والتحليف استحبابًا هو الذي صححه النووي ثم قال "التنبيه" [ص 61]: (وإن قال: لم يحل عليه الحول بعد وما أشبه ذلك مما لا يخالف الظاهر.. حلف استحبابًا) وظهر بذلك أن المذكور في "المنهاج" هنا مفرع على الضعيف؛ فإن الأصح: أنا لا نلزمه اليمين لاستحبابها، وكذلك قول "الحاوي" [ص 691]: (وأخذت الزكاة والجزية في الإِسلام قبل السنة) هو في الزكاة مفرع على الضعيف.
وقول "المنهاج" [ص 580]: (وتعذر رد اليمين) أي: بأن لا ينحصر المستحقون في البلد، أو ينحصروا ويجوز النقل؛ فإن الرد على السلطان أو الساعي متعذر، فأما إذا انحصروا ومنعنا النقل.. فإن اليمين لا يتعذر ردها عليهم.
وقوله: (فالأصح: أنها تؤخذ منه) 1 قال الأكثرون: ليس ذلك حكمًا بالنكول، ولكن مقتضى ملك النصاب ومضيّ الحول: وجوب الزكاة، فإذا لم يأت بدائع.. أخذت بمقتضى الأصل، ولو عدل "المنهاج" عن هذا المثال إلى مثال الجزية - وهو ما إذا قال: أسلمت قبل تمام السنة، وقال العامل: بعد تمامها -.. لكان التفريع فيه جاريًا على الأصح؛ فإن الأصح: أنه يحلف إيجابًا، وأنه إذا نكل.. يقضي عليه بالجزية.
6317 - قول "المنهاج" [ص 580]: (ولو ادعى ولي صبي دينًا له فأنكر ونكل.. لم يحلف الولي، وقيل: يحلف، وقيل: إن ادعى مباشرة سببه.. حُلِّف) قال في "أصل الروضة": ميل الأكثرين إلى ترجيح المنع من الأوجه الثلاثة، ولا بأس بوجه التفصيل، وقد رجحه أبو الحسن العبادي، وبه أجاب السرخسي في "الأمالي" 2.
وعلى التفصيل مشى "الحاوي" فقال [ص 690]: (لا الولي فيما لا بتصرفه كدعواه إتلاف مال الطفل) وهو الذي في "المنهاج" في الصداق، فقال [ص 402]: (ولو اختلف في قدره زوج وولي صغيرة أو مجنونة.. تحالفا في الأصح)، وكذا في "الروضة" وأصلها هناك 3.
وقال في "المهمات": وعليه الفتوى؛ فقد نص عليه في "الأم" فقال بعد ذكره تحالف الزوجين عند اختلافهما في الصداق: (وهكذا إذا اختلف الزوج وأبو الصبية البكر) 4.
وشاحح شيخنا الإِمام البلقيني "المنهاج" في قوله: (وقيل: ان ادعى مباشرة سببه) وقال: المعتبر ادعاء الدين بسبب باشره، وعبارة "المحرر" و"الروضة" وأصلها: ادعى ثبوته بسبب باشره 5.
فصل [في تعارض البينتين]
6318 - قول "التنبيه" فيما إذا كان لكل منهما بينة [ص 262، 263]: (وإن كانت في يدهما أو في يد غيرهما أو لا يد لأحد عليها فقد تعارضت البينتان.. ففي أحد القولين: يسقطان، والثاني: يستعملان) الأظهر: الأول، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 1، والتسوية بين أن تكون في يدهما أو يد غيرهما طريقة اختارها في "المرشد"، والمحكي عن النص فيما إذا كانت في يدهما: أنها بينهما، وعليه مشى "المنهاج" فقال [ص 580]: (ولو كانت في يدهما وأقاما بينتين.. بقيت كما كانت)، وفي "أصل الروضة": إنه الحاصل للفتوى 2، وهنا أمور:
أحدها: أن ظاهر كلامهما تصويرها بأن يدعي كل واحد منهما جميعها، وكذا في كلام الشافعي والأصحاب، وحمله في "المطلب" على أن كلًا منهما يزعم أنها كلها له، ولكن الدعوى لا تقع عند الحاكم إلا بالنصف، فلو ادعى بالكل.. لم تسمع دعواه إلا بالنصف الذي في يد غريمه.
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وهذا إنما يتم إذا لم يكن هناك تعرض لقيمة تبعض، فيؤدي تبعيضها إلى الجهالة، وفي "المطلب": إذا امتزجت الدعوى بدعوى المعارضة.. سمعت في الجميع؛ بأن يقول: هذه الدار ملكي، وأستحق عليه رفع يده عن نصفها وترك المنازعة فيها، ويقول الآخر: لا يستحق ذلك عليّ، بل كل الدار ملكي وأستحق عليه ترك المنازعة ورفع يده عن نصفها.
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": ولو قال قائل: تسمع الدعوى بالكل، والنصف الذي في يد غريمه هو المقصود والنصف الآخر بطريق التبع.. لم يبعد، وفي "أصل الروضة" عن الأئمة: أن من أقام البينة أو لا وتعرض شهوده للكل.. لم يضر، وإن كان صاحب يد في النصف الذي في يده وقلنا: بينة صاحب اليد لا تسمع ابتداء؛ لأنه هنا غير مستغن عن البينة للنصف الذي يدعيه، ثم إذا أقام الثاني البينة على الكل.. سمعت، وترجحت بينته في النصف الذي في يده، فيحتاج الأول إلى إعادة البينة للنصف الذي في يده، وقال في "الوسيط": لا يبعد أن يتساهل في الإعادة 3.
وفي "تصحيح المنهاج" لشيخنا: أن آخر هذا الكلام ينافي أوله؛ لأن قوله أولًا: إنه تسمع بينته بالكل يقتضي أنه لا يحتاج لإعادتها، وقد قال آخرًا: إنها تعاد، والذي ذكر الاحتياج إلى الإعادة هو القاضي حسين، والتساهل المحكي عن "الوسيط" حكاه القاضي حسين عن
الأصحاب، قال شيخنا: والتحقيق البخاري على القواعد أنه لا تسمع البينتان إذا أقيمتا معًا، إلا بالنسبة إلى ما كل واحد منهما فيه خارج.. فيحتاج بعد ذلك إلى إقامتها بالنسبة إلى ما كل واحد منهما فيه داخل، فإن ترتبتا.. سمعت بينة السابق فيما هو خارج فيه دون ما هو داخل فيه، وبينة المتأخر مطلقًا؛ لتقدم بينة السابق فيما المتأخر داخل فيه.
انتهى.
ثانيها: أن قول "المنهاج" [ص 580]: (بقيت كما كانت) يقتضي أن الحكم باليد؛ لأنها التي كانت قبل قيام البينتين، وليس كذلك، وإنما تبقى بالبينة القائمة، والفرق بينهما الاحتياج إلى الحلف في الأول دون الثاني، قاله شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وبسطه.
ثالثها: صورة ما إذا لم يكن لأحد يد عليها ليست في "المنهاج" ولا "الحاوي" ولا "الروضة" وأصلها، قال في "المهمات": وكأن صورته فيما إذا كان عقارًا أو متاعًا ملقى في الطريق وليسا عنده 1.
6319 - قولهما تفريعًا على الاستعمال - والعبارة "للمنهاج" -: (ففي قول: تقسم، وقول: يقرع، وقول: توقف حتى يتبين أو يصطلحا) 2 فيه أمور:
أحدها: أنهما لم يبينا الراجح منها، وكأن عدم الاعتناء بذلك؛ لتفريعها على الضعيف، وفي "المهمات": أن الصحيح منها: الوقف، جزم به الرافعي والنووي في أوائل التحالف، وفي "التوشيح": إنه الذي يظهر ترجيحه، وقال الإِمام: إنه الأعدل 3.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وليس كذلك؛ فإن ترك الخصمين بلا قطع منازعة ليس في الشريعة، بل على المجتهد الإمعان في النظر والأخذ بالترجيح المعتبر، قال: فإن قيل: فقد قال الربيع: إنه آخر قول الشافعي وهو أصوبها.. قلنا: يعني به: أن الشافعي ذكره آخرًا، لا أنه رجحه، وقول الربيع: هو أصوبها، ممنوع، إلا إن حمل على التساقط، قال شيخنا: وظهر من كلام الشافعي - رضي الله عنه - في القديم والجديد أن القول بالقرعة أصح من القول بالقسمة.
