تحرير الفتاوىصفحات 493-521

كتاب الزّكاة

صفحات 493-521

1175 - قول "التَّنبيه" [ص 60]: (والأفضل: أن تُخْرَجَ قبل صلاة العيد) مثل قول "الحاوي" [ص 223]: (وقبل الصَّلاة أولى)، وهو أحسن من قول "المنهاج" [ص 172]: (ويسن ألا تؤخر عن صلاته) إذ ليس فيه تقديمها على الصَّلاة، بل هو صادق بإخراجها مع الصَّلاة، وقال السبكي: لو قيل بوجوب إخراجها قبل الصَّلاة.. لم يبعد.
انتهى.
وقد يوهم كلامهم تسوية ليلة العيد ويومه، وليس كذلك، بل يومه أولى، وهنا بحثان: أحدهما: الظاهر: أن المراد بإخراجها قبل الصَّلاة: تعجيلها، حتَّى لو آخر الصَّلاة إلى قريب الزَّوال، وأخرج قُبيْلها.. فاتته الفضيلة.
ثانيهما: يمكن أن يقال باستحباب تأخيرها لانتظار قريبٍ أو جابى ما لم يخرج الوقت، على قياس زكاة المال.
1176 - قولهم - وهو في "المنهاج" في (باب من تلزمه الزكاة) -: (ويجوز إخراجها في جميع شهر رمضان) 1 استُثنِيَ منه: المحجور عليه، فلا يخرجها الولي من ماله إلى ليلة العيد، فلو عجلها الولي من مال نفسه.. جاز.
1177 - قول "المنهاج" [ص 172]: (ولا فطرة على كافر)، وقول "التَّنبيه" [ص 60]: (تجب على كل حر مسلم) فيه أمران: أحدهما: أن المراد: لا مطالبة في الدُّنيا، وأمَّا العقوبة في الآخرة: فعلى الخلاف في تكليفه بالفروع، قاله النووي 2، وقال السبكي: يحتمل أن هذا التكليف الخاص لم يشملهم؛ لقوله في الحديث: "من المسلمين" 3. ثانيهما: هذا في الكافر الأصلي، أما المرتد: ففي "المهذب" وغيره أنَّها على أقوال ملكه 4، وحكاه في "شرح المهذب" عن الأصحاب، ويرد على "التَّنبيه": وجوبها على الكافر لممونه المسلم بناءً على أن الوجوب يلاقي المؤدى عنه أولاً ثم يتحمله المؤدي، وهو الأصح، وهذا وارد على "التَّنبيه" في موضعين: أحدهما: اشتراطه الإسلام فيمن تجب عليه.
ثانيهما: قوله: (ومن وجبت عليه فطرته.. وجبت عليه فطرة كل من تلزمه نفقته إذا كانوا

مسلمين) 1، فإن مفهومه: أن من لا تجب عليه فطرة نفسه.. لا تجب عليه فطرة ممونه المسلم، وهذا مفهوم من اشتراط "الحاوي" الإسلام في المؤدى عنه دون المؤدي 2، وصرح به "المنهاج" في قوله [ص 172]: (إلَّا في عبده وقريبه المسلم في الأصح) وفيه أمران: أحدهما: صواب العبارة: أن يقول: (المسلمَيْن) - بالتثنية -، أو يعطف القريب بـ (أو).
ثانيهما: يرد على الحصر: زوجته التي أسلمت وغربت الشَّمس، وهو متخلّف، وأوجبنا نفقة مدة التخلف، كما هو الأصح.. فإن الأصح: أنَّه يجب عليه فطرتها سواء أسلم أو أصر.
ويرد على "التَّنبيه" أيضاً في اشتراطه الحرية: المبعض؛ فإنه يلزمه بقسط حريته، وقد صرح به "المنهاج" و "الحاوي" 3، فإن كان بينهما مهايأةٌ.. فالأصح: لزوم جميعها لمن غربت الشّمس في نوبته بناء على دخول المؤن النادرة في المهايأة، وهو الأصح، وقد ذكره "الحاوي" 4. 1178 - قول "المنهاج" [ص 172]: (وفي المكاتب وجه) أي: تلزمه فطرة نفسه وزوجته وعبده في كسبه، وعلى الأصح فهل تلزم سيده؟ المذهب: لا، وفي القديم: تلزمه، وهذا في المكاتب كتابة صحيحة، أما المكاتب كتابة فاسدة.. ففطرته على سيده، كما جزم به الرافعي في (الكتابة) 5. 1179 - قول "التَّنبيه" [ص 60]: (فضل عن قوته وقوت من تلزمه نفقته ما يؤدي في الفطرة) فيه أمران: أحدهما: المراد: كونه فضل عن قوته وقوت ممونه ليلة العيد ويومه، وقد صرح به "المنهاج" و "الحاوي" 6، وكلامهم يقتضي عدم وجوبها عليه بقدرته على كسبها، وبه صرح الرافعي في الكلام على الاستطاعة في الحج 7. ثانيهما: يشترط أيضاً: كونه فاضلاً عن مسكن وخادم يحتاج إليه في الأصح، وقد ذكره "المنهاج" و "الحاوي" 8، ويعتبر كونهما لائقين به، فلو كانا نفيسين يمكن إبدالهما بلائق به،

ويخرج التفاوت.. لزمه ذلك، كما ذكره الرافعي في (الحج)، قال: لكن في لزوم بيعهما إذا كانا مألوفين وجهان في الكفارة، أصحهما: لا يجب، ولا بد من جريانهما هنا 1. قال النووي: الفرق ظاهر؛ فإن للكفارة بدلًا 2، وكذا فرق في "الشَّرح الصَّغير".
ويشترط أيضاً كونه فاضلاً عن دَست ثوب يليق به، وقد ذكره "الحاوي" 3، وفي "تصحيح" شيخنا الإسنوي: أنَّه في "المنهاج" أيضاً 4، وليس كذلك.
وعن دين إن كان عليه، كما نقل الإمام الاتفاق عليه، ومشى عليه "الحاوي" 5، وحكاه النووي في "نكته" عن الأصحاب، لكن الأصح في "الشَّرح الصَّغير": أنَّه لا يشترط ذلك، وهو مقتضى كلامه في "الكبير".
ويعتبر أيضاً كونه فاضلاً عن كسوة من تلزمه نفقتهم.
1180 - قول "التَّنبيه" [ص 60]: (ومن وجبت عليه فطرته.. وجبت عليه فطرة كل من تلزمه نفقته إذا كانوا مسلمين ووجد ما يؤدي عنهم) فيه أمور: أحدها: يستثنى منه مسائل: الأولى: زوجة الأب ومستولدته في الأصح، وقد ذكرهما "الحاوي" 6، واقتصر "المنهاج" على زوجة الأب 7، وصحح السبكي تبعًا للغزالي: وجوب فطرتهما على الابن 8، وعلى الأوَّل.. فقال شيخنا الإمام البلقيني في "حواشيه": القياس: أنَّه لا تجب على الحرة فطرة نفسها، ولا على السيد فطرة المستولدة، قال: ولم أر تعرضاً لذلك.
الثَّانية: عبد بيت المال تجب نفقته لا محالة، ولا تجب فطرته في الأصح.
الثَّالثة: الموقوف على جهة أو معين على الأصح أيضاً، وهما واردان على "المنهاج" و "الحاوي".
ثانيها: مفهومه ومفهوم "المنهاج" و "الحاوي": أن من لا تجب نفقته.. لا تجب فطرته، ويستثنى منه مسائل: الأولى: الموصى بمنفعته إذا قلنا: أن النفقة على مالك المنفعة.. ففي "الشَّرح الصَّغير" تبعاً

للبغوي وغيره: أن الفطرة على مالك الرقبة 1، لكن رجح النووي: أنَّها على الخلاف في (النفقة) 2. الثانية: المكاتب كتابة فاسدة تجب فطرته على سيده، كما تقدم عن الرافعي 3، ولا تجب نفقته، كما حكاه الرافعي عن الإمام والغزالي، وأقرهما عليه 4. الثَّالثة: لو كان له طفل يملك قوت يومه وليلته فقط.. فلا نفقة له، وفي وجه: إن فطرته على الأب، لكن الأصح في "الشَّرح الصَّغير": المنع؛ كالنفقة.
ثالثها: يرد عليه: وجوبها على الكافر لممونه المسلم، كما تقدم، وفات "المنهاج" أن يقول: (إذا وجد ما يؤدي عنه)، لكنَّه استغنى عنه باشتراطه اليسار فيما تقدم، وأفهم قول "التَّنبيه" [ص 60]: (ووجد ما يؤدي عنهم) أنَّه لا تجب عليه فطرة العبد الذِّي لا مال له غيره، والأصح: أنَّه يجب عليه بيع جزء منه لفطرته إن لم يحتج لخدمته، وقد ذكره "الحاوي" 5. 1181 - قول "التَّنبيه" [ص 60]: (وإن زوج أمته بعبد أو حر معسر، أو تزوجت موسرة بحر معسر.. ففيه قولان، أحدهما: تجب على السيد فطرة الأمة، وعلى الحرة فطرة نفسها، والثَّاني: لا تجب، وقيل: تجب على السيد ولا تجب على الحرة، وهو ظاهر المنصوص) صحح الرافعي: طريقة القولين، وصحح منهما: الوجوب عليهما 6، وعليه مشى في "المحرر" و "الحاوي" 7، وصحح النووي: طريقة القطع بالوجوب على سيد الأمة دون الحرة 8، وعليه مشى "المنهاج" 9، ولو عبر بـ (المذهب).. لكان أولى من تعبيره بالأصح.
1182 - قول "المنهاج" [ص 172]: (ولو انقطع خبر عبد.. فالمذهب: وجوب إخراج فطرته في الحال) خرج بمنقطع الخبر: غائب لم ينقطع خبره، والمذهب: وجوب فطرته أيضاً، فلا معنى لهذا التّقييد؛ ولهذا أطلق "الحاوي" في قوله [ص 223]: (وعبد أبَقَ أو فُقِد) ومحل ذلك في منقطع الخبر: ما لم تنته غيبته إلى مدة يحكم فيها بموته، فإن كان كذلك.. لم تجب فطرته، صرح به الرافعي في (الفرائض) 10.

