كتابُ العِتْق
6370 - قول "التنبيه" [ص 144]: (العتق قربة مندوب إليه) محله: في المنجز من المسلم، أما المعلق .. فذكر الرافعي في (الصداق): أن التعليق ليس عقد قربة بخلاف التدبير 1، كذا أورده النشائي وشيخنا ابن النقيب 2، وقال في "التوشيح": مراده انتفاء القربة عن عقد التعليق؛ ولذلك قال: بخلاف التدبير، ولم يُرد انتفاء القربة عن العتق الذي تضمنه التعليق، فكل عتق قربة، أكان ضمن تعليق أم لا، والتعليق نفسه ليس قربة.
قلت: ويدل لذلك قول الرافعي في تتمة كلامه: وإنما هو يقصد به حث أو منع 3، وهذا إنما هو في نفس التعليق، فهو الذي يقصد به حث أو منع ثم إن الرافعي لم يقل: إن التعليق ليس قربة، وإنما قال: ليس عقد قربة؛ أي: ليس أصل وضعه ذلك، وقد يقترن به ما يقتضي كونه قربة؛ كمن علق عتق عبده على تحصيل نفع لمن يتقرب بتحصيل النفع له؛ كقوله: إن خدمت العالم الفلاني سنة .. فأنت حر، أو على إيجاد قربة؛ كقوله: إن صليت الضحى .. فأنت حر ونحو ذلك.
وأما كونه من مسلم .. فقال الرافعي في (الوقف) في الكلام على أقوال الملك في الوقف: ألا ترى أن الكافر إذا أعتق .. صار العتيق لله وإن لم يكن منه قربة 4.
قال في "التوشيح": مراده ليس قربة من الكافر؛ لأنه ليس من أهل القرب، ولم يرد أنه ليس قربة في نفسه.
قلت: هذا كلام لا يتحقق؛ لأن الكلام في صدوره من الكافر، فهو المدعي أنه ليس قربة، فلا يرد على ذلك أنه قربة في الجملة.
6371 - قول "المنهاج" [ص 585]: (إنما يصح من مطلق التصرف) و"الحاوى" [ص 699]: (إنما يصح إعتاق مالك) اقتصر كل منهما على شرط غير الذي ذكره الآخر، وجمع في "أصل الروضة" بينهما فقال: ويصح من كل مالك مطلق لا يصادف إعتاقه تعلق حق لازم لغيره؛ فلا يصح إعتاق غير مالك إلا بوكالة أو ولاية 5، وقول "التنبيه" [ص 144]: (لا يصح إلا من مطلق التصرف
الحديث: 6370 - الجزء: 3 - الصفحة: 781
في ماله) يحتمل أن يريد أن الإعتاق يكون واقعًا في ماله، فيكون قد جمع بين الوصفين أيضًا، ويحتمل أن يتعلق قوله: (في ماله) بقوله: (مطلق التصرف) أي: يكون مطلق التصرف في ماله، فيخرج عنه من هو مطلق التصرف في مال غيره وهو الولي، لكن قد صرح في "أصل الروضة" بصحة إعتاق الولي كما تقدم، وأشار به إلى إعتاق الولي عن الصبي والمجنون إذا لزمتهما كفارة قتل، وهو مصرح به في "أصل الروضة" في بابه وغيره.
وأمَّا مَا في "أصل الروضة" في الباب الثاني من الصداق: أنه لو لزم الصبي كفارة قتل فأعتق الولي عنه عبدًا لنفسه .. لم يجز؛ لأنه يتضمن دخوله في ملكه وإعتاقه عنه، وإعتاق عبد الطفل لا يجوز 6، فهو وهم على المتولي؛ فإنه لم يصور ذلك بالكفارة، بل أطلق ذلك، ومراده: عتق التبرع؛ فإنه صرح في كفارة القتل بإعتاق الولي عنه، ودخل في كلامهم إعتاق الولي عن السفيه في كفارة القتل ونحوها كاليمين والظهار والجماع في رمضان، لكنه ذكر في باب الحجر أنه ينتقل في كفارة اليمين إلى الصوم.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لا يصح إعتاق السفيه بمباشرته إلا في ثلاث صور:
إحداها: إذا أذن له وليه في إعتاق عبده عن اللازم له قبل حجره ونحو ذلك.
الثانية: إذا وكله إنسان بأن يعتق عبد نفسه .. فمقتضى ما ذكر في توكله في قبول النكاح جوازه.
الثالثة: قال السفيه لإنسان مطلق التصرف: أعتق عبدك عني مجانًا .. فقياس المذكور فيما إذا أصدق عن ابنه أكثر من مهر المثل من مال الأب: أن يصح لحصول المصلحة.
6372 - قول "المنهاج" [ص 585]: (ويصح تعليقه)، قال في "التنبيه" [ص 144]: (على الأخطار والصفات) أي: المحقق الوقوع وغيره، وقد يفهم كلامهما أنه يعتبر في تعليق الإعتاق إطلاق التصرف، وليس كذلك؛ فإنه يصح تعليقه من الراهن المعسر والموسر على صفه توجد بعد الفك، أو يحتمل وجودها قبله وبعده، وكذا من مالك العبد الجاني الذي تعلقت الجناية برقبته، ومن المحجور عليه بفلس أو ردة.
6373 - قول "التنبيه" [ص 144]: (ويجوز العتق في العبد) لا فائدة فيه بعد قوله: (العتق قربة) 7 وإنما ذكره توطئة لقوله بعده: (وفي بعضه) 8، وقول "المنهاج" [ص 585]: (ويصح إضافته إلى جزء فيعتق كله) أي: إن كان باقيه له، فإن كان لغيره .. فسيأتي.
الحديث: 6372 - الجزء: 3 - الصفحة: 782
ويرد عليه: ما إذا وكل وكيلًا بإعتاق عبد فأعتق الوكيل نصفه .. فالأصح: عتق ذلك النصف فقط، ولا يرد ذلك على قول "التنبيه" [ص 144]: (فإن أعتق بعض عبده .. عتق جميعه) على أن شيخنا في "تصحيح المنهاج" قال: الأصح عندنا: القطع بأنه يعتق كله، واستشكل في "المهمات" عدم السراية: بأن في "أصل الروضة" أنه لو وكل شريكه في عتق نصيبه فأعتق الشريك النصف الموكل فيه .. سرى إلى نصيب الوكيل 9، قال: فإذا حكم بالسراية إلى ملك الغير بالعتق الصادر من الوكيل .. فلأن يسري إلى ملك نفسه أولى، فكيف يستقيم الجمع بينهما؟ ! وظاهر كلامهما في إعتاق البعض أنه يقع على الكل دفعة واحدة، والأصح: أنه يقع ما سماه ثم يقع على الثاني بالسراية.
6374 - قول "التنبيه" [ص 144]: (وصريحه: العتق والحرية) "والمنهاج" [ص 585]: (تحرير وإعتاق) و"الحاوي" [ص 699]: (به) أي: بإعتاق وتحرير.
أورد عليه شيخنا في "تصحيح المنهاج": أن التحرير والإعتاق اللذان هما مصدران ليسا صريحين، إنما الصريح ما اشتق منهما، فلو قال: أنت تحرير أو إعتاق .. كان كقوله للمرأة: أنت طلاق؛ فيكون كناية في الأصح، فكان ينبغي أن يقولوا: ما اشتق من التحرير والإعتاق، ويستثنى من ذلك صور:
منها: لو كانت أمته تسمى قبل جريان الرق عليها حرة، فقال لها: يا حرة؛ فإن لم يخطر له النداء باسمها القديم .. عتقت، وإن قصد نداءها .. لم تعتق على الأصح، ووقع في "الكفاية": إن قصد النداء .. لم تعتق، وإن أطلق .. فالأشبه كذلك، فكأنه انعكس عليه، ولو كان اسمها في الحال حرة؛ فإن قصد النداء .. لم تعتق، وكذا إن أطلق على الأصح، وذكر "الحاوي" الحالة الأولى بقوله [ص 699]: (بلا قصد اسمه القديم).
الثانية بقوله في الكنايات [ص 699]: (يا حر للمسمى به).
ومنها: لو قال: أنت حر مثل هذا العبد .. فذكر الرافعي: أنه رأى بخط الروياني في فروع حكاها عن والده وغيره أنه يحتمل أن لا تحصل الحرية؛ لأن حرية الرق غير ثابتة في المشبه به، فتحمل على حرية الخلق، ولو قال: أنت حر مثل هذا، ولم يقل: العبد .. يحتمل أن يعتقا، [والأوضح] 10: أنهما لا يعتقان 11، وقال النووي في الأولى: ينبغي أن يعتق، وفي الثانية: الصواب هنا: عتقهما 12.
الحديث: 6374 - الجزء: 3 - الصفحة: 783
وفي "المهمات": الصواب في الثانية: عتق الأول دون الثاني؛ لأنهما خبران مستقلان.
ومنها: في "فتاوى الغزالي": أنه لو اجتاز بالمكاس فخاف أن يطالبه بالمكس عن عبده، فقال: أنه حر ليس بعبد، وقصد الإخبار .. لم يعتق فيما بينه وبين الله تعالى، وهو كاذب 13، قال الرافعي: ومقتضاه: أنه لا يقبل ظاهرًا، قال في "المهمات": ومقتضى المذهب خلافه؛ فإنه لو قال لها: أنت طالق وهو يحلها من وثاق ثم ادعى أنه أراد الطلاق من ذلك الوثاق .. فإنه يقبل على الأصح؛ للقرينة، ومروره بالمكاس قرينة ظاهرة في إرادة صرف اللفظ عن ظاهره 14.
ومنها: في "فتاوى الغزالي" أيضًا: أنه لو قال: افرغ من هذا العمل قبل العشاء وأنت حر، وقال: أردت حر من العمل دون العتق .. دين، ولا يقبل ظاهرًا 15.
ومنها: في "فتاوى الغزالي": أنه لو زاحمته امرأة فقال: تأخري ياحرة، فبانت أمته .. لا تعتق 16.
ومنها: ما لو قال: أعتقك الله، أو الله أعتقك، وفيه أوجه: ثالثها: صراحه: الله أعتقك، بخلاف عكسه؛ فإنه دعاء، وفي زيادة "الروضة" في أوائل البيع عن "فتاوى الغزالي": أن باعك الله وأقالك الله، كناية 17.
6375 - قول "التنبيه" [ص 144]: (وفي قوله: "فككت رقبتك" وجهان، أحدهما: أنه صريح) هو الأصح في "المنهاج" وغيره، وعليه مشى "الحاوي" 18.
قول "المنهاج" في الكنايات [ص 585]: (وكذا كل صريح أو كناية للطلاق) استثنى منه "الحاوي" قوله: (أنا منك حرٌّ) 19 أي: فإنه ليس كناية في العتق، وإن كان قوله: (أنا منك طالق) كناية في الطلاق.
ويستثنى أيضًا: ما لو قال لعبده: اعتد أو استبرئ رحمك ونوى العتق .. فإنه لا ينفذ؛ لاستحالته في حقه كما في "أصل الروضة" في الطلاق، ولو قاله لأمته .. فوجهان 20، وينبغي اختصاصهما بما إذا لم تكن الأمة موطوءة، فإن كانت .. كان ذلك كناية قطعًا.
