فالعبرة إنما هو بالعلم بها والجهل كما عبر به في "النبيه مختصر التنبيه" فقد يعلمها الأعمى ويجهلها البصير.
ثم محل ما ذكراه: في البالغ العاقل، فلو كان المطلوب صبيا أو مجنونا.. بني على أن عمدهما عمد أو خطأ، إن قلنا: خطأ.. ضمن، وإلا.. فلا.
فإن قلت: هذا الإيراد على مرجوح؛ لأن الأصح: أن عمدهما عمد.
قلت: بل هو على الأصح في حالة؛ ففي "أصل الروضة" في شريك الصبي والمجنون عن القفال وغيره: أن الخلاف في صبي يعقل عقل مثله ومجنون له نوع تمييز، فأما من لا تمييز له بحال.. فعمده خطأ وشريكه شريك مخطئ قطعاً، قال: وعلى هذا جرى الأئمة منهم البغوي 1.
4814 - قول "المنهاج" [ص 489]: (وكذا لو انخسف به سقفٌ في هربه في الأصح) كان ينبغي أن يقول: (على النص) فقد نص عليه في "الأم" 2، أما لو ألقى نفسه على السقف من علو فانخسف به لثقله.. فكإلقاء نفسه في بئر.
4815 - قولهما: (وإن سُلم الصبي إلى السابح فغرق في يده.. وجبت الدية) 3 فيه أمور:
أحدها: أنه قد يفهم أنه لو علمه الولي السباحة فغرق منه.. لا ضمان، وليس كذلك، فحكم الولي وغيره في ذلك سواء.
ثانيها: قد يفهم من لفظ التسليم أنه لو أخذه السابح بيده.. ارتقى الحال عن الدية، وليس كذلك؛ ولهذا عبر "الحاوي" بقوله [ص 550]: (وعلّمه السباحة فغرق) فسلم من الأمرين.
ثالثها: محل ذلك: ما إذا لم يقع من السابح تقصير، فلو رفع يده من تحته عمداً فغرق.. وجب القصاص، قاله شيخنا الإمام البلقيني.
رابعها: المراد: وجوب الدية على السابح، صرح به الماوردي وغيره 4، وبحث شيخنا الإمام البلقيني أن يكون الولي وعاقلته طريقاً في الضمان إذا سلمه إليه.
4816 - قول "التنبيه" [ص 220]: (وإن غرق البالغ مع السابح.. لم تجب ديته) كذا قاله العراقيون والبغوي، وقال في "الوسيط": لو خاض معه اعتماداً على يده فاهمله.. احتمل أن يجب الضمان 5، وحمل شيخنا الإمام البلقيني عدم الضمان على ما إذا لم يقصر السابح كما قال في
الصبي، قال: فأما لو رفع يده من تحته في الموضع المغرق عمداً فغرق.. فعليه الدية، بل القصاص؛ لأنه هو الذي أغرقه.
4817 - قول "المنهاج" [ص 489]: (ويضمن بحفر بئر عدوان) فيه أمور:
أحدها: المراد بالعدوان: أن يحفرها بملك غيره أو مشترك بلا إذن أو في شارع ضيق أو واسع لمصلحة نفسه بغير إذن الإمام، فكان الأحسن لما ذكر هذه المسائل بعد ذلك أن يعدل عن قوله: (فمضمون) إلى قوله: (فعدوان) كما فعل "المحرر" 1 فإن المذكور بعد ذلك تفسير العدوان، فأما ضمان العدوان.. فقد ذكره أولاً، فلا معنى لتكراره مع إيهامه أن هذه الصور غير حفر العدوان.
ثانيها: أنه لا يضمن بمجرد حفر العدوان حتى يستمر العدوان إلى السقوط فيها، فلو رضي المالك بإبقائها.. زال الضمان في الأصح، وكذا لو اشترى المتعدي تلك البقعة من مالكها، وكذا لو منعه المالك من الطم كما قاله المتولي، ورجحه شيخنا الإمام البلقيني، لتضمنه الرضا بإبقائها خلافاً للإمام 2.
ثالثها: يشترط في الضمان أيضاً: ألاَّ يتعدى الداخل على ما رجحه شيخنا الإمام البلقيني، وفي المسألة وجهان في "أصل الروضة" بلا ترجيح 3، فإن أذن له المالك في الدخول وعرفه بالبئر.. فلا ضمان، وإن لم يعرف بها.. فهل يضمن الحافر أو المالك؟ وجهان في "تعليق القاضي حسين" بلا ترجيح، قال شيخنا الإمام البلقيني: والأرجح: أنه على المالك؛ لأنه مقصر؛ لعدم إعلامه، فإن كان ناسياً.. فعلى الحافر.
4818 - قوله: (لا في ملكه وموات) 4 فيه أمران:
أحدهما: قيد في"التنبيه" الحفر في موات بقوله [ص 221]: (ليتملكها أو لينتفع بها) وكذا في "أصل الروضة" 5، وكأنه للاحتراز عن حفرها عبثاً؛ فإنه عدوان يضمن به.
ثانيهما: يحتمل أن مراده: لا في ملكه وموات فلا عدوان فيه، وهو الموافق لعبارة "المحرر" 6، أو فلا ضمان فيه وإن كان عدواناً.
قال شيخنا الإمام البلقيني: وعلى كل من الاحتمالين يرد ما إذا حفر حفرة واسعة في ملكه قريباً من أرض جاره بحيث يؤدي إلى إضرار أرض جاره.. فإنه يكون متعدياً ضامناً لمن وقع في موضع
التعدي، قال: وكلامهم في إحياء الموات شاهد لهذا، قال: ويرد عليه على الاحتمال الأول ما لو حفر في ملكه المرهون المقبوض بغير إذن المرتهن، أو في ملكه الذي آجره إجارة صحيحة.. فهو حفر عدوان، ولا ضمان لو سقط فيه إنسان غير متعد بالدخول، قال: فلو سقط المستأجر.. ففيه نظر، والقياس: أنه لا يضمن.
قلت: إنما ينبغي أن يكون الحفر في المرهون تعدياً إذا نقصت به قيمة الأرض، وإلا.. فلا منع منه، والله أعلم.
4819 - قول "التنبيه" [ص 221]: (وإن حفر بئراً في ملكه فاستدعى رجلاً فوقع فيها فهلك؛ فإن كانت ظاهرة.. لم يضمن، وإن كانت مغطاة.. ففيه قولان) الأظهر: أنه يضمن إن لم يعلمه بها، ولا رأى أثراً يدل عليها أو كان أعمى، وقول "المنهاج" [ص 489]: (ولو حفر بدهليزه بئراً ودعا رجلاً فسقط.. فالأظهر: ضمانه) هو من الصور الداخلة في عبارة "التنبيه" لأن ملكه أعم من دهليزه، لكنه غاير في "أصل الروضة" بينهما، فقال فيما إذا حفر في ملك نفسه: فلو دخل ملكه داخلٌ بإذنه وتردى فيه.. لم يجب ضمانه إذا عرفه المالك أن هناك بئراً، أو كانت مكشوفة والداخل متمكن من التحرز، فأما إذا لم يعرّفه والداخل أعمى أو الموضع مظلم.. ففي "التتمة": أنه كما لو دعاه إلى طعام مسموم فأكله.
ولو حفر بئراً في دهليز داره ودعا إليها رجلاً فتردى فيها.. ففي الضمان قولان سبقا في أول (الجنايات)، أظهرهما: الوجوب.
انتهى 1.
ثم في عبارة "المنهاج" أمور:
أحدها: أن مقتضاها: أنه لا قصاص في الصورة التي ذكرها؛ لذكره في موجبات الدية، وهو الأظهر في "أصل الروضة" 2، لكن ذكرها "الحاوي" في موجب القصاص فقال: (وتغطية بئر الممر) ويوافقه أن الشافعي رضي الله عنه رجح في تقديم الطعام المسموم لبالغ عاقل من غير بيان حاله: وجوب القصاص، فقال: إنه أشبههما 3، وقد جمع في "أصل الروضة" بين هاتين المسألتين، ورجح فيهما عدم القصاص كما تقدم، ومقتضى ترجيح الشافعي في نظيرها وجوب القصاص ترجيحه فيها.
ثانيها: لا بد من تقييده بألا يعلمه بها ولا يرى أثراً يدل عليها؛ لظلمة أو تغطية أو كان أعمى كما تقدم في عبارة "التنبيه".
ثالثها: قد يفهم من تعبيره بالرجل أن الصبي ليس كذلك، وقد عبر به في "أصل الروضة" هنا، لكنه عبر في صدر كلامه بالداخل 1، وقال شيخنا الإمام البلقيني: لو كان صبياً غير مميز.. ضمنه قطعاً، بل يجب القصاص عند التكافؤ وكذلك المكره، وقول "المنهاج": (ودعاه) يخرج الإكراه.
انتهى.
وحمل بعضهم كلام "الحاوي" على ما إذا كان الداخل غير مكلف.
4820 - قول "التنبيه" [ص 221]: (وإن كان في داره كلب عقور فاستدعى إنساناً فعقره.. فعلى القولين) أي: في البئر المغطاة، ومقتضاه: تصحيح الضمان، وكذا صححه النووي في "تصحيحه"، لكن في "الروضة" الجزم بأنه لا قصاص ولا ضمان، قال: ولا يجعل على الخلاف الذي سبق في حفر البئر في الدهليز وتغطية رأسها؛ لأن الكلب يفترس باختياره، ولأنه ظاهر يمكن دفعه بالعصا والسلاح.
انتهى 2.
وهذا إذا لم يعلم الداخل أنه عقور، فإن علم ذلك.. فلا ضمان جزماً، وكذلك لو كان مربوطاً فصار إليه المستدعى جاهلاً بحاله.
4821 - قول "التنبيه" [ص 221]: (وإن حفر بئراً في طريق المسلمين.. وجب الضمان) أي: لمصلحة نفسه؛ بدليل قوله بعد ذلك: (وإن حفر البئر في طريق واسع لمصلحه الناس) 3 ويستثنى من الضمان: ما إذا كان غير ضار؛ لسعة الطريق أو انعطاف موضع البئر وأذن فيه الإمام كما ذكره "المنهاج" و"الحاوي" 4، وقال في "أصل الروضة": إنه الأصح، وبه قطع العراقيون والمتولي والروياني، قال: وهذا جار على ما سبق في (إحياء الموات) أن الأصح الذي عليه الأكثرون: أنه يجوز أن يقطع الإمام من الشوارع ما لا ضرر فيه، وأن للمقطع أن يبني فيه 5.
ولم يسبق له ذلك في (إحياء الموات)، والذي سبق هناك: أن لإِقطاع الإمام مدخلاً في الشوارع بالنسبة إلى الارتفاق بالجلوس فيها على الأصح عند الجمهور، وهو المنصوص 6، وظاهر كلامهم: إذن الإمام قبل الحفر، لكن حكى أبو الفرج الزاز عن الأكثرين أن إجازة الإمام ذلك وتقريره بعد وقوعه ينزل منزلة الإذن المقارن، وصرح به الشيخ أبو حامد في الحفر لمصلحة عامة.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: ومقتضى الفقه: عدم الفرق بينه وبين الحفر لمصلحة نفسه.
4822 - قول "التنبيه" [ص 221]: (وإن حفر البئر في طريق واسع لمصلحة الناس، أو بنى مسجداً أو علق قنديلاً في مسجد أو فرش فيه حصيراً ولم يأذن له الإمام في شيء من ذلك فهلك به إنسان.. فقد قيل: يضمن، وقيل: لا يضمن) الأصح: عدم الضمان، وعليه مشى "المنهاج" في البئر فقال: (إذا كان بغير إذن الإمام لمصلحة عامة.. فلا في الأظهر)، وهو مفهوم قول "الحاوي" [ص 549، 550]: (ولغرضه دون إذن الإمام) وهنا أمور:
أحدها: أن كلام "التنبيه" يقتضي أن الخلاف وجهان، وصرح به في "المهذب" 1، وسبقه إليه الشيخ أبو حامد، وحكاه في "الروضة" و"المنهاج" قولين 2، وحكى الرافعي في "الشرح" الخلاف في ذلك 3.
ثانيها: قد عرفت أن تقرير الإمام عليه بعد فعله كابتداء الإذن فيه كما صرح به الشيخ أبو حامد، وحكاه الزاز عن الأكثرين.
ثالثها: محل الخلاف: ما إذا لم ينهه الإمام عن ذلك، فإن نهاه ففعل.. كان ضامناً، ذكره أبو الفرج الزاز، وهو ظاهر.
رابعها: ما ذكره "التنبيه" في بناء المسجد هو فيما إذا بناه للمسلمين، فإن بناه لنفسه.. فكالحفر له، ذكره في "الكفاية".
4823 - قول "المنهاج" [ص 490]: (ومسجدٌ كطريقٍ) يقتضي أنه يجوز أن يحفر فيه بئراً لمصلحة نفسه خاصة بإذن الإمام، قال شيخنا الإمام البلقيني: وهذا لا يقوله أحد، قال: وأما الحفر للمصلحة العامة.. فلا يجوز أيضًا؛ لأن الواقف إنما جعل المسجد للصلاة، فإن حفر بالوعة لاحتياج المسجد إليها على وجه لا يخل بمقصود الواقف في الصلاة.. لم أمنع من ذلك.
انتهى.
