تحرير الفتاوىصفحات 45-84

كتابُ التفليس

صفحات 45-84

2246 - قولهما: (بالطين والآجُر) 1، زاد "المنهاج" [ص 258]: (لا اللبن والجص)، وكذا في "المحرر" و"الروضة" 2، وعبارة "الشرح" عطف الجص بـ (أو) 3، وصوبه شيخنا ابن النقيب؛ فإن كلًا منهما ممتنع، قال: فلو اقتصر على قوله: (بالطين والآجر)،.
لأخذ امتناع ما سوى ذلك من المفهوم 4. 2247 - قول "التنبيه" [ص 103]: (ولا ببيع العقار عليهما إلا لضرورةٍ أو غبطة) عبر "المنهاج" بقوله [ص 258]: (إلا لحاجةٍ أو غبطةٍ ظاهرةٍ) والحاجة أخف من الضرورة، وهي المعتبرة وإن لم ينته الحال للضرورة، وقد عبر بالحاجة الشافعي وأكثر الأصحاب، وتقييد الغبطة: بكونها ظاهرة ليس في "المحرر" ولا في "الروضة" وأصلها، لكن فيهما تفسير الغبطة: بأن يكون ثقيل الخراج، أو رغب فيه شريك أو جار بأكثر من ثمن المثل وهو يجد مثله ببعض ذلك الثمن 5، وذكر في "المهمات": أَنَّ وجدان مثله ليس شرطًا، ولم يعتبره الأكثر، وبتقدير اشتراطه: فلو وجد خيرًا منه بذلك الثمن.. كان كذلك، صرح به الشيخ أبو حامد وآخرون، فإن وجد مثله بمثله.. فالمتجه: المنع، فإن لم يجد بصفته؛ احتمل أنه إن كان الغالب وجدانه في الحال أو بعده بقليل.. جاز، وإلا.. فلا، وفسر "التنبيه" الغبطة: بأكثر من ثمن المثل بزيادة كثيرة 6. وضبطها الإمام: بألَّا يستهين بها العقلاء بالنسبه إلى شرف العقار 7، وفي معنى العقار: آنية القنية من صفر وغيره، قاله البندنيجي.
قال في "الكفاية": وما عدا ذلك من سائر أمواله لا يباع إلا لغبطة أو حاجة، لكن يجوز لحاجة يسيرة وربح قليل، بخلاف العقار.
2248 - قوله: (ولا يبيعه بنسيئة إلا لضروةٍ أو غبطةٍ، وهو: أن يبيع بأكثر من ثمن المثل ويأخذ عليه رهنًا) 8 فيه أمران: أحدهما: اقتصر "المنهاج" في البيع بالنسيئة على كونه مصلحة، قال: (وإذا باع نسيئة..

أشهد وارتهن به) 1، ولا بد أن يكون الرهن وافيًا بالثمن.
واعلم: أن الرافعي جزم في الإقراض بعدم وجوب الارتهان، وإنما يفعل ما يراه مصلحة 2، وذكر ابن الرفعة: أن البيع نسيئة كالإقراض، فحصل من مجموع ذلك أن الارتهان في البيع نسيئة غير واجب.
ويستثنى من الاحتياج إلى الرهن: ما لو باع مال ولده من نفسه نسيئة، وحكى في "الروضة" في (الرهن): أن شرط البيع نسيئة: كون المشتري ثقة موسرًا ويكون الأجل قصيرًا، ثم قيل: الأجل الذي لا تجوز الزيادة عليه سَنَة، وقال الجمهور: لا يتقدر بها، بل يعتبر عرف الناس 3. وأما الإشهاد: فالأصح في الوصية: أنه لا يجب، وجزم النووي في (الرهن) بأنه واجب 4، وفي اشتراطه قولان، وقد يحمل كلامه في الوصية على البيع حالًا، وهذا في البيع نسيئة، وفي الرافعي في (الوكالة) في أثناء تعليل: أن الوصي لا يبيع إلا بنقد البلد حالًا 5، وهو محمول على المذكور هنا.
ثانيهما: الظاهر: أن أخذ الرهن خاص بالصورة الثانية، أما الضرورة: فلا يشترط فيها الرهن؛ لخروجها عن الضبط، لكن حكى ابن الرافعة عن القاضي أبي الطيب والمتولي: أن في الاحتياج إلى الرهن في صورة الضرورة الخلاف فيما إذا أقرضه في مثل هذه الحالة، وفي "الروضة" وأصلها في (الأطعمة): أنه يجوز للولي بيع مال المحجور نسيئة للمضطر، وأنها إحدى الصور التي يجوز فيها بيع مال الصبي نسيئة 6، وقد يُدعى دخول هذه الصورة في عبارة " التنبيه "، وأن الضرورة تتناول ضرورة المحجور وضرورة المضطر، ولا يمكن توقف هذا البيع على رهن إذا لم يكن مع المضطر ما يرهنه.
2249 - قول "التنبيه" [ص 103]: (وإن وجب لهما شفعة وفي الأخذ بها غبطة.. لم يجز له تركها) مفهومه: تركها إذا لم يكن أخذها غبطة، وهذا صادق بكون الغبطة في ترك الأخذ بها، وباستواء الأمرين، فأما الأولى: فقد ذكرها "المنهاج" بقوله [ص 258]: (ويأخذ له بالشفعة أو يترك بحسب المصلحة)، و " الحاوي " بقوله بعد ذكر التصرف بالغبطة [ص 312]: (وفي الشفعة وتركها)، وأما الثانية: فما اقتضاه كلامه فيها هو مقتضى كلام الرافعي في آخر (الشفعة) 7.

2250 - قول " المنهاج " [ص 258]: (ويُنفق عليه بالمعروف) وكذا على قريبه، لكن بعد طلبه، إلا أن يكون القريب صغيرًا أو مجنونًا 1. 2251 - قول " التنبيه " [ص 103]: (ولا يقرض من مالهما شيئًا، إلا أن يريد سفرًا يخاف عليه.. فيكون إقراضه أولى من إيداعه) فيه أمور: أحدهما: أنه لا يتقيد جواز الإقراض بالسفر، فيجوز في الحضر أيضًا إذا خيف عليه من نهب أو حريق أو نحوهما، كما جزم به في " الروضة " 2، واغتر بذلك شيخنا الإسنوي، فعبر عنه في " تصحيحه " بـ (الصواب) 3، وليس كذلك؛ ففيه وجه في " الكفاية " بالمنع في الحضر مطلقًا.
ثانيها: قد يتوهم من عبارته أنه مخير بين الإقراض والإيداع، وليس كذلك، بل لا يجوز الإيداع مع القدرة على الإقراض.
ثالثها: محل ذلك: في غير القاضي، أما القاضي: فله إقراض مال المحجور مطلقًا على الأصح، وصحح السبكي: المنع عند عدم الضرورة، وقال: لم أر الجواز لغير البغوي والرافعي 4. 2252 - قوله: (وإن احتاج الوصي أن يأكل من مال اليتيم شيئًا.. أكله ورد البدل، وقيل: لا يرد) 5 فيه أمور: أحدها: أن ذلك لا يتقيد بالوصي، بل الأب والجد أولى بذلك، وهما مفهومان من طريق الأولى، فذكر ابن الرفعة: أنه لا خلاف أنهما عند الحاجة يأخذان قدر الكفاية، وسواء كانا صحيحين أم لا؛ لأنهما وإن كانا صحيحين قادرين على التكسب.. لكنه قد تعذر ذلك عليهما بسبب حفظ المال؛ ولذلك أطلق " الحاوي " قوله [ص 313]: (ويأكل الفقير بالمعروف) لكن دخل في عبارته الحاكم، وهو مستثنى من جواز الأخذ، استثناه صاحب " التعليقة ". ثانيها: أورد عليه النشائي في " نكته ": أنه يشترط مع فقره: انقطاعه عن كسبه بسبب القيام باليتيم 6، ولا يرد ذلك عليه؛ لكونه مفهومًا من لفظ (الحاجة) فإنها لا تصدق إلا باجتماع الفقر والاشتغال بالمال عن الكسب.

نعم؛ يرد ذلك على اعتبار " الحاوي " الفقر خاصة.
ثالثها: تعبيره وتعبير " الحاوي " بـ (الأكل) ليس المراد به حقيقته، وإنما خص بالذكر؛ لأنه أعم وجوه الانتفاعات.
رابعها: ظاهره أنه يأخذ قدر النفقة، وهو الذي رجحه الرافعي 1، ورجح النووي: أنه يأخذ أقل الأمرين من النفقة وأجرة المثل، فقال: إنه المعروف في كتب العراقيين، ونص عليه الشافعي 2، وقد يفهم من قول " الحاوي ": [ص 313]: (بالمعروف) اعتبار أجرة المثل، وهو الذى ذكره الماوردي 3. خامسها: ظاهره أنه يستبد بالأخذ من غير مراجعة حاكم، وبه صرح ابن الصلاح في " فتاويه " 4، وقياسه: أنه يستبد برده أيضًا على القول برد البدل، وهو ظاهر كلام " التنبيه " أيضًا، لكن صرح الرافعي في (الوصايا) بأنه إنما يرده للحاكم؛ لأنه لا يبرئ نفسه بنفسه 5. سادسها: الأصح: أنه لا يرد البدل، وهو ظاهر كلام " الحاوي " لسكوته عنه.
سابعها: لا يختص باليتيم؛ فالمجنون البالغ والسفيه كذلك؛ ولذلك أطلقه " الحاوي ". 2253 - قول " الحاوي " [ص 313]: (ويجب حفظ مال الطفل) كذلك المجنون والسفيه.
2254 - قوله: (واستنماؤه قدر النفقة) 6 أي: والزكاة ومؤن الملك إن أمكن ذلك دون المبالغة فيه، وطلب الغاية.
2255 - قول " التنبيه " [ص 103]: (وإن بلغ الصبي وادعى أنه باع العقار من غير غبطة ولا ضرورة؛ فإن كان الولي أبًا أو جدًا.. فالقول قولهما، وإن كان غيرهما.. لم يقبل إلا ببينة) فيه أمران: أحدهما: أنه لا يختص ذلك بالعقار؛ فسائر أمواله كذلك على الأصح؛ ولذلك عبر " المنهاج " بقوله [ص 258]: (ادعى بيعًا بلا مصلحة)، لكن اختار السبكي التفصيل، فيصدق على غير الأب والجد في العقار خاصة، ويصدق الولي في غير العقار؛ للاحتياط في العقار.
ثانيهما: دخل في قوله: (غيرهما): الحاكم، وقال السبكي: لم أر للأصحاب تصريحًا به، ثم ذكر أنه هو المصدق بلا يمين إن كان على ولايته، وإن كان بعد عزله.. ففيه نظر، وحكى

في " التوشيح " عن والده: أنه قال في جواب سؤال: هذا ما ذكرت في " شرح المنهاج "، والذي يظهر لي الآن: أنه كسائر تصرفات الحاكم محمولة على السداد حتى يعلم فسادها، فالحق: أنه لا فرق بين أن يكون باقيًا على ولايته أو لا، وأنه يقبل قوله؛ لأنه حين تصرف كان نائب الشرع.
انتهى 1. وعبر " المنهاج " بقوله [ص 258]: (وإن ادّعاه على الوصي والأمين) فخرج بذلك الحاكم.
2256 - قول " التنبيه " [ص 103]: (وإن ادعى أنه دفع إليه المال.. لم يقبل إلا ببينة) يشمل الأب والجد، وأقره النووي في " التصحيح " 2، وصرح به ابن الرفعة، ولم يذكره في " الروضة " وأصلها إلا في الوصي 3.