وألحق به شيخنا في "تصحيح المنهاج" ما لو قال له: أنت عليّ حرام، أو كالميتة أو
الحديث: 6375 - الجزء: 3 - الصفحة: 784
كالخنزير، إلا أن يريد: خدمتك عليَّ حرام .. فإنه يكون كناية، واستثنى شيخنا من ذلك أيضًا قوله: (تجرعي وذوقي) فإنه كناية في الطلاق، ولا تجري في الأمة والعبد، إلا إذا كان مرادهما: دوام الملك عليهما .. فيكون كناية، قال شيخنا أيضًا: ومما يزاد على المصنف: الظهار؛ فإنه كناية في الإعتاق، وليس بصريح ولا كناية في الطلاق.
6376 - قول "الحاوي" في ألفاظ الكنايات [ص 699]: (وسيّدي) حكاه في "أصل الروضة" عن الإمام، وعن القاضي حسين والغزالي: هو لغو 21، وقال في "الشرح الصغير": الأشبه عند الإمام وغيره: أنه كناية، وهو الجواب في "التهذيب" 22.
6377 - قول "المنهاج" [ص 585]: (ولو قال: "عتقك إليك" أو "خيَّرتك" ونوى تفويض عتقه إليه فأعتق نفسه في المجلس .. عتق) فيه أمور:
أحدها: أن عبارة "المحرر" و"الروضة" وأصلها: (جعلت عتقك إليك) 23، فحذف "المنهاج" لفظ: جعلت؛ فكأنه رأى أنها غير مؤثرة، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وهو محتمل.
ثانيها: أن قوله: (خيرتك) بخاء معجمة من التخيير، كذا هو في نسخ "المنهاج"، وعبارة "الروضة" وأصلها: (حررتك) 24 بالحاء المهملة من التحرير، وهو غير مستقيم؛ فإن هذه اللفظة صريحة في تنجيز العتق.
قال في "المهمات" وصوابه: حريتك مصدرًا مضافًا كاللفظ المذكور قبله، وهو العتق، والظاهر أن الرافعي إنما ذكره هكذا، ولكن تحرف على النساخ فتابعهم في "الروضة".
قلت: متى كانت الصيغة: جعلت حريتك إليك .. كان صريحًا في التفويض، ولم يحتج إلى نية.
ثالثها: قد تفهم عبارته عود هذه النية للصورة الأولى أيضًا، وليس كذلك، بل هي خاصة بالأخيرة، قاله شيخنا في "تصحيح المنهاج".
رابعها: مقتضى عبارته: امتداد ذلك إلى انقضاء المجلس، وليس كذلك، وعبارة "أصل الروضة": فأعتق نفسه في الحال 25، وهو المعتمد كنظيره من تفويض الطلاق.
6378 - قوله: (أو "أعتقتك على ألف"، أو "أنت حر على ألف" فقبل، أو قال له العبد:
الحديث: 6376 - الجزء: 3 - الصفحة: 785
"أعتقني على ألف" فأجابه .. عتق في الحال ولزمه الألف) 26 قال شيخنا ابن النقيب: كأنه انتقال من مسألة إلى أخرى؛ فالذي في "الروضة" و"الشرح" في الصور الثلاث: عتق، ولم يقل: في الحال؛ إذ لا فائدة له، ثم قال: ولو قال: (أعتقتك كذا إلى شهر) فقبل .. عتق في الحال، والعوض مؤجل؛ فلعله انتقل من هذه إلى ما ذكر 27.
وكذا قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": قوله: (في الحال) زيادة لا معنى لها، فإن قيل: معناها: أنه لا يتوقف عتقه على إعطاء الألف .. قلنا: ومن أين يتخيل هذا حتى يذكر ما يخرجه، وإنما يتخيل هذا فيما إذا قال: أعتقتك على ألف إلى شهر؛ فإن العبد إذا قبل .. يعتق في الحال والألف مؤجل.
6379 - قوله: (ولو قال: "بعتك نفسك بألف"، فقال: "اشتريت" .. فالمذهب: صحة البيع) 28، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": فيه تجوز؛ فإنه ليس عقد بيع على الأصح، وإنما هو عقد عتاقة؛ ولهذا يثبت الولاء للسيد، ولا يثبت فيه خيار المجلس.
6380 - قوله: (ويعتق في الحال وعليه ألف، والولاء لسيده) 29 إن كان داخلًا فيما عبر عنه بالمذهب .. ورد عليه أن لزوم الألف له لا خلاف فيه.
6381 - قوله: (ولو أعتقه - يعني: الحمل ... عتق دونها) 30 محله: بعد نفخ الروح فيه؛ ففي "أصل الروضة" في أواخر العتق عن "فتاوى القاضي حسين": أنه لو كانت جاريته حاملًا والحمل مضغة فقال: أعتقت مضغة هذه الجارية .. كان لغوًا؛ لأن إعتاق ما لم ينفخ فيه الروح لغو، ولو قال: مضغة هذه الجارية حر .. فهو إقرار بأن الولد انعقد حر، أو تصير الأم به أم ولد، قال النووي: ينبغي ألا تصير حتى يقر بوطئها؛ لأنه يحتمل أنه حر من وطء أجنبي بشبهة 31.
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وقوله: (حتى يقر بوطئها) غير كاف، وصوابه: حتى يقر بأن هذه المضغة منه، قال: وقوله: (مضغة هذه الجارية حر) لا يتعين للإقرار؛ فقد يكون إنشاء؛ كقوله: أعتقت مضغة هذه الجارية.
انتهى.
وقد لا يرد هذا على قول "الحاوي" [ص 700]: (وتبعها حمل له، لا العكس) فإنه إنما ذكر أن الأم لا تتبع الحمل في الإعتاق، ولم يطلق صحة إعتاق الحمل حتى يستثنى منه ما تقدم.
الحديث: 6379 - الجزء: 3 - الصفحة: 786
6382 - قول "التنبيه" [ص 144]: (وإن أعتق شركًا له في عبد، فإن كان معسرًا .. عتق نصيبه ورق الباقي) أي: استمر رقيقًا، وكذا لو أعتق جميعه؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص 585، 586]: (وإن كان بينهما عبد فأعتق أحدهما كله أو نصيبه .. عتق نصيبه، فإن كان معسرًا بقي الباقي لشريكه)، وكذا لو أعتق بعض نصيبه، وسواء كان ذلك بنفسه أو بوكيله؛ ولذلك أطلق "الحاوي" السراية 32.
قال الروياني: ولو اقترض المعسر وأدى القيمة .. لم يكن للشريك قبولها، وصورة عتق نصيبه: أن يقول: نصيبي منك حر، أو أعتقت نصفك الذي لي، فلو قال: نصفك حر وكان يملك نصفه .. فهل يعتق نصيبه كله ابتداء، أم يقع على نصف النصف مشاعًا فيعتق الربع، ثم يسري إلى ربع آخر فقط إن كان معسرًا وإلى الكل إن كان موسرًا؟ وجهان، قال الإمام: ولا فائدة لهما إلا في تعليق طلاق أو عتق 33، وقال ابن الرفعة: فائدتهما لو وكله شريك في عتق نصيبه .. فعلى الإشاعة يعتق جميعه عليهما، وعلى مقابله لا يعتق حصة الشريك، وقد حكى الرافعي هذا الخلاف، وبناه على هذا الأصل، فقال: ولهذا التفات على أن النصف المطلق يحمل على ملكه أو يشيع 34.
وذكر له في "المهمات" فائدة أخرى، يحمل هي: ما إذا قال: أعتق نصفك عني على ألف، فأطلق إعتاق النصف؛ فإن نزلناه على نصفه .. استحق الألف، وإن قلنا: يكون شائعًا حتى لا يعتق أولًا إلا نصف نصيبه ثم يسري .. فالراجح: أنه لا يستحق إلا نصف الألف كما صحح النووي فيما لو سألته الطلاق ثلاثًا على ألف فطلقها طلقة ونصفًا؛ لأن الإعتاق على مال كالخلع على مال 35.
واستثنى شيخنا في "تصحيح المنهاج" من رق الباقي في المعسر: ما إذا باع شقصًا من رقيق ثم أعتق الباقي في مدة الخيار .. فإنه يسري إلى حصة المشتري، ولو كان البائع معسرًا؛ لأنه لو باعه كله ثم أعتقه في الخيار .. نفذ، ولا يقال: لما سرى .. كان فسخًا، فلا شركة؛ لأن الشركة كانت قائمة ولكن انقطعت بالسراية، وكذا لو اشترى ثوبًا بشقص من رقيقه ثم أعتق الباقي على ملكه قبل لزوم البيع، قال شيخنا: ويجري هذا في كل معاوضة محضة في حال خيار المجلس أو الشرط، ولم أر من تعرض لذلك.
6383 - قولهما - والعبارة لـ "المنهاج" -: (وإلا .. سرى إليه أو إلى ما أيسر به) 36 يستثنى
الحديث: 6382 - الجزء: 3 - الصفحة: 787
منه: ما لو كان نصيب الشريك مستولدًا؛ بأن استولدها وهو معسر .. فلا سراية على الأصح، ولو استولدها أحدهما وهو معسر ثم استولدها الثاني ثم أعتقها أحدهما .. ففي السراية الوجهان، وقد ذكره "الحاوي" فقال [ص 207]: (لا إن أولد) وكذا حكم عكسه؛ بأن يوسر الشريك المستولد ويعتق حصته .. فلا يسري إلى الباقي؛ لأن شريكه لو أعتق حصته .. لم يسر إلى حصة المستولد، فكذا الآخر.
قال في "الكفاية": ولو تعلق بحصة الذي لم يعتق حق لازم؛ كما إذا كانت موقوفة .. لم يسر العتق إليها قولًا واحدًا.
وذكر شيخنا في "تصحيح المنهاج" صورًا لا يعتبر فيها اليسار بالقيمة عن نصيب الشريك، بل بالثمن الذي تواضعا عليه المقابل لمحل السراية:
منها: أن يبيع بعض عبده، ويلزم البيع ثم يعتق الباقي على ملكه قبل القبض .. فيسري إلى الحصة المبيعة إذا كان موسرًا بالثمن المقابل لها، وحنيئذ .. فينفسخ البيع؛ لأن إتلاف البائع قبل القبض كآفة سماوية في الأصح، ويعود الثمن إلى المشتري، فلم نعتبر اليسار بالقيمة؛ لأنها غير واجبة، قال شيخنا: ويقاس به كل معاوضة عُقد فيها على شقص رقيق ثم أعتق المالك الباقي.
6384 - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج": (وعليه قيمة ذلك يوم الإعتاق) 37 فيه أمور:
أحدها: مقتضاه: إيجاب قيمة ذلك البعض كالنصف مثلًا، لا نصف قيمة الجميع، وبينهما فرق ظاهر؛ فإن نصف القيمة أكثر من قيمة النصف لأجل التشقيص، وتكرر في كلام الرافعي ما يقتضي قيمة النصف، لكنه ضرب مثالًا في عبد قيمته عشرون 38، وإنما يستقيم على إيجاب نصف القيمة، وفي "المهذب" في هذه المسألة: أن الواجب قيمة النصف 39، وتقدم ذلك في الصداق.
