بَابُ الرُّخْصَةِ فِي النَّوْمِ فِيهِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن شبة
- الكتاب
- تاريخ المدينة لابن شبة
- المؤلف
- عمر بن شبة (واسمه زيد) بن عبيدة بن ريطة النميري البصري، أبو زيد (المتوفى: 262هـ)حققه: فهيم محمد شلتوتطبع على نفقة: السيد حبيب محمود أحمد - جدةعام النشر: 1399 هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا خَارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ لِي عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «يَا أَسْلَمُ، لَا تُحِبَّنَّ حُبًّا كَلَفًا، وَلَا تُبْغِضَنَّ بُغْضًا تَلَفًا»
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ الْوَلِيدِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَعْقَلُ النَّاسِ أَعْذَرُهُمْ لَهُمْ»
حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «لَا يَكُونَنَّ حُبُّكَ كَلَفًا كَمَا يَكْلُفُ الصَّبِيُّ، فَإِذَا أَبْغَضْتَ أَحْبَبْتَ أَنْ تُتْلِفَ صَاحِبَكَ»
حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الْوَزِيرِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ طَاوُسًا، يَقُولُ: قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ: «أُحَرِّجُ بِاللَّهِ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ سَأَلَ فِيمَا لَمْ يَكُنْ؛ فَإِنَّ اللَّهَ بَيَّنَ فِيمَا هُوَ كَائِنٌ»
حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " النِّسَاءُ ثَلَاثٌ، وَالرِّجَالُ ثَلَاثَةٌ: فَامْرَأَةٌ عَاقِلَةٌ عَفِيفَةٌ مُسْلِمَةٌ هَيِّنَةٌ لَيِّنَةٌ، وَدُودٌ وَلُودٌ، تُعِينُ أَهْلَهَا عَلَى الدَّهْرِ، وَلَا تُعِينُ الدَّهْرَ عَلَى أَهْلِهَا، وَقَلِيلٌ مَا تَجِدُهَا، وَأُخْرَى وِعَاءٌ لِلْوَلَدِ لَا تَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، وَالْأُخْرَى غُلٌّ قَمِلٌ يَجْعَلُهَا اللَّهُ فِي عُنُقِ مَنْ يَشَاءُ، ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْ يَنْزِعَهُ
نَزَعَهُ.
وَالرِّجَالُ ثَلَاثَةٌ: رَجُلٌ عَاقِلٌ عَفِيفٌ بَرٌّ مُسْلِمٌ، يَنْتَظِرُ الْأُمُورَ وَيَأْتَمِرُ فِيهَا أَمْرَهُ إِذَا أُشْكِلَتْ عَلَى عَجَزَةِ الرِّجَالِ وَضَعَفَتِهِمْ، وَرَجُلٌ لَيْسَ عِنْدَهُ رَأْيٌ فَإِذَا نَزَلَ بِهِ أَمْرٌ أَتَى ذَوِي الرَّأْيِ وَالْقُدْرَةِ فَاسْتَشَارَهُمْ، فَإِذَا أَمَرُوهُ بِشَيْءٍ نَزَلَ عِنْدَ رَأْيِهِمْ، وَرَجُلٌ حَائِرٌ بَائِرٌ لَا يَأْتَمِرُ الرُّشْدَ وَلَا يُطِيعُ الْمُرْشِدَ "
حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «مِنْ مُرُوءَةِ الرَّجُلِ نَقَاءُ ثَوْبَيْهِ، وَالْمُرُوءَةُ الظَّاهِرَةُ فِي الثِّيَابِ الطَّاهِرَةِ، وَإِنَّهُ لَيُعْجِبُنِي، أَوْ إِنِّي لَأُحِبُّ، أَنَّ أَرَى الشَّابَّ النَّاسِكَ النَّظِيفَ»
حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ سَعِيدٍ، أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: أَكُونُ بِمَنْزِلٍ وَلَا أَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، أَمْ أُقْبِلُ عَلَى نَفْسِي؟ فَزَعَمَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لَهُ: «إِنْ وَلِيتَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ شَيْئًا فَلَا تَخَفْ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَإِنْ كُنْتَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ خِلْوًا فَأَقْبِلْ عَلَى نَفْسِكَ، وَمُرْ بِالْمَعْرُوفِ، وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ»
