوج الحاكم والولي الغائب في وقت واحد بالبينة.. قدم الولي إن قلنا بالنيابة؛ وإن قلنا بالولاية.. بطلا كوليين، أو قدم الحاكم لقوة ولايته وعمومها؛ كما لو قال الولي: كنت زوجتها في الغيبة.. فإن نكاح الحاكم يقدم كما صرحوا به.
الثانية: إذا زوج القاضي في غيبة العاضل لثبوت العضل لديه حيث قلنا به، ثم ثبت ببينة أنه كان رجع عن العضل قبل التزويج؛ فإن قلنا بالنيابة.. خرج على عزل الوكيل، وإن قلنا بالولاية.. خرج على عزل القاضي.
واعلم: أن محل تزويج السلطان بالعضل: إذا لم يتكرر كما في " الروضة " وأصلها في آخر الكلام على الفاسق، فقال: وليس العضل من الكبائر، وإنما يفسق به إذا عضل مرات، أقلها فيما حكى بعضهم: ثلاث، وحينئذ.. فالولاية للأبعد 6، وللرافعي في (الشهادات) في الكلام على الإصرار ما يخالف هذا بعمومه 7، وهل المراد بالثلاث هنا: الأنكحة أو بالنسبة إلى عرض الحاكم ولو في نكاح واحد؛ قال في " المهمات ": فيه نظر.
3530 - قول " التنبيه " [ص 158]: (وإن عضلها وقد دعت إلى كفء) أي: البالغة العاقلة كما قال في " المنهاج " 8، وذلك يرد أيضًا على قول " الحاوي " [ص 457]: (وعليه الإجابة) وإنما
يحصل العضل إذا دعت بالغة عاقلة إلى كفء وامتنع، ولا بد من ثبوت العضل عند الحاكم، قال البغوي: بأن تحضر هي والخاطب والولي، ويأمره القاضي بالتزويج، فيمتنع، أو يسكت (1).
قال الرافعي: وكأنه إذا تيسر ذلك، فإن تعذر حضوره بتعزز أو توار.. فليثبته بالبينة كسائر الحقوق، وفي " تعليق أبي حامد " ما يدل عليه.
انتهى (2).
وقد صرح بذلك البغوي نفسه في " فتاويه "، وحكاه عنه الرافعي في آخر (الإيلاء)، فقال: إنه لا تكفي فيه البينة حتى يمتنع بين يديه، فإن تعذر إحضاره بتعزز أو توار.. أثبته بالبينة، قال: ويحتمل أن يقال: يثبت بالبينة وإن تيسر إحضاره، والأول أصح (3).
قال ابن الرفعة: فتحصل وجهان.
3531 - قول " المنهاج " [ص 376]: (ولو عينت كفئًا وأراد الأب غيره.. فله ذلك في الأصح) المراد: المجبر؛ ليدخل الجد ويخرج الأب غير المجبر فيما إذا كانت ثيبًا؛ ولذلك عبر به " الحاوي " في قوله: [ص 458] (أو عضل؛ لا المجبر من معين) واختار السبكي مقابله، وهو تقديم من عينته هي، وحكى لفظ " المنهاج ": (الولي) (4)، ثم بين أن محل الخلاف في المجبر كما ذكرناه، والذي في نسخ " المنهاج " (5): (الأب) كما ذكرته، والله أعلم.
تَنْبِيْهٌ [في التحكيم]
فهم من اعتبارهم في الولي أن يكون عاصب نسب أو ولاء أو حاكمًا: أنه لا يكفي فيه أن يكون مُوَلَّى من جهتها، وروى يونس بن عبد الأعلى: أن الشافعي قال: إذا كان في الرفقة امرأة لا ولي لها فولت أمرها رجلًا حتى زوجها.. جاز، قال العبادي في " طبقاته ": من أصحابنا من أنكره، ومنهم من قبله، وقال: إنه تحكيم، والمحكم قائم مقام الحاكم.
وقال النووي: التحكيم صحيح بناء على الأظهر في جوازه في النكاح، لكن يشترط في المحكم كونه صالحًا للقضاء، وهذا يعسر في مثل هذه الحالة، فالذي نختاره صحة النكاح إذا ولت أمرها عدلًا وإن لم يكن مجتهدًا، وهو ظاهر نصه الذي نقله يونس، وهو ثقة.