ثانيها: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": يستثنى من ذلك: الصور السابقة في حال الخيار وفي حال اللزوم؛ فإنه ليس على المعتق فيها قيمة مع وجود السراية، ويضاف إليها صور تحصل فيها السراية ولا يغرم فيها المعتق قيمة ما ذكر:
إحداها: إذا وهب الأصل لفرعه شقصًا من رقيق وقبضه ثم أعتق الأصل الباقي على ملكه .. فإنه يسري إلى نصيب الفرع مع اليسار، ولا يغرم له شيئًا على الأرجح، وشاهده ما لو أعتق الأصل ما وهبه لفرعه .. فإنه يكون راجعًا، ويصح العتق على وجه، أو راجعًا ولا عتق على وجه، أو
الحديث: 6384 - الجزء: 3 - الصفحة: 788
لا يصح الرجوع ولا العتق وهو المصحح، قال شيخنا: وهذا لا يأتي فيما نحن فيه؛ لصحة السراية قطعًا، فتعين أن يكون راجعًا، وذلك يمنع الغرم.
الثانية: باع شقصًا من رقيق ثم حجر على المشتري بالفلس فأعتق البائع نصيبه .. فإنه يسري إلى الباقي الذي له الرجوع فيه بشرط يساره، ولا يغرم له شيئًا؛ لأن عتقه صادف ما كان له أن يرجع فيه.
الثالثة: إذا كان لبيت المال شقص من رقيق فأعتقه الإمام .. فيحتمل السراية مع الغرم وعدمه، وعدم السراية هو أرجح؛ فلا استثناء 40.
ثالثها: ظاهر عبارة "المنهاج": أن اعتبار قيمة يوم الإعتاق على الأقوال كلها، وبه صرح في "المحرر" 41، وهو كذلك، وقيل: إذا قلنا بالأداء .. فالاعتبار بيوم الأداء، وقيل: بالأكثر، ورجحه الإمام والغزالي 42، ونقل "الروضة" عنهما اعتبار يوم الأداء وهمٌ.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": الأولى أن يقال: وقت العتق المرتب على الإعتاق؛ لأنه هو الذي حصلت به السراية، والقياس: أن يقال: وقت السراية؛ لأنها التي حصل بها زوال ملك الشريك الذي لم يعتق.
رابعها: المراد بيوم الإعتاق والأداء: وقت الإعتاق والأداء، وإطلاق اليوم جري على الغالب في أن قيمته لا يختلف في اليوم الواحد، أو أريد باليوم القطعة من الزمان.
6385 - قول "الحاوي" [ص 702]: (قدر فاضل متروك المفلس) أي: يسري بقدر ما يفضل مما يترك للمفلس.
ضبط ذلك شيخنا في "تصحيح المنهاج" بضبط آخر لم يسبق إليه فقال: الموسر في السراية: من يملك ما يوفي المطلوب أو شيئًا منه عينًا لم يتعلق بها ما سيذكر أو دينًا حالًا على ما يتيسر تحصيله منه، ومادة ذلك ما ذكر في الزكاة من وجوب الإخراج وعدم وجوبه، وما فيه قولان؛ فيعود أن هنا وفي الأجرة قبل استيفاء المنفعة قولان، أصحهما: أنه لا تجب الإخراج إلا عن الذي تقرر، ولكن الأرجح هنا: أنه يُعَدّ به موسرًا، ويوفى به الدين؛ لأن هذا في مقابلة ما أتلف؛ فتعلق بما يملكه المتلف، وإن لم يستقر ملكه عليه، بخلاف الزكاة؛ فإن فيها معنى المواساة، وإنما يُواسي من تم ملكه، قال: ويخرج من ذلك أن العين إذا كانت مغصوبة بحيث لا يقدر مالكها على انتزاعها من الغاصب .. لا يُعَدُّ بها موسرًا في السراية وكذا الضال والآبق والدين الذي على المكاتب، وأما العين التي تعلق بها حق عبادة .. فلا يعد بها موسرًا، وذلك في الماء الذي تعلقت به
الحديث: 6385 - الجزء: 3 - الصفحة: 789
الطهارة بعد الوقت، وكذا ما تعلق به حق رهن مقبوض بدين مؤجل أو جناية توجب مالًا متعلقًا برقبة العبد ولا فضلة فيها ولا في الرهن بدين حال، فإن كان هناك فضلة .. فهو موسر بالفضلة بالنسبة إلى السراية، وكذا المبيع الذي تعلق به حق الحبس للبائع، وإذا كانت العين غائبة بحيث يجوز أن يعطي من الزكاة .. فإنه لا يُعَدّ بها موسرًا، ولو كانت العينُ السريةَ التي أعف الفرع أصله بها، وحجر عليه الحاكم فيها .. فإن الأصل لا يعد بها موسرًا؛ لعدم إمكان تصرفه فيها ولا تباع هذه في دين الأصل، ولا اعتبر مؤنة من تلزمه نفقته ذلك اليوم خلافًا لما قالوه؛ لأنه في الزوجة دين، وفي غيرها ينزل منزلته؛ فهو كغيره من الديون، وكونه يُترك ذلك لمن يباع ماله في الدين لا يخرجه عن اليسار، والرهن الشرعي في عدم اليسار كالوضعي بدين حال؛ لأن الرهن الشرعي لا يكون إلا على دين حال، فإذا كان المعتق وارثًا لتركة عليها دين ولا فضل فيها .. فليس بموسر، وإلا .. فهو موسر بالفضل، ولا يعد موسرًا بالأجرة المستقبلة في الموقوف عليه والمستولدة قطعًا، ولو أمكن إجارته مدة بمعجل .. فإنه يتعلق بالمستقبل لا بالكائن عند الإعتاق، ولا نظر إلى ما ذكر في المفلس؛ لأن الديون تتعلق بذلك.
6386 - قول "التنبيه" [ص 144]: (ومتى يعتق حصة الشريك؟ فيه ثلاثة أقوال، أحدها: يعتق في الحال) هو الأظهر، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي"، ويستثنى منه: ما لو كاتبا المشترك ثم أعتق أحدهما نصيبه .. فإنما يحكم بالسراية بعد العجز عن أداء نصيب الشريك على الصحيح 43، وظاهر كلامهم عتق حصة الشريك مع الإعتاق، وصحح الرافعي ترتبه على الملك، ذكره في التماس الإعتاق.
6387 - قول "التنبيه" تفريعًا على هذا القول [ص 144]: (فإن اختلفا في القيمة .. فالقول قول المعتق) محله: إذا مات أو غاب أو طال العهد، فإن كان حاضرًا، والعهد قريبًا .. أخذ بقول أهل الخبرة.
6388 - قولهما - والعبارة لـ "المنهاج" -: (وفي قول: بأداء القيمة) 44 كذا الاعتياض عنها، وقال الماوردي: لا يكفي الإبراء 45، وصحح شيخنا في "تصحيح المنهاج" صحته والاكتفاء به، قال: ولو رضي بذمته .. فالأرجح: أنه يسري كرضا المشتري بذمة الشفيع، ويحتمل أنه لابد من الإعطاء كما هو ظاهر الأحاديث.
6389 - قول "التنبيه" على هذا القول [ص 144]: (فإن اختلفا في القيمة .. فالقول قول
الحديث: 6386 - الجزء: 3 - الصفحة: 790
الشريك) قد يفهم أن التفريع على الثالث بخلافه، وليس كذلك؛ فالقول قول الشريك تفريعًا على الثالث أيضًا.
6390 - قولهما: (وفي قول: إن دفعها .. بأن أنها بالإعتاق) 46 قد يفهم أنه ليس للشريك المطالبة بذلك على هذا القول، وليس كذلك، بل له المطالبة على الأقوال كلها، ويجبر على القبول إن امتنع.
6391 - قول "التنبيه" في عتق أم الولد [ص 148]: (إذا وطئ جاريته أو جارية يملك بعضها فأولدها .. فالولد حر والجارية أم ولد) محله في المشتركة: أن يكون موسرًا؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص 586]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 701]: (واستيلاد أحد الشريكين الموسر يسري) وفيه أمران:
أحدهما: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": يستثنى من اعتبار اليسار: إذا كان الشريك المستولد أصلًا لشريكه .. فإنه يسري وإن كان معسرًا كما لو استولد الجارية التي كلها له.
ثانيهما: قال شيخنا أيضًا: يزاد استيلاد أصل أحد الشريكين واستيلاد راهن النصف يسري إلى المرهون إن كان موسرًا، ويحتمل أن يثبت الاستيلاد في الجميع بلا سراية؛ لأنه يملك كلها، قال: ويجيء ذلك أيضًا في الرهن الشرعي في التركة، وفي الجارية الجانية إذا كانت بين شريكين ففدى أحدهما نصيبه ثم اشتراه الذي لم يفد واستولدها؛ فإنه يسري الاستيلاد بشرط اليسار إلى النصف المتعلق به حق المجني عليه.
6392 - قول "المنهاج" [ص 586]: (وعليه قيمة نصيب شريكه) يستثنى منه ما سبق في سراية العتق.
6393 - قوله: (وحصته من مهر المثل) 47 قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": هذا إذا تأخر الإنزال عن تغيب الحشفة كما هو الغالب، فلو سبق الإنزال 48 .. فقد سبق ما يقتضي الاستيلاد المقتضي لانتقال الملك للمستولد على ما يوجب حصة الشريك من مهر المثل، فيكون كحصته من قيمه الولد، وهي لا تجب على قول تعجيل السراية، ولا على قول [التبيين] 49، وقد ذكر الإمام نحو ذلك في استيلاد الأصل جارية فرعه 50، وحكاه الرافعي عنه 51، ولم يذكراه هنا.
الحديث: 6390 - الجزء: 3 - الصفحة: 791
6394 - قوله: (وتجري الأقوال في وقت حصول السراية) 52 مقتضاه: أن أصحها: السراية بنفس العلوق، وبه صرح في "أصل الروضة" 53.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وقت العلوق لا اطلاع لنا عليه، فيقال: تبين بالوضع حصول السراية بنفس العلوق إن ظهر بإنزال عُرف وقته.
6395 - قوله: (ولا يمنع السراية دين مستغرق في الأظهر) 54 فيه أمور:
أحدها: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وصف الاستغراق ذكره المصنفون ولا حاجة إليه، بل يجري الخلاف وإن لم يستغرق، فإذا أوجبت السراية مائة وهي عنده لكن عليه خمسون .. لم يسر على ذلك القول إلا بقدر خمسين، قال: وكلامهم في الزكاة وهي أصل هذه المسألة صريح في الذي قررته.
قلت: ولذلك أطلق "الحاوي" في قوله [ص 699]: (لا قرينة).
ثانيها: قال شيخنا أيضًا: لم أقف على القولين في كلام الشافعي، واتفقوا على أن الخلاف في ذلك من اختلاف قولي الشافعي في أن الدين هل يمنع وجوب الزكاة؟ فهما وجهان إلا عند من يحكي المخرج قولًا، والذي يتجه عندنا القطع بأن الدين لا يمنع السراية.
ثالثها: ذكر الماوردي أن محل الخلاف في الحال 55، فلا يمنع المؤجل قطعًا.
رابعها: لو كان بالدين الحال رهن لازم، وليس له غيره ولا يفضل منه شيء لو بيع .. لم يسر قطعًا.
خامسها: محل الأظهر: ما لم يحجر عليه الحاكم ويعين لكل غريم شيئًا من ماله؛ فإن هذا إذا حال عليه الحول .. لا زكاة عليه عند الأكثرين، ومقتضاه: أنه لو وهب له شقص ممن يعتق عليه بالملك فقبله وقبضه .. لم يسر عليه، ذكره شيخنا في "تصحيح المنهاج" ثم قال: وهذا على اعتقادهم أن باب السراية مساوٍ لباب الزكاة في ذلك، والذي عندي أنه يسري على المحجور عليه بقدر المضاربة كدين حدث 56.
