كتابُ القسْمِ والنُّشُوز
3831 - كذا في " المنهاج " 1، وزاد " التنبيه " في التبويب: (عشرة النساء)، وصدر الباب بذكرها 2، ولم يذكرها " المنهاج " فلهذا لم يترجم لها، وقد يقال: لم يحتج لذلك؛ لأن المذكور تفصيل العشرة؛ فذكر القسم الذي هو معروف من جهته وقسيمه الجور، وذكر النشوز الذي هو الجور من جهتها وقسيمه المعروف، وهما تفصيل المعاشرة؛ فإنها إما بمعروف وإما بغيره؛ ولهذا قال بعضهم: إن لفظ القسم والنشوز في " التنبيه " زيادة، وإن عشرة النساء تغني عنه.
3832 - قول " المنهاج " [ص 404]: (يختص القسم بزوجات) صوابه: يختص الزوجات بالقسم؛ لأن الباء تدخل على المقصور، وعبارة " المحرر ": (حق القسم للزوجات) 3، و" الحاوي " [ص 486]: (يجب القسم للزوجات)، ومرادهما: بالمعنى الذي فصلاه بعد ذلك، لا أنه يجب ابتداء، وقول " التنبيه " [ص 169]: (لا يجب عليه أن يقسم لنسائه) أي: ابتداء، ومراد " المنهاج ": اختصاص الزوجات بوجوب ذلك؛ فإنه مستحب في الإماء كما صرح به " الحاوي " 4، وقال في " التنبيه " [ص 169]: (والمستحب: ألاَّ يعطلهن، وأن يسوي بينهن).
3833 - قول " المنهاج " [ص 404]: (ولو أعرض عن الواحدة .. لم يأثم) و" الحاوي " [ص 487]: (وندب المبيت لواحدةٍ) يستثنى منه: ما ذكره في " البسيط ": أنه لو بانت منه اللواتي ظلم لهن وبقيت المظلومة وحدها .. قال: عندي: أنه يقضي لها وإن كنا لا نوجب الإقامة عند الفردة؛ لأنه حق لها استقر؛ فلا يسقط ببينونة غيرها، قال: ولم أر المسألة مسطورة.
واعتُرض عليه: بأن المتولي في " التتمة " صرح بالمسألة وقال: إنه لا قضاء إلا أن يعيد المظلوم لها.
3834 - قولهما: (وتستحق القسم مريضةٌ) 5 وهو داخل في قول " الحاوي " [ص 486]: (وإن امتنع الوطء شرعاً أو طبعاً)، قال شيخنا الإمام البلقيني: يستثنى منه: ما إذا أراد السفر
الحديث: 3831 - الجزء: 2 - الصفحة: 659
بجميع نسائه فتخلفت واحدة للمرض .. فإنه لا قسم لها وإن كانت تستحق النفقة، صرح به الماوردي 6.
3835 - قول " المنهاج " [ص 404]: (لا ناشزة) أي: ولو كانت غير آثمة بنشوزها؛ لكونها مجنونة، واستثنى " الحاوي " معها: المعتدة 7، والمراد: عن وطء شبهة، وقد حكاه الرافعي والنووي عن المتولي من غير مخالفة؛ وعلله في " التتمة " بحرمة الخلوة بها 8، وفي " المطلب " أنه تفريع على المشهور، وهو تحريم الاستمتاع بها.
ويستثنى أيضاً: المجنونة التي يخشى منها، والأمة التي لا نفقة لها عليه، والمحبوسة كما ذكره شيخنا الإمام البلقيني، وقاسه على النفقة.
وقد ذكر النووي في (النفقات): أنه لا نفقة لها 9، وحكى في (التفليس) عن " فتاوى ابن الصباغ ": أنه إن ثبت بالبينة .. لم يسقط، وصوّرها في دين استدانته بغير إذن الزوج، ثم اختار النووي سقوطها في صورتي البينة والإقرار 10، قال شيخنا: ويزداد القسم بأنها إن استحقته في الحبس .. لزم أحد أمرين: إما الإضرار بالزوج، أو ترفه المحبوسة؛ ولأنها تمنع منه كما في التفليس في نظيره من الرجل من " فتاوى ابن الصباغ "، وجعل الغزالي النظر في ذلك للقاضي 11، وإن استحقت القضاء .. أضر ببقية الزوجات، قال شيخنا: ولم يذكروا الصغيرة، ومقتضى القواعد: أنها لا تستحق القسم كالنفقة، قال: ولم يذكروا الصائمة.
قلت: أمرها واضح؛ فإنه لا شك في وجوب القسم لها، لا سيما وعماد القسم الليل ولا صيام فيه، وبتقدير أن يكون عماد القسم في حقها النهار؛ لكون زوجها أتونياً 12 ونحوه .. فيحصل مع الصوم الاستمتاع بغير الوطء والأنس، والله أعلم.
ولو حبس الزوج وقسم لإحدى زوجاته في الحبس .. لزمه ذلك للباقيات، فإن امتنعت واحدة من الحضور .. سقط حقها، قاله ابن الصباغ.
3836 - قول " المنهاج " [ص 404]- والعبارة له - " والحاوي " [ص 486]: (وله دعاؤهن)
الحديث: 3835 - الجزء: 2 - الصفحة: 660
استثنى منه الماوردي: ما لو كانت ذات قدر وخَفَر ولم تعتد البروز، قال: فلا يلزمها إجابته، وعليه أن يقسم لها في بيتها 13، وفي " النهاية " ما يشير إليه 14، واستغربه في " البحر ".
3837 - قول " الحاوي " [ص 487]: (ولا يمضي إلى بعضٍ ويدعو بعضاً) قال في " المنهاج " [ص 404]: (إلا لغرضٍ؛ كقرب مسكنِ من مضى إليها أو خوفٍ عليها) وتقدم قول الماوردي: إن ذات القدر والخفر يقسم لها في بيتها 15، فلو فعل ذلك بالقرعة؛ ليدعو من خرجت القرعة لها إلى منزله .. قال الرافعي: وجب أن يجوز 16، وعبر عنه في " الروضة " بقوله: ينبغي القطع بالجواز 17.
واستشكله السبكي، وفرق بينه وبين السفر: بأن السفر عذر، فإن كان هنا عذر أيضاً .. فذاك.
قال شيخنا ابن النقيب: وما قاله الرافعي بحثاً منقول عن النص، ورأي الإمام القطع به، وقال: هذا التفاوت محتمل؛ لأن تفاوت المناصب والأقدار قد يقتضي هذا 18.