ثانيها: أنهما لم يبينا أن هذا الخلاف في الأولوية أو التعين، وحكى فيه الإِمام وجهين، فإن جعلناه في التعين.. لم يحمل عند تعذر واحد عند القائل به على الباقي، بل تسقط البينتان، وإن جعلناه في الأولوية.. حمل عليه، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": الأرجح: الحمل على ما يمكن من بقيه أقوال الاستعمال.
ثالثها: اتفقت الأقوال الثلاثة على انتزاع العين ممن هي في يده كما دلت عليه عبارة "الروضة" وأصلها 1.
رابعها: قد يفهم من قولهما: (تقسم) أنها قسمة تمييز، وليس كذلك، والمراد: أنه يجعل بينهما نصفين.
خامسها: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وإنما تجري أقوال الاستعمال في الأعيان المملوكة أو الحقوق من منفعة أو رهن أو اختصاص، ولا يجري في البضع والقصاص، فإذا تنازع اثنان زوجية امرأة وأقام كل منهما بينة.. استحالت القسمة، ولا تدخل القرعة في الأصح، ويجيء الوقف على الأرجح عند مثبته، وإذا قتل اثنين على الترتيب وأقام وارث كل منهما بينة أنه قتل مورثه أولًا؛ ليقتص منه.. استحالت القسمة، وتدخل القرعة كما لو قتلهما معًا، وفي الوقف ما تقدم.
سادسها: لا يأتي قول الوقف فيما إذا كانت العين في يدهما، وفي مجيء القرعة وجهان، ولا يرد ذلك على "المنهاج" لأنه إنما حكى ذلك فيما إذا كانت العين في يد ثالث.
6320 - قول "التنبيه" [ص 263]: (وهل يحلف مع القرعة؟ فيه قولان) ليس فيهما ترجيح في كلام الرافعي والنووي 2، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وفي "الأم" ما يقتضي تصحيح الحلف؛ لأنه اقتصر عليه، ولم يحك غيره، واحتج له، وذلك يقتضي أرجحيته، بل تعينه، ونص الشافعي على أنه يحلف أن شهوده شهدوا بحق، وفي الأثر عن عليّ: أنه يحلف أنه ملكه، وهو الأرجح.
وقال في "التوشيح": الذي يظهر ترجيح التحليف؛ لأنهم رجحوا وجوب التحليف في الدعوى على يتيم أو غائب أو ميت استظهارًا، ولا معارض، فما ظنك حيث معارض، ولكن الأوفق لظاهر لفظ الغزالي كما قال الرافعي: ترجيح مقابله 3.
6321 - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (ولو كانت بيده فأقام غيره بينة وهو بينة.. قُدِّم صاحب اليد) 4 محله: ما إذا لم يقل الخارج: اشتريته منك، فإن قال ذلك وأقام عليه بينة.. قدمت بينة الخارج، وقد ذكره "المنهاج" بعد ذلك 5، وفي معناه: ما إذا أقام الخارج بينة بأن الداخل غصبه منه أو استعاره أو استأجره، وظاهر "المنهاج" و"الحاوي" تقديم صاحب اليد من
غير يمين، وهو الأصح 1، وفي "التنبيه" [ص 262]: (إنه المنصوص) أي: في القديم كما قال الرافعي وغيره 2.
6322 - قول "المنهاج" [ص 580]: (ولا تسمع بينته إلا بعد بينة المدعي) يفهم سماعها قبل تزكيتها، وهو الأصح، وقد ذكره "الحاوي" 3، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": عندي أن الأرجح: أنها لا تسمع إلا بعد تعديل بينة الخارج، وهو مقتضى نص "الأم"، وحمل شيخنا المذكور منع إقامتها قبل بينة المدعي على ما إذا لم يكن في إقامتها دفع ضرر عن الداخل بتهمة سرقة ونحوها، فإن كان.. فالذي تقتضيه القواعد سماعها قبل إقامة الخارج البينة لدفع ضرر تهمة السرقة، قال: فإذا أقام الخارج البينة.. فهل يحتاج الداخل إلى إقامة البينة؟ هذا محتمل، [والأرجح] 4: الاحتياج إلى الإعادة.
انتهى.
6323 - قول "المنهاج" [ص 580، 581]: (ولو أزيلت يده ببينة، ثم أقام بينة بملكه مستندًا إلى ما قبل إزالة يده واعتذر بغيبة شهوده.. سمعت وقُدِّمت) مقتضاه: اشتراط الاعتذار بغيبة الشهود، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": عندي أنه ليس بشرط، والعذر إنما يطلب إذا ظهر من صاحبه ما يخالفه كمسألة المرابحة.
قلت: ولهذا لم يتعرض له "الحاوي" 5، بل اقتصر على قوله: (وإن زالت ببينة الخارج) 6، وقد يقال: إن ذكر "المنهاج" ذلك على سبيل التصوير دون الاشتراط.
6324 - قول "المنهاج" [ص 581]: (وقيل: لا) قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لا أُثبته، والصواب عندي القطع بالأول.
6325 - قول "الحاوي" [ص 692]: (ومقرِّه) معطوف على الضمير المجرور في قوله: (بيده) 7 أي: يقدم بيد مقره، فلو أقام خارجان بينة فأقر صاحب اليد لأحدهما.. قدمت بينته، وهو محمول على ما إذا أقر قبل تمام البينتين، فإن أقر بعده.. لم يترجح إلا على قول التساقط، وهو القديم والجديد أنهما يستعملان إما بالوقف إلى الصلح أو بالقسمة أو بالقرعة.
6326 - قول "المنهاج" [ص 581]: (ومن أقر لغيره بشيء ثم ادعاه.. لم تسمع إلا أن يذكر انتقالًا) يرد عليه مسائل:
منها: ما في "أصل الروضة" في الهبة عن النص: لو قال: وهبته له وملكه.. لم يكن إقرارًا بلزوم الهبة؛ لجواز أن يعتقد لزومها بالعقد، والإقرار يحمل على اليقين 1، وحكاه في "أصل الروضة" في الإقرار عن البغوي 2، فلو قال: هو ملكه ولم ينسبه إلى هبة، ثم قال: كان إقراري عن هبة لم تقبض.. فيحتمل أنه كالذي قبله.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": الأرجح: أنه لا يقبل، بخلاف إقرار الأب في عين أنها ملك ولده، ثم فسره بأنه عن هبة وأراد الرجوع.. فله ذلك على الأرجح؛ لأن الملك حاصل للولد على التقديرين، بخلاف صورة الأجنبي، ولو أقر بالهبة والقبض ثم قال لم يكن إقراري عن حقيقة، فحلفوه؛ فإن ذكر تأويلًا ككتاب من وكيله ظهر زوره.. حلف قطعًا، وإلا.. فعلى الأصح، وفي "المنهاج" في الإقرار [ص 284]: (لو أقر ببيع أو هبة وإقباض ثم قال: "كان فاسدًا وأقررت لظني الصحة".. لم يقبل، وله تحليف المقر له)، وكذا هو في "الروضة" وأصلها 3.
ومنها في الحوالة: لو باع عبدًا وأحال بثمنه ثم قامت بينة بحريته.. قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": قالوا: إن تلك البينة لا يمكن أن يقيمها المتعاقدان؛ لأنهما كذباها بدخولهما في العقد، وهو مرجوح، والأرجح: يقيمها من ذكر عند ذكر التأويل.