4824 - قوله: (وما تولد من جناحٍ إلن شارعٍ فمضمونٌ) 4 مثل قول "الحاوي" في المضمونات [ص 550]: (كالإشراع) وفيه أمران:
أحدهما: أنه قد يفهم أنه يجب به ضمان الكل سواء سقط الكل أو البارز فقط، وليس كذلك، بل هو كالميزاب؛ إن سقط كله.. فالواجب النصف، أو الخارج فقط.. ضمن الكل.
ثانيهما: قد يفهم الضمان ولو تولد الهلاك منه بغير سقوطه؛ كما إذا صدمه راكب شيء عال.
أو سقط منه حيوان؛ كفأر ونحوه فتلف بذلك شيء، وليس كذلك، فلا ضمان فيهما كما ذكره
شيخنا الإمام البلقيني، وقال: لم أر من تعرض له، والقياس ما ذكرته، ولا يرد شيء من ذلك على قول "التنبيه" [ص 221]: (وإن أخرج روشناً إلى الطريق فوقع على إنسان ومات.. ضمن نصف الدية، وإن تقصف من خشبه الخارج شيء فهلك به إنسان.. ضمن جميع الدية).
لكن يرد عليه: أن الروشن في اللغة: الكوة كما ذكره في "الصحاح"، فتعبيرهما بالجناح أولى؛ ولهذا عبر به ابن يونس في "النبيه" وهي عبارة "المهذب" 1، لكن قال النووي في "التحرير": الروشن: الخارج من الخشب 2، ثم كلام "التنبيه" صريح في أن الضمان على المخرج للروشن؛ أي: عاقلته، ومقتضاه: استمرار ذلك ولو باعه، وكذا حكاه في "أصل الروضة" عن البغوي 3.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: الأصح عندي: لزومه لعاقلة المالك له حالة التلف، قال: ولو تعلق بعاقلة الواضع كما قال البغوي.. لتعلق بعاقلة الصانع الذي وضعه للمالك.
انتهى.
ولا يرد ذلك على عبارة "المنهاج" و"الحاوي" لأنهما أطلقا الضمان ولم يبينا المضمون عليه، وإن أورده شيخنا الإمام البلقيني على "المنهاج".
4825 - قول "المنهاج" [ص 490]: (ويحل إخراج الميازيب إلى شارع) فيه أمران:
أحدهما: محله: ما إذا كانت عالية لا تضر بالمارة كما في الجناح.
ثانيهما: قيده شيخنا الإمام البلقيني بالمسلم، قال: فيمتنع على الذمي كالجناح على الأصح، قال: ويحتمل ترتيبها على الجناح؛ لأن الجناح يمشي عليه الذمي ويقعد وينام، فكان أشد من إعلاء بنائه، بخلاف الميزاب، قال: والأرجح: أنه لا فرق 4.
4826 - قوله: (وإن سقط كله.. فنصفه في الأصح) 5 يقتضي أن الخلاف وجهان، وهو في "أصل الروضة" وجهان أو قولان 6، وحكاه الماوردي قولين، قال: وقال الشافعي: لا أبالي بأي طرفيها أصابه؛ لأنه قتله بثقلها 7.
4827 - قول "التنبيه" [ص 221]: (وإن بنى حائطاً في ملكه فمال إلى الطريق فلم ينقضه حتى وقع على إنسان فقتله.. لم يجب الضمان على ظاهر المذهب، وقيل: يضمن) شرطه: أن يمكنه
هدمه أو إصلاحه، كما صرح به "المنهاج" 1، وتعبيره عنه بـ (قيل) يقتضي أن مقابله وجه بمقتضى إصلاحه، وكذا في "الروضة" وأصلها أن الخلاف وجهان، لكن الأول هو المنصوص في "المختصر" 2، وسوى في "أصل الروضة" بين ميله إلى الشارع وميله إلى ملك جاره 3، ومقتضاه: تصحيح عدم الضمان في الثانية أيضاً، لكن صحح فيها شيخنا الإمام البلقيني: الضمان.
4828 - قول "المنهاج" [ص 490]: (ولو سقط بالطريق فعثر به شخص أو تلف مال.. فلا ضمان في الأصح) قال شيخنا الإمام البلقيني: محله: ما إذا لم يقصر في رفعه، فإن قصر في رفعه.. كان ضامناً؛ لتعديه بالتأخير.
4829 - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (ولو طرح قمامات وقشور بطيخ بطريق.. فمضمون على الصحيح) 4 فيه أمور:
أحدها: محله: ما إذا كان المتعثر بها جاهلاً بها، فلو علم بها ومشى عليها قصداً.. فلا ضمان.
ثانيها: قال الرافعي: ولك أن تقول قد: يوجد بين العمارات مواضع معدة لذلك، تسمى الساباطات والمزابل، وتعد من المرافق المشتركة بين سكان البقعة، فيشبه أن يقطع بنفي الضمان إذا كان الإلقاء فيها؛ فإنه استيفاء منفعة مستحقة، ويخص الخلاف بغيرها 5.
ورده شيخنا الإمام البلقيني: بأن تلك المزابل إن كانت في منعطف غير داخل في حكم الشارع.. فلا حاجة لذكرها؛ لأن الكلام في الشارع، وإلا.. فليس لهم فعل ذلك فيها حتى يقال: قد استوفوا منفعة مستحقة.
ثالثها: تعبير "المنهاج" بالصحيح يقتضي ضعف مقابله، وقد قال في "أصل الروضة": إنه قطع به الجمهور 6، لكن نازع في ذلك شيخنا الإمام البلقيني، وقال: إن مقابله قوي؛ لفعل الناس له في الأعصار والأمصار من غير إنكار، وذلك يدل على أنه من مرافق الشارع، ثم بسط ذلك، ثم قال: والأصح عندنا في قشور البطيخ: أنه يقتضي الضمان، وفي القمامة غيره: أنها لا تقتضي ضماناً.
4830 - قول "الحاوي" [ص 549]: (ورشَّ ماءً لا لعامِّ مصلحةٍ) أي: فلا يضمن فيما إذا كان لعام مصلحة.
محله: ما إذا لم يجاوز العادة.
4831 - قول "التنبيه" [ص 221]: (فإن حفر بئراً ووضع آخر حجراً فعثر إنسان بالحجر ووقع في البئر فمات.. وجب الضمان على واضع الحجر) و"الحاوي" [ص 551]: (وأول الشرطين؛ كحفرٍ ونصب نصلٍ فيه) محله: ما إذا كان الأول - أي: في الإتلاف - متعدياً كما صرح به "المنهاج"، قال [ص 490]: (فإن لم يتعد الواضع.. فالمنقول: تضمين الحافر) قال الرافعي: وينبغي أن يقال: لا يتعلق بالحافر والناصب كما سنذكره فيما لو حفر بئراً عدواناً وحصل حجر على طرف البئر بحمل السيل أو بوضع حربي أو سبع فعثر رجل بالحجر ووقع في البئر فهلك.. فلا ضمان على أحد، قال: ويدل عليه أن المتولي قال: لو حفر بئراً في ملكه ونصب غيره فيها حديدة فوقع رجل في البئر فجرحته الحديدة ومات.. فلا ضمان على واحد منهما.
انتهى 1. فكيف يقال: المنقول: كذا، وهذا نقل آخر يخالفه؟ !
وقد عبر في "الروضة" وأصلها بالمنقول مع ذكرهما كلام المتولي هذا 2، فكأنهما أرادا: المنقول المشهور، وفرق شيخنا الإمام البلقيني بين مسألتنا ومسألة السيل: بأن الأول فعل ممن يقبل الضمان، فإذا سقط عنه لعدم تعديه.. لم يسقط عن المتعدي، بخلاف السيل ونحوه؛ فإنه ليس متهيّأ للضمان أصلاً، فسقط الضمان بالكلية، ثم خالف ما ذكره الرافعي في مسألة السيل، وإن ذكره القاضي حسين وغيره، وصحح: أنه يضمن حافر البئر وفاقاً لما جزم به الماوردي فيما إذا برزت بقلة من الأرض فعثر بها مار وسقط على الحديدة المنصوبة بغير حق فمات.. أن ضمانه على واضع الحديدة 3، قال شيخنا: وهو القوي الجاري على القواعد.
انتهى.
وادعى شيخنا ابن النقيب أن قول "المنهاج" [ص 490]: (عدواناً) يعود إلى وضع الحجر فقط؛ فإن الحافر لا شيء عليه سواء حفر متعدياً أم في ملكه، ثم قال في قوله: (فالمنقول: تضمين الحافر) أي: إذا كان متعدياً 4، فصرف الدلالة الظاهرة عن مدلولها، ثم احتاج بعد ذلك إلى تقديرها، فالصواب: عوده إليهما كما هو قاعدة الشافعي رضي الله عنه ويدل لذلك أنه في "الروضة" وأصلها في تصوير هذه المسألة صورها بأن يكون حفر البئر عدواناً 5، والله أعلم.
4832 - قول "المنهاج" [ص 490]: (ولو وضع حجراً وآخران حجراً فعثر بهما.. فالضمان أثلاث، وقيل: نصفان) رجح شيخنا الإمام البلقيني: الثاني؛ لأن التعثر بالحجرين، فالتوزيع عليهما؛ لأنهما اللذان لاقيا البدن، وليس هذا كالجراحات التي لها نكاية في الباطن، بل
هو إلى صورة الضربات أقرب، بل أولى بالحكم فيها.
4833 - قول "المنهاج" [ص 490]: (ولو عثر بقاعدٍ أو نائمٍ أو واقفٍ بالطريق، وماتا أو أحدهما.. فلا ضمان إن اتسع الطريق) تبع فيه "المحرر" 1، وهو وهمٌ لا يعرف في غيره، والمجزوم به في "الروضة" وأصلها أن على عاقلة العاثر دية القاعد والنائم والواقف، وأما العاثر: فإنه هدر، وسواء كان القاعد أو الواقف بصيراً أو أعمى، وسواء أكان في طريق واسع كما صوره "المنهاج"، أو في ملكه أو في موات 2، لكن حكى شيخنا الإمام البلقيني الخلاف في ذلك، قال: بل صحح القاضي حسين والإمام والغزالي في "البسيط": أنه يهدر دم القاعد والنائم أيضاً، وإنما تجب دية الواقف، وهو ظاهر النص 3.
4834 - قول "التنبيه" [ص 222]: (وإن قعد في طريق ضيق فعثر به إنسان وماتا.. وجب على كل واحد منهما دية الآخر) الذي في "الروضة": أن المذهب المنصوص: أن دم القاعد مهدر 4، وعليه مشى "الحاوي" فقال في المضمون [ص 549]: (كأن قعد فتعثر به ماشي وهدر) أي: القاعد، وبقائم عكس، لكنه أطلق هذا الكلام، ومحله: في الضيق، فإن كان واسعاً.. فبالعكس كما تقدم، وعليه مشى "المنهاج" أيضًا فقال [ص 490]: (وإلا.. فالمذهب: إهدار قاعد ونائم لا عاثر بهما، وضمان واقف لا عاثر به) ونازع شيخنا الإمام البلقيني في أن هذا هو المذهب، وقال: لم يصححه غير البغوي 5، قال: والذي يعتمد عليه في ذلك نصه في "الأم"، وهو: إهدار العاثر، وضمان الواقف والقاعد والنائم 6، وأنه يستوي في ذلك اتساع الشارع وضيقه.
وذهب العراقيون إلى أنه إذا وقف أو قعد في طريق ضيق فعثر به إنسان وماتا.. فعلى كل واحد منهما دية الآخر، حكاه ابن الصباغ عن نصه في القديم، وقال: فأما قوله الجديد الذي نقله المزني: فدية الصادم هدر، فأكثر أصحابنا قالوا: إنما أراد: إذا كان الطريق واسعاً.
انتهى.
وهذا كله إذا لم يكن من الواقف فعل، فإن كان؛ بأن انحرف إلى الماشي فأصابه في انحرافه وماتا، فهما كماشيين اصطدما.. فعلى كل واحد منهما نصف دية الآخر.
واعلم: أنا حيث قلنا في هذا الفصل: يجب الضمان.. فالمراد: أنه يتعلق الضمان بفعله، وهو مضروب على عاقلته.
4835 - قول "الحاوي" [ص 549]: (كلٌّ في شارع) كذلك المسجد، لكن لو جلس فيه لأمر ينزه المسجد عنه، أو نام غير معتكف.. فهو كما لو نام في الطريق، حكاه في "أصل الروضة" عن البغوي، وأقره (1).
