تحرير الفتاوىصفحات 284-323

5230 - كذا في "المنهاج" 1، ولو عبر بقتال المشركين كما في "التنبيه" 2 أو الكفار كما في " النبيه " أو بالجهاد.. لكان أولى؛ لأنه المقصود، وإنما عبر بذلك؛ لأن الأحكام المذكورة فيه متلقاة من سير رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزواته.
5231 - قول "التنبيه" [ص 231، 232]: (الجهاد فرض على الكفاية) محله: ما إذا كان الكفار ببلادهم، فإن دخلوا بلدة إسلام.. لزم أهلها ومن كان منهم دون مسافة القصر الدفع بالممكن، وكذا من على مسافة القصر إن لم يكف أهلها ومن يليهم، وكذا يتعين الجهاد فيما لو أسروا مسلماً وتوقعنا خلاصه، وقد ذكرهما "المنهاج" و"الحاوي" 3، وسيأتي الكلام عليهما، وقد يدل على الأولى قول "التنبيه" [ص 232]: (فإن أحاط العدو بهم وتعين الجهاد.. جاز من غير إذنهم) وقد يقال: لا يلزم من دخولهم بلدة إسلام الإحاطة بهم.
5232 - قول "المنهاج" [ص 518]: (كان الجهاد في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض كفاية، وقيل: عين، وأما بعده.. فللكفار حالان) فيه أمور: أحدها: أن كونه في عهده فرض كفاية إنما هو بعد الهجرة، أما قبلها.. فكان ممنوعا منه، ثم صار بعد الهجرة مباحاً، ثم أمر بقتال من قاتله، ثم أبيح الابتداء به في غير الأشهر الحرم، ثم أمر به مطلقاً.
ثانيها: أنه يقتضي أن الخلاف في ذلك وجهان، وبه صرح في "المحرر" و"الروضة" وأصلها 4، لكن نص في "الأم" على كونه فرض كفاية 5. ثالثها: كلامه يقتضي أن الجهاد لا يكون في عهده عليه الصلاة والسلام فرض عين، وليس كذلك، بل إذا أحاط العدو بالمسلمين كما وقع في قضية الأحزاب.. صار فرض عين كما تقدم في دخول الكفار بلاد الإسلام.
رابعها: الظاهر أن القائل بأنه فرض عين لا يقول باستمرار ذلك إلى وفاته عليه الصلاة والسلام؛ فإنه يلزم عليه النسخ بعد وفاته، وإنما يقول به حين كان عدد المسلمين قليلاً، فلما كثروا.. صار

فرض كفاية، وكلام القاضي حسين والماوردي والروياني والدارمي وغيرهم يفهم ذلك، وإن لم يصرحوا به.
5233 - قوله في تفسير كونه فرض كفاية: (إذا فعله من فيهم كفاية.. سقط الحرج عن الباقين) 1 قيده "الحاوي" بأن يكون كل سنة مرّة 2، وفي "التنبيه" [ص 232]: (وأقل ما يجب في السنة مرّة) وفي "أصل الروضة": أنه تحصل الكفاية بشيئين: أحدهما: أن يشحن الإمام الثغور بجماعة يكافئون من بإزائهم من الكفار.
الثاني: أن يدخل الإمام دار الكفر غازياً بنفسه أو بجيش يؤمّر عليهم من يصلح لذلك، وأقله مرة واحدة في كل سنة، وحكاه عن نص الشافعي والأصحاب، ثم قال: وقال الإمام: المختار عندي في هذا: مسالك الأصوليين، وأنهم قالوا: الجهاد دعوة قهرية، فيجب إقامته على حسب الإمكان، حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم، ولا يختص بالمرة الواحدة، وإذا أمكنت الزيادة.. لا يعطل الفرض، وما ذكره الفقهاء حملوه على العادة الغالبة، وهي: أن الأموال والعدد لا تواتي لتجهيز الجنود في السنة أكثر من مرة.
انتهى 3. ولك أن تقول: المذكور في "الروضة" هو ما يحصل به الحراسة، وهو غير الجهاد.
5234 - قول "المنهاج" [ص 518]: (وبعلوم الشرع؛ كتفسير وحديث، والفروع) إن كان قوله: (والفروع) معطوفا على: (تفسير).. اقتضى أن يكون بقي من علوم الشرع شيء لم يذكره، وليس كذلك، وإن كان معطوفاً على: (علوم الشرع).. اقتضى أن الفروع ليست منها، وليس كذلك.
ثم اعلم أن كون علم الفروع من فروض الكفايات إنما هو في غير القدر المحتاج إليه، فأما ذاك.. فتعلمه فرض عين؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 609]: (كظاهرِ علمِ صنعتِهِ).
5235 - قول "الحاوي" [ص 603]: (والأمر بالمعروف) زاد "المنهاج" [ص 518]: (والنهي عن المنكر) وهو داخل في الأمر بالمعروف؛ ولذلك حذفه "الحاوي"، فزيادة "المنهاج" له إيضاح، قال الرافعي: والمراد منه: الأمر بواجبات الشرع والنهي عن محرماته 4، لكن صحح النووي من زيادته: أنه يجب على المحتسب الأمر بصلاة العيد، وإن قلنا: إنها سنة؛ وعلله: بأن الأمر بالمعروف هو الأمر بالطاعة لا سيما ما كان شعارًا ظاهراً 5.

وقد يجاب عنه: بأنه ذكر أولا موضع الإجماع، ثم ذكر موضع الخلاف، قالوا: ولو نُصب لذلك واحد.. تعين عليه، وهو المحتسب، ولا يسقط بعلمه أو ظنه أنه لا يفيد، وفي "المهمات": لا نعرف أحدًا قال به، بل نقل الإمام في "الشامل في أصول الدين" عن القاضي أبي بكر: أنهم أجمعوا على عدم الوجوب، ولم يخالفه فيه، وإنما ينكر المجمع عليه، إلا أن يرى الفاعل تحريمه.. فالصحيح في "أصل الروضة" في (الوليمة): أنه كالمجمع عليه 1، ويشكل عدم إنكار المختلف فيه إذا لم يره الفاعل؛ بأن الصحيح: حد الحنفي بشرب النبيذ مع أن الإنكار بالفعل أبلغ من الإنكار بالقول.
5236 - قول "المنهاج" [ص 518]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 603]: (وإحياء الكعبة كل سنة بالزيارة) كذا عبر به في "المحرر" 2، وعبارة "الروضة" وأصلها: بالحج 3، قال الرافعي: كذا أطلقوه، وينبغي أن تكون العمرة كالحج بل الاعتكاف، والصلاة في المسجد الحرام؛ فإن التعظيم وإحياء البقعة يحصل بكل ذلك 4، قال النووي: لا يحصل مقصود الحج بذلك؛ لفوات الوقوف والرمي والمبيت وإحياء تلك البقاع بالطاعات 5. قال في "المهمات": وهو غير ملاق له؛ فإن الكلام في إحياء الكعبة لا في إحياء هذه البقاع، وإن كان المتجه في الصلاة والاعتكاف ما ذكره.. فإنه ليس فيهما إحياء الكعبة، ولو كان الاعتكاف داخل الكعبة؛ لعدم الاختصاص، والمتجه: أن الطواف كالعمرة، وأجاب شيخنا في "تصحيح المنهاج" عن بحث الرافعي: بأن المقصود الأعظم ببناء البيت الحج، فكان إحياؤه به بخلاف العمرة والاعتكاف والصلاة والطواف.
5237 - قول "الحاوي" [ص 603]: (ودفع الضر عن المسلمين) زاد "المنهاج" [ص 518]: (ككسوة عارٍ وإطعام جائعٍ إذا لم يندفع بزكاةٍ وبيت مالٍ) كذا لو اندفعت بنذر أو وقف أو وصية، وظاهر كلامهما وجوب دفع الضرر وإن لم يبق لنفسه شيئًا، لكن في "زيادة الروضة" عن الإمام في "الغياثي": أنه يجب على الموسر المواساة بما زاد على كفاية سنة 6، ومقتضاه: أنه لا يتوجه فرض الكفاية بمواساة المحتاج على من ليس معه زيادة على كفاية سنة، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وهذا لا يقوله أحد.

5238 - قول "المنهاج" [ص 518] و"الحاوي" [ص 603]: (وتحمل الشهادة) محله: ما إذا حضر إليه المتحمل عليه، فإن دعي إليه.. فالأصح: المنع، إلا أن يكون الداعي قاضياً أو معذوراً بمرض ونحوه.
5239 - قولهما أيضاً: (وأداؤها) 1 قد يرد عليه ما لو كان في الواقعة جماعة وطلب الأداء من اثنين.. فإنه يلزمهما في الأصح، وقد ذكره "المنهاج" في (الشهادات) 2. 5240 - قول "المنهاج" [ص 518]: (وجواب سلام على جماعة) أحسن من قول "الحاوي" [ص 603]: (على الجمع) لأن جواب السلام على الاثنين فرض كفاية أيضًا، مع أنهما جماعة وليسا جمعا، وأما جواب السلام على الواحد.. فإنه فرض عين، ويستثنى منه: ما إذا كان المسلّم أو المسلَّم عليه أنثى شابة والآخر رجلاً ولا زوجية بينهما ولا محرمية ولا رق.. فلا يجب الرد، ثم إن سلم هو.. لم يجز لها الرد، وإن سلمت هي.. كره له الرد.
ويستثنى منه أيضًا: وجوب السلام على المجنون والسكران، في وجوبه وجهان بلا ترجيح في "أصل الروضة" 3، ورجح شيخنا في "تصحيح المنهاج": أنه لا يجب، إلا أن يخاف من تركه شر.. فيجب " دفعا للشر، وصحح في "شرح المهذب" في (الجمعة): أنه لا يجب الرد عليهما ولا يستحب 4، وكذا لا يجب الرد على الفاسق إذا كان في تركه زجر، ولا على المرتد والحربي.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لم أر في كلامهم التصريح بإيجاب الرد على الذمي، والظاهر أنه يسن الرد عليه ولا يجب، وفي الرافعي في الجزية عن البغوي: أنه لا يجاب 5، وقال النووي: الصحيح بل الصواب: أنه يجاب بما ثبت في الأحاديث الصحيحة: "وعليكم" 6. 5241 - قول "المنهاج" [ص 518]: (ويسن ابتداؤه، لا على قاضي حاجةٍ وأكلٍ وفي حمامٍ، ولا جواب عليهم) و"الحاوي" [ص 610]: (والسلام - لا على المصلي، وقاضي الحاجة، وفي الحمام - سنة) فيه أمور: أحدها: أن "المنهاج" أطلق الأكل كما فعل الجويني والقاضي حسين والمتولي، وحمله الإمام على مَنْ اللقمة في فيه، وكان يمضي زمان في المضغ والابتلاع، ويعسر الجواب في الحال،

أما بعد البلع وقبل وضع لقمة أخرى.. فلا منع 1، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وما ذكره الإمام أرجح.
قلت: وجزم به النووي في "الأذكار" 2. ثانيها: ما ذكراه في الحمام، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لم يقم عليه دليل، ولا سيما إذا كان في الموضع الذي يوضع فيه الثياب، والمعتمد عندنا: أنه كغيره، وفي توجيه الرافعي ما يقتضي أنه ليس الكلام في موضع نزع الثياب.
ثالثها: يستثنى أيضًا: المجامع، وهو مفهوم من قاضي الحاجة من طريق الأولى إن لم يكن داخلأ في مسماه، وسلام رجل على شابة أجنبية وسلامها عليه، والسلام على الكافر، وفي زيادة "الروضة": المختار: أنه لا يبدأ المبتدع بالسلام إلا لعذر أو خوف مفسدة 3، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لم يتعرضوا للمجنون والسكران، والظاهر أنه لا يسن ابتداء السلام عليهما، وقالوا: لا يسلم على من هو في الأذان أو الإقامة أو الخطبة، فلو سلم على المؤذن.. لم يجب حتى يفرغ، وهل الإجابة بعد الفراغ واجبة أو مستحبة؛ لم يصرحوا به، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": الذي يظهر أنه لا يجب، وأطلق الغزالي أنه لا يسلم على المصلي 4، ولم يمنعه المتولي، لكن قال: إذا سلم عليه.. لم يرد حتى يفرغ، ويجوز أن يجيب في الصلاة بالإشارة، نص عليه في القديم، وقيل: يجب الرد بعد الفراغ، والصحيح: أنه لا يجب الرد مطلقًا، فإن قال في الصلاة: (عليكم السلام).. بطلت، أو: (عليهم السلام).. لم تبطل، وفي حاضر الخطبة - تفريعا على الجديد: أنه لا يحرم الكلام - ثلاثة أوجه، أصحها عند البغوي: وجوب الرد، والثاني: استحبابه، والثالث: جوازه، وقطع الإمام بأنه لا يجب الرد، ورجح شيخنا في "تصحيح المنهاج" مقالة البغوي، قال: والقياس: أن هذا يعم كل خطبة، قال: والأرجح: أن الخلاف في غير الخطيب، أما الخطيب.. فلا يجب عليه الرد قطعا؛ لاشتغاله، وفي "أصل الروضة": أنه إذا سُلّم على الملبي.. رد، نص عليه، وزاد النووي: أنه يكره التسليم عليه في حالة التلبية 5، ومقتضاه: أنه لا يجب عليه الرد، ويحمل النص على الاستحباب، وفي زيادة "الروضة" عن الواحدي المفسر: الأولى: ترك السلام على القارئ، فإن سلّم عليه.. كفاه الرد