انتهى 6.12345
قال في " المهمات ": فالصحيح: جوازه سفرًا وحضرًا مع وجود القاضي ودونه؛ لأنه الصحيح في التحكيم كما هو مذكور في القضاء، وسواء كان السفر طويلًا أم قصيرًا.
قلت: ومراده: ما إذا كان المحكم صالحًا للقضاء، فأما هذا الذي اختاره النووي فشرطه:
السفر، وفقد القاضي، وصحح السبكي إنكار رواية يونس، وأنها لا تزوج عند فقد الحاكم؛ ويدل له: ما رواه البيهقي في " المبسوط " عن الشافعي: أنه قال: وإن ولت امرأة ثيب نفسها رجلًا.. فليس له أن يزوجها، وإن زوجها فرفع ذلك إلى السلطان.. فعليه أن يفسخه، وسواء طال أو قصر، وجاء الولد أولم يأت.
فصلٌ [في موانع الولاية]
3532 - قول " المنهاج " [ص 377] و" الحاوي " [ص 457]: (لا ولاية لمجنون) و" التنبيه " [ص 158]: (ضعيف) والمراد: ضعف العقل، يتناول بإطلاقه متقطع الجنون، وهو الأصح في " أصل الروضة " 1، وحكى الرافعي تصحيحه عن ابن كج والإمام والغزالي 2، ومقابله عن البغوي 3، وجعله في " الشرح الصغير " الأشبه، وفي " التذنيب " الظاهر 4، وفي " المطلب ": أنه ظاهر نصه في " الأم "، وإذا قلنا به.. فالصحيح انتظار إفاقته، وقيل: يزوج الحاكم، وقال الإمام: هو كالغيبة 5، فتقاس مدته بمدتها وفاقًا وخلافًا، فلو أفاق المجنون وبقيت آثار خبل يُحْمَلُ مثلها ممن لا يعتريه الجنون على حدة في الخلق، ففي 6 عود ولايته وجهان، قال في " الروضة ": لعل الأصح: استدامة حكم الجنون إلى أن يصفو من [الخبل] 7. 3533 - قول " التنبيه " [ص 158]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص 457]: (ولا يجوز أن يكون الولي سفيهًا) يتناول غير المحجور عليه، لكن قال الرافعي: ينبغي ألَّا تزول ولايته 8، ويوافقه قول " المنهاج " [ص 377]: (وكذا محجور عليه بسفه) وفي المسألة وجهان حكاهما الماوردي
والروياني 1، وصحح صاحب " الذخائر " وابن الرفعة أنه لا يلي أيضًا، وهو ظاهر نص " المختصر " 2، واختاره السبكي، قال: وظاهر نصه في " الأم " بقاء ولايته 3، وقول " المنهاج " [ص 377]: (على المذهب) كذا هو في " الروضة " 4، وهو يقتضي أن في المسألة طريقين، والذي في الرافعي: المشهور: لا يلي، وفي " المهذب " وجه 5، وذلك لا يدل على طريقين.
3534 - قول " المنهاج " [ص 377]: (ومتى كان الأقرب ببعض هذه الصفات.. فالولاية للأبعد) فيه أمران:
أحدهما: كان ينبغي تأخير ذلك عن الفسق واختلاف الدين؛ ليعود إليهما أيضًا؛ فإن الولاية تنتقل فيهما إلى الأبعد؛ ولذلك قال " الحاوي " [ص 457]: (والرق والصبا والجنون والعته والسفه والفسق واختلاف الدين نقل إلى الأبعد) وكذا ذكر في " التنبيه " قوله [ص 158]: (وإن خرج الولي عن أن يكون وليًا.. انتقلت الولاية إلى من بعده) بعد ذكر جميع ما تقدم، ومنه: الفسق واختلاف الدين.
ثانيهما: يرد عليهم: أنه إنما تنتقل الولاية إلى الأبعد بسبب الصغر في النسب، فأما في الولاء إذا كان للمعتقة ابن صغير وجد أو أخ كبير.. ففي " الكفاية " في الولاء: أن الشافعي نص على أن الجد لا يزوج، ولم يتعرض لمن يزوج، قال شيخنا الإمام البلقيني: والظاهر أن الحاكم يزوج.