فصل [في الاصطدام]
4836 - قول "التنبيه" [ص 222]: (وإن اصطدما فماتا.. وجب على كل واحد منهما نصف دية الآخر) لا يخفى أن الكلام في الحرين، وصرح به "المنهاج و"الحاوي" 2، وسنتكلم عليه بعد ذلك، وقوله: (وجب على كل واحد منهما) أي: يتعلق بفعله، وهو مضروب على العاقلة، وهي دية مخففة إن كان بلا قصد، ومغلظة مع القصد، وقد صرح بذلك "المنهاج" فقال [ص 490]: (اصطدما بلا قصد.. فعلى عاقلة كلٍّ نصف دية مخففةٍ، وإن قصدا.. فنصفها مغلظة) أي: على العاقلة أيضاً كما يفهمه كلامه، وصرح به في "المحرر" 3، وهذا الذي ذكرناه من أنها مع القصد على العاقلة أيضاً هو الذي نص عليه في "الأم" 4، وحكاه الرافعي عن الأكثرين؛ لأن الغالب أن الاصطدام لا يفضي إلى الموت، فلا يتحقق فيه العمد المحض؛ ولذلك لا يتعلق به القصاص إذا مات أحدهما دون الآخر، وذهب أبو إسحاق إلى أنه عمد، وتجب الدية في تركتهما، واختاره الإمام والغزالي 5، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 577]: (وعلى عاقلة كلٍّ نصف دية الآخر، لا إن تعمدا) ثم قال شيخنا الإمام البلقيني: إنه لو كان أحدهما ضعيفاً وحركته ضعيفة بحيث يقطع بأنه لا أثر لحركته مع الآخر.. فهو كالواقف، فيهدر القوي، وعلى عاقلته دية الضعيف كما سيأتي عن الإمام في الدابتين 6. 4837 - قول "المنهاج" [ص 490] و"الحاوي" [ص 577] فيما إذا مات مركوباهما: (وفي تركة كل نصفُ قيمة دابة الآخر) قال الإمام: لكن لو كانت إحدى الدابتين ضعيفة بحيث يقطع أنه لا أثر لحركتها مع قوة الدابة الأخرى.. لم يتعلق بحركتها حكم؛ كغرز الإبرة في جلدة العقب مع الجراحات العظيمة، حكاه عنه في "أصل الروضة" 7، وهو محتمل للقيد والوجه، وجعله شيخنا1
الإمام البلقيني قيداً، ثم أورد عليه قول الشافعي رضي الله عنه: (وسواء كان أحد الراكبين على فيل والآخر على كبش، أو كانا على دابتين سواء ومتقاربتين) 1 ثم قال: للإمام أن يقول: للكبش حركة لها وقع، والكلام في دابة ضعيفة يقطع بأنه لا أثر لحركتها مع الدابة الأخرى.
قلت: للكبش حركة لكن مع صدمة الفيل.. فلا، والله أعلم.
4838 - قول "المنهاج" في الصبيين والمجنونين [ص 491]: (وقيل: إن أركبهما ولي.. تعلق به الضمان) فيه أمور:
أحدها: قد يفهم أن المراد: ولي المال.
وليس كذلك، بل المراد هنا كما قال شيخنا الإمام البلقيني: ولي الحضانة الذكر، قال: وذلك ظاهر من قول الشافعي رضي الله عنه: (أو حملهما عليها أبواهما أو ولياهما في النسب) 2، قال: ومن ذلك يؤخذ أن المعتق لا يدخل في ذلك، ولا كل الإناث، ولا كل ذكر لا حق له في الحضانة، ويدخل السلطان في ذلك؛ لأن له الحضانة، وإنما قيد الشافعي بالنسب؛ لإرادته الولاية الخاصة، وقد عرف انتقال الحضانة للسلطان عند فقد القريب، قال: وقد عرف أن ولاية النسب هنا لا تكون إلا بالحضانة؛ فلذلك قلنا: إن المراد به: ولي الحضانة، ولم أر من تعرض لذلك.
ثانيها: قال في "أصل الروضة": الوجهان مخصوصان بما إذا ظهر ظن السلامة، فأما إذا أركبه الولي دابة شرسة جموحاً.. فلا شك أنه يتعلق به الضمان 3.
ثالثها: قال في "أصل الروضة" أيضاً: كذا أطلق جماعة الوجهين، وخصهما الإمام لإركاب لزينة أو حاجة غير مهمة، فأما إذا مست حاجة أرهقت إلى إركابه للنقل من مكان إلى مكان.. فلا ضمان قطعاً 4.
قال شيخنا الإمام البلقيني: وينبغي أن يضاف إلى ذلك: ألاّ ينسب الولي إلى تقصير فى ترك من يكون معهما ممن جرت العادة بإرساله مع الصبيان.
رابعها: فهم من تعبيره بـ (قيل) أن المرجح وجه أيضًا، وبه صرح في "أصل الروضة" 5، وليس كذلك، بل نص عليه في "الأم" 6.
4839 - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (ولو أركبهما أجنبي.. ضمنهما ودابتيهما) 1 فيه أمور: أحدها: قال شيخنا الإمام البلقيني في "حواشيه": الذي يظهر لي - والله أعلم بالصواب - أن الصبيين إذا كانا حرين.. فالحر لا يدخل تحت اليد، والركوب ليس من الشروط المقتضية للضمان فضلاً عن الإركاب؛ وحينئذ.. فينبغي ألاَّ يضمن المركب من أركبه ولا من تلف بمن أركبه، وسواء أقلنا: عمد الصبي عمد أم خطأ، ويكون كما لو ركبا بأنفسهما.
ثانيها: قال شيخنا المذكور في "تصحيحه": هذا مشكل على تصحيح المصنف فيمن وضع صبياً في مسبعة بحيث لا قدرة له على التخلص، فافترسه السبع.. من أنه لا ضمان وصححنا هناك خلافه، وهذه المسألة تشهد لنا؛ فإن الإركاب مع كون الصبي يستمسك في الركوب على الدابة يبعد فيه الهلاك، وطرح الصبي في الأرض المذكورة يقرب فيه الهلاك.
ثالثها: قال شيخنا في "تصحيحه" أيضًا: محل ضمان الأجنبي: إذا كان مثلهما لا يضبط الدابة، فإن كان يضبطها.. فهو كما لو ركبا بأنفسهما، قال الشافعي رضي الله عنه: (فإن حملهما أجنبيان ومثلهما لا يضبط الدابة.. فدية من أصابا على عاقلة الذي حملهما؛ لأن حملهما عدوانٌ عليهما، فيضمن ما أصابا في حملهما) 2.
رابعها: قال في "الوسيط": لو تعمد الصبي والحالة هذه.. احتمل أن يحال الهلاك عليه إذا قلنا: عمده عمد؛ لأن المباشرة مقدمة على السبب، قال الرافعي: وهذا احتمال حسن، فإن قيل به.. فحكمه كما لو ركبا بأنفسهما، والاعتذار عنه تكلف 3.
4840 - قول "المنهاج" [ص 491] و"الحاوي" [ص 578]: (وعبدان مهدران) فيه أمور:
أحدها: يستثنى من ذلك: ما إذا امتنع بيعهما مطلقاً؛ كابني مستولدتين أو موقوفين أو منذور إعتاقهما فلا يهدران؛ لأنهما حينئذ كالمستولدتين، وحكم المستولدتين أن على سيد كل واحدة فداء النصف الذي جنت عليه مستولدته للآخر بأقل الأمرين من قيمتها وأرش الجناية؛ لأنه باستيلادها مانع من بيعها، وإن كان لفظ العبد يتناول الأمة.. استثنيت المستولدتان أيضاً، وقد ذكرها "الحاوي" فقال [ص 578]: (وتقاصتا في مستولدتين، وإن ساوتا مئتين، ومئةً فضل خمسون).
ثانيها: ويستثنى أيضًا: المغصوبان، فعلى الغاصب فداء كل نصف منهما بأقل الأمرين.
ثالثها: استثنى شيخنا الإمام البلقيني مع هاتين الصورتين: ما إذا أوصى أو وقف لأرش
ما يجنيه العبدان، قال: فيصرف منه لسيد كل عبد نصف قيمة عبده، قال: وهذا وإن لم يتعرضوا له فقهه واضح.
4841 - قول "المنهاج" [ص 491]: (أو سفينتان.. فكدابتين، والملاحان كراكبين إن كانتا لهما، فإن كان فيهما مال لأجنبي.. لزم كلاً نصف ضمانه، وإن كانتا لأجنبي.. لزم كلاً نصف قيمتهما) محله: فيما إذا كان الاصطدام بفعل الملاحين، أو قصّرا في الضبط مع إمكانه، أو سيرا في ريح شديدة، فإن لم يكن شيء من ذلك.. فذكر "التنبيه" فيه قولين: ثانيهما: أنه لا ضمان، وهذا الثاني هو الأظهر 1، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 578]: (وغلبة الريح بحلفه تُهدر).
ويرد عليه وعلى "المنهاج" في إطلاقهما أن الملاح كالراكب: أن الملاحين لو تعمدا الاصطدام بما يعده أهل الخبرة مفضياً إلى الهلاك فغرقا.. فنصف دية كل منهما في تركة الآخر، بخلاف المصطدمين؛ فإنه على عاقلته كما تقدم، وقد ذكر ذلك في "أصل الروضة" بالنسبة لإيجاب القصاص لأولياء الركاب على الملاحين 2.
قال شيخنا الإمام البلقيني: ويجري حكم العمد في الدية أيضاً بالنسبة إليهما، ولو مات أحدهما بما صدر من التعمد دون الآخر.. وجب القصاص على الحي بناء على إيجاب القصاص على شريك جارح نفسه، وهو المعتمد، قال شيخنا أيضاً: وقضية التشبيه: أن الراكبين لو كانا صبيين أقامهما الولي، أو أجنبي في السفينتين.. أن الحكم كذلك، ولم أر أحداً ذكره، والذي يقتضيه الفقه: القطع هنا بأنه لا ضمان على الولي والأجنبي.
انتهى.
ثم ما أطلقوه من أن على كل ملاح ضمان نصف المال.
قال في "الكفاية": كذا أطلقوه، والمراد به: استقرار الضمان وإلا.. فلمالك كل سفينة مطالبة ملاحها بكل ضمانها، ولمالك كل مطالبة قائد سفينته بكل ضمانه، وقرار الضمان في النصف من ذلك على كل منهما، صرح به الفوراني وغيره، ووجهه تقصير كل منهما، فدخلت سفينته وما فيها في ضمانه، وقد شاركه في الإتلاف غيره، فضمنا نصفين، وقول "التنبيه" في المسألة [ص 222]: (وقيل: القولان إذا لم يكن منهما فعل، فأما إذا سيرّا السفن ثم اصطدما.. وجب الضمان قولاً واحداً، وقيل: القولان في الجميع) نبه النووي في "التحرير" على أن كلامه الأخير تكرار؛ لأنه حكى القولين في الجميع 3، فقال بعضهم: لو قال: (فقيل: القولان إذا لم يكن منهما فعل) بالفاء.. لاستقام.
4842 - قول "المنهاج" [ص 491]: (ولو أشرفت سفينةٌ على غرق.. جاز طرح متاعها،
ويجب رجاء نجاة الراكب، فإن طرح مال غيره بلا إذنٍ.. ضمنه، وإلا.. فلا) فيه أمور:
أحدها: قال في "أصل الروضة": ويجب إلقاء ما لا روح فيه لتخليص ذي الروح، ولا يجوز إلقاء الدواب إذا أمكن دفع الغرق بغير الحيوان، وإذا مست الحاجة إلى إلقاء الدواب.. ألقيت لإبقاء الآدميين، والعبيد كالأحرار 1.
ثانيها: استشكل ذلك شيخنا الإمام البلقيني: بأنه إن جعلت الخيرة في عين المطروح للملاح ونحوه.. فهو غير لائق، وإن توقف على إذن صاحبه.. فقد لا يأذن، فيحصل الضرر، ثم قال: إنه يحتاج إلى إذن المالك في حالة الجواز 2 دون الوجوب 3، فلو كانت لمحجور.. لم يجز إلقاؤها في محل الجواز، ويجب في محل الوجوب.
ولو كانت مرهونة أو لمحجور عليه بفلس أو لمكاتب أو لعبد مأذون عليه ديون.. وجب إلقاؤها في محل الوجوب، وامتنع في محل الجواز إلا باجتماع الراهن والمرتهن، أو السيد والمكاتب أو السيد والمأذون والغرماء في الصور المذكورة، فلو رأى الولي في محل الجواز أن إلقاء بعض أمتعة محجوره يسلم به باقيها.. فقياس قول أبي عاصم العبادي: فيما لو خاف الوصي استيلاء غاصب على المال فله أن يؤدي شيئا لتخليصه: جوازه هنا، والله أعلم.
ثالثها: أن قوله: (رجاء نجاة الراكب) إن كان تعليلاً للمسألتين.. فكيف تصلح هذه العلة الواحدة للجواز تارة والوجوب أخرى؟، وإن كان للوجوب فقط.. فكيف يستقيم الجواز بدون ذلك؟ أورده شيخنا الإمام البلقيني بمعناه، ثم قال: والذي يقال في ذلك: أنه إن حصل هول خيف منه الهلاك مع غلبة السلامة.. جاز إلقاء غير ذات الروح رجاء نجاة الراكب، وإن غلب الهلاك مع ظن النجاة بالطرح.. وجب.
رابعها: لا بد من تقييد الراكب بكونه محترماً؛ ليخرج الحربي والمرتد والزاني المحصن وغيرهم، فلا يلقى مال محترم لنجاة راكب غير محترم، ويرد على قول "الروضة": (ويجب إلقاء ما لا روح فيه لتخليص ذي الروح) 4 الكلب العقور والخنزير، فلا يلقى لأجلهما ما لا روح فيه.
4843 - قول "التنبيه" في (باب الضمان) [ص 106]: (وإن قال: ألق متاعك في البحر وعلى ضمانه فألقاه.. لزمه ضمانه) أهمل له شرطين:
أحدهما: أن يقوله في حال إشراف السفينة على الغرق.
والثاني: ألاَّ يختص نفع الإلقاء بالملقي فقط، فإن اختص به.. لم يصح الضمان، وقد ذكرهما "المنهاج" فقال [ص 491]: (وإنما يضمن ملتمسٌ لخوف غرقٍ، ولم يختص نفع الألقاء بالملقي) و"الحاوي" فقال [ص 579]: (ومن قال لخوف الغرق: ألق متاعك ضامناً.. لزمه، لا إن احتاج الملقي فقط) ولم يتعرضا لإلقائه، كما صرح به "التنبيه" و"المحرر" 1 لوضوحه.