فإن قلت: الأصح في جنس الفطرة: اعتبار بلد العبد، فإذا لم يعرف موضعه، كيف يخرج من جنس بلده؟ قلت: لعل هذه الصورة مستثناة من القاعدة، أو يخرج من قوت آخر بلد عُلم وصوله إليها، أو تُدفَع فطرته للقاضي ليخرجها؛ لأنَّ له نقل الزكاة.
1183 - قول "المنهاج" [ص 172]: (وفي قولٍ: لا شيء) كان الأحسن: أن يقول: (وقيل: قولان، ثانيهما: لا شيء)، وطريقة القولين هي التي في "المحرر" 1، وصحح في "شرح المهذب": طريقة القطع 2، وهي ظاهر عبارة "المنهاج".
1184 - قوله: (وقيل: إذا عاد) مقابل لقوله: (في الحال) 3، وهو منصوص في "الإملاء"، فلا يحسن التعبير عنه بقيل.
1185 - قول "التَّنبيه" [ص 60]: (فإن فضل بعض ما يؤدي.. فقد قيل: يلزمه، وقيل: لا يلزمه) الأصح: اللزوم، وقد ذكره "المنهاج" و "الحاوي" 4. 1186 - قول "التَّنبيه" - والعبارة له - و "الحاوي": (فإن وجد ما يؤدي عن البعض.. بدأ بمن يبدأ بنفقته) 5 يقتضي أنَّه يبدأ بعد نفسِهِ بزوجته، ثم ولده الصَّغير، ثم أمه، ثم أبيه، ثم ولده الكبير، فهذا ترتيبهم في النفقة، لكن في "المنهاج" وأصله: تقديم الأب هنا على الأم 6، وكأنه ذهول عما قدراه في النفقة، ويدل لذلك أن عبارة "الروضة" وأصلها هنا: والمذهب من الخلاف الذي ذكرناه والذي أخرناه إلى (كتاب النفقات): أنَّه يقدم نفسه، ثم زوجته، ثم ولده الصَّغير، ثم الأب، ثم الأم، ثم الولد الكبير.
انتهى 7. وقد علم أن المذكور في (النفقات) تقديم الأم على الأب، ويوافق ذلك تصريح الشافعي هنا بتقديم الأم على الأب، لكن فرق في "شرح المهذب" بين النفقة والفطرة بمراعاة الحاجة في النفقة، والشرف في الفطرة، والأب أشرف من الأم وهي أحوج منه 8. وفيه نظر؛ لتقديمهم هنا الولد الصَّغير على الأبوين، وهما أشرف منه، فدل على اعتبارهم

الحاجة في البابين، لكن قال السبكي: لم أر أحداً صحح تقديم الأم هنا، مع أنَّه يوافق الحديث في البداءة بالأم.
قلت: تقدم عن الشافعي التصريح بذلك، وأورد في "الكفاية" على قول "التَّنبيه" [ص 60]: (فإن وجد ما يؤدي عن البعض) أن ظاهره: أنَّه مع وجدان فطرة نفسه، ولا يلائم قوله: (وقيل: يقدم فطرة الزوجة على فطرة نفسه) 1 لاقتضائه أن الموجود صاع واحد؛ ولأن الشرط عنده في فطرة الغير: وجوب فطرة نفسه، وإذا وجب إخراج الصاع الواحد للزوجة.. فلا وجوب عليه لنفسه، وأجاب: بأن المراد: من صلح لوجوبه في حق نفسه في الجملة.
1187 - قول "الحاوي" [ص 224]: (ثم يتخير بغير توزيع) أي: إذا استوى جماعة في درجة؛ كزوجات وأولاد.. بدأ بمن شاء، ولا يوزع الصاع بينهم، كذا صحَّحه النووي 2، ولم يصحح الرافعي شيئًا، بل أشعر كلامه بترجيح التوزيع؛ فإنَّه قال: ويتأيد وجه التقسيط بالنفقة؛ فإنَّها توزع في مثل هذه الحالة، قال: ولم يتعرضوا للإقراع هنا، وله مجال في نظائره 3. وفي "المهمات" عن منصور التميمي صاحب "الرَّبيع" أنَّه قال في (كتاب المسافر) بعد حكايته عن الشَّافعي تقديم من شاء: قال منصور: بل يقرع بينهم، فيبدأ بمن خرجت قرعته.
1188 - قول "التَّنبيه" [ص 61]: (وأمَّا الأقط: فقد قيل: يجوز، وقيل: فيه قولان) فيه أمور: أحدها: الأصح: طريقة القولين، وأصحهما: الإجزاء، وقد ذكره "المنهاج" و "الحاوي" 4، وقال في "الروضة": ينبغي أن يقطع بجوازه؛ لصحة الحديث فيه من غير معارض 5. ثانيها: محل الخلاف: ألاَّ يكون مملحاً بملح يفسد جوهره، فإن كان كذلك.. لم يجز قطعاً، وهذا وارد على "المنهاج" و "الحاوي" أيضاً، لكنَّه مفهوم من قول "التَّنبيه" [ص 61]: (ولا يؤخذ في الفطرة حب معيب) و "المنهاج" [ص 173]: (الواجب: الحب السليم)، فإذا اشترطت السلامة في الحب.. ففي غيره أولى، وهذا عيب.
ثالثها: قد يفهم من اقتصاره هو و "المنهاج" على الأقط: عدم إجزاء الجبن الذي لم ينزع زبده واللبن، والمذهب: إجزاؤهما، وقد ذكرهما "الحاوي"، لكنَّه لم يقيد الجبن بكونه غير منزوع

الزبد 1، والخلاف جار فيمن قوته الأقط وفيمن قوته اللبن، كما في الرافعي عن البغوي 2، لكن في "شرح المهذب" تخصيص الخلاف بمن قوته الأقط 3، أي: فمن قوته اللبن.. له إخراجه قطعاً، تفريعاً على إجزاء الأقط، وصحح في " تصحيح التَّنبيه" في (الظهار): أنَّه لا يجزئ اللبن 4. 1189 - قول "التَّنبيه" [ص 61]: (وتجب الفطرة فيما يقتاته من هذه الأجناس، وقيل: من غالب قوت البلد) الثَّاني هو الأصح، وعليه مشى "الحاوي" و "المنهاج" 5، لكنَّه لم يذكر الغلبة؛ فقوله بعد ذلك: (ولو كان في بلد أقوات لا غالب فيها.. تخيّر، والأفضل أشرفها) 6، إنَّما كان يحسن لو بَيّن أولاً أن الإخراج من الغالب، وفي "الوسيط": المعتبر غالب قوت البلد وقت وجوب الفطرة لا في جميع السنة 7، وفي "الوجيز": غالب قوت البلد يوم الفطر 8، قال الرافعي: وهذا التّقييد لم أظفر به في كلام غيره 9، قال في "شرح المهذب": وهو غريب كما قال، والصَّواب: أن المراد: قوت السنة، كما سنوضحه، ثم أوضحه؛ بأن حكى عن السرخسي فيما إذا اختلف القوت باختلاف الأوقات: أنَّه إن أخرج من الأعلى.. أجزأه، أو من الأدنى.. فأصح القولين: الإجزاء؛ أيضاً 10، قال في "المهمات": وحاصله تصحيح اعتبار الغلبة في وقت من أوقات السنة، قال: وتقييد "الوسيط" ذكره في "الذخائر"، وهو القياس.
انتهى.
وقال السبكي فيما لو حصل جدب في بلد اقتضى اقتيات أهلها جميع سنتهم الشعير، وغالب قوتهم في غير تلك السنة القمح: إن الفقه ما يقتضيه أصل الغزالي، وأنَّه ينظر إلى الغالب وقت الوجوب؛ أي: فيخرج القمح في هذه الصورة، ومقتضى اعتبار قوت السنة: إخراج الشعير، والله أعلم.
وإذا فرعنا على اعتبار قوته، فكان يليق به الشعير، فأكل القمح تنعماً، أو بالعكس.. فالأصح: وجوب ما يليق به، وعبارة "التَّنبيه" و "المنهاج" قد تفهم خلافه.