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِرَهْطٍ فِيهِمْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: " اتْلُ هَذِهِ الْآيَةَ قَالَ: آيَةُ الْمَوَارِيثِ قَالَ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَتْلُوهَا فَإِذَا فَرَغَ قَالَ لَهُ عُمَرُ: كَذَبْتَ، فَيَسْكُتُ، ثُمَّ يَقُولُ لِآخَرَ: اتْلُهَا، فَإِذَا تَلَاهَا قَالَ لَهُ: كَذَبْتَ، حَتَّى أَتَى عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ لَهُ: اتْلُهَا، فَتَلَاهَا فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَذَبْتَ فَقَالَ أُبَيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَا، بَلْ كَذَبْتَ، فَبَكَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عِنْدَ ذَلِكَ وَقَالَ: «إِنَّمَا نَظَرْتُ هَلْ بَقِيَ أَحَدٌ يُنْكِرُ مُنْكَرًا»
حَدَّثَنَا عَفَّانُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُبَارَكٌ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: اتَّقِ اللَّهَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَوَاللَّهِ مَا الْأَمْرُ كَمَا قُلْتَ قَالَ: فَأَقْبَلُوا عَلَى الرَّجُلِ فَقَالُوا: لَا تَأْلِتْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمَّا رَآهُمْ أَقْبَلُوا عَلَى الرَّجُلِ قَالَ: دَعُوهُمْ، فَلَا خَيْرَ فِيهِمْ إِذَا لَمْ يَقُولُوهَا لَنَا، وَلَا خَيْرَ فِينَا إِذَا لَمْ تُقَلْ لَنَا "
حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عُمَرَ الْمَخْزُومِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا خُلَيْدُ بْنُ دَعْلَجٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: خَرَجَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنَ الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ الْجَارُودُ الْعَبْدِيُّ، فَإِذَا امْرَأَةٌ بَرْزَةٌ عَلَى ظَهْرِ
الطَّرِيقِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَرَدَّتْ عَلَيْهِ السَّلَامَ، أَوْ سَلَّمَتْ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيْهَا السَّلَامَ فَقَالَتْ: هِيهًا يَا عُمَرُ، عَهِدْتُكَ وَأَنْتَ تُسَمَّى عُمَيْرًا فِي سُوقِ عُكَاظَ تُصَارِعُ الصِّبْيَانَ، فَلَمْ تَذْهَبِ الْأَيَّامُ حَتَّى سُمِّيتَ عُمَرَ، ثُمَّ لَمْ تَذْهَبِ الْأَيَّامُ حَتَّى سُمِّيتَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَاتَّقِ اللَّهَ فِي الرَّعِيَّةِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ مَنْ خَافَ الْمَوْتَ خَشِيَ الْفَوْتَ.
فَبَكَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ الْجَارُودُ: هِيهٍ فَقَدِ اجْتَرَأْتِ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَبْكَيْتِهِ فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَمَا تَعْرِفُ هَذِهِ؟ هَذِهِ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ امْرَأَةُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، الَّتِي سَمِعَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَوْلَهَا مِنْ فَوْقِ سَمَاوَاتِهِ، فَعُمَرُ أَحْرَى أَنْ يَسْمَعَ لَهَا "
حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ سَابِطٍ قَالَ: بَلَغَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ بَعْضِ عُمَّالِهِ شَيْءٌ، فَجَمَعَهُمْ فَخَطَبَهُمْ فَقَالَ: " أَيَّتُهَا الرَّعِيَّةُ، إِنَّ لِلرُّعَاةِ عَلَيْكُمْ حَقًّا: الْمُنَاصَحَةُ بِالْغَيْبِ، وَالْمُعَاوَنَةُ عَلَى الْخَيْرِ، أَلَا وَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ حِلْمِ إِمَامٍ عَادِلٍ وَرِفْقِهِ، وَلَا جَهْلَ أَبْغَضُ إِلَى اللَّهِ مِنْ جَهْلِ إِمَامٍ جَائِرٍ وَخَرْقِهِ، وَمَنْ يَأْخُذْ بِالْعَافِيَةِ فِيمَنْ بَيْنَ ظَهْرَيْهِ يُعْطَ الْعَافِيَةَ مِنْ فَوْقِهِ "
حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عُمَرَ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ
بْنِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَطَاءِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّكَ لَمْ تُؤَدِّبْ رَعِيَّتَكَ بِمِثْلِ أَنْ تَبْدَأَهُمْ بِالْغِلْظَةِ وَالشِّدَّةِ عَلَى أَهْلِ الرِّيبَةِ بَعُدُوا أَوْ قَرُبُوا، فَإِنَّ اللِّينَ بَعْدَ الشِّدَّةِ أَمْنَعُ لِلرَّعِيَّةِ، وَأَحْشَدُ لَهَا، وَإِنَّ الصَّفْحَ بَعْدَ الْعُقُوبَةِ أَرْغَبُ لِأَهْلِ الْحَزْمِ "
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مَعْدَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عُمَرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، سَلَامٌ عَلَيْكَ، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْقَضَاءَ فَرِيضَةٌ مُحْكَمَةٌ، وَسُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ، فَافْهَمْ إِذَا أُدْلِيَ إِلَيْكَ، وَأَنْفِذْ إِذَا تَبَيَّنَ لَكَ، فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُ تَكَلُّمٌ بِحَقٍّ لَا نَفَاذَ لَهُ، آسِ بَيْنَ النَّاسِ فِي مَجْلِسِكَ، وَفِي وَجْهِكَ وَعَدْلِكَ، حَتَّى لَا يَطْمَعَ شَرِيفٌ فِي حَيْفِكَ، وَلَا يَيْأَسَ ضَعِيفٌ مِنْ عَدْلِكَ، فَالْبَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ، وَالصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ النَّاسِ إِلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا، وَلَا يَمْنَعْكَ مِنْ قَضَاءٍ قَضَيْتَ بِهِ الْيَوْمَ فَرَاجَعْتَ فِيهِ نَفْسَكَ، وَهَدَيْتَ فِيهِ لِرُشْدِكَ، أَنْ تُرَاجِعَ فِيهِ الْحَقَّ، فَإِنَّ الْحَقَّ قَدِيمٌ، وَلَا يُبْطِلُ الْحَقَّ شَيْءٌ، وَإِنَّ مُرَاجَعَةَ الْحَقِّ خَيْرٌ مِنَ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ، الْفَهْمَ الْفَهْمَ فِيمَا يَتَلَجْلَجُ فِي نَفْسِكَ مِمَّا لَيْسَ فِي قُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ، ثُمَّ اعْرِفِ
الْأَشْبَاهَ وَالْأَمْثَالَ، وَقِسِ الْأُمُورَ عِنْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ اعْمَدْ إِلَى أَحَبِّهَا إِلَى اللَّهِ وَأَشْبَهِهَا بِالْحَقِّ فِيمَا تَرَى، فَاجْعَلْ لِمَنِ ادَّعَى حَقًّا غَائِبًا أَوْ بَيِّنَةً أَمَدًا يَنْتَهِي إِلَيْهِ، فَإِنْ أَحْضَرَ بَيِّنَةً أَخَذَ بِحَقِّهِ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا اسْتَحْلَلْتَ عَلَيْهِ الْقَضِيَّةَ، فَإِنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْعُذْرِ، وَأَجْلَى لِلْعَمَى، الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا مَجْلُودًا فِي حَدٍّ، أَوْ مُجَرَّبًا عَلَيْهِ شَهَادَةُ زُورٍ، أَوْ ظِنِّينًا فِي وَلَاءٍ أَوْ قَرَابَةٍ، فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى تَوَلَّى مِنْكُمُ السَّرَائِرَ وَدَرَأَ عَنْكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْأَيْمَانِ، وَإِيَّاكَ وَالْغَلَقَ وَالْغِلَظَ وَالضَّجَرَ وَالتَّأَذِّيَ بِالنَّاسِ عِنْدَ الْخُصُومِ وَالتَّنَكُّرَ لِلْخُصُومِ فِي مَوَاطِنِ الْحَقِّ، الَّتِي يُوجِبُ اللَّهُ فِيهِ الْأَجْرَ، وَيُحْسِنُ فِيهِ الذُّخْرَ، فَمَنْ خَلَصَتْ نِيَّتُهُ وَلَوْ عَلَى نَفْسِهِ، كَفَاهُ اللَّهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَمَنْ تَزَيَّنَ لِلنَّاسِ بِمَا يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي قَلْبِهِ، شَانَهُ اللَّهُ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنْ عَبْدِهِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا، فَمَا ظَنُّكَ بِثَوَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَاجِلِ رِزْقِهِ، وَخَزَائِنِ رَحْمَتِهِ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ "
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَرْوَانَ الرَّقِّيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ
، عَنْ حَرِيزِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنِ الشَّيْخَةِ قَالَ: " كَلَّمَ رَجُلٌ رَجُلًا فَرَدَّ عَلَيْهِ فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «الْحُسْنُ أَسَرَ الشَّرَّ»
حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي عَوْنٍ الثَّقَفِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى، يَقُولُ: سَافَرَ نَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَرْمَلُوا، فَنَزَلُوا حَيًّا مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَسَأَلُوهُمُ الْقِرَى، فَأَبَوْا، وَسَأَلُوهُمُ الْبُسْرَ، فَأَبَوْا، فَضَبَطُوهُمْ فَأَصَابُوا مِنْهُمْ، فَأَتَتِ الْأَعْرَابُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَأَشْفَقَتِ الْأَنْصَارُ مِنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَهَّمَ بِهِمْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَالَ: تَمْنَعُونَ ابْنَ السَّبِيلِ مَا يَخْلُفُ اللَّهُ فِي ضُرُوعِ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ؟ ابْنُ السَّبِيلِ أَحَقُّ بِالْمَاءِ مِنَ التَّالِي عَلَيْهِ "
مَسْأَلَةُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ نَفْسِهِ وَتَفَقُّدُهُ أُمُورَ رَعِيَّتِهِ
حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عُمَرَ الْمَخْزُومِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ بِشْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لِحُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: نَشَدْتُكَ اللَّهَ، وَبِحَقِّ الْوَلَايَةِ، كَيْفَ تَرَانِي؟ قَالَ: مَا عَلِمْتُ إِلَّا خَيْرًا، فَنَشَدَهُ بِاللَّهِ فَقَالَ: إِنْ أَخَذْتَ فَيْءَ اللَّهِ فَقَسَمْتَهُ فِي ذَاتِ اللَّهِ فَأَنْتَ أَنْتَ، وَإِلَّا فَلَا فَقَالَ: وَاللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ لَيَعْلَمُ مَا آخُذُ إِلَّا حِصَّتِي، وَلَا آكُلُ إِلَّا وَجْبَتِي، وَلَا أَلْبَسُ إِلَّا حُلَّتِي "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، وَثَابِتٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِرْطٍ، عَنْ مَالِكٍ، صَاحِبِ الدَّارِ قَالَ: غَدَوْتُ عَلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمًا فَقَالَ لِي: يَا مَالِكُ، كَيْفَ أَصْبَحَ النَّاسُ؟ قُلْتُ: أَصْبَحَ النَّاسُ بِخَيْرٍ قَالَ: هَلْ سَمِعْتَ مِنَ شَيْءٍ؟ فَقُلْتُ: مَا سَمِعْتُ إِلَّا خَيْرًا قَالَ: ثُمَّ غَدَوْتُ عَلَيْهِ الْيَوْمَ الثَّانِيَ فَسَأَلَنِي، فَأَخْبَرْتُهُ، وَالْيَوْمَ الثَّالِثَ سَأَلَنِي وَأَبْرَمَنِي، فَقُلْتُ: وَمَا تَخْشَى مِنَ النَّاسِ؟ فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّ مَالِكٍ، هَلْ خَشِيتَ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ يُضْرِبُ عَنْ بَعْضِ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ فَيَغْدُونَ عَلَيْهِ بِرَايَاتِهِمْ يَسْأَلُونَ حُقُوقَهُمْ؟ "
حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّقِّيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَاجِبٌ، فَكَانَ يَأْذَنُ لِنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَسْأَلُهُمْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ حَالِهِمْ، فَرَآهُمْ فَتًى شَابٌّ فَظَنَّ أَنَّهُمْ يُصِيبُونَ شَيْئًا، فَلَمْ يَزَلْ بِالْحَاجِبِ حَتَّى أَذِنَ لَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ أَقْبَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَسْأَلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَنْ حَالِ نَفْسِهِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْفَتَى فَقَالَ: مَا رَأَيْتَ مِنِّي؟ قَالَ: رَأَيْتُكَ أَلْقَيْتَ إِزَارَكَ وَفِيهِ مَلْبَسٌ "
حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «إِنَّ قُرَيْشًا يُرِيدُونَ أَنْ يَكُونُوا بَعْدَهُ مُغَوَّيَاتٍ لِمَالِ اللَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ عِبَادِهِ، فَأَمَّا وَأَنَا حَيٌّ فَوَاللَّهِ لَا يَكُونُ ذَاكَ، وَأَلَا وَإِنِّي بِشِعْبٍ مِنَ الْحَرَّةِ مُمْسِكٌ بِحُلُوقِهِمْ، أَنْ يَخْرُجُوا عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ فَيُكَفِّرُوهُمْ»
حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ الْحَسَنِ، أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «إِنِّي وَاللَّهِ لَأَكُونُ كَالسِّرَاجِ يَحْرِقُ نَفْسَهُ وَيُضِيءُ لِلنَّاسِ»
حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: كَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقْسِمُ حُلَلًا وَرَجُلٌ جَالِسٌ يُقَدِّمُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَفِيهَا حُلَّةٌ قَدْ رَآهَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كُلَّمَا ذَكَرَ رَجُلًا يُؤَخِّرُهَا وَيُقَدِّمُ غَيْرَهَا، حَتَّى ذَكَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَقَدَّمَهَا، فَأَخَذَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِيَدِهِ وَقَالَ: كَذَبْتَ وَاللَّهِ فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، تَقُولُ: أَعْطِهَا رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَا أَعْلَمُ بِهِ مِنْكَ، إِنَّمَا هَاجَرَ
بِهِ أَهْلُهُ، وَلَكِنْ سَأُعْطِيهَا مُهَاجِرًا ابْنَ مُهَاجِرٍ، فَأَعْطَاهَا سَلِيطَ بْنَ سَلِيطٍ أَوْ سَعِيدَ بْنَ عَفَّانَ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَاطِبِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَشْيَاخٌ مِنْ قُرَيْشٍ، أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَرَادَ قِسْمَةَ أَثْوَابٍ لِلْمُحَمَّدِينَ: مُحَمَّدِ بْنِ حَاطِبٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: فَأَرَادَ بَعْضُ النَّاسِ يَتَخَيَّرُ لِبَعْضِهِمْ فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَا، «لَيْسَ الْخِدَاعُ مُرْتَضًى فِي التَّنَادُمِ» ، فَدَعَا بِثَوْبٍ فَخَمَّرَ بِهِ الثِّيَابَ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَجَعَلَ يُخْرِجُ فَيُعْطِي الْكَبِيرَ، فَزَعَمَ عُثْمَانُ أَنَّهُ دَعَا بِمُحَمَّدِ بْنِ حَاطِبٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَكْبَرَهُمْ، ثُمَّ أَعْطَى مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ثُمَّ أَعْطَى مُحَمَّدَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَبَلَغَنِي، وَلَيْسَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
كَانَ يُرِيغُ أَنْ يَجْعَلَ أَجْوَدَ الْأَثْوَابِ لِمُحَمَّدِ بْنِ حَاطِبٍ، وَكَانَتْ خَالَتُهُ تَحْتَ زَيْدٍ، فَأَنْكَرَ لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلَمَّا يَصْنَعُ أَوْ تَمَثَّلَ بِشِعْرِ عُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ:
[البحر الطويل]
أَسَرَّكَ لَمَّا صَرَّعَ الْقَوْمُ نَشْوَةً ... أَنِ أَخْرُجْ مِنْهَا سَالِمًا غَيْرَ غَانِمِ
خَلِيًّا كَأَنِّي لَمْ أَكُنْ كُنْتُ فِيهِمْ ... وَلَيْسَ الْخِدَاعُ مُرْتَضًى فِي التَّنَادُمِ
ثُمَّ أَلْقَى عَلَى الْأَثْوَابِ ثَوْبًا وَقَالَ لِلْفِتْيَةِ: لِيُدْخِلْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ يَدَهُ، فَيَأْخُذْ ثَوْبًا، فَفَعَلُوا، فَوَقَعَ الثَّوْبُ لِمُحَمَّدِ بْنِ حَاطِبٍ.
