كتابُ الصِّيام
1250 - قول "التنبيه" [ص 65]: (ولا يجب صوم شهر رمضان إلا برؤية الهلال ... إلى آخره) أحسن من تعبير "المنهاج" و"الحاوي" بـ (رمضان) 1 بدون لفظة شهر؛ للخروج من الخلاف، فإن جماعة قالوا بكراهته، وهو مذهب المالكية 2، وورد فيه حديث رواه البيهقي: "لا تقولوا: رمضان، ولكن قولوا: شهر رمضان" 3، لكن الأصح: عدم كراهته؛ لكون الحديث لم يصح، وفي "الصحيحين": أنه عليه الصلاة والسلام قال: "من صام رمضان" 4.
وتعليق "التنبيه" و"المنهاج" وجوب الصوم بإكمال شعبان ثلاثين، أو رؤية الهلال يخرج إدراكه بحساب أو تنجيم، وهو كذلك، لكن صحح النووي في "شرح المهذب": أنه يجوز لهما دون غيرهما الصوم، ولكن لا يجزئهما عن فرضهما، وقيل: يجوز لهما ويجزئهما 5.
واستشكل السبكي ما صححه النووي، وقال: أكثر الكتب ساكتة عنه في الحاسب، وكلام الرافعي عند الكلام في يوم الشك ينازع فيه 6، وصحح الجمهور في المنجم: عدم الجواز، وسبقه إلى نقل ذلك عن الجمهور ابن الصلاح 7، قال السبكي: وأما الجواز مع عدم الإجزاء .. فبعيد، بل الصواب: أنه إذا جاز .. يجزئ، وهو الوجه الثاني.
انتهى.
وقد تفهم عبارة "الحاوي" أنه لا يجوز لهما الصيام؛ لقوله [ص 225]: (إنما يثبت رمضان باستكمال شعبان ... إلى آخره) فلم يعبر بالوجوب، وإذا لم يثبت كونه رمضان .. فصومه حرام كيوم الشك، وقال السبكي في "بيان الأدلة في إثبات الأهلة": محل الخلاف: إذا دل الحساب على الإمكان، فاكتفى به بعضهم، والصحيح: خلافه، أما إذا دل الحساب على عدم إمكان الرؤية وذلك يدرك بمقدمات قطعية .. ففي هذه الحالة لا يمكن تقدير الرؤية؛ لاستحالتها، فمن شهد به .. رددنا شهادته؛ لأن من شرط البينة إمكان المشهود به حساً وعقلاً وشرعاً، قال: ولا يعتقد الفقيه أن هذا الفرع مسألة الخلاف؛ لأن الخلاف فيما إذا دل الحساب على الإمكان، وهذا
الحديث: 1250 - الجزء: 1 - الصفحة: 522
عكسه، فمن قال بجواز الصوم هناك أو وجوبه .. يقول هنا بالمنع بطريق أولى، ومن منع هناك .. لم يقل هنا شيئاً، والذي اقتضاه نظرنا: المنع، وهو عندنا من محالّ القطع مُتَرقّ عن الظن يُنقض في مثله قضاء القاضي.
انتهى.
وقد وقع هذا في بعض السنين أنه قامت البينة برؤيته عند قاض وحكم بها، مع قول أهل الميقات: إنه غير ممكن، وانضم إلى ذلك أن القمر غاب ليلة الثالث على مقتضى تلك الرؤية قبل دخول وقت العشاء، فقلت: إن هذا الحكم يُنقض؛ لمخالفته النص، وهو: (أنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي العشاء لسقوط القمر لثالثة) 8، فهذا فيه مع عدم الإمكان مخالفة للنص، فهو أخص مما قاله السبكي، والله أعلم.
1251 - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (وثبوت رؤيته بعدلٍ، وفي قولٍ: عدلان) 9 فيه أمور:
أحدها: قال في "المهمات": هذا خلاف مذهب الشافعي؛ فإن المجتهد إذا كان له قولان، وعلم المتأخر منهما .. كان مذهبه هو المتأخر، وفي "الأم" في (الصيام الصغير): (قال الشافعي بَعْدُ: لا يجوز على رمضان إلا شاهدان) انتهى 10.
وكنت جوزت في تأويل هذا الكلام أن مراد الربيع: أن النص على أنه لا يثبت إلا بشاهدين .. متأخر عن النص على ثبوته بواحد في الترتيب لا في التاريخ، فيكون قوله: (بَعْدُ) أي: بعد هذا بأوراق، حتى رأيت شيخنا الإمام البلقيني نقل مع هذا النص نصاً آخر في (الشهادات) في ترجمة رؤية الهلال، صيغته: رجع الشافعي - رضي الله عنه - بعد فقال: لا يُصام إلا بشاهدين.
انتهى 11.
وهذا النص لا يحتمل هذا التأويل الذي ذكرته.
ثانيها: أن محل ثبوته برؤية عدل واحد: إنما هو بالنسبة للصوم فقط، فلا يقع الطلاق والعتق المعلقان به، ولا تحل الآجال المقدرة به، كذا أطلق الرافعي نقلاً عن البغوي 12، ومحله: إذا سبق التعليق الشهادة، فلو حكم القاضي بدخول رمضان بشهادة واحد، ثم قال قائل: إن ثبت رمضان فعبدي حر أو زوجتي طالق .. وقعا، كما نقله القاضي حسين عن ابن سريج، وذكر الرافعي
الحديث: 1251 - الجزء: 1 - الصفحة: 523
عنه وعن الأصحاب نظيره في (كتاب الشهادات) 13، ومحله أيضًا: إذا لم يتعلق بالشاهد، فإن تعلق به .. ثبت؛ لاعترافه به، ذكره في "المهمات".
ثالثها: ظاهر عبارته: أن كيفية الشهادة به أن يقول: (أشهد أني رأيت الهلال)، وقد صرح بذلك ابن سراقة والقفال والرافعي في صلاة العيد وغيرهم 14، ومنع ذلك ابن أبي الدم؛ لأنها شهادة على فعل نفسه.
رابعها: قال شيخنا الإمام البلقيني في "تصحيح المنهاج" في (الشهادات): لم أجد للشافعي نصاً صريحاً بالصوم بشهادة واحد، والنص الذي فيه إنما هو على طريق الاستحباب، ولفظه: ولا يلزم الناس أن يصوموا إلا بشهادة عدلين فأكثر، وكذلك لا يفطرون، وأَحَبُّ إليَ لو صاموا بشهادة العدل؛ لأنه لا مؤنة عليهم في الصيام؛ إن كان من رمضان .. أدَّوْهُ، وإن لم يكن .. رجوت أن يؤجروا به 15، قال شيخنا: وهذا يدل على أن شهادة الواحد عنده تقتضي استحباب الصوم عنده دون إيجابه، ولم أر من تعرض لذلك، على القول بأنه لا يثبت بواحد، وأنه يكون مؤدياً له إن كان من رمضان.
1252 - قول "المنهاج" [ص 178]: (وشرط الواحد: صفة العدول في الأصح، لا عبدٍ وامرأة) فيه أمور:
أحدها: أن قوله: (وشرط الواحد: صفة العدول) بعد قوله: (بعدل) فيه ركَّة، فإن العدل من كانت فيه صفة العدول، وإنما كان يحتاج إلى هذا لو عبر بقوله أولاً: (بواحد).
ثانيها: أنه يفهم أن العبد والمرأة ليسا عدلين، وليس كذلك، ومثار الخلاف: أن هذا هل هو من باب الشهادة .. فلا يكفي قولهما فيه، أو من باب الرواية .. فيكفي؟
ثالثها: ظاهره: أنه لا بد من العدالة الباطنة، وهي المستندة للتزكية، لكن صحح في "شرح المهذب": الاكتفاء بالعدالة الظاهرة، والمراد بذلك: المستور 16، وخالفه السبكي، وقال في "المهمات": تصحيح القبول متجه على القول بأنه رواية، وأما على القول بالشهادة .. فبعيد.
رابعها: محل اعتبار العدالة: وجوب صومه على عموم الناس، وأما وجوبه على الرائي نفسه .. فلا يتوقف على كونه عدلاً، بل من رأى هلال رمضان .. وجب عليه الصوم وإن كان فاسقاً.
الحديث: 1252 - الجزء: 1 - الصفحة: 524
1253 - قول "التنبيه" [ص 65]: (وفي سائر الشهور لا يقبل إلا عدلان) يرد عليه: ما لو نذر صوم شعبان فشهد برؤيته واحد وقلنا: يثبت به في رمضان .. فأصح الوجهين في "البحر": ثبوته 17.
1254 - قوله: (ولا يجب صوم شهر رمضان إلا برؤية الهلال) 18، قال في "الكفاية": مقتضاه: أنه إذا رئيَ في بلدٍ .. عم حكمه جميع البلاد، قال النشائي في "نكته": ولعل عكسه أقرب للفظه 19، وبين ذلك "المنهاج" فقال [ص 178]: (وإذا رُئيَ ببلد .. لزم حكمه البلد القريب دون البعيد في الأصح)، وقوله: (في الأصح) يرجع إلى البعيد فقط، أما القريب .. فيلزم حكمه بلا خلاف، ثم قال "المنهاج" [ص 178]: (والبعيد: مسافة القصر، وقيل: باختلاف المطالع.
قلت: هذا أصح) انتهى.
وتبع "الحاوي" ترجيح "المحرر" في اعتبار مسافة القصر، وكذا رجحه في "الشرح الصغير"، ورجحه النووي في "شرح مسلم" 20، قال السبكي: وهنا تنبيه لم أر من نبه عليه، وهو أنه قد تختلف المطالع والرؤية في أحد البلدين مستلزمة للرؤية في الآخر من غير عكس، فإن الليل يدخل في البلاد الشرقية قبل دخوله في الغربية، فإذا غربت في بلد شرقي، وبينه وبين الشمس سبع درج مثلاً .. لا يمكن رؤيته فيها، وإذا غربت في بلد غربي يتأخر الغروب، وبينه وبين الشمس أكثر من عشر درج .. أمكنت رؤيته فيها وإن لم يُرَ في ذلك الشرقي، فإذا غربت في غربي آخر بعد ذلك بدرجتين .. كانت رؤيته فيه أظهر، ويكون مكثه بعد الغروب أكثر، وقس على هذا يتبين لك أنه متى اتحد المطلع .. لزم من رؤيته في أحدهما رؤيته في الآخر، ومتى اختلف .. لزم من رؤيته في الشرقي رؤيته في الغربي، ولا ينعكس.
انتهى، وتبعه على ذلك في "المهمات".
1255 - قول "المنهاج" [ص 178]: (ومن سافر من البلد الآخر إلى بلد الرؤية .. عَيَّدَ معهم وقضى يوماً) محل قضاء يوم: ما إذا كان تعييده معهم في التاسع والعشرين؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 225]: (إن صام ثمانية وعشرين).