قلت: إن أراد بالنسبة إلى الزوجات .. فلا يفيد شيئاً؛ فقد تخرج القرعة لغير ذات المنصب، وإن أراد بالنسبة إلى الزوج أن منصبه ينافي خروجه من بيته كل ليلة .. فممكن.
3838 - قول " المنهاج " [ص 404]: (ويحرم أن يقيم بمسكن واحدةٍ ويدعوهن إليه) لو رضين كلهن بذلك .. جاز، فلو عبر كعبارة " الروضة ": (لم تلزمهن الإجابة) 19، أو قال: (إلا برضاهن) كما قال في التي بعدها .. لكان أحسن، فإن أَجَبْن .. قال ابن داوود: فلصاحبة البيت المنع وإن كان ملكه؛ لأن حق السكنى لها؛ ولهذا قلت أولا: (رضين كلهن) أي: ومنهن صاحبة المسكن.
3839 - قولهما: (وأن يجمع ضرتين في مسكنٍ إلا برضاهما) 20 أي: ولو ليلة واحدة، ولا يلزمهما الاستمرار على الرضا، فلهما الرجوع بعده.
ويستثنى منه: ما إذا أسكنهما حجرتين من دار واحدة أو علواً وسفلاً بشرط انفصال المرافق، وقد ذكره " الحاوي " 21، ولا بد مع ذلك أن يليق بحالهما.
الحديث: 3837 - الجزء: 2 - الصفحة: 661
وأورد في " المهمات ": أنه يحرم الجمع بين زوجة وسرية في سكن واحد كما ذكره الروياني في " البحر "، وكلامهم يوهم خلافه، إلا أن يحمل الضرة على السرية أيضاً، لكن في " الصحاح ": أن الضرة: الزوجة 22، وعبر في " الروضة " ب (الزوجة) 23 وفي " التنبيه " ب (المرأة) 24.
3840 - قول " الحاوي " [ص 486]: (على العاقل) أي: يجب القسم على الزوج العاقل، ويدخل فيه المراهق، والمراد: الوجوب على وليه؛ بحيث لو جارَ .. كان الإثم على وليه دونه، وأما الصغير الذي لا يتأتى منه الوطء ولا يزوج للمعاشرة عادة .. فقال شيخنا الإمام البقليني: الظاهر من كلامهم: أنه لا يجب على وليه أن يطوف به؛ لعدم المقصود من القسم.
3841 - قوله: (والولي) 25 أي: في حق المجنون، وقو له: (بأن يطوف بمجنونٍ مأمونٍ لم يضره الوطء) 26 فيه أمران:
أحدهما: أنه لا يتعين الطواف به، بل له دعاؤهن إلى منزله كما في العاقل، قال في " أصل الروضة ": أو يطوف به على بعضهن ويدعوا بعضهن 27، فيحتمل أن يكون بشرطه المذكور في العاقل، وأهمله هنا؛ لسبقه، ويحتمل اغتفار ذلك في المجنون؛ لأنه لا ينسب إلى ميل، والجنون عذر كما تقدم في قرب مسكن من مضى إليها أو خوف عليها، وهذا أظهر.
ثانيهما: أن ذلك واجب على الولي إن رأى منه ميلاً إلى النساء، أو قال أهل الخبرة: ينفعه غشيانهن، وإلا .. فهو جائز، ولم يبين ذلك " الحاوي " لأنه لا تعلق له بالقسم، إنما هو لمصلحة المجنون.
3842 - قوله: (ولا يخص وقت الإفاقة إن ضُبِطَ) 28 أي: بأن يجن يوماً ويفيق يوماً ... فلا يخص وقت الإفاقة بواحدة والجنون بأخرى، ثم قال البغوي وغيره: تطرح أوقات الجنون ويقسم في الإفاقة، ولو أقام في الجنون .. فلا قضاء ولا اعتداد به 29، وقال المتولي: يراعي القسم في أيام الإفاقة، ويراعيه الولي في الجنون، ولكل واحدة نوبة من هذا ونوبة من هذا، قال الرافعي:
الحديث: 3840 - الجزء: 2 - الصفحة: 662
وهذا حسن 30، وعبارة " الحاوي " محتملة لهما، وحملها في " التعليقة " على الأول، وهي إلى الثاني أقرب.
3843 - قوله: (وإلا .. قضى للأخرى) 31 أي: إن لم تنضبط الإفاقة وقسم الولي لواحدة في الجنون وأفاق في نوبة الأخرى .. قضى للأولى ما جرى في الجنون؛ لنقصه، حكاه في " أصل الروضة " عن الغزالي، وأقره 32، والغزالي قال: إن في كلام الشافعي ما يدل عليه 33.
3844 - قولهما - والعبارة لـ " التنبيه " -: (وعماد القسم الليل لمن معيشته بالنهار) 34 محله: في المقيم، أما المسافر: فعماده وقت النزول من ليل أو نهار قليلاً كان أو كثيراً، وقد ذكره " الحاوي " فقال [ص 487]: (وللمسافر وقت النزول).
3845 - قول " التنبيه " [ص 170]: (وإن دخل بالليل .. لم يجز إلا لضروة) زاد " المنهاج " [ص 404]: (كمرضها المخوف)، وعبارة " الحاوي " [ص 487]: (فيدخل فيه على الضرة لمرض مخوفٍ زماناً يسيراً) فخص المرض المخوف وقيده بالزمن اليسير، ولو ضبط بالضرورة وجعل المرض المخوف مثالاً .. لكان أولى؛ ليدخل فيه الحريق وشدة الطلق وغيرهما، وعبارة " أصل الروضة ": ويجوز الدخول للضرورة بلا خلاف، قال في " الشامل ": هي مثل أن تموت أو تكون منزولاً بها، وقال الشيخ أبو حامد: هي كالمرض الشديد، وقال الغزالي: هي كالمرض المخوف، قال: وكذا المرض الذي يحتمل كونه مخوفاً فيدخل ليتبين الحال، وفي وجه: لا يدخل حتى لا يتحقق أنه مخوف.
انتهى 35.
3846 - قول " المنهاج " [ص 404]: (وحينئذ: إن طال مكثه .. قضى، وإلا .. فلا) يفهم اختصاص القضاء عند طول المكث بما إذا دخل لضرورة، لكن إذا قضى مع الضرورة .. فبدونها أولى، فكان الأحسن: لو أطلق القضاء مع الطول؛ كقول " التنبيه " [ص 170]: (فإن دخل وأطال .. قضى) " والحاوي " [ص 487]: (وإلا .. قضى بقدره).