ومنها في الدعوى: إذا باع شيئًا ثم ادعى أنه وقف.. ففي "أصل الروضة" عن "فتاوى القفال" وغيره: لا تسمع بينته، قال شيخنا المذكور: والتقييد بالبينة يشعر بسماع دعواه وتحليف خصمه، وقال العراقيون: تسمع بينته أيضًا إذا لم يصرح بأنه ملكه، بل اقتصر على البيع، وقال الروياني: لو باع شيئًا ثم قال: بعته وأنا لا أملكه ثم ملكته بالإرث من فلان، فإن قال حين باع: هو ملكي.. لم تسمع دعواه ولا بينته، وإن لم يقل ذلك بل اقتصر على قوله: بعتك.. سمعت دعواه فإن لم يكن له بينة.. حلف المشتري أنه باعه وهو ملكه، قال: وقد نص عليه في "الأم"، وغلط من قال غيره، وكذا لو ادعى أن المبيع وقف عليه.
انتهى 4.
قال شيخنا: وينبغي عند ذكر التأويل أن تسمع دعواه للتحليف وتسمع بينته كما سبق في غيره.
6327 - قوله: (ومن أخذ منه مال ببينة ثم ادعاه.. لم يشترط ذكر الانتقال في الأصح) 1 فيه أمران:
أحدهما: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": محله: ما إذا شهدت البينة بالملك وأطلقت أو أضافت إلى سبب لا يتعلق بالمأخوذ منه، فإن أضافته إلى سبب يتعلق بالمأخوذ منه، كبيع أو هبة مقبوضة صدرت منه.. فهو كالإقرار، وقد سبق.
ثانيهما: قال شيخنا أيضًا: محل الخلاف: في غير الداخل والخارج كما تقدم في "المنهاج"، فلا يحتاج في ذلك التصوير إلى ذكر الانتقال بلا خلاف، وحينئذ.. يستشكل محل الوجهين، فإن قيل: محلهما فيما إذا لم يكن للداخل يد لقيام البينة بأنه غاصب العين أو مستعيرها أو مستأجرها من المدعي وقلنا بالأصح: أن بينة الخارج هنا مقدمة.
قلنا: هذا لا تسمع دعواه إلا بذكر التلقي قطعًا؛ لئلا تتكرر الخصومة في الواقعة لا إلى نهاية، قال: ولم أقف على الوجهين في أصل المسألة إلا في كلام الإِمام والغزالي، ويمكن حملهما على الصورة الأخيرة، فإن قلنا بتقديم بينة الخارج.. لم تسمع إلا بذكر التلقي، أو بتقديم بينة الداخل.. سمعت، وهذا نهاية الخصومة.
6328 - قوله: (والمذهب: أن زيادة عدد شهود أحدهما لا ترجح) 2 أراد به ترجيح طريقة القطع؛ فإنه قال في "الروضة": المذهب: لا ترجيح، وقيل: قولان 3.
لكن الذي في الرافعي: أن الأشهر طريقة القولين 4.
نعم؛ نقل الماوردي طريقة القطع عن الأكثرين، وفي معنى زيادة العدد: ما لو زاد جانب تورع أو فقه.
6329 - قوله: (وكذا لو كان لأحدهما رجلان وللآخر رجل وامرأتان) 5 أي: يجري الطريقان.
6330 - قول "التنبيه" [ص 263]: (وإن كانت بينة أحدهما شاهدين وبينة الآخر شاهدًا ويمينًا.. ففيه قولان، أحدهما: أنه يقضي به لصاحب الشاهدين، والثاني: أنهما سواء، فيتعارضان) الأظهر: الأول، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 6، ومحله: ما إذا لم يكن لصاحب
الشاهد واليمين يد، فإن كان.. قدم الشاهد واليمين على الأصح، وعليه تدل عبارة "الحاوي" فإنه قدم باليد، ثم قال: (ثم شاهدان على واحد ويمين) 1 فدل على أن ترجيح الشاهدين على الواحد واليمين محله حيث لا يد.
6331 - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (ولو شهدت لأحدهما بملك من سنة وللآخر من أكثر: فالأظهر: ترجيح الأكثر) 2 كذا هو في "أصل الروضة" هنا 3، لكن في باب اللقيط: إن البينتين على الالتقاط، إذا قيدنا بتاريخين مختلفين.. قدم السابق، بخلاف المال؛ فإنه لا يقدم فيه بسبق التاريخ على الأظهر 4.
وقال شيخنا ابن النقيب: الصواب المذكور هنا، وكأن ما في اللقيط سبق قلم من الرافعي أو من النساخ، فمشى عليه النووي من غير تأمل؛ ويؤيده أن الذي في "الشرح الصغير" في باب اللقيط في أحد القولين: لا أصحهما 5.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وقد يحمل على الأظهر عند جماعة: لا الأظهر مطلقًا، أو يحمل على أنه لا يقدم بسبق التاريخ على الأظهر مع وجود يد لمتأخر التاريخ.
وصورة المسألة: أن تكون العين في يدهما أو يد غيرهما، فإن كانت في يد متقدم التاريخ.. رجح قطعًا، أو في يد متأخر التاريخ.. فسيأتي.
ويستثنى من محل الخلاف أيضًا: ما إذا تعرضت البينتان لسبب الملك ونسبته إلى واحد؛ كما لو شهدت بينة أنه اشتراه من زيد من سنة وبينة الآخر أنه اشتراه من زيد منذ سنتين.. فتقدم متقدمة التاريخ قطعًا، وقد ذكره "التنبيه" و"المنهاج" بعد ذلك.
6332 - قول "المنهاج" [ص 581]: (ولصاحبها الأجرة والزيادة الحادثة من يومئذ) يعني: من يوم الأكثر.
يستثنى منه: ما إذا كانت العين في يد البائع قبل القبض.. فإنه لا أجرة للمشتري على البائع على الأصح عند النووي في البيع والصداق 6، لكن صحح شيخنا الإِمام البلقيني: إيجاب الأجرة عليه، قال: ومقتضى كلامه: أنه لا يستحق الحمل؛ لأنه زائد قبل يومئذ، وليس كذلك فسيأتي أنه لو أقام بينة بملك دابة.. يستحق الحمل في الأصح.
6333 - قول "التنبيه" [ص 263]: (وإن شهدت بينة أحدهما بالملك والنتاج في ملكه وبينة الآخر بالملك وحده.. فقد قيل: بينة النتاج أولى، وقيل: على قولين كالمسألة قبلها) الطريق الثانية هي "الصحيحة" والأصح منها: أن بينة النتاج أولى، وعليه مشى "الحاوي" بقوله [ص 691]: (قدمت المضيفة).
6334 - قول "المنهاج" [ص 581]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 692]: (ولو أطلقت بينة وأرخت بينة.. فالمذهب: أنهما سواء) قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنه ممنوع نقلًا ودليلًا؛ أما الدليل.. فإن مقيم البينة بالملك من بينة مثلًا يستحق الأجرة والزيادة من ذلك الوقت، بخلاف مقيم البينة المطلقة، فتقدم المؤرخة كما تقدم السابقة لهذا المعنى، وأما النقل.. فقد نص الشافعي على تقديم بينة النتاج على بينة الملك المطلق، وكلام الشيخ أبي حامد على ترجيح المؤرخة على المطلقة، ولم أقف على ترجيح التسوية مع التفريع في المؤرختين على ترجيح متقدمة التاريخ, ثم بسط ذلك.
6335 - قول "التنبيه" [ص 263]: (فعلى هذا: إن كان مع أحدهما بينة بالملك القديم ومع الأخرى يد.. فقد قيل: صاحب اليد أولى، وقيل: صاحب البينة بالملك القديم أولى) الأصح: الأول، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 1، ونص عليه الشافعي.