1190 - قول "التَّنبيه" [ص 61]: (فإن عدل عن القوت الواجب إلى قوت أعلى منه.. جاز) الاعتبار في كونه أعلى بزيادة الاقتيات في الأصح، وقد ذكره "المنهاج" و "الحاوي" 1. 1191 - قوله: (إن عدل إلى ما دونه.. ففيه قولان) 2 مستشكل؛ فإن المقطوع به في الرافعي وغيره: أنَّه لا يجزئ ما دونه 3، وقال النووي في "التصحيح": مراده: أنَّه هل يتخير بين الأقوات، ولا يتعين قوته، ولا قوت البلد؟ قال: ولكن عبارته بعيدة عن المراد.
انتهى 4. ويؤيد هذا التأويل أن "التنبيه" لم يذكر وجه التخيير بين الأقوات أولاً، فنبه عليه آخراً، و "المنهاج" لما ذكره في الأوَّل.. جزم هنا بعدم إجزاء الأدنى 5، وقال في "الكفاية": كذا روى القولين ابن الصباغ وغيره، وحكاهما البندنيجي كذلك، والواجب قوت البلد، وقال: حاصل القول الآخر: التخيير، قال في "الكفاية": وقد نقول بالإجزاء ولا تخيير، كما لو أخرج رديء النقد عن الجيد على رأي، ويؤيده صحة ظُهر من تلزمه الجمعة على قول.
انتهى.
وفي "الحاوي" في (باب الكفارة بالطعام) تفريعاً على وجوب الإخراج من قوت نفسه: أنَّه لو أخرج ما دونه.. ففي إجزائه وجهان، أصحهما: لا يجزئ، ثم جعل حكم الفطرة كالكفارة 6، وهذا صريح في حكاية الخلاف الذي في "التنبيه"، إلَّا أنَّه حكى الخلاف وجهين، وهو في "التَّنبيه" قولان، وجعله مفرعًا على أن المعتبر قوت نفسه، وفي "التَّنبيه" أطلق.
1192 - قول "المنهاج" [ص 173] و "الحاوي" [ص 224]: (إن الشعير خير من التمر) تبعاً فيه "المحرر" و "الشَّرح الصَّغير"، وحكاه في "الكبير" عن ترجيح البغوي 7، وصححه في "شرح المهذب" أيضاً 8، وقدم الشَّيخ أبو محمَّد التمر على الشعير، وقطع به الروياني في "البحر" 9. 1193 - قول "الحاوي" [ص 224]: (من غالب طعام بلد المؤدَّى عنه) أعم وأحسن من قول "المنهاج" [ص 173]: (ولو كان عبده ببلد آخر.. فالأصح: أن الاعتبار بقوت بلد العبد).
1194 - قول "التَّنبيه" [ص 173]: (ولا حب معيب) يقول "المنهاج" [ص 173]: (الواجب الحب السليم)، واستثنى القاضي الحسين: ما إذا لم يكن له سواه، وهو يقتاته، حكاه عنه في

"الكفاية"، وأقره، ثم قال: وعلى هذا ينبغي أن يخرج من المسوّس قدراً يتحقق أنَّه يملأ الصاع من اللب بقشره لو أخرجه.
1195 - قول "المنهاج" [ص 173]: (ولو أخرج من ماله فطرة ولده الصَّغير الغني.. جاز) الجد كالأب، والمجنون كالصغير، أما الوصي والقيم: فلا يجوز ذلك لهما إلَّا بإذن القاضي، كما قاله البغوي وغيره 1. 1196 - قوله: (بخلاف الكبير) 2 قيده في "شرح المهذب" بالرشيد؛ لأنَّه لا ولاية له عليه، فلا بد من إذنه 3. 1197 - قول "التَّنبيه" [ص 61]: (وإن كان عبدٌ بين نَفْسَيْن مختلفي القوت.. فقد قيل: يخرج كل واحد منهما نصف صاع من قوته، وقيل: يخرجان من أدنى القوتين، وقيل: يخرجان من قوت البلد الذي فيه العبد) الأصح: الثالث، وعليه يدل قول "الحاوي" [ص 224]: (بلد المؤدَّى عنه) لكن صحح في "المنهاج" و "التصحيح" و "أصل الروضة" الأوَّل 4، قال شيخنا الإسنوي في "تصحيحه": وهو غير مستقيم؛ فإن المصحح في كتبه كلها أن العبرة ببلد المؤدَّى عنه.
نعم؛ إذا اعتبرنا بلد المؤدي.. ففيه خلاف، والراجح: ما قال، وقد ذكره هو في "شرح المهذب" والرافعي في "الشرحين" على الصواب، ولكن حصل له في "الروضة" ذهول عن تفريع ذكره الرافعي في آخر كلامه، ثم أخذ من "الروضة" إلى "التصحيح" وإلى "المنهاج" من زياداته.
انتهى 5. وذكر السبكي نحوه، قال: بل أقول: ولو فرعنا على أن المعتبر قوت الشخص في نفسه، وكان السيدان مختلفي القوت.. فالاعتبار بقوت العبد، وبه صرح صاحب "المرشد"، وقال: فإن كان قوت العبد مختلفاً كقوتهما.. أخرج كل واحد نصف صاع مما يقتاته، وهذه صورة حسنة يمكن تصحيح كلام المصنف بالحمل عليها، وفيها نظر؛ لأنَّه إذا اختلف قوته، ولم يكن غالب.. تخيّر، ومقتضاه: أن يتخير السيدان من غير تبعيض.
انتهى.
1198 - قول "الحاوي" [ص 224]: (وللزوجة فطرتها دون إذنه) أي: يجوز لها ذلك ولو كان موسرًا، بناءً على أنَّها وجبت عليها ثم تحملها الزوج، وكذا كل من فطرته على غيره، لو تكلف

تحصيلها باستقراض ونحوه وإخراجها.. جاز، بناءً على ما ذكرناه، قال شيخنا الإمام البلقيني في "حواشيه": ويخرج من هذا أن الزوجة مستقلة بإخراج فطرة نفسها، وهي التي تنوي حينئذ، وقضية هذا أن الزوج يحتاج في إخراج فطرتها إلى إذنها، ولم نر من قال به، وهو قوي، ولا سيما فيما إذا كان الزوج كافراً أصلياً أو مرتداً، وكان بعد الدخول؛ فإن النفقة تجب لها في مدة العدة على المذهب، فإذا وجبت زكاة الفطر تبعاً للنفقة.. فإنه يقوي استقلالها؛ لأنها من أهل النية، وكذلك إذا كان القريب مسلمًا حيث تجب نفقته على الكافر.
انتهى.

باب من تلزمه الزّكاة، وما تجب فيه

1199 - قولهم: (شرط وجوب الزكاة: إسلام) 1 أي: شرط وجوب إخراجها، كما صرح به القاضي حسين والمتولي والعمراني وآخرون 2، ولذلك قال الرافعي: الكافر الأصلي غير مُلزَم بالإخراج لا في الحال ولا بعد الإسلام.
انتهى 3. وأما العقوبة في الآخرة: فعلى الخلاف في تكليفه بالفروع، والأصح: نعم، لكن يشكل على ذلك جمعهم الحرية مع الإسلام؛ فإن الحرية شرط في أصل الخطاب، واحترز "المنهاج" بتقييده بزكاة المال عن زكاة الفطر؛ فإنها قد تلزم الكافر إذا كانت عن غيره كما تقدم.
1200 - قول "التنبيه" [ص 55]: (وإن كان مرتداً.. ففيه ثلاثة أقوال، أحدها: تجب، والثاني: لا تجب، والثالث: إن رجع إلى الإسلام.. وجبت، وإن لم يرجع.. لم تجب) الأصح: الثالث، وعليه مشى "الحاوي" 4، وأشار إليه "المنهاج" بقوله [ص 174]: (وتلزم مرتدًا إن أبقينا ملكه) وقد يفهم عدم اللزوم إن أزلنا ملكه أو وقفنا، وليس مراده، وإنما مراده: أنها موقوفة إن قلنا بوقف ملكه، وهو الصحيح فيهما، وأورد على "التنبيه": أنه تردد كلامه في الردة في إثبات قول زوال الملك، وجزم بإثباته هنا.
1201 - قول "التنبيه" [ص 55]: (لا تجب الزكاة إلا على حر) يرد عليه: المبعّض، فإذا ملك ببعضه الحر نصاباً.. وجبت زكاته في الأصح، وقد ذكره "الحاوي" و"المنهاج"، وعبر بالأصح 5، وهو أولى من تعبير "الروضة" بالصحيح 6. فإن مقابله قد قطع به أكثر العراقيين، أو كثير منهم، وجماعة من الخراسانيين، كما في "شرح المهذب" 7. وأجيب عن "التنبيه": بأن الوجوب لم يلاق إلا البعض الحر، فلم تجب إلا على حر، ويؤيده قول "الحاوي" [ص 214]: (حر ولو بعضاً).