بابُ الصُّلْح

2257 - قول " التنبيه " [ص 103]: (الصلح بيع) لا ينحصر في البيع، بل يكون إجارة أيضًا فيما إذا صالح على منفعة، ويجمعهما صلح المعاوضة، وإبراء فيما إذا صالح من الدين على بعضه، وهبة فيما إذا صالح من العين على بعضها، ويجمعهما صلح الحطيطة، وقد ذكر " المنهاج " و" الحاوي " هذة الأقسام الأربعة 1، وبقيت عليهما أقسام أخرى: أحدها: أن يكون عارية، كما إذا صالحه عن الدار المدعاة على أن يسكنها سنة.. ففي "الروضة" وأصلها: أنه إعارة للدار يرجع فيها متى شاء، وليس بمعاوضة؛ لأن الرقبة والمنافع ملكه 2. ثانيها: أن يكون فسخًا، كما لو صالح من المسلم فيه على رأس المال قبل القبض، قاله ابن جرير الطبري، قال في " المهمات ": وهو صحيح ماش على القواعد، كما قال الأصحاب: إن بيع المبيع قبل القبض للبائع بمثل الثمن الأول إقالة بلفظ البيع.
ثالثها: أن يكون سلمًا؛ بأن يجعل العين المدعاة رأس مال سلم، ذكره ابن جرير أيضًا.
رابعها: أن يكون جعالة؛ كقوله: (صالحتك من كذا على رد عبدي).
خامسها: أن يكون خلعًا؛ كقولها: (صالحتك من كذا على أن تطلقني طلقة).
سادسها: أن يكون معاوضة عن دم العمد؛ كقوله: (صالحتك من كذا على ما أستحقه عليك من قصاص في نفس أو طرف).
سابعها: أن يكون فداء؛ كقولك للحربي: (صالحتك من كذا على إطلاق هذا الأسير)، ذكر هذه الأربعة في " المهمات "، وقال: أهملها الأصحاب، وهي واردة عليهم جزمًا 3. 2258 - قول " المنهاج " [ص 259] (فإن جرى: على عين غير المدعاة.. فهو بيعٌ) كذا في " المحرر " 4، وهو مخرج لما إذا صالح من عين على دين، وأول عبارة الرافعي في " الشرح " تتناول هذه الصورة؛ حيث قال: على غير العين المدعاة، وآخرها يخرجها؛ حيث قال: هذا إذا صالح على عين أخرى 5، واقتصر في " الروضة " على العبارة الأولى 6، فتناولها، ويوافقه قول

" الحاوي " [ص 314]: (الصلح على غير المُدَّعَى بيعٌ) لكن تقدم عن ابن جرير الطبري: أنه سماه سلمًا، ومقتضاه: أن لا يجري فيه أحكام البيع من خيار الشرط ونحوه.
2259 - قول " التنبيه " [ص 103]: (يصح ممن يصح منه البيع) يقتضي أنه لا يفتقر لسبق خصومة بين المتصالحين كالبيع، وهو وجه، والأصح: خلافه، فلو قال من غير سبق خصومة: (صالحني عن دارك بكذا).. لم يصح، وعليه مشى " المنهاج " و" الحاوي " 1، قال الرافعي: وكأنه عند عدم النية، فإن نويا به البيع.. كان كناية بلا شك؛ ففيه خلاف البيع بالكناية 2، وخالفه صاحب " المطلب ". وأورد بعضهم على قول " الحاوي " [ص 314]: (ولغا دون سبق خصومةٍ) صلح الأجنبي لنفسه مع إقرار المدعى عليه؛ فإنه يصح، ولا يعتمد خصومة على المذهب؛ لترتبه على دعوى وجواب.
وجوابه: أن كلامه في الصلح الجاري بين المتداعيين لا بين المدعي وأجنبي كما صرح به " المنهاج ". 2260 - قول " التنبيه " [ص 104]: (فإن صالح من دين على عينٍ أو على دينٍ.. لم يجز أن يتفرقا من غير قبض) محله: إذا اتفقا في علة الربا، فإن لم يكونا ربويين، أو لم يتفقا في علة الربا.. جاز التفرق من غير قبض، وإنما يشترط تعيين الدين في المجلس، وعلى ذلك مشى " المنهاج " بقوله [ص 259]: (ولو صالح من دينٍ على عينٍ.. صح؛ فإن تواقفا في علة الربا.. اشترط قبض العوض في المجلس) وقوله: (على عين) كذا في نسخة المصنف تبعًا لـ " المحرر " 3، وقال الشيخ برهان الدين بن الفركاح في " حواشيه ": وكأنه تصحيف، قال: وصوابه: (على غيره) بغين معجمة، ثم ياء، ثم راء، ثم هاء؛ أي: على غير ذلك الدين؛ احتراز مما إذا صالح على بعضه كما سيذكره بعده، وأما لفظة: (عين) فغلط؛ لأنها تنافي تفصيله الآتي بقوله: (فإذا كان العوض عينًا) إلى قوله: (أو دينًا) 4 وذلك لا يستقيم إذا فرضت أولًا في الصلح على عين، بخلاف لفظة: (غيره) فإنها تصدق على الدين والعين.
انتهى 5. وتصدق على المنفعة أيضًا، فيصح الصلح على منفعة ويكون إجارة كما تقدم؛ ولذلك عبر في

" الروضة " وأصلها بـ (غيره) 1، وهو أعم من تعبير " التنبيه " أيضًا بـ (العين والدين)، وقال السبكي: إن في بعض نسخ " المحرر ": (على عوض)، قال: وهو الصواب؛ لتقسميه إياه بعد إلى عينٍ ودينٍ.
2261 - قول " التنبيه " [ص 104]: (فإن صالح من ألف على خمس مئة.. لم يصح، وقيل: يصح) الثاني هو الأصح، وعليه مشى " المنهاج " بقوله في الصلح من الدين على بعضه [ص 260]: (ويصح بلفظ الصلح في الأصح) وهو مفهوم من إطلاق " الحاوي " صحة الصلح على بعض المُدَّعى 2. 2262 - قول " المنهاج " [ص 260]: (فإن عجَّل المؤجل.. صح الأداء) محله: إذا لم يظن صحة الصلح ووجوب التعجيل، فإن ظن ذلك.. استرد قطعًا، كمن ظن أن عليه دينًا فأداه، فبان خلافه، قاله السبكي، ويوافقه ما في " الروضة " وأصلها في (الكتابة) أن المكاتب لو عجل نجمًا قبل المحل على أن يبرئه عن الباقي، فأخذه وأبرأه.. لم يصح القبض والإبراء، ولو قال: (أبرأتك عن كذا بشرط أن تعجل الباقي)، أو (إذا عجلت كذا.. فقد أبرئتك عن الباقي) فعجل.. لم يصح القبض ولا الإبراء 3، وقال في " المهمات ": تظافرت نصوص الشافعي على البطلان، فلتكن الفتوى عليه، ولا عبرة بما عداه.
2263 - قوله: (النوع الثاني: الصلح على الإنكار، فيبطل إن جرى على نفس المُدَّعَى، وكذا إن جرى على بعضه في الأصح) 4 فيه أمور: أحدها: أن الصلح على سكوت كالصلح على إنكار، كما صرح به سليم وغيره، وهذا وارد أيضًا على اقتصار " التنبيه " و" الحاوي " على الإنكار 5. ثانيها: أن عبارتهم تتناول ما إذا جرى على إنكار ثم أقر بعد ذلك، فمقتضاها: استمرار البطلان، وبه صرح الماوردي 6، لكن استشكله السبكي، وخالفه شيخنا الإمام البلقيني، فقال: الذي يظهر أنها لا تخرَّج على مسألة من باع مال أبيه على ظن أنه حي فبان ميتًا؛ لأن المدعى عليه الذي صار مشتريًا يدعي العين لنفسه، فكيف يُعاوض ملكه بملكه على معتقده ظاهرًا؟ فمن أجل هذا إقراره بعد ذلك لا يصح له الصلح؛ لأنه كان له مندوحة عن ذلك بأن يقر ثم يصالح، فلما

قصر.. كان الصلح باطلًا، بخلاف تلك المسألة؛ فإن المشتري لا يدعي العين لنفسه، وليس منه تقصير، فكان الأصح فيه: الصحة 1. ثالثها: دخل في عبارتهم أيضًا: ما إذا أقام المدعي بعد الإنكار بيّنة، والذي صرح به الماوردي في هذه الصورة: صحة الصلح؛ لثبوت الحق 2، ووافقه الغزالي بعد القضاء بالملك، واستشكله قبله؛ لأن له سبيلًا إلى الطعن.
رابعها: قوله: (على نفس المدعى) لا يستقيم؛ فإن (على) و (الباء) يدخلان في باب الصلح على المأخوذ، و (من) و (عن) على المتروك، وصوابه: (على غير المدعى) بالغين المعجمة والراء، وكذا هو في " المحرر " و" الروضة " وأصلها 3، والذي في " المنهاج " تصحيف، وفي " التنبيه " [ص 104]: (ثم صالح منه على شيء)، وأطلق " الحاوي " بطلان الصلح على الإنكار لا مع الأجنبي 4. خامسها: محل الخلاف المذكور هنا فيما إذا جرى على بعضه: ما إذا كان المدعى به عينًا، فأما إذا كان المدعى به دينًا؛ فإن صالح منه على عين.. ففيه خلاف مرتب، وأولى بالبطلان، فلا ينبغي التعبير فيه بـ (الأصح) لضعف مقابله، وإنما ينبغي التعبير فيه بـ (الصحيح)، وإن صالح منه على دين.. بطل جزمًا، فتستثنى هذه الصورة من محل الخلاف، والله أعلم.
2264 - قول " المنهاج " [ص 260]: (وقوله: " صالحني عن الدار التي تدعيها " ليس إقرارًا في الأصح) يستثنى من الخلاف: ما إذا قال: (عن دعواك الكاذبة، أو عن دعواك فقط، أو صالحني فقط).. فلا يكون إقرارًا قطعًا.
2265 - قول " التنبيه " [ص 104]: (وإن صالح عنه أجنبي؛ فإن كان المدعى دينًا.. جاز الصلح، وإن كان عينًا.. لم يجز حتى يقول: " هو لك وقد وكلني في مصالحتك") فيه أمور: أحدها: أنه لا فرق بين الدين والعين، فاعتبر في العين أن يقول: (هو لك وقد وكلني في مصالحتك)، ولم يعتبر ذلك في الدين، والذي في " الروضة " وأصلها التسوية بينهما في اشتراط قول الأجنبي: (وكلني المُدَّعى عليه في الصلح وهو مقرٌ لك) 5، وعليه مشى " المنهاج " و" الحاوي " 6.

وقال شيخنا الإسنوي في " تصحيحه ": الصواب: بطلان صلح الأجنبي عن الدين أيضًا إذا أنكره المدعى عليه حتى يقول الأجنبي للمدعي: (حقك ثابتٌ) 1. ثانيها: مقتضى عبارتهم جميعًا: أنه لا يكفي قوله: (وكلني في مصالحتك)، وهو ماش على الأصح في أن قوله: (صالحني عما تدعيه) ليس إقرارًا، فإن قلنا: إنه إقرار.. فقياسه: الاكتفاء بالوكالة هنا، ويوافقه تصحيح الماوردي الصحة فيما لو قال المنكر للأجنبي: (وكلتك في الصلح) لقطع الخصومة 2. ثالثها: أنه اكتفى بقوله: (هو لك)، وكذا ذكره القاضي أبو الطيب، وصححه الماوردي 3، وسكت عليه النووي في " تصحيحه "، والذي في " المنهاج " و" الحاوي" أن يقول: (هو مقر لك) 4، وحمل ابن يونس كلام " التنبيه " عليه، وفي " الروضة " وأصلها: لو قال في العين: هو منكر، ولكنه مبطل، فصالحني له على عبدي هذا؛ لتنقطع الخصومة بينكما.. فوجهان، قال الإمام: أصحهما: لا يصح؛ لأنه صلح إنكار، فإن كان دينًا.. فالمذهب: القطع بالصحة، والفرق: أنه لا يمكن تمليك الغير عين مال بغير إذنه، ويمكن قضاء دينه بغير إذنه 5. رابعها: في " الروضة " من زوائده: لو قال: (صالحني عن الألف الذي لك على فلان على خمس مئة).. صح، سواء كان بإذنه أم لا؛ لأن قضاء دين غيره بغير إذنه جائز.
انتهى 6. وهذا يقتضي أنه لا يعتبر التوكيل في المصالحة، وهو إن صح وارد على " المنهاج " و" الحاوي " أيضًا.
واعلم: أن عبارة " المنهاج " في هذه المسألة [ص 260]: (فإن قال: " وكلني المدعى عليه في الصلح وهو مقر لك ".. صح)، ثم قال: (ولو صالح لنفسه والحالة هذه.. صح)، وعبارة " المحرر ": (فإن قال الأجنبي: " إن المدعى عليه وكلني في الصلح وهو مقرٌّ في الظاهر، أو غير مقر إلا أن الأجنبي قال: إنه أقر عندي ووكلني.. صح الصلح، وإن صالح لنفسه والمدعى عليه مقرٌ.. صح) 7.