واعلم: أنه لو كانت متقدمة التاريخ شاهدة بوقف والمتأخرة التي معها يد شاهدة بملك أو وقف.. قدمت التي معها يد، قاله النووي في "فتاويه" 2.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وعليه جرى العمل ما لم يظهر أن اليد عادية باعتبار ترتبها على بيع صدر من أهل الوقف أو بعضهم بغير سبب شرعي.. فهناك يقدم العمل بالوقف.
6336 - قول "التنبيه" [ص 264]: (وإن ادعى عينا في يد زيد وأقام بينة بملك متقدم؛ فإن شهدت البينة بأنها ملكه أمس.. لم يحكم له حتى تشهد البينة أنه أخذها منه زيد - أي: بما لا يزيل الملك كعارية وغصب - وقيل فيه قولان) الجمهور كما في "أصل الروضة" على ترجيح طريقة القولين 3، وقول "المنهاج" عطفًا على ما عبر فيه بالمذهب [ص 581]: (وأنها لو شهدت بملكه أمس ولم تتعرض للحال.. لم تسمع حتى يقولوا: "ولم يزل ملكه"، أو "لا نعلم مزيلًا له") يحتمل الطريقين معًا، وعبارة "الحاوي" [ص 676]: (ولو شهد بملكه بلا أعلم مزيلًا) وهنا أمور:
أحدها: نازع شيخنا في "تصحيح المنهاج" في هذا الترجيح، وقال: المذهب المعتمد: قبول الشهادة بالملك المتقدم، وبسط ذلك، ثم حكى قول صاحب "المطلب": الصحيح بالاتفاق: عدم سماع البينة بالملك القديم، ومنعه، وقال: الذي نقله الماوردي عن الأصحاب يقتضي القطع بسماع البينة بالملك القديم، وفي "التنقيح" لشيخنا الإسنوي: فيه تعارض مذكور في (الإقرار) من "الجواهر"، وهذا الباب من "المهمات".
قلت: التعارض إنما هو في قول المقر: كان لفلان عليّ ألف؛ ففي زيادة "الروضة" في الإقرار: ينبغي أن يكون الأصح: أنه ليس إقرارًا 1، وفي "أصل الروضة" هنا: الأصح: أنه يؤاخذ به 2.
ثانيها: يستثنى من عدم سماعها مسائل:
إحداها: إذا شهدت أن هذا المملوك وضعته أمته في ملكه أو هذه الثمرة أثمرتها نخلته في ملكه ولم يتعرض لملك الولد والثمرة في الحال.. سمعت كما نص عليه، وذكره "التنبيه" ثم قال: (وقيل: هو كالبينة بالملك المتقدم) 3.
الثانية: إذا شهدت أن هذا الغزل من قطنه كما نص عليه، وذكره "التنبيه" أيضًا، وذكر معه: ما إذا شهدت أن الطير من بيضه والآجر من طينه 4.
الثالثة: إذا شهدت أنها ملكه أمس اشتراها من المدعى عليه بالأمس.. قبلت قطعًا، وقد ذكره "الحاوي" 5، وفي "أصل الروضة" في الفروع المنثورة آخر الدعاوى: لو شهدوا أن هذه الدار اشتراها المدعي من فلان وهو يملكها, ولم يقولوا: هي الآن ملك المدعي.. ففي قبول شهادتهم قولان كما لو شهدوا أنها كانت ملكه أمس، والمفهوم من كلام الجمهور قبولها 6.
الرابعة: إذا ادعى على شخص يسترق عبدًا بأن هذا كان عبدي فأعتقته وأقام على ذلك بينة.. سمعت، وإن كانوا لا يثبتون له في الحال ملكًا؛ لأنهم يشهدون على وفق دعواه وهو لا يدعي الملك لنفسه في الحال، وحكى "التنبيه" في ذلك خلافًا فقال [ص 264]: (قيل: يقضى بها، وقيل: كالبينة بملك متقدم)، وقد عرفت أن الأصح: الأول.
ثالثها: الاكتفاء بقوله: (لا أعلم له مزيلًا) حكاه في "الوسيط" عن القاضي حسين، ثم
قال: وأكثر الأصحاب على أنه لا بد من الجزم في الحال 1، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وعليه جرى شراح "الوسيط"، وهو فقه ظاهر.
6337 - قول "المنهاج" [ص 581]: (وتجوز الشهادة بملكه الآن استصحابًا لما سبق من إرث وشراء وغيرهما) قد يفهم أنه لا يكفي الشهادة بأنه مات مورثه وهو مالك له، أو بائعه بايعه وهو مالك له، وليس كذلك؛ فقد تقدم من كلام "الروضة" أن المفهوم من كلام الجمهور القبول 2، وقد يفهم من قوله: (استصحابًا لما سبق) أنه لو صرح في شهادته بأنه اعتمد في ذلك الاستصحاب.. كفى وليس كذلك؛ فالأكثرون كما في "الشرح الصغير" على عدم القبول، وفي "الروضة" وأصلها: قال الغزالي: قال الأصحاب: لا تقبل، وقال القاضي حسين: تقبل 3، وإلى ذلك الإشارة بقول "الحاوي" [ص 676]: (لا إن اعتقد ملكه بالاستصحاب).
وفي "المهمات": إن تصوير المسألة بذلك تحريف، وصورة الخلاف بين الأصحاب والقاضي كما في "النهاية": أن لا يشهد بالملك في الحال، بل بملك متقدم، ويذكر معه من استمرار الأحوال ما يسوغ له الشهادة به في الحال 4، ويدل على تحريفه قول الغزالي في الاستدلال عليه: كما لا تقبل شهادة الرضاع على صورة الامتصاص وحركة الحلقوم 5، فإن نظيره هنا الشهادة على استمرار الأحوال ونظير الشهادة في الحال، وذكر أن معتمده الاستصحاب أن يشهد على الرضاع، ويذكر أن معتمده امتصاص الثدي وحركة الحلقوم.
6338 - قول "الحاوي" [ص 676]: (ولو شهد بإقراره أمس أو يده) وما ذكره في اليد تبع فيه "الوجيز" فإنه قال: لا خلاف في قبول الشهادة باليد في الماضي 6، والأصح: أنه لا يحكم بها إلا أن: يقول كان في يد المدعي فأخذه المدعى عليه منه أو غصبه؛ ولذلك اقتصر "المنهاج" على الشهادة بإقراره أمس بالملك 7.
6339 - قول "المنهاج" [ص 581]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 676]: (ولو أقامها بملك دابة أو شجرة.. لم يستحق ثمرة موجودة، ولا ولدًا منفصلًا) فيه أمور:
أحدها: قيد شيخنا في "تصحيح المنهاج" الثمرة الموجودة بأن لا تدخل في البيع؛ لكونها
مؤبرة في ثمر النخل أو بارزة في التين والعنب ونحو ذلك، فإن دخلت في مطلق بيع الشجرة.. استحقها مقيم البينة بملك الشجرة، قال: وكلام الأصحاب شاهد له، ثم حكى تعبير "النهاية" بقوله: وثمرتها بادية، وأنه علل ذلك بأنها لا تتبعها في البيع المطلق 1، وفي "المطلب": المراد بالبادية: الثمرة المؤبرة؛ لأنها لا تتبع في البيع؛ ففي الشهادة أولى.
انتهى.
وعبر "الحاوي" بالثمرة البادية 2.
