كتاب الأشربة
5166 - قول "المنهاج" [ص 513]: (كل شراب أسكر كثيره .. حَرُمَ قليله) أي: وكثيره كما صرح به "التنبيه" 1، وأهمله "المنهاج" لوضوحه، وتناولهما قول "الحاوي" [ص 596]: (مُسكر جِنسٍ).
5167 - قول "التنبيه": (ومن شرب المسكر وهو بالغ عاقل مسلم مختار .. وجب عليه الحد) يعتبر أيضًا: كونه عالمًا بأنها خمر، وبتحريمها، وقد ذكره "المنهاج" و"الحاوي" 2.
5168 - قوله: (دون ضرورة عطش، وإساغة لقمة، وعذر تداوٍ) 3 ما ذكره من عدم الحد في شربه للتداوي حكاه في "أصل الروضة" عن القاضي حسين والغزالي، وإن حكمنا بالتحريم؛ لشبهة الخلاف 4، وقال النووي في "تصحيح التنبيه": إنه المختار 5، وقال الإمام: أطلق الأئمة المعتبرون أقوالهم في طرقهم أن التداوي حرام موجب للحد 6، ثم ذكر في "أصل الروضة" في شربها للعطش: إذا لم نجوزه .. ففي الحد الخلاف كالتداوي 7.
واعلم: أن الحد لا يختص بالشرب، بل لو أكله بخبز أو ثرد فيه خبزًا وأكل الثريد أو طبخ اللحم بالخمر وأكل المرقة .. حد بذلك، بخلاف ما لو أكل اللحم المطبوخ بها .. فإنه لا يحد؛ لأن عين الخمر لم تبق فيه.
ويستثنى منه أيضًا: ما لو شربه في ماء والخمر مستهلك فيه .. فإنه لا يحد كما حكاه في "أصل الروضة" عن الإمام، وجزم به في (الرضاع) 8.
5169 - قول "المنهاج" عطفًا على المنفي [ص 513]: (وكذا حقنة وسعوط في الأصح) قال شيخنا الإمام البلقيني: ما صححه في السعوط ممنوع؛ فإنه يحصل به ما يحصل بالشرب، وهو واصل إلى المحل الذي يتأثر بالشرب، وأما الاحتقان؛ فإن قيل: إنه يحصل منه سكر بوجه عام .. فإنه يحد به أيضًا، ويكون ما أطلقه الأصحاب من أنَّه لا يحد بالحقنة محمولًا
الحديث: 5166 - الجزء: 3 - الصفحة: 251
على ما إذا لم يحصل بذلك سكر بوجه ما.
5170 - قوله: (ومن غص بلقمة .. أساغها بخمر إذا لم يجد غيرها) 9 أي: وجوبًا.
5171 - قوله: (والأصح: تحريمها لدواءٍ وعطش) 10 يفهم أنَّه وجه، وهو منصوص كما في "الروضة" وأصلها 11، والأصح: أن الجوع كالعطش، ومحل الخلاف في التداوي: في القليل الذي لا يسكر، وألَّا يجد ما يقوم مقامها مع إخبار طبيب مسلم أو معرفة المريض.
5172 - قول "الحاوي" [ص 596]: (يضرب أربعين) محله: في الحر فأما العبد .. فعشرين، وقد صرح به "التنبيه" و"المنهاج" 12.
5173 - قول "التنبيه" [ص 247]: (وبضرب في حد الشرب بالأيدي والنعال وأطراف الثياب، وقيل: يجوز بالسوط، والمنصوص الأول) الأصح: جواز السوط أيضًا، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي"، بل حكى "المنهاج" وجهًا: أنَّه يتعين السوط 13، وفي قول "التنبيه": (إن المنصوص الأول) نظر؛ فقد قال في "الكفاية" بعد قوله: (وكذا قاله القاضي أَبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ): وكأنهم أخذوه من قول "المختصر ": وإن ضرب بنعل أو طرف ثوب أو رداء وما أشبهه.