وَبَقِيَّةُ الْأَبْيَاتِ:
وَلَسْنَا بِشَرْبٍ أُمَّ عَمْرٍو إِذَا انْتَشَوْا ... ثِيَابَ النَّدَامَى بَيْنَهُمْ كَالْغَنَائِمِ
وَلَكِنَّنَا يَا أُمَّ عَمْرٍو نَدِيمُنَا ... بِمَنْزِلَةِ الدَّيَّانِ لَيْسَ بِغَارِمِ "
حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ، يُحَدِّثُ، عَنْ أَفْلَحَ مَوْلَى أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: كَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَأْمُرُ بِحُلَلٍ تُنْسَجُ لِأَهْلِ بَدْرٍ يُتَنَوَّقُ فِيهَا، فَبَعَثَ إِلَى مُعَاذِ
ابْنِ عَفْرَاءَ الْحُلَّةَ فَقَالَ لِي مُعَاذٌ: يَا أَفْلَحُ، بِعْ لِي هَذِهِ الْحُلَّةَ، فَبِعْتُهَا لَهُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، ثُمَّ قَالَ: " اذْهَبْ فَابْتَعْ لِي رِقَابًا، فَاشْتَرَيْتُ لَهُ خَمْسَ رِقَابٍ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ امْرَأً اخْتَارَ قِشْرَتَيْنِ يَلْبَسُهُمَا عَلَى خَمْسِ رِقَابٍ يُعْتِقُهَا لَغَبِينُ الرَّأْيِ، اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ أَحْرَارٌ، فَبَلَغَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَلْبَسُ مَا يَبْعَثُ بِهِ إِلَيْهِ، فَاتَّخَذَ لَهُ حُلَّةً غَلِيظَةً أَنْفَقَ عَلَيْهَا مِائَةَ دِرْهَمٍ، فَلَمَّا أَتَاهُ بِهَا الرَّسُولُ قَالَ: مَا أَرَاكَ بَعَثَكَ إِلَيَّ؟ قَالَ: بَلْ وَاللَّهِ إِلَيْكَ بَعَثَنِي، فَأَخَذَ الْحُلَّةَ فَأَتَى بِهَا عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، بَعَثْتَ إِلَيَّ بِهَذِهِ الْحُلَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنَّا كُنَّا نَبْعَثُ إِلَيْكَ حُلَّةً مِمَّا يُتَّخَذُ لَكَ وَلِإِخْوَانِكَ، فَبَلَغَنِي أَنَّكَ لَا تَلْبَسُهَا فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي وَإِنْ كُنْتُ لَا أَلْبَسُهَا فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَأْتِيَنِي مِنْ صَالِحِ مَا عِنْدَكَ، فَأَعَادَ لَهُ حُلَّتَهُ "
حَبْسُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْحُطَيْئَةَ فِي هِجَائِهِ الزِّبْرِقَانِ بْنِ بَدْرٍ
حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَبُّوَيْهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ: " أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَبَسَ الْحُطَيْئَةَ فَقَالَ: [البحر البسيط] مَاذَا تَقُولُ لِأَفْرَاخٍ بِذِي مَرَخٍ ... حُمْرِ الْحَوَاصِلِ لَا مَاءٌ وَلَا شَجَرُ أَلْقَيْتَ كَاسِبَهُمْ فِي قَعْرِ مُظْلِمَةٍ ... فَاغْفِرْ هَدَاكَ مَلِيكُ النَّاسِ يَا عُمَرُ أَنْتَ الْإِمَامُ الَّذِي مِنْ بَعْدِ صَاحِبِهِ ... أَلْقَى إِلَيْكَ مَقَالِيدَ النُّهَى الْبَشَرُ لَمْ يُؤْثِرُوكَ بِهَا إِذْ قَدَّمُوكَ لَهَا ... لَكِنْ لِأَنْفُسِهِمْ كَانَتْ بِكَ الْأَثَرُ "