ثانيها: في "الكفاية" حكى عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام أنه قال: من شرط سماع الشهادة في حقوق الآدميين.. تقدم الدعوى الصحيحة عليها وموافقة الشهادة لها، وقضية ذلك: أن يحكم بالملك قبيل الدعوى؛ لأن من شرط صحة الدعوى.. تقدم الملك عليها؛ فإنها لا تنشئ الملك، وإلا.. لكان الحكم مرتبًا على دعوى لم يحكم بصحتها, ولا وافقتها البينة؛ فإن المدعي عند الزوال من يوم الجمعة تتضمن دعواه وجود الملك في تلك الحالة وقبلها، فإذا أقام البينة عند الزوال من يوم السبت ولم يحكم بالملك إلا قبيل الشهادة.. كانت الشهادة بما لم تضمنه الدعوى، فينبغي أن لا تسمع كما قاله الأصحاب في الشهادة بالملك المتقدم.
قال في "الكفاية": وقد يجاب بأن ما ذكره الأصحاب سلكوا فيه طريق التحقيق؛ فإنه لا يتحقق تضمن شهادتهم نقل الملك في أكثر من الزمن المذكور، واحتمال تقدم الملك على الدعوى لا ينكر، وهو الكافي في سماع الشهادة؛ لأن المعتبر في صحة الدعوى التي يترتب عليها سماع الشهادة انتظامها وإمكانها ظاهرًا، لا موافقتها ما في نفس الأمر، وأيضًا: فإن الشهادة لا تقام إلا بطلب المدعي، فتقدمه عند طلبه أداء الشهادة كأنه مدع للملك ذلك الوقت أيضًا، فلم تقع الشهادة مخالفة للدعوى 3.
ثالثها: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": البينة لا تنقل الملك بمجرد شهادتها إلا في سلب القتيل في جهاد الكفار؛ لأنه عليه الصلاة والسلام علق استحقاق القاتل للسلب بأن يكون له عليه بينة، وإلا.. يلزم أن تقع في الغنيمة التي أحلت لهذه الأمة شُبَه من جهة الأسلاب التي لا بينة للقاتلين عليها.
6340 - قولهما أيضًا - والعبارة لـ "المنهاج" -: (ولو اشترى شيئًا فأخذ منه بحجة مطلقه.. رجع على بائعه بالثمن، وقيل: لا، إلا إذا ادعى ملكًا سابقًا على الشراء) 4 فيه أمور:
أحدها: المراد بالحجة هنا: البينة دون الإقرار واليمين المردودة ولو جعلت كالبينة.
ثانيها: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لا حاجة لقوله: (مطلقة)، بل لو كانت مسندة إلى زمان بعد البيع الصادر من بائعه له.. فإنه يرجع على بائعه بالثمن على مقتضى كلام الأصحاب خلافاً للقاضي حسين؛ لأن المستندة إلى ذلك الزمان حكمها بالنسبة لما قبله حكم المطلقة.
ثالثها: محل الرجوع: ما لم يصدقه على أنه ملكه، فإن صدقه.. لم يرجع بالثمن عليه؛ لاعترافه بما يقتضي أنه مظلوم، فلو قاله في الخصومة.. رجح في الأصح.
رابعها: محل الوجه الثاني: ما إذا كان ذلك بعد قبض المشتري المبيع، فإن لم يقبضه.. رجع بالثمن بلا خلاف إنزالًا لذلك منزلة هلاك المبيع قبل القبض، قاله شيخنا في "تصحيح المنهاج".
خامسها: رجح شيخنا في "تصحيح المنهاج" الوجه الثاني، فقال: إنه الصواب المتعين، والمذهب الذي لا يجوز غيره، قال: وحكى القاضي حسين الأول عن الأصحاب، ثم قال: إنه في غاية الإشكال، قال شيخنا: ونقله عن الأصحاب لا يعرف في كتاب من كتب الأصحاب في الطريقين قبل القاضي ولا بعده، إلا في كلام الإِمام والغزالي ومن تبعهما حكايته عن القاضي 1، ولم يذكره البغوي والخوارزمي، وهي طريقة غير مستقيمة جامعة لأمر محال؛ وهو أنه يأخذ النتاج والثمرة والزوائد المنفصلة كلها، وهو قضية صحة البيع، ويرجع على البائع بالثمن، وهو قضية فساد البيع، وهذا محال وخرق عظيم، وظواهر نصوص الشافعي وكلام الأصحاب يبطله، ثم بسط ذلك.
سادسها: الاستثناء في قوله: (إلا إذا ادعى ملكًا سابقًا على الشراء) منقطع لعدم دخوله في قوله: (أخذ منه بحجة مطلقه).
سابعها: لا يختص ذلك بالملك السابق على الشراء، بل يأتي في المقارن للشراء؛ بأن يقع من وكيلين أو مالك ووكيل، وفي الحادث بعد الشراء في زمن ثبوت الخيار للبائع، فإنه إذا صدر من البائع.. يصح ويكون فسخًا للبيع، قاله شيخنا في "تصحيح المنهاج"، قال: ولو قال: (إلا إذا ثبت شيء يبطل البيع الصادر من البائع للمشتري).. كان شاملًا حسنًا.
6341 - قول "المنهاج" [ص 582]: (ولو ادعى ملكا مطلقًا فشهدوا له مع سببه.. لم يضر) أي: لا تبطل شهادتهم بذلك، لكن لا تقدم هذه البينة بذكر السبب بناء على أن ذكر السبب مرجح؛ لأنهم ذكروا السبب قبل الدعوى به والاستشهاد عليه، فإن أعاد دعوى الملك وسببه فشهدوا بذلك.. رجحت حينئذ.
فصل [في اختلاف المتداعيين في العقود]
6342 - قول "المنهاج" [ص 582]: (قال: "أجرتك البيت بعشرة"، فقال: "بل جميع الدار بالعشرة"، وأقاما بينتين.. تعارضتا، وفي قول: يقدم المستأجر) فيه أمور:
أحدها: قد يفهم من قوله: (تعارضتا) مجيء قول القسمة والوقف على الاستعمال، وليس كذلك على المشهور.
ثانيها: محل ذلك: ما إذا أطلقت البينتان أو إحداهما أو اتحد تاريخهما، فإن اختلف؛ بأن شهدت إحداهما أنه أجر كذا سنة من أول رمضان والأخرى من أول شوال.. قدم الأسبق في الأصح، لعدم المعارض حال السبق، وفي قول: المتأخر لفسخه الأول؛ فربما تخللت إقالة.
وأورد عليه شيخنا في "تصحيح المنهاج": ما إذا كانت الأولى على البيت.. فالثانية صحيحة أيضًا في غير البيت بناء على تفريق الصفقة، وهو الأصح، وأجاب الرافعي عن ذلك: بأن هذا يقتضي ترجيح الأولى 1، وفيه نظر؛ فلا تنافي بينهما فيما زاد على البيت تفريعًا على تفريق الصفقة.
ثالثها: قال الرافعي: لك أن تقول: وجب أن يقال: موضع التعارض في البينتين المطلقتين واللتين إحداهما مطلقة والأخرى مؤرخة: ما إذا اتفقا على أنه لم يجر إلا عقد واحد، فإن لم يتفقا عليه.. فلا تنافي بين البينتين؛ لجواز أن يكون تاريخ المطلقتين مختلفًا، وتاريخ المطلقة غير تاريخ المؤرخة، وإذا لم يكن تنافٍ.. ثبت أكثر الزيادة بالبينة الزائدة 2.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لا يجوز أن يقال ذلك؛ لأنهما إذا لم يتفقا.. فتارة يتعرضان لتعدد العقد وتارة لا يتعرضان لاختلاف ولا اتفاق، وقوله: (لجواز أن يكون تاريخ المطلقتين مختلفًا) قلنا: ويجوز أن يكون متفقًا، فلم عينت احتمال الاختلاف؟ وقوله: (وأن يكون تاريخ المطلقة غير تاريخ المؤرخة) قلنا: ويجوز أن يكون تاريخ المطلقة هو تاريخ المؤرخة، وقوله: (وإذا لم يكن تناف ثبت أكثر الزيادة بالبينة الزائدة) قلنا: هذا رجوع إلى قول ابن سريج الذي هو خلاف النص المعتمد 3.