بالإشارة، ولو رد باللفظ.. استأنف الاستعاذة وقرأ، قال: وفيما قاله نظر، والظاهر أنه يسلَّم عليه، ويجب الرد 1. رابعها: قول "المنهاج" [ص 518]: (ولا جواب عليهم) قد يفهم استواء حكمهم، وليس كذلك، فيكره لقاضي الحاجة والمجامع، ويندب للاَكل ومن في الحمام، وفي الرافعي فيمن سلم على قاضي الحاجة.. هل يستحق الجواب بعد الفراغ؛ فيه جوابان 2، وأسقطه من "الروضة"، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": الأرجح: أنه لا يستحق، ولكن إن خيف أمر.. رد عليه بعد الفراغ.
5242 - قولهم - والعبارة لـ "التنبيه" -: (ولا يجب الجهاد إلا على ذكر، حر، بالغ، عاقل، مستطيع) 3 أهملوا اشتراط كونه مسلماً؛ لوضوحه، وقد نبه عليه في "الكفاية"، وتعبير "التنبيه" و"الحاوي" باشتراط الذكورة 4، أحسن من قول "المنهاج" [ص 518]: (ولا جهاد على امرأة) لخروج الخنثى بالعبارة الأولى دون الثانية.
ويرد على "التنبيه": أن وصف الحرية لا يعتبر إذا دخل الكفار بلاد الإسلام، وإن حصلت المقاومة بالأحرار على الأصح، وقد ذكره "المنهاج" و"الحاوي" بعد ذلك 5، وسيأتي ما فيه.
5243 - قول "المنهاج" [ص 518]: (ولا جهاد على مريض) و"الحاوي" [ص 603]: (بلا مرض) قيده "التنبيه" بالمريض الذي لا يقدر على القتال 6، وفي معناه: ما إذا لم يقدر على القتال إلا بمشقة شديدة، وخرج بذلك الصداع ووجع الضرس والحمى الخفيفة ونحوها.
5244 - قول "التنبيه" [ص 232]: (إنه لا جهاد على الأعرج) قيده "المنهاج" و"الحاوي بالعرج البين 7، ليخرج عرج يسير لا يمنع المشي ولا الركوب؛ فإنه يجب معه الجهاد.
5245 - قول "المنهاج" [ص 518]: (وأقطع) أي: اليد بكمالها أو معظم أصابعها، ولا يضر قطع أصابع الرجلين إذا أمكنه المشي من غير عرج بيّن.
5246 - قوله: (وأشل) 8 أي: أشل اليد أو أشل معظم أصابعها.

5247 - قوله: (وكل عذر منع وجوب حج منع الجهاد، إلا خوف الطريق من كفار، وكذا من لصوص مسلمين على الصحيح) 1 يقتضي منع خوف لصوص المسلمين وجوب الحج مطلقًا، ومحله: فيما إذا عم الخوف أهل ناحيته، فإن اختص بإنسان.. لم يمنع ذلك إيجاب الحج عليه، حتى إذا مات ولم يحج.. قضي من تركته كما نص عليه في "الأم" 2. 5248 - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (والدين الحال يُحرّم سفر جهادٍ وغيره إلا بإذن غريمه) 3 له شرطان: أحدهما: أن محله: في الموسر، فأما المعسر.. فليس له منعه على الصحيح في "أصل الروضة"، وحكى الرافعي عن ابن كج: أنه المذهب 4، لكن في "الكفاية" عن الأصحاب خلافه.
ثانيهما: أن محله: إذا لم يستنبْ من يقضي دينه من مال حاضر، فإن فعل ذلك.. فله السفر بغير إذنه.
5249 - قول "التنبيه" [ص 232]: (وقيل: يجوز في الدين المؤجل أن يجاهد بغير إذنه) يقتضي أن الأصح: منعه في المؤجل أيضًا، وليس كذلك كما صرح "المنهاج" بتصحيحه 5، وهو مقتضى تقييد "الحاوي" بالحال 6، وقال النووي في "تصحيحه": ورجحه المصنف في (باب التفليس) 7، وقال شيخنا الإسنوي في "التنقيح": ما قاله ممنوع، فإن الذي جوزه الشيخ في التفليس إنما هو السفر لا نفس الجهاد، فإنه قال: (وقيل: يمنع من سفر الجهاد) 8، والذي منعه هنا إنما هو نفس الجهاد، فإنه قال: (ولا يجاهد) 9، ولم يتعرض للسفر، فليسا مسألة واحدة كما ذكر، فأي ضرورة إلى ارتكاب دعوى التناقض في كلام الشيخ مع تغاير المحكوم عليه، وسبقه إلى الإشارة لذلك في "الكفاية".
5255 - قول "المنهاج" في الدين المؤجل [ص 519]: (وقيل: يمنع سفراً مخوفاً) أعم من تعبير "التنبيه" بالجهاد 10، وقيد هذا الوجه في "الروضة" بألاَّ يقيم كفيلاً بالدين 11.

5251 - قولهما - والعبارة لـ "التنبيه" -: (ولا يجوز لمن أحد أبويه مسلم أن يغزو إلا بإذنه) 1 يفهم اختصاص ذلك بالأبوين، وليس كذلك؛ فسائر الأجداد والجدات في ذلك كالأبوين، ولو مع وجودهما في الأصح؛ ولذلك عبر "الحاوي" بأصل مسلم 2، وظاهر كلامهم اعتبار ظهور الإسلام؛ فهو الذي تعلق عليه الأحكام، لكن لو علم الولد نفاقهما.. جاز له سفراً لجهاد بغير إذنهما ولو كانا مسلمين في الظاهر، نص عليه في "الأم" 3 كما حكاه شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وتناول كلامهم الأصل الرقيق، وهو كذلك على الصحبح، فلو كان الولد رقيقا.. اعتبر في سفر الجهاد وغيره إذن سيده لا أبويه، قاله الماوردي، قال: ويلزم المبعض استئذان الأبوين بما فيه من الحرية والسيد بما فيه من الرق 4. 5252 - قول "المنهاج" [ص 519]: (لا سفر تعلم فرض عين، وكذا كفاية في الأصح) هو مقتضى إطلاق "الحاوي" قوله [ص 603]: (لا للعلم)، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": ويستثنى منه: ما إذا كان السفر مخوفاً.. فإنه لا يسافر لطلب فرض الكفاية، والظاهر سقوط فرض العين عنه كالحج، وما إذا كانت نفقة الأبوين أو أحدهما لازمة له.. فيجب استئذانهما، إلا أن يستنيب في الإنفاق عليهما من مال حاضر، صرح به الماوردي 5، قال شيخنا: وقضيته: أنه لو كان الفرع تجب نفقته على الأصل.. لم يجز له أن يسافر إلا بإذنه إن كان الفرع أهلاً للإذن، وأن يستنيب في الإنفاق عليه من مال حاضر، ثم ذكر أن القياس: أنه لو أداه نفقة ذلك اليوم وسافر في بقيته.. كان كالمديون بدين مؤجل.
انتهى.
وصحح السبكي في كتاب له في بر الوالدين: أنه يمتنع السفر لتعلم فرض الكفاية إذا منعاه 6 صريحاً.
5253 - قول "الحاوي" [ص 603]: (كسفر البحر والبادية المخطرة للتجارة) يقتضي أنه لا يمنعه سفر التجارة في غيرهما، ولذلك صححه الرافعي والنووي 7، لكن صحح السبكي: أن لهما منعه من سفر التجارة ولو غلب الأمن.

5254 - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (فإن أذن أبواه والغريم ثم رجعوا.. وجب الرجوع إن لم يحضر الصف) 1 يستثنى منه صور: أحدها: أن يخاف على نفسه أو ماله.. فلا يجب الرجوع، فلو أمكنه أن يقيم بقرية في الطريق.. لزمه، وقد ذكره "الحاوي" بقوله [ص 603]: (فإن عجز.. أقام قرية).
ثانيها: أن يخاف انكسار قلوب المسلمين.. فلا يجوز الرجوع، بل يحرم.
ثالثها: أن يكون خروجه بجُعْلٍ مع السلطان.. فلا يرجع كما حكاه في "الكفاية" عن الماوردي 2، ونص عليه في "الأم" 3 كما حكاه شيخنا في "تصحيح المنهاج".
5255 - قول "التنبيه" [ص 232]: (وإن كان قد حضر الصف.. ففيه قولان) الأظهر: أنه لا يرجع، وقد ذكره "المنهاج" فقال [ص 519]: (فإن شرع في قتال.. حرم الانصراف في الأظهر) وعليه مشى "الحاوي" بقوله [ص 603]: (لا من القتال) ولو عبرا كـ "التنبيه" بحضور الصف.. لكان أولى؛ لأنه لا يتوقف ذلك على القتال حقيقة، بل التقاء الفريقين كاف في ذلك، وعبر في "الروضة" بالأصح 4، وهو يقتضي أن الخلاف وجهان، والرافعي قال في "الشرح": فيه قولان أو وجهان 5، وجزم في "المحرر" بأنه قولان 6، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لم نقف للشافعي رضي الله عنه على نص في عين المسألة، ولكنه لما أجاز الرجوع في غير ما استثناه.. احتمل أن يكون مطلقاً، واحتمل أن يكون ما لم يحضر الصف، فكان الظاهر أن الخلاف وجهان، قال: ومحل الخلاف ما لم يخش انكسار المسلمين، فإن خشي ذلك.. حرم الانصراف.
5256 - قول "المنهاج" [ص 519]: (الثاني: يدخلون بلدة لنا فيلزم أهلها الدفع بالممكن) لا يتوقف ذلك على دخولها، بل لو أظلوا عليها ونزلوا بها قاصدين لها.. كان الحكم كذلك، وكذا لو نزلوا على خراب أو جبل في دار الإسلام بعيد عن البلدان كما حكاه الإمام عن الأصحاب، واختار خلافه 7، وقال النووي: هذا الذي اختاره الإمام ليس بشيء، وكيف يجوز تمكين الكفار من الاستيلاء على دار الإسلام مع إمكان الدفع؟ 8.

قلت: لم يجوز الإمام في اختياره تمكينهم من دار الإسلام، بل قال: إنه فرض كفاية يجب القيام به، وإنما نفى كونه فرض عين، وعلى الأول مشى "الحاوي" فقال [ص 609]: (ولو خراب الإسلام) فلو صار بينهم وبين بلاد الإسلام دون مسافة القصر.. فقال الماوردي: يتعين فرض القتال على أهل الثغر 1، ومنعه شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وقال: الأرجح: بقاء فرض الكفاية، ونازع شيخنا المذكور في أصل هذا الحكم، وقال: جرى نحو ذلك غزوة الأحزاب، ولم ينقل فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أعلم كل وأحد من أهل المدينة بتعين الجهاد عليه، وإنما الحال مستمر على فرض الكفاية، وأطلق الشافعي أن الجهاد فرض كفاية، ولم يستثن من ذلك إلاَّ حالة الزحف التي يحرم فيها الفرار، وقال فيما لو غزا المشركون بلاد المسلمين: لا يضيق على المسلمين أن يتحصنوا من العدو وإن كانوا قاهرين للعدو، وفيما يرون إذا ظنوا ذلك أزيد في قوتهم ما لم يكن العدو يتناول من المسلمين أو أموالهم شيئاً في تحصنهم عنهم، قال شيخنا: وهذا يخالف القول بأن الجهاد صار فرض عين، والمذهب المعتمد ما نص عليه صاحب المذهب، وبه صرح القفال، فقال في هذه الصورة: فإن قامت به طائفة".
سقط الفرض عن الباقين، وإن لم يقم به أحد.. خرجوا أجمعين.
5257 - قول "المنهاج" في هذه الحالة [ص 519]: (فإن أمكن تأهب لقتال.. وجب الممكن حتى على الفقير وولدٍ ومَدِين وعبد بلا إذن) و "الحاوي" [ص 609]: (فرض على كل قوي، وزال الحجر) ثم قال "المنهاج" [ص 519]: (وقيل: إن حصلت مقاومة بأحرار.. اشترط إذن سيده) وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": هذا الذي ضعفه هو المعتمد في الفتوى، وهو مقتضى نص الشافعي؛ فإنه جعل تولي المسلمين لو غزاهم المشركون كتولي المسلمين من الزحف، ولم يجعل العبد الغازي بغير إذن سيده آثماً بالتولي من الزحف؛ فلذلك لا يتوجه إليه الخطاب فيما إذا وطئ الكفار بلاد الإسلام وأمكنت المقاومة بالأحرار، قال: وهذان الوجهان لم أرهما إلا في "النهاية" بلا ترجيح 2، وقال الرافعي فيما رجحه: إنه أليق بفقه الباب وأشبه 3، قال شيخنا: وهو ممنوع؛ فالأليق بفقه الباب والأشبه: أنه لا يتوجه الخطاب للعبيد في هذه الحالة؛ لقيام الأحرار بالمطلوب، ولا سيما وقد نص الشافعي على ذلك فوجب اطراح ما يخالفه، ولا ينبغي أن يعد وجهًا.
5258 - قول "المنهاج" [ص 519]: (وإلا؛ فمن قُصِدَ.. دَفَعَ عن نفسه بالممكن إن علم أنه إن أخذ قتل، وإن جوز الأسر.. فله أن يستسلم) محله في الرجل، فأما المرأة إذا علمت امتداد اليد