انتهى 14.
ولم يحك الرافعي والنووي هذا إلَّا وجهًا 15، وقال الشَّافعي كما في "المختصر": (يضرب المحدود بسوط بين سوطين لا جديد ولا خلق) 16، ومقتضى ذلك: أنَّه لا فرق بين المحدود في الخمر وغيره.
5174 - قول "المنهاج" [ص 513]: (ولو رأى الإمام بلوغه ثمانين .. جاز في الأصح) محله: في الحر، أما العبد .. فغاية بلوغه أربعون، وقد صرح به "التنبيه" 17، وفي التعبير بالأصح نظر، فنصوص "الأم" و"المختصر" قاضية بذلك، بنقله ذلك عن الصحابة 18، ومقتضى قول "التنبيه" [ص 247]: (إن بلغ بالحد) أن الزائد حد، والأصح: أنَّه تعزير؛ ولذلك قال
الحديث: 5170 - الجزء: 3 - الصفحة: 252
"المنهاج" [ص 513]: (والزِّيادة تعزيرات) وهو أحسن من قول "المحرر": (تعزير) 19 لأن القائل بأنها حد أورد أن التعزير لا يجوز أن يبلغ أربعين.
فيجاب: بأنها تعزيرات على أنواع صدرت منه من هذيان وغيره.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: التعزيرات لا بد من تحقق سببها ولم يتحقق السبب فالمسألة معضلة، وقوله: (والزِّيادة) أي: المذكورة في قوله: (ولو رأى الإمام بلوغه ثمانين) فلا يقال: كلامه يقتضي أنَّه تجوز الزِّيادة على الثمانين، وليس كذلك، وقوله: (وقيل: حد) 20 قد يفهم أنَّه لا يضمن لو مات بها، قال شيخنا الإمام البلقيني: ولم يقل بذلك أحد من أئمة المذهب.
5175 - قوله: (ويحد بإقراره أو شهادة رجلين) 21 في "تعليق الشيخ أبي حامد" طريق ثالث، وهي: أن نعلم شربه من إناء شرب منه غيره فسكر.
قال الرافعي: (وليكن هذا بناء على القضاء بالعلم) 22، قال شيخنا الإمام البلقيني: والمحكي عن أبي حامد هو النص في "الأم" و"المختصر" 23.
5176 - قوله: (ويكفي في إقرار وشهادة: "شرب خمرًا") 24 هذا في الشهادة، أما في الإقرار .. فيقول: (شربت خمرًا)، ومثله: (شربت ما شرب منه غيري فسكر منه)، ونازع شيخنا الإمام البلقيني في التفاء بالتنكير؛ لجواز إرادة المجاز، قال: والموجود في نص الشَّافعي وكلام الأصحاب: شرب الخمر 25، قال: فإن قيل: التعريف لا يمنع المجاز .. قلنا: يبعد مع التعريف ولا يبعد مع التنكير، على أنا نقول في صورة التعريف: لا بد أن يأتي بما يرفع المجاز؛ فقد يتجوز بالخمر على ما يصير خمرًا، فإن كان هناك ما يخرج هذا المجاز .. حددناه، وإلَّا .. فلا، ونبه شيخنا على أمرين آخرين:
أحدهما: أنَّه ينبغي أن يزيد في الشهادة: من غير أن يسيغ بها ما غص به، وإن لم يشترط في الشهادة كونه عالمًا مختارًا، وقد قال في "الأم": إنما يعاقب الناس على اليقين 26، ولا يقين إذا لم يذكر ذلك.