قال السبكي: والوافي بالاختصار أن يقول: فإن قال: (وكلني المدعى عليه في الصلح وهو مقر)، أو قال: (هو مقرٌّ لك).. صح، ولو صالح لنفسه في الحالة الأولى.. صح، ولو أسقط قوله: (لك)، فقال: (وهو مقر).. صح، لكن فيه إسقاط المسألة الثانية؛ أعني: إقراره في الباطن، والإتيان بالأولى، وهو الإقرار ظاهرًا، ولو بقينا ما في " المنهاج ".. انعكس الحال، وسقط الشراء لنفسه من المسألة الأولى، وهي: الإقرار ظاهرًا، وذكره في الثانية، وهي: الإقرار باطنا، وليس ذلك في " المحرر " ولا في " الشرح " و " الروضة ". انتهى.
وقال شيخنا الإسنوي: كلامه يقتضي أنه لا فرق في الصحة بين أن يقر ظاهرًا أو باطنًا، وهو في الظاهر مسلم، وأما في الباطن: فلم يصرح الرافعي ولا " المصنف " بحكمه في شيء من كتبهما، حتى في " المحرر "، وصرح بها الإمام، واقتضى كلامه: أنه كشراء المغصوب، وهو واضح.
انتهى 1. ثم محل الصحة: ما إذا كان المُدَّعى عينًا، فإن كان دينًا.. فهو بيع الدين لغير من هو عليه، وقد تقدم في " المنهاج " أن الأظهر: بطلانه 2، وصحح في " الروضة " من زوائده: صحته، وقد تقدم 3. وقول " المنهاج " في هذه الصورة: (وكأنه اشتراه) قال شيخنا ابن النقيب: إنه أحسن من قوله في " الروضة ": (كما اشتراه) فإنه شراء حقيقة، فلا معنى للتشبيه 4. قلت: التشبيه موجود في العبارتين معًا، والمراد: كما لو اشتراه بلفظ الشراء لا بلفظ الصلح، والله أعلم.
2266 - قول " التنبيه " [ص 104]: (فإن قال: " هو لك وصالحني عنه على أن يكون لي ".. جاز) محله: ما إذا كان قادرًا على انتزاعه لأنه مغصوب؛ ولذلك قال " المنهاج " [ص 260]: (فهو شراء مغصوب، فيفَرَّقُ بين قدرته على انتزاعه وعدمها) وهو معنى قول " التنبيه " عقبه [ص 104]: (فإن سلم له.. انبرم، وإن لم يسلم.. رجع فيما دفع) أي: إن سلم له بقبضه من غاصبه.. انبرم؛ أي: لزم، وإن لم يسلم لعجزه عن قبضه.. رجع فيما دفع إن اختار فسخ العقد، ولكنها عبارة غير مفصحة عن المقصود.
وقد أورد شيخنا الإسنوي وغيره على " التنبيه ": أن عبارته تتناول ما إذا كان دينا مع أنه باطل

كما تقدم على اضطراب فيه، والحق: أنه لا يرد؛ لأن كلام " التنبيه " في العين.
نعم؛ يرد ذلك على " المنهاج " لإطلاقه، إلا أن يؤخذ أن كلامه في العين من قوله في بعض نسخه: (انتزاعها)، وكذا في " المحرر " (1)، ولكن في بعض نسخ " المنهاج ": (انتزاعه)، وقد سلم من ذلك " الحاوي " بقوله [ص 315]: (ولنفسه في العين إن قال: " مبطلٌ "، وقدر على الانتزاع) لكن ظاهر قوله: (وقدر) أنه لا يكفي مجرد ظنه القدرة، بل لا بد من حصول القدرة، وهو وجه، والأصح: الاكتفاء.
2267 - قول " المنهاج " [ص 260]: (وإن لم يقل: " هو مبطل ".. لغا الصلح) يتناول ثلاث صور: أحدها: هو محق.
والثانية: لا أعلم حاله.
والثالثة: أن يقول: (صالحني) ولا يذكر شيئًا، وهذه الثالثة ليست في " الروضة " وأصلها، وقال السبكي: إن الأمر فيها كما يفهمه إطلاق " المنهاج "، وقواه بكلام للماوردي (2).

فصلٌ [الصلح والتزاحم على الحقوق المشتركة]

2268 - قول " المنهاج " [ص 260]: (الطريق النافذ لا يُتصرف فيه بما يضر المارة) نبه في " الدقائق " على أنه أحسن من تعبير" المحرر ": (بما يبطل المرور) لأن كل ما أبطل ضر، بخلاف العكس، فتعبير " المنهاج " أعم 3. قلت: لكن قوله بعد: (ولا يشرع فيه جناحٌ ولا ساباطٌ يضرهم) 4 غير محتاج إليه؛ لدخوله في عبارته أولًا، وانما ذكره في " المحرر " لأنه لم يدخل في عبارته أولًا، فلو قال: (فيشترط ارتفاع الجناح والساباط... إلى آخره).. لاستقام.
وقال السبكي: ذكر الجناح والساباط في " المنهاج " نخصيص بعد تعميم، بخلافهما في " المحرر " 5.12

2269 - قول " التنبيه " [ص 104]: (ويجوز أن يشرع الرجل جناحًا إلى طريق نافذ إذا كان عاليًا لا تستضر به المارة) فيه أمور: أحدها: أنه لا يخفى أن لفظ (الرجل) لا مفهوم له في ذلك؛ فالمرأة والخنثى كذلك.
ثانيها: أنه لم يذكر للعلو الذي اعتبره ضابطًا، وضبط ذلك " المنهاج " بقوله [ص 260، 261]: (بحيث يمر تحته - أي: الماشي - منتصبًا.
وإن كان ممر الفرسان والقوافل.. فليرفعه بحيث يمر تحته المحمل على البعير مع أخشاب المظلة) وهو معنى قول " الحاوي " عطفًا على الممتنع [ص 315]: (وضار بالمار منتصبًا والمحمل مع الكنيسة إن وسع) 1، واعتبر الماوردي في غير ممر الفرسان مع إمكان مرور الماشي منتصبًا: أن يسعه وفوق رأسه الحمولة العالية 2، ومال إليه في "المطلب ". ثالثها: ظاهره أنه لا يعتبر انتفاء ضرر المارة إلا من جهة عدم العلو خاصة، وليس كذلك، فمقتضى لفظ الشافعي والأكثرين أن يشترط أيضًا: ألَّا يُظْلِم الموضع 3، وصرح به منصور التميمي، وقيل: لا أثر لذلك، وقيل: إن مهنعه ألبتة.. منع، وإلا.. فلا، وهذا وارد على " المنهاج " و" الحاوي " أيضًا.
رابعها: يستثنى من عبارتهم جميعًا: الذمي، فيمنع من إشراع الجناح إلى شارع نافذ وإن جاز له استطراقه؛ لأنه كإعلاء البناء، صححه في " الروضة " وقال: إنه من المهمات المستفادة 4، قلت: وأفتيت بمنعه من البروز ببنائه في البحر على المسلمين قياسًا على منع الإعلاء والجناح، ولم أره منقولًا.
2270 - قول " المنهاج " [ص 261]: (ويحرم الصلح على إشراع الجناح، وأن يبني في الطريق دَكَّةً، أو يغرس شجرة) لا يتخيل في قوله: (وأن يبني) أنه معطوف على (إشراع) فإنه لا يلزم منه تحريم أصل البناء، والحكم تحريمه، فهو معطوف على (الصلح) معمول لـ (يحرم) أي: يحرم الصلح وبناء دكة، وأوضح من ذلك قول " الحاوي " [ص 315]: (ولا يتصرف في الشارع بغرس، وبناء دكة)، ويشكل على ذلك: أنه يجوز غرس الشجر في المسجد مع الكراهة، كما في " الروضة " من زيادته في آخر شروط الصلاة 5.

وقال السبكي: ينبغي القول بجواز بناء الدكة عند فقد الضرر إذا كانت بفناء داره؛ لأنها في حريم الملك؛ ولأن الناس مازالوا يتخذون المساطب على دورهم من غير إنكار، قال: ولم أر من صرح بالمسألة.
2271 - قول " المنهاج " [ص 261]: (وغير النافذ يحرم الاشراع إليه لغير أهله، وكذا لبعض أهله في الأصح إلا برضا الباقين) فيه أمور: أحدها: لو قال: (إلا برضا المستحقين أو أهله).. لكان أولى؛ ليعود للمسألة الأولى أيضًا، وهي: ما إذا كان المشرع من غير أهله؛ فإنه لا يصح التعبير فيها بالباقين.
ثانيها: المراد: رضاهم مجانًا، ولا يجوز بأجرة، وقد صرح به " التنبيه " في قوله [ص 104]: (فإن صالحه مالكه على ذلك بعوض.. لم يجز)، وقد ذكره " المنهاج " في الشارع، وكان ذكره هنا أولى؛ لفهم تلك من هذه، بخلاف العكس، ويمكن أن يكون قول " المنهاج " [ص 261]: (ويحرم الصلح على إشراع الجناح) عامًا في الطريق النافذ وغير النافذ والأرض المملوكة، وإن كان إنما ذكره في قسم الطريق النافذ، وعبارة " التنبيه " [ص 104]: (ولا يجوز أن يشرع إلى درب غبر نافذ إلا بإذن أهل الدرب، وقيل: يجوز) وهو سالم من هذين الاعتراضين، لكن يرد عليه: أنه يفهم جريان وجه الجواز فيما إذا لم يكن من أهله، وليس كذلك، بل هو خاص بما إذا كان من أهله كما ذكره " المنهاج ". ثالثها: يرد عليهما وعلى " الحاوي ": ما إذا كان في غير النافذ مسجد؛ فإن الرافعي نقل عن ابن كج وأقره: أنه لا يجوز في هذه الصورة لأهل الدرب سدّ بابه وقسمة الصحن بينهم؛ لأن المسلمين كلهم يستحقون الاستطراق إليه 1، ثم قال الرافعي: وعلى قياسه لا يجوز الإشراع عند الإضرار فين رضي أهل السكة؛ لحق سائر المسلمين 2. قال في " المطلب ": وهذا يفهم أن أهل السكة إذا رضوا حيث لا ضرر.. جاز الإشراع، والذي يظهر أن يقال: إن كان الزقاق حيث أحْيِيَ.. أحيِيَت بقعة المسجد مسجدًا، فالأمر كما يفهمه كلامه، بل ينبغي جواز الإشراع حيث لا ضرر وإن لم يأذن أهل السكة؛ لأنه بمنزلة الشارع العام، لكن إن كان المسجد في أسفله.. ثبت الحكم المذكور في كله، فين كان في أوله أو وسطه.. ثبت الحكم المذكور من أول المسجد إلى أول الزقاق، وإن كانت بقعة المسجد أحييت ملكًا ثم وقفت مسجدًا.. فلا يجوز الإشراع إليه بغير رضا من في السكة وإن لم يكن ضرر، وعند إذنهم.. هل يجوز أم لا؟ فيه نظر، والأشبه: المنع، هذا كلام ابن الرفعة، ونازعه شيخنا الإمام

البلقيني في قوله: (الأشبه: المنع)، وقال: الصحيح: الجواز إذا لم يضر، وزاد حالة ثالثة، وهي: ما إذا لم يُعْلَم هل أحييت مسجدًا أو ملكًا ثم وقفت مسجدًا؟ وقال: هو محل نظر، والأقرب: أنه لا منع؛ لتحقق ملك فاتح الباب لجداره، والشك في لْبوت حق لمانعه، قال: ولم أره منقولًا.
رابعها: المتبادر إلى الفهم من عبارتهم: أن المراد باهل الدرب: ملاكه، فلا يعتبر حينئذ إذن المستأجر، لكن في " الكفاية " عن أبي الفضل التميمي: اعتباره أيضًا إن تضرر به.
2272 - قول " المنهاج " [ص 261]: (وهل الاستحقاق في كلها؟ ) كان ينبغي أن يذكر الضمير كما فعل فيما قبله، فيقول: (في كله) لعوده على غير النافذ.
وقوله: (لكلهم) 1، لو قال: (لكل منهم).. لكان أحسن.
2273 - قول " التنبيه " فيمن ظهر داره إلى درب لا ينفذ [ص 104]: (وإن فتح لغير الاستطراق.. فقد قيل: يجوز، وقيل: لا يجوز) الأصح: الجواز، وعليه مشى " المنهاج " و " الحاوي "، لكنهما عبرا بقولهما: (إذا سمَّره) 2 فتعبير " التنبيه " أعم منهما؛ لتناوله ما إذا فتحه للاستضاءة، وحكمهما سواء، وصححه أيضًا النووي في " تصحيح التنبيه " 3، ونسب الرافعي تصحيحه إلى الكرخي فقط 4، فقال النووي: صححه أيضًا صاحب " البيان " والرافعي في " المحرر "، وصحح الجرجاني والشاشي: المنع، وهو أفقه 5، وقال في " المهمات ": الفتوى على الجواز؛ فقد نقله ابن جرير عن الشافعي.
2274 - قول " المنهاج " [ص 261]: (ومن له فيه بابٌ ففتح آخر أبعد من رأس الدرب.. فلشركائه منعه) فيه أمران: أحدهما: أن (مِنْ) هذه هي المعدية لأبْعَدَ، وحذفت (من) التي يُجَرُّ بها المُفَضّل عليه هي ومجرورها؛ أي: أبعد من رأس الدرب من بابه، فكان ينبغي أن يأتي بهذه الزيادة، أو يقول: (أبعد عن رأس الدرب) ليزول هذا الإلباس 6. وقد سلم من ذلك قول " التنبيه " [ص 104]: (وإن كان في أول الدرب فأراد أن يؤخره إلى وسطه أو آخره.. لم يجز)، وإطلاق " الحاوي " الاحتياج إلى الإذن إذا لم يكن أقرب بسد الآخر 7.