1256 - قول "المنهاج" [ص 178]: (ومن أصبح مُعَيِّداً فسارت سفينته إلى بلد؛ بعيد؛ أهلها صيامٌ .. فالأصح: أنه يُمْسِكُ بقية اليوم) تبع في تصحيحه "المحرر" و"الشرح الصغير" 21، وحكاه في "الروضة" وأصلها عن الشيخ أبى محمد، قال: واستبعده الإمام والغزالي؛ لما فيه من تجزئة اليوم
الحديث: 1253 - الجزء: 1 - الصفحة: 525
الواحد (1)، وفي تسمية هذا الاستبعاد وجهًا نظر، وقد رده الرافعي بيوم الشك إذا ثبت الهلال في أثنائه؛ فإنه يجب إمساك باقيه دون أوله (2)، لكن قال السبكي: للإمام أن يقول: إنما يُبعّض الحكم في يوم الشك ظاهراً، وأما في مسألتنا: فهو متبعض ظاهرًا وباطنًا بالنسبة إلى حكم البلدتين، فيكون كما لو أسلم الكافر، أو أفاق المجنون، أو بلغ الصبي وهو مفطر؛ فإنه لا يلزمهم الإمساك على الأصح.
فصلٌ [في النية]
1257 - قول "المنهاج" [ص 179]: (النية شرط للصوم) صريح في أنها ليست ركنًا داخلاً في الماهية، وقال الغزالي: (ركن الصوم: النية والإمساك) 24، قال الرافعي: تقدم الخلاف في أن النية ركن في الصلاة أم شرط، ولم يوردوا الخلاف هنا، واللائق بمن اختار الشرطية هناك أن يقولوا بمثله هنا، ومنهم الغزالي، وحينئذ .. فيتمحض نفس الصوم؛ أي: الإمساك ركنا 25، وأسقط هذا الكلام في "الروضة"، وقال: لا يصح الصوم إلا بالنية 26، وكذا عبر "التنبيه" و"الحاوي" 27، وعبارة "المحرر": (لا بد منها) 28، وهذا التعبير محتمل للاشتراط والركنية، والحق: أنها ركن كما في الصلاة، مع أن الغزالي إنما قال هناك: هي بالشروط أشبه، ولم يجزم بأنها شرط 29. 1258 - قول "التنبيه" [ص 65]: (ولا يصح صوم رمضان ولا غيره من الصوم الواجب إلا بنية من الليل) أحسن من قول "المنهاج" - والعبارة له - و"الحاوي": (ويشترط لفرضه التبييت) 30 لأن عبارتهما قد تخرج الصبي المميز؛ فإنه لا فرض عليه، والذي في "شرح المهذب" تبعاً للروياني وغيره: أنه كالبالغ في ذلك، قال الروياني: ليس [على أصلنا] 31 صوم نفل يشترط فيه التبييت إلا هذا 32.2223
الحديث: 1257 - الجزء: 1 - الصفحة: 526
1259 - قول "المنهاج" عطفًا على الصحيح [ص 179]: (وأنه لا يضر الأكل والجماع بعدها)، عبر في "الروضة" بالمذهب 33، وفي "شرح المهذب": إنه الصواب المنصوص، وبه قطع جميع الأصحاب، وعن أبي إسحاق المروزي بطلانها، ووجوب تجديدها، وهو غلط بالاتفاق، وقال الإصطخري: هو خلاف الإجماع، وأنكر ابن الصباغ وغيره نسبته إليه، وقال الإمام وغيره: إنه رجع عنه عام حج، وأَشْهَدَ على نفسه 34.
قال الرافعي: فإن لم ينقل هذا الوجه إلا عنه، وثبت أحد هذين .. فلا خلاف في المسألة 35.
قال السبكي: ولك أن تقول: إذا لم يكن في المسألة إجماع سابق، وثبت خلاف أبي إسحاق، شم رجوعه يشخرج على الخلاف في الاتفاق بعد الاختلاف إن لم نجعله إجماعاً .. فالخلاف مستمر.
1260 - قول "التنبيه" - والعبارة له - و"المنهاج" في النفل: (وفيه قول آخر: أنه يصح بنية بعد الزوال) 36 لهذا القول شرط، وهو ألاَّ تتصل النية بالغروب، بل يفصل بينهما زمن وإن قل، قاله البندنيجي وغيره، لكن عبارة "الروضة" من زوائده توافق ما تقدم؛ حيث قال: تصح في جميع ساعات النهار 37.
1261 - قول "المنهاج" [ص 179]: (والصحيح: اشتراط حصول شرط الصوم من أول النهار) قيل: كان ينبغي التعبير بالمذهب؛ فإنا إن قلنا: إنه صائم من أول النهار .. اشترط قطعاً، وإلا .. فوجهان، أصحهما: الاشتراط أيضًا، وقطع به بعضهم 38.
1262 - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (ويجب التعيين في الفرض) 39 يخرج النفل، وصرح به "التنبيه" فقال [ص 66]: (ويصح النفل بنية مطلقة)، قال في "شرح المهذب": وينبغي اشتراط التعيين في الصوم المرتب؛ كعرفة، وعاشوراء، وأيام البيض، وستة شوال كرواتب الصلاة 40.
الحديث: 1259 - الجزء: 1 - الصفحة: 527
وألحق في "المهمات" بذلك ما له سبب؛ كصوم الاستسقاء إذا لم يأمر به الإمام، وهو قياس اشتراطه في الصلاة.
1263 - قول "المنهاج" [ص 179]: (وفي الفرضية الخلاف المذكور في الصلاة) كذا في "الروضة" وأصلها 41، وظاهره: تصحيح الاشتراط، وعليه مشى "الحاوي" 42، لكن صحح في "شرح المهذب": عدم الاشتراط، وحكاه عن تصحيح الأكثرين، وفرق بينهما بأن صوم البالغ رمضان لا يكون إلا فرضاً بخلاف صلاته الظهر؛ فإن المعادة نفل 43.
ورده السبكي باشتراط نية الفرض في المعادة على الأصح، وإن علل في الصلاة بتميزها عن ظهر الصبي .. فالصوم كذلك.
وظاهر "التنبيه": عدم اعتبار نية الفرضية؛ فإنه لم يذكره، وظاهر كلامهم: أنه لو تسحر للصوم، أو شرب لدفع العطش نهاراً، أو امتنع من الأكل مخافة الفجر .. لم يكن ذلك نية، وبه صرح صاحب "العدة"، وقال أبو العباس الجرجاني: إنه نية، قال الرافعي: وهو الحق إن خطر بباله الصوم بالصفات التي يشترط التعرض لها؛ لأنه إذا تسحر ليصوم يوم كذا .. فقد قصده 44.
1264 - قول "المنهاج" [ص 179]: (ولو نوى ليلة الثلاثين من شعبان صوم غدٍ عن رمضان إن كان منه، فكان منه .. لم يقع عنه) ليس قوله: (إن كان منه) قيداً، فلا فرق بين أن يقول: إن كان منه أم لا بعد كونه غير معتقد أنه من رمضان؛ فإن غير المعتقد لا يتأتى منه الجزم بالنية، فهو متردد وإن لم يأت بصيغة التردد، وخالف في الأولى المزني 45، وفي الثانية وجه، حكاه صاحب "التقريب"، ونقل شيخنا الإمام البلقيني عن نص الشافعي - رضي الله عنه - في اختلاف العراقيين أنه قال: وإذا أصبح يوم الشك من شهر رمضان، وقد بيّت الصوم من الليل على أنه من رمضان .. فهذه نية كاملة له تؤدي عنه ذلك اليوم إن كان من رمضان، وإن لم يكن من رمضان .. أفطره، ثم قال الربيع: قال الشافعي في موضع آخر: لا يجزئه؛ لأنه صام على الشك 46.
1265 - قوله: (إلا إذا اعتقد كونه منه بقول من يثق به؛ من عبد أو امرأة أو صبيان رشداء) 47 فيه أمور:
الحديث: 1263 - الجزء: 1 - الصفحة: 528
أحدها: أن ظاهره تصوير المسألة مع اعتقاد كونه منه؛ بأن ينوي صوم غد عن رمضان إن كان منه، وصورها في "الروضة" وأصلها: بأن ينوي صومه عن رمضان، ولم يذكرا في التصوير قوله: (إن كان منه) وجزما فيها بالصحة، ثم قال: فإن قال في نيته، والحالة هذه: أصوم عن رمضان، فإن لم يكن عن رمضان فهو تطوع .. فظاهر النص: أنه لا يصح صومه إذا بأن رمضان؛ للتردد فيه، وفيه وجه أنه يصح؛ لاستناده إلى أصل، ورأى الإمام طرد هذا الخلاف فيما إذا جزم 48، ورجح السبكي: الصحة في هذه الحالة، ولو مع قوله: فإن لم يكن عن رمضان فهو تطوع، وقال في "المهمات": إنه المتجه، وعزاه لـ"المحرر" 49.
ثانيها: استشكل السبكي وغيره ما ذكروه هنا من صحة الصوم اعتماداً على قول عبدٍ أو امرأةٍ أو صبيانٍ رشداء، مع تفسيرهم يوم الشك باليوم الذي يتحدث برؤيته فيه من لا يعتمد قوله من عبيد وصبيان ونساء وفسقة؛ فإن مقتضاه: تحريمُ صومه، فيحتاج إلى الجمع بين الكلامين، والذي عندي في الجمع بينهما: أن كلامهم هنا فيما إذا تبين كونه من رمضان، وهناك فيما إذا لم يتبين شيء، فليس الاعتماد على هؤلاء في الصوم، بل في النية فقط، فإذ نوى اعتماداً على قولهم، ثم تبين ليلاً كون غد من رمضان .. لا يحتاج إلى تجديد نية أخرى، ألا تراهم لم يذكروا هذا فيما يثبت به الشهر، وإنما ذكروه فيما يعتمد عليه في النية، وقد أشار السبكي إلى هذا الجواب في آخر كلامه احتمالاً، فقال أولاً: ويمكن الجمع بأن المراد هنا: إذا حصل الظن بقولهم، بخلافه هناك، قال: لكن الرافعي في "الشرح" قيد ذلك هناك بظن صدقهم، وقال: إنه المشهور، ولا يمكن أن يقال: يحرم ويصح؛ فإنه ليس له جهتان 50، ثم قال السبكي: والذي خطر لي فيه أمران:
أحدهما: الفرق بين الاعتقاد والظن، فالحاصل هناك ظن وهنا اعتقاد، كما عبر به "المصنف" في الموضعين، تبعاً للرافعي، وليس هذا بمَرضي؛ فإن جماعة عبروا هنا بالظن، وأيضا يبعد حصول اعتقاد جازم بقول عبد أو امرأة.
والثاني: أن قول الرافعي: (وظن صدقهم) لا يلزم منه ظن كونه من رمضان؛ فإن استصحاب شعبان يفيد ظن كونه منه، وإخبار المخبر يعارضه، فإن لم يظن صدقه لِريبَةٍ .. استصحبنا شعبان، وإن ظننا صدقه، ولم نزد على ظننا استصحاب شعبان .. فهو الشك، ولا يلزم من ظن الصدق ظن الحكم المترتب عليه، وإن زاد على ظن الاستصحاب .. زال الشك، وجاز صومه، وأجزأ، وهو المذكور هنا، بل يجب على من صدقه.
الجزء: 1 - الصفحة: 529
ثم قال السبكي: وقد يقال: الكلام هنا في تصحيح النية ... فذكر نحو ما قدمته أولاً واعتمدته، وقال شيخنا ابن النقيب: إن وقفنا مع ظاهر التصوير بالنسبة إلى الوصف هنا بالرشد بخلافه هناك .. اتجه الفرق 51.
