بَابُ الرُّخْصَةِ فِي النَّوْمِ فِيهِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن شبة
- الكتاب
- تاريخ المدينة لابن شبة
- المؤلف
- عمر بن شبة (واسمه زيد) بن عبيدة بن ريطة النميري البصري، أبو زيد (المتوفى: 262هـ)حققه: فهيم محمد شلتوتطبع على نفقة: السيد حبيب محمود أحمد - جدةعام النشر: 1399 هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَاصِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، " أَنَّهُ قَدِمَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَفْدِ بَنِي قَوْمِهِ ثَقِيفٍ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ كَانَ فِيمَا ذَكَرُوا أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ، فَقَضَى حَوَائِجَهُمْ وَقَالَ لَهُمْ: «هَلْ قَدِمَ مَعَكُمْ أَحَدٌ غَيْرُكُمْ؟» قَالُوا: نَعَمْ، مَعَنَا فَتًى مِنَّا خَلَّفْنَاهُ فِي رِحَالِنَا قَالَ: «فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ» ، وَقَالَ: فَلَمَّا دَخَلْتُ عَلَيْهِ، وَهُمْ عِنْدَهُ، اسْتَقْبَلَنِي فَقَالَ: «إِنَّ الْيَدَ الْمُنْطِيَةَ هِيَ الْعُلْيَا، وَإِنَّ السَّائِلَةَ هِيَ السُّفْلَى، فَمَا اسْتَغْنَيْتَ فَلَا تَسْأَلْ، وَإِنَّ مَالَ اللَّهِ مَسْئُولٌ وَمُنْطَى»
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ قُسْطٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جَابِرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَطِيَّةَ السَّعْدِيِّ قَالَ: " وَفَدْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفَرٍ مِنْ بَنِي سَعْدٍ، وَكُنْتُ أَصْغَرَهُمْ، فَخَلَّفُونِي فِي رِحَالِهِمْ، وَأَتَوَا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَضَوْا حَوَائِجَهُمْ فَقَالَ: «هَلْ بَقِيَ مِنْ أَحَدٍ؟» قَالُوا: نَعَمْ، غُلَامٌ خَلَّفْنَاهُ فِي رِحَالِنَا، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَدْعُونِي، فَقَالُوا
: أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَيْتُهُ فَقَالَ: «مَا أَنْطَاكَ اللَّهُ، فَلَا تَسْأَلِ النَّاسَ شَيْئًا؛ فَإِنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا هِيَ الْيَدُ الْمُنْطِيَةُ، وَإِنَّ الْيَدَ السُّفْلَى الْمُنْطَاةُ، وَإِنَّ مَالَ اللَّهِ لَمَسْئُولٌ وَمُنْطَى» قَالَ: فَكَلَّمَنِي بِلُغَتِنَا "
حَدَّثَنَا ضِرَارُ بْنُ صُرَدَ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الزُّبَيْرِيُّ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ رَجَاءٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْمُهَاجِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَطِيَّةَ بْنِ عُرْوَةَ السَّعْدِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَسْأَلِ النَّاسَ شَيْئًا، وَمَالُ اللَّهِ مَسْئُولٌ وَمُنْطَى» قَالَ: فَكَلَّمَنِي بِلُغَةِ قَوْمِي، وَهُمْ بَنُو سَعْدٍ "
حُدِّثْنَا عَنِ أَبِي مُصْعَبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ حَبِيبٍ
، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، أَنَّ وَفْدَ ثَقِيفٍ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ وَفَّرُوا أَشْعَارَهُمْ وَشَوَارِبَهُمْ وَأَظْفَارَهُمْ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُقِيمُوا وَأَنْ يَتَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ، فَأَقَامُوا قَرِيبًا مِنْ سَنَةٍ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْرَضَهُمْ، فَفَضَلَهُمْ أَحَدُهُمْ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ وَسُورَةٍ مَعَهَا، فَأَمَّرَهُ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: «إِنَّكَ لَأَحْدَثُهُمْ، وَلَكِنِّي أَمَّرْتُكَ عَلَيْهِمْ لِمَا فَضَلْتَهُمْ مِنَ الْقُرْآنِ، فَإِذَا صَلَّيْتَ فَصَلِّ بِصَلَاةِ أَصْغَرِهِمْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالْمَمْلُوكَ وَذَا الْحَاجَةِ، وَإِذَا خَرَجْتَ سَاعِيًا فَلَا تَأْخُذَنَّ مِنَ الْغَنَمِ الشَّافِعَ، وَلَا الرُّبَّى، وَلَا حَرَزَةَ الرَّجُلِ؛ فَإِنَّهُ أَحَقُّ بِهَا، وَخَيْرٌ مِنْهُمُ الْجَزَعَةُ وَالثَّنِيَّةُ، فَإِنَّهَا وَسَطٌ مِنَ الْغَنَمِ»
حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ، يُخْبِرُ عَاصِمٌ، عَنْ أبيه
، وَافِدِ بَنِي الْمُنْتَفِقِ قَالَ: أَتَيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَصَاحِبٌ لِي، فَلَمْ نَجِدْهُ، فَأَتَتْنَا عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِعَصِيدَةٍ فَأَكَلْنَا، فَبَيْنَا ذَاكَ إِذْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَكَفَّى فَقَالَ: «هَلْ طَعِمْتُمْ شَيْئًا؟» فَقُلْنَا: نَعَمْ، أَتَتْنَا عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِعَصِيدَةٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الصَّلَاةُ؟ فَقَالَ: «إِذَا تَوَضَّأْتَ فَأَسْبِغْ وُضُوءَ الْأَصَابِعِ، فَإِذَا اسْتَنْشَقْتَ فَأَبْلِغْ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» فَقَالَ صَاحِبِي: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِيَ امْرَأَةً، فَذَكَرَ مِنْ بَذَائِهَا وَطُولِ لِسَانِهَا فَقَالَ: «طَلِّقْهَا» فَقَالَ: إِنَّهَا ذَاتُ صُحْبَةٍ وَوَلَدٍ قَالَ: «مُرْهَا، أَوْ قُلْ لَهَا، فَإِنْ يَكُ فِيهَا خَيْرٌ فَسَتَقْبَلُ، وَلَا تَضْرِبَنَّ ظَعِينَتَكَ ضَرْبَكَ أَمَتَكَ» قَالَ: فَبَيْنَا ذَاكَ إِذْ دَفَعَ الرَّاعِي الْغَنَمَ فِي الْمُرَاحِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ وَلَدَتْ شَيْئًا؟» قَالَ: نَعَمْ قَالَ: «مَاذَا؟» قَالَ: سَخْلَةً قَالَ: «فَاذْبَحْ لَنَا شَاةً» ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: «لَا تَحْسَبَنَّ، وَلَمْ يَقُلْ لَا تَحْسَبُنَّ، أَنَّا إِنَّمَا ذَبَحْنَاهَا مِنْ أَجَلِكَ، لَنَا غَنَمٌ مِائَةٌ لَا نُرِيدُ أَنْ تَزِيدَ، فَإِذَا وُلِدَ لِلرَّاعِي سَخْلَةٌ أَمَرْنَاهُ أَنْ يَذْبَحَ شَاةً» حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، بِنَحْوِهِ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: أَتَتْنَا عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِعَصِيدَةٍ وَتَمْرٍ
حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّقِّيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ الْأَشْدَقِ بْنِ جَرَادِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ فَرَجِ بْنِ خَفَاجَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَقِيلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَرَادِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي الْفَرَجِ بْنِ خَفَاجَةَ الْوَافِدُ الْمَيْمُونُ الَّذِي دَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هُوَ عَامِرٌ، وَعَمَّا فَعَلَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ، دَعَاهُ الرَّسُولُ لِيُسْلِمَ فَغَلَبَهُ، فَلَمَّا غَلَبَهُ قَالَ: «فَأَنَا أُعْطِيكَ وَادِيَ الْقُرَى خَرَاجَهُ» ، فَأَبَى قَالَ: «مَا نُعْطِيكَ إِلَّا الْأَعِنَّةَ فَتَكُونُ بِيَدِكَ» قَالَ: لَا قَالَ: «فَمَا تُرِيدُ؟» قَالَ: أَرُونِي إِسْلَامَكُمْ حَتَّى أَنْظُرَ مَا هُوَ؟ فَقَامُوا فَصَلَّوْا فَقَالَ: هَذَا الَّذِي تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ؟ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَا نَظَرْتُ إِلَى عَامِرِيَّةٍ مُحَبَّبَةٍ أَبَدًا أَبَدًا، وَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ وَخَرَجَ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَأَمْلَأَنَّهَا عَلَيْكَ خَيْلًا شُقْرًا، وَرِجَالًا حُمُرًا فَقَالَ: «كَذَبْتَ» ، ثُمَّ قَالَ: «تَطَهَّرُوا، فَإِذَا دَعَوْتُ فَأَمِّنُوا» ، فَزَعَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَرَادٍ أَنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: «اللَّهُمَّ اشْغَلْ عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ وَأَرِيَنَّهُ الْحُتُوفَ» ، فَأَمَّنَ الْقَوْمُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ سَيَأْتِيكُمُ الرَّاكِبُ الْمَيْمُونُ الَّذِي تُحِبُّونَ» ، وَأَشَارَ مِنْ قِبَلِ أَرْضِ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَبِرَةَ بْنِ أُنَيْسِ بْنِ لَقِيطِ بْنِ عَامِرِ بْنِ الْمُنْتَفِقِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَقِيلٍ، فَأَتَاهُ، فَأَعْجَبَهُ وَقَالَ: «مَا فَعَلَ قَوْمُكَ؟» قَالَ: قَوْمِي عَلَى مَا يُحِبُّ رَسُولُ اللَّهِ، وَقَدْ أَتَيْتُكَ بِطَوَاعِيَتِهِمْ إِيَّاكَ وَحِرْصِهِمْ عَلَيْكَ فَقَالَ: «أَعْجَلُ قَوْمِكَ» ، وَمَسَحَ نَاصِيَتَهُ وَصَافَحَهُ وَقَالَ: «هَذَا الْوَافِدُ الْمَيْمُونُ» ، فَلَمَّا جَاءُوهُ قَالَ: «أَبَى اللَّهُ لِبَنِي عَامِرٍ إِلَّا خَيْرًا» ، فَدَفَعَ يَزِيدُ بْنُ مَالِكِ بْنِ خَفَاجَةَ إِلَى الضَّحَّاكِ بْنِ سُفْيَانَ الْبَكْرِيِّ الَّذِي جَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِدًا عَلَى سُلَيْمٍ وَعَامِرٍ، وَدَفَعَ إِلَيْهِ ذَاتَ الْأَذَنَةِ وَدِرْعَهُ وَحِصَانَهُ وَسَيْفَهُ، وَهُوَ سَلَبُ حَارِثَةَ الْكِنْدِيِّ.
وَقَالَ مُزَاحِمُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عِقَالٍ الْخُوَيْلِدِيُّ:
[البحر الطويل]
أَحَارِثَةُ الْكِنْدِيُّ ذَا التَّاجُ إِنَّنَا ... مَتَى مَا نُوَاقِعُ حَارَّةَ الْقَوْمِ نَقْتُلِ
وَنُنْعِمْ وَلَا يُنْعَمْ عَلَيْنَا وَإِنْ نَعِشْ ... بَدَأْنَا وَأَبَدًا مَنْ يُظَالِمُ يَفْصِلِ
وَنَغْصِبْ وَلَا نُغْصَبْ وَتَأْسِرْ رِمَاحُنَا ... كِرَامَ الْأُسَارَى بَيْنَ نَعَمٍ وَمِحْوَلِ
وَقَالَ حَارِثَةُ:
[البحر الطويل]
يُرِيكَ شَرَاهَا يَا طُفَيْلُ بْنَ مَالِكٍ ... دِلَاصُ الْحَدِيدِ عَنْ أَشَمِّ طَوِيلِ
وَهُمْ سَلَبُوا ذَاتَ الْأَذَنَةِ عَنْوَةً ... وَهُمْ تَرَكُوا بِالشِّعْبِ أَلْفَ قَتِيلِ
حَدَّثَنَا عَفَّانُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: " جَاءَ عَامِرٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
، فَسَأَلَهُ الْخِلَافَةَ مِنْ بَعْدِهِ، وَسَأَلَهُ الْمِرْبَاعَ وَسَأَلَهُ أَشْيَاءَ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: زَحْزِحْ قَدَمَيْكَ لَا تَنْزِعُكَ الرَّمَّاحُ نَزْعًا عَنِيفًا، وَاللَّهِ لَوْ سَأَلْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبِيبَةً مِنْ سَبِيبَاتِ الْمَدِينَةِ مَا أَعْطَاكَ، فَوَلَّى عَامِرٌ غَضْبَانَ وَقَالَ: لَأَمْلَأَنَّهَا عَلَيْكَ خَيْلًا وَرِجَالًا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ، إِنَّ لَمْ تَهْدِ عَامِرًا فَاكْفِنِيهِ» ، فَأَخَذَتْهُ غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْبِكْرِ، فَجَعَلَ يُنَادِي يَا آلَ عَامِرٍ: غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْبِكْرِ حَتَّى قَتَلَتْ عَدُوَّ اللَّهِ "
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ لَيْثَ بْنَ سَعْدٍ، يُحَدِّثُ، " أَنَّ أَرْبَدَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَعَامِرَ
بْنَ الطُّفَيْلِ، أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: أَنَا أَشْغَلُهُ بِالْكَلَامِ حَتَّى تَقْتُلَهُ، فَوَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُهُ، فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهِ انْصَرَفَ قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: لَقَدْ رَأَيْتُ عِنْدَهُ شَيْئًا، إِنَّ رِجْلَيْهِ لَفِي الْأَرْضِ، وَإِنَّ رَأْسَهُ لَفِي السَّمَاءِ، لَوْ دَنَوْتُ مِنْهُ لَأَهْلَكَنِي.