ثانيهما: عبارته توهم أن لجميع شركائه المنع، وليس كذلك، بل يختص ذلك بمن بابه أبعد من باب الفاتح دون من بابه أقرب إلى رأس الدرب على الأصح، وهو مفهوم مما صححه " المنهاج " فيما تقدم: أنه تختص شركة كل واحد بما بين رأس الدرب وباب داره 1، وقول " الحاوي " [ص 315]: (وغير النافذ ملك كلٍ إلى بابه) ولم يتعرض لذلك " التنبيه ". بقي: مَنْ بابُهُ مقابل المفتوح لا فوقه ولا تحته.. هل له المنع؟ لم يتعرض الرافعي لذلك، ونقل في " الروضة " من زيادته عن الإمام: أنه كمن هو أقرب إلى رأس السكة.. ففيه الوجهان؛ أي: والأصح: أنه لا منع له، وأقره على ذلك 2. وتعقبه شيخنا الإمام البلقيني، وقال: المقابل مشارك على هذا الوجه في القدر الذي فتح فيه الباب.. فله المنع.
وقال في " المهمات": إن ما نقله عن الإمام ظاهر، والمراد بالمفتوح: الباب القديم، قال: ولو كان المراد: الجديد.. لكان المنع متفقًا عليه.
2275 - قول " التنبيه " في المسألة [ص 104]: (فأراد أن يقدمه إلى وسطه أو أوله.. جاز) قيده في " الكفاية " بما إذا سد الأول، فإن لم يسده.. منع كما في " المنهاج " وأصله و" الحاوي " 3، ولا حاجة لهذا القيد؛ لأن هذا زيادة باب لا تقديمٌ له، ويشترط مع السد: ألَّا يجعل المسدود دهليزًا لداره إذا كانت داره آخر الدرب عند من يجعل الشركة في جميع السكة للجميع، فإن فرعنا على الأصح: أن شركة كل واحد تختص بما بين رأس الدرب وباب داره.. فليس لهم منعه، ذكره في زيادة " الروضة " 4. 2276 - قول " المنهاج " [ص 261]: (ومن له داران تفتحان إلى دربين مسدودين، أو مسدودٍ وشارعٍ، ففتح بابًا بينهما.. لم يُمنع في الأصح) هو معنى قول " الحاوي " [ص 316]: (ولا في داره من أخرى) أي: فإنه لا يحتاج إلى إذن، قال الرافعي: موضع الوجهين: ما إذا سد باب إحداهما وفتح الباب لغرض الاستطراق، أما إذا قصد اتساع ملكه ونحوه.. فلا منع قطعًا 5. قال النووي: هذه العبارة فاسدة؛ فإنها توهم اختصاص الخلاف بما إذا سد باب إحداهما، وذلك خطأ، بل الصواب: جريان الوجهين إذا بقي البابان نافذين، وكل الأصحاب مصرحون به، قال أصحابنا: ولو أراد رفع الحائط بينهما وجعلهما دارًا واحدة وترك بابيهما على حالهما.. جاز

قطعًا، وممن نقل اتفاق الأصحاب على هذا القاضي أبو الطيب في " تعليقه "، فالصواب: أن يقال: (موضع الوجهين إذا لم يقصد اتساع ملكه)، قال: وقوله: (الأصح: الجواز) تابع فيه صاحب " التهذيب "، وخالفه أصحابنا العراقيون، فنقلوا عن الجمهور: المنع، بل نقل القاضي أبو الطيب اتفاق الأصحاب على المنع، قال: وعندي أنه يجوز، هذا كلام "الروضة" 1. واعترضه شيخنا الإمام البلقيني، فقال: ليس ذلك بخطأ؛ فقد صرح به المتولي في " التتمة " في (إحياء الموات)، فقال: إن أراد أن يرفع الحاجز بينهما ويجعلهما دارًا واحدة ويترك البابين على ما كانا ويستطرق من كل واحد منهما إلى داره.. فليس لأحد منعه؛ لأنه متصرف في خالص ملكه، وكذلك لو أراد أن يفتح بابًا من إحداهما إلى الأخرى.. فالحكم كذلك، فأما إن أراد أن يرفع الحاجز بينهما، أو يفتح بابًا من إحداهما إلى الأخرى ويسد أحد البابين ويستطرق إلى الدارين من أحد الدربين.. فهل لأهل الدرب منعه؟ اختلف أصحابنا فيه، فحكى الوجهين، وصحح: أنه ليس لأهل الدرب المنع.
انتهى.
قال شيخنا البلقيني: وعجب من النووي كيف خطَّأ الإمام في شيء ثم ما تم له جملة الاستدلال إلا وهو يستدل على نفسه؟ ! حيث قال: قال أصحابنا: ولو أراد رفع الحائط بينهما وجعلهما دارًا واحدة ويترك بابيهما على حالهما.. جاز قطعًا، وذلك عين ما قال الإمام.
انتهى.
2277 - قولهما - والعبارة لـ " المنهاج " -: (وحيث مَنعَ فَتْحَ الباب فصالحه أهل الدرب بمالٍ.. صح) 2، قال ابن الرفعة: هذا إذا لم يكن فيه مسجد، فإن كان فيه مسجد؛ فإن للمسلمين فيه حقًا.. فلا تجوز المصالحة عليه؛ أي: على ما يتعلق بالمسجد، ويبقى النظر في أنه هل يجوز من غير إذن؟ قلت: والظاهر: الجواز من غير استئذان يخص المسجد بعد أن يأذن الشركاء بالنسبة لبيوتهم؛ لأنه بالنسبة إلى المسجد كشارع مطروق.
2278 - قول " المنهاج " [ص 261]- والعبارة له - و " الحاوي " [ص 316]: (ويجوز فتح الكَوَّات) قيده صاحب " الشافي " بما إذا كانت عالية لا يقع النظر فيها على دار جار.
2279 - قول " التنبيه " [ص 104]: (وإن حصلت أغصان شجرته في هواء غيره فطولب بإزالتها.. لزمه ذلك، فإن امتنع.. كان لصاحب الدار قطعها) محله: فيما إذا لم يمكن ليُّها لكونها يابسة، فإن كانت رطبة.. فلا يقطعها، بل يلويها.

2280 - قوله: (فإن صالح عنه على عوض.. لم يجز) 1 محله: فيما إذا صالح على الهواء، وكذا لو كانت الأغصان مستندة لجداره وهي رطبة في الأصح، فإن كانت يابسة.. فيجوز الصلح.
2281 - قول " المنهاج " في الجدار المختص [ص 261]: (ليس للآخر وضع الجُذُوع عليه في الجديد، ولا يُجْبَر المالك) فيه أمور: أحدها: قد يفهم من تعبيره وتعبير " التنبيه " بالوضع اختصاص الخلاف بذلك، وأنه لا يجوز إدخال الجذوع في الحائط قطعًا 2، وليس كذلك، بل الخلاف جار فيه أيضًا.
ثانيها: عبارته تقتضي أن مقابله قديمٌ محضٌ، وليس كذلك، بل هو منصوص عليه في " الجديد " أيضًا، حكاه البويطي عن الشافعي، وهو من رواة الجديد، قال البيهقي في (إحياء الموات): لم نجد في سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يعارض هذا الحديث؛ أي: في النهي عن منع الجار من ذلك، قال: ولا يصح معارضته بالعمومات، وقد نص الشافعي في القديم والجديد على القول به، فلا عذر لأحد في مخالفته 3. ثالثها: أطلق هو و" التنبيه " القول القديم، وله شروط: ألَّا يحتاج مالكه إلى وضع جذوعه عليه، وألَّا يزيد الجار في ارتفاع الجدران، ولا يبني عليه أَزَجًا 4، ولا يضع عليه ما يضره، وألَّا يملك شيئًا من جدران البقعة التي يسقفها، أو لا يملك إلا جدارًا واحدًا 5. وعكس الإمام، فقال: إن كانت الجدر كلها لغيره.. فلا يضع، وإن كان له ثلاثة والرابع لجاره.. وضع 6. ووافقه المتولي، وزاد: إذا لم يكن له إلا جانب أو جانبان.. فوجهان جاريان فيما إذا لم يملك إلا الأرض.
انتهى 7. وكيف يقال: إن المتولي وافق الإمام مع تصريحه بإجراء الوجهين فيما إذا لم يملك إلا الأرض؟ ! أي: ولم يملك شيئًا من الجوانب، والإمام جازم في هذه الصورة بأنه لا يضع، والله أعلم.
رابعها: استثني من القولين: الساباط إذا أراد بناءه على شارع أو درب غير نافذ، وأن يضع

طرف الجذوع على حائط جاره المقابل، فلا يجوز ذلك إلا بالرضا قطعًا، قاله المتولي وغيره 1، ومشى عليه في " المطلب "، وهذا وارد أيضًا على إطلاق " التنبيه " حائط جاره؛ لشموله الملاصق والمقابل، وقد لا يرد على " المنهاج " لوضعه المسألة في الجدار بين مالكين، وهذا الجدار ليس بين مالكين، بل بين مالك وشارع.
خامسها: قد يفهم من قول " المنهاج ": (ولا يجبر المالك) أن هذا الحكم مجزوم به، وأن القولين إنما هما في الجواز ابتداء، وليس كذلك، فحذفه أولى، وجوابه: أن هذا مفرع على الجديد.
2282 - قول " المنهاج " [ص 262]: (فلو رضي بلا عوض.. فهو إعارة؛ له الرجوع قبل البناء عليه، وكذا بعده في الأصح) يخالفه قول الرافعي في الكلام على بيع الشجر: وقد يستحق [على] 2 المالك المنفعة لا إلى غاية كما لو أعار جداره ليضع غيره الجذوع عليه 3، والمعتمد هو المذكور هنا.
2283 - قوله: (وفائدة الرجوع: تخييره بين أن يبقيه بأجرةٍ أو يقلع ويغرم أرش نقصه) 4 كذا صححه في " الروضة " هنا 5، وسيأتي في " المنهاج " نظيره في العارية للبناء والغراس ومخالفة " الروضة " وغيرها له، قال الرافعي هنا: ولا تجيء الخصلة الثالثة فيمن أعار أرضًا للبناء، وهي التملك بالقيمة؛ لأن الأرض أصل، فاستتبع 6. 2284 - قوله: (فإن أَجَّرَ رأس الجدار للبناء.. فهو إجارةٌ) 7 قد يفهم أنه على قياس الإجارات في اشتراط بيان المدة، والأصح: خلافه.
2285 - قوله: (ولو انهدم الجدار فأعاده مالكه.. فللمشتري إعادة البناء) 8 لو حذف لفظ (الإعادة)، وقال: (فللمشتري البناء).. لكان أولى؛ ليتناول ابتداء البناء إن لم يكن بنى.
2286 - قوله: (وله أن يستند إليه ويسند متاعًا لا يضر) 9 لفظة: (لا يضر) ليست في " المحرر "، ولا بد منها.

2287 - قوله: (وليس له إجبار شريكه على العمارة في الجديد) 1 فيه أمران: أحدهما: قال في " الروضة ": لم يبين الرافعي الأظهر من القولين، وهو من المهمات، والأظهر عند جمهور الأصحاب: الجديد، وصحح صاحب " الشامل ": القديم، وأفتى به الشاشي، وقال الغزالي في " الفتاوى ": الأقيس: أنه لا يجبر، والاختيار: أنه إن ظهر للفاضي أن امتناعه مضارة.. أجبره، وإن كان لإعسار أو لغرض صحيح أو شك فمه.. لم يجبر، قال النووي: وهذا التفصيل الذي ذكره الغزالي وإن كان أرجح من إطلاق القول بالإجبار.. فالمختار الجاري على القواعد: أن لا إجبار مطلقًا.
انتهى 2. وممن صحح الإجبار صاحبا " الذخائر " و" المرشد "، وأفتى به ابن الصلاح 3، وصحح عدم الإجبار صاحب " التنبيه "، ومشى عليه " الحاوي " 4، والحق: أن الرافعي لا يحتاج إلى بيان الأظهر؛ فإن المقرر أن الجديد هو المعمول به إلا إذا بين خلاف ذلك.
ثانيهما: أطلق " التنبيه " و" المنهاج " القولين، وكذا في " الروضة " وأصلها 5، وقيدهما الإمام والغزالي بعمارة يختل الملك بتركها 6، ولا إجبار في الزيادة على ذلك قطعًا، وقيدهما ابن داوود بما لا يقسم، فإن أمكنت القسمة.. فلا إجبار قطعًا.
2288 - قولهم - والعبارة لـ " المنهاج " -: (فإن أراد إعادة منهدمٍ بآلةٍ لنفسه.. لم يمنع) 7 قيده في " التعليقة " على " الحاوي " بما إذا اختص بالأسِّ، وتبعه على ذلك البارزي، والمنقول خلافه، وقد قال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ: أساس الجدار مشترك بينهما، فكيف جوزتم له بناءه بآلة نفسه، وأن ينتفع به بغير إذن شريكة؛ فالجواب: أن له حقًا في الحمل.. فكان له إعادته لأجل ذلك 8. 2289 - قول " المنهاج " [ص 263]: (ولو قال الآخر: " لا تنقضه وأغرم لك حصتي".. لم تلزمه إجابته) هذا مفرع على الجديد، فأما على القديم - وهو لزوم العمارة -.. فعليه إجابته.
2290 - قول " التنبيه " [ص 104]: (فإن أراد أحدهما أن يبني.. لم يمنع منه) يتناول ما إذا بناه