ثالثها: ظاهر تعبيره بالصبيان: أنه لا بد من جمع بينهم، وكذا عبر "الحاوي" بالصبية 52، وهو أحد جموع الصبي، وفي موضعين من "شرح المهذب": أن الصبي الواحد يكفي 53، وقال السبكي: إذا حصل الثقة بالصبي الواحد .. كان الحكم كذلك، وبه صرح المحاملي والجرجاني، قال: فصيغة الجمع ليست للاشتراط، وقال في "المهمات": والفتوى على المنع؛ ففي "البحر" ما حاصله: أن الجمهور عليه 54.
رابعها: لم يصف "الحاوي" الصبية بالرشد، وزاده ناظمه ابن الوردي عليه 55، والمراد به: الاختبار بالصدق، قال في "المهمات": ولا يبعد اجتناب النواهي خصوصًا الكبائر، ويدل عليه تعبير بعضهم بالموثوق به.
قلت: والمقصود بالرشد هنا غير المقصود به في قوله: (شرط العاقد: الرشد) 56.
خامسها: قوله: (رشداء) قيد في الصبيان، ويحتمل عوده إلى البواقى.
1266 - قول "التنبيه" [ص 66]: (ومن نوى الخروج من الصوم .. بطل صومه، وقيل: لا يبطل) الأصح: الثاني، وظاهر كلامه: البطلان على الأول في الحال، وهو وجه حكاه الماوردي، وحكى معه وجهًا آخر: حتى يمضي عليه من الزمان قدر الأكل والجماع 57، وذكر في "شرح المهذب" أن الأول هو المشهور، وأن الثاني غريب ضعيف 58.
1267 - قوله: (وإن اشتبهت الشهور على أسير .. تحرى وصام) 59 ذكر الأسير مثال، فالمحبوس في مطمورة، ومن هو بطرف بلاد الإسلام، أو بموضع لا يعدون فيه الشهور كذلك؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص 179]: (ولو اشتبه .. صام شهراً بالاجتهاد) وكذا أطلق "الحاوي" الاجتهاد 60.
الحديث: 1266 - الجزء: 1 - الصفحة: 530
1268 - قولهما: (فإن وافق ما بعد رمضان .. أجزأه) (1)، قال في "الكفاية": ظاهره: التسوية بين شوال وذي الحجة وغيرهما، ولو وافق شوالاً .. لم يصح منه يوم العيد، أو ذا الحجة .. لم يصح يوم النحر، وكذا ثلاثة أيام بعده، إلا إذا قلنا بصحة صوم أيام التشريق، قال النشائي: هذا قد عُلم من ذكر تحريم صوم يومي العيد وأيام التشريق، ولا حاجة لذكر الشروط في كل مكان، وإلا .. فكان حقه إيراد موافقة الليل؛ لشموله أيضاً (2). 1269 - قول "التنبيه" [ص 65]؛ (وإن وافق ما قبله .. لم يجزئه في أصح القولين) محلهما: ما إذا لم يظهر له ذلك إلا بعد فوات رمضان بجملته، فإن ظهر له قبل مجيئه .. لزمه صومه، وإن ظهر له وقد بقي بعضه .. لزمه صوم البقية قطعا، ولذلك قال "المنهاج" [ص 179]: (ولو غلط بالتقديم فأدرك رمضان .. لزمه صومه) وبقي عليه: ما لو أدرك بعضه.
فصلٌ [أركان الصوم]
1270 - قول "المنهاج" [ص 179]: (شرط الصوم: الإمساك: عن الجماع ... إلى آخره) مع قوله في الفصل المتقدم [ص 179]: (النية شرط للصوم) يقتضي أن الصوم لا حقيقة له؛ فإنه لا شيء فيه غير النية والإمساك، فإذا كانا شرطين فأين الصوم؟ والظاهر في الموضعين: أنه لم يرد الشرط الاصطلاحي، وإنما أراد: ما يعتبر لتحصل حقيقة الصوم، وعبارة "المحرر": (لا بد) 63، وعبارة "الحاوي" [ص 225]: (صحة الصوم) بترك كذا وكذا، وعبارة "التنبيه" [ص 66]: (فإن أكل - وعطف عليه أموراً - .. بطل صومه)، وهي كلها محتملة، فلتحمل على الركنية.
1271 - قول "المنهاج" في الاستقاءة [ص 180]: (والصحيح: أنه لو تيقن أنه لم يرجع إلى جوفه شيء .. بطل) عبر في "الروضة" بالأصح 64.
1272 - قوله عطفاً على ما لا يفطر: (وكذا لو اقتلع نخامة ولَفَظَهَا في الأصح) 65 عبر في "الروضة" بالمذهب 66، والمراد: اقتلعها من الباطن ولَفَظها في حد الظاهر، فالباطن: مخرج6162
الحديث: 1268 - الجزء: 1 - الصفحة: 531
الهاء والهمزة، والظاهر: مخرج الخاء المعجمة، وأما الحاء المهملة: فقال الرافعي تبعًا للغزالي: مخرجها باطن 67، وقال النووي: إنه من الظاهر 68.
1273 - قوله: (إن وصول عين إلى باطن الدماغ مفطر) 69 تبع فيه "المحرر"، وكذا في "الروضة" وأصلها تبعاً للغزالي 70، ومقتضاه: أن وصول عين إلى ظاهر الدماغ لا يفطر، لكن في أصل "الروضة" عقبه: أنه لو كان برأسه مأمومة 71، فوضع عليها دواءً، فوصل خريطة دماغه .. أفطر وإن لم يصل باطنها، وحكاه الرافعي عن الإمام والبغوي والروياني، ولم يخالفهم 72، وهو صريح في أن باطن الدماغ ليس بشرط، بل ولا الدماغ نفسه، فإن الدماغ في باطن الخريطة، كما هو مذكور في (كتاب الجراح)، فالمعتبر مجاوزة الِقحْف، كما قاله الإمام وغيره 73، واعتبر "التنبيه" الوصول إلى الدماغ 74.
1274 - قوله: (أو صب الماء في أذنه فوصل إلى دماغه) 75 الأصح: أنه لا يتوقف الإفطار على الوصول إلى الدماغ، بل الوصول إلى باطن الأذن كاف، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 76.
1275 - قول "المنهاج" عطفاً على الدماغ [ص 180]: (والأمعاء) فيه ما تقدم؛ فإنه لا يشترط وصوله إلى باطن الأمعاء، بل لو كان على بطنه جائفة 77، فوضع عليها دواء، فوصل جوفه .. أفطر وإن لم يصل باطن الأمعاء، كما جزم به في أصل "الروضة" 78، وفي "التنبيه" [ص 66]: (أو داوى جرحه، فوصل الدواء إلى جوفه).
1276 - قول "المنهاج" [ص 180]: (وكونه بقصدٍ، فلو وصل جوفه غبار الطريق .. لم يفطر) يرد عليه: أنه لو فتح فاه عمداً حتى دخل الغبار جوفه .. لم يفطر على الأصح في "التهذيب"،
الحديث: 1273 - الجزء: 1 - الصفحة: 532
حكاه عنه الرافعي والنووي، وأقراه، وصححه النووي في " فتاويه " 79، ويرد ذلك على إطلاق "الحاوي" القصد، وإن لم يذكر هذا المثال 80.
1277 - قول "المنهاج" [ص 180، 181]: (فلو خرج - أي: الريق - من الفم ثم رده وابتلعه .. أفطر) قد يتناول ما لو أخرجه على لسانه ثم أدخله وابتلعه، وكذا صححه في "الشرح الصغير"، لكن الأصح في "الروضة" وأصلها: أنه لا يفطر 81، وقد يرد ذلك على إطلاق "الحاوي" عدم الفطر بالريق بكونه من الفم 82.
1278 - قول "المنهاج" فيما يفطر [ص 181]: (أو ابتلع ريقه مخلوطاً بغيره) وهو مفهوم من تقييد "الحاوي" الريق بكونه صِرْفاً 83، قليل الفائدة؛ فإن الفطر إنما هو بالعين المختلطة به، فهو مندرج فيما تقدم.
1279 - قول "التنبيه" [ص 66]: (وإن تمضمض أو استنشق فوصل الماء إلى جوفه .. بطل صومه في أحد القولين دون الآخر)، فال في "المنهاج" [ص 181]: (المذهب: أنه إن بالغ .. أفطر، وإلا .. فلا) وعليه مشى "الحاوي" 84، والكلام في المضمضة والاستنشاق المشروعين، فلو سبق من رابعة .. قال البغوي: إن بالغ .. أفطر، وإلا .. ترتب على المشروعية، وأولى بالفطر 85، وقال النووي: المختار: الجزم بالفطر؛ لأنها منهي عنها كالمبالغة 86، قال السبكي: وهو متعين، وغسل الفم من نجاسةٍ كالمضمضة، قال الرافعي: والمبالغة هنا للحاجة ينبغي أن تكون كالمضمضة بلا مبالغة، وجزم به في "الشرح الصغير" 87، وقال في "شرح المهذب": هو متعين 88.
1280 - قول "المنهاج" [ص 181]: (فإن أُكْرِهَ حتى أكل .. أفطر في الأظهر) كذا قال في "المحرر": إنه الذي رُجِّح من القولين 89، وحكى في "الشرح الكبير" تصحيحه عن الغزالي في
الحديث: 1277 - الجزء: 1 - الصفحة: 533
"الوجيز"، وعليه مشى "الحاوي" 90، لكنه في "الشرح الصغير" قال: لا يَبعُدُ ترجيحُ الصحة، وأطلق في " أصل الروضة" تصحيح الصحة 91، ولا مستند له في ذلك؛ فإن الرافعي لم ينقل تصحيحاً سوى عن الغزالي للبطلان، واغتر بذلك في "شرح المهذب"، فصرح فيه بأن الرافعي صحح الصحة 92، وذكره في "المنهاج" من زيادته، فقال [ص 181]: (الأظهر: لا يفطر) وكذا صححه في "التنبيه"، وجزم به الغزالي في "الخلاصة" 93، ولم يرجح في "البسيط" و"الوسيط" شيئًا.
1281 - قول "التنبيه" [ص 66]: (فإن فعل ذلك ناسياً .. لم يبطل) يتناول الكثير، وقد صحح فيه في "المحرر ": البطلان، وكذا في "الحاوي" 94، وصحح "المنهاج" مقابله، فقال [ص 181]: (الأصح: لا يفطر) وكذا في زوائد "الروضة" 95، وفي "شرح المهذب": إنه المذهب المنصوص الذي قطع به الجمهور من العراقيين وغيرهم، وذكر الخراسانيون فيه وجهين، والمذهب: أنه لا يفطر وجها واحداً 96.
1282 - قول "التنبيه" [ص 66]: (أو جاهلاً) فيه أمور:
أحدها: محل عدم الإفطار بالجهل: ما إذا كان قريب العهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة بحيث يجهل فيها مثل ذلك، جزم به في "أصل الروضة" 97.
ثانيها: ظاهر إطلاقه أنه لا فرق في البطلان مع الجهل بين قليل الأكل وكثيره، وهو مقتضى إطلاق "الروضة" وأصلها 98، قال في "المهمات": وهو متجه، وكلامه في "الشرح الصغير" يقتضي جريان خلاف الناسي فيه؛ فإنه قال: والجاهل القريب العهد بالإسلام كالناسي، ومقتضاه: البطلان بالكثير على المرجح عنده، وصرح به في نظيره، وهو الجاهل بتحريم الأكل في الصلاة.