3534/ 1 - قول " المنهاج " [ص 377]: (والإغماء إن كان لا يدوم غالبًا.. انتظر إفاقته، وإن كان يدوم أيامًا.. انتظر، وقيل: الولاية للأبعد) موافق لإطلاق " الحاوي " أن الإغماء لا ينقل للأبعد 6، وهو الذي حكاه الرافعي عن " التهذيب " وغيره، وحكى عن الإمام أنه ينبغي إن كانت مدة يعتبر فيها إذن الولي الغائب وقطع المسافة ذهابًا ورجوعًا.. انتظرت إفاقته، وإلا.. فيزوج الحاكم، ويرجع في معرفة مدته إلى أهل الخبرة 7، وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه المعتمد.
3534/ 2 - قول " التنبيه " [ص 158]: (وهل يجوز أن يكون الولي أعمى؟ قيل: يجوز،
وقيل: لا يجوز) الأصح: جوازه، وعليه مشى " المنهاج " و" الحاوي " 1، وخص أبو على الفارقي الخلاف بما إذا لم تر المرأة الزوج، فإن رأته ورضيت به.. ولي قطعًا.
واستشكل ابن معن الخلاف، وقال: ينبغي إذا رأته ورضيت به.. أن يصح قطعًا، وإلا.. فلا قطعًا، وفي " الكفاية ": إن قلنا: يلي والصداق عين.. لم يثبت المسمى إن منع بيع الغائب، وتناول إطلاقهم القاضي، لكن لا يحتاج للتنبيه عليه؛ لانعزاله بالعمى، فلو ولى القاضي العقود أعمى.. فلم أر التصريح به، وظاهر إطلاقهم في القضاء منعه، وهو الظاهر، ويجري خلاف الأعمى في الأخرس إن كانت له إشارة مفهمة.
3535 - قولهم: (ولا ولاية لفاسق) 2 فيه أمران:
أحدهما: تبع " المنهاج " و" الحاوي " فيه " المحرر " فإنه قال: إنه الظاهر من أصل المذهب 3، وحكى في " الشرح " عن الروياني وغيره أنه ظاهر المذهب، لكنه قال: أفتى أكثر المتأخرين لا سيما الخراسانيون: بأنه يلي 4، وصححه الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وفي زيادة " الروضة " عن الغزالي: أنه قال: إن كان بحيث لو سلبناه الولاية لانتقل إلى حاكم يرتكب ما نفسقه به.. ولي، وإلا.. فلا، وقال النووي: وهذا الذي قاله حسن، وينبغي العمل به 5، واختاره ابن الصلاح في " فتاويه " 6، وقواه السبكي تفريعًا على انعزال القاضي بالفسق، قال: وأما إن لم نعزله به.. فهو أولى من الفاسق القريب.
ثانيهما: يستثنى من منع ولاية الفاسق: الإمام الأعظم.. فالأصح تفريعًا على أنه لا ينعزل بالفسق - وهو الأصح -: أنه يزوج بناته وبنات غيره بالولاية العامة، وفي " التتمة " عن الأصحاب: أنه يزوج بنات غيره دون بناته، وقال السبكي: إذا قلنا: إن القاضي لا ينعزل بالفسق.. كان كالإمام، واختار تبعًا للقاضي حسين أن يولي الإمام الفاسق قاضيًا ليزوج، ولا يباشر التزويج بنفسه، قال: وكذا أقول إذا ولى قاضيًا لا يصلح، وحيث منعنا ولاية الفاسق.. فقال البغوي: إذا تاب.. زوج في الحال 7، وذكر المتولي نحوه في العضل، وقال الرافعي: القياس وهو المذكور في (الشهادات): اشتراط الاستبراء 8.
3536 - قول " التنبيه " [ص 158]: (ولا يجوز أن يكون ولي المسلمة كافرًا، ولا ولي الكافرة مسلمًا، إلا السيد في تزويج الأمة والسلطان في نساء أهل الذمة) فيه أمور:
أحدها: الظاهر أن الاستثناء مختص بالجملة الأخيرة؛ فإن المسألة الثانية من المستثنى تختص بالأخيرة قطعًا، فكذلك الأولى، وجعله في " الكفاية " منهما، ويوافقه استدراك النووي في " تصحيحه " أن الأصح: أن الكافر لا يزوج أمته المسلمة 1، والحق: أنه لا حاجة لاستدراكها؛ لاختصاص الاستثناء بالأخيرة، وأن الأولى باقية على عمومها.