فَأَمَّا أَرْبَدُ فَأَصَابَتْهُ صَاعِقَةٌ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: 11] ، وَأَمَّا عَامِرٌ فَإِنَّهُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِ» ، فَأَخَذَتْهُ غُدَّةٌ فَقَتَلَتْهُ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ نَمِرٍ، عَنِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اللَّهُمَّ اهْدِ بَنِي عَامِرٍ، وَأَرِحِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ»
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: " جَعَلَ عَامِرٌ يَقُولُ: «غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْبَعِيرِ فِي بَيْتِ سَلُولِيَّةٍ» حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ، مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَقَدْ بَلَغَ عَامِرٌ مَا لَا يَضُرُّهُ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ آلِ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ أَوْ زُرَارَةَ، وَلَوْ عَلِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْتَيْنِ فِي الْعَرَبِ أَشْرَفَ مِنْهُمَا لَذَكَرَهُ»
حَدَّثَنَا عَفَّانُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، " أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فِي رَهْطٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ قَالَ: فَأَتَيْنَاهُ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ ثُمَّ قُلْنَا: أَنْتَ وَلَدُنَا، وَأَنْتَ سَيِّدُنَا، وَأَنْتَ أَطْوَلُنَا طَوْلًا، وَأَنْتَ الْجَفْنَةُ الْغَرَّاءُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، قُولُوا بِقَوْلِكُمْ، وَلَا تَسْتَسْخِرْكُمُ الشَّيَاطِينُ» قَالَ: وَرُبَّمَا قَالَ غَيْلَانُ: «لَا تَسْتَهْزِئْكُمُ الشَّيَاطِينُ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ نُوَيْفِعٍ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَعَثَتْ بَنُو سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ ضِمَامَ بْنَ ثَعْلَبَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنَاخَ بَعِيرَهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ فِي أَصْحَابِهِ، وَكَانَ ضِمَامٌ رَجُلًا جَلْدًا أَشْعَرَ ذَا غَدِيرَتَيْنِ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَيُّكُمُ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ» فَقَالَ: مُحَمَّدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِنِّي سَائِلُكَ وَمُغَلِّظٌ فِي الْمَسْأَلَةِ؛ فَلَا تَجِدَنَّ فِي نَفْسِكَ قَالَ: «لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي، فَسَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ» قَالَ: فَإِنِّي أَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلَهَكَ وَإِلَهَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ وَإِلَهَ
مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكَ: اللَّهُ بَعَثَكَ إِلَيْنَا رَسُولًا؟ قَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ» قَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلَهَكَ وَإِلَهَ مَنْ قَبْلُ وَإِلَهَ مَنْ بَعْدِكَ: اللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نَعْبُدَهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؟ وَأَنْ نَخْلَعَ هَذِهِ الْأَنْدَادَ الَّتِي كَانَتْ تَعْبُدُ آبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ؟ قَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ» قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِإِلَهِكَ وَإِلَهِ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ وَإِلَهِ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكَ: اللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ؟ قَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ» قَالَ: ثُمَّ جَعَلَ يَذْكُرُ فَرَائِضَ الْإِسْلَامِ فَرِيضَةً فَرِيضَةً: الزَّكَاةَ وَالْحَجَّ وَالصِّيَامَ وَشَرَائِعَ الْإِسْلَامِ كُلَّهَا، يُنَاشِدُهُ عِنْدَ كُلِّ فَرِيضَةٍ كَمَا نَاشَدَهُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، حَتَّى إِذَا فَرَغَ قَالَ: فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَسَأُؤَدِّي هَذِهِ الْفَرَائِضَ، وَأَجْتَنِبُ مَا نَهَيْتَنِي عَنْهُ، ثُمَّ لَا أَزِيدُ وَلَا أَنْقُصُ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى بَعِيرِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ يَصْدُقْ ذُو الْعَقِيصَتَيْنِ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ» قَالَ: فَأَتَى إِلَى بَعِيرِهِ فَأَطْلَقَ عِقَالَهُ حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: بِئْسَتِ اللَّاتُ وَالْعُزَّى، قَالُوا: يَا ضِمَامُ، اتَّقِ الْبَرَصَ وَالْجُنُونَ وَاتَّقِ الْجُذَامَ قَالَ: وَيْلَكُمْ، إِنَّهُمَا وَاللَّهِ مَا يَضُرَّانِ وَلَا يَنْفَعَانِ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ رَسُولًا وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا، فَاسْتَنْقَذَكُمْ مِمَّا كُنْتُمْ فِيهِ، وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَقَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِهِ بِمَا
أَمَرَكُمْ بِهِ وَنَهَاكُمْ عَنْهُ، فَوَاللَّهِ مَا أَمْسَى مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَفِي حَاضِرِهِ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ إِلَّا مُسْلِمًا.
