تحرير الفتاوىصفحات 707-746

كتابُ الطَّلاق

صفحات 707-746

3943 - قول " المنهاج " [ص 413]: (يشترط لنفوذه التكليف إلا السكران) فيه أمور: أحدها: أن استثناء السكران من اشتراط التكليف من زيادته على " المحرر " و" الشرحين "، وذكره في " الروضة " بحثاً فقال: قد اقتصر على اشتراط التكليف الغزالي وغيره، وقد يورد عليه: السكران؛ فإنه يقع طلاقه على المذهب، وهو غير مكلف كما قاله أصحابنا وغيرهم في كتب الأصول، ولكن مرادهم: أنه غير مخاطب حال السكر، ومرادنا هنا: أنه مكلف بقضاء العبادات بأمر جديد 1. قال السبكي: ولا حاجة لهذه الزيادة؛ لأن مذهب الشافعي أن السكران مكلف.
وقال شيخنا ابن النقيب: صرح الجويني في " الفروق " والقاضي في " فتاويه " والبغوي كلهم في (الأذان) وابن الصباغ والجرجاني وابن أبي عصرون وصاحب " الاستقصاء " وغيرهم كلهم في (الطلاق) بأنه مكلف؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ الآية، وأجاب عنها في " المستصفى ". انتهى 2. ويوافق تكليف السكران قول " الحاوي " [ص 497]: (إنما يصح طلاق المكلف وإن سكر).
ثانيها: أهمل هو و" الحاوي " أنه يشترط في المطلق أن يكون زوجاً، وذكره " التنبيه " هنا 3 و" المنهاج " في (الخلع) 4، وينفذ من غير الزوج إذا كان نائباً عنه؛ إما بالوكالة أو شرعاً كالقاضي في المولى.
ثالثها: يشترط أيضاً: أن يكون مختاراً، وقد ذكره " التنبيه " و" الحاوي " هنا 5 و" المنهاج " في (البيع)، فقال من زيادته: (وعدم الإكراه بغير حق) 6، وذكر " المنهاج " مسألة المكره بعد ذلك إلا أنه لم يذكر ذلك في شروط المطلق.
3944 - قول " التنبيه " [ص 174]: (ويقع الطلاق بالصريح) أي: بغير نية كما صرح به

" المنهاج " 1، ودل عليه قول " التنبيه " بعده: (والكناية مع النية) ويشترط قصد حروف الطلاق لمعنى الطلاق، فلو لفظ أعجمي به بالعربية وهو لا يدري معناه، لكنه نوى به الطلاق.. لم يقع في الأصح، وقد ذكره " المنهاج " بعد ذلك 2. فإن قلت: قد ساوى الصريح الكناية في اعتبار القصد.
قلت: الذي تميزت به الكناية عن الصريح أن يقصد الإيقاع بذلك اللفظ؛ وقد حكى الرافعي في الكناية عن البوشنجي: أن الطلاق إنما يقع بقوله: (أنت عليّ حرام) إذا نوى حقيقة اللفظ وقصد إيقاعه 3. واستثنى في " المطلب " من قولهم: بوقوع الطلاق بالكناية مع النية: السكران، وقد يقال: لا يتصور منه النية، وبتقدير تصورها منه.. فكيف لا يقع طلاقه؟ 3945 - قولهما: (الصريح: الطلاق والفراق والسراح) 4 كذا الخلع على الأصح مع ذكر المال، وكذا إن لم يذكر على ما تقدم، وكذا المفاداة على ما تقدم في الخلع، وقد ذكرهما " الحاوي " هنا، وذكر أيضاً: (حلال الله علي حرام) 5 وهو في ذلك تابع للرافعي، لكن بشرط اشتهاره في الطلاق 6 ولم يذكره، وقد ذكره " المنهاج " بقيد الاشتهار، وصحح أنه كناية 7، وحكاه في " الروضَة " عن قطع العراقيين والمتقدمين 8، ونص عليه الشافعي، وأطلق " التنبيه " أن قوله: (أنت حرام) كناية 9، وقال النشائي: إنه مبني على أن الاشتهار في الطلاق لا يلحقه بالصريح 10، وفيه نظر؛ فإن محل ذلك: في قوله: (أنت على حرام) فأما قوله: (أنت حرام) كما في " التنبيه ".. فإنه كناية قطعاً كما صرح به البغوي 11، وذكر " الحاوي " أيضاً (نعم) في جواب: (طلقت) لطلب الإنشاء 12، وفيه نظر؛ فإن الصريح هو لفظ الطلاق المقدر بعده المدلول عليه بلفظ: (نعم).

3946 - قول " التنبيه " [ص 175]: (وإن قال لها: " أنت الطلاق ".. فقد قيل: هو صريح، وقيل: هو كناية) الأصح: أنه كناية، وقد ذكره " المنهاج " 1، ويدل عليه أن " الحاوي " لم يذكره في الصرائح.
3947 - قول " المنهاج " [ص 413]: (وترجمة الطلاق بالعجمية صريح على المذهب) كذا سائر اللغات؛ ولهذا قال " الحاوي " [ص 498]: (وترجمتها) ولم يقيد، وكأن " المنهاج " أراد بالعجمية: ما عدا العربية.
وتناولت عبارة " الحاوي " ترجمة غير الطلاق من الفراق والسراح والخلع، وقد ذكرها " المحرر " 2، واكتفى " المنهاج " بالطلاق؛ كأنه لإشعاره بباقيها، لكن الخلاف في غير الطلاق بالترتيب وأولى بعدم الصراحة، قال الإمام: وهذا أظهر 3، وبه أجاب الروياني في " الحلية ". 3948 - قول " التنبيه " [ص 174]: (فإن ادعى أنه أراد طلاقاً من وثاق أو فراقاً بالقلب أو تسريحاً من اليد.. لم يقبل في الحكم وقبل فيما بينه وبين الله تعالى) يستثنى منه: ما إذا كان ثم قرينة؛ كما لو قال لها ذلك وهو يحلها من وثاق.. فالأصح: القبول في الظاهر أيضاً، ولو صرح بذلك في لفظه فقال: (أنت طالق من وثاق) وكذا باقيها.. خرج عن الصراحة إلى الكناية.
قال المتولي: هذا في الظاهر، وأما فيما بينه وبين الله تعالى.. فشرطه: قصد الإتيان بهذه الزيادة من أول اللفظ، فإن عنت له في أثنائه.. فوجهان يأتيان في الاستثناء وغيره، وإن لم تعن له إلا بعد الفراغ.. طلقت، قال: وكذا الكلام إذا لم يتلفظ بها ونواها.. فعلى هذا التفصيل، وفي كلام الماوردي ما قد يخالفه؛ فإنه قال: إن الآتي بالصريح وهو (طلقتك) قد يندم، فيصله بقوله: (من وثاق)، ثم قال: لا معنى لهذا التوهم؛ لأن الكلام المتصل يتعلق الحكم بجميعه؛ كقولنا: (لا إله إلا الله)، لا نقول: كَفَرَ أولاً، فخاف، فاستدرك 4، ونقل في " البحر " هذا السؤال والجواب عن الشافعى 5. قلت: والحق أنه لا يخالفه؛ لأن هذا إنما هو في الظاهر، ولو اعترف الآتي بكلمة التوحيد بأنه كان قصده النفي المطلق ثم عن له بعد فراغ النفي الإثبات.. حكمنا بكفره، ولم يدخل في الإسلام بما أتى به من الإثبات، بل لا بد من تجديد لفظ كامل، والله أعلم.
3949 - قول " التنبيه " في ألفاظ الكناية [ص 174]: (واعزبي) هو بالعين المهملة والزاي، كذا

ضبطه النووي، قال: ووقع في غير " التنبيه ": (اغربي) بغين معجمة وراء.
انتهى 1. وجمع " المنهاج " و" الحاوي " بينهما 2. 3950 - قول " التنبيه " [ص 175]: (وإن قال: " كلي واشربي ".. فقد قيل: هو كناية، وقيل: ليس بشيء) الأصح: الأول، وعليه مشى " الحاوي " 3. 3951 - قول " المنهاج " [ص 414]: (والإعتاق كناية طلاق) ليس المراد: هذا اللفظ بعينه، بل: سائر ألفاظه الصريحة والكناية، فهو أعم من قول " الحاوي " في الكنايات [ص 498]: (وحرة ومعتقة).
3952 - قول " المنهاج " [ص 414]: (وعكسه) كقول " الحاوي " في (العتق) [ص 699، 700]: (وألفاظ الطلاق)، ويستثنى منه: ما لو قال لعبده: (اعتد) أو (استبرئ رحمك) ونوى.. فإنه لغو؛ لاستحالته في حقه.
نعم؛ هو كناية في الأمة على الأصح 4. 3953 - قول " الحاوي " [ص 499]: (وأنت حرام.. يوجب الكفارة) كان ينبغي أن يزيد فيه لفظة: (عليّ) كما فعل " المنهاج " فإن البغوي قال: إن قوله: (أنت حرام) بدون (عليّ) كناية قولاً واحداً 5، ومقتضاه: أنه لا يوجب الكفارة إلا بنية التحريم، ومع زيادة (عليّ) فينبغي تقييده بما إذا لم يشتهر لفظ الحرام في الطلاق، فإن اشتهر فيه.. فهو صريح في الطلاق على طريقة الرافعي 6، وتبعه " الحاوي " فعد في الصرائح (حلال الله على حرام) 7، وقوله: (أنت على حرام) مع الاشتهار مثله، ومتى كان صريحاً في الطلاق.. لم يوجب الكفارة، لكن الصحيح عند النووي وغيره: أنه كناية مطلقاً كما تقدم 8. 3954 - قول " المنهاج " [ص 414]: (أو نواهما.. تخير) يتناول نيتهما دفعة ومرتباً، وقد قال ابن الحداد فيما إذا نواهما مرتباً: إنه إن تقدم الظهار.. حصلا، أو الطلاق وهو بائن.. بانت فقط، أو رجعي.. فالظهار موقوف؛ فإن راجع.. فصحيح، والرجعة عود، وإلا.. فلغو.

وقال الشيخ أبو على: هذا التفصيل فاسد؛ لأن اللفظ إذا لم يجز أن يراد به التصرفان.. فلا فرق بين المعية والتعاقب، وأيضاً: إذا نواهما على التعاقب.. فكل نية مقارنة لبعض اللفظ لا لكله، وفيه خلاف سيأتي، كذا في " الروضة " وأصلها 1، ولما أطلق في " الشرح الصغير " و" المحرر ".. علمنا أن الراجح عنده مقالة الشيخ أبي على، وتعبير " المحرر " بقوله: (نواهما معاً) 2 لا يحترز به عن الترتيب؛ فإنه صادق بالمعية والترتيب كما حُكي عن الشافعي وغيره.
فإذا قلت: (جاء الزيدان معاً).. لا يقتضي مجيئهما في زمن واحد، لكن استعمال الفقهاء بخلافه.
قال شيخنا ابن النقيب: وكأنه محكي عن ثعلب؛ أي: اتحاد زمن مجيئهما 3. وقال شيخنا الإمام البلقيني في قول ابن الحداد: (فالظهار موقوف): ليس بصحيح، وإنما هو صحيح ناجز، قال: وقوله: (فإن راجع.. فصحيح) ممنوع؛ فالصحة ثابتة قبل الرجعة، قال وقوله: (والرجعة عود) يقال عليه: الآن عندكم كما صح الظهار، فلا يكون عائداً على مقتضى ما قلتم حتى يمضي زمان يتأتى فيه صحة الظهار، ويمكن أن يطلق فيه 4 فلا يطلق، قال: وقوله: (وإلا.. فلغو) ليس بصحيح، بل هو صحيح قبل ذلك، قال: ومقتضى كلامه الاستواء وهو ممتنع هنا.
انتهى.
وقول " المنهاج " [ص 414]: (وقيل: طلاق، وقيل: ظهار) من زيادته؛ فإن " المحرر " لم يذكر مقابل المرجح.
3955 - قوله فيما لو قال لأمته: (أو تحريم عينها أو لا نية.. فكالزوجة) 5 أي: فيوجب كفارة يمين، هو داخل في قول " الحاوي " أولاً [ص 499]: (إنه يوجب الكفارة).
ويستثنى منه: ما لو قاله لأمته التي هي أخته.. فلا كفارة؛ لصدقه في وصفها، ولو كانت الأمة معتدة أو مرتدة أو مجوسية أو مزوجة.. ففي الكفارة وجهان، أو حائضاً أو نفساء أو صائمة.. وجبت على المذهب.
3956 - قول " المنهاج " [ص 414]: (وشرط نية الكناية: اقترانها بكل اللفظ) هو ظاهر قول " التنبيه " [ص 174]: (فإن نوى به الطلاق.. وقع) ثم قال " المنهاج " [ص 414]: (وقيل: يكفي بأوله)، وعليه مشى " الحاوي " فقال [ص 499]: (بنية تقترن بأوله)، وصحح في " أصل