الحديث: 5175 - الجزء: 3 - الصفحة: 253
ثانيهما: أن مقتضى كلامه: أنَّه يسوغ للشاهد في شرب النبيذ أن يقول: (شرب خمرًا) لقوله أول الباب: (كل شراب أسكر كثيره .. حرم قليله، وحد شاربه) 27 ثم قال هنا: (ويكفي - يعني: في إيجاب الحد على شارب ما ذكر -: "شرب خمرًا") 28 وهذا لا يسوغ للشاهد قطعًا، ولو قلنا: إن اسم الخمر يتناوله حقيقة؛ لأن الشارب قد يعتقد إباحة القدر الذي لا يسكر .. فيكون مع ذلك مقبول الشهادة، وإطلاق شرب الخمر عليه يقتضي فسقه ورد شهادته.
5177 - قوله: (ولا يحد حال سكره) 29 لم يبين هل ينعقد بالحد لو وقع أم لا؟ وفيه وجهان حكاهما في "الكفاية" عن القاضي حسين، وقال شيخنا الإمام البلقيني: الأصح: الإجزاء؛ ففي "صحيح البخاري": عن عقبة بنُ عامر قال: (جيء بالنعمان - أو بابن النعمان - وهو سكران، وأمر من في البيت أن يضربوه، فضربوه بالجريد والنعال) 30، وعن أبي هريرة قال: (أتى النبي صلى الله عليه وسلم بسكران، فأمر بضربه ... الحديث) 31، قال: وهذان صريحان أو ظاهران، أو الأول صريح والثاني ظاهر في جواز إقامة الحد عليه في حال سكره إذا كان على الحالة التي لم يصل فيها إلى أن يصير ملقى لا حراك به.
5178 - قوله: (ويفرقه على الأعضاء إلَّا المقاتل والوجه، قيل: والرأس) 32 يقتضي أن استثناء الرأس وجه ضعيف، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 596]: (ويفرق على البدن، لا الوجه والمقتل).
قال شيخنا الإمام البلقيني: وليس كذلك، بل هو نص الشَّافعي في "مختصر البويطي"، وقد نقله القاضي أَبو الطيب في "تعليقه"، وصححه، وقال: إذا اتقينا الفرج؛ لأنه مقْتل .. فالرأس بذلك أولى؛ لأنه موضع شريف، وفيه مقتل ويخاف من ضربه نزف الماء في العين وزوال العقل، وحكاه أيضًا ابن الصباغ والروياني في "الكافي"، وقال: إن مقابله خطأ، وجزم به الخوارزمي في "الكافي"، قال شيخنا: ولا نص للشافعي يخالفه؛ فهو المعتمد.
قلت: وعليه مشى "التنبيه" في حد الزنا 33، واعلم: أن الرافعي علل كونه لا يجتنب الرأس بأنه مستور بالشعر 34، ومقتضاه: أنَّه لو لم يكن عليه شعر لقرع أو حلق رأس .. اجتنبه قطعًا.
الحديث: 5177 - الجزء: 3 - الصفحة: 254
5179 - قول "المنهاج" [ص 513]: (ولا تجرد ثيابه) قد يفهم أنَّه يترك عليه الجبة المحشوة والفروة، وليس كذلك؛ ولهذا قال "التنبيه" [ص 242]: (ولا يجرد، بل يكون عليه قميص) وفي " أصل الروضة": قميص أو قميصان.
5180 - قول "الحاوي" [ص 596]: (ولاءً) و"المنهاج" [ص 513]: (ويوالي الضرب بحيث يحصل زجرٌ وتنكيلٌ) ضبطه الإمام فقال: إن لم يحصل به ألم له وقع؛ كسوط أو سوطين كل يوم .. لم يكف، وإن حصل؛ فإن لم يتخلل ما يزول به الألم الأول .. كفى، وإن تخلل .. لم يكف في الأصح، حكاه عنه في " أصل الروضة"، وأقره 35.
5181 - قول "التنبيه" في حد الزنا [ص 242]: (ولا يقيم الحد في المسجد) عبر بمثل ذلك في "الروضة" وأصلها، قالا: ويسقط الفرض لو أقيم كما لو صلى في مكان مغصوب.