6396 - قوله: (ولو قال لشريكه الموسر: "أعتقت نصيبك فعليك قيمة نصيبي"، فأنكر .. صدق بيمينه، فلا يعتق نصيبه، ويعتق نصيب المدعي بإقراره إن قلنا: يسري بالإعتاق) 57 فيه أمور:
الحديث: 6394 - الجزء: 3 - الصفحة: 792
أحدها: قد يفهم منه أنه لو نكل عن اليمين فحلف المدعي .. عتق نصيبه، والأصح خلافه؛ لأن الدعوى إنما توجهت عليه بسبب القيمة، وإلا .. فلا معنى للدعوى على إنسان بأنه أعتق عبده، وإنما هذا وظيفة العبد، لكن لو شهد آخر مع المدعي .. عتق، وفائدة حلف المدعي اليمين المردودة: استحقاق القيمة.
ثانيها: قيد في "أصل الروضة" إعتاق نصيب المدعي بأن يحلف المدعى عليه أو ينكل ويحلف المدعي 58، ولم يظهر لي وجهه؛ فإنهما لو نكلا معًا .. كان الحكم كذلك فيما يظهر؛ لوجود العلة في ذلك، وهي إقراره.
ثالثها: كلامه يفهم أنه لا يعتق على القولين الآخرين، وعبارة "أصل الروضة": وإن قلنا بالمتأخر .. لم يعتق 59، قال شيخنا ابن النقيب: وهذا واضح فيما إذا حلف المدعى عليه، أما إذا لم يحلف وحلف المدعي المردودة .. فينبغي أن يعتق جزمًا؛ فإنه قد أخذ القيمة 60.
رابعها: أسقط شيخنا في "تصحيح المنهاج" من لفظ "المنهاج" (الموسر) ثم اعترض عليه: بأنه ناقص، قال: وكأنه استغني بقوله: (فعليك قيمة نصيبي) عن ذلك، والذي رأيته في عدة نسخ صحيحة إثبات هذه اللفظة؛ فلا اعتراض.
6397 - قوله: (ولو قال لشريكه: "إن أعتقت نصيبك .. فنصيبي حر بعد نصيبك"، فأعتق الشريك وهو موسرٌ .. سرى إلى نصيب الأول إن قلنا: السراية بالإعتاق، وعليه قيمته) 61 فيه أمور:
أحدها: أنه لا حاجة إلى قوله: (بعد نصيبك) فإنه لو أطلق قوله: (فنصيبي حر) .. كان حكمه كذلك، وإنما يخالفه أن لو قال: قبله؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 701]: (وسرى وإن علق عليه عتقه، لا بسبق ومعية) فدخل في كلامه أولًا حالة الإطلاق.
ثانيها: مقتضى تقييد السراية بالتفريع على أنها بالإعتاق: أنا إذا قلنا بغيره .. كان بخلافه، وليس كذلك؛ فإنا إذا قلنا بالتبيين .. كان الحكم كذلك إذا أديت القيمة، وإن قلنا بالأداء .. فنصيب المعلق عمن يعتق فيه وجهان بلا ترجيح في "الروضة" 62، وصحح شيخنا في "تصحيح المنهاج" أنه يسري عند الأداء ويعتق عن المنجز لا عن المعلق، وهو مقتضى بناء الرافعي ذلك على الخلاف في أنه إذا أعتق أحد الشريكين نصيبه هل ينفذ إعتاق الآخر قبل أداء القيمة تفريعًا على هذا
الحديث: 6397 - الجزء: 3 - الصفحة: 793
القول؟ 63 والأصح .. أنه لا ينفذ، فيكون الأصح: عتقه بالسراية لا بالتعليق.
ثالثها: في "أصل الروضة" في الباب الأول من الوصايا ما يقتضي التسوية بين التعليق والسراية 64، ويؤيده أن الأصح: مقارنة المشروط لشرطه، ومقتضاه: تقديم التعليق؛ فإن السراية متأخرة، فيتعارض هذا مع ما علل به تقديم السراية، وتلزم القرعة.
6398 - قول "المنهاج" [ص 587]: (فلو قال: "فنصيبي حر قبله"، فأعتق الشريك؛ فإن كان المعلق معسرًا .. عتق نصيب كل عنه، والولاء لهما، وكذا إن كان موسرًا وأبطلنا الدور، وإلا .. فلا يعتق شيء) فيه أمور:
أحدها: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لعتق نصيب المعلق عنه شرط، وهو: أن يمضي بعد تعليقه قبل إعتاق المنجز زمن يسع الحكم بوقوع العتق عن المعلق، ونص الشافعي على ما يقتضيه فقال: فيما لو قال: أنت طالق قبل أن أموت بشهر .. لا يقع الطلاق حتى يعيش بعد القول أكثر من شهر بوقت يقع فيه الطلاق 65.
ثانيها: عتق نصيب كل منهما عنه إذا كان موسرًا تفريعًا على إبطال الدور، كذا هو في "أصل الروضة" 66، وذكر شيخنا في "تصحيح المنهاج": أن الرافعي تبع فيه البغوي 67، وهو غير معتمد، قال: والأصح المعتمد تفريعًا على إبطال الدور: أنه يعتق كله عن المنجز بالمباشرة في نصيبه والسراية في نصيب شريكه؛ لأنا إذا أبطلنا الدور .. ألغينا قوله قبله، فصار كالإطلاق.
ثالثها: قال شيخنا أيضًا: تصحيح الدور هنا يؤدي إلى إبطال إعتاق الشريك نصيبه، وقد اتفق الأصحاب على بطلان الدور فيما لو قال لزوجته: إن فسخت النكاح بعيبي أو بعتقك .. فأنت طالق قبله ثلاثًا؛ لأن فيه إبطال تصرف الزوجة، ومقتضاه: أن لا يأتي هنا خلاف الدور؛ لما فيه من منع نفوذ تصرف شريكه بالإعتاق في نصيبه، وإن أتى .. فيكون مستبعدًا ضعيفًا.
6399 - قوله: (ولو كان عبد لرجل نصفه ولآخر ثلثه ولآخر سدسه، فأعتق الآخران نصيبهما معًا .. فالقيمة عليهما نصفان على المذهب) 68 فيه أمران:
أحدهما: قوله: (آخر) إن ضبطه المصنف بخطه بكسر الخاء؛ ليوافق قوله في "المحرر":
الحديث: 6398 - الجزء: 3 - الصفحة: 794
(فأعتق الثاني والثالث) 69، وإلا .. فلو قال: (فأعتق اثنان منهما) كما في "الروضة" وغيرهما .. كان الحكم كذلك 70، ولهذا قال "الحاوي" [ص 702]: (بحصة رؤوس المعتقين) فتناول جميع الصور.
ثانيهما: لا بد أن يكون كل منهما موسرًا بنصف الواجب، فلو كان أحدهما موسرًا بما ينقص عن النصف .. سرى عليه بقدر يساره، والباقي على الموسر بالباقي، ولو كانا موسرين بدون الواجب .. سرى إلى ذلك القدر بحسب يسارهما، فإن تفاوتا في اليسار .. سرى على كل منهما بقدر ما يجد.
6400 - قول "المنهاج" [ص 587]: (وشرط السراية: إعتاقه باختياره) قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنها عبارة غير وافية بالمقصود، فمن اشترى شقصًا ممن يعتق عليه، أو قبل هبته أو الوصية به .. سرى عليه، وإن لم يصدر منه إعتاق، وإنما صدر منه تعاطي سبب الملك باختياره؛ فنزل ذلك منزلة إعتاقه.
انتهى.
وقد أفصح بذلك "التنبيه" فقال [ص 145]: (وإن ملك بعضه - أي: بعض من يعتق عليه - فإن كان برضاه وهو موسر .. قوم عليه الباقي، وعتق عليه، وإن كان بغير رضاه .. لم يقوم عليه)، والظاهر أن ذلك لا يرد على "الحاوي" أيضًا؛ فإنه قال [ص 701]: (وسرى مختاره ولمأذونه؛ كشراء بعض، وقبول هبة، ووصية) فإنه لم يصرح بأن الاختيار للإعتاق، فأمكن حمله على اختيار سبب العتق، ويدل لذلك أمثلته، ولا فرق في شرائه لبعض أبيه بين علمه بأنه أبوه وجهله بذلك؛ لقصده التمليك، قاله "في البحر"، ولشيخنا في "تصحيح المنهاج" فيه احتمالان، ورجح هذا، وكأنه لم يستحضره حالة الكتابة منقولًا.
وما ذكرناه هو في غير المكاتب، إما المكاتب: فإذا اشترى بعض قريبه حيث يصح وعتق بعتقه .. فلا سراية؛ لأنه لم يعتق باختياره، بل عتق ضمنًا، حكاه في "أصل الروضة" في آخر الباب عن "فتاوى القفال"، وأقره 71.
وفيها في الكتابة قبل الحكم الرابع: أنه لو وهب للمكاتب بعض أبيه فقبله، وصححنا قبوله، فعتق المكاتب .. عتق عليه ذلك الشقص، وهل يقوم الباقي عليه إن كان موسرًا؟ وجهان، أصحهما: نعم 72.
الحديث: 6400 - الجزء: 3 - الصفحة: 795
وفي "البحر" وجهان في السراية فيما إذا اتهب السفيه جزء من يعتق عليه، أو قبل وصيته، ولو ملك بعضه بتعجيز مكاتبه؛ بأن اشترى بعض من يعتق على السيد ثم عجزه السيد .. فلا سراية في الأصح؛ لأن مقصوده فسخ الكتابة، والملك يحصل قهرًا.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": الذي يترجح عندنا السراية؛ لأنه عارف بأن شقصًا ممن يعتق عليه مملوك لمكاتبه، فإذا عجز مكاتبه .. ملك ما كان في ملكه باختياره، فإن لم يعرف ذلك .. فهذا محتمل، والأرجح: السراية؛ فإن الإتلاف لا يختلف الحال فيه بين العلم والجهل بالنسبة إلى الضمان.
انتهى.
ولو أوصى لزيد بشقص ممن يعتق على وارثه؛ كأن أوصى له ببعض ابن أخيه ومات زيد بعد موت الموصي وقبل قبول الوصية، فقبلها أخوه .. عتق عليه الشقص، والأصح في "أصل الروضة": أنه لا يسري 73، وصحح شيخنا في "تصحيح المنهاج": السراية وقال: إنه مقتضى نص "الأم" و"المختصر".
ولو أوصى لزيد بشقص ممن يعتق عليه ولا يعتق على وارثه؛ بأن أوصى له بشقص من أمه ووارثه أخوه من أبيه، فمات زيد بعد موت الموصي وقبل قبول الوصية، وقبل أخوه الوصية .. عتق ذلك الشقص على الميت، ويسري إن كان له تركة يفي ثلثها بقيمة الباقي؛ لأن قبول وارثه كقبوله في الحياة، قال الإمام: هكذا ذكره الأصحاب، وفيه وقفة؛ لأن القبول حصل بغير اختياره، كذا في "أصل الروضة" 74، ومقتضاه: أن هذه الوقفة لم يقل بمقتضاها أحد، وليس كذلك؛ فقد ذكر الرافعي في الوصية، أن الشيخ أبا على ذهب إلى عدم السراية، وحكاه عن بعض الأصحاب 75.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وفيه وقفة من جهة أخرى، وهي أن الميت معسر مطلقًا إلا أن يوصي بالتكميل، وسيأتي في "المنهاج" في آخر الفصل الذي يليه أنه لو وهب لعبد بعض قريب سيده فقبل، وقلنا: يستقل به .. عتق وسرى، وعلى سيده قيمة باقيه 76، وسنذكر هناك ما في هذا الفرع من الاضطراب.