ولكن فائدة ذكره: أنه لابد أن يلقيه صاحبه أو مأذونه، فلو ألقاه شخص بغير إذنه أو سقط بريح أو غيرها.. لم يلزم القائل شيء، ثم في كلامهم أمور:
أحدها: قال شيخنا الإمام البلقيني: لا بد من الإشارة إلى ما يلقيه، فيقول: هذا، أو يكون المتاع معلوماً للقائل، فإن لم يكن معلوماً.. فلا يضمن إلا ما يلقيه بحضرته، ولا بد من استمراره على الضمان، فلو رجع عنه قبل الإلقاء.. لم يلزمه شيء، قال: ولم أر من تعرض له.
ثانيها: أنهم لم يبينوا المضمون هل هو المثل ولو صورة كالقرض، أو القيمة مطلقاً، أو المثل في المثلي والقيمة في المتقوم؟ وصرح في "الروضة" بالقيمة.
ذكره في صيغة الضمان، فقال: أو على أني ضامن قيمته، وفى الحكم: فقال: قال البغوي: تعتبر قيمة الملقى قبل هيجان الأمواج؛ فإنه لا قيمة للمال في تلك الحال.
ولا تجعل قيمة المال في البحر وهو على خطر الهلاك كقيمة البر 2.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: إن سمى ثمناً حالاً أو مؤجلاً.. لزمه ما سمى، وإلا.. فإن قلنا: إن الضامن لا يملك الملقى - وبه صرح الإمام وهو الأرجح -.. لزمه مثله إن كان مثلياً، وقيمته إن كان متقوماً كالشراء الفاسد، وإن قلنا: يملكه - وهو ما صرح به الماوردي -.. لزمته قيمته من النقد باعتبار تلك الحالة لا قبل الهيجان خلافاً للبغوي، ثم قال: وعلى الجملة فالأرجح: ما قال الإمام من عدم الملك، والأرجح على هذا: ضمان القيمة مطلقاً وتعذر ضمان المثل؛ لأنه لا مثل لمشرف على هلاك إلا مشرف على هلاك، وذاك بعيد، فتعينت القيمة، قال: ولم أر من حقق ذلك.
ثالثها: ما جزم به "المنهاج" و"الحاوي" من عدم اللزوم فيما إذا اختص نفعه بالملقي فقط ذكره القفال والقاضي حسين والبغوي وغيرهم 3، ولم يحك فيه الرافعي والنووي خلافاً، وحكى أبو الفرج الزاز في "تعليقه" عن بعض الأصحاب تصحيح هذا الضمان، وعن الشيخ أبي على: أنه على وجهين كما لو قال: أعتق عبدك عني وعليّ قيمته.
قال شيخنا الإمام البلقيني: وقضيه هذا البناء تصحيح الصحة كالأصح هناك، قال: والأصح
عندنا: الصحة، وللإنسان قصد في أن يسعى بدفع شيء من ماله في نجاة غيره.
4844 - قول "الحاوي" [ص 579]: (وأنا والركبان ضامنون.. لزمه حصته ولزمهم حصتهم إن رضوا) ينبغي حمله على ما إذا قصد الإخبار عن ضمان سبق منهم وصدقوه، فإن قصد الإنشاء ورضوا به.. فقيل: يلزمهم، ورجحه في "الوسيط"، وقال: يسامح فيه للحاجة، بخلاف سائر العقود 1، والظاهر كما قال الرافعي خلافه؛ لأن العقود لا توقف، وفي "أصل الروضة": إنه الصحيح 2.
ولو أذن له في الإلقاء فألقاه.. فهل تلزمه الحصة أم الجميع؛ لأنه باشر الإتلاف؟ وجهان بلا ترجيح في "الروضة" 3، أما لو زاد على قوله: (أنا والركبان ضامنون كل واحد منا على الكمال.
أو على أني ضامن وكل واحد منهم ضامن).. فعليه ضمان الجميع، وكذا يلزمه الجميع على الأصح إذا قال: أنا ضامن وركاب السفينة، أو على أن أضمنه أنا والركاب، أو قال: وأنا ضامن وهم ضامنون.
4845 - قولهما: (ولو عاد حجر منجنيق فقتل أحد رماته.. هُدِرَ قسطه، وعلى عاقلة الباقين الباقي) 4 استثنى منه شيخنا الإمام البلقيني: ما إذا حصل ذلك بأمر صنعه رفقاؤه، وقصدوا الرفيق المذكور بسقوطه عليه، وغلبت إصابته.. فهو عمد لا تحمله العاقلة، بل في أموالهم، ولا قصاص عليهم؛ لأنهم شركاء مخطئ، قال: ولم ينبه عليه أحد، وكأنهم تركوه؛ لأنه لا يتصور عندهم، ونحن صورناه، فلا خلاف بيننا وبينهم.
4846 - قول "المنهاج" [ص 491]: (أو غيرهم ولم يقصدوه.. فخطأٌ، أو قصدوه.. فعمدٌ في الأصح إن غلبت الإصابة) أحسن من قول "الحاوي" [ص 579]: (وإن أصاب واحداً وقصدوه قادرين.. فعمدٌ، وعلى مبهمٍ شبهُهُ، وإلا.. فخطأ) لأنه يتناول واحداً من الرماة، ولم يصور الأصحاب فيه العمد كما تقدم، فما أراد إلا واحداً من غيرهم، فأفصح "المنهاج" بذلك، وأيضاً فلا يختص الحكم بإصابة واحد؛ فقول "المنهاج": (غيرهم) أعم، وقوله: (قادرين) هو كقول "المنهاج": (إن غلبت الإصابة)، وقوله: (وعلى مبهم شبهه) أي: شبه عمد، هي الصورة الخارجة بمفهوم قول "المنهاج": (إن غلبت الإصابة) وقول "الحاوي": (قادرين) فإن مراده بها: ما إذا قصدوا واحداً والغالب أنه لا يصيبه وهم قادرون على إصابة غير معين، فلم يقصدوا مبهماً، ولكن لا يقع رميهم إلا على مبهم، ففي تعبيره عن ذلك قلق.
ونازع شيخنا الإمام البلقيني في اعتبار غلبة الإصابة، وقال: ذكره جماعة، وهو غير معتبر على أصل الشافعي؛ لأن الغلبة إنما تعتبر في الآلة أن تهلك غالباً لا في إصابتها، فمتى أمكنت الإصابة وحصلت.. وجب القود كما لو رمى شخصاً بسهم قد يصيبه وقد لا يصيبه، فأصابه فقتله، أو ألقى حجراً من سطح على مار قد يصيبه وقد لايصيبه فأصابه فقتله.. فيجب القود فيهما، وقول "المنهاج": (في الأصح) تبع فيه "المحرر" و"الشرح الصغير" 1، والذي في "الشرح الكبير": إنه الذي قطع به الصيدلاني والإمام والغزالي والمتولي، ورجحه البغوي والروياني، وقطع العراقيون بمقابله، وهو أنه شبه عمد، قال الرافعي: ويشبه أن يقال: الخلاف راجع إلى أنه هل يتصور تحقيق هذا القصد في المنجنيق؟ 2.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: لم يثبت أحد من المصنفين في الطريقين هذا الخلاف، وإنما بعض العراقيين يقول: لا يتصور قصد رجل بعينه بالمنجنيق، وإنما يتفق وقوعه ممن وقع، وخالفهم آخرون فقالوا: إن ذلك يتصور.
4847 - قول "التنبيه" [ص 222]: (وإن وقع رجل في بئر فجذب ثانياً والثاني ثالثاً والثالث رابعاً وماتوا - أي: بوقوع بعضهم على بعض -.. وجب للأول ثلث الدية على الثاني، والثلث على الثالث ويهدر الثلث) محله: فيما إذا كان الوقوع في البئر غير مهلك، فإن كان مهلكاً، فالأول هلك بصدمة البئر أيضًا.. فديته أرباع، ربع على عاقلة الحافر إن كان الحفر عدوانا، فإن لم يكن عدواناً.. هدر أيضاً، والأرباع الباقية على ما ذكر في الأثلاث، ولا أثر للصدمة في حق الباقين، فديتهم على ما هي عليه، أما إذا كانت البئر واسعة فلم يقع بعضهم فوق بعض.. فدية كل مجذوب على عاقلة جاذبه، ودية الأول على عاقلة الحافر إن كان متعدياً.
4848 - قول "الحاوي" [ص 579]: (وإن تزلق وجذب ثانياً، وهو ثالثاً.. هدر ثلث الأول، وثلثاه على الحافر والثاني) لا يخفى أن محله: إذا كان الحافر متعدياً، وإلا.. هدر ثلث آخر، والله أعلم.
4849 - قول "التنبيه" [ص 222]: (وإن تجارح رجلان فماتا.. وجب على كل واحد منهما دية الآخر) محله فيما إذا كان ذلك خطأ أو شبه عمد، فإن كان عمداً.. فدم كل منهما هدر، قاله القاضي حسين فيما حكاه عنه في "الكفاية".
باب العاقلة
4850 - قول "التنبيه" [ص 228]: (والعاقلة العصبات ما عدا الأب والجد والابن وابن الابن) لو عبر كـ "المنهاج" بقوله [ص 491]: (إلا الأصل والفرع).. لكان أعم وأحسن منهما.
4851 - قول "الحاوي" [ص 554]: (وبعضية الجاني والمعتق مانعة) لدلالتها على أنه لو كان لها ابن هو ابن ابن عم.. لم يعقل أيضاً، وهو الأصح، ويرد عليهم جميعاً: أن في "أصل الروضة" عن المتولي من غير مخالفة: أن ذوي الأرحام يتحملون عند عدم العصبات إذا قلنا بتوريثهم، وهو الذي صححه النووي إذا لم ينتظم أمر بيت المال كما تقدم 1.
4852 - قول "التنبيه" [ص 228]: (ولا يعقل بنو أب وهناك من هو أقرب منهم) محله: ما إذا كان المضروب عليهم يفي بالواجب وهو الثلث، فإن بقي منه شيءٌ.. ضرب على من بعد الأقرب، وقد صرح به "المنهاج" فقال [ص 492]: (ويقدم القرب، فإن بقي شيءٌ.. فمن يليه) وإليه أشار "الحاوي" بقوله [ص 554]: (بترتيبهم إن وفوا).
4853 - قول "التنبيه" [ص 228]: (وإن اجتمع جماعة في درجة واحدة وبعضهم غيب.. ففيه قولان، أصحهما: أنهما سواء) لا يختص ذلك بما إذا كانوا في درجة، بل لو كان الغائب أقرب درجة من الحاضر.. فأصح الطريقين: طرد القولين، والمراد بالغيبة: ما يمنع التحصيل في سنة، حكاه الرافعي عن الغزالي، قال: وكلام الشافعي والأصحاب لا يساعد عليه؛ فإنهم فرضوا فيما إذا كان القاتل بمكة والعاقلة بالشام، وحكوا فيه الخلاف 2، وأسقط ذلك من "الروضة".
4854 - قول "المنهاج" [ص 492]: (ثم معتق) وهو داخل في عموم العصبات في عبارة "التنبيه"، شرطه: أن يكون ذكراً؛ فالمعتقة لا تعقل، وإنما يعقل عاقلتها، وقد ذكره "المنهاج" بعده بقوله [ص 492]: (وعتيقها يعقله عاقلتها)، ودل عليه تعبير "الحاوي" باولياء النكاح 3، فيتحمل المعتق عند فقد عصبة النسب، أو إذا لم يكن فيهم كفاية، كما صرح به "المحرر" 4، ودل عليه قول "الحاوي" [ص 554]: (بترتيبهم إن وفوا).
4855 - قول "المنهاج" [ص 492]: (ثم عصبته) أي: عند فقده، أو مع وجوده إذا بقي من الواجب شيء كسائر العصبات، وقد دخل في قول "الحاوي" [ص 554]: (بترتيبهم إن وفوا)،
ونص عليه في "المختصر" فقال: (فإن عجزت - أي: عصبات النسب - عن بعض.. حملت الموالي المعتقون الباقي، فإن عجزوا عن بعض ولهم عواقل.. عقلت عواقلهم" 1.
وفي "أصل الروضة" عن الإمام والغزالي المنع؛ إذ لا حق لهم في الولاء ولا بالولاء في حياته، وتردد الإمام فيما لو لم يبق المعتق وضربنا على عصبته.. فهل يخص بالأقربين؛ لأنهم أهل الولاء والإرث، أم يتعدى إلى الأباعد كعصبة الجاني؟ ورجح الاحتمال الثاني، وجزم به الغزالي، وصرح صاحب "الشامل" و"التتمة" وغيرهما بالضرب عليهم.
انتهى 2. وقد عرفت المنصوص المعتمد، وما قاله الإمام مردود.
ويستثنى من عصبة المعتق: أصله وفرعه في الأصح، وقد صرح به "الحاوي" فقال [ص 554]: (وبعضية الجاني والمعتق مانعة) لكن قال شيخنا الإمام البلقيني في "حواشيه": الأصح عندي: أنهما يتحملان؛ لأن المعتق يتحمل، وهما كنفس المعتق لا كنفس الجاني، ولا نسب بينهما وبين الجاني بأصلية ولا فرعية، إلا أنه في "تصحيح المنهاج" قال: إن الأول هو مقتضى النص؛ حيث قال: (وقضى عمر بن الخطاب على على بن أبي طالب رضي الله عنهما بأن يعقل عن موالي صفية بنت عبد المطلب، وقضى للزبير بميراثها؛ لأنه ابنها) 3، ولم يتعرض لتصحيح ما صححه في "الحواشي"، قال شيخنا المذكور: وإذا لم يوجد معتق من جهة الآباء.. انتقلنا إلى معتق الأم، ثم إلى عصبته غير أصوله وفروعه، ثم إلى موالي الجدات من جهة الأم ومن جهة الأب، وموالي الذكور المدلين بالإناث؛ كالجد أبي الأم، ومن جرى مجراه.