وجوز شيخنا ابن النقيب في عبارة " المنهاج " أن يريد الدخول لغير ضرورة، وأن يريد الدخول لضرورة، وأن يريدهما 36.
الحديث: 3843 - الجزء: 2 - الصفحة: 663
والمتبادر إلى الفهم منه ما ذكرته، وبتقدير: أن يريدهما .. فلا يبقى لقوله: (حينئذ) معنى، وبتقدير: أن يريد الدخول لغير ضرورة .. فلا يفهم منه القضاء مع الضرورة، لا بطريق أولى ولا بمساواة، فالحمل على الضرورة وأخذ غيرها من طريق الأولى حسن، والله أعلم.
وعن القاضي حسين تقدير القدر المَقْضِي: بثلث الليل، والصحيح: أنه لا يتقدر.
3847 - قول " التنبيه " [ص 170]: (وإن دخل وجامعها وخرج .. فقد قيل: لا يقضي، وقيل: يقضي بليلة، وقيل: يقضي بأن يدخل في يوم الموطوءة فيجامع كلما جامعها) صحح النووي في " تصحيحه ": أنه يقضي مثل تلك المدة ولا يكلف الجماع، وتبعه شيخنا الإسنوي 37.
وقال النشائي: التصوير كما فرض في " الكفاية " فيما إذا كان الدخول والجماع في زمان يسير، ويوضحه قوله قبل ذلك: (فإن دخل وأطال .. قضى) وحينئذ .. فالأصح: لا قضاء، فالذي في " التصحيح " وهمٌ.
انتهى 38.
وحاصل هذا: أن الزمن اليسير إن لم يجامع فيه .. فلا يُقضى قطعاً، وإن جامع فيه .. فهو موضع الخلاف، والأصح: لا قضاء، وهو مفهوم تقييد " المنهاج " القضاء بطول المكث؛ إذ لم يُفَصّل مع عدم الطول بين الجماع وغيره، وصرح به " الحاوي " فقال [ص 487]: (لا إن قل وعصى) أي: بالوطء، وذكر الإمام أن اللائق بالتحقيق القطع بإباحة الوطء وصرف التحريم إلى إيقاع المعصية، لا إلى ما وقعت المعصية به 39.
وقرّبه بعضهم: بأن تحريم الوطء ليس لعينه، بل لأمر خارج.
3848 - قول " التنبيه " [ص 196]: (فإن دخل بالنهار إلى غير المقسوم لها لحاجة .. جاز) أحسن من قول " المنهاج " [ص 404]: (لوضع متاعٍ ونحوه) لعمومه، ومن قول " الحاوي " [ص 487]: (لمهمٍّ) لإيهامه اعتبار قدر زائد على الحاجة.
3849 - قول " المنهاج " [ص 405]: (والصحيح: أنه لا يقضي إذا دخل لحاجة) وعليه يدل قول " الحاوي " [ص 487]: (وإلا .. قضى بقدره) ظاهره: عدم القضاء وإن طال، وكذا أطلقه في " الروضة " وأصلها 40، وجزم به الماوردي 41، لكن الذي في " الشامل " و" المهذب " و" البيان ": وجوبه 42.
الحديث: 3847 - الجزء: 2 - الصفحة: 664
3850 - قول " المنهاج " [ص 405]: (وأن له ما سوى وطءٍ من استمتاعٍ) مخالف لتعبير " الروضة " فيه بالأصح 43.
3851 - قوله: (وأنه يقضي إن دخل بلا سببٍ) 44 يقتضي التعبير فيه بالصحيح؛ لعطفه على ما عبر فيه بذلك، ولو عبر فيه بالنص .. لكان أولى؛ لأن الرافعي نقله عن حكاية المحاملي له عن نص " الإملاء " 45، ونقله شيخنا الإمام البلقيني عن نص " الأم " أيضاً، وقيده بما إذا لم يكن الزمان يسيراً، قال: وذلك يظهر من الدخول في الليل.
انتهى 46.
ويرد ذلك على إطلاق " الحاوي " القضاء عند الدخول نهاراً لغير مُهِمٍّ 47.
3852 - قول " المنهاج " [ص 405]: (ولا تجب تسوية في الإقامة نهاراً) قال شيخنا ابن النقيب: أي: في قدرها، كما هو في " المحرر " و" الروضة " و" الشرحين "، وأما أصل الإقامة: فلم أر من ذكره 48.
3853 - قول " التنبيه " [ص 170]: (وإن كان له امرأتان فقسم لإحداهما وطلق الأخرى قبل أن يقسم لها .. أثم، فإن تزوجها .. لزمه أن يقضي حقها) فيه أمران:
أحدهما: صورة المسألة: أن يتزوجها والأخرى في نكاحه، فلو لم تكن في نكاحه بل نكح جديدة .. تعذر القضاء؛ لأنه إنما يقضي من نوبة التي ظلم بسببها، كذا قيده في " أصل الروضة " 49، ومقتضاه: أنه لا يتعذر إذا لم ينكح جديدة، لكن الذي في " البحر " وغيره: تعذره ولو لم ينكح جديدة؛ لخلوص الحق لها.
قال شيخنا ابن النقيب: ويظهر أنه كموت المظلوم بسببها، والجمهور - هناك خلافاً للماوردي - على تعذر القضاء 50.
ثانيهما: كان ينبغي أن يقول: (فإن عادت إليه) ليشمل الرجعية أيضاً، وعبر " الحاوي " بقوله [ص 487، 488]: (ولو بعد تجديد من نُوَبِ المظلوم بها) فيرد عليه الثاني دون الأول.
نعم؛ يرد عليه في الأول: أنه لا يختص الحكم بالظلم، فلو لم يكن ظلم؛ كما لو أقام
الحديث: 3850 - الجزء: 2 - الصفحة: 665
للضرورة وطال، أو بات لتمريضها عند فقد ممرض .. كان الحكم كذلك.
قال في " الكفاية ": ويتجه القضاء لها فيما إذا طلقها من غير سؤالها، أما إذا كان به .. فيتجه ألاَّ يُحكم بالإثم كما قيل في الطلاق في زمن الحيض على رأي.
3854 - قول " الحاوي " [ص 488]: (ولو تم بالليل .. خرج إلى نحو مسجد) محله: ما إذا لم يخف لصاً ونحوه، فإن خاف .. قعد.