ثالثها: المراد: الجهل بتحريم الأكل، كما في "شرح المهذب" 99، وعبر في "الروضة"
الحديث: 1281 - الجزء: 1 - الصفحة: 534
وأصلها بالجهل بكونه مفطرًا 100، ومقتضاه: أن من جهل الإفطار به .. لم يفطر وإن علم التحريم، وليس كذلك، كما في نظيره من الكلام في الصلاة، وفي "النهاية": لو تكلم عالماً بأن الكلام محرّم في الصلاة، ولكن لم يعلم كونه مفسداً .. فتفسد صلاته وفاقاً، وهذا يطّرد في الصوم وغيره 101.
رابعها: بعد تقرير أن المراد: الجهل بالتحريم، ففي المسألة إشكال؛ لأن ذلك جهل بحقيقة الصوم، فإن من جهل المفطر .. جهل الإمساك عنه الذي هو حقيقة الصوم، فلا تصح نيته، قال السبكي: فلا مخلص إلا بأحد أمرين، إما أن يفرض في مفطر خاص من الأشياء النادرة كالتراب؛ فإنه قد يخفى، ويكون الصوم: الإمساك عن المعتاد، وما عداه شرط في صحته، وإما أن يفرض، كما صوره بعض المتأخرين فيمن احتجم أو أكل ناسياً، فظن أنه أفطر، فأكل بعد ذلك جاهلًا بوجوب الإمساك .. فإنه لا يفطر على وجه، لكن الأصح فيه: الفطر، وسيأتي في "المنهاج".
انتهى.
وقال القاضي حسين: كل مسألة تَدِقّ وتَغمُض معرفتُها هل يعذر فيها العامي، على الوجهين؛ أي: فيما إذا علم المصلي أن جنس الكلام محرم، ولم يعلم أن ما أتى به محرم، والأصح: فيها الصحة.
1283 - قولهم: (إن الصوم يبطل بالاستمناء) 102 المراد به: استنزال المني باليد قصداً، أما لو حك ذكره لعارض، فخرج المني .. فالأصح في "شرح المهذب": أنه لا يفطر؛ كسبق ماء المضمضة 103.
1284 - قول "المنهاج" [ص 181] و"الحاوي" [ص 226]: (إن الصوم يبطل بخروج المني بقبلة) محله: فيما إذا كانت بدون حائل، فلو قَبَّل بحائل، فأنزل .. فجزم المتولي بأنه لا يفطر، ولو قَبَّل، ثم أنزل بعد مفارقتها بساعة فأكثر .. فالأصح عند الروياني: إن استمرت الشهوة وقيام الذكر حتى أنزل .. أفطر، وإلا .. فلا 104، ومحل ذلك: في الواضح، فأما المشكل .. فلا يفطر بإنزال المني من أحد الفرجين؛ لاحتمال الزيادة، قاله في "البيان"، وحكاه في "شرح المهذب" عنه 105.
الحديث: 1283 - الجزء: 1 - الصفحة: 535
1285 - قول "التنبيه" و"المحرر": (وتكره القبلة لمن حركت شهوته) 106 فيه أمور:
أحدها: أن الكراهة هنا للتحريم، صرح به "المنهاج"، فقال من زيادته [ص 181]: (هي كراهة تحريم في الأصح) وصححه في "أصل الروضة"، والرافعي إنما حكاه عن البغوي 107.
ثانيها: أن هذه العبارة أحسن من قول "الحاوي" [ص 228]: (وتكره للشاب)، وقد تبع في هذه العبارة الرافعي في "الشرح الكبير" 108، لكنه أسقط لفظ (الشاب) في "الشرح الصغير" و"الروضة"، وصرح في "شرح المهذب" بأنه لا فرق بين الشاب والشيخ، والمدار على تحريك الشهوة، لكن الأغلب حصول ذلك للشاب 109.
ثالثها: المراد بتحريك الشهوة: التلذذ، كما قاله بعضهم، وخطأه الإمام، وكلام طائفة يقتضي أن المراد: خشية الإنزال 110، ويوافقه قول "شرح المهذب": الضابط: تحريك الشهوة، وخوف الإنزال 111، وعبارة "أصل الروضة": لمن حركت شهوته ولا يأمن على نفسه 112، وقال السبكي: يحتمل أن يراد: خوف الإنزال أو الجماع، قال: والإنزال بها نادر، وخوف الوقاع كثير، والتلذذ غالب؛ فالتلذذ فقط الوجه القطع بإباحتها معه، وخوف الإنزال والوقاع الكراهة معه وجه، قال: والذي أقوله: إن تلذذ فقط .. لم يحرم ولم تكره، وإن غلب على ظنه الإنزال أو الوقاع .. اتجه التحريم، وإن خاف منها من غير دليل: فإن صح الحديث الناهي عنها للشاب .. اتجه التحريم، وإلا .. فالكراهة.
رابعها: ظاهره: التسوية في ذلك بين الرجل والمرأة، قال في "المهمات": وهو متجه.
1286 - قول "المنهاج" [ص 181]: (ويحل - أي: الأكل آخر النهار - بالاجتهاد في الأصح) عبر في "الروضة" بالصحيح 113.
1287 - قول "التنبيه" [ص 66، 67]: (وإن أكل شاكاً في غروب الشمس .. لزمه القضاء، وإن أكل شاكاً في طلوع الفجر .. لم يلزمه القضاء) صورة المسألة فيهما: ألا يتبين الحال بعد ذلك، فإن تبين أنه أكل نهاراً .. لزمه القضاء فيهما، أو ليلاً .. فلا قضاء فيهما؛ ولهذا قيده "المنهاج"
الحديث: 1285 - الجزء: 1 - الصفحة: 536
بألا يتبين الحال (1)، وهو مفهوم من تقييد "الحاوي" المسألة قبلها بالغلط (2).
1288 - قول "التنبيه" [ص 67]: (وإن طلع الفجر وفي فيه طعام) أحسن من قول "المنهاج" [ص 182]: (فمه) لأن إضافة الفم مع بقاء ميمه وإن كان جائزاً لكن الأفصح: خلافه.
1289 - قولهم - والعبارة لـ"التنبيه" -: (أو كان مجامعًا فنزع .. صح صومه) (3) شرطه عند ابن سريج والشيخ أبي حامد وغيرهما: أن يقصد بالنزع الترك دون التلذذ، ولا يضر إنزاله مع النزع؛ لتولده من مباح.
1290 - قولهم: (وإن استدام .. بطل صومه) (4) يقتضي أنه انعقد ثم بطل، وهو ظاهر عبارة الرافعي والنووي هنا (5)، واختاره السبكي، لكن الأصح: أنه لم ينعقد أصلاً، ولو لم يبق من الليل إلا ما يسع الإيلاج دون النزع .. ففي جواز الإيلاج وجهان، عن ابن خيران: المنع، وعن غيره: الجواز، ذكره الرافعي في (الإيلاء) (6)، وأسقطه في "الروضة".
فصلٌ [شروط صحة الصوم]
هو معقود لذكر شروط صحة الصوم، والذي بعده لذكر شروط وجوبه، وأما قوله في الفصل الذي قبله: (شرط الصوم) 120 فقد تقدم أنه تَجَوّز، وأن المراد بالشرط فيه: الركن.
1291 - قولهم: (إن شرط الصوم: العقل) 121 قيده البارزي في "توضيحه الكبير" بما إذا لم يشرب دواء، ومقتضاه: صحة الصوم فيما إذا شرب دواء ليلاً وزال عقله نهاراً، وهو وجه، والأصح: المنع؛ لأنه بفعله.
1292 - قولهم: (والنقاء عن الحيض والنفاس) 122 قد يرد عليه: ما لو ولدت ولم تَرَ دَماً لوجود النقاء، لكن الأصح في "شرح المهذب": بطلان صومها بناء على وجوب الغسل عليها 123.114115116117118119
الحديث: 1288 - الجزء: 1 - الصفحة: 537
1293 - قول "التنبيه" [ص 66]: (وإن أغمي عليه في بعضر النهار .. ففيه ثلالة أقوال، الأظهر: أنه لا يضر) وعليه مشى "الحاوي" و"المنهاج"، وعبر عنه بالأظهر، وعبر عنه في "الروضة" بالمذهب 124. 1294 - قول "المنهاج" [ص 182]: (وكذا التشريق في الجديد) قد يفهم أن مقابله: جواز صوم أيام التشريق مطلقًا، وليس كذلك، وقد أوضحه "التنبيه"، فقال [ص 68]: (وقال في القديم: يجوز للمتمتع صوم أيام التشريق) أي: إذا عدم الهَدْي، واختار النووي هذا القديم من جهة الدليل، والأصح: أن القديم لا يجري في غير المتمتع، وعلى مقابله قال النووي: هو مختص بما له سبب من واجب أو نفل، وإلا .. فلا، عند جمهور من حكاه، وصرحوا فيه بنفى الخلاف 125، وذكر الإمام ما يقتضي خلافاً فيه، وكذا أطلق العمراني الوجهين 126. 1295 - قول "التنبيه" [ص 68]: (ولا يجوز صوم يوم الشك إلا أن يوافق عادة له، أو يصله بما قبله) أهمل حالة ثالثة، وهي صومه عن نذر أو قضاء أو كفارة، وقد ذكرها "الحاوي"، وذكرها "المنهاج"، إلا أنه أهمل الكفارة 127، وإطلاقهما يتناول قضاء المستحب، وكذا هو مقتضى إطلاق غيرهما هنا، وتصريحهم بقضاء صلاة النافلة في الأوقات المكروهة، وأهملا وصله بما قبله، وقد ذكره "التنبيه" كما تقدم، ومحله: فيما إذا وصله بما قبل نصف شعبان، فإن وصله بما بعده .. انْبَنَى على أنه هل يجوز الصوم بعد نصف شعبان غير متصل بما قبله؛ وقد ذكره "التنبيه" فقال [ص 68]: (وقيل: لا يجوز إذا انتصف شعبان أن يصوم إلا أن يوافق عادة له، أو يصله بما قبله) وهذا هو الذي صححه النووي في "شرح المهذب" و"تصحيح التنبيه" 128، فعلى هذا يمتنع وصله به، ويستثنى من عدم التحريم في هذه الصور: ما لو أخر صوماً ليوقعه يوم الشك .. فقياس كلامهم في الأوقات المنهي عنها تحريمه، ذكره في "المهمات"، ومع عدم التحريم في صومه عن ورد: لا كراهة فيه أيضاً، وكذا لا كراهة في صومه عن فرض، كما نقله في "شرح المهذب" عن مقتضى كلام الجمهور 129، ونقله الرافعي عن ابن الصباغ، ونقل الكراهة عن القاضي أبي الطيب 130، ونقلها في "المهمات" عن صاحب "المهذب" والجرجاني والماوردي،
الحديث: 1293 - الجزء: 1 - الصفحة: 538
ورجحها، ومنع قياس الفرض على التطوع؛ بأنه لا تبرأ ذمته في الفرض بتقدير كونه من رمضان 131.