تنبيهٌ [في اشتراط تمام الملك]

اقتصر "المنهاج" على اشتراطه الإسلام والحرية 1، وزاد "التنبيه": تمام الملك، وقال بعد ذلك: (وما لم يتم ملكه عليه؛ كالدين الذي على المكاتب.. لا تجب الزكاة فيه) 2، وقال النشائي: إذا تأملت ما أورده في "الكفاية".. لم تجد لما أورده مثالاً مشاركاً مثله، وقد قال في أثناء كلامه: المتفق عليه ما مثل به الشيخ فقط.
انتهى 3. وقد ذكره "المنهاج" بعد ذلك في قوله [ص 174]: (أو غير لازم كمال الكتابة)، وتعبير "التنبيه" بالدين الذي على المكاتب أعم من تعبير "المنهاج" بمال الكتابة، وضم "الحاوي" إلى الإسلام والحرية شرطين: أحدهما: كونه معينًا، فلا زكاة في الموقوف على جهة عامة، وتجب في الموقوف على معين.
ثانيهما: كونه متيقن الوجود، فلا زكاة في مال الحمل 4. وفي "الكفاية": إن "التنبيه" أخرجه بقوله: (تام الملك)، بل صرح "التنبيه" في (الوقف) بأنه لا يملك بقوله: (وإن وقف على من لا يملك الغلة؛ كالعبد والحمل) 5، ويمكن أن يحترز عنه "المنهاج" بقوله [ص 174]: (وتجب في مال صبي).
1202 - قول "التنبيه" [ص 55]: (وفي المال المغصوب والضال والدين الذي على مماطل قولان، أصحهما: أنه تجب فيه الزكاة) قال صاحب "المذاكرة": لعل المراد بالمماطل: الممتنع من إيفاء الدين ولم تكن عليه بينة ولا القاضي يعلم به.
انتهى.
فيكون المراد بالممطول به: المجحود، ويوافقه أن "المنهاج" ذكره بدله 6، لكن عبارة "الروضة": إذا تعذر الاستيفاء لإعسار من عليه، أو جحوده ولا بينة، أو مطله، أو غيبته.. فهو كالمغصوب تجب الزكاة على المذهب.
انتهى 7. فجعل المطل غير الجحود، وهو الظاهر المتعين، ويكون مرادهما: الدين المتعذر الاستيفاء،

فذكر "التنبيه" نوعاً منه، و"المنهاج" نوعا آخر، كل ذلك على سبيل المثال، وفي "نكت" النشائي: إن كلام "التنبيه" ظاهر في أن القولين في المماطل هما القولان في المغصوب، وليس كذلك؛ فإن العراقيين وغيرهم نسبوا الوجوب في المغصوب للجديد، وكذا في "شرح المهذب"، والمنع للقديم، وأما الدين.. فالقديم: منع الزكاة فيه مطلقاً.
نعم؛ إذا قلنا بالجديد.. جاء في الدين على المماطل القولان.
انتهى 1. وأسقط "المنهاج" مما في "المحرر" المسروق؛ كأنه رآه داخلًا في الضال، وفي معناه: ما إذا وقع في بحر، قال في "المنهاج" [ص 174]: (ولا يجب دفعها حتى يعود)، وصرح به "الحاوي" أيضًا 2. 1203 - قول "المنهاج" [ص 174]: (وتجب في الحال عن غائب إن قدر عليه) أي: إذا كان المال مستقراً في بلد، فإن كان سائراً.. قال في "العدة": لا يخرج زكاته حتى يصل إليه، فإذا وصل.. زكى الماضي بلا خلاف، قال في "شرح المهذب": وهو الصواب، وما وجدته بخلافه.. فَنَزِّله عليه.
انتهى 3. وفي "الروضة" وأصلها في الكلام على تأخير الزكاة: إن المال الغائب لا نُوجب إخراج زكاته من موضع آخر 4، وهو مخالف للمذكور هنا، وهما وجهان حكاهما القاضي والروياني 5، قال في "المهمات": والقياس: عدم اللزوم إلا أن يمضي زمان يمكنه المضي إليه فيه.
1204 - قول "المنهاج" [ص 174] و"الحاوي" [ص 219]: (إنه لا زكاة في الدين إن كان ماشية) عللوه: بأن السوم شرط، وما في الذمة لا يوصف به، واستشكله الرافعي: بأن المسلِم في اللحم يذكر أنه من راعية أو معلوفة، فكما يثبتُ في الذمة لحمُ راعية.. فلتثبت الراعية نفسُها 6. وضعفه القونوي بأن المدعى امتناع اتصافه بالسوم المحقق، وثبوتها في الذمة سائمةً أمر تقديري.
ويرد على اقتصارهما على الماشية: المعشّر في الذمة.. فلا زكاة فيه أيضًا؛ لأن شرطها الزهو في ملكه، ولم يوجد.

1205 - قول "المنهاج" [ص 174]: (أو غير لازم كمال الكتابة) لو عبر بـ (الدين الذي على المكاتب) كما في "التنبيه" 1.. لكان أعم، وقد تقدم، واقتصر "الحاوي" على اعتبار لزوم الدين، ولم يذكر مثالًا 2، وألحق ابن الرفعة بمال الكتابة في الجزم بالمنع الثمن في الذمة في مدة خيار المجلس لهما أو للمشتري وحده، بسبب إجازة البائع إذا قلنا: الملك فيه للبائع؛ لأنه دين، ويقدر المشتري على إسقاطه، والبائع عاجز عن التصرف التام، قال: ويجوز أن يجب؛ لأنه يؤول إلى اللزوم.
1206 - قول "المنهاج" [ص 174]: (إنه تجب الزكاة في الدين إذا كان عرضاً في الجديد) وهو مفهوم من قول "التنبيه" [ص 55]: (كالدين الذي على المكاتب) ومن قول "الحاوي" [ص 218]: (ولا في دين الحيوان) وكذا في بقية كتب الرافعي والنووي، تبعاً للبغوي 3، وسوى في "التتمة" بين العروض والماشية، فقال: إذا كان غير النقد من الثياب والطعام والنعم.. فلا خلاف أنه لا زكاة فيه؛ فإن الثياب تجب فيها الزكاة للتجارة، وما في الذمة لا يتصور فيه التجارة.
1207 - قول "المنهاج" في الدين المؤجل [ص 174]: (المذهب: أنه كمغصُوب) أي: فتجب زكاته في الأظهر، لكن لا يجب دفعها حتى يقبضه، كذا في كتب الرافعي والنووي 4، ويوافقه قول "المنهاج" عقبه [ص 174]: (وقيل: يجب دفعها قبل قبضه)، وقال السبكي: ينبغي أن يكون المراد بقولهم: (قبل قبضه): قبل حلوله؛ فإن محل الخلاف: إذا كان على مليٍّ مقرٍ ولا مانع سوى الأجل، وحينئذ: متى حل.. وجب الإخراج قبض أو لم يقبض، وتبعه على ذلك شيخنا في "المهمات"، فقال: إن التعبير بالقبض غير مستقيم، والصواب: التعبير بالحلول.
1208 - قول "المنهاج" [ص 174]: (ولا يمنع الدين وجوبها في أظهر الأقوال) محل الخلاف: ما إذا لم يكن له من غير المال الزكوي ما يقضي به الدين، فإن كان.. لم يمنع قطعاً عند الجمهور، وتردد فيه الشيخ أبو محمد، ولا يدخل فيمن عليه دين الضامن؛ فإنه لم يثبت عليه للمضمون له مال، وإنما له عليه حق المطالبة والإبراء، ذكره الشيخ عز الدين في "القواعد" ثم قال: ويحتمل ثبوته في ذمته، ولكن لا تثبت له جميع أحكام الديون من وجوب الزكاة فيه وغيره 5.

1209 - قوله: (والثالث: يمنع في المال الباطن، وهو النقد والعرض) 1 أهمل من المال الباطن: الركاز، وقد ذكره "التنبيه" والجمهور 2، ولم يذكره "المنهاج" هنا؛ لاندراجه في النقد، لكنه منتقض بالمعدن، وأهملا معاً زكاة الفطر، وهي من الباطنة أيضًا على الأصح.
1210 - قوله: (فعلى الأول: لو حجر عليه لدين، فحال الحول في الحجر.. فكمغصوب) 3 محله: ما إذا لم يعين الحاكم لكل غريم عيناً على ما يقتضيه التقسيط ويمكنه من أخذها، فإن عين لذلك، فحال الحول ولم يأخذوها.. فلا زكاة على المذهب، حكاه الرافعي هنا عن قطع المُعْظَم، وقال في (التفليس): إنه أظهر القولين 4، وهو وارد على إطلاق "الحاوي" أيضاً أن الدين لا يمنع الزكاة 5، لكن قال السبكي: ما نقل عن المعظم ظاهر إذا كان ماله من جنس الدين، وعزل لكل غريم قدر دينه، أما إذا كان من غيره: فكيف تمكنه من أخذه دون بيع أو تعويض؟ قال في "المهمات": وقد صورها بذلك الشيخ أبو محمد في "السلسلة".
1211 - قول "التنبيه" [ص 61]: (وإن كان هناك - أي: مع الزكاة - دين آدمي.. ففيه ثلاثة أقوال، أحدها: تقدم الزكاة)، هو الأظهر، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 6، ثم هنا أمور: أحدها: أنه يدخل في الزكاة: زكاة الفطر، فحكمها كزكاة المال على الصحيح، بل الأقوال جارية في اجتماع حق الله تعالى مطلقًا مع الدين، فيدخل في ذلك الحج وجزاء الصيد والكفارة والنذر، كما صرح به في "شرح المهذب" 7. ثانيها: أن ظاهر كلامهم: جريان الأقوال وإن كان المال الزكوي باقياً، وهو الذي في "الروضة" وأصلها هنا، لكن في زكاة المعشرات والأيمان ترجيح القطع بتقديم الزكاة عند بقاء المال الزكوي 8، وصوبه في "المهمات".
ثالثها: يستثنى من هذه القاعدة: اجتماع الجزية والدين؛ فإن الأصح: استواؤهما، مع أن الجزية حق الله تعالى.