ولاضطراب هذه الفروع قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إن هذا الشرط وقع فيه اضطراب شديد بحسب الصور.
الجزء: 3 - الصفحة: 796
6401 - قول "الحاوي" [ص 701]: (لا إرثٍ، ورد بعيبٍ) صورة الرد بعيب: أن يبيع بعض ابن أخيه بثوب ويموت، ووارثه أخوه أبو الابن، فيجد بالثوب عيبًا، فيرده ويسترد الشقص .. فيعتق عليه، وفي السراية وجهان؛ فإنه تسبب في تملكه، لكن مقصوده رد الثوب، ومقتضى كلام "أصل الروضة" قبيل الخاصة الثالثة: تصحيح عدم السراية، كما في "الحاوي" فإنه بعد ترجيح عدم السراية في مسألة قال: (ويجري الخلاف في كذا) فذكر هذه الصورة 77، لكن صحح النووي هنا من زيادته: أنه يسري 78.
6402 - قول "المنهاج" [ص 587]: (والمريض معسرٌ إلا في ثلث ماله) فيه أمور:
أحدها: فيه أشكال؛ لأنه إن اعتبر حالة العتق .. خالف ما تقرر من أن اعتبار الثلث إنما هو بعد الموت، وإن اعتبر بعد الموت .. خالف ما تقرر من أن اليسار المعتبر في السراية إنما هو الموجود حالة الإعتاق دون ما يطرأ بعده، وفي "أصل الروضة": احتج القاضي أبو الطيب وغيره باعتبار الثلث على أن التقويم يكون بعد موت المريض؛ لأن الثلث يعتبر حالة الموت حتى إذا لم يف الثلث بجميع العبد حال إعتاقه، ثم استفاد مالًا ووفى عند الموت .. قوّم جميعه 79.
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": يلزم منه اعتبار اليسار الطارئ بعد الإعتاق، وهذا لا يُعرف، ويلزم منه اعتبار القيمة الحادثة بعد الإعتاق إلى حالة التقويم، وقد تزيد وقد تنقص، وهذا مخالف للقواعد ومخالف لما اتفقوا عليه من أن الاعتبار بالقيمة حالة الإعتاق تفريعًا على تعجيل السراية وعلى الوقف، وكذا على قول أداء القيمة على ما سبق، قال: وظهر من ذلك أن السراية هنا إنما تكون إذا قارن يساره الإعتاق واستمر إلى حالة اعتبار الثلث، فإن حدث إعسار اعتبر؛ لحق الوارث، وإن حدث يسار .. لم يعتبر؛ لمخالفته السنة الصحيحة.
ثانيها: قال شيخنا أيضًا: اعتبار الثلث في سراية إعتاق المريض يقتضي أن الزائد عليه يتوقف على إجازة بقية الورثة، وهو بعيد؛ لأن السراية قهرية، فلا تدخلها إجازة، وأيضًا فهو معسر في الزائد على الثلث ومع الإعسار لا سراية، قال: ولم أر من تعرض لذلك.
ثالثها: يستثنى من إطلاقه: ما إذا أعتق نصيبه من عبد في مرض موته عن كفارة مرتبة بنية الكفارة بالكل .. فإنه يسري بشرط اليسار، ولا يقتصر على الثلث؛ لأن هذه السراية وقعت عن واجب، وكذا المخيّرة كما حكاه الرافعي عن المتولي، ثم قال: وكأنه تفريع على أنه إذا أوصى به .. أعتق من رأس المال، ورده شيخنا في "تصحيح المنهاج" وقال: إنه جار على الوجهين.
الحديث: 6401 - الجزء: 3 - الصفحة: 797
6403 - قوله: (والميت معسر) 80 و"الحاوي" عطفًا على ما لا سراية فيه [ص 701]: (وبعد موت) فيه أمران:
أحدهما: أنه يدخل في إطلاقه ما إذا أوصى له بشقص ممن يعتق عليه كأمه، دون وارثه كأخيه لأبيه، فمات بعد موت الموصي وقبل القبول، فقبل أخوه، لكن منقول الإمام عن الأصحاب: أنه يسري كما تقدم ذلك وما فيه، ومثل صاحب "التعليقة" كلام "الحاوي": بما إذا أوصى له ببعض من يعتق على وارثه، وقد عرفت تصحيح الرافعي والنووي فيها عدم السراية 81، وتصحيح شيخنا في "تصحيح المنهاج" السراية.
لكن اعترضه القونوي: بأنه لا يعتق على عمه بدخوله في ملكه، وإنما يعتق على أبيه بعد انتقاله إليه بالإرث، فلا يصح التمثيل به، وقد يقال: لا ترد الصورة الأولى على "المنهاج" بتقدير القول بالسراية فيها؛ لأنه يبين مراده بقوله عقب ما تقدم: (فلو أوصى بعتق نصيبه .. لم يسر) 82 وقد يقال: ليس في عبارته ما يدل على الحصر في هذه الصورة، ولا شك أنه لو كان جميع العبد له فأوصى بعتق بعضه، فأعتق .. لم يسر.
ثانيهما: يستثنى من ذلك صور:
إحداها: لو قال: أعتقوا نصيبي وكملوا العتق .. كملناه إن خرج من الثلث، وإلا .. فما يخرج، قال القاضي أبو الطيب: وإنما يكمل باختيار الشريك، وأطلقه الجمهور، وصور الإمام والغزالي الوصية بالتكميل بقوله: اشتروا نصيب شريكي فأعتقوه، فلو قال: أعتقوه عتقًا ساريًا .. فلا سراية بعد الموت، وذكر شيخنا في "تصحيح المنهاج": أن ما قاله القاضي أبو الطيب والإمام والغزالي مردود.
الثانية: إذا كاتب شريكان أمة ثم أتت من أحدهما بولد واختارت المضي على الكتابة، ثم مات المستولد وهي مكاتبة .. عتق نصيب الميت وبرئ، وأخذ الشريك من تركة الميت القيمة، حكاه شيخنا في "تصحيح المنهاج" عن نص "الأم".
الثالثة: لو وصى بصرف ثلثه في العتق فاشترى الوصي منه شقصًا وأعتقه، وبقي منه قدر قيمة الباقي .. سرى العتق إليه؛ لأن الشقص الباقي تناولته الوصية، فكان كالوصية بالتكميل، ذكره شيخنا أيضًا، وقال: لم أر من صرح به.
الرابعة: إذا أوصى له ببعض ممن يعتق عليه فمات بعد موت الموصي وقبل القبول، فقبل
الحديث: 6403 - الجزء: 3 - الصفحة: 798
وارثه .. فقد تقدم أن الإمام حكى عن الأصحاب: أنه يسري في الثلث، وفيه وقفة (1)، وفي "أصل الروضة" في الوصية في هذه الصورة ما يقتضي أنه يسري من غير تقييد بالثلث (2)، وهو مخالف للمذكور هنا.
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": والتحقيق أنه إن كان الموصى له صحيحًا حالة موت الموصي بحيث ينفذ تبرعه من رأس المال، وكان موسرًا بقيمة ما بقي، واستمر يساره .. سرى إلى باقيه من غير تقييد بالثلث؛ لأنه عند السراية التي ثبتت بقبول وارثه المنزل منزلة قبوله كان صحيحًا، وإن كان عند موت الموصى له مريضًا مرض الموت .. اعتبرت السراية من الثلث.
الخامسة: أوصى لشخص بمن يعتق عليه فمات بعد موت الموصي وقبل القبول عن اثنين، فقبل أحدهما .. صح قبوله في النصف، وعتق على الميت، وسرى في نصيب القابل، ولا اعتبار بيساره في نفسه، ولا يسري إلى نصيب من لم يقبل، ذكره ابن الحداد وآخرون، وقال الشيخ أبو على: يجب أن لا يقوم على الميت، ويقتصر العتق على القدر المقبول.
فصَلٌ [في العتق بالبعضية]
6404 - قول "المنهاج" [ص 587]: (إذا ملك أهل تبرعٍ أصله أو فرعه .. عتق) فيه أمور:
أحدها: تبع "المحرر" في التقييد بأهل تبرع 85، ولم يذكر ذلك في "الروضة" ولا في "التنبيه"، ولا معنى له؛ فإن الصبي والمجنون إذا ملكا ذلك .. عتق عليهما، وقد ذكره بعد، ووقع هذا التقييد في "الوجيز" فقال الرافعي: إنه احترز به عن الصبي ونحوه 86، وكأن الرافعي كتب ذلك من غير تأمل.
ثانيها: استثنى شيخنا في "تصحيح المنهاج" من ذلك صور:
إحداها: إذا اشتراه وألزم البائع البيع .. فلا يعتق عليه؛ لئلا يتضرر بإلزام البائع البيع، فيبقى الخيار للمشتري ويملك المبيع ولا يعتق عليه، قال: ولم أر من تعرض لهذا الفرع، وفي "أصل الروضة" فيما إذا اشترى من يعتق عليه عن الجمهور: أنه يبنى ثبوت خيار المجلس على أقوال الملك في زمن الخيار، فإن قلنا: للبائع .. فلهما الخيار، ولا يحكم بالعتق حتى يمضي زمن8384
الحديث: 6404 - الجزء: 3 - الصفحة: 799
الخيار، وإن قلنا: موقوف .. فلهما الخيار، وإذا أمضينا العقد .. تبينا أنه عتق بالشراء، وإن قلنا: للمشتري .. فلا خيار له ويثبت للبائع، والأصح: أنه لا يحكم بعتقه حتى يمضي زمن الخيار ثم يحكم يومئذ بعتقه من يوم الشراء 87، وحكى السبكي في الخيار عن الجوري: أنه لا يعتق وإن انقضى الخيار حتى يوفي الثمن؛ لأن للبائع حق الحبس، فأشبه ما لو ورثه مرهونًا.
الثانية: سيأتي في "المنهاج" في الكتابة أنه إذا اشترى المكاتب من يعتق عليه وصححناه .. فإنه لا يعتق؛ بل يتكاتب عليه 88، وكذا لو ملكه بهبة أو وصية .. فإنه لا يعتق عليه.
الثالثة: المبعض لو ملك ببعضه الحر أصله أو فرعه بشراء أو هبة أو وصية .. لم يعتق عليه، وفي "أصل الروضة" في الأيمان: المذهب: أنه لا يكفر بالإعتاق؛ لتضمنه الولاء والإرث، وليس من أهله 89.