الروضة " خلافهما، فقال: ولو اقترنت بأول اللفظ دون آخره أو عكسه.. طلقت في الأصح 1، والذي في الرافعي نقل ترجيح الوقوع في اقترانها بأوله عن الإمام والغزالي، قال: وسكتا عن الترجيح في اقترانها بآخره خاصة، وهو يشعر بأنهما رأيا فيه البطلان 2، وفي " الشرح الصغير " في الأولى: الأظهر: الوقوع وميل الإمام في الثانية إلى ترجيح عدمه، ثم حكى الرافعي عن المتولي أنه قرب الخلاف في الأولى من الخلاف فيما إذا اقترنت نية الصلاة بأول التكبير دون آخره، والخلاف في الثانية من الخلاف في نية الجمع في أثناء الصلاة، قال الرافعي: وقضيته أنه إذا كان الوقوع في الأولى أظهر.. ففي الثانية أولى؛ لأن الأظهر في اقتران النية بأول التكبير: الانعقاد، وفي الجمع: الصحة، كذا وقع في الرافعي 3. ولعله (عدم الانعقاد) ليطابق المصحح في الصلاة؛ وليكون في الثانية أظهر، وهذا هو الذي حمل النووي على تصحيح الطلاق فيهما، وما صححه في " المنهاج " تبع فيه قول " المحرر ": (إنه رُجِّح) 4 ولعله سبق قلم؛ فإنه مخالف لترجيح " الصغير "، ولحكاية " الكبير " عن الإمام والغزالي.
وقال في " التوشيح ": إن تعبير " الروضة " يفهم أنه لا يُكتفى بوجودها في أثنائه؛ لأن الصور ثلاث: وجودها في أول اللفظ فقط، وفي آخره فقط، وفي أثنائه فقط، ولا شك أن حكم أثنائه حكم آخره، فصواب العبارة: أن يقال: يكتفى بها قبل فراغ اللفظ.
واعلم: أن الرافعي مثل اقترانها بأوله دون آخره؛ بأن توجد عند قوله: (أنت) دون (طالق)، ولا يخفى أن قوله: (طالق) سبق قلم؛ فإنه صريح، ثم إن المعتبر اقترانها بلفظ الكناية؛ إما كله أو بعضه؛ لأن القصد منها: تفسير إرادة الطلاق به، فلا عبرة باقترانها بلفظة (أنت).
قال في " المهمات ": وقد صرح بهذا البندنيجي والماوردي وصاحب " الشامل " 5، وفيما حكاه عن صاحب " الشامل " نظر؛ فإن عبارته في ذلك مثل الرافعي.
قال في " المطلب ": ومن ذلك يخرج وجهان في اعتبار النية عند قوله: (أنت) وأيد الاكتفاء بها عند (أنت) بما إذا وقع (أنت) في زمن الطهر و (طالق) في زمن الحيض؛ فإن ابن سريج قال: يكون الطلاق سنياً، ويحصل لها قرء واحد.
3957 - قول " المنهاج " [ص 414]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص 499]: (ويُعتدُّ بإشارة أخرس في العقود والحلول) كذا الأقارير والدعاوى.

3958 - قول " المنهاج " [ص 414]: (فإن فهم طلاقه بها كل أحد.. فصريحة، وإن اختص بفهمه فطنون.. فكنايةٌ) لو قال كـ " الحاوي " [ص 499، 500]: (والصريح ما يفهم الكل، والكناية الفطن).. لكان أحسن، ليتناول غير الطلاق، ثم إن انقسام إشارته إلى صريح وكناية حكاه الرافعي عن الإمام وآخرين، قال: ومنهم من أدار الحكم على إشارته وأوقع الطلاق بها نوى أو لم ينو، قال: وكذا فعل البغوي 1. ولم يصحح في " الروضة " و" الشرحين " واحدة من المقالتين، وظاهر إطلاقهما العمل بإشارته وإن قدر على الكتابة 2، وكذا أطلقه الجمهور، وصرح بذلك الإمام 3، وشرط المتولي عجزه عن كتابة مفهمة، وإلا.. فالكتابة هي المعتبرة، وينبغي أن يكتب مع ذلك: إني قصدت الطلاق.
3959 - قول " المنهاج " [ص 414]: (ولو كتب ناطقٌ طلاقاً) لم يحترز به عن الأخرس؛ فإن الأخرس أيضاً كذلك، بل أولى؛ فالصحيح: أنها في حقه كناية، فيقع إذا نوى، وإن لم يشر، وقيل: لا بد من إشارته مع النية، وقيل: هي صريحة في حقه 4. 3960 - قول " التنبيه " [ص 179]: (وإن كتب الطلاق ونوى وكتب: " إذا جاءك كتابي.. فأنت طالق " فجاءها وقد انمحى موضع الطلاق وبقي غيره.. لم يقع، وإن انمحى غير موضع الطلاق وبقي موضع الطلاق.. فقد قيل: يقع، وقيل: إن كتب: " إن أتاك كتابي ".. وقع، وإن كتب: " إن أتاك كتابي هذا ".. لم يقع) صحح في " أصل الروضة " في الصورة الأولى - وهي ما إذا انمحى موضع الطلاق -: عدم الوقوع، وقال في الثانية - وهي ما إذا انمحى غير موضع الطلاق -: فيه الأوجه الثلاثة، والوقوع هنا أولى، وبه قال أبو إسحاق؛ لوصول المقصود، قال: ويحسن الاعتماد على الوجه الثالث في الصورتين 5. وأقر النووي في " تصحيحه التنبيه " على عدم الوقوع في الأولى، وصحح في الثانية هذا التفصيل 6. ودخل في عبارته: ما لو بقي مع موضع الطلاق جميع المقاصد ولم ينمح سوى السوابق واللواحق؛ كالبسملة والحمد والصلاة، والأصح في هذه الصورة: الوقوع مطلقاً، كما نقله الرافعي عن الإمام 7، وأرسل تصحيحه في " الشرح الصغير "، وصححه في " أصل

الروضة " (1)، ومشى " الحاوي " على الوقوع في الثانية دون الأولى مطلقاً فقال: (وبلوغ الكتاب وبقيَ سطر الطلاق) (2) ثم المراد: انمحاءٌ لا تمكن معه القراءة.
3961 - قول " المنهاج " [ص 414]: (وإن كتب: " إذا قرأت كتابي " وهي قارئةٌ، فقرأته.. طلقت) قال الإمام: المعتبر أن تطلع على ما فيه، واتفق علماؤنا على أنها إذا طالعته وفهمت ما فيه.. طلقت وإن لم تتلفظ.
قوله: (وإن قُرئ عليها.. فلا في الأصح) (3) هذا بخلاف القاضي، فإذا كتب إليه من ولاه: (إذا قرأت كتابي.. فأنت معزول) فَقُرئ عليه.. فإنه ينعزل وإن أحسن الكتابة في الأصح؛ ولهذا قال " الحاوي " [ص 511]: (وقراءته وهو أميٌّ) أي: وقراءة غير المعلق بقراءته إذا اكان المعلق بقراءته أمياً كقراءة المعلق بقراءته، ثم قال: (ولعزل القاضي مطلقاً) (4). قال في " المهمات ": والصواب: التسوية وعدم العزل والطلاق.
انتهى.
وأبدى بعضهم في الفرق: أن العادة في الحكام أن تُقرأ عليهم المكاتيب.
3962 - قول " المنهاج " [ص 414]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص 511]: (وإن لم تكن قارئة فقرئ عليها.. طلقت) استشكله في " المهمات " لأن الصحيح في التعليق بالمستحيل: أنه لا يقع، وهذا أولى منه؛ لأنه ممكن في نفسه وقد علق عليه ولم يخرجه عن مدلوله، فإن أراد الاطلاع عليه.. فمسلم، وليس الكلام فيه.
انتهى.
ثم صورة ذلك: أن يعلم المُعلق أنها أمية، فلو لم يعلم أهي قارئة أم أمية.. قال الرافعي: فيجوز أن ينعقد التعليق على قراءتها بنفسها نظراً إلى حقيقته، ويجوز أن ينعقد على الفهم والإطلاق؛ لأنه القدر المشترك بين الناس، قال: والأول أقرب (5).

فَصْل [تفويض الطلاق]

3963 - قول " التنبيه " [ص 174]: (وإن قال لامرأته: " طلقي نفسك " فقالت في الحال: " طلقت نفسي ".. طلقت) فيه أمران:12345

أحدهما: قد يفهم أنه لو زاد في التفويض فقال: " إن شئت ".. لم يصح، وليس كذلك؛ ولهذا قال " الحاوي " [ص 513]: (وطلقي نفسك أو إن شئت).
ثانيهما: أنه يفهم أنها لو اقتصرت على قولها: (طلقت).. لم تطلق، والأصح في " الكفاية " خلافه، ويوافقه أن في " المنهاج " و" الروضة " وأصلها فيما لو قال: (أبيني نفسك) فقالت: (أبنت) ونويا.. الوقوع 1، فإذا اكتُفي بذلك في الكناية.. ففي الصريح أولى.
3964 - قول " التنبيه " [ص 174]: (فإن أخرت ثم طلقت.. لم يقع، إلا أن يقول: " طلقي نفسك متى شئت ") إنما ذكره الرافعي والنووي تفريعاً على قول التوكيل؛ فإنهما رجحا على قول التمليك - وهو الأظهر -: اعتبار الفور، وعلى قول التوكيل: جواز التأخير، ثم استثنيا من الخلاف على قول التوكيل هذه الصورة، فقالا: أما لو قال: (طلقي نفسك متى شئت).. فيجوز التأخير قطعاً.
انتهى 2. والذي في " التنبيه " مشكل؛ لأن اشتراط الفور تفريع على التمليك، ولا فرق في اشتراط الفور في قبول عقد التمليك بين أن يصرح الموجب بجواز تأخيره أم لا.
قال في " الكفاية ": ويمكن أن يجاب عنه: بأن الطلاق يقبل التعليق.. فجاز أن يتسامح في تمليكه، بخلاف سائر التمليكات.
3965 - قوله: (وإن قال: " اختاري ".. فهو كناية يفتقر إلى القبول في المجلس على المنصوص، وقيل: يفتقر إلى القبول في الحال) 3 الأصح: الثاني، وتفريقه بين التفويض بالتصريح.. فيعتبر في قبوله الفور، وبين التفويض بالكناية.. فيكتفى فيه بالمجلس، لا يظهر له معنى، وقد قال ابن القاص وغيره تفريعاً على التمليك بالاكتفاء بالمجلس ولم يخص ذلك بالكناية، وهو منصوص الشافعي، لكن حمله الجمهور على مجلس التواجب، وهو ما يربط الإيجاب بالقبول، وغلط القاضي حسين من حمله على المجلس الذي يناط بمنتهاه انقطاع خيار المجلس.
وأجاب في " الكفاية " عن " التنبيه ": بأن لفظ (اختاري) يشعر بالتروّي، فاقتضى الإمهال بوضعه، بخلاف (طلقي).
ومقتضى هذا الجواب: أنه لا يلتحق بها بقية ألفاظ الكنايات؛ كـ (أبيني نفسك)، ولا قائل في ألفاظ الكنايات بالفرق.
3966 - قول " المنهاج " [ص 415]: (ولو قال: " طلقي " ونوى ثلاثاً فقالت: " طلقت "

ونوتهن.. فثلاثٌ، وإلا.. فواحدةٌ في الأصح) صورة محل الخلاف: أن ينوي هو الثلاث ولا تنوي هي عدداً، أما إذا لم ينو واحد منهما العدد، أو نوته هي دونه.. فلا يقع إلا واحدة قطعاً، وهاتان الصورتان تدخلان تحت قوله: (وإلا) فإن الذي أثبته قبل ذلك نية العدد المخصوص منهما، فيصدق نفيه بهذه الصور.
وقد يرد على عبارته أيضاً: ما إذا نوت ثنتين.. فإنهما يقعان، وفي " فتاوى البغوي ": لو قال: (طلقي نفسك ثلاثاً) فطلقت واحدة فراجع.. فلها أن تطلق ثانية وثالثة.
قال في " المهمات ": والصواب: تقييده بالحال؛ لأن الصحيح: أنه تمليك.. فلا بد فيه من الفور.
3967 - قول " التنبيه " [ص 173]: (وله أن يوكل من يطلق) أي: تنجيزاً في معيّنة كما قدمته في (الوكالة).
3968 - قوله: (فإن وكل امرأة في طلاق زوجته.. فقد قيل: يصح، وقيل: لا يصح) (1) الأصح: الصحة.
3969 - قوله: (وللوكيل أن يطلق متى شاء إلى أن يعزله) (2) قال شيخنا الإسنوي في " التنقيح ": يدخل فيه ما لو طلقها وهي حائض.. فيحتمل - وهو الظاهر - ألاَّ ينفذ؛ لتحريمه، ويحتمل تنفيذه؛ كطلاق الموكل، فلو وكله ليطلق في الحيض.. فيظهر أنه لا يصح؛ لظهور قصد المعصية، وقد يقال بجوازه؛ للتنصيص عليه.