انتهى 36
وكلامهم يشعر بتحريمه، لكن في "أصل الروضة" في (القضاء): أنَّه مكروه 37، ونص عليه في "الأم" فقال: وإذا كرهت له أن يقضي في المسجد .. كنت لأن يقيم الحد في المسجد أو يعزر أكره 38.
الحديث: 5179 - الجزء: 3 - الصفحة: 255
بابُ التَّعزير
5182 - قولهما: (ومن أتى معصية لا حد فيها ولا كفارة .. عزر) 39 وقول "الحاوي" [ص 596]: (ويعزّر الإمام لمعصية غيرها) يعني: غير ذوات الحدود المتقدم ذكرها، يستثنى منه مسائل:
الأولى: ذوو الهيئات في عثراتهم؛ فقد قال في "الأم" بعد روايته حديث عائشة: "تجافوا لذوي الهيئات عن عثراتهم" 40: (سمعت من أهل العلم من يعرف هذا الحديث ويقول: يتجافى للرجل ذي الهيئة عن عثرته ما لم تكن حدًا، قال: وذوو الهيئات الذين يقالون عثراتهم الذين ليسوا يعرفون بالشر فيزل أحدهم الزلة) 41.
وحكى في "الشامل" عن الشَّافعي فيما إذا كتب بعض المسلمين إلى المشركين .. فاختار الإمام: أنَّه إن كان من ذوي الهيئات .. لم يعزر؛ لحديث حاطب بنُ أبي بلتعة 42، وهذه صورة مما تقدم، وكذلك ما ذكره الشيخ عَزَّ الدين بنُ عبدِ السلام في "قواعده": أنَّه إذا صدرت الصغيرة من بعض أولياء الله تعالى .. لا يجوز للأئمة والحكام تعزيرهم عليها، بل تقال عثرتهم، وتستر زلتهم 43، قال: وقد جهل أكثر الناس فزعموا أن الولاية تسقط بالصغيرة، ولم يعلقه الشَّافعي بالأولياء؛ لأن ذلك لا يطلع عليه.
وحكى الماوردي في ذوي الهيئات وجهين:
أحدهما: أنهم أصحاب الصغائر دون الكبائر.
والثاني: أنهم الذين إذا أتوا الذنب .. ندموا عليه وتابوا منه، والمعتمد ما ذكره الشَّافعي من أنهم لا يعرفون بالشر، قال الماوردي: وفي عثراتهم وجهان:
أحدهما: أنَّها صغائر الذنوب التي لا توجب الحدود.
والثاني: أنَّها معصية زل فيها مطيع 44.
الثانية: الأصل لا يعزر لحق الفرع كما لا يحد بقذفه، وإن لم يسقط حق الإمام من ذلك، صرح به الماوردي.
الحديث: 5182 - الجزء: 3 - الصفحة: 256
الثالثة: إذا وطئ امرأته أو أمته في دبرها .. فلا يعزر أول مرة، وإنَّما يُنهى، فإن عاد .. عزر، نص عليه في "المختصر" 45، وصرح به جماعة.
الرابعة: إذا رأى من يَزْنِي بزوجته وهو محصن، فقتله في تلك الحالة .. فلا تعزير عليه وإن افتات على الإمام؛ لأجل الحميّة والغيظ، حكاه ابن الرفعة عن ابن داوود، ونقل الماوردي والخطابي في مقالة عن الشَّافعي: أنَّه يحل له قتله فيما بينه وبين الله تعالى إذا لم تكن بينة، وإن كان يقاد به في الظاهر، وهو منصوص عليه في "الأم" 46.
الخامسة: إذا نظر شخص إلى بيت غيره وجوزنا رمي عينيه، فلم يرتدع .. ضربه بالسلاح ونال منه ما يردعه، قال الرافعي عن النص: ولو لم ينل منه صاحب الدار .. عاقبهُ السلطان 47، هذا لفظه، ومقتضاه: عدم التعزير إذا نال منه وكأنه حد هذه المعصية، وقد يقال: هذا نوع تعزير شرعا لصاحب المنزل، فإذا لم يستوفه .. فللإمام استيفاؤه.