تنبيهٌ [لا يختص القضاء بحال مكثه عند الضرة]
قد يفهم من كلامهم اختصاص القضاء بما إذا كان مكثه عند الضرة، وليس كذلك، بل لو خرج ليلاً وأطال لضرورة أو غيرها ولم يدخل للضرة .. لزم قضاؤه من الليلة القابلة، قال الرافعي: والأولى أن يقع في وقته، فيقضي لأول الليل أوله، ولآخره آخره، ويكون في باقي الليل في نحو مسجد ما لم يخف لصاً ونحوه، فيعذر في الإقامة 51، وصرح جماعة بأن مراعاة الوقت ندب، وجماعة بأنه واجب.
3855 - قول " المنهاج " [ص 405]: (وأقل نوب القسم ليلة) من زيادته على " المحرر " من غير تمييز.
3856 - قوله - والعبارة له - و" الحاوي ": (ويجوز ثلاثاً، ولا زيادة) 52 محله: ما إذا كان بغير رضاهن، وقد اعتمد الأصحاب في منع الزيادة على الثلاث قول الشافعي في " المختصر ": (وأكره مجاوزة الثلاث) 53.
قال الرافعي: وذلك محمول عند أكثرهم على المنع والتحريم، وقالوا: إنه موضح في " الأم " 54، وقال السبكي: إنه ظاهر نصه في " الأم ".
قلت: عبارة " الأم ": (وأكره مجاوزة الثلاث من العدد من غير أن أُحَرِّمَهُ، وذلك أنه قد يموت قبل [أن] 55 يعدل للثانية ويمرض، وإن كان هذا قد يكون فيما دون الثلاث) 56، حكاه شيخنا الإمام البلقيني وغيره، وهو صريح في عدم التحريم.
الحديث: 3854 - الجزء: 2 - الصفحة: 666
وقول " المنهاج " [ص 405]: (على المذهب) يفهم أن مقابله: القول بالزيادة مطلقاً، وقال السبكي: ينبغي ألاَّ يؤخذ على إطلاقه، فإنه إذا طالت المدة جداً .. لم يبق له معنى، وقال الإمام: لا شك أنه لا يجوز أن يبني القسم على خمس سنين مثلاً، وقال صاحب " التقريب ": يقسم سبعاً سبعا، وقال الشيخ أبو محمد: لا يبلغ مدة التربص في الإيلاء.
انتهى 57.
لكن في " البسيط ": أن منهم من قال: لا تقدير بزمان ولا توقيت أصلاً، وإنما التقدير إلى الزوج، حكاه في " المهمات ".
3857 - قول " المنهاج " [ص 405]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص 487]: (والصحيح: وجوب قرعة للابتداء) قد يدخل فيه قضاء ما دون ليلة لاثنتين والطواف على الجميع في ساعة، ولا نقل فيه، وهو محتمل.
3858 - قول " المنهاج " [ص 405]: (لحرَّةٍ مِثْلا أمةٍ) زاد " الحاوي " [ص 487]: (لا إن عتقت قبل تمام ليلتها) أي: فتلتحق بالحرة وتكون مثلها في القسم، ومفهومه: أنها إذا لم تعتق إلا بعد تمام ليلتها .. لا يكمل لها كقسم الحرة، بل يبيت عند الحرة ليلتين ثم يسوي بعد ذلك، وبه قطع الإمام والمتولي والغزالي والسرخسي 58، ومنع البغوي تكميل الليلتين، وقال: إن عتقت في الأولى من ليلتي الحرة .. أتمها واقتصر عليها، وإن عتقت في الثانية .. خرج من عندها في الحال 59، وعلى نحو هذا جرى الشيخ أبو حامد وأصحابه وصاحب " المهذب " 60.
وقد تفهم عبارتهما: أن له زيادة الحرة على ليلتين ويجعل الأمة على النصف منها، لكن في " التنبيه " [ص 169]: (ويقسم للحرة ليلتين وللأمة ليلة) وظاهره: تعينه؛ وهو كذلك؛ لأن الزيادة عليه تؤدي إلى تبعيض الليلة على الأمة فيما إذا جعل للحرة ثلاثاً، أو إلى زيادة الحرة على الثلاث فيما إذا جعل للأمة ليلتين؛ فإنه يكون للحرة حينئذ أربع، وكلاهما ممتنع كما تقدم، وصار ذلك مفهوماً من " المنهاج " و" الحاوي " من ذكرهما هذين الأمرين، ثم لا يخفى أنه لا يقسم للأمة إلا إذا وجبت لها النفقة، فإن لم تجب لها؛ لعدم تسليمها أو لعدم تسليمها نهاراً على الأصح .. لم يجب لها قسم، والمبعضة كالقنة، قاله الماوردي 61.
3859 - قول " التنبيه " [ص 170]: (وإن تزوج امرأة وعنده امرأتان قد قسم لهما .. قطع الدور للجديدة) لا يخفى أن ذكر المرأتين مثال، فلو كان في نكاحه ثلاث أو واحدة .. كان الحكم كذلك.
الحديث: 3857 - الجزء: 2 - الصفحة: 667
3860 - قوله: (فإن كانت بكراً .. أقام عندها سبعاً ولا يقضي، وإن كانت ثيباً .. فهو بالخيار بين أن يقيم سبعاً ويقضي وبين أن يقيم ثلاثاً ولا يقضي) 62 فيه أمران:
أحدهما: أنه يقضي اختصاص حق الزفاف بما إذا كان في نكاحه غيرها يبيت عندها، وهو ظاهر كلامهم وتصويرهم وتفريعهم، وصرح به البغوي في " فتاويه "، وحكاه عنه الرافعي والنووي، وأقراه، لكنهما صححا: أنه لو نكح جديدتين ولم يكن في نكاحه غيرهما .. وجب لهما حق الزفاف سواء زفتا معاً أو على الترتيب 63.
قال في " المهمات ": وهذه هي تلك بعينها إلا أن تلك في امرأة وهذه في امرأتين، ولا أثر لذلك.
وقال النووي في " شرح مسلم ": الأقوى المختار: وجوب حق الزفاف مطلقًا؛ للحديث
الصحيح: " إذا تزوج الثيب .. أقام عندها ثلاثاً، وإذا تزوج البكر .. أقام عندها سبعاً " 64، وعبارة " المنهاج " قد توافق ذلك؛ فإنه قال [ص 405]: (وتُخَصُّ بكرٌ جديدةٌ عند زفافٍ بسبعٍ بلا قضاءٍ، وثيبٌ بثلاثٍ)، وكذا قول " الحاوي " [ص 487]: (وللبكر الجديدة سبعٌ، وللثيب ثلاث) فإنهما لم يصرحا بتخصيص ذلك بما إذا كان في نكاحه غيرها.