رابعها: خرج بدين الآدمي: دين الله تعالى؛ كالكفارة ونحوها، قال السبكي: والوجه فيه أن يقال: إن كان النصاب موجوداً.. قدمت الزكاة، وإلا.. فيستويان.
خامسها: خرج بتعبير "المنهاج" و"الحاوي" بالتركة: ما إذا اجتمعا على حي، وضاق ماله عنهما، وهو مفهوم من "التنبيه" أيضًا؛ فإنه صور المسألة بالموت، وحكمه: أنه إن كان محجوراً عليه.. قدم حق الآدمي قطعاً، ويؤخر حق الله تعالى ما دام حياً، وإن لم يكن محجوراً عليه.. قدمت الزكاة جزمًا، ذكر الرافعي حكم المحجور في (الأيمان)، وحكم غيره هنا؛ فإنه جعله أصلاً، وقاس عليه تقديم الزكاة هنا 1، لكن صرح القاضي أبو الطيب في المحجور في حال الحياة بأقوال، ثالثها: تقديم السابق، وفي "المهمات" عن "شرح المختصر" لابن أبي هريرة تعليق أبي على الطبري عنه: الجزم بجريان الأقوال في الحياة، والتوقف في إجرائها بعد الموت، وهو غريب، وذكر شيخنا الإمام البلقيني في "حواشيه" في (الأيمان): أن المذكور هناك من القطع بتقديم حق الآدمي محله: فيما كان من حق الله على التراخي؛ ككفارة اليمين حيث لا تعدي يقتضي الفورية، وقطع بتقديم الزكاة ونحوها مما هو على الفور، واستشهد على ذلك بكلام الرافعي المذكور هنا، وحمله على المحجور، وتردد في غير المحجور في الحياة؛ هل يتخير أو يقدم الزكاة أو تجري الأقوال؟ والله أعلم.
سادسها: هذه المسألة مفرعة على أن الدين لا يمنع الزكاة، كما في "الروضة" وأصلها 2، لكن قال السبكي: لا يتعين ذلك، بل إذا حدث الدين بعد وجوب الزكاة.. جرت الأقوال.
1212 - قول "التنبيه" [ص 55]: (وفي الأجرة قبل استيفاء المنفعة قولان، أصحهما: أنه تجب فيها الزكاة) فيه أمران: أحدهما: كذا حكى الخلاف في نفس الوجوب، وهي طريقة طائفة من العراقيين، وقال الشيخ أبو حامد وأتباعه: الوجوب ثابت قطعًا، وإنما الكلام في كيفية الإخراج، قال الرافعي والنووي: وهذا مقتضى كلام الأكثرين 3. ثانيهما: لم يتعرض للإخراج والأداء، وذكره "الحاوي" فقال [ص 219]: (وتقرر الأجرة شرط لوجوب الأداء)، و"المنهاج" وأوضح المسألة بمثالها، فقال [ص 175]: (ولو أكرى داراً أربع سنين بثمانين ديناراً وقبضها.. فالأظهر: أنه لا يلزمه أن يخرج إلا زكاة ما استقر، فيخرج عند تمام السنة الأولى زكاة عشرين... إلى آخره) وللرافعي على هذا استدراك صحيح نقله عن

القاطعين بالوجوب، أسقطه من "الروضة"، تقريره: أن الزكاة تتعلق بالمال تعلق شركة على الصحيح، فانتقل للفقراء من العشرين التي لم يخرج زكاتها في السنة الأولى؛ لعدم استقرار الأجرة نصف دينار، فلم يحل الحول الثاني على عشرين كاملة، بل ناقصة نصف دينار، فتسقط حصة ذلك، وكذا قياس السنة الثالثة والرابعة، وقد ظهر بذلك أن هذا الحكم مفرع على ضعيف؛ فإن الأظهر: تعلق الشركة، ومحل ذلك أيضاً: إذا كان الإخراج من غيره، فإن كان من عينه.. نقص الواجب في السنة الثانية وما بعدها بقدر واجب ما أخرجه 1.

بابُ أداء الزّكاة

1213 - كذا ترجم في "الروضة" 1، وهو أحسن من ترجمة "المنهاج" بقوله [ص 175]: (فصل) لأنه لا يظهر اندراج أحكامه في الباب المتقدم، وهو (باب من تلزمه الزكاة، وما تجب فيه) 2. 1214 - قول "المنهاج" [ص 175]: (تجب الزكاة على الفور إذا تمكن، وذلك بحضور المال والأصناف) هو معنى قول "التنبيه" في (قَسْم الصدقات) [ص 61]: (ومن وجبت عليه الزكاة وقدر على إخراجها.. لم يجز له تأخيرها، فإن أخرها.. أثم وضمن) ويستثنى من كلامهما مسائل: إحداها: أن له التأخير لانتظار قريب أو جار، لكن يضمن لو تلف المال على الأصح فيهما، وقد ذكره "الحاوي" فقال [ص 219]: (ولو انتظر القريب والجار.. جاز وضمن) وفي معنى ذلك: ما لو انتظر الأحوج، أو الأصلح، أو أخر لطلب الأفضل؛ بأن وجد السلطان.. فأخر ليفرق بنفسه حيث جعلناه أفضل، أو عكسه حيث جعلناه أفضل، لكن قال الإمام: له شرطان: أحدهما: أن يظهر استحقاق الحاضرين، فإن تردد في استحقاقهم فأخر ليتروى.. جاز بلا خلاف.
الثاني: ألاَّ يشتد ضرر الحاضرين وَفَاقَتُهم، فإن تضرروا بالجوع.. لم يجز التأخير للقريب وشبهه بلا خلاف 3. قال الرافعي: وفي هذا الشرط الثاني نظر؛ فإن إشباعهم لا يتعين على هذا الشخص، ولا من هذا المال، ولا من مال الزكاة 4. قال النووي: هذا النظر ضعيف أو باطل 5. الثانية: زكاة الفطر؛ فإنها تجب بغروب ليلة العيد، وله التأخير إلى غروب يومه.
الثالثة: قد يستثنى المعدن، فتجب زكاته بوجوده في الأصح، وله التأخير إلى الطحن والتصفية.
الرابعة: المعشر، فتجب زكاته بالزهو واشتداد الحب، وله التاخير إلى الجفاف والتصفية، وقد يجاب عن هاتين الصورتين: بأنه قبل التصفية والجفاف غير قادر؛ فإنها لا تجزئ حينئذ، إلا

إن دفع من غيره جافًا وخالصًا، وتعبير "الحاوي" [ص 219] (بحضور المال والمصروف إليه) أحسن من تعبير "المنهاج" [ص 175] بـ (الأصناف) لتناول المصروف إليه: الإمام، والساعي؛ فهو أعم، وأهملا للتمكن شرطاً آخر، ذكره البغوي وغيره، وهو: ألَّا يكون مشتغلًا بأمر مهم ديني أو دنيوي؛ كالصلاة وأكل ونحوهما 1، وتعبير "التنبيه" أحسن من تعبير "المنهاج" من وجه؛ إذ ليس في عبارة "المنهاج" الإفصاح عن كون اعتبار ذلك إنما هو بعد حولان الحول، وذلك مفهوم من قول "التنبيه" [ص 61]: (ومن وجبت عليه الزكاة) فإنها إنما تجب بعد الحول.
1215 - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (وله أن يؤدي بنفسه زكاة المال الباطن) 2 أورد بعضهم عليه: السفيه؛ فإنه لا يفرق بنفسه.
وجوابه: أن تفرقة وليه كتفرقته بنفسه.
1216 - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (وكذا الظاهر على الجديد) 3 محل الخلاف: ما إذا لم يطلبها الإمام، فإن طلب زكاة الظاهر.. وجب دفعها إليه بلا خلاف، قاله في "الروضة" 4، لكن في "الشافي" للجرجاني: في وجوب الدفع إليه قولان، ثم قال: وقيل: إن طلبها.. وجب قطعًا.
انتهى.
ومقتضاه: طرد الخلاف مع الطلب، وبالمنع مع الطلب، قال القاضي أبو الطيب: وفي "البحر" وجهان في أنه هل له مطالبة من يعلم أنه يؤديها بنفسه أم لا؟ 5 قال في "المهمات": فتحصّلنا على ثلاثة أوجه.
1217 - قولهم: (ويجوز أن يدفع إلى الإمام) 6 في معنى الإمام: نائبه، وهو الساعي.
1218 - قول "التنبيه" [ص 62]: (وفي الأفضل ثلاثة أوجه، أحدها: أن يفرق بنفسه، والثاني: أن يدفع إلى الإمام، والثالث: إن كان الإمام عادلاً.. فالأفضل: أن يدفع إليه، وإن كان جائراً.. فالأفضل: أن يفرق بنفسه) فيه أمور: أحدها: أن الأصح: الثالث، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 7، وصحح في "شرح