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطَّائِيِّ، عَنِ ابْنِ عَيَّاشٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: " شَهِدْتُ زِيَادًا أَتَاهُ عَامِرُ بْنُ مَسْعُودٍ بِأَبِي عُلَاثَةَ التَّيْمِيِّ فَقَالَ: إِنَّهُ هَجَانِي، فَقَالَ: وَمَا قَالَ لَكَ؟ قَالَ: قَالَ لِي: [البحر الطويل] وَكَيْفَ أُرَجِّي ثَرْوَهَا وَنَمَاءَهَا ... وَقَدْ سَارَ فِيهَا خُصْيَةُ الْكَلْبِ عَامِرُ فَقَالَ أَبُو عُلَاثَةَ: لَيْسَ هَكَذَا قُلْتُ، قَالَ: فَكَيْفَ قُلْتَ؟ قَالَ: قُلْتُ: وَإِنِّي لَأَرْجُو ثَرْوَهَا وَنَمَاءَهَا ... وَقَدْ سَارَ فِيهَا نَاجِذُ الْحَقِّ عَامِرُ
فَقَالَ زِيَادٌ: قَاتَلَ اللَّهُ الشَّاعِرَ يَنْقُلُ لِسَانَهُ كَيْفَ يَشَاءُ، وَاللَّهِ لَوْلَا أَنْ تَكُونَ سُنَّةً لَقَطَعْتُ لِسَانَهُ، فَقَامَ قَيْسُ بْنُ فَهْدٍ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، وَاللَّهِ لَا أَدْرِي مِمَّنِ الرَّجُلُ، فَإِنْ شِئْتَ حَدَّثْتُكَ مَا سَمِعْتُ عَنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: وَكَانَ يُعْجِبُ زِيَادًا أَنْ يَسْمَعَ الْحَدِيثَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: هَاتِ، فَقَالَ: شَهِدْتُهُ وَقَدْ أَتَاهُ الزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ بِالْحُطَيْئَةِ فَقَالَ: إِنَّهُ هَجَانِي، فَقَالَ: «وَمَا قَالَ لَكَ؟» فَقَالَ: قَالَ:
[البحر البسيط]
دَعِ الْمَكَارِمَ لَا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِهَا ... وَاقْعُدْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الطَّاعِمُ الْكَاسِي
فَقَالَ: «مَا أَسْمَعُ هِجَاءً، وَلَكِنَّهَا مُعَاتَبَةٌ جَمِيلَةٌ» ، فَقَالَ الزِّبْرِقَانُ: وَمَا تَبْلُغُ مُرُوءَتِي إِلَّا أَنْ آكُلَ وَأَلْبَسَ وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا هُجِيتُ بِبَيْتٍ قَطُّ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْهُ، سَلِ ابْنَ الْفُرَيْعَةِ يَعْنِي حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " عَلَيَّ بِحَسَّانَ، فَجِيءَ بِهِ فَسَأَلَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: لَمْ يَهْجُهُ وَلَكِنْ سَلَحَ عَلَيْهِ " وَيُقَالُ وَلَيْسَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: إِنَّهُ سَأَلَ لَبِيدَ بْنَ رَبِيعَةَ: «أَهَجَاهُ أَمْ لَا؟» فَقَالَ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّهُ لَحِقَنِي مَا لَحِقَهُ مِنْ هَذَا الشِّعْرِ، وَأَنَّ لِي حُمْرَ النَّعَمِ.