إليها بالفاحشة.. فعليها الدفع وإن قتلت، أما إذا لم تقصد بالفاحشة في الحال وتوقعته بعد السبي.. قال الرافعي: فيحتمل جواز الاستسلام الآن، وتدفع حينئذ 1. ومحل الاستسلام عند تجوز الأسر: إذا كان لو امتنع.. لقُتل، وإلا.. فلا يجوز الاستسلام.
5259 - قوله: (ومن هو دون مسافة قصر من البلد كأهلها) 2 يقتضي أنه يصير عليهم فرض عين، حتى على الفقير والولد الذي له أصل حي مسلم والمديون والعبد من غير اعتبار إذن، وأنه يجري في العبيد الخلاف فيما إذا حصلت المقاومة بالأحرار.
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وهذا شيء لم يقل به أحد، والإمام الذي سلك هذه الطريقة الضعيفة لم يذكر جميع ذلك صريحا وإن اقتضاه كلامه، واعتبر وجود الزاد فيمن هو دون مسافة القصر.
5260 - قوله: (ومن على المسافة.. تلزمهم الموافقة بقدر الكفاية إن لم يكف أهلها ومن يليهم، قيل: وإن كفوا) 3 مقتضى التعبير: أن المعنى: قيل: وإن كفوا.. تلزمهم الموافقة بقدر الكفاية، وهذا غير مستقيم؛ فكان ينبغي أن يقول: (ومن على المسافة.. قيل: تلزمهم الأقرب فالأقرب، والأصح: إن كفى أهلها.. لم تلزمهم).
5261 - قول "الحاوي" [ص 609]: (أو أسرت مسلماً يُرجى خلاصه.. فرض على كل قوي) أحسن من قول "المنهاج" [ص 519]: (ولو أسروا مسلماً.. فالأصح: وجوب النهوض إليهم لخلاصه إن توقعناه) لأن تعبير "المنهاج" قد يفهم أن الخلاف في كونه فرض كفاية، وليس كذلك، وإنما الخلاف في فرض العين، وتعبير "الحاوي" صريح في ذلك، وذكر شيخنا في "تصحيح المنهاج": أن هذا الخلاف لا وجود له في شيء من كتب الطريقين، وإنما هو تردد للإمام 4، قال: ولا توقف عندنا في أنه لا يكون فرض عين في هذه الصورة، وليس للولد والعبد والمديون الخروج بغير إذن، وحيث كان الجهاد فرض كفاية.. فهو مستمر بحاله، وهذا هو الظاهر من كلام الشافعي وأصحابه؛ والدليل على هذا: أنه كان في الحديبية عند المشركين أسرى رجال ونساء، وجاء بعض الرجال قبل عقد الصلح، وكانت المقاومة ممكنة؛ بدليل قول عمر رضي الله عنه: (فلم نعطِ الدَّنية في ديننا) 5 مع أن في الأعصار تقع أسرى المسلمين في يد الكفار ولم فسمع أن جيشا من جيوش المسلمين تحرك لخلاص أولئك الأسرى.

فصل [في الاستعانة على الغزو]

5262 - قول "التنبيه" [ص 232]: (ويكره أن يغزو أحدٌ إلا بإذن الإمام) هو نص الشافعي في "المختصر" 1، وقال في "المنهاج" [ص 519]: (أو نائبه) وعبارة "الحاوي" [ص 606]: (ويكره استقلالاً) وعبارة الإمام: استحب ألَّا يخرجوا إلا بإذن الإمام.
واستثنى منه شيخنا في "تصحيح المنهاج" مواضع: أحدها: أن يفوته المقصود بذهابه للاستئذان.
الثاني: إذا عطل الإمام الغزو وأقبل هو وجنده على أمور الدنيا كما يشاهد.
الثالث: إذا غلب على ظنه أنه لو استأذن.. لم يؤذن له.
5263 - قول "التنبيه" [ص 232]: (ولا يستعين بمشرك، إلا أن يكون في المسلمين قلة، والذي بستعبن به حسن الرأي في المسلمين) و"المنهاج" [ص 519]: (وله الاستعانة بكفار نؤمن خياننهم، ويكونون بحيث لو انضمت فرقتا الكفر.. قاومناهم) و"الحاوي" [ص 603]: (وله أن يستعين بكافر مأمون) ذكر الرافعي أن الشرط المذكور في "التنبيه" أولًا والشرط المذكور في "المنهاج" ثانياً يكاد أن يتنافيان؛ لأنهم إذا قلوا حتى احتاجوا لمقاومة إحدى الفئتين إلى الاستعانة بالأخرى.. فكيف يقدرون على مقاومتهما معا لو التأمتا؟ 2 وقال النووي: لا منافاة؛ فالمراد: أن يكون المستعان بهم فرقة لا يكثر العَدوُّ بهم كثرة ظاهرة 3. وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": في هذا الجواب لين، ثم أجاب: بأن الكفار إذا كانوا مئتين مثلاً وكان المسلمون مئة وخمسين.. ففيهم قلة بالنسبة لاستواء العددين، فإذا استعانوا بخمسين كافراً.. فقد استوى العددان، ولو انحاز هؤلاء الخمسون إلى العدو فصاروا مئتين وخمسين.. أمكن المسلمين مقاومتهم؛ لعدم زيادتهم على الضعف، قال: وأيضاً ففي كتب جمع من العراقيين اعتبار الحاجة من غير ذكر القلة، والحاجة قد تكون للخدمة، فلا يتنافى الشرطان.
انتهى.
وذكر بعضهم: أن الشرط المذكور في "التنبيه" ثانياً، وهو: حسن رأي المستعان به في المسلمين هو الشرط المذكور في "المنهاج" أولًا، والمقتصر عليه في "الحاوي"، وهو أمن

خيانته، لكن جعلهما في "الروضة" وأصلها شرطين 1، وحكى في "الروضة" من زيادته على الماوردي شرطاً آخر، وهو: أن يخالفوا معتقد العدوّ؛ كاليهود مع النصارى 2. وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": كلام الشافعي يدل على أن ذلك غير معتبر؛ فقد غزا صفوان بن أمية وهو مشرك في غزوة حنين وهم مشركون.
واعلم: أن عبارتهم تتناول النساء والصبيان، وفي "الروضة" وأصلها قولان في جواز إحضار نساء أهل الذمة وصبيانهم من غير ترجيح 3. وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": الأصح عندنا: الجواز؛ فقد جزم به في "الأم" فقال: (ونساء المشركين في هذا وصبيانهم كرجالهم لا يحرم أن يشهدوا القتال) 4، قال: وما ذكره الرافعي عن القفال من القولين لم أقف عليه.
5264 - قول "التنبيه" في المرأة والعبد والصبي [ص 232]: (وإن حضروا.. جاز) فيه أمور: أحدها: مراده: المرأة المسلمة، وفي جواز إحضار نساء أهل الذمة وصبيانهم ما تقدم قريباً.
ثانيها: إنما يجوز حضور العبد بإذن الإمام وسيده؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص 519]: (وله - أي: الإمام - الاستعانة بعبيد بإذن السادة) و"الحاوي" [ص 603، 604]: (وله أن يستعين بعبد بإذن) قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": يستثنى منه: العبد الموصى بمنفعته لبيت المال؛ فللإمام الاستعانة به بغير إذن السيد المالك للرقبة، وكذا السفر به بغير إذن المالك على الأصح في "أصل الروضة" في الوصية بالمنافع 5، وكذا المكاتب كتابة صحيحة، وله أن يسافر به بناء على أن للمكاتب السفر بغير إذن السيد، وهو الأظهر.
ثالثها: أن شرط جواز حضور الصبي: أن يكون بإذن الإمام، وقيده "الحاوي" بالمراهق 6، و"المنهاج" بالمراهق القوي 7، وقال الرافعي: ظاهر ما نقله القفال عن الشافعي يقتضي جواز إحضار الذريّة مطلقاً، إلاَّ مَن لا يميز.. يجب ألاَّ يجوز إحضاره 8، وأسقط ذلك في "الروضة"، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إذا حصلت من المميز إعانة ورأى الإمام

استصحابه.. جاز، ونص في "الأم" على ما يقتضيه 1، قال: واعتبار القوة مردود، والمعتبر حصول المنفعة بهم وإن لم يكونوا أقوياء، قال: ومحله ة إذا لم يكن له أصل حي مسلم، فإن كان.. فإذنه معتبر في البالغ؛ ففي المراهق بطريق الأولى.
قلت: وقد يجعل قول "الحاوي" [ص 604]: (بإذن) راجعًا للمراهق والعبد المذكورين قبله على قاعدة الشافعي؛ ويكون لهذا المعنى أطلق الإذن.
قال شيخنا: وليس للوصي منعه من ذلك، والأمر فيه للإمام.
قال في "المهمات": وفيه إشكال مع ما قالوه في المنع من إركاب ماله في البحر الملح وإن كان الغالب السلامة.
قلت: في هذا تمرين على العبادة، بخلاف التجارة بماله؛ لا عبادة فيها مع التعزير، والله أعلم.
5265 - قول "المنهاج" [ص 519]: (وله بذل الأُهبة والسلاح من بيت المال ومن ماله) لا يختص الحكم بالإمام؛ فللآحاد بذله من ماله؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 604]: (ولكل تركيب المسلم ببذل أُهبة).
5266 - قول "المنهاج" [ص 519]: (ولا يصح استئجار مسلم لجهاد) مكرر، تقدم في (الإجارة) 2، وا قتصر "الحاوي" على ذكره هناك 3، وهو داخل في قول "التنبيه" [ص 232]: (ولا يجاهد أحد عن أحد) فإنه يتناول ما إذا كان بعوض وغيره، ويستثنى منه موضعان: أحدهما: العبد، فيه وجهان إن قلنا: (لو وطئ الكفار دارنا.. يتعين على العبيد).. فهم كالأحرار، وإلا.. جاز، حكاه في "أصل الروضة" عن الإمام 4، ومقتضاه: ترجيح المنع؛ لأن الأصح: تعيينه عليهم لو وطئ الكفار دارنا، لكن تقدم عن شيخنا: أنه رجح في "تصحيح المنهاج" خلافه؛ فلذلك صحح هنا الإجارة إذا آجره مالكه، وصدرت الإجارة مع الإمام.
ثانيهما: غير البالغ ذكر شيخنا في "تصحيح المنهاج" أنه لو أجره وليه.. صح؛ فإنه لا يتعين عليه بحضور الصف، ثم استشكله بمنع التغرير بماله في البحر، ثم أجاب عنه: بتمكين النبي صلى الله عليه وسلم من هو دون البلوغ من حضور الجهاد، وعرضه عليه، ورضخه له، وذلك يدل على أن مثل هذا مما يحرص عليه ويتدرب به، ثم ظاهر كلامهم امتناع استئجار المسلم للجهاد ولو

وردت الإجارة على ذمته، لكن يشكل بجواز إلزام ذمة من لم يحج الحج عن غيره، وحائض خدمة مسجد، وإن امتنع ذلك في إجارة العين.
5267 - قول "المنهاج" [ص 519]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 379]: (ويصح استئجار ذمي للأمام) فيه أمور: أحدها: أنه لا يختص بالذمي، بل يجوز مع المعاهد أيضاً بهُدنة أو أمان، ذكره شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وقال: في كلام الشافعي والأصحاب ما يقتضيه.
ثانيها: أن محل جواز استئجاره: حيث تجوز الاستعانة، فإن استأجره حيث يمتنع.. فالإجارة باطلة.
ثالثها: أن مقتضى كلامهما: استمرار الإجارة ولو أسلم، لكن مقتضى ما في "أصل الروضة" فيما لو استأجر طاهراً لخدمة المسجد، فحاضت، من انفساخ الإجارة: انفساخها هنا 1، وإليه ذهب شيخنا في "تصحيح المنهاج".
رابعها: يرد على إطلاقهما: أنه لا يصح استئجاره من مال نفسه، بل ولا من سائر أموال بيت المال، وإنما يستاجره من شيء مخصوص، وهو خمس الخمس، وقد ذكر ذلك "الحاوي" فيما إذا أخرجه قهراً.. قال: (له الأجر من خمس الخمس) 2. خامسها: ليست هذه الإجارة على قياس سائر الإجارات، فلو تعذر سفر الجيش لصلح صدر قبله.. كان عذراَ في فسخ الإجارة، وإن كانت الإجارة لا تنفسخ بالعذر، ويسترجع الإمام منهم ما دفعه إليهم، وإن كان الصلح بعد رده لهم دار الحرب.. لم يسترجع منهم شيئاً؛ لأن مسير الجيش إليهم أثر في الرهبة المفضية للصلح، وإن كان ذلك بعد خروجهم من دار الإسلام وقبل دخولهم أرض الحرب.. ففي استحقاقهم من الأجرة بقدر المسافة وجهان حكاهما الماوردي.
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": والأرجح في نظيرها من (الحج): أنه لا يستحق شيئاً، فكذلك الأرجح هنا، وإن كان ترك الجهاد لانهزام العدو استحقوا 3 الأجرة وإن تركوه مع الحاجة إليه.. ردوا من الأجرة بالقسط، وصحح شيخنا تقسيطه على قطع المسافة من بلد الإجارة والقتال في دار الحرب.
5268 - قول "الحاوي" [ص 604]: (فإن أخرج الذمي لا المسلم قهرًا.. له الأجر) قال الرافعي: كذا أطلقوه في المسلم، وفصّل البغوي فقال: إن تعين عليه.. فكذلك، وإلا.. فله

أجرة الذهاب، وهو تفصيل حسن؛ فليحمل الإطلاق عليه 1. 5269 - قوله: (وإن عين شخصاً لدفن وغسل.. من تركته، ثم بيت المال، ثم سقط) 2 هذا التفصيل استدركه الإمام والغزالي 3، وأطلق مطلقون أنه لا أجرة له، قال الرافعي: والتفصيل حسن؛ فليحمل الإطلاق عليه 4. 5270 - قول "التنبيه" [ص 232]: (ولا يقاتل من لم تبلغه الدعوة حتى يعرض عليه الدين) قال ابن يونس في "التنويه": كلامه يقتضي وجوب عرض الدين عليه؛ أي: يعرفه إياه بأحكامه وتفاصيله، وليس كذلك، وإنما هو مستحب كما صرح به في "المهذب" وغيره؛ لأنه عليه الصلاة والسلام أغار على بني المصطلق وهم غافلون 5. 5271 - قوله: (ويقاتل أهل الكتابين والمجوس إلى أن يسلموا أو يبذلوا الجزية) 6 محله: قبل نزول عيسى عليه السلام، فأما بعده.. فلا يقبل منهم إلا الإسلام.
5272 - قوله: (ويتجنب قتل أبيه وابنه؛ إلا أن يسمع منهم ما لا يصبر عليه من ذكر الله تعالى وذكر رسوله صلى الله عليه وسلم) 7 عبر في قتال البغاة بقوله: (ويتجنب قتل رحمه) 8 وتبع في التعبيرين "المختصر" 9، ولا فرق بين البابين كما قاله الأصحاب، نبه عليه في "الكفاية".
وهذا التجنب على وجه الاستحباب؛ ولذلك عبر "المنهاج" بقوله [ص 519]: (ويكره لغازٍ قتل قريب، ومَحْرَمٍ أشدُّ) وعبارة "الحاوي" نحوه 10، والمراد: المحرم القريب، أما غير القريب من المحارم.. فقال شيخنا ابن النقيب: لم أر من ذكر المنع من قتله 11، ولم يذكر "المحرر" و"الحاوي" الاستثناء الذي في "التنبيه"، واستدركه "المنهاج" بقوله [ص 520]: (إلا أن يسمعه يسب الله أو رسوله).