ثانيهما: أن ظاهر كلامه فيما إذا أقام عند الثيب سبعاً .. أنه يقضي السبع، ومحله: فيما إذا كان باختيارها، فإن لم يكن باختيارها .. قضى الزائد على الثلاث فقط؛ ولهذا قال " المنهاج " [ص 405]: (ويسن تخييرها بين ثلاثٍ بلا قضاءٍ، وسبعٍ بقضاءً) وأصرح منه قول " الحاوي " [ص 487]: (وإن سبَّع بطلبها .. قضى لغيرها، وإلا .. قضى الزائد).
واعلم: أنه يعتبر فيها الموالاة، فلو فرقها؛ ليلة عندها وليلة في نحو مسجد وهكذا .. لم تحسب في الأصح فيوفيها حقها متوالياً ثم يقضي ما فرق للباقيات.
3861 - قول " التنبيه " [ص 170]: (وإن تزوج امرأتين وزفتا إليه مكاناً واحداً .. أقرع بينهما) كان ينبغي لو قال: (زماناً واحداً) فإن الاعتبار في ذلك بالزمان، ولا يلزم من اتحاد المكان اتحاد الزمان، وقال الماوردي: العبرة بحال العقد، فالسابقة به مُقدمة 65، وبه جزم ابن يونس في " النبيه "، ورجحه الروياني مع اعترافه بأن الأشهر: الاعتبار في السبق بالإدخال عليه.
3862 - قول " التنبيه " [ص 169]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص 486]: (وإن سافرت المرأة
الحديث: 3860 - الجزء: 2 - الصفحة: 668
بغير إذنه .. سقط حقها من القسم) محله: ما إذا لم تكن معه؛ ولهذا قال " المنهاج " [ص 405]: (ومن سافرت وحدها بغير إذنه .. ناشزةٌ).
ويستثنى من ذلك: ما إذا كانت أمة فسافر بها السيد بعد أن بات عند الحرة ليلتين .. فإنه لا يسقط حقها من القسم، بل عليه قضاؤه عند التمكن، حكاه في " أصل الروضة " عن المتولي من غير مخالفة 66.
قال شيخنا الإمام البلقيني: ولا يخالف ما ذكره قبل ذلك عن ابن كج وأبي الفرج أن الأمة إنما تستحق القسم إذا استحقت النفقة؛ لأنها استحقت حقها لما قسم للحرة وقد كانت تستحق النفقة، فلما سافر السيد بها .. لم يسقط ذلك حقها الثابت، وليس كالناشزة؛ لتقصير تلك.
واستثنى السبكي أيضاً: ما لو خَرِبَ البلد وانجلى أهله، ولم يمكنها الإقامة والزوج غائب .. قال: فينبغي ألاَّ تكون ناشزة؛ كخروجها من البيت إذا أشرف على السقوط.
3863 - قول " التنبيه " [ص 169]: (وإن سافرت بإذنه .. سقط حقها في أحد القولين دون الآخر) الجديد الأظهر: السقوط، ومحله: ما إذا كان في حاجتها، فإن كان في حاجته .. لم يسقط حقها قطعا، بل يقضي لها، وقد أوضح ذلك " المنهاج " فقال [ص 405]: (وبإذنه لغرضه .. يقضي لها، ولغرضها .. لا في الجديد)، وتقييد محل الخلاف بما إذا كان لغرضها من زيادة " المنهاج " على " المحرر " من غير تمييز كما نبه عليه في " الدقائق " 67، لكن قد أوضحه في " المحرر " في (النفقات) 68، وقول " الحاوي " [ص 486]: (أو سافرت لا بإذنه؛ كلغرضها) أي: بإذنه.
3864 - قول " التنبيه " [ص 169]: (وإن أراد الانتقال من بلد إلى بلد فسافر بواحدة وبعث البواقي مع غيره .. فقد قيل: يقضي لهن، وقيل: لا يقضي) الأصح: القضاء، وهو مفهوم قول " الحاوي " [ص 488]: (وإن سافر لا لنقلةٍ ببعضٍ بقرعةٍ) وذكر ابن يونس وتبعه في " الكفاية " أن محل الخلاف: ما إذا كان بقرعة، وإلا .. قضى قطعاً، وقال صاحب " المعين ": هو ما أبهمه كلام " البيان " والجيلي 69، وأطلق " المنهاج " أن من سافر لنُقلةٍ .. حرم أن يستصحب بعضهن، ولم يتعرض للقضاء 70.
وفيما علّق عن الأمام وجهان في أنه يخرج عن الظلم بتغير عزم النقلة؛ أم يستمر حكمه حتى
الحديث: 3863 - الجزء: 2 - الصفحة: 669
يرجع إليهن؟ 71 وقال شيخنا الإمام البلقيني: الأرجح: الاستمرار
3865 - قول " التنبيه " [ص 169]: (وإن سافر بواحدة بغير قرعة .. قضى) وهو مفهوم " المنهاج " و" الحاوي " 72.
يستثنى منه: ما إذا تركها في بلد وفارقها، كما حكاه الرافعي عن " فتاوى البغوي " ثم قال الرافعي: ويحتمل أن يقال: لا يقضي إلا ما بات عندها، ويحتمل أن يقال: يقضي وإن خلفها في بلد 73.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: الاحتمال الثاني هو الأصح.
3866 - قول " التنبيه " [ص 169]: (وإن سافر - أي؛ لغير النقلة - بالقرعة .. لم يقض) أي: مدة السفر ذهاباً، وكذا رجوع في الأصح، أما مدة الإقامة .. فيقضيها؛ ولهذا قال " الحاوي " [ص 488]: (لا مدة الإقامة)، وعبارة " المنهاج " [ص 405]: (فإن وصل المقصد وصار مقيماً .. قضى مدة الإقامة، لا الرجوع في الأصح)، وقوله: (وصار مقيماً) أي: بعزم الإقامة المؤثرة فيه؛ إما عند وصوله أو في أول سفره سواء أقام بالفعل أم لا، وإلا .. لم يصر مقيماً بمجرد وصوله في الأصح كما تقدم، وكذا الحكم لو نوى الإقامة المؤثرة قبل وصول المقصد، أما لو أقام في مقصد أو غيره من غير نية .. فقال الإمام والغزالي: إن أقام يوماً .. لم يقضه 74، قال الرافعي: والأقرب قول البغوي: (إن زاد على مقام المسافرين .. قضى الزائد) ولو أقام لشغل ينتظره .. ففي القضاء خلاف كالترخص، وبعد ما يترخص فيه يقضي 75.