بالآلة المشتركة؛ فإنه قال بعده: (وإن بناه بما وقع من الآلة.. فهو مشترك بينهما) 1، وكذا صرح به في " المهذب " 2، قال في " الكفاية ": وهو مقتضى كلام غيره من العراقيين والخراسانيين، وقال في " المطلب ": إنه الأشبه، وحكى الإمام اتفاق الأصحاب عليه 3، لكن جزم في " الروضة " و" المحرر " و" المنهاج " بالمنع من الإعادة بالنقض المشترك 4، وهو مفهوم قول " الحاوي " [ص 316]: (ولا تركها بآلته) فإنه يفهم أنه يلزم بترك العمارة بالمشترك، قال الرافعي في " الشرح ": وهو الظاهر من المنقول، والمتوجه من جهة المعنى، مع أنه نقل المنع عن الإمام والغزالي 5، وأسقط ذلك من " الروضة " ذهولًا عنه؛ لكونه مذكورًا في الكلام على ألفاظ " الوجيز "، ورجح السبكي: أنه ليس لصاحب السفل منع صاحب العلو، وللشريك في الجدار المشترك المنع.
وظاهر قول " التنبيه " [ص 104]: (فهو مشترك بينهما) أي: كما كان، وصرح به " المنهاج " فيما إذا تعاونا على إعادته بنقضه، ثم قال: (ولو انفرد أحدهما وشرط له الآخر زيادة.. جاز، وكانت في مقابلة عمله في نصيب الآخر) 6. واعترض عليه: بأنه إن كان التصوير في الإعادة بالنقض المشترك.. فشرطه: أن يجعل له الزيادة من النقض في الحال، فإن شرطه بعد البناء.. لم يصح؛ لأن الأعيان لا تؤجل، قاله الإمام 7، وفيه بحث للرافعي، وهو تخريجه على الخلاف فيما لو شرط للمرضعة جزءًا من الرقيق المرتضع في الحال 8، ووافقه ابن الرفعة إذا ورد بصيغة الإجارة دون ما إذا ورد بصيغة الجعالة؛ لأن المحذور في الإجارة العمل في خالص ملكه.
ورده السبكي: بأن الإمام علل بأن الأعيان لا تؤجل، وهو لازم في الجعالة لزومه في الإجارة، هذا كله إن صورت بالإعادة بالمشترك، فإن صورت بالإعادة بآلة أحدهما.. خرج على قولي الجمع بين بيع وإجارة.
2291 - قول " الحاوي " [ص 316]: (وإن ادعى على اثنين ملكًا، وصدّق واحد وصالح..

للمكذب الشفعة) اعترض عليه: بأنه مخالف لما في " الروضة " وأصلها في آخر (الإيلاء) في داربين اثنين ادعى أحدهما جميعها والآخر نصفها، فصدقنا الثاني بيمينه؛ لليد، ثم باع مدعي الكل نصيبه من ثالث، فاراد الآخر أخذه بالشفعة، وأنكر المشتري ملكه.. أنه يحتاج إلى البينة، ويمينه في الخصومة مع الشريك أفادت دفع ما يدعيه الشريك لا إثبات الملك له.
انتهى 1. وعلى الأول: فيستثنى منه: ما إذا تعرض المكذب لكون الشريك المصدق مالكًا لنصيبه في الحال.. فإنه لا يأخذ بها؛ فقد قال الرافعي في " الشرح الصغير " و" التذنيب ": إنه القياس 2، وقال في " الكبير ": ينبغي القطع به 3، وقال النووي: إنه الصواب، وقطع به القاضي أبو الطيب في " تعليقه " 4. 2292 - قول " التنبيه " [ص 104]: (وإن استهدم فنقضه أحدهما.. أجبر على إعادته، وقيل: هو أيضًا على قولين) أي: القولان السابقان.
ذكر في " الروضة " وأصلها عن " التهذيب " وغيره: أن النص: إجبار الهادم على إعادته، وأن القياس: أنه يغرَّم نقصه، ولا يجبر على البناء؛ لأن الجدار ليس مثليًا 5، وذكر في " المهمات ": أن الحائط متقومة بلا نزاع، وأن الصواب: ما قاله في " الكفاية " و" المطلب ": أن المراد من نص الشافعي: إنما هو الإجبار على أن يبني مع شريكه، وعبارة النص: (ويُؤخذ صاحب السُّفل بالبناء إذا كان هَدَمَه على أن يبنيه، أو هدمه لغير علةٍ) 6، قال في " المهمات ": وهذا حق لا شك فيه، وهو الذي فهمه صاحب " التعجيز " في اختصاره لـ" التنبيه "، والنص محتمل للأمرين، والأدلة القطعية تقتضي ما قلناه؛ فتعين المصير إليه، وجزم به الرافعي في (كتاب الغصب)، فقال في أثناء تعليل: فصار كما لو هدم جدار الغير لا يكلف إعادته، ونص عليه الشافعي في " البويطي " نصًا صريحًا.
انتهى 7. وقال شيخنا الإمام البلقيني بعد ذكر نص " البويطي ": فصار حينئذ في المسألة قولان للشافعي، والنووي قال في " فتاويه ": إن الفتوى على إيجاب الإعادة، وإنه المنصوص

والمذهب 1، قال شيخنا: والظاهر: أنه إنما قال: إن الفتوى على ذلك؛ من أجل النص، ولو اطلع على النص الآخر.. لقال: إنه المفتى به؛ لموافقة القياس.
انتهى.
وفي " المطلب " عن الإمام: أن التسوية ممكنة إذا كان بغير طين ونحوه من الأحجار، بل بعضها فوق بعض مرصوصًا على هيئة البناء 2، ثم قال ابن الرفعة: إنه يجبر في هذه الحالة على إعادته، كما في طم البئر بترابها، قال في " المهمات ": والذي قاله واضح 3. وقال السبكي: إن التسوية بين صورة العلو والسفل والحائط المشترك شيء ذكره المحاملي والشيخ أبو إسحاق والبغوي، وأن النص إنما هو في العلو والسفل، وأن الفرق بينه وبين الجدار المشترك واضح؛ لأن صاحب العلو يستحق الحمل على السفل، وأحد الشريكين لا استحقاق له على الآخر؛ ألا ترى أن له أن يقاسمه، وأيضًا: فإنه لم يلتزم له شيئًا، بخلاف العلو؛ فإن صاحب السفل التزمه، فليست مسألة الجدار منصوصة للشافعي، ولا في معنى ما نص عليه، ثم مسألة الجدار المشترك غير جدار الغير، والرافعي سوّى بينهما فقال فيما إذا باع أرضًا وفيها حجارة: في وجوب الإعادة على هادم الجدار خلاف يُذكر في (الصلح) 4 كأنه فهم أن علة المنصوص: أنه من ضمان الجنايات، والصواب: أنه إنما هو لصون الأملاك.
انتهى.
2293 - قول " المنهاج " [ص 263]: (ويجوز أن يصالح على إجراء الماء وإلقاء الثلج في مِلْكِه على مالٍ) فيه أمران: أحدهما: أنه هو و" التنبيه " أطلقا الماء 5، والمراد به: الحاصل على سطحه من مطر إذا لم يكن له مصرف، أو المجلوب من نهر ونحوه إلى أرضه، فأما غسالة الثياب والأواني.. فلا يجوز الصلح على إجرائها على مالٍ، كما في " الروضة " وأصلها 6. وقال شيخنا الإمام البلقيني: مسألة الغسالات انفرد بذكرها المتولي في " التتمة "، وعبارته: فلو شرط أن يُجْرَى عليه الماء الذي يغسل به الثياب والأواني.. لم يصح الصلح؛ لأنه مجهول، والحاجة لا تدعو إلى تجويزه، قال شيخنا: وما المانع منه إذا بيَّن قدر الجاري إذا كان على السطح، وبيَّن موضع الجريان إذا كان على الأرض؛ والحاجة إلى ذلك أكثر من الحاجة إلى البناء، فليس كل الناس يبني، وغسل الثياب والأواني لا بد منه لكل الناس أو الغالب، وهو بلا شك يزيد

على حاجة البناء، فمن بنى حمامًا وبجانبه أرض لغيره، وأراد أن يشتري منه حق ممر الماء.. فلا توقف في جواز ذلك، بل الحاجة إليه آكد من حاجة البناء على الأرض؛ فلعل مراد المتولي من ذلك: حيث كان على السطح ولم يحصل البيان في مقدار ما يُصَبُّ.
انتهى.
ثانيهما: أنه سوّى بين إجراء الماء وإلقاء الثلج، مع أن الأولى تصح في الأرض والسطح، والثانية لا تصح إلا في الأرض خاصة.

بابُ الحَوالة

2294 - قول " التنبيه " [ص 105]: (الحوالة بيع) كذا صححه الرافعي والنووي، وصحح السبكي أنها استيفاء، وفسر الرافعي والنووي الاستيفاء: بأن المحتال كأنه استوفى ما على المحيل، وأقرضه المحال عليه 1، ورد السبكي تقدير الإقراض، وتردد في معنى استيفاء ما على المحيل بين احتمالين، أرجحهما عنده: تقدير ما في ذمة المحيل منتقلًا إلى ذمة المحال عليه، وبالعكس، فيسقط ويبقى ما للمحتال في ذمة المحيل كأنه قبضه ثم أودعه في ذلك المحل.
2295 - قولهم - والعبارة لـ " المنهاج " -: (يشترط لها رضا المحيل والمحتال) 2 قد يقال: لم اقتصر على اشتراط رضاهما، ولم يُعتبر الإيجاب والقبول كسائر العقود؟ وجوابه: أن المراد بالرضا هنا: الإيجاب والقبول، كما في " الروضة " وأصلها 3؛ فإنهما دليل الرضا، وإنما عُبر هنا بالرضا توطئة لما بعده من أنه لا يشترط رضا المحال عليه.
قال في " الروضة " وأصلها: ولو قال المحتال: أحلني، فقال: أحلتك.. ففيه الخلاف السابق في مثله في البيع، وقيل: ينعقد هنا قطعًا؛ لأن مبناها على الرفق والمسامحة.
انتهى 4. وقال في " التتمة ": لا بد في العقد من لفظ الحوالة أو لفظ يؤدي معناها؛ بأن يقول: (نقلت حقك إلى فلان)، أو (جعلت ما أستحقه على فلان لك)، أو (ملكتك الدين الذي عليه بحقك)، قال: وهل يجوز بلفظ البيع؟ يُبْنَى على أن لفظ العقد إذا استعمل في غيره يراعى اللفظ أو المعنى؟ فإن راعينا اللفظ.. لم ينعقد، أو المعنى.. انعقد كالبيع بلفظ السلم.
انتهى.
وفي " الكافي ": لو قال: (أحلتك على فلان بكذا)، ولم يقل: (بالدين الذي لك عليّ).. قيل: هو صريح في الحوالة، وقيل: كناية، فلا يكون حوالة إلا بالنية.
2296 - قول " المنهاج " [ص 264]: (لا المحال عليه في الأصح) يقتضي أن الخلاف وجهان، وعبارة " التنبيه " [ص 105]: (ولا يفتقر إلى رضا المحال عليه على المنصوص)، وحكى الرافعي عن ابن القاص: أن مقابله منصوص 5، فالخلاف حينئذ قولان، لكن أوّل السبكي ما في " التنبيه " على إرادة نصه على أنها بيع، فيتفرع عليه عدم اشتراط رضاه لا أن عدم الاشتراط منصوص عليه، وقال أيضًا: إن نقل ابن القاص مؤوّل، فالخلاف حينئذ وجهان، كما في