انتهى.
4856 - قولهما: (ولا يحمل عتيق في الأظهر) 4 وهو مقتضى تخصيص "الحاوي" ذلك بأولياء النكاح، وذكر شيخنا الإمام البلقيني أنه خلاف نص "الأم" و"مختصر المزني والبويطي"، ولا يعرف في شيء من كتب الشافعي، ثم حكى عن الشيخ أبي حامد: أن الذي نص عليه هنا أنهم يتحملون، وحكى أبو إسحق أن الشافعي قال في موضع آخر: إنهم لا يعقلون، قال: ولست أدري أين قال الشافعي هذا! إلا أنه لا يختلف أصحابنا أن المسألة على قولين، قال شيخنا: ومع قوله: أنه لا يدري أين قاله الشافعي صححه، قال شيخنا: والمذهب: ما نص عليه في كتبه، قال: ويعقل ولده ولا يعقل أبوه.
4857 - قول "التنبيه" [ص 228]: (فإن لم يكن من يعقل.. وجب في بيت المال) أي: إن كان
الجاني مسلمًا، كما صرح به "المنهاج" و"الحاوي" 1، والذمي والمستأمن تجب الدية في مالهما على المذهب، قال شيخنا الإمام البلقيني: وينبغي أن يعبر كعبارة الشافعي رضي الله عنه في "الأم" و"المختصر": أن العقل على جماعة المسلمين 2، قال شيخنا: ولا أثبت هذا المال في بيت المال مطلقاً، بل لما هو لهم بطريق الإرث، وكذا سهم المصالح من الفيء والغنيمة على الظاهر.
4858 - قول "التنبيه" [ص 228]: (فإن لم يكن.. فقد قيل: يجب على الجاني، وقيل: لا يجب عليه) الأصح: الأول، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 3، وهنا أمور:
أحدها: أن معنى قول "التنبيه": (فإن لم يكن) و"المنهاج": (فإن فقد) أي: مال بيت المال كما صرح به "المحرر"، فقال: (فإن لم يكن فيه مال.. أخذ الواجب من الجاني" 4 ومقتضاه: أنه لو كان فيه مال امتنع المتكلم فيه من بذله للمجني عليه ظلماً.. لم يؤخذ من الجاني، قال شيخنا الإمام البلقيني: وليس كذلك، بل يؤخذ من الجاني وينزل منع الظلمة منزلة الفقد، ولم أر من تعرض له.
ثانيها: ظاهر عبارة "التنبيه" يقتضي أن الخلاف وجهان، وتعبير "المنهاج" بالأظهر يقتضي أنه قولان، وعبارة "الروضة": فيه وجهان بناء على أن الدية تجب على العاقلة أولاً أم على الجاني ثم تحملها العاقلة؛ وفيه وجهان، ويقال: قولان، وأصحهما: تؤخذ من الجاني.
انتهى 5.
وللأصحاب اضطراب في أن هذا الخلاف وجهان أو قولان، وسببه أن الخلاف المبني عليه مستنبط من كلام الشافعي.
ثالثها: قال شيخنا الإمام البلقيني: لم أقف على الإيجاب على الجاني المسلم في كلام الشافعي، وإنما قال: إنه على جماعة المسلمين، والذي نقوله على مقتضى مذهبه: أنا إذا لم نجد في بيت المال مال وراثة، وصرف سهم المصالح فيما هو أهم من هذا.. ثبت التحمل على جماعة المسلمين الموسرين والمتوسطين، وحيث يعذر الاستيعاب.. اجتهد الإمام، وضرب الواجب على من يراه على مقتضى التأجيل، هذا هو الظاهر من نصوص الشافعي، والمعنى يساعده؛ لأن بين المسلم وجماعة المسلمين موالاة.
انتهى.
رابعها: كما يحمل الجاني عند الفقد يحمل مع الوجود، ومع وجود العصبة الخاصة حيث لم
يَفِ المضروب عليهم بثلث الدية كما قد عرف في نظائره، وحيث أخذ من الجاني.. فهي مؤجلة عليه كالعاقلة وبيت المال.
والأصح: أنه لا يؤخذ من أبيه وابنه شيء.
4859 - قول "المنهاج" [ص 492]: (ومؤجل على العاقلة دية نفس كاملة ثلاث سنين) فيه أمران:
أحدهما: أن مقتضى عبارته: أنه لا بد من تاجيل بضرب الحاكم، وليس كذلك بلا خلاف.
ثانيهما: أن التقييد بالعاقلة يخرج الجاني، وليس كذلك، بل هي مؤجلة عليه أيضًا إذا أخذت منه، وقد سلم من الأمرين "التنبيه" بقوله [ص 228]: (فإن كان دية نفس كاملة.. فهو مؤجل في ثلاث سنين) و"الحاوي" بقوله [ص 553، 555]: (يؤخذ آخر كل سنة قدر ثلثها من أولياء النكاح) إلى أن قال: (ثم الجاني).
4860 - قول "التنبيه" [ص 228]: (وإن كانت دية نفس ناقصة كدية الجنين والذمي والمرأة.. فقد قيل: هي كدية النفس الكاملة في ثلاث سنين، وقيل: هي كأرش الطرف إذا نقص عن الدية) الأصح: الثا ني، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 1.
4861 - قول "التنبيه" [ص 228]: (وإن جنى على عبد.. ففيه قولان، أصحهما: أن القيمة في ماله) الأظهر: أنها على العاقلة، وعليه مشى "المنهاج" 2، وهو مقتضى إطلاق "الحاوي" 3.
4862 - قول "المنهاج" [ص 492]: (والأطراف في كل سنة قدر ثلث الدية) أهمل من "المحرر" أن أروش الجراحات كذلك، وكذا الحكومات، وأنه إن كان الواجب أقل من الثلث.. ضرب في سنة، وإن كان أكثر من الثلث ولم يزد على الثلثين.. ضرب الثلث في آخر السنة الأولى والباقي في آخر الثانية 4، وقد صرح بذلك "التنبيه" أيضاً 5.
4863 - قول "المنهاج" [ص 492]: (وأجل النفس من الزهوق، وغيرها من الجناية) محله: في غير النفس: فيما إذا لم يسر، فإن سرت من عضو إلى عضو؛ بأن قطع إصبعه فسرت إلى كفه.. فهل ابتداء المدة من سقوط الكف أم من الاندمال.
أم أرش الإصبع من يوم القطع وأرش الكف من يوم سقوطها؛ فيه ثلاثة أوجه، وبالأول قطع البغوي 6، وبالثاني الشيخ أبو حامد وأصحابه، وعليه مشى "التنبيه" فقال [ص 228]: (وابتداؤها من وقت الاندمال) لكنه أطلقه،
وهو محمول على ما إذا سرى، فإن لم يسر.. فمن الجناية كما تقدم، ووافقه النووي في "التصحيح" على أنها فيما إذا سرى من وقت الاندمال 1، والوجه الثالث اختاره القفال والإمام والغزالي والروياني 2، ومشى عليه "الحاوي" فقال [ص 553]: (وللجرح منه ولسراية منها) ورجحه شيخنا الإمام البلقيني، وليس في "أصل الروضة" تصريح بترجيح من عند نفسه 3، ومتى أخذت عبارة "المنهاج" في السراية على إطلاقها.. لم توافق واحداً من هذه الأوجه؛ فلذلك حملناها على غير حالة السراية.
4864 - قول "التنبيه" [ص 229]: (ومن مات من العاقلة قبل محل النجم.. سقط ما عليه) أي: من قسط ذلك النجم، أما ما قبله.. فلا يسقط بعد استقراره، وقول " المنهاج " [ص 492]: (ومن مات ببعض سنة.. سقط) أبعد من هذا الإيهام.
4865 - قول "التنبيه" [ص 228]: (ولا يعقل فقير ولا صبي ولا معتوه ولا كافر عن مسلم ولا مسلم عن كافر) أهمل اعتبار الحرية، ولا بد منه، وقد ذكره "المنهاج" فقال [ص 492]: (ورقيق) وفهم منه أن المكاتب لا يعقل، ولم يثعرضوا للتصريح بالمبعض، وقال شيخنا الإمام البلقيني: الظاهر أنه لا يتحمل؛ لأنه ناقص بالنسبة إلى النصرة، قال: فإن أعتقه مالك الباقي فلم يسر عليه.. احتمل أن يحمل عنه معتقه بالنسبة إلى نصفه الحر، واحتمل ألاَّ يتحمل عنه، قال: والأول أرجح.
4866 - قول "المنهاج" [ص 492]: (ويعقل يهودي عن نصراني وعكسه في الأظهر) كذا صححه في "المحرر" و"الشرح الصغير" و"الروضة" 4، وليس في "الشرح الكبير" ترجيح 5، والمراد: الذمي والمستأمن إن زادت مدة العهد على أجل الدية ولم ينقطع قبل مضي الأجل.
فالحربي لا يعقل ولا يعقل عنه، قال المتولي: فلو كان لذمي أقارب حربيون وقدر الإمام على الضرب عليهم.. بُني على أن اختلاف الدار يمنع التوارث؛ إن قلنا: نعم.. فلا ضرب، وإلا.. فوجهان، حكاه عنه في "أصل الروضة" 6.
وتعجب منه شيخنا الإمام البلقيني؛ فإن التغريم تضمين، والحربي لا يضمن ما يتلفه بنفسه؛
فلأن لا يضمن ما يتلفه قريبه أولى، ولا يخفى أنه لا عقل على المرأة، والخنثى مثلها، فإن بان ذكراً.. فهل يغرم حصته التي أداها غيره؟ وجهان، قال في "أصل الروضة": لعل أصحهما: نعم 1، قال شيخنا الإمام البلقيني: بل الأصح: أنه لا يغرم؛ لأن التحمل مبني على الموالاة والمناصرة الظاهرة، وقد كان هذا في ستر الثوب كالأنثى، فلا نصرة به.
4867 - قولهم: (على الغني نصف دينار، والمتوسط ربع كل سنةٍ من الثلاث) 2 قال الرافعي: يشبه أن يكون المرعي في وجوب النصف أو الربع قدرهما، لا أنه يلزم العاقلة عين الذهب؛ لأن الإبل هي الواجب، وما يؤخذ يصرف إليها، ويوضحه قول المتولي: نصف دينار أو ستة دراهم 3.
قال البغوي: ويضبط الغنى والتوسط بالعادة، ويختلف بالبلاد والزمان 4، ورأى الإمام أن الأقرب اعتباره بالزكاة، فمن ملك عشرين ديناراً أو ما يساويها آخر الحول؛ أي فاضلاً عن مسكنه وثيابه وسائر ما لا يباع في الكفارة.. فغني، أو دونها فاضلاً عن حاجاته.. فمتوسط 5، ويشترط أن يملك شيئاً فوق المأخوذ منه، وهو الربع؛ لئلا يصير فقيرًا، وعلى هذا الثاني مشى "الحاوي" فقال [ص 553]: (من مالك فاضل عن حاجته عنده - أي: عند آخر الحول - ربع دينار وعشرين نصف) وقوله: (عشرين) معطوف على قوله: (فاضل عن حاجته) أي: يعتبر في إيجاب النصف مع ذلك ملكه عشرين ديناراً، وفي عبارته اختصار بإجحاف.
4868 - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (ويعتبران - أي: الغنى والتوسط - آخر الحول) 6 خرج به غيرهما من الأوصاف، وهي الكفر والرق والصبا والجنون، فلو كان يأخذ هذه الصفات أول الحول وصار في آخره بصفة الكمال.. فهل تؤخذ منه حصته من واجب تلك السنة وما بعدها؛ فيه أوجه، أصحها: لا، والثاني: نعم، والثالث: لا يؤخذ منه حصته تلك السنة ويؤخذ منه حصة ما بعدها.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: هذا الثالث عندي أرجح، فلو طرأ عليه الجنون في أثناء حول.. سقط واجب ذلك الحول، ولم يسقط واجب الذي قبله، حكاه الرافعي عن "التتمة" 7، وأسقطه في "الروضة".
قال شيخنا الإمام البلقيني: ولو أن الحر الذمي نقض العهد، فاسترق.. سقط عنه حصة الحول الذي طرأت فيه الحرابة، ولا يسقط ما مضى.
انتهى.
وترد هاتان المسالتان على قول "الحاوي" [ص 553، 554]: (من أولياء النكاح، من الفعل إلى الفوت) فإن هذين كانا بصفة ولاية النكاح من فعل الجناية إلى فوت النفس بالموت، ومع ذلك لا يتحملان قسط تلك السنة، والله أعلم.
4869 - قول "التنبيه" [ص 229]: (وإن زاد عددهم على قدر الثلث.. ففيه قولان: أحدهما: يقسط عليهم وينقص كل واحد منهم من النصف والربع، والثاني: بقسط الإمام على من رأى منهم) الأظهر: الأول، وعليه مشى "الحاوي" بقوله [ص 553]: (أو حصة القليل).
فصلٌ [جناية العبد وتعلقها برقبته]
4870 - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (مال جناية العبد يتعلق برقبته) 1 يستثنى منه: ما إذا كان العبد غير مميز، أو أعجمياً يعتقد وجوب طاعة السيد، فامره بها، فالجاني هو السيد، ولا يتعلق الضمان برقبته في الأصح، كما ذكره في "أصل الروضة" في (الرهن)، وفي (الجنايات)، وفي مسائل الإكراه 2.