السادسة: إذا دخل واحد من أهل القوة إلى الحمى الذي حماه الإمام للضعفة ونحوهم، فرعى منه .. قال القاضي أَبو حامد: لا تعزير عليه ولا غرم وإن كان عاصيًا، كذا في "المهمات"، وكلام أبي حامد في زيادة "الروضة" في (إحياء الموات) ليس فيه: (وإن كان عاصيًا)، وإنَّما فيه: لكن يمنع من الرعي 48.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: ليس هذا بعاصٍ، وإنَّما فعل مكروهًا، ولا تعزير فيه، فإن قيل: الافتيات على الإمام معصية .. قلنا: الإمام إنما فعل ذلك لمصلحة الضعفاء لا لتحريمه على غيرهم، فلم يصل إلى رتبة المعصية، على أنا لو سلمنا أنَّه معصية .. فمنعه وإخراج دوابه تعزير، فيكتفى بمثل ذلك في نحو هذا.
السابعة: إذا ارتد ثم أسلم .. فإنه لا يعزر أول مرة، نقل ابن المنذر الاتفاق عليه، وذكره "التنبيه" بقوله [ص 231]: (فإن تكرر ذلك منه .. عزر).
ويجاب عنه: بأن الردة حدها القتل، فإذا أسلم .. سقط الحد، فلا تعزير، وأما إذا تكررت .. فإنه لم يقابل التكرير بشيء، فقوبل بالتعزير.
الثامنة: إذا كّلف السيد عبده ما لا يطيق .. فإنه يحرم عليه، ولا يعزر أول مرة، وإنَّما يقال له: لا تعد، فإن عاد .. عزر، ذكره الرافعي في آخر الباب الأول من (اللعان) 49.
الجزء: 3 - الصفحة: 257
التاسعة: إذا طلبت المرأة نفقتها بطلوع الفجر .. قال في "النهاية": الذي أراه أن الزوج إن قدر على إجابتها .. فهو حتم، ولا يجوز تأخيره وإن كان لا يحبس ولا يوكل به، ولكن يعصي بمنعه 50.
العاشرة: إذا عرّض أهل البغي بسب الإمام .. لم يعزروا على الأصح من "زيادة الروضة" 51، قال في "البحر": وكان سببه أن التعزير ربما كان مخرجًا لما عندهم ومهيجًا له، فيفتح بسببه باب القتال.
ويرد عليهم أيضًا: أن التعزير قد يكون في غير معصية، وذلك في صور:
إحداها: الصبي والمجنون يعزران إذا فعلا ما يعزر عليه البالغ، وإن لم يكن فعلهما معصية، نص عليه في الصبي، وذكره القاضي حسين في المجنون.
ثانيها ة قال الماوردي في "الأحكام السلطانية": يمنع المحتسب من يكتسب باللهو ويؤدب عليه الآخذ والمعطي 52، وظاهره تناول اللهو المباح.
ثالثها: نفي المخنث نص عليه الشَّافعي، مع أنَّه لا معصية فيه إذا لم يتقصده، وإنما فُعل للمصلحة.
رابعها: قال شيخنا الإمام البلقيني: حبس الحاكم من ثبت عليه الدين ولم يظهر منه تقصير ولم تثبت ملاءته، وادعى الإعسار ولم يثبت ما ادعاه، لا وجه له إلَّا أن يدعي أن هذا طريق في الظاهر بين الناس إلى خلاص الحقوق، فيفعل هذا عملًا بأن الظاهر الملاءة؛ لأن ثبوت الدين بطريق المعاملة ونحوها يدل على الملاءة، أما حبس من ظهرت ملاءته ومطله .. فلمعصيته.