" المنهاج "، ومحلهما: إذا أحال على من له عليه دين، فإن أحال على من لا دين له عليه وصححناه.. فلا بد من رضاه، كما ذكره بعد ذلك.
2297 - قول " المنهاج " [ص 264]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص 318]: (وتصح بالدين اللازم وعليه) قال في " الروضة ": أطلقه الرافعي تبعًا للغزالي، وليس كذلك؛ فإن دين السلم لازم، ولا تصح به ولا عليه على الصحيح، فينبغي أن يقول: (الدين المستقر) ليخرج هذا.
انتهى 1. وقد ذكر الرافعي أيضًا: أنه لا يكفي لصحة الحوالة لزوم الدين، بل لا بد فيه من الاستقرار؛ لأن دين السلم لازم مع أن الأصح: أنه لا تصح الحوالة به ولا عليه.
انتهى 2. ولذلك قال " التنبيه " [ص 105]: (ولا تصح إلا بدين مستقر وعلى دين مستقر، فأما ما ليس بمستقر؛ كمال الكتابة ودين السلم.. فلا تصح الحوالة به ولا عليه) كذا قال، لكن الأصح: صحة الحوالة بمال الكتابة لا عليه، وقد ذكره " المنهاج " و" الحاوي " 3. وقد يدخل في عبارتهما: ما إذا كان للسيد عليه دين معاملة، فأحال عليه، والأصح في هذه الصورة: الصحة، ولا نظر إلى سقوطه لعجزه، وقد يقال: إنها لا تَرِد؛ إذ ليست مال كتابة، ولو قالا: (لا عليه بها).. لم ترد هذه الصورة قطعًا، على أن شيخنا الإمام البلقيني قد رجح: أنه لا تصح الحوالة بمال الكتابة، كما في " التنبيه " لمساواته لدين السلم في منع الاستبدال عنه وزيادته عليه؛ بأنه لا يلزم أبدًا ودين السلم لازم، وقال: الفرق بينهما صعب، قال: وعلى ذلك جرى القاضي والبغوي 4، وهو الأصوب، قال: ونص الشافعي في " الأم " على الجواز مفرع على أن الحوالة ليست بيعًا 5، ثم قال شيخنا: والذي يمكن أن يقال في الفرق: أن السيد إذا احتال بالنجم على مديون المكاتب.. لا يتطرق إليه أن يصير الدين لغير السيد؛ لأنه إن قبضه قبل التعجيز.. فلا كلام، وإن لم يقبض حتى حصل التعجيز.. فهو من جملة أموال المكاتب التي للسيد، بخلاف دين السلم؛ فإنه قد ينقطع المسلم فيه فيؤدي ذلك إلى أن لا يصل المحتال إلى حقه.
قال في " المهمات ": وما أطلقه الرافعي والنووي من اشتراط الاستقرار لا يستقيم 6؛ لأن الأجرة قبل مضي المدة، والصداق قبل الدخول والموت، والثمن قبل قبض المبيع، ونحو ذلك غير مستقرة كما صرحوا به، ومع ذلك تصح الحوالة بها وعليها، ويكفي في إخراج السلم أن يقال

كما في " الكفاية ": يصح الاستبدال عنه، أو كما في " المطلب ": لا يتطرق إليه السقوط بتعذره في نفسه، وقد تفهم عبارة " التنبيه " أنه لا تصح الحوالة بالثمن مدة الخيار، ولا عليه، والأصح: صحته، وقد ذكره " المنهاج " 1، وأشار إليه " الحاوي " بقوله [ص 318]: (لازم أو أصله اللزوم).
وقد أورد على " التنبيه " و" المنهاج " في ذكرهما مع هذه المسألة: كونها لا تصح على من لا دين عليه، وقيل: تصح برضاه؛ لأنها إذا لم تصح مع وجود الدين بدون الاستقرار أو اللزوم.. فما ظنك مع العدم؟ فهو تكرار.
وأجيب: بأنهما ذكرا ذلك؛ ليحكيا فيه الخلاف.
وقد يجاب عنه: بأن المراد بالدين: ما يصح كونه دينًا وإن لم يوجد، وصوب في " التوشيح ": تعبير " المنهاج " بـ (المستقر)، وأنه لا يرد عليه دين السلم؛ إذ لا حصر فيه.
2298 - قول " المنهاج " [ص 264]: (ويشترط العلم بما يحال به وعليه قدرًا وصفة) وهو مفهوم من قول " الحاوي " بعد ذكر تساوي الدينين [ص 318]: (قدرًا وصفة بعلمهما).
أهملا الجنس، وقد يقال: هو مفهوم من العلم بالصفة، وعبارة " التنبيه " [ص 105]: (ولا يجوز إلا بمالٍ معلوم)، ولم يبين ما يحصل به العلم، والمعتبر: صفات السلم.
2299 - قول " المنهاج " [ص 264]: (ويشترط تساويهما جنسًا وقدرًا) لم يذكر الصفة، ولا بد منها، وقد عرفت أن " الحاوي " ذكر القدر والصفة، ولم يذكر الجنس، واعتبر " التنبيه " الاتفاق في الصفة والحلول، وقد يفهم من اعتبار التساوي في الصفة أنه إذا كان أحد الدينين به رهن أو ضامن.. لا بد أن يكون الآخر كذلك، ولا قائل به.
نعم؛ لو كان بأحدهما رهن أو ضامن.. قال شيخنا ابن النقيب: يبرأ الضامن وينفك الرهن، ولا ينتقل بصفة الضمان والرهن، وفي " الاستقصاء " ما يقتضي خلافه في المحال به، وخالف البارزي في المحال عليه.
انتهى 2. وقال شيخنا الإسنوي في " التنقيح ": كثيرًا ما تقع الحوالة على دين به رهن أو كفيل، ولم أجد فيها نقلًا، وأجاب فيها البارزي: بانتقالهما إلى المحال؛ لأنهما من صفات الدين، فأشبه الحلول والتأجيل، وقياسًا على الوارث، قال شيخنا: وقد يمنع بأن الراهن والكفيل ربما رضيا بشخص دون شخص، وأما الوارث: فإنه خليفة المورث، ويده كيده، وأما الحلول والتأجيل: فلأن الدين لا يمكن انتقاله إلا بأحدهما.
انتهى.

وذكر في " التوشيح ": أن قول " التنبيه " [ص 105]: (وصار الحق في ذمة المحال عليه) قد يفهم أن الدين لا ينتقل بصفته من رهن أو كفيل، بخلاف قول " المنهاج " [ص 264] و" الحاوي " [ص 318]: (ويتحول حق المحتال إلى ذمة المحال عليه) فإن الرهن والكفيل من حق المحتال، وفيه نظر؛ فإن الحق المطلق في " التنبيه " هو حق المحتال، فلا تفاوت حينئذ بين العبارتين، ثم حكى في " التوشيح " عن والده: أنه صوب: أن الدين لا ينتقل بصفته، بل ينتقل مجردًا عن الرهن والكفيل، قال: وقد قاله ابن الصباغ والمتولي والرافعي فيما إذا أحال من له على اثنين ألف، وهما متضامنان على أن يأخذ المحتال من كل واحد خمس مئة؛ إذ قالوا: إنه يبرأ كل منهما عما ضمن، وقاله أيضًا الرافعي في (باب الضمان) فيما إذا كانت الألف على أحدهما والآخر ضامن، فأحال على الأصيل فقط إذ قال: يبرأ الضامن 1، وصرح المتولي بالانفكاك في الرهن أيضًا.
2300 - قول " الحاوي " [ص 318]: (فإن أفلس، أو جحد.. لم يرجع) فيه أمور: أحدها: أنه لو شرط الرجوع بذلك.. فهل تصح الحوالة والشرط، أم الحوالة فقط، أم لا يصحان؟ أوجه لا ترجيح فيها في " الروضة " وأصلها 2، فيرد ذلك على عبارته بتقدير رجحان الوجه الأول، وكذا يرد أيضًا على " التنبيه " و" المنهاج ". ثانيها: أنه لو عبر بالإنكار.. لكان أعم؛ فإن الجحد لغةً: إنكار مع العلم 3، وقد عبر بالجحد أيضًا " المنهاج " 4، واقتصر " التنبيه " على تعذر الرجوع، ولم يمثله 5. ثالثها: أنه اقتصر على الإفلاس والجحد، وزاد " المنهاج " [ص 264]: (نحوهما)، وليس ذلك في " الروضة "، ولا في شيء من كتب الرافعي، وأراد به: امتناعه، أو موت البينة بعد موته موسرًا، وهو داخل في قول " التنبيه " [ص 105]: (وإن تعذر من جهته.. لم يرجع) وهل يدخل في ذلك الإقالة حتى لو صدر بين المحيل والمحتال تقايل في الحوالة.. لم يرجع على المحيل؟ يُبنى ذلك على صحة الإقالة في الحوالة، وقد قال شيخنا الإمام البلقيني: إنه كشف عن ذلك مصنفات كثيرة، فلم يجد التصريح بها، وأن الذي ظهر له: الجواز؛ لأن الصحيح: أنها بيع، وأن الخوارزمي صرح بالخلاف في ذلك وبتصحيح الجواز، وقيد المسألة: بأن يكون ذلك بدون إذن المحال عليه، ومقتضاه: أنه إن كان بإذنه.. صح وجهًا واحدًا.
قلت: وقد جزم الرافعي بأنه لا تجوز الإقالة في الحوالة، ذكر ذلك في أوائل (التفليس) في

أثناء تعليل في الكلام على موت المشتري مفلسًا قبل وفاء الثمن 1، وقد ظهر بذلك أنه لا يمكن مع تصحيح الإقالة عدم الرجوع على المحيل، بل متى صحت.. رجع عليه، والله أعلم.
2301 - قول " التنبيه " [ص 105]: (وإن أحال المشتري البائع بالثمن على رجل، ثم وجد المشتري بالمبيع عيبًا فرده؛ فإن كان بعد قبض الحق.. لم تنفسخ الحوالة، بل يطالب المشتري البائع بالثمن، وإن كان قبل قبض الحق.. فقد قيل: تنفسخ، وقيل: لا تنفسخ) فيه أمران: أحدهما: أن الأصح: أنه لا فرق بين أن يكون ذلك بعد قبض الحق أو قبله، والأصح في الصورتين: الانفساخ، وعلى ذلك مشى " المنهاج " و" الحاوي " 2. ثانبهما: ذكر الرد بالعيب مثال، فلو رده بخيار أو إقالة أو تحالف.. كان الحكم كذلك، وقد ذكر " الحاوي " هذه الصور كلها 3، واقتصر " المنهاج " أيضًا على الرد بالعيب 4. واعلم: أن البطلان مبني على أن الحوالة استيفاء، ومقابله مبني على أنها بيع، فالترجيح في الفرع يخالف الترجيح في الأصل، ويحتاج إلى الفرق بين هذه المسألة وبين ما إذا أحالها بصداقها ثم انفسخ النكاح واقتضى الحال الرجوع.. فإن الأصح: أن الحوالة لا تنفسخ، وقد فرقوا: بأن الصداق أثبت من غيره، وفيه نظر 5. 2302 - قول " الحاوي " [ص 319]: (وينفسخ بثبوت حرية المبيع) فيه أمور: أحدها: أنه يفهم من تعبيره بالانفساخ: أنها صحت ثم انفسخت، وليس كذلك؛ فلم تنعقد هذه الحوالة من أصلها، وتعبير " التنبيه " و" المنهاج " بـ (البطلان) أرادا به ذلك 6. ثانيها: أنه لم يبين ما تثبت به حرية المبيع، وفصل ذلك " المنهاج " بقوله [ص 265]: (ولو باع عبداً وأحال بثمنه، ثم اتفق المتبايعان والمحتال على حريته، أو ثبتت ببينةٍ.. بطلت الحوالة، وإن كذبهما المحتال ولا بينة.. حلّفاه على نفي العلم)، وصورة ثبوتها ببينةٍ: أن تشهد حسبة، أو يقيمها العبد، لا المتبايعان كما حكاه الرافعي عن البغوي والروياني، وأقرهما 7، وجزم به في " الشرح الصغير " لأنهما كذباها بالمعاقدة عليه، لكن الذي حكاه الروياني عن النص، وعليه يدل كلام الرافعي والنووي في الدعاوى، وصححه في " المهمات ": سماع البينة ممن لم يصرح قبل ذلك بالملك.

ثالثها: ذكر حرية المبيع مثال، فكل ما يمنع الصحة كذلك، ولذلك عبر " التنبيه " بـ (خروجه مستحقًا 1. 2303 - قول " التنبيه " [ص 105]: (وإن اختلف المحيل والمحتال، فقال المحيل: " وكلتك في القبض "، وقال المحتال: " بل أحلتني ".. فالصحيح: أن القول قول المحيل، وقيل: القول قول المحتال) فيه أمور: أحدها: في تعبيره بـ (المحيل والمحتال) تجوز؛ لأنه موضع النزاع، والصحيح: أنه لا يثبت بذلك كونه محيلًا؛ ولذلك عبر " المنهاج " بـ (المستحق عليه والمستحق) 2. ثانيها: أن صورة المسألة: أن يتفقا على أن المستحق عليه قال: (أحلتك)، ولكنه قال: (أردت الوكالة)، وقال الآخر: (الحوالة)، أما لو اختلفا في صدور لفظ الحوالة.. فالمصدق النافي قطعًا، وقد أوضح " المنهاج " المسألتين، وبين أن الأولى هي موضع الوجهين 3. ثالثها: محل تصديق المستحق عليه في الصورة الأولى: ما إذا قال: (أحلتك بمئة على زيد، أو بالمئة التي لي على زيد)، فلو قال: (أحلتك بالمئة التي لك عليّ على المئة التي لي على زيد).. صدق المستحق قطعًا؛ لأنه لا يحتمل غير الحوالة، وهذا وارد على " المنهاج " أيضًا، وعلى قول " الحاوي " في (الدعاوى) [ص 687]: (والحوالة وإن جرى لفظها) أي: حلف مستحق الحوالة.
وتبعت في القطع الرافعي والنووي 4، لكن في " النهاية ": أن بعضهم جعل هذا وجهًا ثالثًا، ثم خالفه الإمام، ورأى الجزم بجعله حوالة 5. 2304 - قول " التنبيه " [ص 105]: (وإن قال المحيل: " أحلتك "، وقال المحتال: " بل وكلتني، وحقي باق عليك ".. فالأظهر: أن القول قول المحتال، وقيل: القول قول المحيل) يعود فيه ما سبق من التجوّز في التعبير بالمحيل والمحتال، ومن أن صورة مسألة الوجهين: أن يتفقا على صدور لفظ الحوالة، ويختلفا في المراد به، فلو تنازعا في اللفظ الصادر، هل هو لفظ الحوالة أو الوكالة؟ صدق المستحق قطعًا، ولم ينبه في " المنهاج " على هذا في هذه الصورة، وكأنه اكتفى بما سبق في الأولى.