لكن نازع فيه شيخنا الإمام البلقيني، وقال: نص في "الأم" على خلافه، فقال في أمر السيد العبد المرهون بالجناية: (وإن كان العبد صبياً أو أعجمياً فبيع في الجناية.. كُلِّف السيد أن يأتي بمثل قيمته ثمناً، ويكون رهناً مكانه، إلا أن يشاء أن يجعلها قصاصاً من الحق) 3.
قال في "أصل الروضة" في الإكراه: ولو أن مثل هذا الصبي أو المجنون قتل أو أتلف مالاً من غير أمر أحد.. ففي تعلق الضمان بهما الخلاف السابق في التعلق برقبة العبد؛ لأنه يشبه إتلاف البهيمة العادية، ذكره الشيخ أبو محمد 4.
قال شيخنا الإمام البلقيني: وهو عندنا متعقب؛ فالأصح ومقتضى النص: أنه يتعلق برقبته، قال: وعلى مقتضى تصحيح المصنف يكون خطأ تحمله العاقلة كإتلاف البهيمة، وبه صرح الإمام في (الإقرار).
انتهى 5.
فلو بريء عن بعضه.. انفك بقسطه، بخلاف المرهون، ذكره الرافعي في (الوصايا) (1).
4871 - قول "التنبيه" [ص 228]: (ومولاه بالخيار بين أن يسلمه فيباع في الجناية، وبين أن يفديه؛ فإن أراد الفداء.. فداه في أحد القولين باقل الأمرين من قيمته وأرش الجناية، وبأرش الجناية بالغًا ما بلغ في الآخر) الأظهر: الأول، وعليه مشي "المنهاج" و"الحاوي" (2)، واستثني منه شيخنا الإمام البلقيتي مسائل:
أحدها: إذا كان العبد غير مميز أو أعجميًا يعتقد وجوب الطاعة وأمره سيده بذلك.. قال: فلا يفديه بالأقل، بل أرش الجناية بالغًا ما بلغ.
الثانية: إذا اطلع السيد على اللقطة في يد العبد، وقررها، وفرعنا على الأظهر: أنه لا يصح التقاطه، فتلفت عنده، أو أتلفها.. تعلق الضمان برقبة العبد وسائر أموال السيد، وكذا لو لم يقرها عنده، ولكنه أهمله وأعرض عنه فتلفت، أو أتلفها على الأصح المعتمد، وهو منقول الربيع.
الثالثة: إذا أمر أجنبي العبد الذي لا يميز أو الأعجمي الذي يري طاعة الآمر.. تعلق برقبته وبالأجنبي على مقتضي النص، خلافًا لما صححه في "الروضة" (3)، فيباع في الجناية بالغًا ما بلغ الأرش، فإن بقي منه شيء.. فعلي الأجنبي الآمر.
تَنْبِيهٌ [لو كان العبد المأمور بجناية مرهونًا مقبوضًا بالإذن]
محل ذلك أيضًا: ما إذا لم يكن مرهونًا مقبوضًا بالإذن، فإن كان كذلك واعترف الراهن بجنايته وأنكرها المرتهن.. فالقول قول المرتهن بيمينه، فيباع في الدين، ولا شيء على الراهن للمقر له.
4872 - قول "المنهاج" [ص 493]: (ولو أعتقه أو باعه وصححناهما أو قتله.. فداه بالأقل، وقيل: القولان) كذا في "أصل الروضة" ترجيح طريقة القطع 4، لكن جزم في البيوع بطريقة القولين، ذكره في بيع العبد الجاني 5، ولم يفصح "التنبيه" و"المنهاج" عن وقت اعتبار القيمة، وقد يتبادر إلى الفهم من عبارتهما اعتبار وقت الجناية، وهو الذي حكاه البغوي عن النص، وقال القفال: ينبغي اعتبارها يوم الفداء؛ لأن ما نقص قبله لا يؤاخذ به السيد، وحمل123
النص على ما إذا صدر من السيد منع من بيعه حال الجناية ثم نقصت قيمته 1، وعليه مشي "الحاوي" فقال [ص 576]: (بأقل القيمة يوم الفداء).
قال شيخنا الإمام البلقيني: وهو متجه، وقضية ذلك: أنه لو حصل من السيد منع وزادت قيمته.. أن النظر إلى وقت الفداء؛ لتعلق حق المجني عليه بالزيادة.
4873 - قول "التنبيه" [ص 228]: (وإن جنى مكاتب؛ فإن كان على أجنبي.. فدي نفسه بأقل الأمرين، وإن كان على مولاه.. فدي بأقل الأمرين في أحد القولين، وبأرش الجناية في الآخر) الأصح: طرد القولين في الأجنبي أيضًا، وأصحهما: فيهما الفداء بأقل الأمرين، إلا إذا أعتقه السيد بعد الجناية وفي يده وفاء.. فالمذهب: القطع بالثاني.
4874 - قوله: (فإن لم يفد.. بيع في الجناية، وانفسخت الكتابة) 2 فيه أمران:
أحدهما: أن محل بيعه فيها: إذا كانت قيمته قدر أرشها أو أنقص، فإن كانت أزيد.. بيع منه بقدر الجناية، واستمر الباقي مكاتبًا.
ثانيهما: ظاهر كلامه أنه لا حاجة إلى تعجيزه، والذي في كتب الرافعي والنووي: أن القاضي يعجّزه بطلب مستحق الأرش 3.
4875 - قول "المنهاج" [ص 493]: (ولا يتعلق بذمته مع رقبته في الأظهر) قال في "أصل الروضة": إنهما مستنبطان من قواعد الشافعي رحمه الله، ويقال: وجهان 4، وصرح الإمام بأنهما ليسا منصوصين 5.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: إن كلام الشافعي في "الأم" يشهد لخلو ذمة العبد عن التعلق بالأرش، ولم أقف على مقابله في كلام الشافعي، وعبر الماوردي عن الخلاف بعبارة أخرى، فقال: في الأرش وجهان:
أحدهما: أنه يجب ابتداء في رقبته.
والثاني: وجب ابتداء في ذمته ثم انتقل إلى رقبته 6، قال شيخنا المذكور: ويستثني منه: ما لو أقر السيد بأنه جنى على عبد قيمته ألف جناية خطأ، وقال العبد: قيمته ألفان.. فنص في
"الأم" على أنه يلزم العبد بعد العتق القدر الزائد على ما أقر به سيده 1، قال شيخنا: فقد اجتمع في هذه الصورة التعلق بالرقبة والتعلق بالذمة على المذهب، لكن لم يتحد محل التعلق.
4876 - قوله: (ولو جني ثانيًا قبل الفداء.. باعه فيهما أو فداه بالأقل من قيمته والأرشين) 2 محله: ما إذا لم يمنع من بيعه مختارًا للفداء، فإن منع.. لزمه أن يفدي كلًّا منهما كما لو كان منفردًا، صرح به الرافعي في الكلام على جناية المستولدة 3، وأسقطه في "الروضة"، ولكن ذكر قبل ذلك: أنه لو امتنع السيد من تسليمه للبيع.. كان مختارًا للفداء 4، وهذا لا يلزم منه ما صرح به الرافعي في الكلام على المستولدة.
4877 - قوله: (ولو اختار الفداء.. فالأصح: أن له الرجوع وتسليمه) 5 هو معنى قول "الحاوي" عطفًا على المنفي [ص 577]: (والاختيار) أي: ولا باختياره الفداء؛ فإنه لا يلزمه، وفيه أمور:
أحدها: أن محل الخلاف: ما إذا كان العبد حيًا، فإن مات.. فلا رجوع بحال، وقد يقال: لا يرد ذلك على "المنهاج" لقوله: (وتسليمه) ومع الموت لا يمكن التسليم.
ثانيها: قال شيخنا الإمام البلقيني: ومحله أيضًا: ما إذا لم تنقص قيمته بعد اختيار الفداء، فإن نقصت.. لم يمكن من الرجوع والاقتصار على تسليم العبد قطعًا؛ لأنه فوت باختياره ذلك القدر من قيمته، فإن قال: أنا أسلمه وأغرم النقص.. قبل.
ثالثها: قال شيخنا أيضًا: لو كان يتأخر بيعه تأخرًا يضر بالمجني عليه وللسيد أموال غيره.. فليس له الرجوع قطعًا؛ للضرر الحاصل للمجني عليه بالتأخير.
رابعها: عبر في "الروضة" بالصحيح 6، فدل على ضعف مقابله، وهو أولي.
4878 - قولهما: (وإن جنت أم الولد.. فداها المولي بأقل الأمرين) 7 زاد "المنهاج": (وقيل: القولان) استثني شيخنا الإمام البلقيني من ذلك: أم ولده التي تباع؛ لأنه استولدها وهي مرهونة رهنًا لازمًا وهو معسرٌ إذا جنت جناية توجب مالًا متعلقًا بالرقبة.. فإنه يقدم حق المجني عليه على المرتهن، فإذا قال الراهن: أنا أفديها على صورة لا يكون فيها موسرًا يسارًا ينفذ به الاستيلاد
في حق المرتهن.. فيأتي القولان قطعًا، وإن لم يذكروه؛ لأنه بفدائها مانع للمجني عليه من بيعها، فتصير كالقن، فإذا فداها.. استمرت مرهونة، فإن وفي الدين من غيرها.. نفذ الاستيلاد، وإن بيعت في الدين.. استمر الرق في حق مشتريها، فإن ملكها الراهن.. نفذ الاستيلاد في الأظهر.
4879 - قول "المنهاج" [ص 493]: (وجناياتها كواحدة في الأظهر) هو معنى قول "الحاوي" [ص 577]: (وإن غرم القيمة فجنت.. استرد وَوُزِّع) وليس المراد: استرداد الكل، بل بحسب ما يقتضيه الحال، واستثنى شيخنا الإمام البلقيني من ذلك: أم الولد المرهونة المتقدم ذكرها لو جنت مرة بعد أخرى.. لا نقول: جناياتها كواحدة؛ لأنه يمكن بيعها، بل هي كالقن يجني جناية ثم أخرى قبل الفداء، فيقطع فيها بأن السيد إما أن يسلمها لتباع في الجنايتين، وإما أن يفديها بأقل الأمرين من قيمتها وأرش الجنايتين، ورجح شيخنا المذكور: القول الثاني، وهو: أنه يلزمه لكل جناية فداء، وحكي عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال: والقول الثاني أحب إلينا، واختاره المزني والربيع، وصححه البغوي والخوارزمي 1، قال شيخنا: وهو المذهب الجاري على القواعد.
بابُ ودية الجنين
4880 - قول "التنبيه" [ص 223]: (ودية الجنين غرة) إن: انفصل ميتًا كما صرح به "المنهاج" 1 و"الحاوي" بقوله [ص 557]: (لا حياته)، ويدل عليه ذكر "التنبيه" بعد ذلك حكم ما لو ألقته حيًا، والمراد: الجنين المحكوم بحريته وإسلامه كما صرح به "الحاوي"، وقد ذكر "المنهاج" بعد ذلك حكم الرقيق وغير المسلم، وذكر "التنبيه" حكم الرقيق، ويرد عليهما أيضًا: أنه يعتبر أن تكون الأم معصومة حال الجناية، فلو جني على حربية فأسلمت ثم أجهضت.. لم تجب الغرة على الأصح في "الروضة" وأصلها 2، وقد ذكره "الحاوي" فقال [ص 557]: (لا حربية فأسلمت وأجهضت).
قال في "الروضة" من زيادته: قال البغوي: ويجري الوجهان فيما لو جني السيد على أمته الحامل من غيره فعتقت ثم ألقت الجنين 3.
قال شيخنا الإمام البلقيني: ومراد البغوي: إذا كان الحمل ملكًا للجاني، فقد لا يكون ملكه؛ بأن يكون من زوج غر بحريتها، أو واطيء بشبهة ظنها حرة، قال شيخنا: لكن نص "الأم" فيما إذا ضرب أحد الشريكين جارية حاملًا من زوج أو زنا ثم أعتقها فأجهضت.. أنه يضمن الغرة الكاملة 4، يقتضي إيجاب الغرة في هاتين الصورتين على الجاني، وهو الذي حكاه الرافعي والنووي في تلك المسألة عن ميل أكثر الناقلين، لكنهما صححا خلافه 5، والنص هو المعتمد اعتبارًا بحال الإجهاض؛ فإنه لا تتحقق الجناية على الجنين إلا به.
4881 - قول "المنهاج" [ص 493]: (إن انفصل ميتًا بجناية في حياتها أو موتها) إن تعلق قوله: (في حياتها أو موتها) بقوله: (انفصل).. فلا إشكال، وإن تعلق بقوله: (بجناية).. تناول ما إذا ضرب بطن ميتة فألقته ميتًا، وبه قال القاضي أبو الطيب؛ لأنه قد يبقي في جوف الميتة حيًا، والأصل بقاء الحياة، وهو ظاهر إطلاق "التنبيه" و"الحاوي" أن في الجنين غرة 6، وقال البغوي: لا شيء في هذه الحالة 7، وحكي في "الروضة" المقالتين بلا ترجيح 8، ورجح
شيخنا الإمام البلقيني مقالة البغوي؛ لأن الإيجاب لا يكون بالشك، قال: وقول الأول: الأصل بقاء الحياة ممنوع؛ لأنا لم نعلم له حياة حتى نقول: الأصل بقاؤها.