رابعها: تقديم المستأجر ليس قولًا منصوصًا، وإنما هو ترجيح ابن سريج، ومحله: في غير مختلفي التاريخ, وتقدم في مختلفي التاريخ تقديم الأسبق أو المتأخر، ومحلها: إذا لم يتفقا على
أنه لم يجر إلا عقد واحد، فإن اتفقا عليه.. تعارضتا، حكاه في "أصل الروضة" عن صاحب "التقريب" وغيره 1، وخص الماوردي تقديم المستأجر بأن تكونا مطلقتين، وفي "المطلب": أنه لا يظهر للتفرقة بين المطلقتين ومتفقتي التاريخ وجه, لأنه لا بد من تعيين المدة، وإذا لم يكن تاريخهما واحدًا.. لم يكن بينهما تعارض في كل المدة، إذ من شرط العقد أن تتصل به المدة؛ فالإطلاق إذًا والتقييد بتاريخ واحد سواء فيما نحن فيه.
خامسها: لا يختص هذا القول ببينة المستأجر، بل مداره على تقديم بينة الزيادة، فلو كانت الزيادة في جانب المؤجر؛ بأن قال: أجرتك بعشرين، فقال: بعشرة.. قدمت على هذا القول بينة المؤجر، ولو كانت الزيادة من الجانبين؛ بأن قال: أجرتك هذا البيت بعشرين، فقال: بل جميع الدار بعشرة.. فلابن سريج رأيان، المصحح منهما: الرجوع إلى التعارض، والثاني: الرجوع إلى الزيادة في الجانبين، فيجعل الجميع مكري بعشرين، وهو فاسد؛ لأنه خلاف قول المتداعيين والشهود 2.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لم يقل ذلك ابن سريج، وإنما حكاه عن غيره، وزيفه كما في "النهاية" و"البسيط" 3، والذي أوقع الرافعي في حكايته عنه قول "التهذيب": ذكر ابن سريج 4، ومراده: أنه ذكره عن غيره، لا لنفسه، والله أعلم.
6343 - قول "التنبيه" [ص 263]: (وإن ادعى كل منهما أنه ابتاع هذه الدار من زيد وهي ملكه، وأقام بينة؛ فإن كان تاريخهما مختلفًا.. فهي للسابق منهما) مثل قول "المنهاج" [ص 582]: (ولو ادعيا شيئًا في يد ثالث، وأقام كل منهما بينة أنه اشتراه ووزن له ثمنه؛ فإن اختلف تاريخٌ.. حكم للسابق)، وهو داخل في قول "الحاوي" [ص 692]: (ثم السابقة تاريخًا).
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": ومحله إذا لم يصدر المتأخر حالة الخيار، فإن صدر في الخيار.. فسخ الأول، وكان هو صحيحًا، فإن تعرضت بينة الثاني لذلك.. قضي له بها، ويقضى للأول بالثمن قطعًا، وإن لم تتعرض لذلك، ولكن تعرضت لكونه ملكًا له وقت البيع، وشهدت بينة الأول بمجرد البيع.. فالأرجح: تقديم شهادة من شهدت بالملك حالة البيع.
ويختص "المنهاج" بأن وزن الثمن ليس شرطا للدعوى، ولكن فائدته أنه يتعين القول بماجبار البائع على التسليم، وفي "أصل الروضة" عن أبي عاصم: أنه لو ذكرت إحدى البينتين وزن الثمن
دون الأخرى.. كانت مقدمة، سواء كانت سابقة أو مسبوقة؛ لأن النقد يوجب التسليم والأخرى لا توجبه؛ لبقاء حق الحبس للبائع 1.
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وليس ذلك بمعتمد، ووزن الثمن لا يفيد الترجيح، وكون إحداهما توجب التسليم والأخرى لا توجبه غير مقتض للترجيح، وقد يكون الثمن مؤجلًا فلا يتوقف وجوب التسليم على وزن الثمن؛ ولأن البينة السابقة مقتضاها بطلان البيع الثاني، فلا أثر لوزن الثمن في بيع باطل.
6344 - قول "التنبيه" [ص 263]: (وإن كان تاريخهما واحدًا أو لم يعلم السابق منهما.. تعارضت البينتان، وفيهما قولان: أحدهما: تسقطان) هو الأظهر، وهو مفهوم من إطلاق "المنهاج" التعارض مع ما تقدم 2، وداخل في كلام "الحاوي" 3.
ودخل في كلامهم: ما إذا كانت إحداهما مؤرخة والأخرى مطلقة، وبه صرح الأصحاب، واستدرك أبو الفرج الزاز أنا إذا قدمنا المؤرخة على المطلقة.. قضينا لصاحبها, ولا يجيء الأقوال.
وأجاب عنه شيخنا في "تصحيح المنهاج": بأن تقديم المؤرخة على المطلقة إنما هو حيث كانت المطلقة تنزل على الملك في حال الشهادة أو في حال الدعوى، وذاك لا يأتي في العقود؛ فاتجه إطلاق الأصحاب، وبطل ما استدركه أبو الفرج.
انتهى.
وقد يفهم من سقوطهما أنه لا يرجع واحد منهما بالثمن الذي وزنه، وليس كذلك على الأصح، وقد صرح به "الحاوي" فقال [ص 692]: (وغرم الثمنين في البيع والشراء منه، وتوفيره)، ومحل ذلك: إذا لم تتعرض البينة لقبض المبيع، فإن تعرضت.. فلا رجوع بالثمن لاستقرار العقد بالقبض.
6345 - قول "التنبيه" [ص 263]: (والثاني: تستعملان إما بالقرعة أو بالقسمة، ولا بجيء الوقف) الأصح في "أصل الروضة": مجيء قول الوقف أيضًا مع اعترافه بأن الأشهر عدم مجيئه 4، ومجيئه ظاهر إطلاق "المنهاج" 5.
واعلم: أن محل ما تقدم: ما إذا لم يصدق البائع أحدهما، فإن صدق أحدهما.. فعلى
السقوط: يسلم للمصدق، وعلى الاستعمال: قيل: يقدم أيضًا، والأصح: لا، بل هو كما لو استمر على تكذيبهما.
6346 - قولهما - والعبارة لـ"التنبيه" -: (وإن كان في يد زيد دار فادعى كل منهما أنه باعها منه بألف، وأقام كل واحد منهما بينة على عقده؛ فإن كان تاريخهما واحدًا.. تعارضت البينتان) 1 فيه أمران:
أحدهما: قال في "أصل الروضة": قال الأكثرون: صورة المسألة: أن يقول كل واحد: بعتك بكذا وهي ملكي، وهكذا لفظ الشافعي في "المختصر"، وقال أبو الفياض: لا يشترط ذلك 2.
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": ولفظ "المختصر" ليس صريحًا في ذلك؛ وكأنهم فهموا من قوله: (أنه ثوبه) 3 أن الإضافة للملك، لكن نص "الأم" يخالفه؛ لقوله فيه: (أو أنه باعه منه بألف درهم ولم تقل الشهود: إنه ثوبه) 4.
ثانيهما: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": مقتضاه: أنه لو اتخذ تاريخهما باليوم.. جرى التعارض، وليس كذلك، وإنما يحصل التعارض إذا عينا وقتًا واحدًا بحيث يعلم أن ذلك المعين يضيق عن وقوع عقدين فيه عقد عقب عقد، وليس اتحاد التاريخ هنا كاتحاد التاريخ في الصورة قبلها؛ لأن المطلوب في الصورة قبلها تحصيل، وفيه ذلك الذي وقعت الدعوى به، والعين الواحدة لا تتسع لتحصيل القرضين بأن يكون كل واحد مالكها، والمطلوب في هذه الصورة الثمن، وهو في الذمة، والذمة متسعة للزوم أثمان، نبه عليه الإِمام والغزالي 5، وكلام غيرهما يدل عليه.