قَالَ: يَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: فَمَا سَمِعْنَا بِوَافِدِ قَوْمٍ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ "
حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ: " قَدِمَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتَعْمِلْهُ عَلَى قَوْمِهِ، وَقَالَ عُمَرُ: لَا تَسْتَعْمِلْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَتَكَلَّمَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا أَرَدْتَ إِلَّا خِلَافِي؟ قَالَ: مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ، فَنَزَلَتْ ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: 2] الْآيَةَ قَالَ: فَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا كَلَّمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلَّمَهُ فِي مَسْمَعِهِ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ مِمَّا يَخْفِضُ صَوْتَهُ قَالَ: مَا ذُكِرَ حِينَهُ «حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ،» أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَفْدٍ مِنْ بَنِي سَعْدٍ، " فَاسْتَمْلَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه
وسلم فَأَعْطَاهُ يَوْمَئِذٍ أَشْيَاءَ، فَلَمَّا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
قَالَ فَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسِدْرٍ وَمَاءٍ فَاغْتَسَلَ.
وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَفَرَّجَ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَقَامَ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: فَلَمْ يَسْأَلْهُ أَحَدٌ عَنْهُنَّ وَلَمْ يُخْبِرْهُنَّ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبَّادٍ الْمُهَلَّبِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَدِمَ عَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ، وَالزِّبْرِقَانُ بْنُ
بَدْرٍ، وَقَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنَ الْأَهْتَمِ عَنِ الزِّبْرِقَانِ: كَيْفَ هُوَ فِيكُمْ؟ وَلَمْ يَسْأَلْ عَنْهُ قَيْسًا لِشَيْءٍ قَدْ عَلِمَهُ بَيْنَهُمَا فَقَالَ لَهُ ابْنُ الْأَهْتَمِ: مُطَاعٌ فِي أُذُنَيْهِ، شَدِيدُ الْعَارِضَةِ مَانِعٌ لِمَا وَرَاءَ ظَهْرِهِ.
قَالَ الزِّبْرِقَانُ: وَاللَّهِ لَقَدْ قَالَ مَا قَالَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنِّي أَفْضَلُ مِمَّا قَالَ قَالَ عَمْرٌو: فَإِنَّكَ لَزَمِرُ الْمُرُوءَةِ، ضَيِّقُ الْعَطَنِ، أَحْمَقُ الْأَبِ، لَئِيمُ الْخَالِ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ صَدَقْتُ فِيهِمَا جَمِيعًا، أَرْضَانِي فَقُلْتُ بِأَحْسَنَ مَا أَعْلَمُ فِيِهِ، وَأَسْخَطَنِي فَقُلْتُ بِأَسْوَأِ مَا أَلَمَّ فِيهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» ، وَكَانَ يُقَالُ لِلزِّبْرِقَانِ: قَمَرُ نَجْدٍ؛ لِجَمَالِهِ، وَكَانَ مِمَّنْ يَدْخُلُ مَكَّةَ مُتَعَمِّمًا لِحُسْنِهِ، وَوَلَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَاتِ قَوْمِهِ بَنِي عَوْفٍ " فَأَدَّاهَا فِي الرِّدَّةِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَأَقَرَّهُ أَبُو بَكْرٍ عَلَى الصَّدَقَةِ لِمَا رَأَى مِنْ ثَبَاتِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَحَمْلِهِ الصَّدَقَةَ إِلَيْهِ
حِينَ ارْتَدَّ النَّاسُ، وَكَذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ.