رَجْعٌ إِلَى الْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ، قَالَ: فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَجُعِلَ
فِي نَقِيرٍ فِي بِئْرٍ، ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِ حَفْصَةً، فَقَالَ الْحُطَيْئَةُ: مَاذَا تَقُولُ لِأَفْرَاخٍ بِذِي مَرَخٍ ... حُمْرِ الْحَوَاصِلِ لَا مَاءٌ وَلَا شَجَرُ أَلْقَيْتَ كَاسِبَهُمْ فِي قَعْرِ مُظْلِمَةٍ ... فَاغْفِرْ عَلَيْكَ سَلَامُ اللَّهِ يَا عُمَرُ قَالَ: فَأَخْرَجَهُ، وَقَالَ: «إِيَّاكَ وَهِجَاءَ النَّاسِ» قَالَ: إِذَنْ تَمُوتَ عِيَالِي جُوعًا، هَذَا كَسْبِي وَمِنْهُ مَعَاشِي، قَالَ: «فَإِيَّاكَ وَالْمُقْذِعَ مِنَ الْقَوْلِ» ، قَالَ: وَمَا الْمُقْذِعُ؟ قَالَ: " أَنْ تُخَايِرَ بَيْنَ النَّاسِ، فَتَقُولَ: فُلَانٌ خَيْرٌ مِنْ فُلَانٍ وَآلُ فُلَانٍ خَيْرٌ مِنْ آلِ فُلَانٍ "، قَالَ: أَنْتَ وَاللَّهِ أَهْجَى مِنِّي، قَالَ: وَيُقَالُ إِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «وَاللَّهِ لَوْلَا أَنْ تَكُونَ سُنَّةً لَقَطَعْتُ لِسَانَكَ، وَلَكِنِ اذْهَبْ فَأَنْتَ لَهُ، خُذْهُ يَا زِبْرِقَانُ» ، فَأَلْقَى الزِّبْرِقَانُ فِي عُنُقِهِ عِمَامَتَهُ فَاقْتَادَهُ بِهَا، وَعَارَضَتْهُ غَطَفَانُ، فَقَالُوا: أَبَا شَذْرَةَ إِخْوَتُكَ وَبَنُو عَمِّكَ هَبْهُ لَنَا فَوَهَبَهُ لَهُمْ
وَبَلَغَنِي: أَنَّ ابْنَ الْحَمَامَةِ: هُوَ هَوْذَةُ رَجُلٌ مِنْ سُلَيْمٍ، كَانَ فِي الْعَطَاءِ أَيَّامَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَحَضَرَ لِيَأْخُذَ عَطَاءَهُ فَدُعِيَ رِجَالٌ مِنْ قَوْمِهِ قَبْلَهُ فَقَالَ: [البحر الطويل]
لَقَدْ دَارَ هَذَا الْأَمْرُ فِي غَيْرِ أَهْلِهِ ... فَأَبْصِرْ إِمَامَ الْحَيِّ كَيْفَ تُرِيدُ أَيُدْعَى خُثَيْمٌ وَالشَّرِيدُ أَمَامَنَا ... وَيُدْعَى رَبَاحٌ قَبْلَنَا وَطُرُودُ فَإِنْ كَانَ هَذَا فِي الْكِتَابِ فَهُمْ إِذًا ... مُلُوكُ بَنِي حُرٍّ وَنَحْنُ عَبِيدُ فَبَلَغَ شِعْرُهُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَدَعَاهُ فَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا فَأَعَانَهُ عَلَى دَيْنِهِ مِنْ مَالِهِ، فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذَاكَرَ أَبَاهُ دَعَاهُ بِهِ عَلَى غَيْرِ اسْمِهِ فَقَالَ: «يَا بُنَيَّ اتَّقِ أَلْسُنَ الشُّعَرَاءِ» ، وَكَانَ ابْنُ الْحَمَامَةِ هَذَا وَقَفَ عَلَى الْحُطَيْئَةِ وَهُمَا لَا يَتَعَارَفَانِ، وَالْحُطَيْئَةُ فِي خِبَاءٍ لَهُ وَهُوَ يَأْكُلُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ الْحُطَيْئَةُ: قُلْتَ مَا لَا يُنْكَرُ، قَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ قَدْ أَحْرَقَتْنِي، فَقَالَ: ادْنُ مِنَ الْجَبَلِ يَفِئْ عَلَيْكَ، قَالَ: إِنَّ الرَّمْضَاءَ قَدْ أَحْرَقَتْ قَدَمَيَّ، قَالَ: بُلْ فِي مَوْضِعِهِمَا تَبْرُدَانِ، قَالَ: إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُطْعِمَنِي مِنْ طَعَامِكَ، قَالَ: إِنْ فَضَلَ شَيْءٌ كُنْتَ أَحَقَّ بِهِ مِنَ الْكَلْبِ، قَالَ: أَتَعْرِفُنِي؟ قَالَ: لَا، قَالَ: أَنَا ابْنُ الْحَمَامَةِ، قَالَ: كُنِ ابْنَ أَيِّ طَيْرِ اللَّهِ شِئْتَ "