ثانيها: استشكل استثناء مسألة تزويج السيد المسلم أمته الكافرة؛ فإن تزويجه مفرع على أنه يزوج بالملك، وهو الأصح، والاستثناء من الولاية؛ ولهذا لم يستثنها " الحاوي "، وأطلق أن اختلاف الدين ينقل الولاية للأبعد 2، وقال قبل ذلك: (ويزوج المسلم أمته الكافرة لا الكافر أمته المسلمة) 3 ويرد عليه مسألة السلطان، لكنه ظاهر إطلاقه ولاية السلطان عند فقد عصبة النسب والولاء، إلا أنه محمول على جعله اختلاف الدين مانعًا من الولاية، فهي واردة عليه.
ثالثها: تناول إطلاق " التنبيه " و" الحاوي " تزويج المسلم أمته المجوسية أو الوثنية 4 وهو ما صححه الشيخ أبو على، وصرح به البارزي تبعا لصاحب " التعليقة " في المجوسية، وصحح البغوي المنع فيهما.
رابعها: استثنى في " الروضة " من زيادته صورة ثالثة وهي: تزويج أمة موليته 5، ويستثنى رابعة، وهي: تزويج المسلم الكافرة المملوكة لمحجوره المسلم وكان المزوج أبًا أو جدًا كما هو معروف في موضعه.
خامسها: مفهومه أن الكافر يلي الكافرة، وبه صرح " المنهاج "، وهو محمول على العدل في دينه، وتعبيره بقوله [ص 377]: (ويلي الكافر الكافرة) أعم من قول " المحرر ": (والكافر يلي نكاح ابنته الكافرة) 6 لأنه لا فرق بين البنت وغيرها، لكن يترجح تعبير " المحرر " بتقديمه الاسم؛ لدلالته على الحصر، فكأنه قال: االكفر لا يلي إلا الكافرة، ولفظ " المنهاج " لا يفيد الحصر، فيكون ساكتًا عن تزويج الكافر المسلمة وعكسه، ذكره السبكي.
سادسها: ظاهر كلامهم أنه يجوز أن يكون ولي اليهودية نصرانيًا وبالعكس، وقال الرافعي:
يمكن أن يلحق بالإرث، ويمكن أن يمنع 1، وقال في " الكفاية ": قطع أصحابنا بأنه لا يؤثر كالإرث، وحكاه في " المهمات " عن الماوردي والروياني والإمام 2، وفي " التتمة ": إن قلنا: الكفر ملة واحدة.. زوج، أو ملل.. فلا، وصحح ابن يونس في " النبيه " المنع، وقال في " المهمات ": يحسن المنع في المجبرة دون غيرها بناء على أن شرط المجبر ألَّا يكون عدوًا للمجبرة.
سابعها: وظاهر كلامهم أيضًا: أنه يجوز أن يكون ولي الحربية ذميًا وبالعكس، وقال شيخنا الإمام البلقيني: لم أقف على نقل في ذلك، وقياس ما ذكروه في الإرث: أن يمنع ولاية الحربي على الذمية وبالعكس، قال: وذو العهد كالذمية، على الأصح.
ثامنها: محل تزويج السلطان نساء أهل الذمة: إذا لم يكن لهن ولي خاص، فمن لها منهن ولي خاص.. زوجها وليها إن كان خاطبها ذميًا قطعًا، وكذا إن كان مسلمًا في الأصح.
3537 - قول " المنهاج " [ص 377]: (وإحرام أحد العاقدين أو الزوجة يمنع صحة النكاح) لو قال: (أو أحد الزوجين).. لكان أحسن، ليتناول ما إذا كان الزوج محرمًا ووكيله حلالًا، وقد ذكره بعد من زيادته فقال: (ولو أحرم الولي أو الزوج فعقد وكيله الحلال.. لم يصح) 3، واقتصر " الحاوي " على ذكر إحرام الولي سواء باشر العقد أم لا 4، وفي " التنبيه " في (الحج) [ص 72]: (ويحرم عليه أن يتزوج أو يزوج) فلم يتناول الوكيل الحلال والولي محرم.