4882 - قول "المنهاج" [ص 493]: (وكذا إن ظهر بلا انفصال في الأصح) يقتضي أن الخلاف وجهان، وكذا في "الروضة" وأصلها 1، وليس كذلك، فالأصح منصوص عليه في "الأم" 2.
4883 - قول "التنبيه" [ص 223]: (وإن ألقته حيًا ثم مات.. وجب فيه دية كاملة) كذا أطلق، وقيده "المنهاج" فقال [ص 493]: (أو حيًا وبقي زمنًا بلا ألم ثم مات.. فلا ضمان، وإن مات حين خرج أو دام ألمه ومات.. فدية نفسٍ) ولم يعتبر مع الألم الورم، وهو يشهد لما قدمنا تصحيحه في مسألة الإبرة عن "شرح الوسيط" للنووي.
4884 - قول "التنبيه" [ص 223]: (وإن اختلفا في حياته.. فالقول قول الجاني) اعترض عليه: بأنه ينبغي أن يقول: (العاقلة) لأنهم الغارمون؛ فإن قتل الجنين لا يتصور فيه العمد.
4885 - قول "الحاوي" [ص 557]: (واثنين لبدنين) حكاه في "الروضة" وأصلها عن الإمام والغزالي والبغوي وغيرهم، قال: وحكي الروياني عن نص الشافعي خلافه 3، والنص المذكور في "الأم" في دية الجنين، ولفظه: (وإذا ألقت جنينين يجمعهما شيء من خلق الآدمي.. لم يلزم عاقلته إلا دية جنين واحد، وذلك أن تُلقي بدنين مفترقين في رأسٍ واحدٍ... إلى آخر كلامه) 4 فكيف يعدل عن نص إمام المذهب؟ !
4886 - قوله: (بدا في بعضه التخطيط) 5 يقتضي أنه لا بد من ظهوره، ولا يكتفي بالصورة الخفية التي تختص بمعرفتها القوابل، وليس كذلك كما صرح به "المنهاج" 6، لكن قال شيخنا الإمام البلقيني: إنه خلاف نص الشافعي رضي الله عنه في "الأم" في دية الجنين، ولفظه: (وأقل ما يكون به السقط جنينًا فيه غرة: أن يبين من خلقته شيء يفارق المضغة أو العلقة إصبع أو ظفر أو عين، أو ما بان من خلق ابن آدم) 7.
4887 - قول "التنبيه" [ص 223]: (وإن ألقته مضغة وشهد القوابل أنه خلق آدمي.. ففيه
قولان: أحدهما: أنه يجب الغرة، والثاني: لا يجب) الأظهر: الثاني، وهو مفهوم "الحاوي" 1، وعليه مشي "المنهاج"، لكن تعبيره بقوله: (قيل: أو قلن: "لو بقي لتصور") 2 يقتضي أنه وجه.
4888 - قول "التنبيه" [ص 223]: (ولا يقبل في الغرة ما له دون سبع سنين) خالفه "المنهاج" و"الحاوي" فاعتبرا التمييز 3، وقد يحصل قبل هذا السن، لكن قال شيخنا الإمام البلقيني: إنه ليس بمعتمد، فلا بد من هذا السن مع التمييز، وقد نص عليه في "الأم" فقال: (ولهم أن يؤدوا الغرة مستغنية بنت سبع أو ثمان، ولا يؤدونها في سن دون هذه السن؛ لأنها لا تستغني بنفسها دون هذا السن، ولا يُخير المولود بين أبويه إلا في هذه السن) 4.
4889 - قول "التنبيه" [ص 223]: (ولا يقبل خصي ولا معيب) من ذكر العام بعد الخاص؛ لأن الخصاء عيب؛ فإن المراد: العيب المثبت للرد في البيع كما صرح به "المنهاج" و"الحاوي" 5، وذلك يفهم التفصيل في الكافر بين أن يكون مرتدًا أو جارية مجوسية أو وثنية أو غير ذلك، إلا أنه في بلاد الإسلام بحيث تقل الرغبة في الكافر، وتنقص قيمته فلا يجزئ، وبين أن يكون غيره فيجزيء كما ذكروه في الرد بالعيب، لكن في "الروضة" وأصلها: أنه لا يجبر المستحق على قبول الكافر 6، ومقتضاه: اشتراط الإسلام مطلقًا، واستغربه في "المهمات"، وقال: لا أعلم أحدًا ذكره غير الرافعي.
4890 - قول "التنبيه" [ص 223]: (ولا كبير ضعيف) أي: بالهرم؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 557]: (لم يضعف بهرم) و"المنهاج" [ص 493، 494]: (لم يعجز بهرم) وتعبيره بالأصح يقتضي أن الخلاف وجهان، ولشي كذلك؛ فإن الأصح منصوص في "الأم" 7، وأفصح "التنبيه" عن مقابله فقال [ص 223]: (وقيل: لا تقبل الجارية بعد عشرين سنة ولا العبد بعد خمس عشرة سنة) قال النووي: كذا ضبطوه بخمس عشرة؛ وعللوه: بانه لا يدخل على النساء، وكان ينبغي ضبطه بالبلوغ، ولا يقبل من بلغ لدون هذا السن 8.
4891 - قول "المنهاج" [ص 494]: (ويشترط بلوغها نصف عشر الدية) أي: بلوغ قيمتها؛ ولذلك قال "التنبيه" [ص 223]: (قيمته نصف عشر دية الأب أو عشر دية الأم) و"الحاوي" [ص 557]: (يساوي خمس إبل).
4892 - قول "المنهاج" [ص 494]: (وقيل: لا يشترط، فللفقد قيمتها) يقتضي أنه وجه، وليس كذلك؛ فقد حكاه في "التنبيه" قولًا 1، وكذلك في "الروضة" وأصلها، وعبارته: فإن لم توجد الغرة.. فطريقان، أصحهما: قولان، أظهرهما: يجب خمس من الإبل، والثاني: قيمة الغرة 2.
4893 - قول "المنهاج" [ص 494]: (وقيل: إن تعمد.. فعليه) يفهم أن الجناية قد تكون عمدًا محضًا ومع ذلك يجب على العاقلة في الأصح، وليس كذلك، بل الخلاف مبني على تصور العمد في الجناية على الجنين، فالمذهب: أنه لا يتصور، وإنما يكون خطا أو عمد خطأ؛ لأنه لا يتحقق وجوده في حياته حتى يقصد، وعبارة "المحرر": (ولا يكون عمدًا محضًا على ظاهر المذهب) 3.
4894 - قوله: (والجنين اليهودي والنصراني الأصح: غرة كثلث غرة مسلم) 4 يقتضي أنه وجه، وهو منصوص الشافعي رضي الله عنه.
4895 - قول "المنهاج" [ص 494] و"الحاوي" [ص 558]: (والرقيق عشر قيمة أمه) أحسن من تعبير "التنبيه" [ص 223] بـ (جنين الأمة) فإنه قد يكون حرًا مع كون أمه أمة، فيجب فيه الغرة، لكن ذاك معلوم مما قدمته في وجوب الغرة.
4896 - قولهم: (يوم الجناية) 5 قال في " أصل الروضة ": الصحيح المنصوص: تعتبر قيمتها أكثر ما كانت من حين الجناية إلى الإجهاض، والذي صححه الرافعي في "الشرح": قيمة يوم الجناية، لكنه علله: بأن قيمته حينئذ أكمل غالبًا، قال: فإن فرضت زيادة القيمة مع تواصل الآلام.. اعتبرنا تلك الزيادة، ثم قال: وحقيقة هذا الوجه النظر إلى أقصي القيم.
انتهى.
فلذلك عبر به في "الروضة" 6.
4897 - قول "المنهاج" [ص 494]: (لسيدها) كان ينبغي أن يقول: (لسيده) أي: الجنين؛
فقد يكون لشخص أوصى له به وتكون الأم لآخر، فالبدل لسيده لا لسيدها، وبني "المنهاج" كلامه على الغالب أن الحمل المملوك ملك لمالك الأم.
4898 - قوله: (فإن كانت مقطوعة، والجنين سليم.. قُوِّمت سليمة في الأصح) 1 قد يفهم أن النظر للجنين، حتى لو كان مقطوعًا.. قومت الأم مقطوعة، وليس كذلك، فالأصح: أنها تقوم سليمة أيضًا، فلو قال: (وعكسه).. حصل المقصود، وعبر "الحاوي" عن ذلك بقوله [ص 558]: (لا عكسه) أي: في الصورة لا في المعنى، والمسألة الأولى واردة على إطلاق "التنبيه" أن في جنين الأمة عشر قيمة الأم 2.
4899 - قول "المنهاج": (وتحمله العاقلة في الأظهر) مكرر تقدم في الكلام على العاقلة.
بابُ كفّارة القتل
4900 - قول "الحاوي" [ص 548، 551]: (معقِّب تلفِ معصومٍ يوجب الكفارة في النفس) قد يرد عليه نساء أهل الحرب وصبيانهم؛ فإنه لا كفارة بقتلهم مع تحريمه، وقد صرح به "المنهاج" 1، وأشار إليه "التنبيه" بقوله [ص 229]: (إذا قتل من يحرم قتله لحق الله) فإن تحريم قتل هؤلاء إنما هو لحق المسلمين، وقد يقال: من هو كذلك لا يطلق عليه أنه معصوم؛ ولذلك لا يتعلق به ضمان، وظاهر كلامهم: وجوبها على الفور، وحكي الرافعي عن المتولي: أنها ليست على الفور، وهو المشهور في المذهب كما قال في "الكفاية".
ويستثنى من كلامهم: الجلاد إذا جرى على يده قتل بغير حق بأمر الإمام مع جهل الجلاد بالحال.. فلا كفارة عليه كما جزم به في "الروضة" وأصلها في قتل الحامل؛ وعلله: بأنه سيف الإمام وآلة سياسته 2.
4901 - قول "المنهاج" [ص 494]: (وإن كان القاتل صبيًا، ومجنونًا) قد يفهم إعتاق الولي عنهما من مالهما، وبه صرح في "أصل الروضة" هنا 3، لكن يخالفه قوله في (الصداق): لو لزم الصبي كفارة قتل فأعتق الولي عنه عبدًا لنفسه.. لم يجز؛ لأنه يتضمن دخوله في ملكه وإعتاقه عنه، وإعتاق عبد الطفل لا يجوز 4.
4902 - قوله: (وعامدًا، أو مخطئًا) 5 و"التنبيه" [ص 229]: (عمدًا أو خطأ) كان ينبغي أن يذكرا شبه العمد.
4903 - قول "المنهاج" [ص 494]: (ومتسببًا) كان ينبغي أن يذكر الشرط كما فعل "الحاوي" 6، إلا أن يدعي دخوله في السبب بتأويل.
4904 - قول "المنهاج" في المقتول [ص 494]: (وذمي) كان ينبغي ذكر المستأمن أيضًا، وقد دخل في قول "التنبيه" [ص 229]: (من يحرم قتله لحق الله) و"الحاوي" [ص 548]: (بإيمان وأمان)، وقد دخل في عبارتهم الإذن في قتل نفسه، صحت الكفارة بقتله في الأصح، وقد يفهم قول "المنهاج" فيما تقدم: أنه هدر خلافه.
4905 - قول "المنهاج" عطفًا على المنفي [ص 494]: (وباغ) أي: في حالة القتال، وقد يفهم أن الباغي إذا قتل العادل في حالة القتال.. لزمته الكفارة، والأصح: خلافه، فكان ينبغي أن يقول: (وباغ وعادل في القتال) لكن نقل شيخنا الإمام البلقيني عن النص: أنه لا يلزم الباغي الكفارة ولو قتل في غير حالة القتال مع وجود المنعة والتأويل، وسيأتي ذلك في (قتال البغاة).
4906 - قول "التنبيه" [ص 229]: (وإن اجتمع جماعة في قتل رجل واحد.. وجب على كل واحد منهم كفارة، وقبل: فيه قول آخر: أنه يجب عليهم كفارة) يقتضي أن في المسألة طريقين:
أحدهما: حاكية لقولين، وأن الراجح: طريقة القطع، والمنقول في "الروضة" وأصلها: أن الخلاف وجهان 1، وعليه مشى "المنهاج" فقال [ص 494]: (وعلى كل من الشركاء كفارةٌ في الأصح) لكن قال الماوردي: إن وجوب كفارة على كل واحد هو منصوص الشافعي في كتبه 2.
4907 - قول "التنبيه" [ص 229]: (فإن لم يستطع - أي: الصيام -.. ففيه قولان، أحدهما: يطعم ستين مسكينًا كل مسكين مدًا من طعام، والثاني: لا يطعم) الثاني هو الأظهر، وعليه مشي "المنهاج" هنا و"الحاوي" في (كفارة الظهار) 3، وعلى هذا: فلو مات قبل الصوم.. أخرج من تركته لكل يوم مد، لا بطريق البدلية، بل كمن فاته صوم شيء من رمضان.
بابُ (1) ودعوى الدّم والقسامة
4908 - قول "المنهاج" [ص 495]: (يُشترط أن يُفصِّل ما يدعيه من عمدٍ وخطأٍ) كان ينبغي أن يقول: (وشبه عمد).
كما ذكره "التنبيه" و"الحاوي" 2.
4909 - قولهما: (وانفرادٍ وشركةٍ) 3 إن أريد: تفصيل الشركة ببيان عدد الشركاء.. فالأصح: أنه يجب في القتل الموجب للقود، وإن أريد: إطلاقها.. ورد أنه لا خلاف في البيان فيما يوجب الدية؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 665]: (بحصر لا في العمد).