وذكر شيخنا الإمام البلقيني: أنه لا يقضي مدة الإقامة إلا إن كانت بنية النقلة كما هو ظاهر نص " الأم " و" المختصر "، وهو التحقيق، وحكى الماوردي فيه وجهين.
انتهى 76.
وفي " أصل الروضة " عن البغوي فيما لو عزم على الإقامة فكتب إلى الباقيات يستحضرهن .. وجهان في وجوب القضاء من وقت كتابته 77.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: الأصح بل الصواب: وجوب القضاء.
انتهى.
وأورد على " المنهاج ": أن محل الخلاف في قضاء مدة الرجوع إذا صار مقيماً، فإن عاد من
الحديث: 3865 - الجزء: 2 - الصفحة: 670
فوره .. فلا قطعاً، ولا يرد ذلك عليه؛ لأنه فرض المسألة فيما إذا صار مقيماً، وقيد الغزالي كونه لا يقضي مدة السفر بما إذا كان مرخصاً، قال الرافعي: فيقتضي القضاء في سفر المعصية 78.
واعلم: أنه إذا طرأ له سفر بعد المبيت عند إحدى الزوجتين دون الأخرى، فخرجت القرعة لصاحبة النوبة الباقية .. لا تدخل نوبتها في مدة السفر، بل إذا رجع .. وفاها نوبتها، ذكره شيخنا الإمام البلقيني، وقال: وفي نص الشافعي في " الأم " ما يشهد له 79.
3867 - قول " المنهاج " [ص 405]: (فإن رضي ووهبت لمُعينةٍ .. بات عندها ليلتيهما) أي: كلاً في وقتها بلا موالاة إن انفصلتا؛ ولهذا قال " الحاوي " [ص 488]: (ويصلُ إن اتصلتا).
قال ابن الرفعة: وإنما يتجه ذلك إذا كانت ليلة الواهبة متأخرة، فإن كانت متقدمة وأراد تأخيرها .. اتجه الجواز قطعا، وإليه يُرشد قولهم في التعليل؛ لأن فيه تأخير حق من بينهما.
قال شيخنا ابن النقيب: وكذا لو كانت متاخرة فأخر نوبة الموهوبة إليها برضاها تمسكاً بالعلة المذكورة 80.
3868 - قول " المنهاج " [ص 405]: (وقيل: يُواليهما) قال الرافعي: وقياسه: أنه إذا كانت ليلة الواهبة أسبق، وبات فيها عند الموهوبة .. أنه يجوز أن يقدم ليلتها ويبيتها متصلة بها 81.
قال شيخنا ابن النقيب: ولم يظهر لي جَعْل ذلك قياس هذا الوجه؛ فإنه عينه 82.
قلت: حكى الرافعي هذا الوجه فيما إذا كانت ليلة الموهوبة أسبق .. أنه يقدم إليها ليلة الواهبة، ثم قاس عليه ما إذا كانت ليلة الواهبة أسبق، فليس المقيس عين المحكي وإن اتفقا في التوجيه والمدرك، ومن أطلق في حكاية هذا الوجه أنه يواليهما .. فقد أتى بعبارة تتناول المنقول والمقيس.
3869 - قولهم - والعبارة لـ " التنبيه " -: (وإن وهبت للزوج .. جعله لمن شاء منهن) 83 وفي " المحرر ": إنه الأقرب 84، وفي " أصل الروضة ": قطع به العراقيون والروياني وغيره، وإليه ميل الأكثرين 85، لكن رجح في " الشرح الصغير ": المنع، وأنه يسوي بينهن، ويجعل الواهبة
الحديث: 3867 - الجزء: 2 - الصفحة: 671
كالمعدومة، فقال: إنه الأشبه، وأشار في " الوسيط " إلى تخصيص الوجهين بقولها: (وهبتك، فخصِّص من شئت) 86 وبها صور الإمام 87، فإن اقتصرت على (وهبتك) .. امتنع التخصيص قطعاً، قال الرافعي: ولو باتها كل دَوْرٍ عند واحدة .. لم يبعد تجويزه 88.
قال شيخنا ابن النقيب: قوله: (لم يبعد) صرح به المتولي فقال: والثاني: يسوي؛ بأن يبيت عند كل منهن ساعة، أو لا يبيتها عند واحدة أصلاً، أو يخص بها كل دور واحدة 89.
3870 - قول " التنبيه " [ص 169]: (فإن رجعت في الهبة .. عادت إلى الدور من يوم الرجوع) محله: ما إذا علم الزوج برجوعها، فإن لم يعلم به حتى مضت نُوبٌ .. لم يستحق قضاء الفائت قبل العلم في الأصح؛ ولذلك قال " الحاوي " [ص 488]: (وما فات قبل خبره .. ضاع).
3871 - قوله: (كإباحة الثمار) 90 أي: كما يضيع ما يتناوله من أبيحت له الثمار قبل علمه بالرجوع حتى لا يغرمه، تبع فيه " الوجيز "، لكن قطع الصيدلاني بأنه يغرم؛ لأن الغرامات لا فرق فيها بين العلم والجهل، قال الرافعي: وإليه مال الإمام، ولا يبعد ترجيحه 91.
واعترضه في " المهمات " بأن الذي في " النهاية " الجزم بعدم الغرم 92، وقال في " التنقيح ": المرجح: عدم الضمان كما في " الحاوي "، وله نظائر:
منها: ما إذا استعمل المستعير العارية بعد الرجوع جاهلاً .. فلا أجرة عليه، حكاه الرافعي في آخر (العارية) عن القفال 93.
ومنها: ما إذا رمى إلى مسلم تَتَرَّسَ به المشركون .. ففي " الشرح " و" الروضة ": أنه إن علم إسلامه .. وجبت ديته، وإلا .. فلا 94.
ومنها: إذا باشر الولي القصاص من الحامل جاهلاً بحملها، فتلف الحمل .. فالأصح في " الروضة " وغيرها: أن الدية على السلطان؛ لتقصيره في البحث، ثم تحملها العاقلة 95.