بابُ الضَّمان

2305 - قول " المنهاج " [ص 266]: (شرط الضامن: الرشد) أورد عليه أمور: أحدها: أنه يقتضي صحة ضمان المكاتب؛ لأنه رشيد، وليس كذلك؛ إذ ليس أهلًا للتبرع؛ ولذلك قال " الحاوي " [ص 320]: (صح ضمان أهل التبرع)، فأخرج المكاتب، وفي " التنبيه " قولان في ضمانه بإذن السيد 1، والأصح: صحته، وهو داخل في عموم قول " المنهاج " في (الكتابة) في مطلق التبرع [ص 598]: (ويصح بإذن سيده في الأظهر).
واعلم: أن الخلاف إنما هو في صحة ضمانه فيما في يده، كما أوضحه في " الكفاية "، واعتبر في " الروضة " صحة العبارة، وأهلية التبرع، واحترز بالأول: عن غير المكلف 2، ولا حاجة به إليه؛ لأن غير المكلف ليس أهلًا للتبرع، فهو حشو، ومع ذلك فأورد عليه: الأخرس المفهوم الإشارة.. فالأصح: صحة ضمانه، ولا عبارة له، وفيه نظر؛ فإن إشارته المفهومة يحصل بها التعبير عن مراده، فهي عبارة له وإن لم تكن لفظًا.
وذكر الرافعي: أن الإمام والغزالي احترزا بأهلية التبرع عن السفيه، ثم قال: إنما يظهر كون الضمان تبرعًا حيث لا رجوع، فإن ثبت.. فهو إقراض لا محض تبرع؛ بدليل النص على أن الضمان في مرض الموت بإذن المديون من رأس المال 3. واعترضه في " الروضة ": بأن قوله: (إنه ليس تبرعًا) فاسد؛ فإنه لو سُلّم أنه كالقرض.. كان القرض تبرعًا 4، وذكر في " المهمات " أن التبرع إنما هو الأداء.
ثانيها: ينبغي أن يقول: (والاختيار) ليخرج المكره، فلا يصح ضمانه ولو كان المكره السيد لعبده، وهو وارد على " الحاوي " أيضًا.
ثالثها: أنه يصح الضمان من السكران المتعدي في الأصح وليس برشيد، فإن التزم أنه رشيد إسقاطًا للعارض الزائل - كما هو مقتضى كلامه في البيع -.. لزم صحة ضمان غير المتعدي بسكره من باب أولى، وليس كذلك.
وجوابه: أن المراد بالرشد: جواز التصرف، والمتعدي بسكره جائز التصرف، بخلاف المعذور.

رابعها: أن من سفه بعد الرشد ولم يحجر عليه.. يصح ضمانه وغيره من التصرفات، وليس برشيد.
وجوابه: أن المذكور رشيد حكمًا، فتناولته عبارته، ولا يرد هذان الأمران على " الحاوي " لأن المتعدي بسكره ومن طرأ له السفه قبل الحجر أهلان للتبرع، وعبارة " التنبيه " [ص 105]: (من صح تصرفه في ماله بنفسه.. صح ضمانه)، فلا يرد عليه سوى الإيراد الأول، وقد ذكر بعد ذلك في ضمانه بإذن السيد قولين، والأصح: صحته، وذكر في " الكفاية ": أنه احترز بقوله: (بنفسه) عن السفيه؛ لأنه يصح تصرفه في ماله بإذن وليه في الأصح، كذا قال، وهو مخالف لما قدمه في الحجر.
2306 - قول " المنهاج " [ص 266]: (وضمان محجورٍ عليه بفلسٍ كشرائه) أي: بثمن في الذمة، فالأصح: الصحة، وقد أفصح بذلك " التنبيه " بقوله [ص 105]: (والمحجور عليه بالإفلاس يصح ضمانه، ويطالب به إذا انفك الحجر عنه).
2307 - قولهما: (إنه لا يصح ضمان العبد بغير إذن سيده في الأصح) 1 يستثنى منه: المبعض إذا كان بينهما مهايأة، وضمن في نوبته.. فإنه يصح ضمانه.
2308 - قولهما: (إنه يصح ضمانه بإذنه) 2 محله: ما إذا لم يكن الدين لسيده؛ لأن الكسب المؤدى منه ملكه، بخلاف ضمان ما على السيد؛ فإنه يصح 3. 2309 - قول " المنهاج " [ص 266]: (فإن عيَّن للأداء كسبه أو غيره.. قُضِيَ منه) دخل في قوله: (غيره) مال التجارة الذي في يده، ومحله: ما إذا لم يكن على المأذون دين، فإن كان.. فالأصح عند النووي: أنه لا يؤدي إلا مما يفضل، وقيل: يشارك، وقيل: يبطل 4. ومحل الأوجه: إذا لم يحجر عليه بطلب الغرماء، وإلا.. لم يؤد مما بيده قطعًا؛ ولذلك قال " التنبيه " [ص 106]: (وإن قال للمأذون له: " اضمن في مال التجارة ".. لزمه القضاء منه إلا أن يكون عليه دين) لكن ظاهره: أنه لا يقضي من مال التجارة إذا كان عليه دين مطلقًا مع أنه يؤدي ما فضل عن الدين كما تقدم، ثم إن مال التجارة لا يختص بالتعيين، فلو عيّن للأداء كسبه أو شيئًا من أموال السيد.. كان الحكم كذلك كما في " المنهاج ". 2310 - قول " التنبيه " [ص 106]: (ويصح بإذنه، ويتبع به إذا عتق، وقبل: يؤديه من كسبه أو

من مال التجارة إن كان مأذونًا له فيه) الثاني هو الأصح، وعليه مشى " المنهاج " بقوله [ص 266]: (وإلا - أي: أذن ولم يعين -.. فالأصح: أنه إن كان مأذونًا له في التجارة.. تعلق بما في يده وما يكسبه بعد الإذن، وإلا.. فبما يكسبه)، وفي عبارة " المنهاج " شيئان: أحدهما: أن قوله: (بما في يده) يتناول كسب يديه باحتطاب ونحوه، لكن صرح في " المطلب " بعدم دخوله، ويوافقه أن الرافعي قيد ما في يده برأس المال والربح 1، وتعبير " التنبيه " بمال التجارة، وكسب يده ليس من مال التجارة.
ثانيهما: أنه قيد الكسب بما بعد الإذن، وكذا في " الروضة " وأصلها 2، وقيده ابن الرفعة بما بعد الضمان، وهو موافق لما ذكروه في الإذن في النكاح من أن المؤن فيما يتجدد بعد النكاح لا بعد الإذن، واستشكل الفرق على الأول، وفرق بينهما: بأن مؤن النكاح إنما تجب بعد النكاح، والدين ثابت قبل الضمان.
2311 - قول " المنهاج " [ص 266]: (والأصح: اشتراط معرفة المضمون له) أي: معرفة الضامن المضمون له، كما أفصح به " التنبيه " و" الحاوي " 3، فأضاف " المنهاج " المصدر إلى المفعول، وهو قليل، والمراد: معرفة العين لا النسب، قاله الماوردي 4. ومعرفة وكيل المضمون له كمعرفته، وسواء ذكر الموكل وأضاف إليه أو نواه، قاله ابن الصلاح.
2312 - قوله: (وأنه لا يشترط قبوله ورضاه) 5 لو قال: (ولا رضاه) كما في " المحرر " 6.. لكان أحسن؛ لأن بعضهم يشترط الرضا دون القبول.
2313 - قوله: (ولا يشترط رضا المضمون عنه قطعًا) 7 كذا في كتب الرافعي والنووي تبعًا للإمام 8، وفيه وجه في " تعليق القاضي حسين ". 2314 - قوله: (ويشترط في المضمون: كونه ثابتًا) 9 أي: حقًا ثابتًا، كما في " الروضة "

وأصلها و" المحرر " و" الحاوي " 1، فيشمل الأعيان المضمونة بناء على الأصح، وهو: صحة ضمان الأعيان، وصحح " التنبيه " خلافه، وعبارته [ص 106]: (ولا تصح الكفالة بالأعيان كالغصوب والعواري، وقيل: تصح)، ولو عبر كما في " الحاوي " بـ (عينٍ تلزم مؤنة ردها) 2.. لكان أحسن؛ ليدخل فيه المغصوب والمستعار والمستام، ويخرج عنه المودع والمستأجر والوكيل؛ فإنه لا يصح ضمان ما في أيديهم، وقد صرحوا بأن العين المستأجرة بعد المدة أمانة شرعية يجب ردها، فينبغي تجويز ضمان ردها على الأصح، ذكره الأمام السبكي، قال: اللهم إلا أن يقال: الواجب في الأمانة الشرعية إما الرد أو الإعلام.
ثم اعلم: أن المراد بضمان الأعيان: ضمان ردها، أما ضمان قيمتها لو تلفت.. فالأصح: منعه، والمراد: ثبوته باعتراف الضامن وإن لم يئبت على المضمون عنه؛ ففي الرافعي في أواخر (الإقرار): لو قال شخص: لزيد على عمرو ألف، وأنا ضامنه، فأنكر عمرو.. فلزيد المطالبة في الأصح 3. 2315 - قول " التنبيه " [ص 106]: (ويصح ضمان الدرك على المنصوص) شرطه: أن يكون بعد قبض البائع الثمن، كما صرح به " المنهاج " و" الحاوي " 4. 2316 - قول " المنهاج " [ص 266]: (وهو: أن يضمن للمشتري الثمن إن خرج المبيع مستحقًا أو معيبًا أو ناقصًا لنقص الصنجة) فيه أمران: أحدهما: أنه يرد عليه ضمان الدرك للبائع، وهو: أن يضمن له المبيع إن خرج الثمن المعين مستحقًا أو معيبًا أو ناقصًا لنقص الصنجة، وليس في عبارة " الحاوي " تخصيص ذلك بكون الضمان للمشتري، إلا أن يؤخذ ذلك من قوله: (بعد قبض الثمن) 5. ثانيهما: أن قوله: (أو ناقصًا) أي: المبيع، فيه نقص عما تشمله عبارة " المحرر " فمانها تشمل: الصنجة الموزون بها المبيع، فيضمن نقصها للمشتري.
والموزون بها الثمن، فيضمن نقصها للبائع.
وكذا يتناول الصورتين قول " الحاوي " [ص 320]: (ونقصان الصنجة) وصور الرافعي الصورة

الأولى: بأن يبيع شيئًا بشرط أن وزنه كذا؛ فإنه إذا خرج دونه.. بطل البيع في قولٍ، وثبت الخيار في قولٍ 1. وألجأه إلى ذلك كون المسألة في ضمان الثمن عند نقص المبيع، لكن اعترض عليه: بأنه لا يطابق قولنا: نقص لنقص الصنجة، وإنما نقص عما ذكره.
ومن صور نقص الصنجة: أن يقول: (بعتك رطلًا من هذا)، ويزنه بصنجة يدعي أنها رطل، فيضمن له ضامن نقصها، لكنه لا يكون ضامنًا للثمن، بل لما نقص.
2317 - قول " الحاوي " [ص 321]: (ويشملها ضمان الدرك) يقتضي أنه إذا لم يعين الضامن جهة، بل أطلق ضمان الدرك.. طولب إذا بأن الفساد بشرطٍ أو غيره، أو رُدّ بعيبٍ، والأصح عند الرافعي في " الشرح الصغير " والنووي في " الروضة ": خلافه 2. 2318 - قول " المنهاج " [ص 266]: (لازمًا) زاد " الحاوي " [ص 321]: (أو أصله اللزوم)، وعبارة " التنبيه " [ص 106]: (أو يؤول إلى اللزوم).