6347 - قولهما: (وإن كان تاريخهما مختلفًا.. لزمه الثمنان) 6 في "أصل الروضة": شرطه: أن يكون بينهما زمن يمكن فيه العقد الأول، ثم الانتقال من المشتري إلى البائع الثاني، ثم العقد الثاني، فإن عين الشهود زمنًا لا يتأتى فيه ذلك.. لم يجب الثمنان 7.
ومثله شيخنا في "تصحيح المنهاج": بأن تقول: إحدى البينتين: إنه باعه منه عند بروز شيء
من الشمس بطلوعها، والأخرى: إنه باعه عند بروز نصفها 1.
6348 - قول "التنبيه" [ص 263]: (وإن كانتا مطلقتين أو إحداهما مطلقة والأخرى مؤرخة.. فقد قيل: يلزمه الثمنان، وقيل: بلزمه ثمن واحد) الأصح: الأول، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 2.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنه مخالف لقضية التحقيق؛ فإن الأصل براءة الذمة، والمطلقتان يحتمل أن يتحد تاريخهما وأن يختلف، فلا يلزم بالشك، وممن صحح ذلك الشيخ أبو حامد.
6349 - قول "المنهاج" [ص 582]: (ولو مات عن ابنين مسلم ونصراني فقال كل منهما: "مات على ديني" فإن عرف أنه كان نصرانيًا.. صدق النصراني، فإن أقاما بينتين مطلقتين.. قدم المسلم) هو داخل في قول "الحاوي" [ص 691]: (قدمت الناقلة)، وقد يفهم تصويرها بأن تشهد إحداهما بأنه مسلم والأخرى بأنه نصراني، والذي ذكره الأصحاب ومنهم "التنبيه": تصويرها بأن تشهد إحداهما أنه مات مسلمًا والأخرى أنه مات نصرانيًا 3.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لم نر من تعرض للتصوير الأول، وعندي أن شهادة البينة أنه مسلم كاف في الحكم بإسلامه؛ لأنه ظهر بذلك انتقاله من التنصر الذي كان معروفًا به إلى الإِسلام، والأصل بقاءه عليه، وحدوث كفره يقتضي أن يكون مرتدًا لا يرثه أحد، وأما قول إحداهما: مات مسلمًا، والأخرى: مات نصرانيًا.. فهذا ليس إطلاقًا، وإنما هو تقييد بحالة الموت.
6350 - قول "المنهاج" [ص 582]: (وإن قَيَّدت أن آخر كلامه إسلام وعكسته الأخرى.. تعارضتا) قال الرافعي: وتقييد البينتين بأن آخر كلامه كان كذا غير محتاج إليه؛ لحصول الترجيح بزيادة العلم، بل تقييد بينة النصراني بأن آخر كلامه النصرانية كاف فيه؛ أي: في التعارض، وإن أطلقت بينة المسلم.. فيكون كتقييدها.
انتهى 4.
ولهذا عبر "التنبيه" بقوله [ص 264]: (وإن شهدت بينة النصراني أن آخر كلامه عند الموت النصرانية.. تعارضت البينتان).
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": التعارض ممنوع؛ فإن آخر كلامه باعتبار ما شاهدته كل بينة لا تعارض فيه؛ لأنه يحتمل أن تشهد بينة النصرانية بأن آخر كلامه كلمة التنصر في الحالة التي
سكت فيها عن الكلام بحضرتهم، ثم إنها ذهبت واستصحبت السكوت وجاءت بينة الإِسلام فتكلم بحضرتها بالشهادتين؛ فإنه لا تعارض حينئذ، ويقضي ببينة الإِسلام، وإنما يقع التعارض لو شهدت كل منهما بأن آخر كلمة تكلم بها كذا، ومكثت عنده إلى أن مات ودفن، قال: ولو قالت بينة الإِسلام: علمنا الحالة التي شاهدته بينة التنصر فيها, ولكنه بعد ذلك تكلم بكلمة الإِسلام.. فإنه تقدم بينة الإِسلام بلا خلاف، كما لو قالت بينة التعديل: علمنا سبب الجرح ولكنه تاب منه.. فإنه تقدم بينة التعديل 1.
6351 - قولهما: (وإن لم يعرف دينه وأقام كل بينة أنه مات على دينه.. تعارضتا) 2 قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": هذا عندي ممنوع، بل الصواب تقديم بينة المسلم؛ لأن الإِسلام يطرأ على التنصر فيقطعه، ولا يطرأ على الإِسلام فيقطعه إلا الردة، ولا ميراث معها.
6352 - قول "المنهاج" [ص 582، 583]: (ولو مات نصراني عن ابنين مسلم ونصراني فقال المسلم: "أسلمت بعد موته.. فالميراث بيننا"، فقال النصراني: "بل قبله".. صدق المسلم بيمينه، وإن أقاماهما.. قدم النصراني) قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": محل تقديم النصراني: إذا لم تشهد بينة المسلم بأنها علمت منه دين النصرانية حين موت أبيه وبعده، وأنها لم تستصحب، فإذا قالت ذلك.. قدمت بينة المسلم؛ لأنا لو قدمنا بينة النصراني.. للزم أن يكون مرتدًا حالة موت أبيه، والأصل عدم الردة.
6353 - قول "التنبيه" [ص 264, 265]: (وإن مات رجل وخلف ابنين واتفقا على إسلام الأب وإسلام أحدهما قبل موت الأب واختلفا في إسلام الآخر هل كان قبل موت الأب أو بعده؟ فالقول قول الابن المتفق على إسلامه) محله عند عدم البينة، فلو أقام كل منهما بينة على ما ادعاه.. قدمت بينة المختلف في إسلامه على الأصح؛ لأنها ناقلة، وذلك مفهوم مما ذكره "المنهاج" في الصورة التي قبلها 3.
6354 - قول "المنهاج" [ص 583]: (فلو اتفقا على إسلام الابن في رمضان، وقال المسلم: "مات الأب في شعبان"، وقال النصراني: "في شوال".. صدق النصراني، وتقدم بينة المسلم على بينته) يستثنى منه: ما إذا شهدت بينة النصراني في هذه الحالة بأنهم عاينوه حيًا في شوال.. فإنهما يتعارضان، كذا في "أصل الروضة" 4.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": تقدم بينة النصراني؛ لاحتمال استناد بينة شعبان لإغماء أو استفاضة موت.
6355 - قول "التنبيه" [ص 265]: (وإن مات رجل وخلف أبوين كافرين وابنين مسلمين فقال الأبوان: "مات كافرًا"، وقال الابنان: "مات مسلمًا".. ففيه قولان، أصحهما: أن القول قول الأبوين) كذا فيما وقفنا عليه من نسخ "التنبيه"، وكذا هو في "المنهاج" وغيره 1، وفي "شرح ابن يونس" أن الذي في "التنبيه": (أصحهما: أن القول قول الابنين)، ويوافقه قول ابن عمه في "التنويه": حذفنا قوله: (الأصح: أن القول قول الابنين) لأنه وإن وجّه بأن الإِسلام يغلب بالدار.. فهو بعيد في الحكاية؛ ولهذا لم يذكره في "المهذب" أصلًا، ولا هو في مشاهير الكتب، والوجه الثابت في المسألة هو الوقف، والخلاف من تخريج ابن سريج؛ فإنه قال: تحتمل المسألة قولين، وحقيقته وجهان.
انتهى.
ويوافق ذلك أيضًا قولُ النووي في "الروضة": أنكروا على صاحب "التنبيه" ترجيح تصديق الابن، وهو ظاهر الفساد 2، واعتراضُه عليه في "تصحيحه" أيضًا 3، وتبعه شيخنا الإسنوي في "تصحيحه" في استدراك ذلك على "التنبيه" أيضًا 4، وقال النووي في "الروضة": الوقف أرجح دليلًا، لكن الأصح عند الأصحاب: تصديق الأبوين 5.