الحديث: 3870 - الجزء: 2 - الصفحة: 672
ومنها: إذا قتل مسلمًا ظن كفره بدار الحرب .. فلا قصاص قطعاً، ولا دية على الأظهر في " المنهاج " وغيره (1).
ومنها: إذا أمر السلطان رجلاً يَقتل بغير حق والمأمور لا يعلم .. فلا دية على القاتل (2).
ومنها: إذا جُنَّ المُحْرِم ثم قتل صيداً .. فلا يجب الجزاء في الأصح من زيادة " الروضة " (3)، مع أن الإتلاف لا فرق فيه بين المجنون والعاقل، وقال شيخنا الإمام البلقيني: الأصح عندي: عدم الغرم، والفرق بينه وبين الوكيل: أن التصرف للموكل، فإذا عزل الوكيل .. انعزل في حق الموكل، وترتب عليه: أنه لا يصح تصرفه.
وأما المبيح: فلا يؤثر رجوعه؛ لأن التصرف عليه لا له، فحقه أن يُعلم المبيح له بالرجوع، فماذا لم يعلمه .. لا رجوع، ومحل كون الغرامات يستوي فيها العلم والجهل: إذا لم يكن المغروم له مقصراً، فإن نسب لتقصير .. لم يرجع كالمبيح، وكذا لو لم يُنسب إلى تقصير لكن منع من الرجوع أمر آخر؛ كما لو أنفق على زوجته ثم بأن فساد النكاح .. لا يرجع بما أنفق؛ لأنها كانت في حبسه، وكذا في عبد لم يخرج عتقه من الثلث ثم يظهر للمعتق مال .. فلا يرجع الوارث بما أنفق.
فائدة [في النزول عن الوظائف]
قال السبكي: عمت البلوى في زمننا بالنزول عن الوظائف، ولا شك أنه لا يشبه حق القسم، قال: والذي يظهر لي أن النزول بعوض لا يجوز، وكذا بغير عوض؛ أعني: لا يصح ولا يلزم، وهذا لا شك فيه إذا لم يتساويا فيما يجب من صفة الوظيفة، أو تساويا ولم يوافق الناظر عليه لمصلحة رآها، ويحتمل أن يجيء فيه وجه بعيد بالجواز إذا رضي الناظر وأمضاه، وإذا لم يُمضه .. فهل يسقط حق النازل فيولي الناظر من شاء، أم لا؛ لأنه ترك لزيد، فإذا لم يتم .. فهو على حقه؟ فيه احتمال، قال: والأقرب: الثاني، وعلى التقديرين: له تولية غيره إن رآه مصلحة، وليس للمنزول له حق إن لم يوافقه الناظر، فإن وافقه .. فالظاهر: أن له حقاً كالمرأة الموهوبة إذا رضي الزوج، وليس ذلك بتصرف النازل؛ فإن ذلك ليس له بل للناظر ثم في هذا الزمان يتمسك بالنزول بعد موت النازل، ويظهر أنه ليس متمسكاً.969798
الجزء: 2 - الصفحة: 673
نعم " إن رأى الناظر أهليته .. فلا بأس بجبر مقصد الميت بموافقته، قال: وسيأتي في (الخلع) زيادة عليه.
انتهى.
3872 - قول " التنبيه " [ص 169]: (وله أن يمنع زوجته من الخروج من منزله) محله: ما إذا أيسر بالنفقة؛ فإن أعسر بها .. فلها الخروج لتحصيلها، وكذا تخرج لاستعدائها القاضي عليه إذا منعها حقها.
3873 - قوله: (فإن مات لها قريب .. استحب له أن يأذن لها في الخروج) (1) يستثنى منه: ما لو غلب على ظنه تعاطيها ما لا يحل؛ من نياحة وغيرها .. فيحرم عليه حينئذ الإذن لها.
فصلٌ [في النشوز وما يتعلق به]
3874 - قول " المنهاج " [ص 406]: (ظهرت أمارات نشوزها .. وعظها بلا هجرٍ) قد يقتضي تحريم هجرها في المضجع في هذه الحالة، وكلام " التنبيه " و" الحاوي " يقتضيه أيضاً 100، ولا شك في تحريمه إذا فوت حقًا لها من قسم أو غيره، وإلا .. فيظهر عدم تحريمه؛ لأن الاضطجاع معها حقه، فله تركه.
3875 - قول " التنبيه " [ص 170]: (وإن ظهر ذلك مرة واحدة .. ففيه قولان، أحدهما: يهجرها ولا يضربها، والثاني: يهجرها ويضربها) فيه أمور:
أحدها: أن المراد: الهجر في المضطجع كما صرح به " المنهاج " و" الحاوي " 101، والمراد به: أن يهجر فراشها، فلا يضاجعها فيه، وحكى الماوردي في تفسيره مع ذلك أربعة أقوال أخر:
أحدها: ألاَّ يجامعها، والثاني: ألاَّ يكلمها ويوليها ظهره فيه، والثالث: أن يقول لها فيه هُجراً؛ أي: إغلاظ القول، والرابع: أن يربطها بالهِجَار، وهو حبل يُربط به البعير 102.
أما الهجر في الكلام: ففي " أصل الروضة " أنه ممنوع، قال: وفيما عُلّق عن الإمام حكاية وجهين في أنه محرم أو مكروه، قال: وعندي أنه لا يحرم ترك الكلام أبداً، لكن إذا كُلم .. فعليه أن يجيب، وهو كابتداء السلام وجوابه، ولمن ذهب إلى التحريم أن يقول: لا منع من ترك الكلام بلا قصد، فأما بقصد الهجران .. فحرام؛ كما أن الطيب ونحوه إذا تركه الإنسان بلا قصد لا يأثم،99
الحديث: 3872 - الجزء: 2 - الصفحة: 674
ولو قصد بتركه الإحداد .. أثم، وحُكي عن نص الشافعي: أنه لو هجرها بالكلام .. لم يزد على ثلاثة أيام، فإن زاد .. أثم.
زاد النووي: الصواب: الجزم بتحريم الهجران فيما زاد على ثلاثة أيام وعدم التحريم في الثلاثة، وهذا في الهجران لغير عذر شرعي، فإن كان عذر؛ بأن كان المهجور مذموم الحال لبدعة أو فسق أو نحوهما، أو كان فيه صلاح لدين الهاجر أو المهجور .. فلا يحرم.
انتهى 103.