فَصْل [في سبق اللسان بالطلاق وحكم طلاق المكره والسكران]

3970 - قول " الحاوي " [ص 497]: (لا إن سبق لسانه) قد يفهم قبول ذلك ظاهراً بلا قرينة، وليس كذلك؛ ولهذا قال " المنهاج " [ص 415]: (ولا يُصدَّقُ ظاهراً إلا بقرينةٍ) وأوضح ذلك في " الروضة " وأصلها فقال: فإذا قال: (طلقتك) ثم قال: سبق لساني وإنما أردت: (طلبتك).. فالنص: أنه لا يسعها أن تقبل منه، وعن الماوردي وغيره: أن هذا في المتهم، فإن ظنت صدقه بأمارة.. فلها القبول، ولا مخاصمة، ولمن سمعه وعرف الحال.. ألاَّ يشهد عليه، قال الروياني: وهذا هو الاختيار 3.12

3971 - قول " المنهاج " [ص 415]: (ولو كان اسمها طالقاً فقال: " يا طالق " وقصد النداء.. لم تطلق، وكذا إن أطلق في الأصح) المراد: أن يكون اسمها طالقاً حين النداء، فلو سميت بذلك ثم غير اسمها إلى غيره ثم خاطبها به بعد التغيير.. طلقت إن قصد الطلاق أو أطلق، فإن قصد نداءها بالاسم القديم.. لم تطلق، ذكره الرافعي في أول (العتق) في نظير المسألة من العتق 1. والمخالفة بين الصورتين في حالة الإطلاق: إن كان الاسم قائماً.. لم تطلق، وإلا.. طلقت.
3972 - قوله: (ولو خاطبها بطلاقٍ هازلاً أو لاعباً) 2 يقتضي تغايرهما، وعبارة " المحرر ": (على سبيل الهزل واللعب) 3 وذلك يقتضي اتحادهما، ويوافقه قول " الروضة " وأصلها: وصورة الهزل: أن يلاعبها بالطلاق؛ بأن تقول في معرض الدلال والاستهزاء: (طلقني) فيقول: (طلقتك).. فتطلق.
انتهى 4. فجعل اللاعب تصويراً للهازل؛ ولهذا قال " الحاوي " [ص 497]: (وإن هزل) فاقتصر على الهزل، وقوله: (كغير النكاح) 5 يعني: أن النكاح لا يصح مع الهزل، تبع فيه الغزالي؛ فإنه قال في " الوجيز ": إنه المشهور 6، لكن الأصح في " أصل الروضة ": صحة النكاح مع الهزل كغيره، وهو مقتضى كلام الرافعي 7، وقد ورد الحديث فيه بأن هزله جد، وصححه الحاكم في " مستدركه " 8. 3973 - قوله: (أو ظنها غير زوجته) 9 زاد " المنهاج " [ص 415]: (بأن كانت في ظلمةٍ، أو نكحها له وليُّه أو وكيله ولم يعلم) محل الوقوع: في الظاهر، وأما في الباطن: ففيه وجهان بناهما المتولي على الإبراء من المجهول؛ إن لم يصح.. لم يقع باطناً 10. 3974 - قول " المنهاج " [ص 416]: (ولو لفظ عجميٌّ به بالعربية ولم يعرف معناه.. لم يقع) لو عبر كـ " الحاوي " بقوله [ص 497]: (أو لُقِّنَ بلا فهم).. لكان أعم؛ ليتناول نطق العربي به

بالعجمية بلا فهم وغيرها من الصور؛ ولهذا عبر في " الروضة " بقوله: إذا لُقِّنَ كلمة الطلاق بلغة لا يعرفها، وهذا شامل، قال المتولي: وهذا إذا لم يكن مخالطاً لأهل ذلك اللسان؛ فإن خالطهم.. لم يقبل ظاهراً، ويدين 1. 3975 - قول " المنهاج " [ص 416]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص 497]: (ولا يقع طلاق مكره) قيده " التنبيه " بأن يكون الإكراه بغير حق 2، فلو أكره بحق.. وقع؛ ومثلوه: بإكراه القاضي المولى بعد المدة وامتناعه من الفيئة على الطلاق، واستشكله الرافعي وغيره: بأنه لا يؤمر بالطلاق عيناً، بل به أو بالفيئة، ولو أكره شخص على أن يطلق أو يُعتق، ففعل أحدهما.. نفذ، وأيضاً: فمحل الاحتراز: إذا قيل: إن الإكراه يكون بغير القتل والقطع، وإلا.. فالقاضي لا ينتهي في حق المولى إلى ذلك 3، ولهذا الإشكال أسقط من " الشرح الصغير " و" المحرر " مسألة المولى، فلم يذكرها في صورة الإكراه بحق، ولكن ذكرها البغوي وغيره 4، وأيضاً فالاحتراز إنما هو تفريع على الضعيف؛ فإن الأصح: أن الحاكم هو الذي يطلق على المولى الممتنع، وحينئذ.. لا إكراه أصلاً.
وقد يستثنى من عدم وقوع طلاق المكره مسائل: منها: ما لو نوى المكره الطلاق حال تلفظه به.. فإنه يقع في الأصح، وقد يقال: ليس هذا مكرهاً.
ومنها: لو قال: طلق زوجتي وإلا قتلتك، فطلقها.. فإنه يقع في الأصح؛ لأنه أبلغ في الإذن مع كونه مكرهاً على ذلك بغير حق.
ومنها: ما لو أكره الوكيل بالطلاق على إيقاعه.. ففيه احتمالان لأبي العباس الروياني، لكن أصحهما عنده: عدم الوقوع.
3976 - قول " التنبيه " [ص 173]: (كالتهديد بالقتل أو القطع أو الضرب المبرح) فيه أمور: أحدها: في معنى ذلك أيضاً: الحبس وإتلاف المال؛ ولهذا عبر " المنهاج " بقوله [ص 416]: (ويحصل بتخويفٍ بضربٍ شديدٍ أو حبسٍ أو إتلاف مالٍ ونحوها)، وعبارة " الحاوي " [ص 497]: (بمحذور) فتناول جميع ذلك، ودخل فيه أيضاً: الإكراه بالضرب القليل أو الشتم وهو من ذوي

الأقدار؛ فإن ذلك محذور في حق ذلك الرجل دون غيره، وقد ذكره " التنبيه " بعد ذلك، وقال: (المذهب: أنه لا يقع طلاقه) 1. ودخل في ذلك قول " المنهاج " [ص 416]: (ونحوها)، وهو من زيادته على " المحرر "، وصحح في " الروضة " من زيادته: أن المعتبر أن يكرهه على فعل ما يؤثر العاقل الإقدام عليه حذراً مما هدده به، وقد يكون الشيء إكراهاً في شيء دون شيء وشخص دون شخص، ففي الطلاق يُكتفى بالقطع، وكذا الحبس الطويل، وصفع ذوي المروءة، وتسويد وجهه، والطواف به في الأصح، لا إتلاف المال في الأصح، وفي القتل لا يكفي التخويف بالحبس وقتل الولد وإتلاف المال، والتخويف بجميع ذلك إكراه في إتلاف المال، وقال النووي مع تصحيحه هذا الوجه: إن في بعض تفصيله نظراً 2. ثانيها: يستثنى من القتل والقطع: ما إذا كانا مستحقين؛ كما إذا قال ولي القصاص لمن عليه القصاص: طلق زوجتك وإلا اقتصصت منك.. فلا يكون إكراهاً، ذكره في " الكفاية ". ثالثها: قال في " المنهاج " [ص 416]: (شرط الإكراه: قُدرةُ المُكْرِه على تحقيق ما هدد به بولايةٍ أو تغلُّبٍ، وعجز المُكْرَهِ عن دفعه بهربٍ وغيره، وظنه أنه إن امتنع.. حققه) وأورد شيخنا الإسنوي ذلك على عبارة " التنبيه " بلفظ: (الصواب) 3، فإن ورد عليه.. فهو وارد على " الحاوي " أيضاً؛ فإنه لم يذكره، وقد يقال: لا يرد ذلك عليهما؛ فإنه متى انتفت هذه الأمور أو بعضها.. فلا محذور ولا إكراه، بل المطلق مختار، وحينئذ.. فتصريح " المنهاج " بها زيادة إيضاح.
3977 - قول " المنهاج " [ص 416]: (ولا تشترط التورية؛ بأن ينوي غيرها، وقيل: إن تركها بلا عذرٍ.. وقع) كذا جعل الرافعي محل الوجهين: ما إذا لم يكن عذر، فأما مع العذر؛ كالدهشة والغباوة.. فلا يقع قطعاً 4، وهو بحث للإمام بعد أن نقل عن الأصحاب إطلاقهما، وأطلقهما أيضاً القاضي حسين والفوراني والبغوي والمتولي وابن الصباغ والجرجاني والروياني وغيرهم 5. 3978 - قول " الحاوي " [ص 497]: (كغير إسلام الحربي) يرد عليه: المرتد؛ فإنه يصح إكراهه على الإسلام أيضاً، وقد يقال: هو مفهوم من طريق الأولى، وإنما قصد إخراج الذمي،

ويصح أيضاً الإكراه على بيع المال لوفاء الحق وعلى إيتاء الغير حقه.
3979 - قوله: (والإفطار) 1 أي: ويبيح الإكراه الإفطار في نهار رمضان، وفي معناه: الخروج من صلاة الفرض.. فيباح بالإكراه أيضاً.
3980 - قوله عطفاً على ما يصح من الطلاق: (أو سَكِرَ) 2 أي: متعدياً؛ ولذلك قال " المنهاج " [ص 416]: (ومن أثم بمزيل عقله من شرابٍ أو دواءٍ.. نفذ طلاقه وتصرفه له وعليه قولاً وفعلاً على المذهب) و" التنبيه " [ص 173]: (ومن زال عقله بسبب يعذر فيه؛ كالمجنون والنائم والمبرسم.. لا يصح طلاقه، ومن زال عقله بسبب لا يعذر فيه؛ كالسكران ومن شرب ما يزول به عقله لغير حاجة.. وقع طلاقه، وقيل: فيه قولان، أشهرهما: أنه يقع طلاقه) وفيه أمران: أحدهما: قال في " الكفاية ": اعتُرض على جعله النوم مزيلاً للعقل، وهو ساتر له فقط، لكن الصحيح في حد العقل: أنه صفة يتهيأ بها لإدراك النظريات العقلية، وهي من قبيل العلوم الضرورية، وهذا يتناول النوم.
ثانيهما: الأصح في السكران: طريقة القولين، كذا صححه الرافعي، وحكاه عن الأكثرين 3، لكن في " البيان ": أن الأكثر على الطريقة الأولى 4. 3980/ 1 - قول " التنبيه " [ص 175]: (وإن قال لها: " دمك طالق ".. لم تطلق) الأصح: وقوع الطلاق، وعليه مشى " الحاوي " و" المنهاج "، وعبر عنه (بالمذهب) 5، وما حكيته من لفظ " التنبيه " هو كذلك في " الكفاية "، وقال: إنه الموجود في النسخ، لكن المضبوط عن نسخة المصنف كما قال النووي: (دمعك) بدل (دمك) 6. 3981 - قول " التنبيه " [ص 175]: (فإن قال: " أنا منك طالق "، أو فوض الطلاق إليها فقالت: " أنت طالق ".. فهو كناية لا الطلاق إلا بالنية) المراد: أن ينوي الزوج إضافة الطلاق إليها، وإلا.. فقد عُرف أن الكناية لا يقع بها الطلاق إلا بنية؛ ولذلك قال " المنهاج " [ص 416]: (ولو قال: " أنا منك طالقٌ " ونوى تطليقها.. طلقت، وإن لم ينو طلاقاً.. فلا، وكذا إن لم ينو إضافته إليها في الأصح)، و" الحاوي " [ص 499]: (وأنا منك طالق ونوى طلاقها) وتصويرهم يقتضي أنه لا بد من لفظة (منك)، وقال في " المهمات ": إنها ليست شرطاً؛ لانتظام هذا العمل

بدونها خلاف ما يوهمه كلام الرافعي و" الروضة "، قال: ولذلك حذفها الدارمي في " الاستذكار "، وحينئذ: فإن كانت له زوجة واحدة وقصد طلاقها.. فواضح، وإن كان له زوجات وقصد طلاق واحدة منهن.. وقع على واحدة، وُيعين.
3982 - قول " المنهاج " [ص 416]: (ولو قال: " أنا منك بائن ".. اشترط نية الطلاق، وفي الإضافة الوجهان) قد يقال: إنه يغني عنه ما ذكره في قوله: (أنا منك طالق)، فإنه إذا اشترطت النية هناك مع صراحة الطلاق.. فمع لفظ البينونة أولى.
3983 - قول " المنهاج " [ص 416] و" الحاوي " [ص 499]: (ولو قال: " استبرئي رحمي منك ".. فلغو) كذا صور في " الروضة " وأصلها (1)، وصورها في " الشرح الصغير " بقوله: استبرئي الرحم التي كانت لي.
انتهى.
وهذا ذكره الرافعي في " الكبير " تعليلاً فقال: أحدهما: يقع، والمعنى: استبرئي الرحم التي كانت لي.
والثاني: لا؛ لأن اللفظ غير منتظم (2).