المهذب": أن الدفع إليه أفضل إن كانت ظاهرة مطلقًا، فإن كانت باطنة.. فيفرق بين أن يكون عادلاً أم لا 1. ثانيها: أنه حكى هذا الخلاف أوجها، وحكاه "المنهاج" أقوالاً، فقال [ص 175]: (والأظهر: أن الصرف إلى الإمام أفضل، إلا أن يكون جائرًا) وعبارة "الروضة" تقتضي أن الخلاف في الباطنة وجهان، وفي الظاهرة طريقان؛ فإنه قال: إن كانت باطنة.. فأصح الوجهين عند الجمهور، وبه قطع الصيدلاني: أن الدفع إليه أفضل، وإن كانت ظاهرة.. فالمذهب: أن الدفع إليه أفضل، وبه قطع الجمهور، وطرد الغزالي فيه الخلاف، ومحل أفضلية الدفع إليه: هو إذا كان عادلاً، فإن كان جائراً.. فأصح الوجهين: أن التفريق بنفسه أفضل، والثاني: أنه كالعادل 2. وذكر شيخنا ابن النقيب: أن ظاهر "المنهاج" الجزم بتفضيل التفرقة بنفسه إذا كان الإمام جائرًا 3. وفيه نظر؛ فالظاهر: أن الاستثناء في قوله: (إلا أن يكون جائراً) داخل تحت الأظهر أيضاً، فيكون من محل الخلاف، كما صرح به غيره.
ثالثها: لم يحك "التنبيه" هذه الأوجه إلا في المال الباطن، وسكت عن المال الظاهر، وظاهر "المنهاج" حكاية الخلاف فيهما معاً، وهو كذلك.
رابعها: قال الماوردي: المراد بالعادل: العدل في الزكاة وإن جار في غيرها، وكذا في الجور، حكاه في "الكفاية" عن الماوردي 4، وظاهره: تفسير كلام الأصحاب في المراد بالعدل والجور هنا، وعلل الماوردي منع الدفع إلى الجائر: بانه لا يصل الحق إلى المستحق 5، ومقتضاه: أنه لو علم أنه يصل.. دفع، وهو ما صرح به في (قسم الصدقات)، وهذا يقتضي أن المراد به: الجائر في إيصال تلك الزكاة بخصوصها لا في مطلق الزكاة، وهذا أخص من الأول، واقتضى كلام السبكي: أن كلام الماوردي المتقدم وجه في المسألة؛ فإنه جمع في الدفع إلى الجائر أربعة أوجه: الجواز، والوجوب، والمنع، والتفصيل بين الجائر في الزكاة وغيرها.
1219 - قول "المنهاج" [ص 175]: (وتجب النية، فينوي: "هذا فرض زكاة مالي"، أو "فرض صدقة مالي"، ونحوهما) يقتضي اشتراط نية الفرضية مع نية الزكاة، وليس كذلك، فلو

نوى الزكاة دون الفرضية.. أجزأه على المذهب، بخلاف نية الصدقة بدون الفرضية.. فإنه لا يجزئ؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 220]: (وينوي بالقلب الزكاة أو الصدقة الفرض) فقيد الصدقة بالفرض دون الزكاة، وقد استدرك ذلك النووي في "التصحيح" على قول "التنبيه" [ص 62]: (ينوي أنها زكاة ماله أو زكاة واجبة)، فقال: الأصح: أنه إذا نوى الزكاة فقط.. أجزأه، وتبعه على ذلك شيخنا الإسنوي 1، ولا حاجة لاستدراكه؛ فقد ذكره أولًا في قوله: (زكاة ماله)، فدل على أنه مخير في نية الوجوب.
1220 - قول "المنهاج" [ص 175]: (ولو عيَّن.. لم يقع عن غيره) محله: ما إذا لم ينو أنه إن بأن ذلك المنوي عنه تالفاً.. فعن غيره، فإن نوى ذلك فبان تالفًا.. وقع عن الآخر، وقد صرح به "الحاوي" فقال [ص 220]: (إلا إذا صرَّح أن يسترد حينئذ، أو أن يقع عن الآخر)، قال الرافعي: وتجويز الإخراج عن الغائب جعله الكرخي جواباً على جواز نقل الصدقة، ويصح تصويره بما أشار إليه في "الشامل"، وهو أن تفرض الغيبة عن المنزل لا عن البلد 2. قال في "المهمات": وهذا خروج عن ظاهر اللفظ ولا حاجة إليه، بل يتصور بما إذا كان ماله الغائب في موضع ليس فيه فقراء، وكان الموضع الذي هو فيه أقرب موضع إليه.
1221 - قول "المنهاج" [ص 175]: (وتلزم الولي النية إذا أخرج زكاة الصبي والمجنون) ضم إليهما في "شرح المهذب" السفيه، وحكى الاتفاق على ذلك 3، وقال السبكي: فيه نظر، وصرح بمسالة السفيه الجرجاني في "الشافي"، وقال ابن الرفعة: قضية تعليل منع نية الصبي بأنه ليس أهلاَ للنية: اعتبار نية السفيه، قال: وفي الاعتداد بنيته نظر، وهذا يقتضي أنه لم يظفر فيه بنقل، وقد عرفت أنه منقول، ولعل إطلاق "الحاوي" نية الولي تشمله 4. 1222 - قول "التنبيه" [ص 62]: (وإن دفع إلى وكيله ونوى الوكيل ولم ينو رب المال.. لم يجزه) يستثنى منه: ما إذا فوّض النية إلى الوكيل، فنوى الوكيل عند التفرقة.. فإنه يجزئ، وقد ذكره "الحاوي" فقال [ص 220]: (أو الوكيل إن فوض النية إليه).
1223 - قول "التنبيه" [ص 62]: (وإن نوى رب المال ولم ينو الوكيل.. فقد قيل: يجوز، وقيل: لا يجوز) الأصح: الإجزاء، ومحل الخلاف: ما إذا كانت نية المالك عند الدفع للوكيل، فإن كانت نيته عند تفرقة الوكيل.. أجزأ قطعا.

وقد ذكر "المنهاج" التصحيح ومحل الخلاف، فقال [ص 176]: (وتكفي نية الموكِّل عند الصرف إلى الوكيل في الأصح) ولذلك أطلق "الحاوي" نية الموكل 1، وأصل هذا الخلاف: أنه هل يجب اقتران النية بالدفع للمستحقين أم يجوز قبله؛ والأصح: الثاني، والمسألة في "التنبيه"، قال [ص 62]: (ويجوز أن ينوي قبل حال الدفع، وقيل: لا يجوز)، وكذا قال "الحاوي" [ص 220]: (وإن تقدمت على الأداء)، وقال ابن الرفعة: محل تقديم النية: أن ينوي عند العزل، أما قبله.. فقال الماوردي: لا يجزئه قطعاً؛ لأنها حينئذ قصد لا نية، وفي كلام القفال ما ينازع فيه، وفي "شرح المهذب" أن المتولي وغيره شرطوه، وأشار إليه الماوردي والبغوي، وألحق في "الكفاية" الكفارة المالية بالزكاة في ذلك، ونقله في "شرح المهذب" عن ظاهر النص، وصوبه 2، ولكن في "الروضة" وأصلها في أول كفارة الظهار تصحيح المنع 3. 1224 - قول "المنهاج" [ص 176]: (ولو دفع إلى السلطان.. كفت النية عنده) كذا حكم النية عند الدفع إلى الساعي.
1225 - قوله: (فإن لم ينو.. لم يُجْزِ على الصحيح وإن نوى السلطان) 4 عبر في "الروضة" بالأصح 5، وهو أولى لقوة مقابله؛ فإن جماعةً جزموا به وآخرين صححوه، وهو ظاهر نصه في "المختصر" 6. 1226 - قوله: (والأصح: أنه تلزم السلطان النية إذا أخذ زكاة الممتنع) 7 محله: إذا لم ينو الممتنع عند الأخذ منه قهرًا، فإن نوى.. كفى وبرئ ظاهراً وباطنًا، ولعل تسمية هذا ممتنعاً إنما هو باعتبار امتناعه السابق، وإلا.. فقد صار بنيته غير ممتنع.
1227 - قوله: (وأن نيته تكفي) 8 محل الخلاف في الاكتفاء بها: في إسقاط الفرض باطناً، أما الاكتفاء بها ظاهراً.. فلا خلاف فيه، أما إذا لم ينو الإمام ولا المأخوذ منه.. لم يبرأ باطناً، وكذا ظاهراً في الأصح.