ثالثها: ظاهر كلامهم أنه يملكه ثم يعتق عليه بعد الملك، وهو المحكي عن الشافعي، واستشكله في "المطلب": بأن البعضية إذا نافت الملك .. فكيف نحكم بوجوده مع اقترانها بسببه؛ ولهذا قال ابن الحداد: إذا قهر مسلم قريبه الحربي .. لا يملكه؛ لأن القرابة دافعة، ولقوة هذا السؤال قال الغزالي: عندي أنه لا يملكه، بل يندفع الملك بموجب العتق، ويترتب العتق على سبب الملك لا على حقيقته 90، واختاره هو أيضًا في تعليق الطلاق تبعًا لأبي إسحاق المروزي 91، وفي آخر "النهاية": إنما جوزنا الشراء ذريعة إلى تخليصه من الرق، وإلا .. فالمقتضي لعدم الملك موجود 92.
6405 - قول "المنهاج" [ص 587]: (ولا يشتري لطفل قريبه) كذلك المجنون، فإن فعل .. فالشراء باطل؛ فالممتنع الشراء والملك لا العتق إذا حصل الملك، ولا يخفى أن المراد: قريبه الذي يعتق عليه.
6406 - قوله: (ولو وهب له أو وصى له؛ فإن كان كاسبًا .. فعلى الولي قبوله، ويعتق وينفق من كسبه، وإلا؛ فإن كان الصبي معسرًا .. وجب القبول، ونفقته في بيت المال، أو موسرًا .. حرم) 93 فيه أمور:
الحديث: 6405 - الجزء: 3 - الصفحة: 800
أحدها: أنه اعتبر كسب الأب قبل اعتبار إعسار الابن، وعكس في "الروضة" فقال: فإن كان الصبي معسرًا .. فلوليه قبوله، ويلزمه في الأصح، وظاهر النص، فإذا قبل .. عتق على الصبي، وإن كان موسرًا .. نظر: إن كان القريب بحيث تجب نفقته في الحال .. لم يجز للولي القبول، وإن كان بحيث لا تجب .. فعلى ما ذكرنا في المعسر 94، وكذا عبر في "التنبيه" فقال [ص 145]: (وإن وصى لمولى عليه بمن يعتق عليه؛ فإن كان معسرًا .. لزم الناظر في أمره أن يقبله، وإن كان موسرًا؛ فإن كان ممن لا تلزمه نفقته .. وجب قبوله، وإن كان ممن تلزمه نفقته .. لم يجز قبوله).
ثانيها: اعتبار الكسب مخالف للأظهر في النفقات: أن من لا يكتسب من الأصول مع القدرة على الكسب .. تجب نفقته؛ ولذلك لم يعبر به "التنبيه" و"الروضة"، وإنما عبر بوجوب النفقة كما تقدم، وبه عبر الشيخ أبو حامد وأتباعه.
ثالثها: لو أوصى لصبي بجده وعمه الذي هو ابن هذا الجد موجود موسر .. لزم الوليّ القبول، ولو كان الجد غير كاسب؛ لأن نفقته في هذه الحالة على العم لا على الصبي، ولا يرد ذلك على التعبير بوجوب النفقة.
رابعها: اقتصر في "الأم" و"المختصر" على حال الصبي فقال: (وإن وهب لصبي من يعتق عليه أو أوصى له به ولا مال له وله وصي .. كان عليه قبول هذا كله، ويعتق عليه) 95، ولم يتعرض لكون الموهوب كسوبًا أو غير كسوب.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": عندي لا يجوز القبول إذا كان الصبي موسرًا وإن قلنا: لا تجب النفقة؛ لأنه قد يرفعه إلى حاكم يرى إيجاب النفقة، ولا يكلفه الكسب، فيتضرر الصبي بذلك، ولا يجوز للولي فعل ما فيه خطر على مال الصبي؛ ولهذا لم يفرق الشافعي في مفهوم كلامه بين الكسوب وغيره.
خامسها: يرد على "المنهاج": أن نفقته إنما تكون في بيت المال حيث لا يكون له من تجب نفقته عليه بزوجته أو قرابة غير الصبي المذكور.
6407 - قول "التنبيه" فيما إذا أوصى له - أي: للمولى عليه - ببعضه - أي: ببعض من يعتق عليه - وهو موسر لا تلزمه نفقته [ص 145]: (فيه قولان:
أحدهما: لا يجوز القبول، والثاني: يلزمه، لكن لا يقوم عليه) صحح النووي في "تصحيح التنبيه" الثاني 96، وتبعه شيخنا الإسنوي
الحديث: 6407 - الجزء: 3 - الصفحة: 801
في "تصحيحه" 97، لكن الأصح في "أصل الروضة" الأول 98، وقال النشائي: إنه لا سلف للتصحيح فيما صححه 99.
6408 - قول "المنهاج" [ص 587، 588]: (ولو ملك في مرض موته قريبه بلا عوض .. عتق من ثلثه، وقيل: من رأس المال) تبع فيه "المحرر" 100، والأصح في "الشرحين" و"الروضة" الثاني حتى يعتق كله وإن لم يكن له مال غيره 101، وعليه مشى "الحاوي" في الوصايا 102.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنه الأصح الذي يقتضيه نص الشافعي، على أن المحجور عليها بفلس لو أصدقت أباها .. عتق عليها ولم يكن للغرماء منه شيء؛ لأنه يعتق ساعة يتم ملكها عليه، قال شيخنا: وهو المعتمد في الفتوى.
6409 - قول "المنهاج" [ص 588]: (أو بعوض بلا محاباة - أي: من البائع - .. فمن ثلثه، ولا يرث) فيه أمور:
أحدها: لا يختص عدم إرثه بشرائه بعوض بلا محاباة، بل يأتي فيما إذا ملكه بلا عوض من إرث أو هبة أو وصية؛ ولعل كلامه يعود للصورتين، وإذا امتنع إرثه مع التبرع ببعضه .. فكيف مع التبرع بكله.
ثانيها: علل الأصحاب منع إرثه: بأن عتقه من الثلث وصية، والإرث لا يجامع الوصية، قال الرافعي: كذا أطلقوه وعللوه؛ وكأنه تفريع على بطلان الوصية للوارث، فإن صححناها موقوفة على إجازة الوارث .. لم يمتنع الجمع بينهما، فيحتمل أن يوقف الأمر على الإجازة ويحتمل خلافه 103.
ثالثها: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": محل عدم الإرث: إذا لم يبرئ البائع المشتري بعد لزوم البيع، فإن أبرأه .. ورث في الأصح، فإن قيل: ما ملكه إلا بعوض .. قلنا: لم يدخل على الورثة تفويت يحسب من الثلث، فكان من رأس المال، ومن عتق من رأس المال .. كان وارثًا.
انتهى.
الحديث: 6408 - الجزء: 3 - الصفحة: 802
6410 - قوله: (فإن كان عليه دين .. فقيل: لا يصح الشراء، والأصح: صحته، ولا يعتق: بل يباع للدين) 104 فيه أمران:
أحدهما: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": تبع فيه الرافعي البغوي، والأصح: أنه لا يصح؛ لأن ترتب العتق على ملك البعض لازم، وهو هنا غير ممكن، فيمتنع التصرف الموصل إلى ما لا يمكن، كما لا يصح القبول فيما إذا وهب للمحجور الموسر شقص من يعتق عليه حيث لا تلزمه نفقته على الأصح في "الروضة" كما تقدم؛ لإفضائه إلى التقويم.
ثانيهما: عدم العتق تفريعًا على تصحيح الشراء محله: إذا كان الدين مستغرقًا ولم يبرئ الغرماء الميت من الدين، فإن لم يكن مستغرقًا .. عتق منه ما بقي بعد وفاء الدين إن خرج من الثلث أو إجازة الوارث، وإن أبرأ الغرماء .. عتق من الثلث، ويحتاج في الزائد إلى إجازة الوارث، فإن لم يبرؤا ولكن قالوا: نجيز ما فعل .. فيحتمل أن يقال: الإجازة إنما تكون للوارث؛ لأنه خليفته، ويحتمل أن تصح وتكون تنفيذًا، ولا يجيء فيها القول بأنها ابتداء عطية، والأول أرجح.
6411 - قوله: (ولو وُهب لعبد بعض قريب سيده فقبل وقلنا: يستقل به - أي: وهو الأصح - عتق وسرى، وعلى سيده قيمة باقيه) 105 كذا ذكره في "أصل الروضة" أيضًا؛ وعلله: بأن قبول العبد كقبوله شرعًا، وقال النووي: هذا مشكل، وينبغي أن لا يسري؛ لأنه دخل في ملكه قهرًا كالإرث 106، وهذا الذي بحثه النووي قد جزم به في "أصل الروضة" تبعًا للرافعي في الكتابة في تبرعات المكاتب معللًا بأنه قهري، ثم قال: وفي "الوسيط": وجه أنه يسري 107.
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وعدم السراية هو المعتمد، والذي في "المنهاج" وجه ضعيف غريب لا يلتفت إليه.
وقال في "المهمات": الصواب: السراية؛ ولهذا صححوا أن السيد يحلف على البت في نفي فعل عبده؛ وعللوه: بأن فعله كفعله، وهنا أمران:
أحدهما: أن محل جواز قبول العبد: ما إذا لم يتعلق وجوب النفقة بالسيد في الحال، فإن تعلق به .. لم يصح قبوله قطعًا.
ثانيهما: ومحله أيضًا: في غير المكاتب والمبعض، فإذا وهب للمكاتب بعض من يعتق على سيده .. صح قبوله بغير إذن السيد، ولا يعتق منه شيء ما دامت الكتابة قائمة، فإن عجز نفسه بغير
الحديث: 6410 - الجزء: 3 - الصفحة: 803
اختيار السيد .. ملك السيد ذلك الجزء، ولم يسر، وإن عجزه السيد .. فوجهان، الأصح: لا سراية أيضًا، وصحح شيخنا خلافه، وقد تقدم، وإن وهب للمبعض بعض من يعتق على سيده وبينهما مهايأة؛ فإن كان في نوبة الحرية .. فلا عتق، أو في نوبة الرق .. فكالقن، وإن لم يكن بينهما مهايأة .. فالذي يتعلق بالحرية لا يملكه السيد والذي يتعلق بالرق فيه ما سبق.
فصَلٌ [في العتق في مرض الموت]
6412 - قول "المنهاج" [ص 588]: (أعتق في مرض موته عبدًا لا يملك غيره .. عتق ثلثه) فيه أمور:
أحدها: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": العبارة الوافية بالمقصود أن يقال: عتق كله الآن بمقتضى الظاهر، ولكن لا ينفذ بعد الموت بغير إجازة إلا ما خرج من الثلث، وفائدة العتق ظاهرًا: أنه لو كان المعتق أمة جاز لقريبها تزويجها قبل وفاة معتقها في الأصح، فإن نفذ العتق .. مضى النكاح على الصحة، وإلا؛ فإن رد الورثة أو أجازوا وقلنا: الإجازة عطية منهم .. بأن فساد النكاح، وإلا .. بأن صحته، قال شيخنا: وقضية هذا أنه لو كان العتيق عبدًا وتزوج مستقلًا .. صح تزوجه 108 ظاهرًا على الأصح.
ثانيها: هذا مقيد بأن لا يكون أعتقه عن عتق واجب كما تقدم نظيره.
ثالثها: محله أيضًا: في غير ولد المستولدة من غير السيد الذي ولدته بعد نفوذ الاستيلاد ظاهرًا وباطنًا؛ فهذا له حكم الأم، فإذا أعتقه السيد .. عتق كله الآن ظاهرًا وباطنًا.