فَصْل [في تعليق الطلاق]

3984 - قول " التنبيه " [ص 180]: (وإن قال: " إن دخلت الدار.. فأنت طالق "، ثم بانت منه، ثم تزوجها، ثم دخلت الدار.. ففيه ثلاثة أقوال، أحدها: تطلق، والثاني: لا تطلق، والثالث: إن عادت إليه بعد الثلاث.. لم تطلق، وإن عادت قبلها.. طلقت، والأول أصح) صحح في (الخلع): الثاني، فقال: (فإن خالعها ولم يفعل المحلوف عليه وتزوجها.. ففيه قولان، أصحهما: أنه يتخلص من الحنث) 3، وكذا صححه " المنهاج " 4، وقد يفهمه قول " الحاوي " [ص 498]: (لغير البائنة) فالبينونة المقارنة للتعليق مانعة من صحته، والطارئة عليه مبطلة حكمه.
وادعى شيخنا ابن النقيب أن قول " المنهاج " [ص 417]: (ولو علقه بدخول فبانت ثم نكحها ثم دخلت.. لم يقع إن دخلت في البينونة) كلام متدافع لا ينتظم مع قوله: (ثم نكحها ثم دخلت) 512

أي؛ لأنه صرح بأن الدخول بعد النكاح.. فكيف يُفصِّل بعد ذلك بين أن تدخل في البينونة أم لا؟ وهو عجيب! ؟ لأن الكلام في الدخول الواقع في النكاح الثاني هل يقع به الطلاق أم لا؟ والحكم أنه إن سبق دخول في البينونة.. فلا طلاق قطعاً؛ لأن اليمين انحلت، وإن لم يسبق دخول.. فالأظهر: أنه لا طلاق أيضاً، وعبارة " المحرر " و" الشرحين " في ترجيح هذا القول: (إنه اْقوى توجيهاً واختاره مختارون) 1، قال في " الشرحين ": منهم الإمام وابن الصباغ، واختار جماعة الوقوع وجماعة التفصيل 2. 3985 - قول " التنبيه " [ص 182]: (وإن طلق امرأته ثلاثاً في المرض ومات.. لم ترث في أصح القولين) حكم المطلقة بما دون الثلاث قبل الدخول أو بعده بعوض حكم المطلقة ثلاثاً، فلو عبر (بالبينونة) كما فعل " المنهاج " 3.. لكان أولى، والمراد: المرض المخوف، وفي معناه: كل حالة يعتبر التبرع فيها من الثلث، وقوله: (ومات)، أي: منه، وقد عبر " المنهاج " (بمرض موته) 4. 3986 - قول " التنبيه " تفريعاً على القديم [ص 182]: (وإلى متى ترث؟ فيه ثلاثة أقوال) لم يرجح الرافعي والنووي وابن الرفعة منها شيئاً 5، وقد رجح الشافعي رحمه الله: الثالث، وهو أنها ترثه ما لم تتزوج، حكاه عنه البيهقي 6، وقال القلعي في " الغوامض ": إن الثاني أقيس، وهو أنها ترثه ما لم تنقض العدة، ونقله ابن الصباغ عن " الأم " 7. وقال في " التوشيح ": الذي يظهر من كلام الرافعي وهو - الفقه تفريعاً على القديم - رجحان الأول، وهو أنها ترث أبداً؛ فقد رُجّح فيما إذا أبان أربعاً في مرضه ثم نكح أربعاً.. أن الميراث للصنفين جميعاً؛ فكما لم يُستبعد ميراث ما زاد على العدد الشرعي.. كذلك لا يُستبعد ميراث امرأة من رجلين، كيف وقد عقلنا عدتها من رجلين في اجتماع العدتين، وتقديم " التنبيه " له أيضاً في الذكر عند التفريع يشعر بأنه الأرجح عنده.
انتهى.
3987 - قوله: (وإن سألته الطلاق الثلاث.. فقد قيل: لا ترث، وقيل: على قولين) 8

الأصح: الأول، وهو القطع بعدم الإرث، وإذا كان ذلك بخلع معها.. فهو آكد من مطلق سؤالها، ولا معنى لتقييد ذلك بالثلاث كما تقدم.
3988 - قوله: (وإن علق طلاقها على صفة تفوت بالموت؛ بأن قال: " إن لم أتزوج عليك.. فأنت طالق ثلاثاً ".. فهل ترثه؟ على قولين) (1) اعترضه ابن يونس في " التنويه " وقال: مَثّل الصفة التي تفوت بالموت بصفة تتحقق بالموت؛ فإن الصفة في هذا المثال: عدم التزوج عليها، وهو يتحقق بالموت، لا أنه يفوت به.
3989 - قوله: (وإن علق طلاقها على صفة لا بد لها منه؛ كالصوم والصلاة.. فهي على قولين) (2) صوابه: (لا بد لها منها)، وتنكير " التنبيه " القولين في هذه المسائل إشارة منه إلى طردهما وإن ورثنا المطلقة في المرض؛ إذ لو كانا هما القولين في أصل المسألة.. لقال: (على القولين)، وقد صرح بذلك الجيلي، ذكره في " الكفاية ". قال شيخنا الإسنوي في " التنقيح ": ويسأل على القول القديم عن الفرق بينه وبين ما إذا باع النصاب فراراً من الزكاة؟ فإنها لا تجب بلا خلاف.
انتهى.
وقد يُفرق ببناء حقوق الآدميين على المضايقة، بخلاف حقوق الله تعالى؛ فإنه يغلب فيها المسامحة.

فَصَل [في تعدد الطلاق بنية العدد وما يتعلق به]

3990 - قول " التنبيه " [ص 175]: (إذا خاطبها بلفظ من ألفاظ الطلاق ونوى به طلقتين أو ثلاثاً.. وقع) حذف صاحب " التنبيه " قوله: (إذا خاطبها) ليعم ما إذا أشار لزوجته ولو نائمة أو مجنونة وقال: " هذه طالق ".. فإنه يقع وإن لم يكن مخاطباً لها ولا مكلماً؛ لأنها غير قابلة للخطاب، وكذا يرد ذلك على قول " المنهاج " [ص 417]: (قال: " طلقتك "، أو " أنت طالق " ونوى عدداً.. وقع) فإنه عبر بلفظ الخطاب، فهو مثال؛ ولهذا قال " الحاوي " [ص 503]: (وإن نوى عدداً.. ما نوى).
3991 - قول "التنبيه " [ص 175]: (إلا قوله: "أنت واحدة" - أي: بالرفع، كما قيده النووي 3 فإنه لا يقع به أكثر من طلقة، وقيل: يقع به ما نوى) الثاني هو الأصح، وعليه مشى "المنهاج " 4.12

3992 - قوله: (ولو قال: " أنت طالق واحدة " ونوى عدداً.. فواحدة، وقيل: المنوي) 1 تبع فيه " المحرر " فإنه قال: (إنه رُجّح) 2، وعليه مشى " الحاوي " فقال [ص 503]: (لا: " أنت واحدة ") أي: طالق واحدة، وهو مضبوط فيه بالنصب؛ أي: فلا يقع المنوي، ثم قال: (لا إن نوى توحُّدَها بالثلاث) 3 أي: فيقع المنوي، وقد حكى الرافعي في " شرحيه " ترجيح وقوع الواحدة عن الغزالي، وحكى عن البغوي وغيره وقوع المنوي، وصححه في " أصل الروضة " 4. ولو قال: (أنت واحدةً) بالنصب وحذف لفظة: (طالق).. فظاهر إيراد " الحاوي " وقوع واحدة، ولم يصرح به الرافعي، والظاهر أنه كقوله: (أنت طالق واحدة) إذا نوى به الطلاق، فلو قال: (أنت طالق واحدة) بالرفع.. فهو كقوله: (أنت واحدة)، وقد تقدم فيه ترجيح وقوع المنوي.
وقال الشيخ برهان الدين بن الفركاح: الذي يظهر من حيث التعليل: أن يُقرأ ذلك بالرفع وبالخفض وبالنصب وبالسكون وتكون كلها على وجهين؛ فارتفع (واحدة) على أنه خبر، وانتصب على أنه مفعول ثان وانخفض على تقدير: (أنت ذات واحدة)، ويكون قد حذف الجار وأبقى المجرور على حاله، كما قيل لبعضهم: كيف أصبحت؟ قال: خير؛ أي: بخير، والسكون على الوقف.
انتهى.
وقال في " التوشيح ": كذلك قوله: (أنت اثنتان) إذا نوى به ثلاثاً.. فيجيء فيما يظهر فيه الخلاف هل يقع ما نوى أو لا يقع إلا اثنتان؟ 3993 - قول " المنهاج " [ص 418]: (ولو أراد أن يقول: " أنت طالق ثلاثاً " فماتت قبل تمام طالقٌ.. لم يقع، أو بعده قبل ثلاثٍ.. فثلاثٌ، وقيل: واحدةٌ، وقيل: لا شيء) في معنى موتها: إسلامها، وردتها قبل الدخول، وأخذ شخص على فيه قبل أن يقول: (ثلاثاً)، وما صححه من وقوع ثلاث تبع فيه " المحرر " فإنه قال: (إنه رجح) 5، ونقل تصحيحه في " الروضة " عن البغوي، وفي " الشرحين " عن البغوي، ثم قال: وقال البوشنجي: مقتضى الفتوى: إن نوى الثلاث بـ (أنت طالق) وقصد تحقيقه باللفظ.. فثلاث، وإلا.. فواحدة، وكذا

قال المتولي في تعبيره عن هذا الوجه.
انتهى 1. وقال في " التوشيح ": يظهر ترجيح ما قاله البوشنجي؛ وكأنه تحقيق مناط، ثم قال: والذي يظهر أن موتها قبل تمام (ثلاثاً) وبعد الشروع فيها كموتها قبل الشروع فيها، وإن لم أره مصرحاً به، ثم قال: وقد يقال: بوقوع الثلاث إذا شرع في لفظ (ثلاثاً) وماتت في أثنائه، وإن لم يقع إذا لم يكن قد شرع فيه كما قيل فيما لو قال: (أنت طالق إن) ثم ماتت.
فقال: أردت أن أقول: (إن دخلت الدار).. أنه يقبل؛ لوجود بعض لفظ التعليق 2. أما لو قال: (أنت طالق) على عزم الاقتصار عليه، فماتت، فقال: (ثلاثاً)، فقال الإمام: لا شك أن الثلاث لا تقع، وتقع الواحدة 3، وخرج الرافعي وجهاً: أن الاستثناء يعمل، ولا تقع الواحدة أيضاً 4. 3994 - قوله: (وإن قال: " أنت طالق أنت طالق أنت طالق " وتخلل فصل.. فثلاثٌ) 5 لا يخفى أن ذلك في المدخول بها، وقد صرح به بعد ذلك، وصرح به " التنبيه " أولاً 6 لكنه لم يذكر هذا القيد، وهو أن يتخلل فصل، فيقع حينئذ ثلاث بلا تفصيل، وقد ذكرهما معا " الحاوي " فقال [ص 507]: (وما تكرر تعدَّدَ، لا إن أكد بلا اختلافٍ وفصلٍ، أو قبل الوطء)، والمراد بالفصل: ما كان فوق سكوت التنفس ونحوه، فإن ادعى حينئذ التأكيد.. لم يقبل ظاهراً، ويدين، والمراد بنية التأكيد في عبارة " التنبيه ": أن ينوي تأكيد الأولى بالأخريين؛ ولهذا قال " المنهاج " [ص 418]: (وإن قصد بالثانية تأكيداً وبالثالثة استئنافاً أو عكس.. فثنتان، أو بالثالثة تأكيد الأولى.. فثلاث في الأصح).
وبقي: ما لو قصد بالثانية الاستئناف ولم يقصد بالثالثة شيئاً، أو بالثالثة الاستئناف ولم يقصد بالثانية شيئاً، والأظهر: وقوع ثلاث فيهما، ولم يصوب الأصحاب بالزيادة على ثلاث.
وقال في " التوشيح ": فيما لو كرر أربعاً.. يتجه أن يقال: لا يسمع منه إرادة التأكيد بالرابعة؛ لأنه لا يصلح له؛ فقد قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: إن العرب لا تؤكد أكثر من ثلاث مرات، وفي كلام إمام الحرمين في " البرهان " ما يشهد له 7، وإنما سمعنا إرادة

التأكيد في الثاني والثالث؛ لأنه لفظ يصلح له.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: الحكم عندي في ذلك كالحكم في صورة تكريره ثلاثاً، ولا ينبغي أن يتخيل أن الرابعة يقع بها طلقة لفراغ العدد؛ لأنه إذا صح التأكيد بما يقع لولا قصد التأكيد.. فلأن يؤكد بما لا يقع عند عدم قصد التأكيد أولى.
انتهى.
3995 - قول " التنبيه " [ص 176]: (وإن أتى بثلاثة ألفاظ، مثل: إن قال: " أنت طالق وطالق فطالق ".. وقع بكل لفظة طلقة) أورد عليه: أن هذا ليس مثال تغاير الألفاظ، وإنما فيه تغاير حروف العطف، ومثال تغاير الألفاظ: (أنت مطلقة، أنت مسرحة، أنت مفارقة)، وفي ذلك وجهان، أصحهما: أنه كقوله: (أنت طالق أنت طالق أنت طالق)، وقيل: يقع هنا الثلاث قطعاً، حكاه الحناطي.
فإن أجبت عنه: بأنه إنما أراد: ألفاظ العطف لا ألفاظ الطلاق.. فهو مردود؛ لأنه إنما أتى بحرفي عطف.. فكيف يسميهما ثلاثة ألفاظ؟ وقال صاحب " المهذب " في هذه الصورة: لو قال: قصدت التأكيد.. دين، وتبعه صاحبا " البيان " و" الاستقصاء " وابن أبي عصرون وغيرهم 1، وعن مجلي: أن الأصحاب خالفوه.
3996 - قول " المنهاج " [ص 418]: (ولو قال: " طلقة بعد طلقةٍ أو قبلها طلقةٌ ".. فكذا في الأصح) أي: يقع ثنتان في موطوءة وطلقة في غيرها، وفي " التنبيه " [ص 175]: (لو قال: " أنت طالق طلقة قبلها طلقة " وادعى أنه أراد: قبلها طلقة في نكاح آخر أو من زوج آخر، فإن كان ذلك.. قُبل منه، وإن لم يكن.. لم يقبل منه) فيقيد بذلك كلام " المنهاج ". 3997 - قوله: (ولو قال: " نصف طلقة في طلقة ".. فطلقة بكل حال) 2 كذا في كثير من نسخه، وهو محكي عن خطه، ولا يستقيم ذلك؛ فإنه يقع عند قصد المعية طلقتان، وصوابه: (نصف طلقة في نصف طلقة)، وهذا هو الذي في " المحرر " و" الروضة " وبعض نسخ " المنهاج " 3، وفي هذه الصورة لا يقع غير طلقة ولو قصد المعية؛ ولعله سقط لفظ (نصف) من الظرف من خط المصنف عن غير قصد؛ فإن ذلك واضح على أن في " المهمات " في التصوير الثاني أيضاً أن القياس: وقوع طلقتين عند قصد المعية؛ لأن التقدير: (أنت طالق نصف طلقة مع نصف طلقة) وهو لو صرح بهذا.. كان كما لو قال: (نصف طلقة ونصف طلقة)، وبحث ذلك أيضاً شيخنا الإمام البلقيني.