وفي " المهمات ": أن الإمام في " النهاية " نقل عن شيخه: المنع في الزيادة على الثلاث، ثم قال: وفيه نظر عندي، ولو رأى استصلاحها في مهاجرتها في النطق .. فلست أرى ذلك ممنوعاً، وهو أهون من الضرب 104، قال: فالخلاف في " النهاية " على غير ما حكاه عنه؛ فإن الكراهة لا ذكر لها بالكلية، قال: ومقتضى كلام الرافعي: إثبات الخلاف في الزيادة على ثلاث، وهو واضح؛ فإنه يقصد الإصلاح، فجُوّز على وجهٍ كالأجنبي؛ فإنه يجوز فيه في هذه الحالة جزماً، وحُرّم على وجهٍ؛ لأن تأديبها يحصل بابلغ من ذلك، وهو هجر المضجع، بخلاف الأجنبي، قال: واستدراك النووي مردود.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: الصواب: عدم الجزم بالتحريم فيما زاد على ثلاثة أيام في الناشزة؛ فإنه لعذر شرعي، وهو إزالة الضرر.
ثانيها: الأظهر: جواز ضربها في هذه الحالة، وصححه النووي في " المنهاج " و" تصحيح التنبيه " 105، وفي زيادة " الروضة ": إنه المختار الموافق لظاهر القرآن 106، وحكى في " الشرح الصغير ": ترجيحه عن ابن الصباغ وصاحب " المهذب " 107، ولم يذكر ترجيحاً يخالفه، وحكى في " الكبير ": ترجيح المنع عن الشيخ أبي حامد والمحاملي 108، وقال في " المحرر ": إنه الأولى 109، وحكاه الماوردي عن الجديد 110، وقواه السبكي، وعليه مشى " الحاوي " فإنه قيد الضرب بالتكرر 111.
الجزء: 2 - الصفحة: 675
ثالثها: محل جواز الضرب: أن يظن صلاحها به، هالا .. فلا يجوز، كما ذكره الرافعي في (التعزير) 112، وعليه مشى " الحاوي " فقال [ص 489]: (إن نجع) 113.
3876 - قول " المنهاج " [ص 406]: (فإن تكرر .. ضرب) قال في " التنبيه " [ص 170]: (ضرباً غير مبرح) و" الحاوي " [ص 489]: (لا مخوفاً)، وحكى الروياني عن الأصحاب: أنه يضربها بمنديل ملفوف أو بيده، لا بسياط ولا بعصا، وفي " النهاية ": لو كانت لا تنكف إلا بالضرب المبرِّح .. ليس له أن يبرِّح بها 114، وحكى في (التعزير) عن المحققين: أنه لا يضربها أصلاً، وطرده في كل تأديب 115.
3877 - قول " المنهاج " [ص 406]: (فإن أساء خلقه وآذاها بلا سببٍ .. نهاه، فإن عاد .. عزَّره) حكاه في " الروضة " وأصلها عن " التتمة "، وعن " الشامل " وغيره: أنه يسكنهما بجنب ثقة ينظرهما ويمنعه من التعدي، قال: والقولان متقاربان 116.
ومفهومه: أنه لا يعزّره في المرة الأولى وإن كان حراماً، وقال السبكي: القياس: جواز تعزيره إذا طلبت، قال: ولعل ذلك؛ لأن إساءة الخلق بين الزوجين تكثر؛ فالتعزير يورث وحشة، فينهاه عسى أن ينصلح، فإذا عاد .. تعيّن التعزير.
3878 - قول " الحاوي " [ص 489]: (وبتعديه .. حيل بينهما) تبع فيه الغزالي 117، قال الرافعي والنووي: لم يتعرضوا لها 118، واعترضه في " المهمات ": بأن الإمام قد صرح بها أيضاً 119.
قلت: وصرح الروياني في " البحر " بالمنع منها.
3879 - قولهم - والعبارة لـ " المنهاج " -: (وإن اشتد الشقاق .. بعث حكماً من أهله وحكماً من أهلها) 120 ليس في عبارتهم إفصاح عن كون هذا البعث واجباً أو مستحباً، وقد قال البغوي: عليه بعثهما 121، قال الرافعي: وظاهره الوجوب، وحجته: الاَية، وقال الروياني: يستحب 122،
الحديث: 3876 - الجزء: 2 - الصفحة: 676
زاد النووي: الأصح أو الصحيح: الوجوب 123.
قال في " المهمات ": بل الصحيح: الاستحباب؛ فقد نص عليه الشافعي كما حكاه في " البحر "، وكيف يتمسك بعبارة محتملة لمتأخر وكلام إمام المذهب ناصّ على خلافه؟ !
وقال شيخنا الإمام البلقيني: نص الشافعي في " الأم " أظهر في الوجوب مما قاله البغوي؛ حيث قال: (فَحَقَّ عليه)، وهو مقتضى قوله: لما أمر الله تعالى، وصرح الماوردي بالوجوب.
انتهى 124.
وظاهر " المنهاج " و" الحاوي " وجوب كونهما من أهلهما، وصرح " التنبيه " بأن ذلك أولى، وهو كذلك، وإنما لم يجعل شرطاً؛ لأن القرابة لا تشترط في الحاكم ولا في الوكيل.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: مقتضى كلامهم: أنه لا يبعث الحكمين إلا إذا كان الزوج بالغًا عاقلًا والمرأة رشيدة؛ لعدم إمكان الطلاق منه وعدم إمكان البذل منها، وعندي: لا يمتنع بذلك بَعْثُهما؛ لئلا يؤدي إلى لزوم الضرر، وكما يجوز فسخ النكاح بإعسار الصغير عن النفقة، ويكون طلادا على قول مخرج.
انتهى.
3880 - قول " التنبيه " [ص 170]: (بعث الحاكم حرين مسلمين عدلين) قال النووي في " نكته ": كان يكتفي بذكر العدلين عن الحرين والمسلمين إلا أنه ذكره تأكيداً.
انتهى.
وبقي علمه: أنه يشترط اهتداؤهما إلى التصرف على الأصح.
3881 - قوله: (وهما وكيلان لهما في أحد القولين ... وهما حكمان من جهة الحاكم في القول الآخر ... وهو الأصح 125.
الذي صححه الرافعي والنووي الأول 126، وعليه مشى " المنهاج " 127، وقال البيهقي: إنه أصح قولي الشافعي 128، وقد يفهم اقتصار " الحاوي " على وصفهما بأنهما حكمان: موافقة القول الثاني، لكنه تبع لفظ الآية الكريمة 129، والله أعلم.
الحديث: 3880 - الجزء: 2 - الصفحة: 677