رابعها: ومحله أيضًا: في غير المكاتب كتابة صدرت في الصحة .. فهذا يخير، فإن اختار العجز .. عتق ثلثه ورق ثلثاه، وإن اختار بقاء الكتابة؛ فإن كانت النجوم مثل القيمة .. فالأصح: أنه يعتق ثلثه وتبقى الكتابة في ثلثيه، وإن كان بينها تفاوت .. اعتبر خروج الأقل من الثلث.
خامسها: ومحله أيضًا: في ما إذا مات بعد السيد، فإن مات قبله .. ففيه أوجه:
أحدها - وهو الأصح عند الصيدلاني، وبه أجاب الشيخ أبو زيد، ورضيه المحمودي -: أنه يموت كله رقيقًا.
والثاني: يموت كله حرًا.
قال الأستاذ أبو منصور: وهو المشهور من المذهب، والأول من تخريج ابن سريج، ويوافق موته حرًا ما رجحه الرافعي في موت العبد الموهوب في يد المتّهب قبل موت الواهب المريض بلا
الحديث: 6412 - الجزء: 3 - الصفحة: 804
مال: أنه لا يجب ضمانه على المتّهب تفريعًا على الأصح، وهو: بطلان الهبة 109.
والثالث: يموت وثلثه حر وثلثاه رقيق، وهو جواب القفال.
6413 - قوله: (فإن كان عليه دين مستغرق .. لم يعتق منه شيء) 110 استثنى منه شيخنا في "تصحيح المنهاج" صورًا:
إحداها: إذا أبرأ أصحاب الدين من دينهم .. نفذ العتق لزوال المانع.
الثانية: إذا أعتقه عن واجب ككفارة قتل .. فالأرجح: نفوذه، ولو أمكن إعتاق رقبة ببعض قيمته وصرف الباقي إلى الدين.
ثالثها: المنذور إعتاقه في حالة الصحة إذا أعتقه في مرض الموت .. نفذ مع الدين المستغرق 111.
6414 - قول "التنبيه" في الوصية فيما إذا عجز الثلث عن التبرعات المنجزة في المرض [ص 141]: (وإن كان الجميع عتقا ولم تجز الورثة .. جُزِّؤا ثلاثة أجزاء وأُقْرِع بينهم، وتكتب ثلاثة رقاع ... إلى آخره) محله: إذا استوت قيمتهم وعددهم كما إذا كانوا ثلاثة أعبد وكل عبد منهم ثلث ماله؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص 588]: (ولو أعتق ثلاثة لا يملك غيرهم قيمتهم سواء .. عتق أحدهم بقرعة) ودخل في عبارته: ما لو مات أحدهم قبل موت السيد .. فيدخل في القرعة، وهو المذهب، وينبغي تقييده بأن يكون إعتقاهم دفعة واحدة، فلو أعتقهم مرتبًا .. قدم الأول فالأول، والقرعة لا تحصل العتق، وإنما تميز العتيق، والعتق حاصل من وقت إعتاق المريض، وقوله: (عتق احدهم بقرعة) 112 يفهم خلافه.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": ينبغي أن يقول: عتقوا كلهم الآن ظاهرًا، وإنما ينفذ بعد الموت بغير إجازة لمن تخرج القرعة له إذا خرج من الثلث كما تقدم له نظيره.
6415 - قولهما - والعبارة لـ "المنهاج" -: (والقرعة: أن تؤخذ ثلاث رقاع متساوية ... إلى آخره) 113، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": أخذ ثلاث رقاع إنما يكون في قرعة التجزئة فيما إذا أعتق ثلاثة فأكثر، فأما قرعة لا تجزئة فيها؛ كما إذا أعتق عبدين .. فإنه ليس فيها أخذ ثلاث رقاع، وقد نص على ذلك في "الأم" 114، وجرى عليه الأصحاب، ومقتضى كلامهما: أنه
الحديث: 6413 - الجزء: 3 - الصفحة: 805
لا يجوز الاقتصار في الصورة الأولى على رقعتين في إحداهما عتق والأخرى رق، وفيه وجهان بلا ترجيح في "الروضة" 115، قال الإمام: والأوْجَه: أنه احتياط 116.
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وهو الأصح؛ إذ ليس فيه إلا أنا إذا أخرجنا رقعة على عبد فخرج فيها رق يحتاج إلى إدراجها في بندقتها مرة أخرى .. فيكون ثلاث أرجح من رقعتين، لا أنه ممنوع منه.
انتهى.
وقال شيخنا ابن النقيب: كلامهم يدل على الوجوب.
انتهى 117.
ولا يتعين للقرعة الكتابة على الرقاع، فتجوز بأقلام متساوية، وبالنوى والبعر ونحو ذلك؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 695]: (ويقرع بخشب ونوى) فإن تفاوتت؛ كدواة وقلم وحصاة .. فمنعه الصيدلاني، وتوقف فيه الرافعي 118.
6416 - قول "المنهاج" [ص 588]: (ويجوز أن تكتب أسماؤهم ثم تخرج رقعة على الحرية، فمن خرج اسمه .. عتق ورقَّا) مقتضاه: تعينه، وليس كذلك، بل له إخراج رقعة على الرق، ولكن الأول أولى؛ لأنه أقرب إلى فصل الأمر.
6416/ 1 - قوله: (وإن كانوا ثلاثة، قيمة واحد مئة، وآخر مئتان وآخر ثلاث مئة .. أقرع بسهمي رق وسهم عتق) 119 أي: إن أردنا كتبة الرق والحرية ليخرج على الأسماء، وله عكسه، وهو كتابة أسماء العبيد .. فيكمل الإخراج على الرق والحرية إلى أن يستوفي.
6417 - قوله: (وإن كانوا فوق ثلاثة وأمكن توزيعهم بالعدد والقيمة كستة قيمتهم سواء .. جعلوا اثنين اثنين) 120 كذا لو كان قيمة ثلاثة منهم مئة مئة، وثلاثة خمسين خمسين .. فيضم إلى كل نفيس خسيس.
6418 - قوله: (وإن تعذر بالقيمة - أي: والعدد أيضًا - كأربعة قيمتهم سواء .. ففي قول: يجزؤون ثلاثة أجزاء: واحد وواحد واثنان؛ فإن خرج العتق لواحد .. عتق ثم أقرع لتتميم الثلث) 121 معناه: أنه يقرع بين الثلاثة، فمن خرج له سهم الحرية .. عتق ثلثه، كذا قال الرافعي 122.
الحديث: 6416 - الجزء: 3 - الصفحة: 806
قال شيخنا ابن النقيب: ويحتاج إلى تأمل؛ فإنه إن خرج للواحد .. عتق ثلثه، وهذا واضح، وإن خرج للاثنين .. فكيف يفعل هل يعتق من كل منهما سدسه أم يقرع بينهما ثانيًا، فمن خرجت له القرعة .. عتق ثلثه؟ لم أر من ذكره 123.
قلت: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": المقصود من قوله: (ثم أقرع لتتميم الثلث) أن القرعة تعاد بين الثلاثة، وأنهم مجزؤون أثلاثًا، فمن خرج له سهم الحرية .. عتق ثلثه، وقد صرح به البغوي في "التهذيب" 124، ولا بد منه.
6419 - قوله: (وفي قول: يكتب اسم كل عبد في رقعة، فيعتق من خرج أولًا وثلث الثاني) 125، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وقع في بعض النسخ (الباقي) بالباء الموحدة والقاف، وفي بعضها (الثاني) بالثاء المثلثه والنون، وهو الصواب.
واعترض في "التوشيح" عليه: بأنه توهم أنه يعتق ثلث الثاني من غير إعادة قرعة، وشرطه: إعادة القرعة، وهو في "المحرر" على الصواب 126.
وجوابه: أن مراده: ثلث الذي خرجت عليه القرعة ثانيًا؛ فإن تسميته ثانيًا إنما هو باعتبار خروج القرعة عليه بعد الأول، وإلا .. فمن أين جاء له هذا الاسم.
6420 - قوله: (والقولان في استحبابٍ، وقيل: إيجابٍ) 127 تبع في ترجيح الاستحباب "المحرر" 128، وعليه يدل كلام "الحاوي" في القسمة؛ حيث قال [ص 695]: (وإن تعذر متقاربة؛ كثلاثتين واثنين يعتق ثلث ثمانيةٍ متساويةٍ، وبالأقرب إلى الفصل) فخير بينهما، وحكاه الرافعي عن القاضي حسين واختيار الإمام، قال: وبالإيجاب قال الصيدلاني، وهو الموافق لإيراد الأكثرين 129، وتبعه في "الروضة" فقال: إنه مقتضى كلام الأكثرين 130.
وحكاه شيخنا في "تصحيح المنهاج" عن نص الشافعي في "الأم" حيث قال: (ولا يجوز عندي أبدًا أن أقرع بين الرقيق قلُّواْ أو كثروا إلا على ثلاثة أسهم) 131.
6421 - قول "المنهاج" [ص 589]: (وإذا أعتقنا بعضهم بقرعة فظهر مال وخرج كلهم من
الحديث: 6419 - الجزء: 3 - الصفحة: 807
الثلث .. عتقوا، ولهم كسبهم من يوم الإعتاق، ولا يرجع الوارث بما أنفق عليهم)، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": هذا الإطلاق ممنوع، وتفصيله أن الوارث إن علم بالحال وكتمه .. فهو متبرع لا يرجع، وإن جهله؛ فإن استخدمهم وأنفق عليهم على ظن أنهم عبيده .. فلهم الرجوع عليه بأجرة المثل ويرجع هو بما أنفق عليهم، وإن لم يستخدمهم واكتسبوا كسبًا .. فقد بأن أنه لهم، فيأخذون كسبهم ويرجع الوارث عليهم بما أنفق، ولا سيما إن ألزمه الحاكم بذلك، وكذا لو كان محجورًا بفلس فأنفق القاضي من ماله عليهم لصغر أو جنون أو سفه، فأنفق عليهم وليه .. ثبت الرجوع، وقد نص الشافعي في المكاتب إذا جُنَّ وحل النجم وليس له مال ظاهر، فعجزه السيد بمحضر من الحاكم .. فإن الحاكم يوجب نفقته على السيد، فلو ظهر للمكاتب مال .. يرد عجزه ويعتق عليه المكاتب ويرجع السيد بما أنفق عليه 132.
ولما ذكر القاضي حسين أن الوارث لا يرجع .. قال: كما إذا أنفق على زوجته ثم بأن فساد النكاح، ثم قال: وهذا ظاهر فيما إذا كان عالمًا بفساد النكاح، فإن كان جاهلًا .. فيحتمل أن يقال: يأخذ منها النفقة، وهكذا في مسألة العبيد.
قال شيخنا: ونحن نقطع في مسألة العبيد بأنه يرجع عليهم مع الجهل؛ لأنهم حصل لهم أجرة المثل أو الأكساب، ولم يحصل للزوجة شيء من ذلك، فأمكن أن يقال: لا يرجع عليها بما أنفق حالة الجهل، قال: ولما ذكر البغوي أنه لا يرجع .. قال؛ لأنه كان متبرعًا بالإنفاق، لم يكن معذورًا؛ كمن نكح امرأة نكاحًا فاسدًا على ظن أنه صحيح، ثم فرق القاضي بينهما .. لا رجوع للزوج بما أنفق عليها 133.