3998 - قوله: (ولو قال: " طلقة في طلقتين "... إلى آخره) 1 صور الإمام المسألة بالموطوءة، ولم يتعرض لغيرها 2. قال ابن الرفعة: فيتجه أن يجيء في وقوع ما زاد على الواحدة الخلاف في (طلقة مع طلقة) أي: فيكون الراجح: أنه لا فرق في ذلك بين الموطوءة وغيرها، وهو مقتضى إطلاقهما.
3999 - قول " التنبيه " [ص 176] و" الحاوي " [ص 506]: (ولو قال: " أنت طالق نصفي طلقة ".. وقعت طلقة) قال في " المنهاج " [ص 419]: (إلا أن يريد كل نصفٍ من طلقةٍ) أي: فيقع طلقتان.
4000 - قول " التنبيه " [ص 176]: (وإن قال: " نصف طلقتين ".. فقد قيل: طلقة، وقيل: طلقتان) الأصح: طلقة، وعليه مشى " المنهاج " و" الحاوي " 3. 4001 - قول " التنبيه " [ص 176]: (وإن قال: " أنت طالق ثلاثة أنصاف طلقة ".. فقد قيل: يقع طلقة، وقيل: يقع طلقتان) الأصح: وقوع طلقتين، وعليه مشى " الحاوي " و" المنهاج "، وهي والتي بعدها في عبارته معطوفتان على ما عبر فيه بالأصح كما هو موضح في " المحرر " 4، وكل هذا إذا لم يزد على أجزاء طلقتين؛ كخمسة أثلاث وسبعة أرباع، فإن زاد؛ كسبعة أثلاث أو تسعة أرباع.. كان الخلاف في طلقة أو ثلاث، قاله النووي في " الروضة " من زوائده 5. وقال شيخنا الإمام البلقيني: الأصح عندي فيما إذا قال: (ثلاثة أنصاف طلقة): أنه لا يقع إلا طلقة؛ فإن الأجزاء المذكورة تصح أن تقع في وصية ووقف، فيقضى فيها بقسمة المال الواحد عليها باعتبار العول، وكذا صحح في قوله: (على ثلاثة أنصاف درهم): أنه لا يلزمه إلا درهم.
4002 - قول " الحاوي " [ص 506]: (وأوقعت عليكن أو بينكن ما لم يزد العدد) محله: ما إذا لم ينو توزيع كل طلقة عليهن؛ ولهذا قال " المنهاج " [ص 419]: (فإن قصد توزيع كل طلقة عليهن.. وقع في ثنتين ثنتان، وفي ثلاثٍ وأربعٍ ثلاثٌ).
4003 - قوله: (فإن قال: " أردت ببينكن: بعضهن ".. لم يُقبل ظاهراً في الأصح) 6 فيه أمران:

أحدهما: محل تصحيح عدم القبول: إذا أخرج بعضهن عن الطلاق، وعطل بعض الطلاق، أما إذا لم يعطل بل فاضل فقال: (أردت طلقتين لهذه وتوزيع الثالثة على الباقيات).. فالأصح: القبول 1. ثانيهما: أن كلامه يفهم الجزم بعدم القبول فيما إذا أراد ذلك في قوله: (عليكن)، وهو ما حكاه الرافعي عن الإمام والبغوي وغيرهما، ثم قال: وقد ذكرنا وجهاً في (كل امرأة لي طالق أو نسائي طوالق)، وقال: (أردت بعضهن).. أنه يُقبل، فيجري في (أوقعت عليكن) فقول البغوي وغيره مفرع على الصحيح هناك 2. قلت: لكن الأصح في دعوى إرادة البعض في قوله: (نسائي طوالق): القبول ظاهراً أيضاً إذا كان هناك قرينة؛ كتقدم مخاصمة كما سيأتي.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: لا يلزم من قبول تخصيص عموم (نسائي طوالق) القبول في قوله: (أوقعت عليكن) لأنه خطاب شفاهي نص في الأربع، وقد صحح الرافعى في (أربعتكن طوالق): أنه لا يدين في قوله: (نويت بقلبي: " إلا فلانة ") ولم يحك فيه هذا الوجه بالقبول ظاهراً 3. 4004 - قول " الحاوي " [ص 506]: (وعلى الرابعة إن أشركها ونوى طلاقها) أي: يقع عليها طلقة.
محله: ما إذا أراد تشريكها معهن في أصل الطلاق أو أطلق، فلو أراد أنها تشارك كل واحدة في طلاقها.. طلقت ثلاثاً.
4005 - قول " التنبيه " [ص 176]: (وإن قال: " أنت طالق من واحدة إلى الثلاث ".. وقعت طلقتان) أقره النووي في " تصحيحه "، وهو موافق للمرجح في الضمان والإقرار، لكن حكى في " الروضة " هنا عن البغوي وأقره: وقوع ثلاث 4، وكذا صححه البغوي في البابين المذكورين 5. وحكى الرافعي في (الإقرار) في قوله: (له عليّ من درهم إلى عشرة).. لزوم تسعة عن العراقيين والغزالي 6، فلعله سكت عن ذلك في الطلاق؛ لمعرفته مما تقدم، وقد قال في

(الطلاق): فيه أوجه كما بينا في الإقرار (1)، وذلك يشعر بأن الراجح في الطلاق كالراجح في الإقرار.
وقال الروياني: وقوع ثنتين أقرب إلى المذهب، ووقوع واحدة أقيس (2).

فَصْل [في الاستثناء في الطلاق]

4006 - قول " التنبيه " في (الأيمان) [ص 198]: (وإن عن له الاستثناء في أثناء اليمين.. فقد قيل: يصح، وقيل: لا يصح) الأصح في " المنهاج ": أنه يصح فقال من زيادته [ص 419]: (ويُشترط أن ينوي الاستثناء قبل فراغ اليمين في الأصح) وكذا صححه في " الروضة " من زيادته أيضاً، واقتضى نقله عن الرافعي: أنه لا يكتفي بذلك، بل لا بد من اتصال نية الاستثناء بأول الكلام فقال: وهل يشترط قرن نية الاستثناء بأول اللفظ؟ فيه وجهان، أصحهما - وادعى أبو بكر الفارسي الإجماع عليه -: أنه لا يعمل بالاستثناء حتى يتصل بأول الكلام.
انتهى 3. وعبارة الرافعي: وهل يشترط أن يكون قصد الاستثناء مقروناً بأول الكلام؟ وجهان، أحدهما: لا، ولو بدا له الاستثناء بعد تمام المستثنى منه فاستثنى.. حكم بموجبه، وأصحهما - وادعى أبو بكر الفارسي الإجماع عليه -: أنه لا يعمل به، ويقع الطلاق؛ لأن الاستثناء مُنشأ بعد لحوق الطلاق.
انتهى 4. فتصويره أولاً يقتضي أن الخلاف في اشتراط اتصاله بأول الكلام، وتعليله ثانياً يقتضي أنه في اتصاله باللفظ وإن لم يقترن بأوله، وتعبير " الروضة " عن الأصح بقوله: (حتى يتصل بأول الكلام) من تصرفه، وليس في كلام الرافعي كما عرفته، وقد صرح الرافعي في (الأيمان) بأن الخلاف في اشتراط وجود نية الاستثناء قبل فراغ اللفظ، وأن هذا هو الذي سبق في (الطلاق) 5، وكلام الإمام والغزالي يدل على ذلك، ونص الشافعي على ما صححه النووي فقال: (ولا تنفع الثُّنْيَا إلا أن ينو بها صاحبها عندما يعقد أو قبل أن يفرغ من اليمين، فأما إذا لم ينوها إلا بعد الفراغ.. لم تنفعه) انتهى 6.12

فلو قال: أنت طالق ثلاثاً، ولا تطلقي واحدة أو ثلاثاً لا واحدة، وقصد بذلك ما يقصد بالاستثناء.. فقال شيخنا الإمام البلقيني: الذي يظهر أنه لا يقع إلا طلقتان، قال: ولم أر من تعرض له.
4007 - قوله: (ولو قال: " أنت طالق ثنتين وواحدة إلا واحدة ".. فثلاثٌ) 1 قال في " المهمات ": ينبغي - تفريعاً على أن الاستثناء عقب الجمل يعود إليها - أن يقع طلقتان.
قلت: الظاهر أن هذا ليس من صور العود إلى الكل، وكيف يستثني واحدة ويصيرها ثنتين؟ وإنما يستقيم ذلك بتقدير، وهو (إلا واحدة من كل الطلاقين) ولا دليل على ذلك، بخلاف بقية صور الاستثناء المتعقب للجمل، وينبغي أن يقيد بهذا كلامهم في عودها للكل، وتمثيلهم يدل على ذلك، والله أعلم.
واعلم: أن الرافعي والنووي صححا فيما إذا عطف بعض العدد على بعض في المستثنى أو المستثنى منه.. أنه لا يجمع بينهما 2، ووافقهما شيخنا الإمام البلقيني في المستثنى منه، وخالفهما في المستثنى، فقال: يجمع ما لم يصل إلى الاستغراق، ثم استشهد بما لو قال: (أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة وواحدة) 3، فحكيا عن الشيخ أبي على أنه قال: اتفق الأصحاب على أنه يجمع بينهما، ويصحان، ولا يقع إلا ما بقي بعد الاستثناء، وهو واحدة.
قلت: لا معنى لهذا؛ لأنه إنما تظهر ثمرة هذا الخلاف عند الاستغراق، فأما إذا لم يستغرق.. فإنه يستوي الحكم مع الجمع والتفريق، فكونه في هذه الصورة لا يقع إلا طلقة ليس مفرعاً على الجمع، بل هو على التفريق كذلك أيضاً، والله أعلم.
4008 - قول " التنبيه " [ص 176]: (وإن قال: " أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً إلا ثنتين ".. فقد قيل: يقع ثلاث، وقيل: يقع طلقتان) الأصح: الثاني، وعليه مشى " المنهاج " 4. وسُئِلْتُ عمن كلف شخصاً المبيت عنده ليالي فحلف أنه لا يبيت عنده غير تلك الليلة المستقبلة.. هل يحنث بترك المبيت عنده فيها؟ فأجبت: بأن مقتضى قاعدتنا: أن الاستثناء من النفي إثبات أن يكون المبيت تلك الليلة محلوفاً عليه أيضاً، فيحنث بتركه، لكن أفتى شيخنا الإمام البلقيني بحضوري فيمن حلف لا يشكو غريمه إلا من حاكم شرعي.. هل يحنث بترك شكواه مطلقاً؟ فأجاب: بعدم الحنث؛ لأن مقصوده إنما

هو نفي الشكوى من غير حاكم الشرع، ويوافقه تصحيح النووي في " الروضة " من زيادته في (الإيلاء) فيمن حلف لا يطأ في السنة إلا مرة.. أنه لا يحنث بترك الوطء مطلقاً، وهو ناظر للمعنى مخالف للقاعدة المتقدمة، ومقتضاه في المسألة التي سُئِلْتُ عنها: أنه لا يحنث بترك المبيت تلك الليلة؛ لأن قصده إنما هو نفي الزيادة على ليلة لا إثبات الليلة، فيخرج عن مقتضى اللفظ؛ لما يفهم منه عرفاً، وقد يقال في هذه الصورة: لما كان الحلف على مستقبل.. كان نقيض الامتناع المحلوف عليه التخيير في المستثنى؛ فلهذا لم يحنثه بتركه، بخلاف الماضي والحال، والله أعلم.
4009 - قول " التنبيه " [ص 176]: (وإن قال: " أنت طالقاً خمساً إلا ثلاثاً ".. فقد قيل: تطلق ثلاثاً، وقيل: طلقتين (الأصح: الثاني، وعليه مشى " المنهاج " و" الحاوي " 1. 4010 - قول " التنبيه " [ص 176]: (وإن قال: " أنت طالق إن شاء الله "، أو " أنت طالق إن لم يشأ الله ".. لم يقع) شرطه: أن يقصد تعليق الطلاق على مشيئة الله أو على عدم مشيئته كما صرح به " المنهاج " 2، وعليه يدل قول " الحاوي " [ص 507]: (أو علق، لا المشكوك؛ كـ " إن شاء الله "، أو " إلا أن يشاء الله "، أو " إن لم يشأ الله ") فلو سبقت الكلمة إلى لسانه؛ لتعوده بها، أو أتى بها بقصد التبرك أو إشارة إلى أن كل شيء بمشيئته.. طلقت، وكذا تطلق لو لم يعلم هل قصد التعليق أم لا؟ لأن الأصل عدمه، قال بعضهم: ولو خرج على تقابل الأصل والظاهر.. لم [ينعقد] 3؛ لأن ظاهر اللفظ يقتضي الاستثناء.
4011 - قول " التنبيه " [ص 176]: (وإن قال: " أنت طالق إلا أن يشاء الله ".. فالمذهب: أنه يقع، وقيل: لا يقع) الوقوع مذهب العراقيين، وصححه البغوي 4، لكن الذي صححه الإمام وغيره: عدم الوقوع 5، وفي " المحرر " و" الشرحين ": إنه الأقوى 6، وصححه " المنهاج "، وعليه مشى " الحاوي " 7. 4012 - قوله: (وإن قال: " أنت طالق، أو لا ".. لم يقع شيء) 8 أورد عليه شيخنا