وأورد على "التنبيه" و"المنهاج" اجتماع التعزير والكفارة في مسائل:
الأولى: الجماع في [شهر] 53 رمضان؛ فإنه يجب فيه التعزير مع الكفارة كما حكى البغوي في "شرح السنة" إجماع الأمة عليه 54، وفي "شرح المسند" للرافعي ما يقتضيه، وجزم به ابن يونس في "شرح التعجيز" 55، وقال شيخنا الإمام البلقيني: هذه الدعوى التي ذكرها البغوي غير صحيحة؛ فإنه عليه الصلاة والسلام لم يعزر المجامع في نهار رمضان، ولم يذكر ذلك أحد من
الجزء: 3 - الصفحة: 258
الأئمة القدماء في خصوص المسألة؛ فالصحيح: أنَّه لا يعزر، وجزم به ابن الرفعة في "الكفاية"، وهو المعتمد، ووهم من جعله وهمًا 56.
الثانية: جماع الحائض يعزر فاعله بلا خلاف، كما حكى في "المهمات" التصريح به عن بعض الأصحاب مع القول بوجوب الكفارة، وقد عرفت أن الجديد: عدم الكفارة؛ فالاستثناء إنما هو على القديم.
الثالثة: المظاهر يجب عليه التعزير مع الكفارة، وقال شيخنا الإمام البلقيني: الكفارة تجب بالعود أو الظهار، والعود شرط فيه أو بهما؟ أوجه، فإن قلنا بالعود .. عزر، أو بالظهار .. فالأصح: لا، أو بهما .. فوجهان.
الرابعة: إذا قتل من لا يقاد به؛ كابنه وعبده .. وجب التعزير كما نص عليه في "الأم" مع الكفارة، وأجاب عنه في "المهمات": بأن كفارة القتل ليست للمعصية، بل لإعدام النفس؛ بدليل إيجابها في الخطأ، فيبقى التعمد خاليًا عن زاجر، فأوجبنا فيه التعزير، قال: وهذا يقتضي إيجاب التعزير في محرمات الإحرام إن كانت إتلافًا كالحلق والصيد، دون الاستمتاع كاللبس والطيب؛ ولذلك اتضح ما ذكره الأصحاب من الكفارة والتعزير في اليمين الغموس، فالتعزير للكذب والكفارة لانتهاك الاسم المعظم حيث أكد الكذب به، وبذلك أجاب ابن عبدِ السلام وابن الصلاح، قال: ومثله ذكره ابن عبدِ السلام في "القواعد الصغرى": أنَّه لو زنى بأُمَّه في جوف الكعبة في رمضان وهو صائم معتكف محرم .. لزمه العتق والبدنة، ويحد للزنا، ويعزر لقطع رحمه وانتهاك حرمة الكعبة.
انتهى 57 ولا يرد شيء من هذه الصور على "الحاوي" لأنه لم يعتبر في إيجاب التعزير انتفاء الكفارة، وكذا فعل الشيخ أَبو حامد والماوردي وابن الصباغ والقاضي حسين والبغوي والغزالي، حكاه عنهم شيخنا الإمام البلقيني، ثم قال بعد ذكره نص الشَّافعي على وجوب التعزير على قاتل من لا يقاد به: ظهر بهذا النص أن هذه الزِّيادة، وهو قوله: (ولا كفارة) 58 ليس معتمدة على المذهب.
وأورد عليهم: اجتماع الحد والتعزير في شارب الخمر؛ فإن الحد أربعون، والزِّيادة إلى الثمانين تعزير كما تقدم، وقد صرح "المنهاج" بالمسألة 59، وإنَّما الإيراد على إطلاقه هنا، وقد لا يرد على "الحاوي" لقوله [ص 596]: (ويعزر الإمام لمعصيةٍ غيرها) وذلك لا ينافي التعزير مع شيء قدمه.