واعلم: أن المجزوم به في هذه الكتب من تحريم صوم يوم الشك في غير ما استثني، هو الذي في كتب الرافعي والنووي، ونازع فيه في "المهمات" وادعى أن المعروف الكراهة، ونقل ذلك عن نص الشافعي في "البويطي"، وعن البندنيجي، ونصر المقدسي وابن الصباغ والماوردي والروياني والقاضي الحسين والفوراني والقاضي أبي الطيب والجرجاني والمحاملي والدارمي والصِيمري وأبي حامد العراقي والبيضاوي في "التبصرة" وغيرهم 132.
1296 - قول "المنهاج" [ص 182]: (وهو: يوم الثلاثين من شعبان إذا تحدث الناس برؤيته، اْو شهد بها صبيانٌ، أو عبيدٌ، أو فسقةٌ) قال في "الروضة" تبعاً للإمام: وظن صدقهم 133، وعبارة "الحاوي" [ص 227]: (والشك؛ بأن شهد العبد والفاسق) فلم يذكر الصبي ولا الشياع بلا شهادة، واقتضى كلامه: الاكتفاء بواحد، ومقتضى عبارة "المنهاج": أنه لا بد من جمع، والذي في "أصل الروضة": اعتبار قول عدد من النساء أو العبيد أو الفسّاق 134، وذلك يتناول الاثنين فأكثر، ولم يذكر"المنهاج" و"الحاوي" النساء، وتقدم ما في المسألة من الإشكال.
1297 - قول "المنهاج" [ص 182]: (ويسن تعجيل الفطر) محله: إذا تحقق غروب الشمس، كما ذكره "التنبيه" و"الحاوي" 135، وهل يكره التأخير؛ قال في "الأم": إن تعمد ذلك، ورأى الفضل في التأخير .. كرهته، وإلا .. فلا بأس 136.
1298 - قولهم - والعبارة لـ"التنبيه" -: (ويستحب أن يفطر على تمر، فإن لم يجد .. فعلى الماء) 137 فيه أمور:
أحدها: في "سنن أبي داوود" و"الترمذي": عن أنس قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم تكن رطبات .. فتمرات، فإن لم تكن .. حسا حسوات من ماء) 138 ومقتضى هذا الحديث: تقديم الرطب على التمر إن وجده.
الحديث: 1296 - الجزء: 1 - الصفحة: 539
ثانيها: مقتضى تعبيرهم بالتمرات: ألا تحصل السنة إلا بثلاث تمرات؛ لأن التمر جمع، وأقله: ثلاث، ونص على ذلك في "حرملة"، كما نقله القاضي أبو الطيب، فقال: يستحب أن يفطر على تمرات أو حسوات من ماء، وصرح به الشيخ عز الدين بن عبد السلام في الماء، لكن عبر القاضي والمتولي بتمرة.
ثالثها: قال الروياني: إن فقد التمر .. فحلو آخر، فإن فقده .. فماء 139.
وقال القاضي الحسين: الأولى في زمننا: أن يفطر على ماء يأخذه بكفه من النهر؛ لكثرة الشبهات، قال النووي: وهما شاذان، والصواب: التمر، ثم الماء 140.
وقال المحب الطبري: من هو بمكة يستحب له الفطر على ماء زمزم، ولو جمع بينه وبين التمر .. فحسن.
1299 - قول "الحاوي" [ص 227، 228]: (وتأخير السحور) محله: ما لم يخش من التأخير طلوع الفجر، وقد ذكره "التنبيه" و"المنهاج" 141، ويدخل وقته بنصف الليل، كما ذكره الرافعي في (الأيمان) عن العبادي، وجزم به في "شرح المهذب" هنا 142، وفي "المهمات" عن ابن أبي الصيف: بدخول السدس الأخير.
1300 - قول "المنهاج" [ص 182]: (وليصن لسانه عن الكذب والغيبة) و"التنبيه" [ص 67]: (وينبغي للصائم أن ينزه صومه عن الشتم والغيبة) يقال عليه: هذا واجب مطلقا، فكيف يُعَد تركه من آداب الصوم؟
وجوابه: أنه يتأكد وجوبه في حقه لكونه يبطل ثواب الصوم، وهذا معنى ما ورد من أن الغيبة تفطر الصائم، وقد يقال: لام الأمر في عبارة "المنهاج" تدل على الوجوب، وقول "التنبيه": (ينبغي) لا ينافي الوجوب، ومنه قوله: (وينبغي أن يكون القاضي ذكراً ... إلى آخره) 143، وقد قال النووي في "الدقائق": هذه لام الأمر؛ أي: يلزمه ذلك، وهو مراد "المحرر" وإن أوهمت عبارته غيره 144.
وقال في "المهمات": ينبغي تأويله على الحالة التي يجوز تعاطي هذه الأشياء فيها؛ كالكذب للحاجة، والغيبة للتظلم، ونحوه.
الحديث: 1299 - الجزء: 1 - الصفحة: 540
1301 - قول "التنبيه" [ص 67]: (فإن شوتم .. فليقل: إني صائم) ظاهره: أنه يقوله بلسانه لينكف عنه خصمه، وهو الذي صححه النووي 145، وحكى الرافعي عن الأئمة: أنه يقول ذلك بقلبه لِيَنْزَجِرَ 146، وحكي الروياني في "البحر" وجهاً استحسنه أن يقوله بلسانه في الفرض، وبقلبه في النفل 147.
1302 - قول "المنهاج" [ص 182، و"الحاوي" [ص 228]: (ويستحب أن يغتسل عن الجنابة قبل الفجر) كذا الحيض.
1303 - قولهما: (وأن يحترز عن الحجامة) 148 يقتضي أنها للصائم خلاف الأولى، وكذا في "أصل الروضة" و"شرح المهذب" 149، وفي "التنبيه": إنها مكروهة 150، وكذا في "الروضة" في موضع آخر 151.
1304 - قول "المنهاج" و"الحاوي" عطفاً على الحجامة: (والقُبْلَة) 152 تقدم كراهتها، بل تحريمها.
1305 - قولهما: (والعِلْكِ) 153 يوافقه كلام "الروضة" وأصلها 154، لكن في "التنبيه" [ص 67]: (إنه مكروه) وكذا في "شرح المهذب" 155، ومحل ذلك: ألاَّ ينزل به شيء إلى الباطن، وإلا .. بطل الصوم، وكذا في ذوق الطعام.
1306 - قول "التنبيه" [ص 67]: (ويكره له السواك بعد الزوال) كرره مع تقدمه في (باب السواك) لذكره له في "المختصر" هنا 156، وعبارة "الحاوي" [ص 228]: (وتكره - أي: القبلة - للشاب كالسواك بعد الزوال)، وقد تفهم هذه العبارة اختصاص كراهة السواك بعد الزوال بالشاب، وليس كذلك، واختار النووي: أنه لا يكره السواك للصائم مطلقا 157، وحكاه الترمذي عن الشافعي 158.
الحديث: 1301 - الجزء: 1 - الصفحة: 541
1307 - قول "التنبيه" [ص 67]: (ويطلب ليلة القدر في جميع شهر رمضان، وفي العشر الأخير أكثر) هذا وجه حكاه المحاملي، واختاره السبكي، وأنكره غير واحد، والمعروف بين مذهبنا أنها منحصرة في ليالي العشر الأخير؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 228]: (وفيه - أي: العشر الأخير - ليلة القدر).
1308 - قول "التنبيه" [ص 67]: (والمستحب أن يكون دعاؤه فيها: " اللهم؛ إنك عفو تحب العفو فاعفو عني") المراد: الكثرة، لا كل الدعاء.
1309 - قوله: (ويكره له الوصال) 159 الأصح: أنها كراهة تحريم، وعليه مشى "الحاوي" 160، وحِله من الخصائص، وهو أن يصوم يومين فصاعداً، ولا يتناول بالليل شيئاً، كذا في "الروضة" وأصلها 161، ومقتضاه: أن الجماع ونحوه لا يخرجه عن الوصال، وأوضح من ذلك في إفادة هذا نقله في "شرح المهذب" عن الجمهور: أنهم فسروه بصوم يومين فأكثر من غير أكل ولا شرب في الليل، ثم صوب أنه لا بد من تقييد ذلك بكونه عمداً بلا عذر 162.
قال في "المهمات": وهو ظاهر المعنى؛ لأن تحريم الوصال للضعف، وترك الجماع ونحوه لا يُضْعِف، بل يقوي، لكن قال في "البحر": هو أن يستديم جميع أوصاف الصائمين 163، وقال الجرجاني في "الشافي": أن يترك بالليل ما أبيح له من غير إفطار، وقال ابن الصلاح: يزول الوصال بما يزول به الصوم 164، قال في "المهمات": وتعبير الرافعي بقوله: (أن يصوم يومين) يقتضي أن الممسك ليس امتناعه ليلاً من المفطّر وصالاً، فليس بين صومين، قال: إلا أن الظاهر أنه جرى على الغالب.
1310 - قول "التنبيه" [ص 67]: (ويكره له ولغيره صمت يوم إلى الليل)، قال السبكي: كذا أطلق الأصحاب الكراهة، وينبغي أن تكون كراهة تحريم؛ لقول أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - لامرأة حجت مُصْمِتَةً: (تكلمي؛ فإن هذا لا يحل) رواه البخاري 165، وأبعد المتولي، فحكى وجهًا أن الصمت قربة.
الحديث: 1307 - الجزء: 1 - الصفحة: 542
فصلٌ [شروط وجوب الصوم]
1311 - قول "التنبيه" [ص 65]: (يجب صوم رمضان على كل مسلم) ثم قال: (فأما الكافر إن كان أصلياً .. لم يجب عليه) مخالف للمرجح في الأصول عند أصحابنا: أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة 166، ولذلك لم يذكر "المنهاج" الإسلام في شروط الوجوب، وكأن مراد "التنبيه": نفي الوجوب الذي يترتب عليه القضاء عند الفوات، فإن خطاب الكفار بالفروع إنما تظهر فائدته فيما يقال في تضعيف العذاب في الآخرة، ولكن لا يصح إطلاق اشتراط الإسلام في وجوب الصوم، لانتقاض ذلك بالمرتد مع وجوبه عليه، وأمره بقضائه، وقد ذكره "التنبيه" فقال [ص 65]: (وإن كان مرتداً .. وجب عليه) وأهمل "التنبيه" و"المنهاج" ذكر النقاء عن الحيض والنفاس، وكان ينبغي ذكره كما ذكراه في شروط وجوب الصلاة، فإن الأصح عند النووي من زيادته: عدم وجوبه على الحائض، وأن القضاء بأمر جديد، ونقله هو وابن الرفعة عن الجمهور 167، والخلاف في الرافعي بلا ترجيح، أحدهما: هذا، والثاني: أنه وجب ثم سقط عنها 168، وحكى ابن الرفعة أن فائدة الخلاف فيما إذا أوجبنا التعرض للأداء والقضاء في النية، يعني إن قلنا: وجب ثم سقط .. فتنوي القضاء، لوقوعه خارج الوقت الذي وجب فيه، وإن قلنا: لم يجب إلا بعد ذلك .. فتنوي الأداء؛ لأنه وقت وجوبه، قال شيخنا الإسنوي في "التنقيح": وهذا في غاية الضعف؛ لأنه خارج وقته الأصلي على كل تقدير، وإنما امتنع الوجوب، لعدم الأهلية، وصار كما إذا نام إلى أن خرج الوقت .. فإنه ينوي القضاء مع أن الوجوب لم يتعلق به.