الإسنوي في " تصحيحه ": أن الأصح: الوقوع فيما إذا كان ذلك في معرض الإنشاء كما في " الروضة " في (كتاب الإقرار) 1، وهو كما نقل، والعجب أنه في " تنقيحه " إنما نقل ذلك عن الرافعي بواسطة ابن الرفعة، لكن الرافعي في أوائل الباب الثالث من (الإقرار) بعد مضي نحو ورقة من الموضع المتقدم قال: لو قال: " عليّ ألف، أو لا ".. لزمه الألف؛ لأنه غير منتظم 2. وقال النووي: هو غلط، وقد صرح صاحبا " التهذيب " و" البيان " بأنه لا يلزمه في هذه الصورة شيء كما لو قال: (أنت طالق، أو لا) فإنه لم يجزم بالالتزام، وما يبعد أن يكون الذي في كتاب الرافعي تصحيفاً من النساخ أو تغييراً مما في " التهذيب "، وكيف كان: فالصواب الذي يقطع به: أنه إذا قال: ألف، أو لا.. فلا شيء عليه.
انتهى 3. وفي " أصل الروضة " في الباب الثاني في أركان الطلاق: قال: (أنت طالق ثلاثاً أو لا) بإسكان الواو.. لا يقع شيء، قال المتولي: هو كما لو قال: هل أنت طالق؟ انتهى 4. فاختلف كلام الرافعي في ذلك من ثلاثة أوجه: أطلق في الطلاق عدم الوقوع، وفي الموضع الثاني من (الإقرار) في نظير المسألة ما يقتضي الوقوع، وفصل في الموضع الأول من الإقرار بين الإنشاء والإقرار، وهو الحق، فيحمل إطلاقاه على تفصيله.
وعلى التفصيل لو أطلق فلم يفسر بإقرار ولا إنشاء.. قال الهروي في " الإشراف ": يمكن أن يقال: إنه يحمل على الإخبار حتى لا يقع لقرينة التشكيك، والأصل بقاء النكاح.
قال في " المهمات ": وهو ظاهر منقاس، ولم يطلع النشائي إلا على الموضع الثاني من الإقرار، فقال: وقع في الرافعي في (كتاب الإقرار) أنه يقع، وحكاه في " الكفاية "، وهو وهمٌ نبه عليه النووي، وقد ذكره الرافعي في " شرحه الصغير " على الصواب 5. وتبعه في " التوشيح " فذكر مثل ذلك، وقد عرفت أن ما حكياه عن الرافعي في (الإقرار) ليس في عين المسألة، وإنما هو في نظيرها، وفاتهما الموضع الأول، وعليه الاعتماد، والله أعلم.
فلو قال: (أنت طالق واحدة أو لا شيء).. قال ابن الصباغ: قياس قول أبي العباس: أنه لا يقع شيء؛ لأن (واحدة) صفة للطلاق، وصفة الشيء راجعة إليه، فصار كقوله: (أنت طالق أو لا شيء) أما لو قال: (أنت طالق أوَّلاً - بتشديد الواو وفتحها - وهو يعرف العربية.. فإنه يقع.

4013 - قوله: (وإن قال: " أنت طالق ثلاثاً " واستثنى بعضها بالنية.. لم يقبل في الحكم) (1) يقتضي أنه يدين، والأصح: خلافه.

فَصْل [في الشك في الطلاق أو العدد]

4014 - قول " المنهاج " [ص 420]: (شك في طلاق.. فلا، أو فى عددٍ.. فالأقل، ولا يخفى الورع) قال في " التنبيه " فيما إذا شك في طلاق [ص 181]: (والورع أن يراجع)، وقال فيما إذا شك في عدد: (الورع إن كانت عادته أن يطلق ثلاثاً.. أن يبتدئ إيقاع الثلاث) واعترض عليه في كلا الصورتين، أما الأولى: فإنما يكون الورع الرجعة فيما إذا أمكنت وكانت له رغبة في نكاحها، فإن لم تمكن؛ بأن كان قبل الدخول.. فالورع: تجديد نكاحها إن كانت له رغبهَ ووافقت عليه، وحيث لا رغبة أو لم توافق عليه.. فالورع تنجيز طلاقها، وقد قال الشافعي في " الأم ": إذا قال الرجل: أنا أشك أطلقت امرأتي أم لا؟ قيل له: الورع أن تطلقها.
انتهى 2. وهو محمول على ما ذكرناه، وقال ابن الرفعة: وما ذكره الأصحاب من أن الورع الرجعة تفريع على الصحيح: أن الرجعة تصح حيث يجهل شرطها، وتوقف على البيان كما هو مذكور في العدد عند الكلام في اجتماع عدتين على حامل بحمل يجهل حال من هو منه، أما إذا قلنا: لا يصح مع الجهل.. فلا يجعل الاحتياط لأجل الشك في الشرط، وإنما يحصل؛ بأن يطلقها طلقة معلقة على عدم التطليق فيما مضى، ثم يراجعها، وإذا جرى الوجهان في الرجعة.. فتجديد النكاح مرتب عليها وأولى بعدم الحصول، ثم قال: وعلى الجملة فالصحيح ما قالوه، ونص الشافعي يشهد له.
قال في " التوشيح ": وقد يمنع دعوى أن الصحيح ما قالوه؛ فإنه إذا ثبت تخريج خلاف في صحة الرجعة.. عاد ذلك بورع ثانٍ، فيقال: الورع: التوقي من مظان الخلاف.. فكيف يأتي بما هو مختلف فيه في حصول الرجعة به؟ انتهى.
وأما الصورة الثانية: فقال النووي في " تصحيحه ": (الصواب: أن الورع أن يبتدئ إيقاع طلقتين لا ثلاثاً) 3، وحمل ابن الرفعة كلام " التنبيه " على الشاك في أصل الطلاق دون من تحقق بعضه وشك في زيادته.1

قال النشائي وصاحب " التوشيح ": والحمل على هذا أولى من إلزام الشيخ الخطأ 1. قلت: كيف يستقيم هذا الحمل مع قوله: شك هل طلق طلقة أو أكثر؟ !. وقال شيخنا ابن النقيب: في الحالين نظر، وينبغي أن يكفيه في الورع في الصورة الأولى - أي: وهي ما إذا شك هل طلق ثلاثاً أم لم يطلق شيئاً - أن ينجز طلقة فقط؛ لتحل بها لغيره بيقين ويترك نكاحها، فإن رغب فيها.. فالورع ألاَّ ينكحها إلا بعد زوج، وفي الصورة الثانية - أي: وهي ما إذا شك هل طلق طلقة أو أكثر؟ - يكفيه في الورع أن يترك نكاحها، فإن رغب فيها.. فبعد زوج.
انتهى 2. 4015 - قول " الحاوي " [ص 508]: (وفي عبدٍ واشترى ثالثٌ.. عتق النصف) أي: إذا علق شريكان في عبد عتق نصيبهما بنقيضين كما لو قال أحدهما: إن كان هذا الطائر غراباً.. فنصيبى منه حر، وقال الآخر: إن لم يكن غراباً.. فنصيبى منه حر، ولم يتبين الحال فاشترى ثالث نصيبهما.. عتق عليه النصف، وفيه أمور: أحدها: أنه محمول على ما إذا كانت الشركة في العبد مناصفة، فلو كانت مثالثة أو مرابعة أو غير ذلك.. كان المحكوم بعتقه أقل النصيبين.
ثانيها: مفهومه أنه إذا لم يشتره ثالث واستمر على ملكهما.. لم يعتق منه شيء، ومحله: ما إذا كانا معسرين، فإن كانا موسرين وقلنا: بتعجيل السراية.. عتق العبد؛ لتحقق حنث أحدهما، فيعتق نصيبه ويسري ويوقف الولاء، وإن كان أحدهما موسراً والآخر معسراً وقلنا: بتعجيل السراية.. عتق نصيب المعسر قطعاً؛ إذ لا يخلو الحال عن حنثه أو حنث صاحبه وسراية العتق إلى نصيبه.
ثالثها: ومفهومه أنه إذا لم يشتره ثالث بل أحدهما.. لا يعتق شيء، وليس كذلك، فلو اشترى أحدهما نصيب صاحبه.. عتق أحد النصيبين.
رابعها: ولا ينحصر الأمر في الشراء؛ فالهبة والإرث كذلك، وقال الأصحاب فيما حكاه ابن الرفعة فيما إذا كانا معسرين: أنهما لو تبادلا إحدى الحصتين بالأخرى وصححناه.. تصرف كل منهما فيما انتقل إليه كما كان يتصرف فيما نقله عنه، واستشكل ابن الرفعة جواز هذا التبادل؛ للقطع بفساد أحد العوضين.
4016 - قوله: (وفي عبدين واشترى أحدهما.. يمتنع عنهما) 3 أي: إذا اجتمعا في ملكه،

وقيل: إنما يمتنع التصرف في المشترى دون الأول، قال النووي: كذا نقلهما الإمام وآخرون، ورجحوا الأول، وهو أفقه، وقطع أبو حامد وسائر العراقيين أو جماهيرهم بتعين العتق في المشترى، أما لو باع أحدهما عبده ثم اشترى الآخر.. ففي " البسيط ": لم أره مسطوراً، والقياس: نفوذ تصرفه فيه، قال النووي: أما على طريقة العراقيين: فيعتق الثاني بلا شك، وعلى الأخرى: يحتمل ما قاله 1 ويحتمل إبقاء الحجر في الثاني إلى التبيين، وهو أقيس؛ احتياطا للعتق، وقد ذكر في " الوسيط " احتمالين، أحدهما: ما ذكره في " البسيط "، والثاني: عدم النفوذ فيه.
انتهى 2. وما حكاه عن " البسيط " جزم به الماوردي فقال: لو ابتاع كل منهما عبد الآخر ولم يتكاذبا.. جاز لكل منهما أن يتصرف في الذي اشتراه وجهاً واحداً، ذكره في " المهمات " 3. 4017 - قول " المنهاج " [ص 420]: (ولو طلق إحداهما بعينها ثم جهلها.. وُقِفَ حتى يتذكر) لو عبر بـ (النسيان) كـ " المحرر " و" الحاوي " 4.. لكان أحسن؛ فإنه المراد، وأما الجهل: فإنه مقارن؛ كطلاقها في ظلمة أو من وراء حجاب.. فلا يعبر فيه بـ (ثم) وإن كان حكم النسيان والجهل في ذلك واحداً، وعبارة " التنبيه " [ص 181]: (ثم أشكل عليه).
4018 - قول " المنهاج " [ص 420]: (ولا يطالب ببيانٍ إن صدقناه في الجهل) أي: فلو كذبناه وبادرت واحدة فقالت: أنا المطلقة.. لم يقنع منه بقوله: نسيت، أو لا أدري، بل يطالب بيمين جازمة أنه لم يطلقها، فإن نكل.. حلفت، وقضى لها.
واعترض شيخنا الإمام البلقيني على قولهم: (لم يقنع) بقوله: (نسيت المعينة): بأنه أخبر بما عنده، والتهور في التبيين من غير تحقيق ممتنع.
4019 - قولهما: (وإن قال لها ولأجنبية: " إحداكما طالق "، وقال: " قصدت الأجنبية ".. قُبل) 5 زاد " المنهاج ": (في الأصح) عبر في " الروضة ": بالصحيح المنصوص في " الإملاء "، وبه قطع الجمهور، فلو لم ينو بقلبه واحدة.. ففي " فتاوى البغوي ": تطلق زوجته 6، وفي " المهمات ": يتجه أن محله: إذا لم يقع على الأجنبية طلاق منه ولا من غيره، وإلا.. فلا يحمل على زوجته؛ لصدق كلامه عليهما صدقاً واحداً، والأصل بقاء الزوجية؛ ويؤيده

ما في الرافعي في (العتق): أنه إذا أعتق عبداً ثم قال له ولعبد آخر له: أحدكما حر.. لم يقتض ذلك عتق الآخر 1. 4020 - قول " المنهاج " [ص 421]: (وعليه البدار بهما) أي: بالبيان والتعيين و" الحاوي " [ص 508]: (وعصى بالتأخير) محله: في الطلاق البائن، أما الرجعي: فلا يلزمه فيه في الحال بيان ولا تعيين على الأصح في " أصل الروضة " و" الشرح الصغير " تبعاً للإمام 2، وفي " المهمات ": ينبغي أن محله: إذا كانت العدة قائمة، فإن انقضت.. طولب؛ لحصول البينونة.
قلت: لا يحتاج للتنبيه على هذا؛ فهو مرادهم بلا شك، وقد صرحوا به في قولهم: لا يلزمه في الحال، ثم قال ابن الرفعة في الطلاق البائن: لو استمهل.. أمهل؛ فإن الروياني قال في المسلم على أكثر من أربع: يمهل إذا استمهل ثلاثة أيام، وقال في " المهمات ": ينبغي أن محله: إذا نسي أو أبهم، فإن عين ولم يدع النسيان.. فلا وجه للإمهال، وقال شيخنا الإمام البلقيني: لا نسلم اللزوم ولا العصيان بالتأخير ما دامت العدة قائمة، ثم حكى عن أبي الفرج الزاز: أنه حكى عن عامة الأصحاب أنه لا يجبر على البيان، بل يُكتفى بأن يوقف عنهما جميعاً، خلافاً للقفال.
4021 - قولهم: (وعليه نفقتهما) 3 زاد " المنهاج " تبعاً لـ" المحرر ": (في الحال) 4، قال شيخنا ابن النقيب: لم أفهم ما أراد بالحال 5. قلت: كأنه أراد: تلك الحال، وهي حال الإبهام إلى أن يبين أو يعين كما صرح به " التنبيه " و" الحاوي "، فتعبيرهما أظهر.
4022 - قول " الحاوي " [ص 508]: (وبه يتبين وقوعه باللفظ) يتناول الطلاق المعين والمبهم، وفي الثاني خلاف بيّنه " المنهاج " فقال [ص 421]: (ويقع الطلاق باللفظ، وقيل: إن لم يعين.. فعند التعيين)، وقال الرافعي: رجح الثاني مرجحون منهم الشيخ أبو على، وقال: إنه ظاهر المذهب، وذهب الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والروياني وغيرهم إلى ترجيح الأول، والنفس إلى قبوله أسرع 6، وفي " المحرر ": إنه أقرب 7، وقال النووي: إنه الصواب 8.