5273 - قول "المنهاج" [ص 520]: (ويحرم قنل صبي ومجنون وامرأة وخنثى مشكل) محله: ما لم يقاتلوا كما صرح به "المحرر" و"التنبيه" 1، إلا أنه لم يذكر المجنون والخنثى، وليس هذا دفعاً كالصائل، بل يقتلون إذا قاتلوا وإن أمكن دفعهم بغيره.
5274 - قول "المنهاج" [ص 520]: (ويحل قتل راهب وأجير وشيخ وأعمى وزَمن لا قتال فيهم ولا رأي في الأظهر) فيه أمور: أحدها: أنه يقتضي أن محل القولين في الراهب: إذا لم يكن فيه رأي ولا قتال، وليس كذلك، بل هما جاريان فيه مطلقًا كما أطلقهما في "المختصر" 2، وجرى عليه الأصحاب المعتبرون، قاله شيخنا في "تصحيح المنهاج"، ويوافقه عبارة "التنبيه" حيث قال [ص 232]: (وفي قتل الشبوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال فيهم وأصحاب الصوامع قولان، أصحهما: أنهم يقتلون).
ثانيها: اعترضه شيخنا في "تصحيح المنهاج" بأن المعتمد: القطع بجواز قتل الأجير، وهي طريقة العراقيين، وكذلك الأعمى والضعيف، ولا سيما إن كان الضعيف مرجو الإفاقة.
ثالثها: واعترضه أيضًا بأن من يثبت القولين في الأجير.. لا يخصهما بما إذا لم يكن فيه رأي ولا قتال.
رابعها: نقل شيخنا ابن النقيب: أن الذي رآه في نسخ "المنهاج": (وشيخ وضعيف) بالواو، وأنه رآه كذلك في نسخة "المصنف" بخطه، لكنه مضروب عليه؛ أعني: المعطوف وحرف العطف، وهو قوله: (وضعيف)، قال: والذي رأيته في "المحرر" و"الروضة": (والشيخ الضعيف) بلا واو 3. 5275 - قول "التنبيه" [ص 232]: (ويجوز بياتهم ونصب المنجنيق عليهم ورميهم بالنار) و"المنهاج" [ص 520]: (وإرسال الماء عليهم ورميهم بنار ومنجنيق وتبييتهم في غفلة) و"الحاوي" [ص 604]: (ومنجنيق وتحريق وتغريق) محله: في غير مكة، فلو تحصن بها أو بموضع من حرمها طائفة من الحربيين.. لم يجز قتالهم بما يعم، كما نص عليه في "الأم" في (سير الواقدي) 4، وحمل أبو الفرج الزاز الجواز في غيرها على ما إذا كان بالإمام إليه حاجة أولم يكن فيهم إلا المقاتلة، فإن لم يكن به إليه حاجة وكان فيهم النساء والصبيان.. كره، حكاه عنه

شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وقال: إنه معتمد، قال: وإنما لا يكون البيات مكروها إذا كان له به حاجة، وإلا.. فهو مكروه وإن لم يكن فيهم إلا المقاتلة؛ لأنه لا يأمن في سواد الليل أن يقتل مسلما من أهل الجيش ظناً أنه كافر.
5276 - قول "التنبيه" [ص 232]: (وإن كان معهم قليل من أسارى المسلمين.. لم يمتنع من رميهم، وإن كانوا كثيراً.. لم يرمهم إلا إذا خاف شرهم) طريقة، والمرجح: الجواز لو كانوا كثيرأ؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 520]: (فإن كان فيهم مسلم أسير أو تاجر.. جاز ذلك على المذهب) و"الحاوي" [ص 604]: (ولو فيهم مسلم)، وعبارة "أصل الروضة": فيه طرق: المذهب: أنه إن لم يكن ضرورة.. كره، ولا يحرم في الأظهر، وإن كانت لخوف ضررهم، أو لم يحصل فتح القلعة إلا به.. جاز، ثم ذكر طريقين آخرين، ثم قال: والمذهب: الجواز وإن علم أنه يصيب مسلما، وهو نص "المختصر" 1. وذكر شيخنا في "تصحيح المنهاج" أن نص "الأم" و"المختصر" الجواز عند الضرورة، ولا خلاف فيه، وأما عند عدم الضرورة.. فقضية نص "الأم" التحريم، وقضية نص "المختصر" أنه غير بيّن التحريم، ولكنه مكروه؛ فإطلاق الجواز على المذهب مخالف النصين جميعاً، قال: والمعتمد عندنا في صورة ألَّا يمكن فتح القلعة إلا بذلك: أنها ليست حالة ضرورة، وفي نص "الأم" ما يقتضيه 2. 5277 - قول "التنبيه" [ص 232]: (وإن تترسوا بالنساء والصبيان في القتال.. لم يمتنع من قتالهم) محله: ما إذا دعت إلى ذلك ضرورة، فإن لم تدع إليه ضرورة.. فالأظهر: تركهم، وعبارة "المنهاج" [ص 520]: (وإن دفعوا بهم عن أنفسهم ولم تدع ضرورة إلى رميهم.. فالأظهر: تركهم) وكان ينبغي الاقتصار على انتفاء الضرورة؛ فهو المعتبر، وأما الدفع بهم عن أنفسهم.. فليس شرطاً في ذلك؛ وكأنه تصوير للمسألة؛ ويدل على ذلك أن عبارة "أصل الروضة": وإن لم يكن ضرورة؛ بأن كانوا يدفعون بهم عن أنفسهم واحتمل الحال تركهم 3، ومن العجيب أن "الحاوي" أهمل الشرط الذي هو الضرورة، وذكر التصوير المشترك بين جواز الرمي وعدمه وهو الدفع، فقال: (وإن تترسوا بالنساء لا دفعًا.. ضُرب الترس) 4 وخالف هذا الترجيح في زيادة "الروضة"، فقال: إن الراجح: الجواز 5، ورجحه شيخنا في "تصحيح المنهاج".

5278 - قول "التنبيه" [ص 232، 233]: (وإن تترسوا بهم - أي: بأسارى المسلمين - في حال القتال.. لم يمتنع من قتالهم، غير أنه يتجنب أن يصيبهم) محله: فيما إذا دعت إليه ضرورة؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 520]: (وإن تترسوا بمسلمين؛ فإن لم ندع ضرورة إلى رميهم.. تركناهم، وإلا.. جاز رميهم في الأصح) وتعبيره بالأصح يقتضي قوة الخلاف، وأنه وجهان، وليس كذلك؛ فالتجويز هو نص "الأم" و"المختصر" 1، وقد عبر في "الروضة" بالصحيح المنصوص 2، وعبارة "الحاوي" [ص 606]: (وإن تترسوا بالمسلمين في الصف ولو تركوا انهزمنا، لا كافر بمسلم.. ضُرب الترس) فقيد الجواز بأن يكونوا لو تركوا.. انهزمنا، وهي صورة الضرورة، واستثنى من ذلك مسألة، وهي: ما لو تترس كافر بمسلم.. فلا يجوز قتل المسلم، قال في "الوجيز": وإن خفنا على أنفسنا؛ فإن دم المسلم لا يباح بالخوف 3، وأراد به: ما إذا لم يعم الخوف، وإلا.. يلزم من الكف مفسدة كلية، واحترز بقوله: (في الصف) عما إذا تترسوا بهم في نحو قلعة عند محاصرتها.. فلا نرمي الترس؛ لأنا في غنية عن فتحها.
5279 - قول "المنهاج" [ص 520]: (ويحرم الانصراف عن الصف إذا لم يزد عدد الكفار على مثْلَيْنَا إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة) فيه أمور: أحدها: أن التعبير بالانصراف عن الصف هو كذلك في"الحاوي" 4، ومقتضاه: أنه لو لقي مسلم مشركين.. فله الانصراف مطلقًا؛ إذ لا صف، وهو كذلك في "الروضة" وأصلها، قال: إن طلباه.. فله الفرار، وإن طلبهما.. فهل له أن يولي بعد ذلك؛ وجهان، أصحهما: نعم؛ لأن فرض الجهاد والثبات إنما هو في الجماعة، وحكاه الرافعي عن تصحيح "البحر" 5. وقال الماوردي: إنه الظاهر من مذهب الشافعي 6، لكن قول "التنبيه" [ص 233]: (وليس للمسلم أن ينصرف عن اثنين إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة) يقتضي منع الفرار في هذه الصورة، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج"؛ إنه الأظهر بمقتضى نص الشافعي في "مختصر المزني" فإنه حكى عن ابن عباس: أن من فرّ من ثلاثة.. فلم يفز، ومن فر من اثنين.. فقد فرّ، ثم قال الشافعي: هذا مثل معنى التنزيل، فإذا فرّ الواحد من الاثنين.. فأقل، وساق الكلام على ذلك 7.

ثانيها: محل ذلك: مع القدرة، فيجوز الانصراف مع العجز، وقد ذكره "الحاوي" فقال [ص 607]: (ومن عجز بمرض أو لم يبق معه السلاح أو مات فرسه عاجزاً عن القتال رَاجِلاً) فإن أمكنته الحجارة.. امتنع الانصراف على الأصح عند النووي من زيادته، لكنه في "أصل الروضة" في الباب الأول جعله وجهاً ضعيفاً 1. ثالثها: يستثنى من كلامهم معا: العبد إذا شهد القتال بغير إذن سيده.. فلا يحرم عليه الفرار، وكذلك النساء إذا شهدن القتال ثم ولين.. فلا يأثمن بالتولي، نص عليه في "الأم" 2 كما حكاه شيخنا في "تصحيح المنهاج".
رابعها: يستثنى من كلامهم أيضًا: أنه يجوز فرار مئة من ضعفائنا عن مئة وتسعة وتسعين من أبطالهم على الأصح في اعتبار المعنى، كما سيأتي في عكسه في عبارة "المنهاج" و"الحاوي" أنه يحرم انصراف مئة بطل عن مئتين وواحد ضعفاء في الأصح 3، ففي "أصل الروضة": أنه يجري الخلاف في عكسه، وذكر هذا المثال 4. قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وأخذا عكسه في الصورة والمعنى، ولكن عكسه في المعنى يشمل هذا ومئة ضعفاء مع مئتين من أبطالهم، وسيأتي في كلام شيخنا ترجيح اعتبار العدد دون المعنى، والله أعلم.
خامسها: اشترط "الحاوي" في جواز التحيز إلى فئة: ألاَّ تنكسر؛ أي: الفئة المنصرف عنها بانصرافه، فإن انكسرت بذلك.. فلا يجوز الانصراف 5، وتبع في ذلك "الوجيز" 6، وفي كلام الإمام ما يشعر به 7، قال الرافعي: ولم يتعرض له المعظم 8. 5280 - قول "المنهاج" [ص 520]: (ويجوز إلى فئة بعيدة في الأصح) عبر في "الروضة" بالصحيح 9، وكان ينبغي التعبير بالنص؛ فإنه المنصوص في "الأم" و"المختصر" 10، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": محله: ما إذا لم يجد فيه قرينة، فإن وجد.. امتنع التحيز إلى

البعيدة قطعًا، وفي كلام الشيخ أبي حامد عن الشافعي ما يقتضي هذا؛ إذ قال: قال الشافعي: إلا أنهم ينحازون إلى الأقرب فالأقرب منهم، قال شيخنا: وإطلاق ذلك كما في النص وكلام هؤلاء الأصحاب يؤدي إلى أن الجيش أو بعضه ينصرف من وجه العدو بعد الزحف إلى الفئة البعيدة من إمام وغيره بلا سبب، وهذا لا يقوله أحد.
5281 - قوله: (ويشارك متحيز إلى قريبةٍ في الأصح) 1 وهو مفهوم "الحاوي" 2، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنه مخالف لنص "الأم" حيث قال: فإن قالوا: ولينا متحرفين لقتال أو متحيزين إلى فئة.. كانت عليهم سهامهم فيما غُنم قبل أن يولوا، ولو غنموا بعد التولية شيئاً ثم عادوا.. لم يكن لهم سهامهم فيما غنم بعدهم؛ لأنهم لم يكونوا مقاتلين ولا رِدْءًا 3، قال: وظاهر النص أنه في المتحيز إلى فئة قريبة؛ لقوله: (ثم عادوا) وإذا حمل على الأعم.. حصل لنا العمل بظاهر النص، ونقل في "الروضة" وأصلها النص في المتحيز إلى البعيدة 4، وليس كما ذكراه.
5282 - قول "التنبيه" [ص 233]: (وإن كان بإزائه أكثر من اثنين وغلب على ظنه أنه لا يهلك.. فالأولى أن يثبت، وإن غلب على ظنه أنه يهلك.. فالأولى أن ينصرف، وقيل: يجب عليه) حمل الإمام هذين الوجهين على ما إذا كان في الثبات نِكاية، قال: فإن كان فيه الهلاك المحض من غير نكاية.. وجب الفرار قطعاً 5، وقال النووي: إنه الحق 6، ثم كلام "التنبيه" يقتضي جواز الانصراف عند الزيادة على الضعف مطلقًا، وبه صرح "المنهاج"، واستثنى منه صورة، فقال: (فإن زاد على مثلين.. جاز الانصراف، إلا أنه يحرم انصراف مئة بَطَلٍ عن مئتين وواحد ضعفاء في الأصح) 7 وذكر "الحاوي" مثله 8، وفي هذا الاستثناء أمران: أحدهما: أن كلامهما يقتضي تخصيص الاستثناء بهذا التصوير، وليس الأمر كذلك، قاله شيخنا في "تصحيح المنهاج"، قال: وإنما العبرة عند من استثنى هذا الاستثناء بأن يكون مع المسلمين من القوة ما يغلب به على الظن أنهم يقاومون من بإزائهم من العدو الزائد على مثليهم ويرجون الظفر بهم.