الجزء: 3 - الصفحة: 259
واعلم: أن الإمام حكى عن المحققين فيما لو علم أن التأديب لا يحصل إلَّا بالضرب المبرح .. أنَّه ليس له الضرب، لا المبرح؛ لأنه مهلك، ولا غيره؛ لعدم إفادته 60، وعليه مشى "الحاوي" في النشوز، فقال: (ضرب إن نجع) 61 ومقتضى ذلك: استثناؤه من عبارة "التنبيه" و"المنهاج" هنا، لكن قال الرافعي: يشبه أن يضرب ضربا غير مبرح؛ إقامة لصورة الواجب، وإن لم يفد التأديب 62، وأهمل في "الروضة" هذا البحث، وهو بحث حسن، ويقوى بما قاله المحققون: أنَّه لو قتل نحيفًا بضربات تقتل مثله غالبا، وتيقنا أو ظننا ظنا مؤكدأ أن الجاني لا يموت بتلك الضربات .. فلا تراعى المماثلة، بل يقتل بالسيف، حكاه الرافعي عن الإمام 63، وكذا لو لاطَ بصبي فمات وقلنا: يدس في دبره خشبة قريبة من آلته .. فلا يفعل إذا لم يتوقع موته بذلك، بل يقتل بالسيف، حكاه الرافعي عن "التتمة" 64.
5183 - قول "المنهاج" [ص 514]: (بحبس أو ضرب أو صفع أو توبيخ) فيه أمور:
أحدها: أنَّه يقتضي أنَّه ليس له الجمع بينها ولا بين نوعين منها، وليس كذلك؛ ففي "أصل الروضة": أن له الجمع بين الحبس والضرب 65، ولذلك قال "الحاوي" [ص 596]: (حبسا ولومًا وجلدًا).
ثانيها: ظاهر عبارتهما التخيير بين هذه الأمور، وليس كذلك، بل لا يرقى إلى مرتبة وهو يرى ما فى ونها كافيًا، حكاه الإمام عن الأصحاب، وأقره في "الروضة" وأصلها 66، وقد يدل عليه قول "المنهاج" بعده [ص 514]: (ويجتهد الإمام في جنسه وقدره) فإن المراد: الاجتهاد في الأصلح واللائق.
ثالثها: ظاهر كلامهما أنَّه لا يتعين للحبس مدة، وليس كذلك، بل شرطها النقص عن سنة، وقد نص عليه في "الأم" في قتل المؤمن الكافر، فقال: (ولا يبلغ بحبسه سنة) 67، ولم يطلع الإمام على هذا النص، فحكاه في "الغياثي" عن بعض الفقهاء، وقال: إنه فالممد، وليس التغريب حدًا كاملًا، وإنَّما هو جزء من حد، وحكى ابن الرفعة عن الزبيري تقديرها بستة أشهر، وهو محمول على العبد، ومع ذلك: ففي التعبير تساهل؛ فالمعتبر نقصها عن ستة أشهر.
الحديث: 5183 - الجزء: 3 - الصفحة: 260
رابعها: أنهما لم يذكرا التعزير بالنفي، وذكره في "الروضة" في حد الزنا، فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم نفى المخنثين، وهو تعزير 68، وفي قطع الطَّرِيقِ، فقال في "المعين": الأصح: أن الإمام يعزره باجتهاده بالحبس أو التغريب أو سائر وجوه التأديب كسائر المعاصي، وحكى في "الكفاية" عن الماوردي وغيره جواز التعزير بالنفي وفي "اختلاف الحديث" للشافعي: أن من اشترط خلاف ما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن بلغه نهيه عنه .. عاصٍ، وفي المعاصي حدود وآداب، فكان من أدب العاصين: أن يعطل عليهم شروطهم ليتنكلوا عن مثله ويتنكل بها غيرهم، وكان هذا من أيسر الأدب 69.
قال شيخنا الإمام البلقيني: وهذا النوع الذي ذكره الشَّافعي لم أر من تعرض له في التعزير، إلَّا أن يدخل ذلك تحت التوبيخ؛ لأن إبطال شرطه من جملة التوبيخ.