4023 - قول " التنبيه " في الطلاق المبهم [ص 181]: (وإذا عين.. وجبت العدة من حين الطلاق، وقيل: من حين التعيين، والأول أصح) لكن صحح في " أصل الروضة " في هذه الصورة: أنه من حين التعيين 1، وفرع عليه شيخنا الإمام البلقيني أن له الرجعة في هذه العدة التي من حين التعيين، ولا نظر إلى تقصيره بترك التعيين.
4024 - قوله في الطلاق المبهم: (فإن وطئ إحداهما.. تعين الطلاق في الأخرى على ظاهر المذهب، وقيل: لا يتعين) 2 الأصح: الثاني، وعليه مشى " المنهاج " و" الحاوي " 3، وحكاه صاحب " الشامل " عن النص، لكن نقل الماوردي الأول عن الأكثرين 4، وحكاه المحاملي عن سائر الأصحاب.
4025 - قول " المنهاج " [ص 421]: (ولو قال مشيراً إلى واحدة: " هذه المطلقة ".. فبيان) كذا لو قال: (هذه الزوجة).. كان بياناً للطلاق في الأخرى كما جزم به في " الروضة " وأصلها 5، وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنما يحكم بذلك إذا كان بائناً؛ فإن الرجعية زوجة، إلا إذا ظهر من لفظه ما يقتضي أن تلك هي المطلقة.
4026 - قوله: (أو " أردت هذه وهذه "، أو " هذه بل هذه ".. حكم بطلاقهما) 6 فيه أمور: أحدها: كذلك لو قال: (هذه هذه) من غير حرف عطف، أو (هذه مع هذه)، واقتصر " التنبيه " و" الحاوي " على ذكر صورة (بل) 7، فلو عطف بـ (الفاء) أو بـ (ثم).. فقال القاضي حسين والبغوي والمتولي: تطلق الأولى فقط؛ لأنهما للترتيب 8. واعترض الإمام: بأنه اعترف بطلاقهما كـ (الواو) 9. وقال الرافعي: والحق الاعتراض 10، وقال النووي: قول القاضي أظهر 11، ومال في

" المطلب " إلى ترجيحه، وقال في " المهمات ": إنه المتجه من جهة البحث.
ولو قال: (أردت هذه بعد هذه).. فقياس الأول: أن تطلق المشار إليها أولاً وحدها، وقياس الاعتراض: الحكم بطلاقهما في الصورتين، أما لو قال: (هذه أو هذه).. استمر الإبهام وطولب بالبيان.
ثانيها: في قوله: (حكم بطلاقهما) إشارة إلى أن هذا في ظاهر الحكم وتطلق في الباطن المنوية، وبه صرح الإمام 1. ثالثها: هذا في الطلاق المعين؛ ويدل عليه قوله: (فبيانٌ) 2 فأما في الطلاق المبهم.. فالمطلقة هي الأولى سواء عطف بالواو أو الفاء أو ثم أو بل؛ لأنه إنشاء اختيارٍ وليس بإخبار، وليس له إلا اختيار واحدة، وقد صرح بذلك " التنبيه " و" الحاوي " 3. 4027 - قول " المنهاج " [ص 421]: (ولو ماتتا أو إحداهما قبل بيانٍ وتعيينٍ.. بقيت مطالبته لبيان الإرث) يقتضي بظاهره: أنه له في موت إحداهما تعيين الحية والميتة، وأنه لا فرق في ذلك بين الطلاق المنجز والمعلق، وهو في المنجز والمعلق الذي تقدم فيه وجود صفة التعليق على موت إحداهما واضح، أما المعلق الذي تقدم فيه موت إحداهما على الحنث؛ كقوله: (إن جاء زيد.. فإحداكما طالق)، أو (الطلاق يلزمني لا يدخل فلان الدار) وله زوجتان؛ فإذا وجدت الصفة.. لا تطلق إلا إحداهما كما في " فتاوى النووي "، فهل تتعين الحية نظراً إلى حالة وقوع الطلاق، أو له تعيين الميتة نظراً لحالة التعليق؟ قال شيخنا الإمام البلقيني: لم أقف فيه على نقل، والأصح في نظائره: أن العبرة بحالة التعليق، فقضيته: أن يصح تعيين الميتة وإن وجد الحنث بعد موتها.
4028 - قول " التنبيه " [ص 181]: (فإن ماتت المرأتان قبل التعيين.. وُقِف من كل واحدة منهما نصيب الزوج، وإن مات الزوج.. وقف لهما من ماله نصيب زوجة) محله: ما إذا كانتا ممن يرثان منه، فلو كانت إحداهما كتابية والأخرى والزوج مسلمان.. فالأصح في نظيره من نكاح المشركات: أنه لا يوقف شيء، وهذا مثله، لكن نقل فى " الكفاية " عن اختيار صاحب " الشامل " في هذه المسألة: الوقف، ولم ينقل ترجيحاً بخلافه.
4029 - قوله: (فإن قال الوارث: " أنا أعرف الزوجة ".. فهل يرجع إليه؟ فيه قولان،

وقيل: يرجع إليه في الطلاق المعين ولا يرجع في المبهم) 1 صحح في " تصحيح التنبيه ": الرجوع إليه في المعين دون المبهم 2، وعليه مشى " المنهاج " فقال [ص 421]: (ولو مات.. فالأظهر: قبول بيان وارثه لا تعيينه) وعبارة " المحرر ": (وقيامه مقامه في البيان أظهر منه في التعيين) انتهى 3. وليس فيه تصريح بترجيح، وعبارة " أصل الروضة ": فيه قولان، وقيل: يقوم في البيان قطعاً والقولان في التعيين، وقيل: لا يقوم في التعيين والقولان في البيان؛ لأنه إخبار يمكن الاطلاع عليه، بخلاف التعيين؛ فإنه اختيار شهوة، فلا يخلفه الوارث كما لو أسلم على أكثر من أربع نسوة ومات، وقال القفال: إن مات والزوجتان حيتان.. لم يقم الوارث قطعاً لا في البيان ولا في التعيين؛ إذ لا غرض له في ذلك؛ فإن الإرث لا يختلف بزوجة وزوجتين.
وإن ماتت إحداهما ثم الزوج ثم الأخرى وعين الوارث الأولى للطلاق.. قُبل قوله قطعاً؛ لأنه يضر نفسه، وإن عين الأولى للنكاح أو مات الزوج وقد ماتتا.. فيه القولان، ثم يعود الترتيب المذكور في البيان والتعيين، والأظهر حيث يثبت قولان: أنه يقوم، وحيث اختلف في إثبات القولين: المنع.
انتهى 4. وإثبات القولين على الطريقين هو فيما إذا مات الزوج بعدهما أو بينهما وعين الأولى للنكاح، والاختلاف في إثبات القولين فيما إذا مات وهما حيتان أو مات بين موتيهما وعين الأولى للطلاق؛ فإن القفال لا يوافق على الخلاف فيهما، بل يقطع في الثانية بالقيام، وفي الأولى بعدمه.
ومقتضى تعبير " الروضة " وأصلها: ترجيح منع قيام الوارث مقامه فيما إذا مات بين موتهما وعين الأولى للطلاق؛ لأنه رجح المنع حيث اختلف في إثبات القولين، وقد اختلف هنا في إثبات القولين لكن المنع هنا بعيد؛ لإضراره بنفسه كما تقدم، وكأن المراد: الاختلاف في إثباتهما بالقطع بعدم قيام الوارث مقامه، لا الاختلاف في ذلك بالقطع بقيامه مقامه؛ فقيامه هنا مقامه أظهر منه في صورة الاتفاق على إثبات الخلاف، فأهمل ذلك لوضوحه.
ومشى " الحاوي " على طريقة القفال لترجيح الغزالي لها فقال: (أو إحداكما طالق أو حُرٌّ.. عَيَّنَ، والوارث، لا إن مات أولاً) 5، ويجوز في إطلاقه التعيين في الطلاق المعين، أو سكت عن مسألة الطلاق المعين؛ لفهمهما من طريق الأولى، وعطف الوارث على الضمير المستتر في

قوله: (عَيَّنَ) من غير تأكيد ولا فصل، وهو ضعيف في العربية، ومقتضى كلامه: أن الوارث لا يقوم مقامه في تعيين العتق عند موته أولاً كالطلاق، وصرح به في " العجاب "، وأقره عليه القونوي والبارزي، وهو خلاف ما في " التعليقة " فإن فيها قيامه مقامه، وهو الموافق لإطلاق الرافعي في (باب العتق) 1؛ لأن للوارث غرضاً في رق عبد وحرية آخر.. ففارق الزوجين.
4030 - قول " التنبيه " [ص 181]: (فإن ماتت إحداهما ثم مات الزوج ثم ماتت الأخرى.. رجع إلى وارث الزوج؛ فإن قال: الأولة مطلقة والثانية زوجة.. قبل منه، وإن قال: الأولة زوجة والثانية مطلقة.. فهل يقبل منه؟ قولان) صحح النووي في " تصحيحه ": الرجوع إليه في المعين دون المبهم 2، وقوله: (الأولة) لغة ضعيفة، والأفصح: الأولى، وقوله: (ثم ماتت الأخرى) لا يتقيد الحكم به، فلو لم تمت.. كان الحكم كذلك.
نعم؛ يظهر أثره في العدة؛ فإنها إذا كانت حرة.. تعتد بأبعد الأجلين من الأشهر والأقراء.
4031 - قولهما - والعبارة لـ" المنهاج " -: (ولو قال: " إن كان غراباً.. فامرأتي طالق، وإلا.. فعبدي حر " وجهل.. مُنع منهما إلى البيان، فإن مات.. لم يُقبل بيان الوارث على المذهب) 3 قال السرخسي: محل الخلاف: ما إذا قال الوارث: حنث في الزوجة؛ فإن عكس.. قُبل قطعاً؛ لإضراره بنفسه، قال الرافعي: وهو حسن 4، وقال النووي: قد قال به أيضاً غير السرخسي وهو متعين 5. ورده في " المهمات " من جهة النقل؛ بأن مقتضى كلام الأصحاب خلافه؛ ولهذا نقله ابن يونس عن بعض المتأخرين، وقال في " الكفاية ": إنه يلائم كلاماً ذكره الشيخ أبو حامد في نظير المسألة، وطريق الإطلاق يلائم كلام أبي الطيب، ومن جهة المعنى؛ بأنه قد لا يكون في تعيين الحنث في الزوجة تهمة؛ فقد ترثه هي بأن يكون الطلاق رجعياً ويتأخر موتها، وقد لا يكون بينهما توارث لرق أو اختلاف دين، وقد يكون الطلاق بائناً أو رجعياً ولكن مات الزوج بعد انقضاء العدة، وقد يزيد الإرث على قيمة العبد، وقد يكون في تعيين الحنث في العبد تهمة فيما إذا قتله قاتل وهو وارثه وكانت ديته زائدة على قيمته وعلى حصتها من الإرث، وقد لا ترث المرأة من الزوج؛ بأن يطلقها بعد ذلك طلاقاً بائناً، قال: ويبقى النظر في أنا نقبله مطلقاً كما أطلقه الأصحاب أو نرده مع

التهمة خاصة، يتجه تخريجه على إقرار الخنثى بالذكورة أو الأنوثة في محل التهمة، وفيه اضطراب.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: ليس ما قاله السرخسي متعيناً؛ فإن القرعة داخلة وللعبيد بها حق في العتق وللميت حق في رقه إذا كان عليه دين ليوفى منه دينه.. فلا يقبل قول الوارث والحال ما ذكر، فإن لم يكن هناك ما يمنع من ذلك.. تعين ما قال السرخسي وغيره.
4032 - قول " التنبيه " [ص 182]: (وإن خرج على الزوجة.. لم تطلق ويملك التصرف في العبد، وقيل: لا يملك) صحح " المنهاج " الثاني فقال [ص 421]: (والأصح: أنه لا يرق) وقال شيخنا الإمام البلقيني: نص الشافعي صريح في أنه يرق.
انتهى.
واستثنى في " المطلب " من ذلك: الزوجة فقال: لا تستحق شيئاً من العبد بحال، وعلى القول: بأنه لا يرق.. يبقى الإبهام كما كان، وقال ابن أبي هريرة: لا نزال نعيد القرعة حتى تخرج على العبد، قال الإمام: وهو غلط (1). قال شيخنا الإمام البلقيني: لم يقل ابن أبي هريرة ذلك، وإنما الذي ظهر لي بمقتضى ما وجدته أنه تعاد القرعة بين العبد والوارث، وفي " المهمات ": أن في تعليقه الذي علقه عنه أبو على الطبري: الجزم بالمشهور المعروف.