ثانيهما: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": ما صححه من إرادة الحال على المعنى مخالف لظواهر نصوص الشافعي التي احتج عليها بظاهر القرآن، وما نقله عن ابن عباس وعليه جرى جمهور أصحاب الطريقين، وهو المعتمد في الفتوى.
5283 - قول "المنهاج" [ص 520]: (وتجوز المبارزة) و"الحاوي" [ص 606]: (إنها لا تكره) قيده "التنبيه" بأن يعرف من نفسه بلاء في الحرب 1. 5284 - قول "التنبيه" [ص 233]: (وإن بارز كافر.. استحب لمن عرف من نفسه بلاءً في الحرب أن يخرج إليه) اعتبر "المنهاج" لذلك شرطاً آخر، وهو: أن يكون بإذن الإمام 2، وفي معناه: إذن أمير الجيش، وعبر "المنهاج" عن الشرط الأول: بأن يكون ممن جرّب نفسه 3. واعترضه شيخنا في "تصحيح المنهاج": بأنه لا يكفي ذلك، بل لا بد معه أن يعرف قوته وجرأته كما صرح به في "الروضة" وأصلها 4. وأقول: المراد: أن يجرب نفسه فيعرف منها القوة والجرأة، وليس المراد: أن يجربها فيعرف منها الضعف والخور، فالمعنى مع هذا مفهوم لا يحتاج للتصريح به، وزاد الماوردي شرطاً ثالثاً، وهو: ألاَّ يدخل بقتل المبارز ضرر على المسلمين بهزيمة تحصل لهم؛ يعني؛ لأنه كبيرهم، فإن كان كذلك.. لم يجز أن يبارز 5، قال شيخنا: وهذا لا بد منه، قال: ويحتمل أن يقال بالكراهة خاصة، واستثنى شيخنا المذكور من ذلك أيضًا: ما إذا كان عبداً أو ذا أصل مأذونا له في الجهاد من غير تصريح بالإذن في المبارزة.. فلا يستحب له.
5285 - قول "التنبيه" [ص 233]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 612]: (وإن شرط ألاَّ تقاتله غيره.. وُفّيَ له بالشرط) كذا لو جرت العادة بأن من بارز لا يقاتله غير من برز إليه.. فتجعل العادة كالشرط على الأصح في "أصل الروضة"، ولم يصرح الرافعي بترجيح من الوجهين، وإنما قال: الذي أورده الروياني في "جمع الجوامع" أنه كالمشروط 6. قال في "الكفاية": وحكاه الماوردي والبندنيجي وابن الصباغ عن النص، وغيرهم عن نصه في "سير الواقدي"، واختاره في "المهذب" 7.

5286 - قولهما أيضًا: (إلا أن يثخن المسلم أو ينهزم منه) 1 يفهم أن المراد: انهزام الكافر، لكن حكم انهزام المسلم كذلك؛ فالمراد: انهزام أحدهما، وفي قول "التنبيه" [ص 233]: (فيجوز قتاله) تجوّز؛ فإن إعانة المسلم حينئذ واجبة، وعبر "الحاوي" بالفعل 2. 5287 - قول "التنبيه" [ص 233]: (وإن شرط ألَّا يتعرض له حتى يرجع إلى الصف.. وُفّيَ له بذلك) يستثنى منه: ما إذا أعان الكافرَ جمعٌ من الكفار من غير أن يمنعهم من ذلك: وما إذا أثخن المسلم وأراد التذفيف عليه، وإن شرط له ذلك.. فإنه شرط فاسد لا يعمل به، وقد ذكر ذلك "الحاوي، 3، وما إذا ولى عنه المسلم فتبعه.
5288 - قول "التنبيه" [ص 234]: (ويجوز قطع أشجارهم وتخريب ديارهم) أوضحه "المنهاج" بقوله [ص 520]: (لحاجة القتال والظفر بهم) وقال الماوردي: إذا علمنا أنّا لا نصل إلى الظفر بهم إلا بفعل ذلك.. وجب 4، وصوبه شيخنا في "تصحيح المنهاج".
5289 - قول "المنهاج" [ص 520]: (وكذا إن لم يُرج حصولها لنا، فإن رُجي.. نُدب الترك) فيه أمران: أحدهما: أن المعتبر ظن حصولها لنا، لا مجرد الرجاء؛ ولذلك قال "التنبيه" [ص 234]: (فإن كلب على الظن أنه يحصل لهم.. فالأولى ألاَّ يفعلوا ذلك) و"الحاوي" [ص 606]: (ويكره إهلاك مال ظن حصوله للمسلمين).
ثانيهما: قد عرفت أن الاقتصار على استحباب الترك هو الذي في "التنبيه"، وكذا "المحرر" و"شرح الرافعي" 5، وحكاه الشيخ أبو حامد عن النص، وأن في "الحاوي" الكراهة، وكذا في "أصل الروضة" 6، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنه ليس بمعتمد.
5290 - قول "التنبيه" [ص 234]: (ولا يجوز قتل البهائم إلا إذا قاتلوا عليها) زاد "المنهاج" صورة أخرى فقال [ص 521]: (أو غنمناه وخفنا رجوعه إليهم وضرره) وتناول الصورتين قول "الحاوي" [ص 606]: (وتُقتل الخيل للحاجة) وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج" في الصورة الثانية: إنها لا تساوي الأولى في جواز العقر، ولكنا نذبحه للأكل إن كان مأكولاً، فإن لم نتمكن من ذبحه.. لم نتلفه بغير الذبح ولو خفنا رجوعه إليهم وضرره، وكذا غير المأكول لا نذبحه،

قال: هذا مذهب الشافعي الذي ذكره في كتبه، وجرى عليه أصحابه، وما ذكره الرافعي والنووي في ذلك ليس بمعتمد (1)، وقد سبقهما إليه الماوردي وصاحب "المهذب" (2)، لكن صورة المسألة: بأن يكون الكفار مشاة ونخشى استرجاعهم الخيل وركوبها، والتقوي علينا بها، وهما في ذلك مخالفان لظاهر النص، والمعتمد ما قررناه، هذا معنى كلامه.
5291 - قول "التنبيه" [ص 324]: (وتقتل الخنازير) أي: وجوبًا إن كانت تعدو على الناس، وإلا.. فوجهان، ظاهر نص الشافعي: أنه لا يجب، بل يتخير فيه، ذكره في البيع من "شرح المهذب" (3)، أما الاقتناء.. فلا يجوز بحال.
5292 - قوله: (وتراق الخمور وتكسر الملاهي) (4) قد يخرج ظروف الخمر، والمنقول: أنها إن جاوزت قيمتها أو ساوت مؤنة حملها.. كسرت، وإلا.. حُملت.
5293 - قوله: (ويتلف ما في أيديهم من التوراة والإنجيل) (5) قد يشمل الإحراق، والصحيح في "البحر": المنع؛ لما فيها من اسم الله تعالى، لكن هذا المعنى موجود فيما نقش عليه القرآن، وإحراقه جائز مع الكراهة.

فصل [حكم أسرى الكفار]

5294 - قول "المنهاج" [ص 521]: (نساء الكفار وصبيانهم إذا أسروا.. رقوا) لا يخفى أن المراد: النساء الكافرات؛ ولهذا عبر "التنبيه" بقوله [ص 233]: (وإن أسر امرأة.. رقت) و"الحاوي" بقوله [ص 605]: (رق غيرٌ) أي: غير الأسير الكامل الذي سنذكره، وعبارته أشمل؛ لدخول المجنون فيها، ولم يصرحوا بذكر الخنثى، وهو كالمرأة، وقال أبو الفتوح: يجوز المن عليه مجانا.
ثم محل ذلك في النساء: إذا لم يقاتلن، فإن قتلت حربية مسلمًا ثم ظفرنا بها.. جاز للإمام قتلها كما تقدم بيانه، فلو قتلت ذميًا.. فقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": أمكن أن يقال بقتلها أيضًا، ولكن الدلالة من السنة إنما وردت فيما إذا قتلت مسلمًا، وفي جواز سبي الراهبة وجهان بناء على قتل12345

الراهب، كذا في "أصل الروضة" 1، وقد عرفت أن الأظهر: قتله، فيكون الأرجح: سبيها.
5295 - قول "المنهاج" [ص 521]: (وكذا العبيد) و"الحاوي" [ص 605]: (ورق غير) فيه أمور: أحدها: ظاهره أن المراد: عبيدهم الكفار كما سبق في النساء، وليس كذلك، بل المراد هنا: عبيدهم ولو كانوا مرتدين أو مسلمين؛ فإن عبد الحربي لو أسلم في دار الحرب ولم يخرج ولا قهر سيده.. لم يزل ملكه عنه، وإذا سُبي.. يسترق، ولا يجوز المن عليه.
ثانيها: أن العبد لا يتجدد له رق كالمرأة والصبي، بل يستمر رقه، وعبارتهما تُفهِم خلافه.
ثالثها: أن محل ذلك: إذا لم يقتل مسلماً، فإن قتل مسلمًا ثم سُبي.. فلنا قتله كما تقدم في المرأة.
5296 - قول "التنبيه" [ص 233]: (وإن أسر حرًا) أي: بالغاً عاقلاً ذكراً؛ ولهذا عبر "المنهاج" [ص 521] بـ (الأحرار الكاملين) وزاده "الحاوي" إيضاحاً، فعبر [ص 604] ب (الأسير الكامل) وفسره بأنه الرجل الحر العاقل.
5297 - قول "التنبيه" [ص 233]: (فللإمام أن يختار فيه ما يرى المصلحة فيه) و "الحاوي" [ص 604]: (بالمصلحة) المراد بها: الأحظ للمسلمين كما عبر به "المنهاج" 2، قال في "أصل الروضة": وليس التخير بالتشهي، بل يلزم الإمام أن يجتهد، ويفعل من هذه الأمور الأربعة ما هو الحظ للمسلمين 3، وحكى شيخنا في "تصحيح المنهاج" عن نص الشافعي في "الأم" في ترجمة الغلول: أنه مستحب 4، ومال إليه شيخنا، وقال: كيف يلزم هذا وأبو عزة إنما نزله النبي صلى الله عليه وسلم لبناته، وأخذ عليه عهداً ألَّا يعود لقتاله، وليس للمسلمين في ذلك حظ.
انتهى 5. ويقوم مقام الإمام في هذا الاختيار أمير الجيش.
5298 - قول "الحاوي" تبعاً لـ "المحرر": (والفداء بالرجال) 6 كذا في "الروضة" وأصلها 7، ويرد عليه: أنه يجوز أن يفدي به امرأة أو صبياً؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص 521]: (وفداء بأسرى).
ويرد عليهم معا: أنه لا بد من اعتبار الإسلام في ذلك؛ ولهذا قال في "التنبيه" [ص 234]:

(أو بمن أسر من المسلمين) وكذا نص عليه الشافعي والأصحاب.
5299 - قول "الحاوي" [ص 607]: (وفي الكامل قبل الحكم) أي: تجب القيمة أيضاً في قتل الأسير الكامل قبل حكم الإمام فيه بشيء؛ لا يعرف هذا في مذهب الشافعي، وإنما حكاه الماوردي والعمراني عن الأوزاعي 1، والمعروف في المذهب أنه لا شيء عليه سوى التعزير، نص عليه الشافعي وتابعه الأصحاب.
5300 - قول "التنبيه" [ص 234]: (وإن أسلم في الأسر.. سقط قتله، وبقي الخيار في الباقي في أحد القولين، ويرق في الآخر) الأظهر: الأول، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 2، وفيه أمور: أحدها: أن محله: ما إذا لم يختر فيه الإمام قبل إسلامه المن أو الفداء، فإن اختار ذلك ثم أسلم.. لم يتخير في الباقي، بل يتعين ما اختاره.
ثانيها: شرط جواز الفداء في هذه الصورة: أن يكون له عزٌّ أو عشيرة يسلم بها دينه ونفسه.
ثالثها: أنكر شيخنا في "تصحيح المنهاج" القول بتعين الرق، وقال: إنما أخذه من أثبته من نص "المختصر، 3، وإن أسلموا بعد الإسار.. رقوا، وإنما أراد به: أن اختيار الإمام ذلك، ولا يمنع إسلامه الرق كما يمنع القتل؛ بدليل قوله في "الأم": (ولم يخرجه إسلامه من الرق إن رأى الإمام استرقاقه) 4. 5301 - قولهما - والعبارة لـ "المنهاج" -: (وإسلام كافر قبل ظفر به يعصم دمه وماله وصغار ولده) 5 كذا مجانينهم، وقد ذكره "الحاوي" 6 وسكت عن عصمة دمه؛ لوضوحه، والأنثى في ذلك كالذكر، والجد والجدة كذلك في الأصح، ولو كان الأقرب حيا، والمراد: الأولاد الأحرار، كما نبه عليه في "الكفاية".
5302 - قول "المنهاج" [ص 521] و"الحاوي" [ص 604]: (لا زوجته) خالفه "المنهاج" حيث قال بعده [ص 521]: (وزوجته على المذهب) 7 أي: لا يجوز إرقاق زوجة مسلم، وفي

"أصل الروضة": أن الخلاف في أن إسلام الحربي هل يعصم زوجته؟ يجيء في استرقاق حربية نكحها مسلم وهي في دار الحرب 1، فالمسألتان عندهم واحدة، وغاير بينهما "المنهاج" 2، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": والمذكور هنا هو المعتمد 3. 5303 - قول "المنهاج" [ص 521]: (فإن استرقت.. انقطع نكاحه في الحال) يقتضي أن في استرقاقها خيرة، وليس كذلك، بل ترق بمجرد الأسر، فكان صواب العبارة أن يقول: فإن قلنا: (لا يعصمها عن الرق) ولهذا قال "الحاوي" [ص 604]: (فإن سُبيت.. انقطع نكاحه).
5304 - قول "المنهاج" [ص 521]: (ويجوز إرقاق زوجة الذمي) يقتضي أنه لا بد من إرقاقها، وليس كذلك، بل ترق بمجرد سبيها، فصواب العبارة: (ويرق زوجة الذمي).
5305 - قوله: (وكذا عتيقُهُ في الأصح) 4 كذا ينبغي أن يقول: على النص؛ لأنه منصوص "الأم" كما حكاه شيخنا في "تصحيح المنهاج".
5306 - قوله: (لا عتيق مسلم) 5 أي: ولو كان حين أعتقه كافراً لكنه أسلم قبل الأسر، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وقل من تعرض لهذا الفرع.
5307 - قوله - والعبارة له - و"الحاوي": (وإذا سُبي الزوجان أو أحدهما.. انفسخ النكاح إن كانا حرين) 6 فيه أمور: أحدها: أن محله في سبي الزوج: ما إذا كان صغيراً أو مجنونًا أو اختار الإمام رقه؛ ولهذا قال "التنبيه" [ص 234]: (وإن استرقه وكان له زوجة.. انفسخ نكاحها) أما لو مَنّ الإمام على الكبير أو فادى به.. استمرت الزوجية.
ثانيها: التقييد بكونهما حرين يقتضي عدم الانفساخ فيما إذا كان أحدهما حراً والآخر رقيقًا، وليس كذلك، فلو كانت حرة وهو رقيق وسبيت وحدها أو معه.. انفسخ أيضًا؛ لأن إطلاق الإخبار محل السبايا يشمل مَنْ زوجها عبد.

قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وكلام الشافعي في "الأم" في الاستبراء دال على ذلك، والحكم في عكسه كذلك إن كان الزوج غير مكلف أو مكلفاً وأرقّه الإمام؛ لأن العلة في انفساخ النكاح زوال ملكه عن أملاكه، فزوجته كذلك فلا يرد ذلك على "الحاوي" لأنه أطلق أولاً انفساخ النكاح بسبي الزوجين أو أحدهما، ثم قال: (لا الرقيقين) 1 فدخل في كلامه أولاً: ما إذا كان أحدهما حراً والآخر رقيقاً.
ثالثها: نازع شيخنا في "تصحيح المنهاج" فيما إذا كانا رقيقين، وقال: الأصح عندنا بمقتضى إطلاق الإخبار ونصوص الشافعي: أن النكاح ينفسخ بسبيهما أو بسبي الزوجة، فإن سبي الزوج وحده.. ففيه تردد، والأرجح: أنه لا ينفسخ، وتعليل الانفساخ في سبي الزوج الحر بزوال ملكه عن أملاكه؛ فزوجته أولى.. لا يأتي في العبد.
5308 - قول "المنهاج" [ص 521]: (وإذا أُرِقَّ وعليه دين.. لم يسقط) محله: ما إذا كان لمسلم، وكذا الذمي كما أجاب به الإمام والغزالي 2، وذكر البغوي فيه وجهين، فإن كان لحربي.. سقط على الصحيح؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 605]: (لا لحربي).
5309 - قولهما أيضًا: (فيُضَى من ماله إن غنم بعد إرقاقه) 3 أي: لا إن غنم قبله، وكذا لو غنم معه كما صححه في "أصل الروضة" 4، وهو داخل في مفهومهما، لكن رجح شيخنا في "تصحيح المنهاج" أنه يقضى مما غنم مع رقه، وأورد شيخنا أيضًا: ما إذا لم يغنم ماله أصلاً، بل عتق وأخذه، قال: فيقضى منه الدين المذكور، قال: ولم أر من تعرض لذلك، وهو متعين.
قلتُ: هو واضح لا يحتاج لاستدراك؛ لأنهم إنما تكلموا على ما إذا تزاحم أرباب الدين والغنيمة، ولا مزاحمة هنا، فإذا كان الدين.. لم يسقط وماله بيده كيف لا يُقضى منه؟ ! 5310 - قول "الحاوي" [ص 605]: (وسقط له عنه) أي: سقط الدين للحربي عن الحربي فيما إذا استُرق أحدهما، حكاه في "الروضة" وأصلها عن "التهذيب" 5، ونازع فيه شيخنا في "تصحيح المنهاج" فيما إذا استرق صاحب الدين؛ لأن سقوط دينه عن الحربي لمجرد زوال الملك منتقض بالمرتد لا يسقط دينه وإن قلنا بزوال ملكه، قال: وهو الذي يقتضيه عموم لفظ "الوسيط" الذي نقله في "الروضة" وأصلها: فيما إذا استرق من له الدين.. من أنه لا تبرأ ذمة من عليه

الدين، بل هو كودائع الحربي المسبي 1، قالا: ولم ينص في "الوسيط" على حال من عليه الدين، والإمام أجاب بذلك فيما إذا كان الذي عليه الدين مسلماً، قالا: وقد يفهم من هذه الجملة أنه إن كان دين المسترق على مسلم.. طولب به، أو على حربي.. سقط 2، قال شيخنا: وهذا مخالف لتصريح صاحب "التهذيب" ولعموم لفظ "الوسيط" وللدليل الذي قررناه، قال: والمعتمد ما قررناه.
5311 - قول "المنهاج" [ص 521]: (ولو اقترض حربي من حربي أو اشترى منه ثم أسلما أو قبلا جزية.. دام الحق) قال الرافعي: لا يخفى أنه فيما إذا كان القرض أو الثمن مالاً، بخلاف ما إذا كان خمراً أو خنزيراً 3، وذكره "الحاوي" فقال [ص 605]: (لا خمر) ومفهومهما: أنه لو أسلم أحدهما أو قبل جزية.. لا يدوم الحق، وليس كذلك فيما إذا أسلم صاحب الدين قطعًا، وفيما إذا أسلم المديون على الأظهر.
5312 - قول "المنهاج" [ص 521]: (ولو أتلف عليه فأسلما.. فلا ضمان في الأصح) هو مفهوم قول "الحاوي" [ص 605]: (دينُ عقدهما) وفيه أمور: أحدها: أن محل الخلاف: فيما إذا كان اعتقادهم ضمان ذلك المتلف، وإلا.. فلا ضمان قطعًا، ذكره شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وقال: هذا يخرج من توجيه مقابل الأصح بأنه لازم عندهم، فكأنهم ترضوا عليه.
ثانيها: لا يختص ذلك بما إذا أسلما، بل لو أسلم المتلف.. جرى الخلاف كما في "أصل الروضة" 4، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وإذا ثبت الخلاف مع إسلام المتلف.. فمع إسلام المتلف عليه أولى، وقد أطلق ذلك في "الوجيز" 5، قال شيخنا: وإن لم يسلم واحد منهما.. فلم يتعرض لها أحد من الأصحاب، والذي عندنا: أنه إن تحاكموا إلينا بعد الأمان.. جاء الخلاف، وإن لم يتحاكموا إلينا.. فلا نتعرض لهم بإلزام ولا بغيره.
ثالثها: أن تعبيره بالأصح يقتضي قوة الخلاف، وليس كذلك؛ فقد قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنه ضعيف جداً، بل لا يثبت نقله وجها، وبسط ذلك.
5313 - قول "المنهاج" [ص 522]: (والمال المأخوذ من أهل الحرب قهراً غنيمة) تقدم الكلام عليه في (قسم الفيء والغنيمة).

5314 - قوله: (وكذا ما أخذه واحدٌ أو جمعٌ من دار الحرب سرقةً على الأصح) 1 يقتضي أن الخلاف وجهان، وليس كذلك؛ فالأصح نص عليه في "الأم"، واقتضى كلامه أن مقابله أنه فيءٌ، والذي في "الروضة" وأصلها أن مقابله أنه للآخذ 2، وعبارة "المنهاج" محتملة لهما، وقد يقال: قرينة قرنه باللقطة يقتضي أنه للآخذ، وعلى هذا الوجه: لو كان المسروق حراً بالغاً عاقلاً.. فهل ينفرد به الآخذ ويرق بالأخذ أو يتخير الإمام فيه؛ قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لم أر من تعرض له.
5315 - قوله: (أو وُجد كهيئة اللقطة على الأصح) 3 فيه أمران: أحدهما: أطلق محل الخلاف، وهو مقيد بقيدين: أحدهما: ألاَّ يكون مأخوذاً بالقهر والغلبة، فإن كان كذلك.. فهو غنيمة قطعًا.
الثاني: ألَّا يكون مأخوذاً بقوة الجند، فإن أخذ بقوتهم.. لم يجيء فيه وجه باختصاصه بالآخذ، بل يكون فيئاً، صرح به الإمام والغزالي 4. ثانيهما: تصحيح أنه غنيمة، قال في "أصل الروضة": إنه الصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور 5، وليس كذلك، فلم ينص الشافعي على أنه غنيمة، وإنما نص على أنه لا يكون لمن أخذه، وذلك محتمل للغنيمة والفيء، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": والأرجح: أنه فيء.
5316 - قوله: (فإن أمكن كونه لمسلم.. وجب تعريفه) 6 فيه أمران: أحدهما: أن مقتضاه: أنه بعد التعريف يمتلكه الآخذ كقاعدة اللقطة، وليس كذلك، بل الجمهور على أنه غنيمة، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": الذي أقوله: أنه إن كان الانجلاء عنه بالإيجاف.. فغنيمة قطعا، أو بالإرهاب والإرعاب.. ففيء قطعا، فإن انتفى الأمران.. كان فيئاً على الأرجح.
ثانيهما: مقتضاه: وجوب تعريفه سنة، إلا أن يكون حقيراً كما في اللقطة، وهو ما في "أصل الروضة" عن "المهذب" و"التهذيب"، وعن الشيخ أبي حامد: يعرفه يوماً أو يومين، وعن الإمام: يكفي بلوغ الأخبار إلى الأجناد إذا لم يكن هناك مسلم سواهم، ولا ينظر إلى احتمال مرور التجار 7،