ويمكن خروج الحائض والنفساء بذكر "التنبيه" و"المنهاج" القدرة على الصوم 169 " فإنهما عاجزتان عنه شرعاً، والعجز الشرعي كالحسي.
1312 - قول "التنبيه" [ص 183]: (إن الصبي يؤمر به لسبع) محله: فيما إذا أطاق ذلك، كما ذكره "المنهاج" 170، وأن يكون مميزًا، وفي معنى الصبي: الصبية، وكان ينبغي لـ"المنهاج" ذكر الضرب على تركه لعشر كما فعل في الصلاة، وقد ذكره "التنبيه" هنا 171.
الحديث: 1311 - الجزء: 1 - الصفحة: 543
1313 - قوله: (ومن ترك الصوم جاحداً لوجوبه .. كلفر) 172 لا يتوقف ذلك على تركه، فمجرد الجحد كاف في التكفير، وإنما أداه إلى ذكر الترك: التقسيم، ومحل التكفير أيضاً: ما إذا كان قديم الإسلام، فإن كان حديث عهد بالإسلام .. عُزفَ وُجوبَه، فإن أنكره بعد ذلك .. كفر، وأجيب عنه: بأن هذا ليس جاحداً؛ لأن الجحد إنكار ما سبق الاعتراف به، كما تقدم في الصلاة.
1314 - قول "الحاوي" [ص 228]: (ويبيح الفطر: المرض) قد يوهم الإباحة بمطلق المرض، وفي "التنبيه" [ص 66]: (ومن مرض وخاف الضرر) فزاد خوف الضرر، وفي "المنهاج" [ص 183]: (ضرراً شديداً) فزاد تقييد الضرر بالشدة، وقال الرافعي: شرط إباحة المرض: أن يجهده الصوم، ويلحقه ضرر يشق احتماله، كما عددنا وجوه المضار في التيمم 173، وذكر مثله في "الروضة" إلا أنه قال: فيلحقه ضرر، بالفاء بدل الواو 174، ومقتضاهما: أنه لا بد مع الضرر المقرر في التيمم من أن يجهده الصوم؛ أي: يحصل له به ألم كبير، فلو لم يجهده الصوم، لكن قال له الطبيب: إن لم تفطر باستعمال هذا الدواء تضررت .. لم يكن له الفطر، لكن عبر في "المحرر" بـ (أو) 175، ومقتضاه: أن الاجتهاد والضرر المعروف في التيمم كل منهما على انفراده يبيح الفطر، وصوبه في "المهمات"، وقال الإمام: عندي أنه كل مرض يمنع من التصرف مع الصوم 176، واستحسنه في "المهمات".
1315 - قول "التنبيه" [ص 66]: (والأفضل: أن يصوم) محله: ما إذا لم يتضرر به، فإن تضرر .. فالفطر أفضل، وقد ذكره "الحاوي" 177، وألحق به المتولي: من يطيقه وسفره للغزو أو الحج، وخاف لو صام أن يضعف عنهما.
1316 - قول "المنهاج" [ص 183]: (ولو أصبح المسافر والمريض صائمين ثم أرادا الفطر .. جاز) قد يفهم أنه لا كراهة في ذلك، وكذا صحح في "شرح المهذب" 178، واختار السبكي: الكراهة فيما إذا كان لغير حاجة.
1317 - قولهما: (إنه لا يجب قضاء ما فات بالجنون) 179 يستثنى منه: ما لو ارتد ثم جن ..
الحديث: 1313 - الجزء: 1 - الصفحة: 544
فإنه يجب قضاء مدة الردة ولو كانت في زمن الجنون في الأصح، وقد ذكره "الحاوي" فقال [ص 228]: (وجنون غير المرتد) وهو مفهوم من إطلاقهما قضاء زمن الردة، فصار بين إثباتهما قضاء الردة ونفيهما قضاء الجنون عموم وخصوص من وجه لا يمكن الحكم لأحدهما إلا بدليل خارجي، فأحسن "الحاوي" باستثناء زمن الردة من الجنون.
1318 - قول "التنبيه" [ص 66]: (وإن بلغ الصبي أو قدم المسافر وهما صائمان .. فقد قيل: يلزمهما إتمام الصوم) هو الأصح، وعليه جرى "المنهاج" و"الحاوي" 180، وقوله: (وعندي: اْنه يلزم المسافر دون الصبي) 181 هو قول ابن سريج، وقال النووي في "التصحيح": فيهما خلاف تركه المصنف 182.
قال النشائي: هو ممنوع؛ فهذا اللفظ ظاهر في الخلاف، وإن إلزام الإتمام لهما ضعيف عنده، وإن سُلّم .. فقوله: (وعندي) كذا في مقابلة ذلك خلاف، وهو ثابت في الصبي، وللفرق وجهٌ، وهو أهلية المسافر للفرض، ولم أر له موافقاً.
انتهى 183.
1319 - قوله: (فإن قامت البينة بالرؤية يوم الشك .. وجب عليهم قضاؤه، وفي إمساك بقية النهار قولان، الأظهر: وجوبه) 184 وعليه مشى "الحاوي" و"المنهاج" لكنه عبر بقوله: (والأظهر: أنه يلزم من أكل يوم الشك ثم ثبت كونه من رمضان) 185، فقيّد محل الخلاف بأن يكون أكل، ومقتضاه: أن حكم من لم يأكل بخلافه إما مجزوم فيه بالوجوب - وهو الذي يقتضيه نقل "الكفاية" عن الأكثرين - أو فيه خلاف مرتب، وأولى بالوجوب، والذي في "أصل الروضة" عن "التتمة": أن القولين فيما إذا بأن أنه منه قبل الأكل، فإن بان بعده: فإن لم نوجبه هناك .. فهنا أولى، وإلا .. فوجهان، أصحهما: الوجوب 186، وعبارة "المحرر": (أصبح مفطراً) 187، وهي أعم من الأكل؛ فإن تارك النية مفطر، وصوب في "المهمات" ما في "المنهاج" فإن الأكثرين على القطع بالوجوب إذا لم يأكل، وفي "الروضة": إن الممسك ليس في صوم 188، وعبارة الرافعي: ليس في عبادة 189، ولا يلزم من
الحديث: 1318 - الجزء: 1 - الصفحة: 545
نفي الصوم نفي العبادة، وصحح في "شرح المهذب": أنه يثاب عليه، وليس في صوم شرعي (1)، وفي "المهمات": مقتضى القواعد: الجزم بالثواب؛ لقيامه بواجب، ومقتضى كلامهم: أنه لا يجب الإمساك إلا بعد ثبوت كونه من رمضان، وهو كذلك، وفي "المهمات": نص المالكية على استحبابه قبل الثبوت، والقياس: خلافه؛ لأن صومه حرام، فلا يشرع التشبه به (2).
فصلٌ [من مات قبل تمكنه من قضاء ما فاته من رمضان]
1320 - قول "المنهاج" [ص 184]: (من فاته شيء من رمضان، فمات قبل إمكان القضاء .. فلا تدارك له ولا إثم) محله: فيما إذا فات لعذر، وذلك مفهوم من قول "المحرر": (كما إذا دام مرضه) 192، أما غير المعذور .. فيأثم ويتدارك عنه بالفدية، صرح به الرافعي في نذر صوم الدهر، وجعله أصلاً قاس عليه 193، وأسقطه في "الروضة"، وهذا وارد أيضاً على مفهوم قول "التنبيه" [ص 67]: (ومن مات وعليه صوم تمكن من فعله) و"الحاوي" [ص 229]: (متمكن القضاء) فإن مفهومه: أنه متى لم يتمكن من فعله .. لا تدارك عليه، وذلك شامل لما إذا كان بغير عذر، فيحمل على حالة العذر، وصور في "الروضة" وأصلها موته قبل إمكان القضاء: بأن لا يزال مريضًا أو مسافراً من أول شوال حتى يموت 194. والصواب: اعتبار ذلك من قبل الفجر من اليوم الثاني من شوال؛ لأن ما قبل ذلك لا يصح صومه، بل لو طرأ حيض، أو نفاس، أو مرض قبل الغروب من ثاني شوال .. لم يحصل التمكن أيضًا، ذكره في "المهمات" وقال: ولو لزمه يوم، فسافر بعد الفجر من اليوم الثاني، واستمر السفر إلى رمضان .. ففي وجوب الفدية احتمالان، حكاهما الروياني عن والده، وقال: الأصح عندي: عدم الوجوب 195. 1321 - قول "المنهاج" [ص 184]: (وإن مات بعد التمكن .. لم يصم عنه وليه في الجديد) فيه أمور:190191
الحديث: 1320 - الجزء: 1 - الصفحة: 546
أحدها: أنه لا فرق في هذا القسم بين فواته بعذر أو بغيره، وتقدم تقييد مورد التقسيم بالعذر، فالتركيب مشكل.
ثانيها: أن معنى قوله: (لم يصم عنه وليه): أنه لا يصح صومه عنه، وليس معناه: عدم الوجوب خاصة.
ثالثها: ليس هذا جديداً محضاً، فقد نص عليه في أكثر كتبه القديمة أيضاً، كما حكاه القاضي أبو الطيب، وقال الماوردي في مقابله: أنكر سائر أصحابنا كونه مذهباً له 196.
1322 - قوله: (وكذا النذر والكفارة) 197 أطلقه الرافعي والنووي في كتبهما 198، وقيده "الحاوي" بكفارة القتل 199، قيل: وليس في غيره، ووخهَه بعضهم: بأن غيرها يَخلُفُ صومَها الإطعامُ، والعجز بالموت كغيره، فيجب في التركة ما قدره الشرع، وهو ستون مداً، وأما كفارة القتل: فلا إطعام فيها في الأصح، فالفائت فيها صوم لا محالة، وإطلاق "التنبيه" الصوم دخل فيه صوم النذر والكفارة بأنواعها 200.