5184 - قول "المنهاج" [ص 514]: (وقيل: إن تعلقت بآدمي .. لم يكف توبيخ) الذي في "الروضة": إذا طلبه الآدمي .. فهل يجب؟ وجهان:
أحدهما: يجب، وهو مقتضى كلام صاحب "المهذب".
والثاني: لا، وهو ما أطلقه أَبو حامد وغيره، ومقتضى كلام البغوي ترجيحه، وقال الإمام: قدر التعزير وما به التعزير إلى رأي الإمام، ولا يكاد يظهر جنايته عنده .. إلَّا وبّخه وأغلظ عليه، فيؤول الخلاف إلى أنَّه هل يجوز الاقتصار على التوبيخ؟ 70
5185 - قول "التنبيه" [ص 248]: (غير أنَّه لا يبلغ به أدنى الحدود) أي: في حقه، فإن كان عبدآ .. نقص عن عشرين، وإن كان حرًا .. نقص عن أربعين كما صرح به "المنهاج" 71، وهو معنى قول "الحاوي" [ص 596، 597]: (ناقصًا عن أدنى حده) وحمل الإصطخري ذلك في "تصنيفه" في أدب القضاء على الضرب بالدرة، قال: فإن ضرب بالسوط .. فأحب ألَّا يزاد على العشرة، وفي "الصحيحين": عن أبي بردة بنُ نيار قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يجلد فوق عشرة أسواط إلَّا في حد من حدود الله" 72، واقتصر التِّرمِذي على تحسينه 73، وقال ابن المنذر: في إسناده مقال، وقال أَبو محمد الأصيلي: اضطرب
الحديث: 5184 - الجزء: 3 - الصفحة: 261
إسناده 74، وقال الماوردي: لم يثبت هذا الحديث عند الشَّافعي من وجه يجب العمل به، فإن صح وثبت .. فقد اختلف أصحابنا في وجوب العمل به على وجهين:
أحدهما - وهو ظاهر قول ابن سريج -: أن العمل به واجب، لا تجوز الزِّيادة في التعزير على عشر جلدات، ويكون هذا مذهب الشَّافعي 75.
وقال صاحب "التقريب": هذا خبر صحيح، لو بلغ الشَّافعي .. لقال به، وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه المختار على أصل الشَّافعي في اتباع الخبر.
5186 - قول "التنبيه" [ص 248]: (وإن رأى ترك التعزير .. جاز ذلك) محله: فيما إذا كان لحق الله أو لحق آدمي ولم يطلبه؛ فإن كان لآدمي وطلبه .. وجبت إقامته، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 597]: (ويهمل لا للعبد بطلبه)، وحكاه في "أصل الروضة" عن مقتضى كلام "المهذب" 76.
قال شيخنا الإمام البلقيني: ويوافقه كلام القاضي أبي الطيب والماوردي والصيدلاني، وهو الصحيح، ثم حكى في "الروضة" عدم الوجوب عن إطلاق الشيخ أبي حامد وغيره، قال: ومقتضى كلام البغوي ترجيحه 77.
5187 - قول "المنهاج" فيما لو عفا مستحق تعزير [ص 514]: (فله في الأصح) أي: فللإمام إقامته، و"الحاوي" [ص 597]: (وإن عُفِيَ) قد يفهم منه أن للإمام إقامته بغير طلب؛ لأنه إذا جاز بعد العفو .. فقبل الطلب أولى، وليس كذلك؛ فالمنقول في "الروضة" وأصلها في (باب اللعان): أنَّه لا يستوفيه إلَّا بعد الطلب 78، والفرق: أنَّه بالعفو يسقط حقه، فيبقى حق الإصلاح للإمام، وقبل الطلب الإصلاح منتظر لم يُؤيَسْ منه، ولو أقيم .. لفات عليه حق الطلب وحصول التشفي.
الحديث: 5186 - الجزء: 3 - الصفحة: 262