قال شيخنا: ومقتضاه: أنه عالم، وأنه لو جهل .. رجع، ولكن يخالفه قوله: كمن نكح فاسدًا على ظن أنه صحيح، فوقعت المسألة في "التهذيب" غير محررة، ولا نسلم أنه متبرع، بل هو لازم له بمقتضى الظاهر، فإن حكم به عليه حاكم، أو كان محجورًا فأنفق الولي، أو مفلسًا فأنفق الحاكم .. ينبغي أن يرجع عليهم قولًا واحدًا؛ ويشهد للرجوع ما إذا زوجت لاثنين وعرف عين السابق ثم نسي وأوجبنا الإنفاق عليهما، فأنفقا ثم عرف السابق .. فإن الثاني يرجع عليه بما أنفق.
6422 - قول "التنبيه" فيما إذا أعتق إحدى أمتيه [ص 145]: (وإن وطئ إحداهما .. كان ذلك تعيينًا للعتق في الأخرى، وقيل: لا يكون تعيينًا) أقره النووي وشيخنا الإسنوي على ترجيح الأول 134،
الحديث: 6422 - الجزء: 3 - الصفحة: 808
وصححه في "البحر"، وفي "أصل الروضة": فيه وجهان كما في الطلاق، قال ابن الصباغ: وكونه تعيينًا هو قول أكثر الأصحاب.
انتهى 135.
فإحالته على الطلاق تقتضي استواء الترجيح، والراجح في الطلاق: أنه لا يكون تعيينًا؛ ففي زيادة "الروضة" أنه الأصح عند الرافعي في "المحرر"، وهو المختار، قال في "الشامل": وهو ظاهر نص الشافعي رحمه الله؛ فإنه قال: إذا قال: إحداكما طالق .. منع منهما، ومن يقول: الوطء تعيين .. لايمنعه وطء أيتهما شاء 136.
6423 - قوله: (وإن أعتق أحدهما بعينه ثم أشكل .. ترك حتى يتذكر، فإن مات .. قام وارثه مقامه) 137 كذا جزم به هنا، وحكى في نظيره من الطلاق خلافًا، وظاهر كلام "الكفاية" انفراده بذلك.
6424 - قوله: (فإن قال الوارث: لا أعرف .. أقرع بينهما في أحد القولين) 138 هو الأصح.
الحديث: 6423 - الجزء: 3 - الصفحة: 809
بابُ الولاء
6425 - قول "التنبيه" [ص 149]: (من عتق عليه مملوك بملك، أو بإعتاقه، أو بإعتاق غيره عنه بإذنه أو بتدبيره أو بكتابته أو باستيلاده .. فولاؤه له) مثل قول "المنهاج" [ص 590]: (بإعتاق أو كتابة وتدبير واستيلاد وقرابة وسراية) لدخول إعتاقه وإعتاق غيره عنه بإذنه تحت إطلاق "المنهاج" الإعتاق، والعتق بالملك هو في القرابة والسراية داخلة في الإعتاق؛ إذ لولا الإعتاق .. لما سرى، ولا يقال: قد أهملا التماس العتق من مالك العبد على مال أو مجانًا؛ لدخوله في إعتاق غيره عنه بإذنه وفي إطلاق الإعتاق، وإن عطفه في "الروضة" على الإعتاق 139، وأورده شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وقد يقال: ذكر الكتابة والتدبير من عطف الخاص على العام؛ لأنهما تعليق عتق بصفة، والتعليق مع وجود الصفة إعتاق.
ويرد عليهما: بيع العبد من نفسه؛ فإن له عليه الولاء على المذهب، ولم يشمله كلامهما، وقد صرح به "الحاوي" في الفرائض فقال [ص 413]: (ثم المعتق، ولو بعوض وبيعه منه).
وقد يرد عليهم: من يعتقه الإمام من عبيد بيت المال .. فإنه يثبت الولاء عليه للمسلمين لا للمعتق، وقد يقال: خرج ذلك بقول "التنبيه" [ص 149] و"المنهاج" [ص 590]: (عتق عليه) فإنه لم يعتق على الإمام، وفهم من قول "التنبيه" [ص 149]: (بإعتاق غيره عنه بإذنه) أنه لو كان بغير إذنه .. لم يقع العتق عن المعتق عنه، وإنما يقع عن المعتق، وبه صرح الرافعي 140، وانعكس ذلك على النووي في "الروضة" فقال: وقع العتق عن المعتق عنه، وله الولاء دون المعتق، وصحح عليه بخطه 141.
قال في "المهمات": وهو خطأ فاحش، قال: وفي الظهار عن البغوي: أنه لو قال: أعتق عبدك عني على ألف، فقال: أعتقته عنك مجانًا .. عتق عن المعتق دون المستدعي 142، قال: ومسألتنا أولى منها بذلك.
انتهى.
6426 - قول "التنبيه" [ص 149]: (فإن عتق على المكاتب عبد .. ففي ولائه قولان، أحدهما: أنه لمولاه، والثاني: أنه موقوف على عتقه، فإن عتق .. فهو له، وإن عجز نفسه .. فهو
الحديث: 6425 - الجزء: 3 - الصفحة: 810
لمولاه) الأصح: الثاني، والمسألة مبنية على جواز إعتاقه بإذن سيده، والأصح: منعه؛ فهي مبنية على ضعيف.
6427 - قوله: (ومن ثبت له الولاء، فمات .. انتقل ذلك إلى عصبته) 143 و"المنهاج" [ص 590]: (فولاؤُه له ثم لعصبته) يقتضي أنه لا يثبت الولاء للعصبة إلا بعد موت المعتق، وليس كذلك؛ فالولاء ثابت لهم في حياة المعتق على المذهب المنصوص في "الأم" في المسلم يعتق عبدًا نصرانيًا ويموت العتيق في حياة المعتق وله أولاد ذكور نصارى على دين العتيق .. أنهم يرثونه وإن كان أبوهم المعتق حيًا، وهو مذكور في "الروضة" وأصلها في الدوريات في الوصايا، ولو لم يثبت لهم الولاء إلا بعد موته .. لم يرثوا، ذكره شيخنا في "تصحيح المنهاج".
وقال السبكي: يتلخص للأصحاب فيه وجهان:
أصحهما: أنه لهم معه، لكن هو المقدم فيما يمكن جعله له كإرث المال ونحوه.
والثاني: لا يكون لهم إلا بعد موته، لا بطريق الانتقال الذي هو الإرث كما أوهمته عبارة "التنبيه".
انتهى.
وسلم من ذلك "الحاوي" فإنه لم يذكر ترتب عصبة المعتق على المعتق في الولاء، وإنما ذكر ترتبهم عليه في الإرث 144، وذلك لا ينافي إرثهم مع وجوده إذا قام به مانع من الإرث، والمراد هنا: العصبة الذين يتعصبون بأنفسهم لا بغيرهم كما في الأولاد الذكور والإناث والإخوة والأخوات، ولا مع غيرهم كالأخوات مع البنات، وصرح بذلك "المنهاج" في الفرائض فقال [ص 343]: (فلعصبته بنسب المتعصبين بأنفسهم لا لبنته وأخته).
6428 - قول "المنهاج" [ص 590]: (ولا ترث امرأة بولاء إلا من عتيقها وأولاده وعتقائه) مكرر تقدم ذكره في الفرائض 145، ويرد على تعبيره هنا ولد العتيقة الذي علقت به بعد العتق من حر أصلي؛ فإن الأصح: أنه لا ولاء عليه لأحد مع دخوله في عبارته، ولا يرد ذلك على قوله في الفرائض: (ولا ترث امرأة بولاء إلا معتقها أو منتميًا إليه بنسب أو ولاءٍ) 146 ولا على قول "التنبيه" [ص 150]: (ولا ترث النساء بالولاء إلا من أعتقن، أو أعتق من أعتقن، أو جر الولاء إليهن ممن أعتقن)، وأشار "الحاوي" لهذه الصورة بقوله [ص 414]: (أو معتق أصل من مس الرق أحد آبائه) فإن هذا لم يمس الرق أحد آبائه، وإنما مس أمه، وذكر في "الكفاية" أن قول "التنبيه":
الحديث: 6427 - الجزء: 3 - الصفحة: 811
(أعتقن) يخرج ما إذا عتق عليها قريبها بالملك؛ لأنه فصل أول الباب العتق إلى عتق بالملك وعتق بالإعتاق، وليس كذلك، بل لها ولاؤه اتفاقًا.
6429 - قول "التنبيه" فيما لو نكح عبد معتقة [ص 149]: (فإن أعتق جده والأب مملوك .. فقد قيل: لا ينجر من موالي الأم إلى موالي الجد، وقيل: ينجر) الأصح: الانجرار، وعليه مشى "المنهاج" 147، و"الحاوي" بقوله [ص 414]: (وتجر ولاء غيره) أي: جهة الأب، فدخل في عبارة الجد؛ ولأجله عدل عن التعبير بالأب للتعبير بجهة الأب، وظاهر كلام "التنبيه" أنه لو كان الأب ميتًا .. انجر قطعًا، وبه جزم "المنهاج" 148، وهي الطريقة التي عليها أكثر الأصحاب، كما قال ابن الصباغ.
6430 - قول "التنبيه" في الوجه الأول [ص 149]: (لا ينجر) ظاهره عدم الانجرار ولو مات الأب بعد ذلك، وعبارة "المنهاج" [ص 590]: (وقيل: يبقى لمولى الأم حتى يموت الأب فينجر إلى موالي الجد) فصرح بانجراره بعد موته، وفي ذلك وجهان حكاهما الرافعي، وقال: قطع البغوي بالانجرار 149.
قال النووي: وهو أقوى 150، لكن صحح الشيخ أبو علي: عدم الانجرار، وخرج بكون الأم معتقه: ما إذا كانت حرة الأصل .. فإنه لا ولاء على الولد أصلًا، والصورة: أن الأب رقيق، فإن أعتق الأب .. فهل يثبت عليه لموالي الأب؟ قال الشيخ أبو على: فيه جوابان سمعتهما من شيخي في وقتين، وهما محتملان، كذا في "أصل الروضة" 151.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: الأرجح من الجوابين: الثبوت.
واعلم: أن لفظ الانجرار وقع في كلام الفقهاء، وأنكره القاضي أبو الطيب، وقال: إن الصواب أن يقال: بطل ولاء موالي الأم، ولا ينبغي إنكار ذلك؛ فإن هذا هو المراد، والمعنى فيه مفهوم، والله أعلم.
وذكر صاحبا "التعليقة" و"المصباح": أن قول "الحاوي" [ص 414]: (وتجر ولاء غيره) احتراز عما لو اشترى هذا الولد أباه، فعتق عليه الأب .. فإنه لا ينجر ولاء نفسه إليه من معتق الأم، بل يستمر الولاء لمعتق الأم؛ إذ يبعد أن يثبت للإنسان الولاء على نفسه، وهذا هو الأصح
الحديث: 6429 - الجزء: 3 - الصفحة: 812
في "الشرحين" و"الروضة" و"المنهاج" 152، وصحح في "المحرر": الانجرار 153.
قال في "المهمات": والظاهر أنه سهو.
وعلى ما ذكراه يكون الضمير في قول "الحاوي" [ص 414]: (غيره) للشخص نفسه لا للأب، وهو بعيد، والكلام إنما سبق لبيان جر الولاء من جهة غير الأب التي هي جهة الأم، والله أعلم.
الجزء: 3 - الصفحة: 813