1323 - قوله: (وفيه قول آخر: أنه يصام عنه) 201 معناه: أنه يجوز لوليّه الصوم عنه، وليس المراد: أنه يتعين عليه ذلك، بل هو مخير بين الصوم والإطعام، قال في "شرح المهذب": إنه لا خلاف في ذلك 202، لكن في "المهمات" عن القاضي أبي الطيب وجوبه، وصرح في "شرح مسلم" باستحباب الصوم عنه على القديم، واقتصر في "الروضة" على الجواز 203، قال في "المنهاج" [ص 184]: (قلت: القديم هنا أظهر)، وقد يفهم هذا التعبير ترجيحه من جهة المذهب، وإنما هو راجح من جهة الدليل، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: "من مات وعليه صيام .. صام عنه وليه" رواه مسلم في "صحيحه" 204 ولذلك عبر عنه في "التصحيح" بالمختار 205، وقال في "الروضة": المشهور في المذهب: تصحيح الجديد، وذهب جماعة من محققي أصحابنا إلى تصحيح القديم، وهو الصواب، بل ينبغي الجزم به، للأحاديث الصحيحة
الحديث: 1322 - الجزء: 1 - الصفحة: 547
فيه، وليس للجديد حجة من السنة؛ فالحديث الوارد بالإطعام ضعيف 206. 1324 - قوله: (والولي: كلل قريبٍ على المختار) 207 تبع في اختياره ابن الصلاح والقاضي مجلّيًا 208، وتوقف الإمام في أن المراد: الولاية، أو مطلق القرابة، أو بشرط العصوبة، أو الإرث، وقال: لا نقل عندي في ذلك 209، قال الرافعي: وأنت إذا فحصت عن نظائره .. وجدت الأشبه: اعتبار الإرث 210، وخالفه النووي، فاختار مطلق القرابة 211، وكلامهم يقتضي أنه لا نقل في المسألة، وليس كذلك؛ ففي "المهمات" عن القاضي أبي الطيب اعتبار القرابة، وعن الماوردي والبغوي وغيرهما اعتبار الإرث 212. 1325 - قوله: (ولو صام أجنبي بإذن الولي .. صح) 213 كذا لو صام بوصية ممن عليه الصوم، كما صرح به الرافعي في (الوصية) 214، ولا يخفى تفريع الأمرين على القول القديم، وتناول هذا ما لو صام عنه ثلاثون إنساناً في يوم واحد عن جميع رمضان، قال النووي: ولم أر لأصحابنا فيه كلاماً، وذكر البخاري في "صحيحه" عن الحسن: أنه يجزئه، قال: وهو الظاهر 215. 1326 - قوله: (ولو مات وعليه صلاةٌ أو اعتكافٌ .. لم يُفْعَلْ عنه ولا فدية، وفي الاعتكاف قول) 216 لم يبين حقيقة هذا القول، هل هو في فعله عنه أو في الفدية؛ وهو مختلف فيه، قال الرافعي: نقل البويطي أن الشافعي قال: يعتكف عنه وليّه، وفي رواية: يطعم عنه، وقال البغوي: لا يبعد تخريجه في الصلاة؛ فيُطعم لكل صلاة مدّ، وقال الجويني: كل يوم وليلة في الاعتكاف يُقابل بمُدٍّ، واستشكله الإمام بأن كل لحظةٍ عبادة تامة 217، ونقل النووي عن القاضي عياض وأصحابنا الإجماع أنه لا يصلي عنه 218، لكن الرافعي في (الوصية) أشار إلى وجه
الحديث: 1324 - الجزء: 1 - الصفحة: 548
فيه 219، واختار الجواز ابن أبي عصرون والسبكي.
1327 - قوله: (والأظهر: وجوب المُدّ على من أفطر لِلْكِبَرِ) 220 في معناه: المريض الذي لا يرجى برؤه، وقد ذكره "التنبيه" 221، فلو قدر بعد ذلك على الصوم .. فكالمَعْضُوب في الحج، ولو قَدَرَ الهرم بعد ذلك .. لم يلزمه القضاء، كما نقله في "التهذيب"، وقاله أيضاً القاضي الحسين والخوارزمي، وقال البغوي من عند نفسه: إن قَدَرَ قبل الفدية .. صام، أو بعدها .. احتمل وجهين 222، ونقل صاحب "التتمة" وآخرون خلافاً في أنه هل خوطب بالصوم ثم انتقل بالعجز إلى الفداء، أم خوطب بالفداء ابتداء؟ وصحح في "شرح المهذب": الأول 223، وفي "الكفاية": الثاني.
1328 - قول "التنبيه" [ص 66]: (وإن خافتا - أي: الحامل والمرضع - على ولديهما .. أفطرتا وعليهما القضاء، وفي الفدية ثلالة أقوال، أحدها: أنه يجب عليهما عن كل يوم مدّ من الطعام) هو الأظهر، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 224، وتعبيرهما بالولد أحسن من تعبير "التنبيه" بولديهما؛ لأن المتبرعة كالأم وإن لم تتعين، ذكره في "الروضة" 225، وكذا صحح النووي: أن المستأجرة لو خافت على الولد المستأجرة لإرضاعه .. أفطرت ووجبت الفدية، وهل الفدية عليها أم على المستأجر؛ فيه احتمالان للقاضي الحسين؛ كدم التمتع، قال في "شرح المهذب": ولعل الأصح: أنها عليها، بخلاف دم التمتع؛ فإنه على المستأجر في الأصح؛ لأن الأول من تتمة إيصال المنفعة الواجبة، بخلاف دم التمتع؛ فإنه من تمام الحج الواجب عليه 226، وقال شيخنا الإمام البلقيني: لا يتخرج على الوجهين المذكورين؛ لأن العبادة هناك وقعت للمستأجر، وأما هنا: فإن العبادة إنما تقع لها، فتكون الفدية عليها جزماً.
1329 - قول "المنهاج" - والعبارة له - و"الحاوي": (والأصح: أنه يُلْحَقُ بالمرضع من أفطر لإنقاذ مشرفي على هلاكٍ) 227 أي: إذا لم يمكنه تخليصه إلا بالفطر، ويجب الفطر، صرح به
الحديث: 1327 - الجزء: 1 - الصفحة: 549
الغزالي والنووي (1)، وقيده عبد الملك المقدسي بما إذا تعين عليه، قال السبكي: وفيه نظر؛ لأنه يؤدي إلى التواكل، والمراد: الشخص المشرف على الهلاك، أما لو أفطر لتخليص مال مشرف على الهلاك .. لم تجب فدية، كما صرح به القفال في "فتاويه".
1330 - قول "التنبيه" [ص 67]: (ولا يجوز أن يؤخر القضاء إلى رمضان آخر من غير عذر) هذا في الفائت بعذر، فأما الفائت بغير عذر .. فيجب قضاؤه على الفور في الأصح.
1331 - قوله: (فإن أخره .. لزمه مع القضاء عن كل يوم مدّ من الطعام) (2) قد يفهم أنه لا يجب غير ذلك، وليس كذلك، بل الأصح: أنه يتكرر بتكرر السنين، وقد صرح به "المنهاج" (3)، وهو مفهوم من قول "الحاوي" [ص 229]: (ومؤخّر القضاء عن كل سنة) فلو أخره بعذر؛ كسفر ومرض .. فلا فدية، كذا مثل الرافعي هنا بالسفر (4)، ونقل في صوم التطوع عن البغوي تحريم تأخيره للسفر (5)، ومتى حرم التأخير، فهو بغير عذر .. فتجب الفدية، ومحل الخلاف في التكرر بتكرر السنين: ما إذا لم يكن أخرج الفدية، فإن أخرجها .. تكررت جزماً، صرح به البغوي والخوارزمي (6).
1332 - قول "المنهاج" [ص 184]: (وأنه لو أخر القضاء مع إمكانه فمات .. أخرج من تَرِكَتِهِ لكل يومٍ مُدَّانِ: مُدّ للفوات ومُدّ للتأخير) لا يخفى أن هذا تفريع على الجديد، فأما على القديم: فإذا صام الولي .. حصل تدراك أصل الصوم، وتجب فدية للتأخير.
فصلٌ [في الكفارة العظمى لإفساد الصوم بالجماع]
1333 - قول "التنبيه" [ص 67]: (وإن جامع امرأته في نهار رمضان من غير عذر .. لزمهما القضاء، وفي الكفارة ثلالة أقوال) فيه أمور: أحدها: أنه يتناول الجماع بعد الفطر بجماع أو غيره مع أنه لا كفارة فيه، ويخرج عنه جماع جاريته مع أنها كالمرأة في ذلك، بل الموطوءة بشبهة والمزني بها كذلك في جريان القولين الأولين - وهما وجوب الكفارة عليهما، وعليه دونها - لكن لا يأتي القول الثالث - وهو وجوب كفارة عنه228229230231232233
الحديث: 1330 - الجزء: 1 - الصفحة: 550
وعنها - بل تلزمه كفارة عنه، ولا شيء عليها على الأصح؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 185]: (تجب الكفارة بإفساد صوم يوم من رمضان بجماع أثم به بسبب الصوم) فأخرج الجماع بعد الفطر؛ لأن الصوم لم يفسد به، بل فسد قبله، وتناول كل جماع، وقد يقال: لم يتناول الزاني عمدًا؛ لأن إثمه بسبب الزنا، والحق: أنه أثم بسببهما معاً، فتناولته عبارته، لكن يرد عليه: أنه لا يأتي فيه القول بوجوب كفارة عنه وعنها، وزاد "الحاوي" في الضابط المذكور في "المنهاج": تقييد الجماع بكونه تامًا 234؛ ليحترز به عن جماع المرأة؛ فإنه يفسد صومها قبل صدق اسم الجماع بوصول رأس الذكر إلى باطنها، وقد تبع في هذا القيد الغزالي 235، وأسقطه "المحرر" و"المنهاج" إذ لا فائدة فيه؛ فإن فساد صومها في هذه الصورة بغير الجماع، بل بوصول عين إلى جوفها، فقد خرجت بقولنا: بجماع، ولو أولج فيها نائمة أو ناسية ثم استيقظت أو تذكرت واستدامت .. ففساد صومها هنا بجماع تام لا بوصول عين؛ لأن استدامة الجماع جماع، ومع هذا لا كفارة عليها، فظهر بهذا أن عدم وجوب الكفارة على المرأة ليس لانتفاء الجماع التام في حقها، بل ولو وجد الإفطار بالجماع التام .. لم يكن عليها كفارة، ومع ذلك فأورد على هذا الضابط أمور:
أحدها: لو طلع الفجر وهو مجامع فاستدام .. وجبت الكفارة، مع أنه لا يقال: فسد صومه؛ فإن المشهور: أنه لم ينعقد، والفساد فرع الانعقاد.
الثاني: لو جامع شاكًا في الغروب .. حرم، كما في "الروضة"، ولا كفارة، كما في "التهذيب" وغيره 236، وهو داخل في قول "المنهاج" بعد ذلك [ص 185]: (ولا كفارة على من ظن الليل فبان نهاراً)، لكن قال الرافعي والنووي بعد نقلهما عدم الكفارة عن صاحب "التهذيب" وغيره: وهذا ينبغي أن يكون مفرعاً على تجويز الإفطار والحالة هذه، وإلا .. فتجب الكفارة وفاءً بالضابط المذكور لوجوب الكفارة 237، ولم يتناول قول "الحاوي" [ص 229]: (وظان بقاء الليل) إلا ما إذا كان ذلك في أول النهار.
الثالث: لو جامع مسافرًا ونحوه امرأته، ففسد صومها .. لا كفارة عليه بإفساد صومها، فينبغي التقييد بصوم نفسه.
الرابع: أنه لا بد من تقييد ذلك بكون الواطئ مكلفاً، فلو كان صبياً .. لم تلزمه كفارة في الأصح.
الجزء: 1 - الصفحة: 551
الأمر الثاني: مما يرد على "التنبيه": أن ظاهره أنه لا فرق بين أن يطرأ عليه ما يبيح الفطر كالمرض والسفر، أو يسقط الصوم كالجنون والحيض أم لا، والأصح في المرض والسفر: أنه لا يسقط، وفي الباقي: السقوط، وقد ذكره "الحاوي"، وذكر "المنهاج" الأول، وهو عدم السقوط بالسفر والمرض 238.
الأمر الثالث: الأصح: القول الثاني، وهو وجوب الكفارة عليه دونها، وعليه مشى " المنهاج " و" الحاوي " 239.