وحكاه شيخنا في "تصحيح المنهاج" عن نص "الأم" في "سير الواقدي" أنه قال: (يُعَرَّف، فإن عرفه المسلمون.. فهو لهم، وإن لم يعرفوه.. فهو مغنم) 1، قال شيخنا: فهذا هو المعتمد، وهو خارج عن قاعدة اللقطة، فتستثنى هذه الصورة من إطلاق التعريف سنة في غير الحقير.
5317 - قول "التنبيه" [ص 234]: (ويجوز أكل ما أصيب في الدار من الطعام) قيده "المنهاج" بأن يعتاد أكله عموماً 2 و"الحاوي" بما يؤكل عادة 3، للاحتراز عن الفانيذ والسكر والأدوية التي يندر الحاجة إليها؛ فإنه إن احتاج إليها مريض ممن شهد الوقعة.. أخذ ما يحتاج إليه بالقيمة، قال الرافعي: وينبغي أن يراجع أمير الجيش فيه 4، ولم يفصح "التنبيه" عن الذي يجوز له ذلك، وقال في "المنهاج" [ص 522]: (وللغانمين) و"الحاوي" [ص 607]: (ويتبسط شاهد الوقعة) وظاهره تناول من له سهم ومن له رضخ، وهو ظاهر إطلاق الشافعي والأصحاب، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لكن مقتضى نص الشافعي: أن الذمي ليس له ذلك؛ حيث قيده بالمسلمين، وهو اللائق بالقواعد.
5318 - قول "المنهاج" [ص 522]: (وذبح مأكولٍ لِلَحْمِهِ) أي: فيجب رد جلده إلى المغنم إلا ما يؤكل معه، ولا يتخذ منه سِقاء ولا شِرَاكا، وهو مثل قول "التنبيه" [ص 234]: (وذبح ما يؤكل للأكل) ولذلك قال "الحاوي" [ص 608]: (ورد الجلد).
ونازع شيخنا في "تصحيح المنهاج" في إطلاق ذبح المأكول، وقال: المعتمد منعه مع تيسر السوق، إلا عند الاضطرار كما هو مقتضى السنة الصحيحة الثابتة في "صحيح البخاري" وغيره عن رافع بن خديج قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة، فأصاب الناسَ جوعٌ، فأصبنا إبلاً وغنما، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في أخريات الناس، فعجلوا فذبحوا ونصبوا القدور، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقدور فأكفئت، ثم قسم فعدل عشراً من الغنم ببعير) 5، قال: ونقله الشيخ أبو حامد عن نص الشافعي في "سير الواقدي"، وجرى عليه الشيخ أبو حامد، قال شيخنا: وقول "المنهاج" عطفاً على ما عبر فيه بالصحيح [ص 522]: (وأنه لا تجب قيمة المذبوح) يقتضي أنه لا خلاف في جواز الذبح، وإنما الخلاف في وجوب قيمة المذبوح، وهذا ضعيف.
5319 - قول "المنهاج" عطفاً على ما عبر فيه بالصحيح [ص 522]: (وأنه لا يختص الجواز

بمحتاجٍ إلى طعام وعلف) عبر عنه في "الروضة" بالأصح 1، وحكاه شيخنا في "تصحيح المنهاج" عن نص الشافعي في "الأم".
واعلم: أن الاحتياج لذلك لا بد منه، والخلاف إنما هو في أنه هل يجوز ذلك مع إمكان الاستغناء عنه بغيره؛ فعبارته ليست وافية بذلك.
5320 - قوله: (وأنه لا يجوز ذلك لمن لحق الجيش بعد الحرب والحيازة) 2 يقتضي جوازه لمن لحق بعد الحرب قبل الحيازة، وكذا تقتضيه عبارة "الروضة" 3، لكن تخصيص "الحاوي" ذلك بشاهد الوقعة يقتضي خلافه 4، ويوافقه أن الأصح: عدم استحقاقه في هذه الصورة من الغنيمة، فيحتاج على طريقة "المنهاج" إلى الفرق بين التبسط والغنيمة.
5321 - قول "الحاوي" [ص 607]: (وملك مجاناً) أي: وملك شاهد الوقعة ما يتبسط فيه مما يجوز التبسط فيه مجاناً، كذا أوضحه البارزي وغيره تبعاً لـ "التعليقة"، وهو خلاف المنقول؛ فإن الذي في الرافعي وغيره في عدة مواضع أنه يباح له الأخذ ولا يملكه 5، إلا أن يريد: أنه بعد الأخذ يصير ملكأله كما في الضيف على اختلاف فيه، ولم ير من تعرض لذلك، والله أعلم.
5322 - قول "التنبيه" [ص 234، 235]: (وإن خرجوا إلى دار الإسلام ومعهم شيء من الطعام.. ففيه قولان، أحدهما: يجب رده إلى المغنم، والثاني: لا يجب) الأظهر: الأول، وعليه مشى "الحاوي"، و"المنهاج" 6، لكن عبارته تقضي أن الخلاف وجهان، وليس كذلك، وإنما هو قولان كما في "التنبيه"، وكذا هو في "الروضة" وأصلها 7. 5323 - قول "المنهاج" [ص 522]: (وموضع التبسط دارهم، وكذا ما لم يصل عمران الإسلام في الأصح) و"الحاوي" [ص 607]: (قبل الرجوع إلى عمران الإسلام) فيه أمور: أحدها: أن محله: ما إذا كان الجهاد في دارهم، فإن كان في دار الإسلام.. جاز التبسط كما ذكره القاضي حسين، وارتضاه شيخنا في "تصحيح المنهاج".
ثانيها: يستثنى منه ما إذا لم يصل عمران الإسلام ولكن وصل لبلد كفار أهل هُدنة لا يمتنعون من متابعة من يطرقهم من المسلمين.. فقال الإمام: الظاهر وجوب الكف عن أطعمة المغنم في

دارهم؛ لكونها في قبضة الإمام، حكاه عنه في "أصل الروضة" من غير اعتراض 1. ثالثها: يستثنى من عمران الإسلام العمران الذي ليس فيه ما يحتاجون إليه من الطعام والعلف؛ فإنه لا أثر له في منع التبسط على الأصح؛ لبقاء المعنى.
5324 - قول "المنهاج" [ص 522]: (ولغانم رشيد ولو محجور عليه بفلس الإعراض عن الغنيمة قبل قسمة) فيه أمور: أحدها: أن اعتبار الرشد ليس في "المحرر"، وليس في كلام الشافعي، وقد اعتبره "الحاوي" أيضاً تبعاً لقول الإمام: في صحة إعراض السفيه تردد 2، ولعل الظاهر المنع، فلو فك حجره قبل القسمة.. صح إعراضه، وقد حكاه عنه في "الروضة" وأصلها، وأقره 3، وإنما فرعه الإمام على أنه يملك لمجرد الاغتنام؛ فإنه قال بعد كلامه المتقدم: وإن قلنا: لا ملك للغانم.. فقد ينقدح عليه تردد؛ بأن حقه من المغنم هل يسقط بالإعراض 4؟ وصرح به في "البسيط" فقال: والسفيه يلزم حقه على قولنا: يملك، ولا يسقط بالإعراض إلا على قولنا: إنه لا يملك.
انتهى.
وسيأتي أن الأصح: أنه لا يملك إلا بالقسمة؛ فيكون الأصح: صحة إعراضه؛ ولذلك لا يجب، قال - فيما إذا عفا السفيه عن القصاص وأطلق، وفرعنا على أن الواجب القود عيناً مع أنه كان يمكنه جلب المال بالعفو عنه -: وقد سوّوا بينه وبين المحجور عليه بالفلس هناك، فينبغي التسوية بينهما هنا؛ ولذلك قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إن المعتمد في المذهب: صحة إعراض السفيه قبل القسمة وقبل اختيار التملك؛ لأنه لم يملك شيئا، وإنما ثبت له حق التملك ونحن لا نلزمه بذلك، وكذا قال في "المهمات": الراجح: الجواز.
ثانيها: يستثنى منه: العبد؛ فلا يصح إعراضه، وإنما المعتبر إعراض مالكه؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 608]: (والمعرض المكلف الرشيد الحر أو السيد) ولو حذف التكليف.. لاستغني عنه بالرشد، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": يصح إعراض المكاتب، ولا يتخرج على الخلاف في تبرعاته، إلا عند من اعتبر رشد المعرض، ولو أوصى بإعتاق عبده وهو يخرج من الثلث فاستحق الرضخ.. يصح إعراضه عنه، بناء على النص أن كسبه قبل إعتاقه يكون له إذا أعتق، والمبعض إن كان بينه وبين سيده مهايأة، فالاعتبار بمن وقع الاستحقاق في نوبته بناء على الأصح،

وهو دخول الناذر في المهايأة، وإلا.. فيصح إعراضه عن المختص به دون المختص بالمالك، قال شيخنا: ولم أر في كلامهم التعرض لشيء من ذلك.
ثالثها: كان ينبغي أن يقول: (قبل قسمة واختيار بملك) كما عبر به "الحاوي" 1. رابعها: لا يجوز جر قوله: (ولو محجور) على أنه صفة لغانم، بل هو منصوب بـ (كان) المحذوفة بعد لو، ورفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف بعيد.
قول "المنهاج" [ص 522]: (والأصح: جوازه بعد فرز الخمس) يقتضي أن الخلاف وجهان، وليس كذلك؛ فالمصحح منصوص، ومقابله خرّجه ابن سريج عليه كما في "الروضة" وأصلها 2. 5325 - قوله: (وجوازه لجميعهم) 3 وهو ظاهر إطلاق "الحاوي" 4، نازع فيه شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وقال: الصحيح عندنا: أنهم إن أعرضوا عنه دفعة واحدة.. لم يصح، وإن أعرضوا على الترتيب.. صح الإعراض، إلى أن يبقى واحد، فتستقر الأخماس الأربعة عليه، وليس له أن يعرض عنها، وفي "النهاية": أن الخلاف في إعراض السالب كالخلاف في إعراض جميع الغانمين 5، وسيأتي تصحيح أنه لا يصح إعراض السالب.
5326 - قول "الحاوي" [ص 608]: (لا كل ذوي القربى) يقتضي صحة إعراض بعضهم، وهو مقتضى تعبير "الوجيز" بلفظ الجميع 6، وبه صرح البارزي تبعًا لـ "التعليقة"، وليس كذلك، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنه ليس بمعتمد، ولا فرق بين إعراض جميعهم وبعضهم؛ لأنهم يستحقونه بلا عمل؛ فاشبه الإرث، وقول "المنهاج" [ص 522]: (وبطلانه من ذوي القربى) يحتمل أن يريد: من كلهم؛ فيكون كـ"الحاوي"، وأن يريد: الجنس؛ فيتناول صدوره من بعضهم.
5327 - قول "المنهاج" [ص 522]: (والمعرض كمن لم يحضر) و، "الحاوي" [ص 608]: (فُرض عدماً) يقتضي أن حصته لبقية الغانمين، لكن قال في "أصل الروضة" بعد تعبيره بمثل ذلك: وضم نصيبه إلى المغنم 7، وذلك يقتضي أن خمسه لأهل الخمس، وأربعة أخماسه لبقية

الغانمين، وهو موافق لقول الرافعي: المراد بالباقين: باقي المستحقين، لا باقي الغانمين 1، وصار آخر كلام "الروضة" - وهو قوله: وضم نصيبه إلى المغنم - مخالفاً لأوله، وهو قوله: قدر وكانه لم يحضر، والذي في "المنهاج" هو المعتمد، وحكاه شيخنا في "تصحيح المنهاج" عن "النهاية" 2، لكنه عبر بعد ذلك بعبارة أوقعت الرافعي في عبارته المتقدمة، وليست مأخوذة على ظاهرها.
5328 - قول "التنبيه" [ص 235]: (ومتى يملك ذلك؛ فيه قولان، أحدهما: أنه بانقضاء الحرب، والثاني: بانقضاء الحرب وحيازة المال) قال في "المنهاج" [ص 522]: (ولا تملك إلا بقسمة، ولهم التملك) وأوضحه في "الروضة" بقوله: لكن لهم أن يتملكوا بين الحيازة والقسمة 3، وذلك يقتضي حصول الملك بأحد الأمرين؛ ولذلك عبر في "تصحيح التنبيه" بأن الأصح: أنها لا تملك إلا بالقسمة أو اختيار التملك 4، وعبارة "الحاوي" [ص 608]: (ولا ملك) أي: قبل القسمة، وعبارة "المحرر" و"الشرح": ولكن يملكون إن تملكوا 5، ومعناها: أنه يثبت لهم حق التملك، فحولها في "الروضة" إلى ما حكيته.
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وليس هذا مراد صاحب هذا الوجه؛ فإنه يقول: لا ملك إلا بالقسمة، وفرف بين ثبوت حق التملك وبين أن لهم أن يتملكوا، وتعبير "المنهاج" يحتمل أن يوافق ما في "الروضة"، فلا يستقيم وأن يريد به: أن لهم حق التملك.. فهو صحيح، ثم قال في لا أصل الروضة": واعلم أن في كلام الأصحاب تصريحا بأن الغانمين وإن لم يملكوا الغنيمة؛ فمن قال منهم: اخترت ملك نصيبي.. ملكه؛ فإذت الاعتبار باختيار التملك لا بالقسمة، وإنما تعتبر القسمة؛ لتضمنها اختيار التملك، ثم ذكر بعد ذلك: أن للإمام أن يقسم الغنيمة قسمة تحكم، فيخص بعضهم ببعض الأنواع وببعض الأعيان، وحينئذ.. فقولنا: يملك بالقسمة معناه: في غالب الأمر، وهو إذا رضي الغانم بالقسمة أو قبل ما عينه له الإمام، فأما إذا رد.. فينبغي أن يصح رده، وذكر فيه البغوي خلافاً، فقال: إذا أفرز الإمام الخمس وأفرز نصيب كل واحد منهم، أو أفرز لكل طائفة شيئاً معلوماً.. فلا يملكونه قبل اختيار التملك على الأصح، حتى لو ترك بعضهم حقه.. صُرف إلى الباقين 6.