4910 - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (فإن أطلق.. استفصله القاضي) 4 قد يفهم وجوبه، والذي في "أصل الروضة ": الصحيح المنصوص، وبه قطع الجمهور: يستفصل، وربما وجد في كلام الأئمة ما يشعر بوجوب الاستفصال، وإليه أشار الروياني، وقال الماسرجسي: لا يلزم الحاكم أن يصحح دعواه، ولا يلزمه أن يستمع إلا إلى دعوى محرره، وهذا أصح.
انتهى 5.
وعبارة الشافعي رضي الله عنه: (وينبغي للحاكم) 6، وقال الماوردي: يلزم الحاكم الاستفصال في العمد وشبه العمد، وحكي وجهين في الخطأ، وصحح: أنه يلزمه 7.
وهل يختص هذا الاستفصال بالدماء؛ لخطرها، أو يتعدي إلى غيرها من الدعاوي؟ قال شيخنا الإمام البلقيني: إنه محتمل، والقياس: الثاني، وظاهر كلامهم: أنه لا يكتفي بكتابة رقعة بالمدعي والدعوي بما فيها، وفيه وجهان في "الكفاية".
4911 - قول "المنهاج" [ص 495]: (فلو قال: "قتله أحدهم".. لم بحلفهم القاضي في الأصح) لو قال: (لم يسمع الدعوي).. لكان أولي، مع أنه مفهوم من اشتراط تعيين المدعي عليه، ومن قوله بعده: (ويجريان في دعوي غصب) 8 وعبارة "الحاوي" [ص 665]: (على معين) وهو مفهوم من قول "التنبيه" [ص 261]: (وإن ادعى قتلًا.. ذكر القائل).1
ويستثنى من كلامهم: ما إذا ظهر لوث في حق جماعة.. ففي "أصل الروضة" في أول مسقطات اللوث: أنه لو قال: (القاتل أحدهم ولا أعرفه).. فلا قسامة، وله تحليفهم، فإن حلفوا إلا واحدًا.. فنكوله يشعر بأنه القاتل، ويكون لوثأ في حقه، فإذا طلب المدعى أن يقسم عليه.. مكن منه على الأصح.
انتهى 1.
فيستفاد من قوله: (وله تحليفهم) سماع الدعوي مع الإيهام؛ فإن التحليف فرع الدعوي، لكن في "المهمات" أن المذكور هناك خلاف الصحيح، وأن الرافعي قلد فيه الغزالي ذاهلًا عما تقدم، والغزالي ممن يصحح سماع الدعوى على غير معين.
4912 - قول "المنهاج" [ص 495]: (ويجريان في دعوي غصبٍ وسرقةٍ وإتلافٍ) ضابطه: أن يكون سبب الدعوي ينفرد به المدعي عليه، فيجهل تعيينه، بخلاف دعوي القرض والبيع وسائر المعاملات؛ لأنها تنشأ بالاختيار.
قال شيخنا الإمام البلقيني: ولو نشأت عن معاملة وكيله أو عبده المأذون وماتا، أو صدرت عن مورثه.. احتمل إجراء الخلاف للمعنى، واحتمل ألا يجري؛ لأن أصلها معلوم، قال: ولم أر من تعرض لذلك.
4913 - قوله: (وإنما تسمع من مكلف ملتزم) 2 لا يختص ذلك بدعوي الدم، بل يأتي في كل دعوي، وعلى ذلك مشي "الحاوي" 3، وأورد عليه شيخنا الإمام البلقيني أمرين:
أحدهما: أن المعاهد ليس بملتزم؛ ولهذا لا يقطع بالسرقة على الأظهر، ولا توقف في سماع دعواه بماله الذي استحقه على مسلم أو ذمي أو مستأمن مثله، ولا في دعواه دم مورثه الذمي والمستأمن.
ثانيهما: أن امتناع سماع دعوي الحربي لا يتحقق؛ لأنه إن كان مع استحقاقه لما يدعي من دم ذمي أو معاهد ورثه في حال ذمته، ثم نقض العهد، والتحق بدار الحرب، ثم جاء يطلب مستحقه.. فطلبه لذلك يؤمّنه، فتنتفي الحرابة، وإن كان لأنه لا يستحق شيئًا من ذلك.. فممنوع؛ فقد يستحقه في حال ذمته ثم ينقض العهد ويلتحق بدار الحرب، بل ويستحقه في حرابته، فإذا اقترض حربي من حربي أو اشتري منه ثم أسلم المقترض أو المشتري، أو دخل إلينا بأمان.. فالمنصوص المعتمد: أن دين الحربي باقٍ، ولو اقترض منهم مسلم في دار الحرب شيئًا أو اشتراه ليبعث إليهم ثمنه، أو أعطوه شيئًا ليبيعه بدار الإسلام ويبعث ثمنه إليهم.. لزمه ذلك،
وحينئذ.. فتسمع دعوى الحربي بذلك، لكنه يصير في أمان بطلب ذلك كما تقدم.
وبتقدير تسليم أنه لا يستحق شيئًا من ذلك.. فإخراجه من الدعوي ليس من جهة الالتزام، بل لأنه لم يثبت له حق، وفي "المهمات": أن قول الرافعي والنووي: أنه لا تسمع دعوي حربي 1 ذهول عن قواعد مذكورة في السير؛ فقد نصوا هناك على أن الحربي لو دخل إلينا بأمان وأودع عندنا مالًا ثم عاد للاستيطان.. لم ينتقض الأمان فيه على الصحيح، حتى لو كان من ذلك عبد كافر فقتله كافر.. طالبه الحربي بالقصاص أو الدية، وكذا لو أسلم العبد ولم يتفق بيعه فقتله مسلم، ثم ذكر ما تقدم من اقتراض حربي أو مسلم، من حربي شيئًا، وعبارة "التنبيه" [ص 261]: (لا تصح الدعوى إلا من مطلق التصرف فيما يدعيه) وأورد عليه أمور 2:
أحدها: أنه تسمع دعوي السفيه بالمال الثابت له بسبب الجناية، فإذا آل الأمر إلى القبض.. قبضه الولي كما في "أصل الروضة" في دعوي الدم 3، وهو مقتضي كلام "المنهاج" و"الحاوي"، ونقل ابن الرفعة عن القاضي حسين: أنها لا تسمع.
ثانيها: دعوي الرقيق العتق أو تعليقه بصفة أو الاستيلاد أو التدبير.. فالمذهب في زيادة "الروضة" في آخر الباب الأول من (الدعاوي): أنها تسمع.
ثالثها: دعوي المرأة النكاح؛ فإنها غير مطلقة التصرف فيه، والمنقول: الصحة إن اقترن بها دعوي حق من حقوق الزوجية؛ كمهر ونفقة وغيرهما، وكذا إن لم تقترن في الأصح.
رابعها: دعوي الحسبة فيما تقبل فيه شهادة الحسبة، فيه وجهان حكاهما الرافعي في (الشهادات)، لكن جزم في (الدعاوي) بأنها لا تسمع 4، وهو المعتمد، وإن أوهم كلامه في السرقة خلافه؛ فهو مُأَوَّل.
خامسها: دعوي المفلسِ المالَ مسموعة.
سادسها: حكي في "التوشيح" عن والده: أنه كان يسمع دعوي كل مستحقي الوقف وإن لم يكن ناظرًا، قال: وفي "تعليقة القاضي الحسين" بعد أن ذكر ما إذا ادعى المدعي أن هذه الدار وقف عليَّ: له أن يجيء كل شهر ويدعي عليه أجرة الدار، فيقول: أستحق عليه كذا وكذا درهمًا ما يكون أجرة مثل تلك الدار.
4914 - قول "المحرر": (ولا تسمع الدعوى على الصبي والمجنون، وتسمع على المحجور
عليه بالفلس والسفه والرق) 1 عدل عنه "المنهاج" إلى قوله [ص 495]: (على مثله) أي: مكلف ملتزم، ولم يتعرض في "الروضة" وأصلها لاشتراط الالتزام في المدعي عليه، وكذا لم يتعرض له "الحاوي"، بل اقتصر على التكليف 2.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: تصح الدعوى على المستأمن وإن لم يكن ملتزمًا، وكذا على الحربي بإتلاف في حال التزامه، ولا تصح الدعوى عليه بإتلاف في حال حرابته.
انتهى.
ومقتضى كلام "المنهاج": سماع دعوى الدم على السفيه، وبه صرح في "المحرر"، وفيه تفصيل، وهو أنه إن كان هناك لوث.. سمعت، ويقسم المدعي، وإلا؛ فإن ادعى ما يوجب القصاص.. سمعت؛ لأن إقراره به مقبول، وإلا.. سمعت أيضًا، ثم إن قبلنا إقراره بالإتلاف.. حكم عليه إن أقر أو بالبينة، وإلا - وهو الأصح -.. حكم عليه بالبينة إن أنكر، وله أن يحلفه إن قلنا: يمين الرد كالبينة، فربما نكل، وإن قلنا: كالإقرار.. فلا في الأصح، كذا في "الروضة" وأصلها 3، وذكر شيخنا الإمام أمرين:
أحدهما: أنا إذا فرعنا على أن إقرار السفيه بالإتلاف لا يقبل.. لم تسمع الدعوى، وقال: إنه قضية البناء المعتبر، ثم قال: ولو قيل: تسمع الدعوى؛ فإن قامت البينة.. فذاك، وإن لم تقم البينة وحلف السفيه.. انقطعت الخصومة، وإن لم يحلف ونكل.. لم ترد اليمين.. لكان له وجه.
ثانيهما: أنا إذا جعلنا النكول مع اليمين المردودة كالبينة.. فهو تقديري لا يتعدي إلى ثالث على المشهور، ومال السفيه بمنزلة الثالث، فلا يؤخذ بمجرد البينة التقديرية.
4915 - قول "المنهاج" [ص 495]: (ولو ادعى انفراده بالقتل ثم ادعى على آخر.. لم تُسمع الثانية) أحسن من قول "الحاوي" [ص 665]: (كانفراده بقتل ثم شركة آخر) لتناول الأولى دعواه على آخر انفرادًا، فلو قال "الحاوي": (ثم آخر).. لتناول الشركة والانفراد، وكان أخصر وأعم كـ "المنهاج".
ويستثنى من كلامه: ما إذا صدقه الثاني.. فإنه يؤاخذ بإقراره وتسمع الدعوى عليه على الأصح في "أصل الروضة" 4، ولهذا قال في "الحاوي" [ص 665]: (ويؤاخذ المصدق)، وقد يفهم كلامهما بقاء الدعوى الأولى بحالها، وليس كذلك، فلو لم يقسم على الأول ولم يمض حكم.. لم
يمكن العود إليه، جزم به في "الروضة" وأصلها 1، وسكت عما إذا كان ذلك بعد الحكم وأخذ المال.
وقال فيه شيخنا الإمام البلقيني: إن قال: إن الأول ليس قاتلًا.. رد عليه المال، وإن قال: إنهما مشتركان فيه.. فهل يرد القسط فقط، أو نقول: يرتفع ذلك من أصله وتنشأ أقسامه على الاشتراك الذي ادعاه آخرًا؟ هذا موضع تردد، وقياس الباب: الثاني.
وفي "أصل الروضة" لو قال: ظلمته بالأخذ.. سئل؛ فإن قال؛ كذبت في الدعوى وليس قاتلًا.. رد المال، وإن قال: أردت أن معتقدي أن المال لا يؤخذ بيمين المدعي.. لم يرده؛ لأن النظر إلى عقيدة الحاكم دون الخصم 2.
قال شيخنا الإمام البلقيني: فإن مات ولم يسأل.. فالظاهر أن الوارث يرد المال، ولم يتعرضوا له.
4916 - قول "الحاوي" [ص 665]: (وإن فسّر بغيرٍ) أعم من قول "المنهاج" [ص 495]: (أو عمدًا ووصفه بغيره) لتناول الأول ما إذا ذكر خطأ أو شبه عمد وفسره بعمد، وحكم الكل واحد، وقول "المنهاج" [ص 495]: (لم يبطل أصل الدعوى في الأصح) و"الحاوي" [ص 665]: (بقي أصلها) قد يفهم بطلان الوصف، وأنه لا بد من دعوي جديدة، وليس كذلك؛ فالذي في "الروضة" وأصلها: أنه يعتمد تفسيره ويمضي حكمه 3، وكان ينبغي أن يقول "المنهاج": (بطلت الدعوى بالعمد، وبقيت الدعوى بما فسره) و"الحاوي": (بقي أصلها بما فسره).
ودخل في عبارة "المنهاج" تفسير العمد بالخطأ وبشبه العمد، وقال شيخنا الإمام البلقيني: الموجود في كلام الأصحاب تخصيص الخلاف بما إذا ادعى العمد ثم فسر بعمد الخطأ، إلا الماوردي؛ فإنه جعل الخلاف في التفسير بالخطأ، وعندي أنه تترتب الثانية على الأولى، فإن منعنا في الأولى.. ففي الثانية أولي، وإن جوزنا في الأولى.. فهنا وجهان؛ لأن العمد قد يلتبس بعمد الخطأ، بخلاف الخطأ المحض، والأصح: أنه يقسم؛ لاشتراكهما في الرجوع من الأغلظ إلى الأخف.
ونازع شيخنا فيما إذا ادعى خطأ وفسر بعمد؛ فإنه انتقال من الأدنى إلى الأعلى، ومقتضى إيجاب القصاص على قول في القسامة أو في غير اللوث باليمين المردودة، وذلك شديد المنافاة للخطأ، فيرتب هذا على عكسه، وأولى بألَّا يقسم، قال: ولم يفصلوا بين العارف، فلا يقبل منه