فَصْل [في الطلاق السني والبدعى]

4033 - قول " المنهاج " [ص 422]: (الطلاق: سنيٌّ وبدعيٌّ) يقتضي انقسامه إلى قسمين فقط: سني؛ وهو ما لا يحرم، وبدعي؛ وهو ما يحرم، وهو أحد الاصطلاحين، والاصطلاح الثاني: انقسامه ثلاثة أقسام: سني وبدعي وغيرهما، وعليه مشى " التنبيه " فقال [ص 174]: (ويقع الطلاق على ثلاثة أوجه: طلاق السنة، وطلاق البدعة) فذكرهما ثم قال: (وطلاق لا سنة فيه ولا بدعة، وهو طلاق الصغيرة والآيسة والتي قد استبان حملها وغير المدخول بها) وقيد ابن الرفعة قوله: (والتي استبان حملها) فقال: أي: منه؛ ليحترز به عما إذا كان الحمل من غيره؛ بأن نكح حاملاً من الزنا ووطئها وطلقها، أو وطئت منكوحته بشبهة وحبلت منه ثم طلقها زوجها وهي طاهر.. فإنه يكون بدعياً؛ لأن العدة تقع بعد وضع الحمل والنقاء من النفاس، فلا تشرع عقب الطلاق في العدة.1

وسلم " الحاوي " من ذلك بقوله [ص 513]: (ولمن لا تعتد الطهر والفسخ لا، ولا) أي: لا سني ولا بدعي، وهذه تعتد بالطهر، وانقسامه ثلاثة أقسام هو الذي قال الرافعي: إنه المشهور المستعمل، قال: وربما أفهم كلامهم أنهم يعنون بذلك: أنهن لا يجتمع لهن حالتا سنة وبدعة، بل لا يكون طلاقهن إلا سنياً، وهذا يستمر على تفسير السني بالجائز، والبدعي بالمحرم 1. 4034 - قول " المنهاج " [ص 422]: (ويحرم البدعي، وهو ضربان) أهمل للبدعي ضرباً ثالثاً، وهو: ما لو كان له زوجتان وقسم لإحداهما ثم طلق الأخرى قبل المبيت عندها.. فإنه يأثم كما حكاه الرافعي في (القسم) عن المتولي، وقال: وهذا سبب آخر لكون الطلاق بدعياً 2، زاد في " الروضة " هناك: هذا النقل غير مختص بالمتولي، بل مشهور حتى في " التنبيه " 3، وكرر في " الروضة " ذكره هنا منبهاً على أنه سبب آخر لتحريم الطلاق 4، وهذا وارد على " الحاوي " وعلى " التنبيه " أيضاً، وإن كان قد ذكره في بابه كما تقدم.
4035 - قول " التنبيه " [ص 174]: (وهو أن يطلقها في الحيض من غير عوض، أو في طهر جامعها فيه من غير عوض) فيه أمور: أحدها: لو قيد بأن تكون ممسوسة كما فعل " المنهاج " 5.. لكان أولى، وإن كان قد ذكر بعد ذلك هو و" الحاوي " أن طلاق غير المدخول بها لا سنة فيه ولا بدعة 6. ثانيها: يستثنى من الطلاق في الحيض: ما لو قال: (أنت طالق مع آخر حيضك).. فإنه سني، ولو قال: (مع آخر طهرك).. فهو بدعي على الأصح فيهما، وقد ذكره " المنهاج " و" الحاوي " 7، ولو أتى بـ (في) بدل (مع).. فهي كـ (مع) عند الجمهور، وقال المتولي: في آخر الحيض بدعي قطعاً، وفي آخر الطهر سني قطعاً؛ ولعدم الفرق في ذلك بين (مع) و (في) قال " الحاوي " [ص 512]: (وآخر الطهر لا الحيض).
ثالثها: أن العوض إنما يخرج الطلاق عن كونه بدعياً إذا كان من الزوجة، فإن كان من أجنبي.. فلا، بل هو بدعي في الأصح، وقد ذكره " المنهاج "، وأشار إليه " الحاوي " بقوله [ص 512، 513]: (لاختلاعها).

رابعها: أنه لو لم يجامعها فيه ولكن استدخلت ماءه فيه.. فهو بدعي في الأصح، وقد ذكره " الحاوي " 1، وهو وارد على " المنهاج " أيضاً.
خامسها: أنه لو لم يطأها في ذلك الطهر، ولكن وطئها في حيض قبله.. فهو بدعي في الأصح، وقد ذكره " الحاوي " 2، وعبر " المنهاج " عنه بقوله [ص 422]: (فلو وطئ حائضاً وطهرت فطلقها.. فبدعي في الأصح) والمراد: أنه طلقها قبل أن يطأها، وقد دل ذلك على تعبيره بالفاء.
سادسها: في معنى الحيض في ذلك: النفاس، وقد ذكره " الحاوي " 3، وأهمله " المنهاج " أيضاً.
سابعها: لو طولب المُولي بالطلاق فطلق.. قال الإمام والغزالي وغيرهما: ليس بحرام؛ لأنها طالبة راضية 4، قال الرافعي بعد حكايته: ويمكن أن يقال: بتحريمه؛ لأنه أحوجها بالإيذاء إلى الطلب، وهو غير مُلجأ؛ لتمكنه من الفيئة - أي: باللسان - فلو طلق الحاكم عليه إذا قلنا به.. فلا شك في عدم تحريمه.
ولو رأى الحكمان الطلاق في الشقاق فطلقا في الحيض.. ففي " شرح مختصر الجويني ": أنه لا يحرم 5. ويرد ذلك على الثلاثة؛ لعدم ذكرهم لها، ثم إن الرافعي عدها من قسم طلاق السنة، وذكرها في " الكفاية " من القسم الثالث الذي لا سنة فيه ولا بدعة عند من أثبته، وقد يقال: خرج طلاق القاضي في الإيلاء والحكمين في الشقاق بقوله: (أن يطلقها) 6. 4036 - قول " الحاوي " [ص 513]: (والنظر بالوقوع) أي: والنظر في الطلاق المعلق إلى حال وقوعه بوجود الصفة لا إلى التعليق، فلا بدعة في تعليقه ولو في الحيض بنحو الدخول، فإن وجدت الصفة وهي حائض.. كان بدعياً.
ظاهره: كونه بدعياً في جميع الأمور حتى في الإثم؛ لذكره ذلك عقب قوله: (بدعي حرام) لكن قال النووي: معنى كونه بدعياً: أنه يسمى بدعياً، وترتب عليه أحكام البدعي إلا أنه لا إثم فيه

باتفاق الأصحاب في كل الطرق، إلا ما حكى عن القفال؛ أي: من قوله: إن تعليق الطلاق بدعي.
انتهى 1. وكلام الرافعي يوافقه؛ فإنه قال: ويمكن أن يقال: إذا تعلقت الصفة باختياره.. أثم بإيقاعه في حالة الحيض.
انتهى 2. وذلك يقتضي اختصاص الإثم بهذه الصورة على طريق البحث لا النقل.
4037 - قولهم: (ومن طلق بدعياً.. سُنَّ له الرجعة) 3 لا يفهم منه أن تركها مكروه، وبه صرح الإمام فقال: مع استحبابها لا تقول: تركها مكروه 4، وقال النووي: في هذا نظر، وينبغي أن يقال: تركها مكروه؛ للحديث الصحيح الوارد فيها ولدفع الإيذاء 5، زاد " المنهاج " [ص 422]: (ثم إن شاء.. طلق بعد طهر)، وتعليق ذلك بالمشيئة من زيادة " المنهاج "؛ لأن عبارة " المحرر " قد تفهم استحباب هذا الطلاق 6، وكأنه أهمل ذلك؛ لوضوحه، ثم مقتضى كلامه: أنه إذا طلق في الحيض وراجع.. له طلاقها في الطهر التالي لتلك الحيضة، وفيه وجهان حكاهما الرافعي، وقال: أصحهما: المنع، وبه قطع المتولي؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما، ثم قال الرافعي: وكأن الوجهين في أنه هل يتأدى به الاستحباب بتمامه، فأما أصل الإباحة والاستحباب: فينبغي أن يحصل بلا خلاف؛ لاندفاع ضرر تطويل العدة 7. قال النووي: صرح الإمام وغيره بأن الوجهين في الاستحباب، قال الإمام: قال الجمهور: يستحب ألاَّ يطلقها فيه، وقال بعضهم: لا بأس به، وأما قول الغزالي في " الوسيط ": هل يجوز أن يطلق في هذا الطهر؟ فيه وجهان، ففاسد أو مؤول، فلا يغتر بظاهره.
انتهى 8. وعبارة " البسيط " لا تقبل التأويل؛ فإنه قال: أحدهما: يجوز، والثاني: يحرم، وكذا قال في " الذخائر ": هل يحرم؟ وقال شيخنا ابن النقيب: إن تعبير " المحرر " بقوله: (بعد الطهر) بالتعريف يفهم أن المنع يزول بالشروع في الطهر، وأن " المنهاج " خلص منه فيما يظهر بتنكير الطهر 9.

وعبارة " الحاوي " [ص 513]: (وندبت الرجعة إلى الطهر) وحمله شراحه على أن معناه: أنه بالطهر يزول تحريم الطلاق كعبارة " المنهاج "، وقال القونوي بعد حكايته بحث الرافعي المتقدم: فعلى هذا لا إشكال في قول " الحاوي ": (ونُدبت الرجعة إلى الطهر) لأن أصل الندب يحصل بذلك، وإنما كماله في انتظار الطهر الثاني.
انتهى.
والذي يقتضيه لفظه: أن استحباب الرجعة ينقطع بالطهر، وبه صرح الماوردي فقال: محل استحباب الرجعة وإن أطلقها الشافعي: إن طلقت حائضاً تلك الحيضة، فإذا طهرت منها.. سقط الاستحباب؛ لأنها صارت في طهر لا يحرم فيه طلاقها، وإن طلقت طاهراً بعد جماع بقية الطهر والحيضة بعده، ويسقط الاستحباب في الطهر الثاني.
انتهى 1. وأما إباحة الطلاق في الطهر الثاني لتلك الحيضة.. فليس في عبارته ما يدل عليه.
4038 - قول " التنبيه " في طلاق السنة [ص 174]: (هو أن يطلقها في طهر لم يواقعها فيه) يرد عليه: ما إذا وطئها في حيض قبله، أو قال لها: (أنت طالق في آخر طهرك)، أو استدخلت ماءه.. فإن ذلك كله بدعي على الأصح كما تقدم، مع أنه طهر لم يواقعها فيه.
4039 - قول " المنهاج " [ص 422]: (فيما لو قال لحائض: " أنت طالق للسنة ".. فحين تطهر) محله: ما إذا لم يطأها في ذلك الحيض كما تقدم.
4040 - قوله - والعبارة له - " والحاوي ": (ولو قال: " أنت طالق طلقة حسنة أو أحسن الطلاق أو أجمله ".. فللسنة) 2 قال في " التنبيه " [ص 177]: (إلا أن ينوي ما فيه تغليظ عليه) أي: بأن يكون في حال البدعة فينوي الوقوع في الحال؛ لأن طلاقها حسن جميل لسوء خلق ونحوه.
4041 - قول " المنهاج " [ص 422]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص 513]: (أو أقبح الطلاق أو أفحشه.. فللبدعة) قال في " التنبيه " [ص 177]: (إلا أن ينوي ما فيه تغليظ عليه) أي: بأن يكون في حال سنة وينوي الوقوع في الحال؛ لأن طلاقها قبيح لحسن خلق ونحوه، وقول " التنبيه " [ص 177]: (أسمج الطلاق وأقبحه) لو عبر بـ (أو).. لكان أولى، ليستقل كل ذلك بإفادة المقصود؛ لأن الأسمج هو: الأقبح.
4042 - قول " الحاوي " [ص 514]: (ولا تقبل إرادة التفريق على الأقراء في ثلاثٍ وثلاثٍ للسُّنَّة) قال في " المنهاج " [ص 423]: (إلا ممن يعتقد تحريم الجمع) 3 ونقله الرافعي عن

"التتمة" وأقره في ثلاث للسنة، وأطلق في ثلاث عدم القبول (1). 4043 - قول "التنبيه" [ص 177]: (وإن قال: "نسائي طوالق" واستثنى بعضهن بالنية.. لم يقبل في الحكم، وقيل: يقبل) الأصح: القبول فيما إذا دلت على ذلك قرينة؛ بأن خاصمته واحدة منهن وقالت: (تزوجت عليّ) فقال: (كل امرأة لي طالق)، وقال: (أردت غيرها)، وقد صرح بذلك "المنهاج" و"الحاوي" (2). 4044 - قول "الحاوي" [ص 514]: (أو في مطلق التعليق شهرًا) أي: إذا قال لها: (إن كلمت زيدًا.. فأنت طالق)، ثم قال: (أردت التكليم شهرًا).. قُبل، هو المنصوص، لكن فسره الغزالي بالقبول باطنًا (3)، وجزم به في "الشرح الصغير"، وفي "الروضة" وأصلها في غير موضع، وظاهر "الحاوي" تبعًا لـ "الوجيز" القبول ظاهرًا، وصوبه النووي في موضع من "الروضة" (4)، وهو مشكل حيث لا قرينة.

فصل [في أنواع من تعليق الطلاق]

4045 - قول "التنبيه" [ص 177]: (من صح منه الطلاق.. صح أن يعلق الطلاق على شرط) أورد عليه: الوكيل؛ فإنه يصح منه التنجيز ولا يصح منه التعليق ولو وكل فيه على الصحيح؛ ولهذا قيده في "الكفاية" بأن يكون بطريق الاستقلال.
وأجيب عنه: بأن التعليق من قبيل الأيمان، وقد سبق المنع في (الوكالة).
4046 - وقوله: (ومن لم يصح منه الطلاق.. لم يصح أن يعلق الطلاق على شرط) 5 أورد عليه: العبد لا يصح أن يطلق ثالثة، ولو علقها على إعتاق السيد له.. صح في الأصح.
4047 - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (قال: "أنت طالق في شهر كذا".. وقع بأول جزءٍ منه) 6 قال الرافعي: لم يذكروا هنا خلافًا أخذًا مما سبق في (السلم) مع اتجاه التسوية 7.1234

جارٍ التحميل