قال في "المهمات": نص الشافعي وجماعة على أنهم يملكون أيضاً بإفراز الإمام مع قبضه لهم، وكذا بدون القبض مع حضورهم، وحكاه عنهم في (الزكاة) من "الكفاية".
5329 - قول "المنهاج" [ص 522]: (وقيل: يملكون) أي: قبل القسمة وبعد الحيازة.
5330 - قوله: (وقيل: إن سلمت إلى القسمة.. بأن ملكهم، وإلا.. فلا) 1 قد يفهم أن كلاً منهم يملك حصته على التعيين، وهو ضعيف كما في "أصل الروضة" بعد حكايته عن الإمام: أنهم إذا اقتسموا.. بأن أنهم ملكوا الغنيمة ملكاً مشاعا، ثم بالقسمة تميزت الحصص 2. قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": والتحقيق عندنا: أنهم إذا اقتسموا باختيارهم.. بأن أنهم ملكوا الغنيمة ملكا مبهما، ثم بالقسمة ينزل الملك على ذلك المعين.
5331 - قوله: (ويملك العقار بالاستيلاء كالمنقول) 3 قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنه ليس بمعتمد؛ ففي ملكهم العقار الأوجه السابقة، وقوله: (كالمنقول) كلام متهافت؛ لأن المنقول لا يملك بالاستيلاء، بل فيه الأوجه، وهي جارية في العقار؛ ولو قال: (ويملك العقار بما يملك به المنقول).. لكان وافياً بالمقصود.
5332 - قول "الحاوي" [ص 609]: (ولاَ حَدَّ إن وطئ - أي: بعض الغانمين - ويجب كل المهر) محل إيجاب كل المهر: إذا لم ينحصر الغانمون ولم يفرز الخمس، فإن انحصروا.. سقطت حصة الواطئ، وغرم حصة الخمس وحصة غيره من الغانمين، وإن أفرز الإمام الخمس وعين لكل طائفة شيئاً وكانت الجارية معينة لجماعة مخصوصين فوطئها أحدهم قبل اختيارهم تملكها.. غرم حصة غيره من الغانمين لا الخمس، وإن كان بعد اختيارهم التملك.. فهو كوطء الجارية المشتركة، فيغرم قسط شركائه.
5333 - قوله: (والولد حر نسيب) 4 هو ما صححه الرافعي في "الشرح الصغير"، واقتضاه كلامه في "الكبير" 5، وقيل: إن كان معسراً.. فالحر منه قدر حصته، والباقي رقيق، وهو موافق لما ذكره "الحاوي" في النكاح في وطء الأب جارية الابن 6. 5334 - قوله: (ونفذ إيلاد نصيبه) 7 المذهب في "أصل الروضة": أنه لا ينفذ موسراً كان أو

معسراً، لكن لو ملكها بسهمه أو بسبب آخر.. فالأظهر: نفوذه 1، وفي "المهمات": أنه انعكس ذلك على صاحب "الروضة"، والذي في الرافعي ترجيح نفوذه 2، وبتقدير عدم النفوذ في الحال.. فهل يثبت إذا ملكها بعد ذلك؛ لا ترجيح فيها في الرافعي هنا، والصحيح في نظائره: عدم النفوذ، فوهم في "الروضة" في الموضعين.
5335 - قوله في آخر (قسم الغنيمة): (والكلاب قُسِمت عدداً، وإن لم يمكن.. أُقرع) 3 المراد: الكلاب المنتفع بها، ومحل قسمتها: عند المشاححة، فلو أرادها بعضهم ولم ينازع.. أعطيها، وقد صرح بذلك "المنهاج" فقال [ص 522]: (ولو كان فيها كلبٌ أو كلابٌ تنفع وأراده بعضهم ولم يُنازع.. أعطيه، وإلا.. قسمت إن أمكن، وإلا.. أقرع) ولم يبين كيفية قسمتها، وصرح "الحاوي" بأنه بالعدد، وهو المنقول، قال الرافعي: وقد مر في (الوصية) أنه يعتبر قيمتها عند من يرى لها قيمة وينظر إلى منافعها، فيمكن أن يقال بمثله هنا 4. والمراد: أرادها بعض الغانمين أو أهل الخمس كما هو مصرح به في "المحرر" و"الروضة" وأصلها 5، ولكن نص الشافعي على خلافه، فقال في "الأم" في "سير الواقدي": (وما أصيب من الكلاب.. فهو مغنم إن أراده أحد لصيد أو ماشية أو زرع، وإن لم يكن من الجيش من يريده لذلك.. لم يكن لهم حبسه؛ لأن من اقتناه لغير هذا.. كان آثماً، وإنما رأيت لصاحب الجيش أن يخرجه ويعطيه أهل الأخماس من الفقراء والمساكين ومن ذُكر معهم إن أراده أحد منهم لزرع أو ماشية أو صيد، فإن لم يرده.. قتله أو خلاه) 6 حكاه شيخنا في "تصحيح المنهاج" وقال: الأرجح: ما أطلقه الشافعي وقدماء العراقيين من تفويض ذلك إلى رأي الإمام؛ يخص به من شاء من الغانمين لما يظهر له، فإن لم يُرِدْه أحد من الغانمين.. أعطاه لبعض أهل الخمس، فإن لم يُرِدْه أحد منهم.. خلاه أو قتله، وليس لأهل الغنيمة في ذلك نزاع، والأمر مفوض إلى رأي الإمام.
5336 - قول "التنبيه" [ص 240، 241]: (أرض السواد: ما بين حديثة الموصل إلى عبَّادان طولاً، وما بين القادسية إلى حلوان عرضاً) قال الرافعي: كذا أطلقه مطلقون، وفيه تساهل؛ لأن أرض البصرة كانت سبخة أحياها عثمان بن أبي العاص وعتبة بن غزوان بعد فتح العراق، وهي

داخلة في هذا الحد، فلا بد من استثنائها 1، وقد استثناها البغوي وغيره 2، وفي إطلاقه تساهل أيضاً، والثابت وعبر عنه في "الروضة" بالصحيح: ما أورده صاحب "المهذب" وغيره: أن البصرة ليس لها حكم السواد إلا في موضع من شرقي دجلتها يسمى الفرات، وموضع من غربي دجلتها يسمى نهر الصراة 3، ولم يذكر ذلك في "المحرر" فاستدركه عليه "المنهاج" فقال [ص 523]: (الصحيح: أن البصرة وإن كانت داخلة في حد السواد.. فليس لها حكمه إلا في موضع غري دجلتها وموضع شرقيها) وعبر في "الروضة" بعذيب القادسية 4، وكذا عبر به الماوردي والروياني 5، وهو مخالف لتعبير "التنبيه" و"المنهاج" وغيرهما بالقادسية، وفي "الشامل": أنه في العرض من منقطع الجبال بحلوان إلى طرف القادسية المتصل بالعذيب من أرض العرب، ومن تخوم الموصل إلى ساحل البحر ببلاد عبَّادان من شرقي دجلة.
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": ومن قيد.. فكلامه مقدم على من أطلق؛ لزيادة العلم، قال: وأغرب أبو الفرج الزاز فقال: حده من القادسية إلى حلوان طولاً، ومن تكريت إلى أهواز عرضا، وفي "الاستذكار" للدارمي: من القادسية إلى عقبة حلوان، ومن الموصل إلى الخشبات، وليست الأهواز منها، وفي "الشامل" لابن الصباغ إدخال شرقي دجلة في حد السواد دون غربيها الذي يلي البصرة، وتعبير "المنهاج" بسواد العراق يريد به: سواد كسرى، ولكنه اشتهر بسواد العراق، وسواد كسرى أزيد منه، والعراق أقصر من السواد بخمسه، والسواد أطول من العراق بربعه؛ لأن جملة سواد العراق بالتكسير عشرة آلاف فرسخ، وسواد كسرى اثنا عشر ألف فرسخ وخمس مئة فرسخ، فزاد سواد كسرى بخمس نفسه، ونقص سواد العراق ربع نفسه، ذكره الماوردي 6. 5337 - قول "المنهاج" [ص 522، 523]: (والصحيح: أن سواد العراق فُتح عنوة وقُسِّم ثم بذلوه وَوُقِفَ على المسلمين) يقتضي أنه وجه، وليس كذلك، بل هو نص الشافعي؛ ولهذا قال "التنبيه" [ص 241]: (وهي وقف على المسلمين على المنصوص) وظاهر قول "المنهاج": (وقسم ثم بذلوه) دخول أهل الخمس في ذلك، وفي قول "المحرر": (بين الغانمين) 7 إخراج

أهل الخمس، وفيهما إشكال، أما الأول؛ فلأن في مستحقي الخمس من لا يمكن البذل منه، وأما الثاني: فكيف يمنع أهل الخمس منه بغير طريق شرعي، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وعندي أن عمر رضي الله عنه استنزل الغانمين عن الأخماس الأربعة وفعل في أربعة أخماس الخمس، وهي ما عدا سهم المصالح طريقة شرعية أخرجتهم عن حقهم في الأرض، ثم صيّر الكل لمصالح المسلمين، ولم يحتج أن يخرج الخمس عن المصالح بطريق شرعي ثم يعيده إليها، لكن لما صدر منه الوقف.. احتمل أن يكون على أربعة وعشرين خمسًا، واحتمل أن يكون على الكل، وهو الظاهر، فإن كان سهم المصالح لا يصير وقفًا إلا بالإيقاف.. فقد فعله، وإلا.. فإطلاق وقف الكل فيه اختيار في سهم المصالح وإنشاء فيما عداه، قال: ولم أر من حرر ذلك على هذا الوجه.
5338 - قول "الحاوي" [ص 609]: (أوجر مؤبدًا للحاجة) أحسن من قول "المحرر": (أوجرت من ساكنيها) 1 و"التنبيه" [ص 241]: (وما يؤخذ منها باسم الخراج أجرة) و"المنهاج": (وخراجه أجرة تؤدَّى كل سنة) لإفصاحه بالمقصود؛ لصدق الأجرة على أجرة المثل، والمنقول: أنها مسماة، ولكن استشكله شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وقال: المعتمد عندنا في ذلك: أنه لم يصح عن عمر رضي الله عنه أنه أوقع [إجارة] 2 على ما ذكروه ولا بيعاَ، وإنما أقرها في أيدي أهلها بالخراج المضروب وهو أجرة، وليس ذلك بإجارة لازمة على التأبيد.
5339 - قول "المنهاج" عطفًا على ما عبر فيه بالصحيح [ص 523]: (وأن ما في السواد من الدور والمساكن يجوز بيعه) وهو مفهوم قول "التنبيه" [ص 240]: (أرض السواد) و"الحاوي" [ص 609]: (أرض العراق) وإن أورده النووي في "تصحيحه" على "التنبيه" 3 نازع فيه شيخنا في "تصحيح المنهاج" وقال: الذي نقطع به على مذهب الشافعي الذي نص عليه في "سير الواقدي": أن الدور والمساكن التي وقع الفتح وهي موجودة.. لا يجوز بيعها؛ فهي من الغنيمة، ويجوز بيع ما علم إنشاء عمارته بعده، وأما المشكوك فيه.. فظاهر اليد يدل على الملك، وكون الأصل أنها موجودة عند الفتح يرده أنه استصحاب معكوس، وهو ضعيف جداً.
5340 - قوله: (وفتحت مكة صلحًا، فدورها وأرضها المحياة ملك يباع) 4 أورد عليه شيخنا في "تصحيحه" أموراً:

أحدها: أن مقتضاه: صدور عقد صلح، وليس كذلك، وانما دخلها عليه الصلاة والسلام قهراً بغير قتال، إلا في أسفلها.. فإنه وقع فيه بعض قتال، ولم يكن له أثر في فتحها؛ لحصوله من غير احتياج إليه، وفي " مختصر البويطي " عن الشافعي رضي الله عنه: أنه عليه الصلاة والسلام دخلها عنوة، وقد كان تقدم منه بمر الظهران لأبي سفيان: من دخل داره.. فهو آمن، ومن أغلق بابه.. فهو آمن، ومن ألقى سلاحه.. فهو آمن، ومن أعطى أماناً على نفسه.. فهو آمن على نفسه وماله، واحتج بقوله عليه الصلاة والسلام: "وهل ترك لنا عقيل من رباع" (1) لأنه لا يورث إلا ما كان الميت مالكًا له، قال شيخنا: وللصلح حالتان: إحداهما: أن يكون على أن تكون البلد للمسلمين، وتقر في أيدي أهليها بخراج يؤدونه.
والثانية: أن يكون البلد لهم يؤدون خراجه، قال: ولم يتفق شيء من الحالتين في مكة، ولو اتفقت الحالة الأولى.. كانت الأرض والدور وقفاً؛ إما بنفس الاستيلاء على الأصح عندنا، وإما بوقف الإمام على ما رجحه الرافعي والنووي (2)، فيؤدي ذلك إلى أنه لا تباع أرضها ولا دورها، وهو خلاف مذهب الشافعي، وأيضًا فالمشركون لا يضرب عليهم جزية، فلا يقر في أيديهم أرض بالخراج، ولكن من أسلم قبل الفتح.. فداره على ملكه لم تخرج عنه باستيلاء الكفار، ومن أسلم بعده.. أجرى عليه حكم الأمان.
ثانيها: أن تعبيره بالفاء يقتضي ترتب كونها ملكا على الصلح، وليس كذلك، بل مقتضى الصلح: أنها وقف؛ لأنها فيءٌ، وهو وقف إما بنفس حصوله، واما بإيقافه كما تقدم.
ثالثها: ومقتضاه: أنها على العنوة لا تباع، وليس كذلك؛ لأن المفتوح عنوة غنيمة مخمسة، والصواب: أنه عليه الصلاة والسلام أقرَّ الدّورَ بِيَدِ أهلها على الملك الذي كانوا عليه، ولا نظر في ذلك إلى أنها فتحت صلحاً أو عنوة، ولا يرد شيء من ذلك على قول "الحاوي" [ص 609]: (ومكة ملك) لأن ذلك ثابت لها على كل حال، وهو المقصود، وليس متفرعا على الصلح ولا على عنوة، والله أعلم.

فصل [في الأمان]

5341 - قول "التنبيه" [ص 233]: (ومن أمنه مسلم بالغ عاقل مختار.. حرم قتله) فيه أمور: أحدها: أن محله أمان الآحاد في ما إذا كان المؤمّن واحدًا أو عددًا محصوراً كما صرح به12

جارٍ التحميل