باب تعجيل الزّكاة

كذا بوب في "الروضة" 1، وهو أولى من ترجمة "المنهاج" عنه ب (فصل) 2؛ لأنه لا يظهر اندراجه في التبويب المتقدم كما تقدم في الفصل قبله.
1228 - قول "المنهاج" [ص 176]: (لا يصح تعجيل الزكاة على ملك النصاب) محله: في الزكاة العينية، فأما في زكاة التجارة: فإنه إذا اشترى عرضاً للتجارة بمئة مثلاً، وهو لا يملك غيرها، وهو يساوي دون مائتين، فعجل زكاة مئتين، فحال الحول وقيمته مئتان.. أجزأه المعجل على المذهب، بناء (على المذهب) أن النصاب إنما يعتبر آخر الحول، وهذا وارد أيضًا على مفهوم قول "التنبيه" [ص 61، 62]: (وكل مال تجب الزكاة فيه بالحول والنصاب.. جاز تقديمها على الحول) فإن مفهومه منع تقديمها على النصاب، فيستثنى منه هذه المسألة، وقد ذكرها "الحاوي" مع مسألة أخرى فقال [ص 221]: (والمُعجّل يجزئ إن انعقد حوله ولو قبل نصابه؛ كمال التجارة، وشاتين في مئة بنتاجها تم نصابهما).
وصورة الثانية: ما إذا ملك مئة من الغنم، فعجل عنها شاتين، ثم بلغت قبل الحول مئة وإحدى وعشرين بنتاجها، وما ذكره فيها من الإجزاء صححه الغزالي 3، لكن نقل الرافعي والنووي عن الأكثرين عدم الإجزاء 4، فخالف "الحاوي" ما عليه المعظم خلاف شرطه، ثم إن عبارته تقتضى إجزاء التعجيل قبل النصاب مطلقًا، وأن ذلك لا يختص بهاتين الصورتين، وإنما هما مثال، وليس كذلك.
1229 - قول "المنهاج" [ص 176]: (ويجوز قبل الحول) أي: قبل تمامه، وكذا قول "التنبيه" [ص 62]: (جاز تقديمها على الحول) أي: على تمامه، وقول "الحاوي" [ص 221]: (إن انعقد حوله) أي: بعد الدخول فيه وقبل تمامه.
1230 - قول "المنهاج" [ص 176]: (ولا تعجَّل لعامين في الأصح) الخلاف في العام الثاني، فيجزئ في العام الأول كما صرح به الإمام 5، قال في "المهمات": وهو مسلّم مع تمييز حصة كل سنة، فإن لم يميز.. فينبغي ألا يجزئ؛ لأن المجزئ عن خمسين شاة مثلاً إنما هو: شاة كاملة، لا مشاعة ولا مبهمة، وهنا ليست كذلك.
انتهى.

ولا يختص الخلاف بعامين، بل يجزئ فيما زاد أيضًا حتى لو ملك خمسين شاة، فعجل عشرة لعشرة أعوام.. جاء الخلاف، ونقل في "المهمات" عن الأكثرين تصحيح الجواز، وقال: إن ما صححه الرافعي والنووي من المنع لم نجد من سبقهما إليه غير البغوي 1. 1231 - قوله عطفاً على الصحيح: (وأنه لا يجوز إخراج زكاة الثمر قبل بدو صلاحه، ولا الحب قبل اشتداده) 2 محل الخلاف: فيما بعد ظهوره، أما قبله: فيمتنع قطعاً.
1232 - قول "التنبيه" [ص 62]: (وإن هلك الفقير أو استغنى من غير الزكاة قبل الحول.. لم يجزئه عن الفرض) يتناول ما إذا طرأ له بعد الغنى فقر، وحال عليه الحول، وهو فقير، والأصح في هذه الصورة: الإجزاء؛ ولهذا اعتبر "المنهاج" كون القابض في آخر الحول مستحقًّا، و"الحاوي" وجود شروط الإجزاء وقت وجوبه 3. 1233 - قولهما - والعبارة لـ "المنهاج" -: (ولا يضر غناه بالزكاة) 4 فيه أمران: أحدهما: أنه يتناول استغناءه بهذه الزكاة المعجلة وبغيرها من الزكوات، لكن قال السبكي: إن استغناءه بزكاة أخرى كاستغنائه بغير الزكاة، كما يشير إليه كلام الأصحاب، قال: ولم أر من صرح به إلا الفارقي في كلامه على "المهذب"، واستشكله السبكي بما إذا كانتا معجلتين واتفق حولهما؛ إذ ليس استرجاع إحداهما بأولى من الأخرى، ثم قال: والثانية أولى بالاسترجاع، وكلام الفارقي يشعر باسترجاع الأولى، ولو كانت الثانية واجبة.. فالأولى هي المسترجعة، وعكسه بالعكس.
انتهى.
وقد يقال: لم تتناول عبارته زكاة أخرى، واللام في عبارته للعهد، والمراد: الزكاة التي قبضها معجلة.
ثانيهما: قد تفهم عبارته أنه إذا استغنى بها وبغيرها.. أنه يضر، وبه جزم الجرجاني في "الشافي"، لكن الذي جزم به الرافعي والنووي: أنه لا يضر 5، وقد يقال: مراد "المنهاج" باستغنائه بالزكاة: أن يكون لها مدخل في صيرورته غنياً وإن لم يكن غناه بها وحدها.
1234 - قول "المنهاج" [ص 176]: (والأصح: أنه إن قال: " هذه زكاتى المعجلة" فقط.. استرد) محل الخلاف: ما إذا دفعها المالك، فإن دفعها الإمام.. استرد قطعاً؛ إذ لا يمكن جعله تطوعاً، قال الرافعي: لكن لو لم يعلم أنه زكاة غيره، فيجوز أن يقال: لا يسترد على وجه،

ويضمنه الإمام للمالك لتقصيره، وصرح بذلك في "الشرح الصغير" أيضًا، فقال: إنما يسترد إذا علم القابض أنها زكاة غيره، وإلا.. فيجيء فيه وجه 1. وتقييد محل الخلاف بما ذكرته مفهوم من قول "المنهاج": (زكاتي) فإن الإمام لا يضيفها إلى نفسه، وإطلاق "التنبيه" و"الحاوي" الاسترجاع عند البيان يتناول المالك والإمام؛ فإنهما لم يحكيا خلافًا 2. 1235 - قول "التنبيه" [ص 62]: (واسترجع إن كان قد بين أنها زكاة معجلة) كذا إذا علمه القابض، وإن لم يكن ببيان من الدافع؛ ولهذا رتب "الحاوي" الحكم على علم المستحق 3، وهو مفهوم من قول "المنهاج" [ص 176]: (إن لم يتعرض للتعجيل ولم يعلمه القابض.. لم يسترد).
1236 - قول "المنهاج" عطفاً على الأصح [ص 176]: (وأنه إن لم يتعرض للتعجيل ولم يعلمه القابض.. لم يسترد) مخالف لتعبيره عنه في "الروضة" بالمذهب 4، ووقع في "شرح المهذب" أن الرافعي رجح الرجوع 5، وهو سبق قلم، قال السبكي: وعلم القابض إنما يؤثر إذا اقترن بالقبض، فإن تجدد بعده.. فلم أر فيه تصريحًا، والأقرب: أنه كالمقارن، وفي كلام الشيخ أبي حامد والإمام ما يوهم خلافه.
1237 - قوله: (وأنهما لو اختلفا في مُثْبِتِ الاسترداد.. صُدَّقَ القابض بيمينه) 6 موافق لتصحيح "الروضة"، لكنه صحح في "شرح المهذب": تصديق الدافع 7، ويستثنى من الخلاف: ما إذا ادعى المالك علم القابض بالتعجيل، وأنكر القابض، وما إذا قال المالك: قصدت التعجيل، وفرعنا على إثبات الرجوع عند الدفع ساكتًا، وأنكر القابض.. فالمصدق في الأولى القابض، وفي الثانية المالك بلا خلاف فيهما مع اختلافهما في مثبت الاسترداد.
1238 - قوله: (والأصح: اعتبار قيمة يوم القبض) 8 محله: في المتقوم، أما المثلي.. فيضمن بالمثل؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 222]: (وقيمته يوم القبض إن تلف متقوماً) وصحح

السبكي: الضمان بالمثل مطلقًا، وعزاه إلى ظاهر النص.
1239 - قول "المنهاج" عطفاً على الأصح [ص 177]: (وأنه إن وجده ناقصاً.. فلا أرش) عبر عنه في "الروضة" بالصحيح 1، فدل على ضعف مقابله، ومحل ذلك: في نقص الصفة؛ كالمرض والهزال، أما نقص الجزء؛ كتلف شاة من شاتين.. فإنه يرجع ببدل التالف قطعًا، وهذا وارد أيضًا على إطلاق قول "الحاوي" عطفاً على المنفي [ص 222]: (وأرش نقصٍ).
1240 - قول "المنهاج" عطفاً على الأصح [ص 177]: (وأنه لا يسترد زيادةً منفصلة) مخالف لتعبير"الروضة" عنه بالمذهب الذي قطع به الجمهور، ونص عليه الشافعي، ثم قال: وقيل: وجهان 2. قال البغوي وغيره: وهذا فيما إذا كان القابض حال القبض مستحقاً، أما لو بأن أنه كان حينئذ غنيًا، أو عبداً، أو كافراً.. استرده بزوائده كلها، وبأرش نقصه بلا خلاف 3 وإن كان عند الحول مستحقاً؛ لفساد القبض، قال الإمام: ومحل عدم الرجوع بالزيادة المنفصلة وأرش النقص: ما إذا وُجِدا قبل حدوث سبب الرجوع، فإن وجدا بعده.. رجع بهما 4، وهذان واردان على إطلاق "الحاوي" أيضاً.
1241 - قول "التنبيه" [ص 62]: (وإن تسلف الإمام الزكاة من غير مسألة الفقراء فهلك في يده.. ضمنها) يدخل في مسألة الفقراء سؤالهم إذا كانوا رشداء، وسؤال أوليائهم إذا لم يكونوا رشداء، فإن كان الإمام ولي غير الرشيد.. فحاجته مغنية عن السؤال، فيقع الموقع، ولا ضمان؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 221]: (وقبضه بلا سؤال المستحق وحاجة الطفل) فجعل حاجة الطفل كسؤال المستحق، وهو محمول على الطفل الذي هو محجوره، فإن كان محجور غيره.. فلا بد من سؤال وليّه، كما قدمته، ويستثنى من كلامهما: ما إذا بقي المالك بصفة الوجوب إلى آخر الحول.. فإنه يجزئ، ويكون كأنه أخرجها عند الحول، حكاه في "الكفاية" عن الفوراني، وقال القاضي الحسين: إن القفال أجاب به ثانياً.
1242 - قول "التنبيه" [ص 62]: (وإن تسلف بمسألة الفقراء.. فهو من ضمانهم) أراد بالفقراء: جميع أصناف الزكاة؛ أي: طائفة من كل صنف؛ ولهذا عبر "الحاوي" بالمستحق كما تقدم 5، وقال بعضهم: يجوز أن يحمل كلام "التنبيه" على حقيقته؛ لأن للإمام دفع زكاة الواحد