  • 2319 - قول " المنهاج " [ص 266]: (لا كنجوم كتابة)، قال شيخنا ابن النقيب: الإتيان بالكاف يشعر بغير هذه الصورة، ولم أره.
    نعم؛ لو ضمن عن المكاتب غير النجوم لأجنبي.. صح، أو للسيد؛ فإن قلنا: دينه يسقط بعجزه وهو الأصح.. لم يصح، وإلا.. فيصح؛ فهذه صورة ثانية على وجه.
    انتهى 3. وكذا عبارة " التنبيه " [ص 106]: (فأما ما ليس بلازم ولا يؤول إلى اللزوم؛ كدين المكاتب.. فلا يصح ضمانه).
    2325 - قول " المنهاج " [ص 266]: (ويصح ضمان الثمن في مدة الخيار في الأصح) وعبارة " التنبيه " [ص 106]: (أو يؤول إلى اللزوم كثمن المبيع في مدة الخيار)، قال المتولي: محل الخلاف إذا كان الخيار للمشتري، أو لهما، أما إذا كان للبائع وحده.. فيصح قطعًا؛ لأن الدين لازم في حق من هو عليه، وأفره عليه الرافعي والنووي 4. واستشكله في " المهمات ": بأنه إذا كان الخيار للبائع.. فالملك في المبيع له بلا خلاف، أو على الصحيح.. فلا ثمن حينئذ على المشتري فضلًا عن كونه لازمًا، فكيف يصح ضمانه بلا خلاف مع حكاية الخلاف في عكسه؟ انتهى.

ويوافقه ما أشار إليه الإمام أن تصحيح الضمان مفرع على أن الخيار لا يمنع نقل الملك في الثمن إلى البائع، وإلا.. فهو ضمان ما لم يجب؛ أي: إذا كان الخيار للبائع وحده، فالأصح: أن ملك المبيع له، وملك الثمن للمشتري (1). 2321 - قول " التنبيه " [ص 106]: (ومال الجعالة) أي: قبل فراغ العمل.
هو وجه، الأصح: خلافه، ولا يصح أن يُعد مال الجعالة مما يؤول إلى اللزوم؛ فإنه لا يؤول إلى اللزوم بنفسه؛ ولذلك قال " المنهاج " [ص 266]: (وضمان الجُعْلِ كالرهن به) أي: فيصح بعد الفراغ خاصة.

تَنْبِيْه [شروط المضمون]

اقتصر " التنبيه " و" المنهاج " و" الحاوي " على ذكر ثلاثة شروط للمضمون: كونه ثابتًا، ولازمًا، ومعلومًا، وكذا في " الروضة " وأصلها 2، وأهملوا شرطًا رابعًا نبه عليه الغزالي، وهو: كونه قابلًا لأن يتبرع الإنسان به على غيره، فيخرج القصاص وحد القذف ونحوهما 3. 2322 - قول " المنهاج " [ص 266]: (والإبراء من المجهول باطلٌ في الجديد) مأخذهما أنه تمليك أو إسقاط، فالجديد على الأول، والقديم على الثاني، ومقتضى البناء: تصحيح أنه تمليك، ولكن الصحيح: أنه لا يشترط علم المديون، وبنوه على أنه إسقاط، وجزم الرافعي في موضع بالإسقاط 4، وقال النووي في (باب الرجعة) من زوائده: المختار: أنه لا يطلق ترجيح واحد منهما، بل يختلف بحسب المسائل؛ لظهور دليل أحد الطرفين 5. وقال السبكي: الصحيح: أنه إسقاط، ولكن اختلفوا، هل هو محض إسقاط كالإعتاق، أم تمليك للمديون ما في ذمته، فإذا ملكه.. سقط؟ على طريقين في " التتمة "، سماهما الرافعي رأيين 6، قال السبكي: فهو إسقاط فيه شائبة التمليك؛ ولهذا صح بلفظ التمليك، وجاز بيع الدين ممن عليه، وانتقل إلى الوارث، ولكن شائبة الإسقاط أغلب، ولا خلاف في أن المقصود به1

الإسقاط، وأن هذا المقصود حاصل منه، وإنما الخلاف في حقيقته في ذاته، ولا يترتب على تحقيق ذلك كبير فائدة، وإنما الفائدة في التفاريع، فمنها: الإبراء عن المجهول، قال الرافعي: إن قلنا: إسقاط.. صح، أو تمليك.. فلا، وهو ظاهر المذهب (1)، قال السبكي: يعني: عدم صحة الإبراء عن المجهول، لا أن الإبراء تمليك؛ لأن المشهور خلافه، ثم بسط ذلك.
2323 - قول " التنبيه " [ص 106]: (وقيل: يصح ضمان إبل الدية) هو الأصح، وعليه مشى " المنهاج " و" الحاوي " (2). 2324 - قول " المنهاج " [ص 267]: (ولو قال: " ضمنت مِمَّا لك على زيدٍ من درهمٍ إلى عشرةٍ ".. فالأصح: صحته) يقتضي أن الخلاف وجهان وكذا في " المحرر "، ورجحه في " أصل الروضة " (3)، لكن رجح في " الشرح الصغير ": أن الخلاف قولان.
2325 - قوله: (وأنه يكون ضامنًا لعشرة) (4) كذا في " المحرر " (5)، واستدرك عليه " المنهاج " فقال [ص 267]: (الأصح: لتسعة)، وكذا في " الحاوي " وقال [ص 321]: (كالإقرار)، وصحح في " المحرر " في (الإقرار): لزوم تسعة (6)، ولم يصحح في " الشرحين " في البابين شيئًا، بل نقل تصحيح العشرة هنا وهناك عن البغوي، ونقل هناك: تصحيح التسعة عن العراقيين والغزالي (7). وفي نظيره من الطلاق من واحدة إلى ثلاث: ظاهر ترجيح " أصل الروضة ": وقوع الثلاث (8)، وفي " التنبيه ": يقع ثنتان، وأقره في " التصحيح " (9).

فصلٌ [في شروط صحة كفالة البدن]

2326 - قول " التنبيه " [ص 106]: (وفي كفالة البدن قولان، أصحهما: أنها تصح) شرطه فيما إذا كان على المكفول ببدنه مال:123456789

أن يكون ذلك المال مما يصح ضمانه، فلا تصح ببدن المكاتب للنجوم، وقد ذكره " المنهاج " و" الحاوي " 1. وأن يكون المكفول ببدنه يستحق حضوره مجلس الحكم عند الاستعداء، وقد ذكره " الحاوي " 2. 2327 - قول " التنبيه " [ص 107]: (وإن تكفل بجزءٍ شائع من الرجل، أو بما لا يمكن فصله عنه - أي: مع الحياة - فالكبد والقلب.. صح) أقره عليه النووي في " تصحيحه " 3، واقتصر " الحاوي " على الصورة الثانية، فقال [ص 321]: (وبما لا يبقى دونه).
وفي " الروضة " وأصلها في هذه الصورة أربعة أوجه بلا ترجيح: البطلان، وبه قال أبو حامد وأبو الطيب وابن الصباغ.
والصحة.
والفرق بين ما يبقى البدن دونه أم لا، وصححه البغوي.
والفرق بين ما يعبر به عن جميع البدن؛ كالرأس والرقبة.. فيصح، وإلا.. فلا، وصححه القفال، ثم ذكر أن الجزء الشائع كالجزء الذي لا يبقى البدن دونه، فيكون فيه الوجهان، ثم زاد في " الروضة ": أن صاحب " الحاوي " قطع بالصحة فيما لا يحيى دونه أو جزء شائع 4. 2328 - قول " التنبيه " [ص 107]: (وإن تكفل ببدن من عليه قصاص أو حد قذف.. صح) تعبير " المنهاج " بـ (عقوبة لآدمي) 5 أعم؛ لدخول التعزير فيها، ويوافقه تعبير " الحاوي " لأنه لم يستثن سوى حق الله تعالى 6. 2329 - قول " التنبيه " [ص 106، 107]- والعبارة له - و" المنهاج " [ص 267]: (وإن تكفل ببدن من عليه حد لله تعالى.. لم يصح) قد يقتضي جواز التكفل ببدن من عليه تعزير لله، وقد خرج ذلك بقول " الحاوي " [ص 321]: (لا لحق الله) لكن يرد عليه الزكاة؛ فإنه يصح ضمانها عمن هي عليه على الصحيح مع أنها حق الله تعالى.
2330 - قول " المنهاج " [ص 267]: (وتصح ببدن صبيٍ ومجنونٍ) أي: بإذن وليهما؛ لأنه قد

يجب إحضارهما ليشهد على صورتهما في الإتلاف وغيره، وحينئذ.. فله مطالبة الولي بإحضارهما عند الحاجة 1. 2331 - قوله: (وغائب) 2 فيه أمران: أحدهما: أن محله على الأصح: ما إذا تقدم منه الإذن.
ثانيهما: ظاهر إطلاقه أنه لا فرق بين أن يغيب إلى موضع يلزمه الحضور منه أم لا؛ بأن غاب إلى فوق مسافة العدوى وثم حاكم 3، وبه صرح الرافعي، لكنه حكى في موضع آخر عن الإمام: الجزم بعدم الصحة من مسافة القصر، وأقره، لكنه قال بعد ذلك: إنه تفريع على أنه لا يلزمه الحضور منه 4، والأصح: خلافه، ومال في " المطلب " إلى عدم الصحة؛ لأنه التزام ما لا يلزم.
وقال السبكي: إن ما في " المنهاج " ظاهر إذا كان دون العدوى أو فوقها وتكفل بإحضاره إلى مكان يلزمه الحضور فيه، وإلا.. فالصحيح: أنه إنما يلزمه الحضور من مسافة العدوى إذا لم يكن ثم حاكم، ففوقها أو ثم حاكم فيها.. لا ينبغي أن يصح بلا شك إذا لم يأذن، فإن أذن.. فقد يقال: لا يصح أيضًا؛ لأنه التزام ما لا يلزم، وإذنه لا يغير الحكم.
انتهى 5. 2332 - قوله: (وميتٍ ليُحْضِرَهُ فَيشْهَدَ على صورته) 6 فيه أمور: أحدها: أن محل ذلك: إذا لم يعرف بنسبه.
ثانيها: أن محل ذلك: قبل الدفن، وإلا.. لم تصح الكفالة وإن لم يتغير كما دل عليه كلامهم فيما إذا مات بعد الكفالة، قاله شيخنا الإسنوي.
ثالثها: قال في " المطلب ": إذا شرطنا إذن المكفول ببدنه.. فيظهر اشتراط إذن الوارث 7. قال في " المهمات ": سكت عمن يعتبر إذنه، والظاهر: أنه جميع الورثة.

2333 - قول " المنهاج " [ص 267]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص 322]: (ويبرأ الكفيل بتسليمه في مكان التسليم بلا حائلٍ كمتغلبٍ) يقتضي عدم البراءة بتسليمه في غير مكان التسليم، وهو كذلك إذا كان للمضمون له غرض في الامتناع، فإن لم يكن له غرض.. قال الرافعي: فالظاهر: لزوم قبوله، فإن أبى.. رفعه إلى الحاكم؛ ليتسلمه عنه، فإن لم يكن حاكم.. أشهد شاهدين أنه سلمه له 1. ونظير ذلك قول " التنبيه " [ص 107]: (وإن أحضره قبل المحل وليس عليه ضرر في قبوله.. وجب قبوله) فلو قال: (ضمنت إحضاره كلما طلبه المكفول له).. فهذا قد يتبادر إلى الفهم أنه يتكرر، ولا يخرج عن العهدة ما دام طلبه ثابتًا على المكفول ببدنه.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: الذي يقتضيه النظر السديد: أنه لا يلزم غير المرة الواحدة، وأنه يكون مقتضى التكرير تعليق الضمان على طلب المكفول له، وتعليق الضمان باطل 2. 2334 - قول "التنبيه " [ص 107]: (وإن سلّم المكفول به نفسه.. برئ الكفيل) شرطه أن يقول: (سلّمت نفسي عن جهة الكفيل) ولا يكفي مجرد تسليمه نفسه، صرح به " المنهاج " و"الحاوي " 3. وقد يفهم من عبارتهم: أن الكفيل لا يبرأ بتسليم أجنبي للمكفول، وليس على إطلاقه، بل يبرأ أيضًا بتسليمه عن الكفيل بإذنه، وكذا بلا إذن إن قبل المكفول.
2335 - قول " التنبيه " [ص 107]: (وإن غاب.. لم يطالبه حتى يمضي زمان يمكن المضي فيه إليه) لا بد من اعتبار مدة الرجوع أيضًا، وقد صرح به " المنهاج " و" الحاوي " 4، وشرط إلزامه بإحضاره: أمن الطريق، وألَّا يكون ثم من يمنعه منه.
2336 - قول " المنهاج " [ص 267]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص 322]: (فإن مضت ولم يُحضره.. حُبِسَ) شرط الحبس: ألَّا يؤدي الدين، وإذا أدَّى ثم حضر المكفول ببدنه.. فالمتجه - كما قال شيخنا الإسنوي -: أن له استرداده 5. 2337 - قول " التنبيه " [ص 107]: (وإن مات.. سقطت الكفالة) فيه أمران: أحدهما: أن الأصح عند الرافعي والنووي: أنه إذا لم يكن مشهور النسب واحتيج إلى إقامة الشهادة على عينه.. أنه يطالب بإحضاره ما لم يدفن 6، ولهذا قال " المنهاج " [ص 268]:

جارٍ التحميل