ويستثنى من إحرام الولي: ما إذا أحرم الإمام الأعظم.. فللقضاة ونوابهم تزويج من هو في ولايته العامة حالة إحرامه على أحد وجهين، حكاهما الماوردي من غير ترجيح.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه الأصح، فلو كان السيد محرمًا فأذن لعبده الحلال في التزويج، أو كان ولي السفيه محرمًا فأذن له في التزويج وهو حلال.. قال شيخنا الإمام البلقيني: لم أقف فيه على نقل، والأقرب: المنع، قال: ولو كان الولي حلالًا فزوج أمة المحجور عليه المحرم وهي حلال والزوج حلال.. فالصواب: الصحة.
انتهى.
ولو وكل حلال حرمًا ليوكل حلالًا بالتزويج.. صح على الأصح؛ لأنه سفير محض ليس إليه من العقد شيء.
3538 - قول " المنهاج " [ص 377]: (ولا ينقل الولاية في الأصح) الخلاف خاص بنقل
الولاية، وقد فرع عليه قوله: (فيزوج السلطان عند إحرام الولي) وقوله: (لا الأبعد) 1، لا يحتاج إليه؛ فقد جزم بالأصح المتقدم.
3539 - قول " التنبيه " [ص 158]: (أو غاب عنها زوجها الحاكم ولم تنتقل الولاية إلى من بعده) ثم قال: (وقيل: إن كانت الغيبة إلى مسافة لا تقصر فيها الصلاة.. لم تزوج حتى يُستأذن) هذا هو الأصح، ونص عليه في " الإملاء "، وعليه مشى " الحاوي " و" المنهاج " 2 وتعبيره بقوله: (ولو غاب الأقرب إلى مرحلتين) 3 أحسن من تعبير " الحاوي " بقوله [ص 458]: (وإن غاب سفر قصر) لأنه قد تكون غيبته معصية، فلا يكون سفر قصر، وهي مرحلتان، ولا يرد ذلك على " التنبيه " لأنه اعتبر القصر من حيث المسافة خاصة، فلا يرد عليه امتناع القصر بسبب آخر، وهو المعصية، ولم يصرح " الحاوي " بأن مراده سفر القصر من حيث المسافة، ثم ما ذكروه في الغيبة هو فيما إذا عرف مكانه وأمكن الوصول فإن كان مفقودًا لا تعرف حياته ولا موته.. زوجها السلطان أيضًا، فإذا انتهى الأمر إلى غاية يحكم فيها بموته وقسم ماله بين ورثته.. انتقلت الولاية إلى الأبعد، وإن عرف مكانه وتعذر الوصول إليه لخوف في الطريق أو فتنة.. ففي الجيلي عن " الحلية ": أنه يجوز له التزويج بدون مراجعة في الأصح.
قال في " الكفاية ": ويعضده ما حكيته عن الأصحاب في الوديعة إن تعذر الوصول إلى مالكها بمثل هذا السبب عند إرادة الموح سفرًا بمنزلة ما إذا كان مالك الوديعة مسافرًا.
3540 - قول " التنبيه " [ص 158]: (ويجوز للولي أن يوكل من يزوج) قد يتناول توكيل غير المجبر قبل إذنها له في التزويج، والأصح: منعه؛ ولذلك قال في " المنهاج " [ص 378]: (ولو وكل قبل استئذانها في النكاح.. لم يصح على الصحيح).
3541 - قول " التنبيه " [ص 158]: (وقيل: لا يجوز لغير الأب والجد إلا بإذنها) أي: في التوكيل، ولا بد من تقييد الأب والجد بكونهما مجبرين، فغير المجبر منهما كغيرهما في مجيء هذا الوجه فيه.
3542 - قوله: (ويجب أن يعين الزوج في التوكيل في أحد القولين) 4 الأظهر: أنه لا يجب، وعليه مشى " المنهاج " 5، ومحلهما: إذا أطلقت الإذن للولي، أو كان مجبرًا، فأما إذا عينته لغير المجبر.. فليعينه الولي للوكيل، فإن لم يفعل وزوج من غيره.. لم يصح، وإن اتفق التزويج