الأمر الرابع: شرط القول بوجوب الكفارة عليها: أن يكون الوطء في قبلها، فالموطوءة في الدبر لا كفارة عليها، ذكره ابن الرفعة، ويستثنى: المتحيرة، فالأصح من زيادة " الروضة " في (الحيض): لا تلزمها الكفارة 240، وهذا وارد على " المنهاج " أيضًا.
الأمر الخامس: في تحرير القول بانه يجب عليه كفارة عنه وعنها أوجه في " البحر " للروياني و" شرح السبكي ":
أحدها: أنه يجب على كل واحد النصف، ثم يتحمل الزوج.
والثاني: يجب على كل واحد كفارة تامة، ثم يتحمل، فيتداخلان.
الثالث: تجب الكفارة الواحدة على كل منهما، ولكن إذا أخرجها الزوج .. سقطت عنها؛ كالدين على الضامن والمضمون متعلق بكل منهما، فإذا أدى .. برئت الذمتان 241.
1334 - قول " التنبيه " [ص 67]: (فإن لم يجد .. ثبت في ذمته في أحد القولين إلى أن يجد، ويسقط في الثاني) فيه أمران:
أحدهما: أن الأول هو الأظهر، وعليه مشى " المنهاج " و" الحاوي " 242.
ثانيهما: قال في " الكفاية " في قوله: (فإن لم يجد): أي: الطعام، ثم قال: وكلامه يقتضي أن الثابت في ذمته إنما هو الإطعام، والذي أورده القاضي والرافعي أن ما قدر عليه من الخصال بعد ذلك .. يلزمه الإتيان به، وكلام القاضي أبي الطيب يقتضي التخيير بين الخصال الثلاث.
انتهى 243.
الحديث: 1334 - الجزء: 1 - الصفحة: 552
وعلى ذلك مشى " المنهاج " فقال [ص 185]: (فلو عجز عن الجميع .. استقرت في ذمته في الأظهر، فإذا قدر على خصلةٍ .. فعلها) و" الحاوي " فقال [ص 229]: (وتستقر في الذمة إن عجز) ويوافق كلامهم ما في بعض نسخ " التنبيه " بدل: (ثبت): (ثبتت) أي: الكفارة، وقد يحمل قوله في النسخة المشهورة: (ثبت) على الواجب لا على ما حمله عليه في " الكفاية " من الطعام، وحينئذ .. فلا إيراد، والله أعلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 553
باب صوم التّطوّع
1335 - قول " المنهاج " [ص 186] و" الحاوي " [ص 230]: (يسن: صوم عرفة) يستثنى منه: الحاج، فيكره له، كما في " التنبيه " 244، وحكاه الرافعي والنووي عن إطلاق كثيرين بعد أن صدَّرا كلامهما بأنه ينبغي له فطره 245، وصحح النووي في " تصحيح التنبيه ": أن صومه خلاف الأولى، وحكاه في " شرح المهذب " عن الشافعى والجمهور 246.
وقال في " التتمة ": الأَوْلى لمن لا يضعفه عن الدعاء وأعمال الحج: صومه، واستشهد له بعضهم باستحباب صوم الدهر لمن لم يخف ضررًا ولا فوَّت حقًا، ومقتضى قول " التنبيه " [ص 67]: (إلا أن يكون حاجًا بعرفة) أن المحرم إذا لم يصل إلى عرفة وعلم أنه لا يصلها إلا بعد الغروب .. أنه يستحب له صومه؛ لأنه حاج لا بعرفة، وبه صرح النووي في " نكت التنبيه "، لكن نص الشافعي في " الإملاء " على استحباب فطره للمسافر مطلقًا، حكاه في " المهمات "، وقريب منه ما في الرافعي عن " التتمة ": أنه إذا سافر في رمضان سفر حج أو غزو، وكان يخاف الضعف لو صام .. فإن الأولى له: الفطر 247.
1336 - قولهم: (يسن: صوم تاسوعاء، وعاشوراء) 248 كذا الحادي عشر، كما نص عليه.
1337 - قول " المنهاج " [ص 186] و" الحاوي " [ص 230]: (وأيام البيض) أحسن من قول " التنبيه " [ص 67]: (والأيام البيض) لأن الأيام كلها بيض، وتقدير الأول: أيام الليالي البيض؛ لأن ضوء القمر يعُم ليلها.
واعلم: أن قولهم أن أيام البيض هي: الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، يستثنى من إطلاقه: ذو الحجة؛ فإن صوم ثالث عشره حرام، فهل يسقط في هذا الشهر، أو يعوض عنه السادس عشر، أو يوم من التسعة الأول؟ فيه احتمال، ولم أر من تعرض لذلك.
ويستحب أيضًا: صوم أيام السود، وهي: الثامن والعشرون وتالياه، قاله الماوردي.
ولا يخفى سقوط الثالث منها إذا كان الشهر ناقصًا، ولعله يعوضه عنه بأول الشهر الذي يليه، وهو من أيام السود أيضًا؛ لأن ليلته كلها سوداء.
1338 - قول " التنبيه " [ص 67]: (يستحب لمن صام رمضان أن يتبعه بست من شوال) يقتضي
الحديث: 1335 - الجزء: 1 - الصفحة: 554
أن من لم يصم رمضان لمرض أو صِبًا أو سفر أو كفر أو غيرها .. لا يستحب له صوم الستة من شوال، وليس كذلك؛ ولهذا أطلق " المنهاج " و" الحاوي " استحباب صوم ستة من شوال 249، زاد " المنهاج " [ص 186]: (وتتابعها أفضل) أي: ووصلها بالعيد، وتعبيرهما بستة أوفق للعربية من تعبير " التنبيه " بست، لكن ذاك موافق للفظ الحديث.
1339 - قولهما: (ويكره إفراد الجمعة) 250 محله: ما إذا لم يوافق عادة له، ذكره في " شرح المهذب "، لكنه فسره بأن ينذر صوم يوم شفاء مريضه أو قدوم زيد أبدًا، فوافق يوم جمعة 251، لكن الكلام في صومه نفلًا، وهو في هذا المثال فرض، فالصواب: تمثيله بما إذا كانت عادته صوم يوم وفطر يوم، فوافق صومه يوم جمعة، ذكره في " المهمات "، قال: نعم؛ يستقيم المثال إن كان النهي شاملًا للفرد حتى يكره إفراد الجمعة بالقضاء، وفيه نظر، وحكى البيهقي في " المعرفة " عن الشافعي: تقييد الكراهة بمن يضعفه الصوم عن القيام بالوظائف المطلوبة فيه 252، وذكر مثله ابن الصباغ، وقال الماوردي والعمراني: إنه مذهب الشافعي 253.
ولو أراد الاعتكاف في يوم جمعة أو في غيره مما يكره إفراده بالصوم، فهل تستمر الكراهة، أو يستحب صومه للخروج من خلاف من أوجب الصوم مع الاعتكاف؟ توقف فيه النووي في " نكت التنبيه "، وزاد " المنهاج " كراهة إفراد السبت 254، وعلله الرافعي: بأنه يوم اليهود 255، ومقتضاه: كراهة إفراد الأحد أيضًا؛ لأنه يوم النصارى، وقد صرح بكراهته ابن يونس في " النبيه ".
1340 - قول " الحاوي " [ص 230]: (إنه يستحب صوم الدهر) تبع فيه الغزالي 256، ولا يخفى أن محله: إذا أفطر يومي العيد وأيام التشريق، ثم هو محمول على ما إذا لم يتضرر به، ولا فوَّت حقًا، وقد ذكره " المنهاج " فقال [ص 186]: (وصوم الدهر غير العيد والتشريق مكروهٌ لمن خاف به ضررًا أو فَوْتَ حقٍّ، ومستحبٌ لغيره) وكذا حكاه في " الروضة " وأصلها عن الأكثرين، إلا أنهما لم يقولا بالاستحباب في الحالة الثانية، وإنما قالا فيها: بعدم الكراهة 257، وأطلق البغوي وغيره الكراهة 258،
الحديث: 1339 - الجزء: 1 - الصفحة: 555
والغزالي الاستحباب كما تقدم، وحيث لا يكره .. فقال المتولي: صوم يوم وإفطار يوم أفضل منه، واختاره السبكي، ورأى أن صوم الدهر مكروه أو خلاف الأولى، وفي " فتاوى الشيخ عز الدين بن عبد السلام " أن سرد الصيام أفضل منه؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، وقوله في حديث عبد الله بن عمرو في صوم يوم وإفطار يوم: " لا أفضل من ذلك " 259 أي: لك، ثم تفويت الحق يحتمل أن يراد به: الواجب، لكن تفويته حرام، فتكون الكراهة إذا كان الموجود الخوف دون العلم والظن، فإن أمن تفويته وخاف تفويت مندوب فعله راجح على السرد .. فيوم ويوم أفضل، ويمكن أن يراد بالحق: كل مطلوب وإن لم يكن واجبًا، ذكره السبكي وقال: لم أر من صرح فيه بشيء، ورجح في " المهمات " الاحتمال الثاني، فقال: إنه المتجه.
1341 - قول " الحاوي " [ص 229]: (إنه لا يجب إتمام التطوع) يستثنى منه: تطوع الحج والعمرة، فيجب إتمامه؛ ولذلك قصر " التنبيه " و" المنهاج " ذلك على تطوع الصلاة والصوم، وتعبير " التنبيه " بقوله [ص 67، 68]: (ومن دخل في صوم تطوع أو صلاة تطوع .. استحب له إتمامها، فإن خرج منها .. لم يلزمه القضاء) أحسن من قول " المنهاج " [ص 186]: (ومن تلبس بصوم تطوعٍ أو صلاة تطوعٍ .. فله قطعهما ولا قضاء) لأمور:
أحدها: تصريح " التنبيه " باستحباب الإتمام، وقد قالوا: إن القطع بعذر غير مكروه، وبغير عذر مكروه على الأصح.
ثانيها: إفصاح " التنبيه " عن كون المنفي لزوم القضاء بخلاف قول " المنهاج ": (ولا قضاء) فإنه قد يفهم نفي استحبابه أيضًا، وليس كذلك، بل قضاؤه مستحب.
ثالثها: أن إفراد " التنبيه " الضمير في قوله: (إتمامها) أحسن من تثنية " المنهاج " في قوله: (قطعهما) فإن (أو) لأحد الشيئين، والذي في " المنهاج " على حد قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ ويستثنى من كلامهم: ما لو نذر إتمامه .. فالأصح: لزومه.
1342 - قول " المنهاج " [ص 186]: (ومن تلبس بقضاءٍ .. حرم عليه قطعه إن كان على الفور، وكذا إن لم يكن في الأصح) المراد: قضاء الواجب، أما المستحب: فقد سبق الكلام عليه، وفهم عدم القطع في الأداء من طريق الأولى، وهو كذلك في فروض الأعيان، أما فروض الكفايات .. فله قطعها بعد التلبس بها، إلا صلاة الجنازة، وقد ذكر ذلك " الحاوي " بقوله [ص 229]: (وإتمام القضاء؛ كصلاة الجنازة لا العلم وفروض الكفايات) وكان ينبغي الاكتفاء بنفي وجوب إتمام فروض الكفايات عن ذكر العلم؛ فانه من فروض الكفاية، وأن يؤخر ذكر صلاة الجنازة عن فروض الكفاية، فيستثنيها منها؛ لأنها من جملتها، والله أعلم.
الحديث: 1341 - الجزء: 1 - الصفحة: 556