لواحد من الأصناف الثمانية، ذكره في "المهمات".
1243 - قوله: (وإن تسلف بمسألة أرباب الأموال.. فهو من ضمانهم) 1 محله: ما إذا لم يفرط الإمام، فإن فرط.. فهو من ضمانه؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 221]: (وضمن الإمام من ماله إن فرط أو أخذ بلا سؤال).
1244 - قول "التنبيه" [ص 62]: (وإن تسلف بمسألة الجميع.. فقد قيل: إنه من ضمان الفقراء، وقيل: من ضمان أرباب الأموال) الأصح: الأول، وهو مأخوذ من مفهوم قول "الحاوي" [ص 221]: (وقبضه بلا سؤال المستحق) فإن مفهومه الإجزاء إذا كان بسؤال المستحق ولو انضم إليه سؤال المالك.
قال صاحب "المعين": ومحل الخلاف: ما إذا نوى الإمام عند أخذها النيابة عن الجميع، فلو نوى عن أحدهما.. كان من ضمان من عينه بالنية قطعًا، واعلم: أن الساعي في جميع ما ذكرناه كالإمام، والكلام في التلف قبل الحول، أما بعده.. فلا ضمان إلا أن يكون بتفريط الإمام، وإليه أشار "الحاوي" بقوله [ص 221]: (لا إن تلف قبله) أي: قبل الحول.
1245 - قول "المنهاج" [ص 177]: (وتأخير الزكاة بعد التمكن يوجب الضمان وإن تلف المال) فيه أمر ان: أحدهما: ليس المراد بالضمان: ما يتبادر إلى الفهم من ضمان القيمة، وإنما المراد: استمرار وجوب ما كان واجباً قبل ذلك.
ثانيهما: في جعل التلف غاية نظر؛ فإن ذلك هو محل الضمان، وأما قبل التلف.. فيقال: وجب الأداء، ولا يحسن فيه القول بالضمان، فكان ينبغي إسقاط الواو، وقد عبر "التنبيه" و"الحاوي" بالضمان، لكنهما لم يجعلا التلف غاية، بل أطلقا الضمان 2، ومحله: عند التلف.
1246 - قول "المنهاج" [ص 177]: (ولو تلف بعضه.. فالأظهر: أنه يَغْرَمُ قسط ما بقِيَ) فيه أمران: أحدهما: أنه لو احترز عن لفظ الغرم، وعبر باللزوم.. لكان أحسن، وعبارة "المحرر": (يبقى قسط ما بقي) 3، لكنه عبر بالغرم قبل ذلك.
ثانيهما: أنه لم يبين هل المغروم قسط من النصاب أو المال؟ وهو مبني على أصل أسقطه

"المنهاج"، وذكره "التنبيه" فقال [ص 56]: (وفي الأوقاص التي بين النصب قولان، أحدهما: إنه عفو، والثاني: إن فرض النصاب يتعلق بالجميع) والأظهر: الأول، فعلى هذا يكون القسط من النصاب، فلو ملك تسعًا من الإبل، فهلك منها أربع بعد الحول وقبل التمكن، وفرعنا على أن التمكن شرط في الضمان، وأن الوقص عفو، وهو الأظهر فيهما.. وجب شاة، وإن لم نجعله عفواً.. وجب القسط من جميع المال، فتجب خمسة أتساع شاة، وقد عبر "الحاوي" بقوله [ص 219]: (وما تلف قبله لا الوقص.. سقط) فسلم من الأمرين.
1247 - قول "التنبيه" [ص 55]: (وهل تجب في أعيانها أو في الذمة؟ قولان) الأظهر: الأول، وعليه مشى "المنهاج" فقال [ص 177]: (وهي تتعلق بالمال تعلق الشركة) و"الحاوي" فقال [ص 220]: (والمستحق شريك بالواجب من جنسه، وبقدر قيمته من غير جنسه) وهذا كالشرح لتعلق الشركة الذي في "المنهاج".
1248 - قول "المنهاج" [ص 177]: (وفى قولٍ: تَعَلُّقَ الرَّهن) قد يفهم أن جميع المال مرهون، والأصح: أن المرهون قدر الزكاة فقط.
1249 - قول "التنبيه" تفريعاً على الأظهر [ص 55]: (فإن لم يخرج منه شيء.. لم يجب في السنة الثانية زكاة) فيه أمور: أحدها: أن صورة المسألة: أن يكون المال قدر النصاب فقط من غير زيادة؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 220]: (ولو تكرر الحول في نصاب فقط.. لم يتكرر الوجوب).
ثانيها: أن منطوقه تناول مسألتين: إحداهما: إذ لم يخرج الزكاة أصلاً، وإنما لم تجب في الثانية؛ لأن الفقراء ملكوا قدر الزكاة، فبقي على ملكه دون النصاب، ولا تأثير لخلطتهم.
الثانية: إذا أخرج من غيره، وما اقتضاه كلامه فيها من عدم الوجوب في السنة الثانية هو أظهر القولين عند العراقيين؛ لأن ملكه زال عند الحول عن قدر الزكاة، ثم عاد بالإخراج من غيرها، فانقطع الحول؛ لنقص المال عن النصاب، ومقتضى هذا التعليل: أنه لو عجل الإخراج قبل الوجوب، أو أخرجها حالة الوجوب.. لم ينقطع الحول، ووجبت الزكاة في الثانية.
وما حكيته عن العراقيين هو في "الروضة" وأصلها في الخلطة فيما لو ملك أربعين شاة ستة أشهر، ثم باع نصفها مشاعاً - وفرعنا على المذهب: أن الحول لا ينقطع؛ لاستمرار النصاب بصفة الانفراد ثم بصفة الاشتراك - فأخرج البائع بعد مضي ستة أشهر من يوم الشراء نصف شاة من غير المشترك، وفرعنا على الأظهر، وهو: تعلق الزكاة بالعين، فهل ينقطع حول المشترى؟ قالا هناك: فيه قولان، أظهرهما عند العراقيين: الانقطاع، ومأخذهما: أن إخراج الزكاة من موضع

آخر يمنع زوال الملك عن قدر الزكاة، أو يفيد عوده بعد الزوال.
انتهى 1. وكلام "الكفاية" ينازع في الصورة الثانية، وقال: إنه لو أخرج من غير المال.. وجبت في السنة الثانية بلا خلاف، وفي نفي الخلاف نظر؛ لما عرفته، وعبارة "الحاوي" المتقدمة موافقة "للتنبيه" أيضاً؛ لإطلاقه أنه لا يتكرر الوجوب.
ثالثها: الصورة الخارجة بمفهوم "التنبيه" و"الحاوي" - وهي أن يخرج الزكاة منه، فلم يتكرر الحول في نصاب - لا زكاة فيها أيضًا؛ لعدم مقتضى الزكاة فيها، وهو ملك النصاب تاما حولاً كاملاً، فهي أولى بعدم الوجوب؛ لنقص النصاب حساً، وهذه من مفهوم الموافقة، وقد ظهر بذلك أنهما لو حذفا التقييد.. لكان أولى؛ لعدم وجوب الزكاة في جميع الصور، وإن أخذنا بما في "الكفاية" في الصورة الثانية.. فكان ينبغي لـ "التنبيه" أن يقول: (فإن لم يخرج من غيره شيء.. لم تجب في السنة الثانية زكاة)، ولـ"الحاوي" أن يقول: (إلا أن يخرج من غيره).
واعلم: أن الأصحاب لم يفرقوا في الشركة بين الدين والعين، فيترتب على ذلك أمور مهمة ينبغي التفطن لها، منها: أن صاحب الدين بعد حولان الحول لا يدعي ملك جميعه، ولا يحلف عليه، ولا يشهد له الشهود بملك جميعه، بل طريق الدعوى والشهادة أن يقال: إنه باق في ذمته، وإنه يستحق قبضه؛ لأن له ولاية التفرقة في القدر الذي ملكه أصحاب الأصناف، نبّه على ذلك السبكي، وتبعه في "المهمات"، وهو حسن دقيق، والله أعلم.

جارٍ التحميل