قال شيخنا الإسنوي في "التنقيح": فإذا تقرر أنه الأرجح في الدليل.. فينبغي أن يقول: المختار.
ولشيخنا هنا في "تصحيح المنهاج" تنبيهات:
أحدها: ظاهره قصور ذلك على الأبوين، وليس كذلك، فلو وطئ مجوسي أخته من أبويه الكافرين الأصليين، فولدت ولدًا فمات عن جديه أبي أبيه وأم أمه وهي أم أبيه أيضًا، وتنازعا مع ولد له مسلم في كفره وإسلامه.. كان كذلك، قال: وإنما فرضنا ذلك في نكاح المجوس؛ لأن هنا أصلًا مستصحبًا، وهو كفر الأصل الأدنى؛ فإنه لو تخلل أب وأم وكان التنازع بين الجدين والابنين.. لم يكن هناك أصل مستصحب للكفر؛ فلا يكون القول فيه قول الجدين، قال: وقد يفرض مثل ذلك في الوطء بشبهة الكفار.
ثانيها: لا حاجه في التصوير لذكر الابنين، بل الابن الواحد كاف، وكذا ابن الابن والبنت وبنت الابن.
ثالثها: استشكله شيخنا بأنه إن كان كفر الأبوين الأصلي ثابتًا بالبنية أو بإقرار المنازع.. فلا خلاف في تصديقهما، وإلا.. فينبغي أن تكون الفتوى على الوقف لزوال الاستصحاب، قال: ولم أر هذا الذي حققناه في كلام أحد، وقول النووي: إن الوقف أرجح دليلًا 1 إنما يكون إذا لم يثبت لنا أصل في الأبوين نستصحبه، فإن ثبت.. فقول الأبوين قطعًا 2.
6356 - قول "التنبيه" [ص 264]: (وإن شهد شاهدان أنه أعتق سالمًا وهو ثلث ماله وشهد آخران أنه أعتق غانمًا وهو ثلث ماله، ولم يعلم الأول منهما.. ففيه قولان:
أحدهما: أنه يعتق من كل واحد منهما نصفه، والثاني يقرع بينهما) فيه أمور:
أحدها: المراد: حصول الإعتاق في مرض موته، وعبارة "المنهاج" [ص 583]: (في مرضه)، ولو قال: (مرض موته) كما في "المحرر" 3.. لكان أولى.
ثانيها: فهم من قوله: (ولم يعلم الأول) تحقق الترتيب، فخرج ما إذا اتخذ التاريخ، وقد ذكره "المنهاج" وقال [ص 583]: (أقرع).
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": يستثنى منه: ما إذا كان الاتحاد بمقتضى تعليق وتنجيز؛ بأن يقول: إن أعتقت غانمًا.. فسالم حر، ثم يعتق غانمًا.. فيعتق سالم مع عتق غانم بناء على أن الشرط والمشروط يقعان معًا وهو المرجح، وهذا تاريخ متحد، ولا إقراع، ويتعين السابق.
ثالثها: الأصح: أنه يعتق من كل نصفه، وعليه مشى "الحاوي" 4، وفي زيادة "المنهاج" [ص 583]: (أنه المذهب)، وعبارة "المحرر": (قيل: يقرع، وقيل قولان: أحدهما: هذا، والثاني: يعتق من كل منهما نصفه، ورجح كلًا منهما طائفة من الأصحاب) 5، واختصره "المنهاج" بقوله [ص 583]: (قيل: يقرع، وقيل: في قول: يعتق من كل نصفه)، ومقتضاه: أنهما وجهان، وقد عرفت أنهما طريقان، وأصلها أنه متى علمت المعية.. أقرع، أو الترتيب ولم يعلم السابق.. فهل يقرع أو يقسم؟ قولان، قال في "أصل الروضة": أظهرهما: الثاني، قال: ورجح جماعة الأول، فإذا أطلقت البينتان أو إحداهما.. احتمل المعية، فيقرع، قاله البغوي،
والترتيب من غير تعيين، قال جماعة منهم الإمام والغزالي: وهو أقرب وأغلب؛ فيجيء القولان 1، قال الرافعي: ورجح الروياني وغيره القسمة، ونظم "الوجيز" يشعر به، وهو يوافق ما رجح في نظيره من الجمعتين، ورجح آخرون القرعة، وهو يوافق ما رجح في النكاحين 2.
وخالف شيخنا في "تصحيح المنهاج" هذا الترجيح وقال: المذهب المعتمد عند الأصحاب: الإقراع، ونص عليه في "الأم" في الحدود، وهو موضع خفي على كثير من المصنفين، ولم يصح لي عن أحد من الأصحاب ترجيح القول بالقسمة في صورة البينتين من المطلقتين.
6357 - قول "المنهاج" [ص 583]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 692, 693]: (ولو شهد أجنبيان أنه أوصى بعتق سالم وهو ثلثه، ووارثان حائزان أنه رجع عن ذلك ووصَّى بعتق غانم وهو ثلثه.. يثبت لغانم، فإن كان الوارثان فاسقين.. لم يثبت الرجوع فيعتق سالم ومن غانم ثلث ماله)، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": الأصح: أنه يعتق غانم كله؛ فإن الوارثين الفاسقين يعتقدان أن سالمًا ملكهما، وإنما منعهما من التصرف فيه ظاهرًا الشهادة التي هي عندهما غير معمول بها؛ لما عرفناه من الرجوع، وقطع به الدارمي، ونص في "الأم" و"المختصر" على ما يشهد له، ثم بسط ذلك.
6358 - قول "التنبيه" [ص 263]: (وإن قال لعبده: "إن قتلت.. فأنت حر"، فأقام العبد بينة أنه قتل وأقام الورثة بينة أنه مات.. ففيه قولان:
أحدهما: يتعارضان ويرق العبد، والثاني: تقدم بينة القتل) الثاني هو الأصح، وعليه مشى "الحاوي" 3.
6359 - قول "التنبيه" [ص 263]: (وإن قال: "إن مت في رمضان.. فعبدي حر، وإن مت في شوال.. فجاريتي حرة"، ومات، وأقام العبد بينة بالموت في رمضان، والجارية بينة بالموت في شوال.. ففيه قولان، أحدهما: يتعارضان ويرقان، والثاني: تقدم بينة رمضان) الأصح: الثاني، وهو داخل في قول "الحاوي" [ص 692]: (ثم السابقة تاريخًا)، وقول "التنبيه": (ويرقان) أي: على قول التساقط، أما إذا قلنا بالاستعمال.. فالأقوال.
6360 - قول "التنبيه" [ص 262]: (وإن تداعيا عرصة لأحدهما فيها بناء أو شجر؛ فإن كان قد ثبت البناء والشجر له بالبينة.. فالقول قوله في العرصة مع يمينه، وإن ثبت ذلك بالإقرار.. فقد قيل: القول قوله، وقيل: هو بينهما) الأصح: الأول، وفي بعض نسخ "التنبيه" ذكره بالجزم، وذكر الثاني بلفظ (قيل).
6361 - قوله: (وإن تداعيا سلمًا منصوبًا.. حلف صاحب العلو، وقضي له) 1 محله: ما إذا كان مثبتًا بالتسمير ونحوه، فإن كان منقولًا غير مثبت.. فحكى ابن كج عن الأكثرين: أنه لصاحب العلو أيضًا، وعن ابن خيران: أنه لصاحب السفل، قال الرافعي: وهو الوجه 2. 6362 - قوله: (وإن كان بينهما صبي لا يعقل فادعى كل واحد منهما أنه مملوكه.. حلفا وجعل بينهما) 3 محله: ما إذا لم يعرف سبب يدهما، فإن عرف.. لم يقبل فيه قول صاحب اليد إلا ببينة في الأصح.