قَالَ رَجُلٌ فِي الزِّبْرِقَانِ مِنَ النَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ يَمْدَحُهُ، وَقِيلَ قَالَهَا الْحُطَيْئَةُ:
[البحر الوافر]
تَقُولُ خَلِيلَتِي لَمَّا الْتَقَيْنَا ... سَتُدْرِكُنَا بَنُو الْقَوْمِ الْهِجَانِ
سَيُدْرِكُنَا بَنُو الْقَمَرِ بْنِ بَدْرٍ ... سِرَاجُ اللَّيْلِ لِلشَّمْسِ الْحَصَانِ
فَقُلْتُ ادْعِي وَأَدْعُو إِنَّ أَنْدَى ... لِصَوْتٍ أَنْ يُنَادِيَ دَاعِيَانِ
فَمَنْ يَكُ سَائِلًا عَنِّي فَإِنِّي ... أَنَا النَّمِرِيُّ جَارُ الزِّبْرِقَانِ
وَكَانَ الزِّبْرِقَانُ قَدْ سَارَ إِلَى عُمَرَ بِصَدَقَاتِ قَوْمِهِ، فَلَقِيَهُ الْحُطَيْئَةُ وَمَعَهُ أَهْلُهُ وَأَوْلَادُهُ يُرِيدُ الْعِرَاقَ فِرَارًا مِنَ السَّنَةِ وَطَلَبًا لِلْعَيْشِ، فَأَمَرَهُ الزِّبْرِقَانُ أَنْ يَقْصِدَ أَهْلَهُ وَأَعْطَاهُ إِمَارَةً يَكُونُ بِهَا ضَيْفًا لَهُ حَتَّى يَلْحَقَ بِهِ، فَفَعَلَ الْحُطَيْئَةُ، ثُمَّ هَجَاهُ الْحُطَيْئَةُ بِقَوْلِهِ:
[البحر البسيط]
دَعِ الْمَكَارِمَ لَا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِهَا ... وَاقْعُدْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الطَّاعِمُ الْكَاسِي
فَشَكَاهُ الزِّبْرِقَانُ إِلَى عُمَرَ، فَسَأَلَ عُمَرُ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ عَنْ قَوْلِهِ: إِنَّهُ هَجْوٌ، فَحَكَمَ أَنَّهُ هَجْوٌ لَهُ وَضِعَةٌ، فَحَبَسَهُ عُمَرُ فِي مَطْمُورَةٍ حَتَّى شَفَعَ فِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرُ، فَأَطْلَقَهُ بَعْدَ أَنْ أَخَذَ عَلَيْهِ الْعَهْدَ أَنْ لَا يَهْجُوَ أَحَدًا أَبَدًا، وَتَهَدَّدَهُ إِنْ فَعَلَ.
وَالْقَصَّةُ مَشْهُورَةٌ، وَهِيَ أَطْوَلُ مِنْ هَذِهِ، وَلِلزِّبْرِقَانِ شِعْرٌ، فَمِنْهُ قَوْلُهُ:
[البحر البسيط]
نَحْنُ الْمُلُوكُ فَلَا حَيٌّ يُقَارِبُنَا ... فِينَا الْعَلَاءُ وَفِينَا تُنْصَبُ الْبِيَعُ
وَنَحْنُ نُطْعِمُهُمْ فِي الْقَحْطِ مَا أَكَلُوا ... مِنَ الْعَبِيطِ إِذَا لَمْ يُؤْنَسِ الْفَزَعُ
وَنَنْحَرُ الْكُومَ عَبْطًا فِي أَرُومَتِنَا ... لِلنَّازِلِينَ إِذَا مَا أُنْزِلُوا شَبِعُوا
تِلْكَ الْمَكَارِمُ حُزْنَاهَا مُقَارَعَةً ... إِذَا الْكِرَامُ عَلَى أَمْثَالِهَا اقْتَرَعُوا
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: وَلَمَّا قَدِمَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُفُودُ الْعَرَبِ قَدِمَ عَلَيْهِ عُطَارِدُ بْنُ حَاجِبِ بْنِ زُرَارَةَ بْنِ عُدُسٍ التَّمِيمِيُّ فِي أَشْرَافِ بَنِي تَمِيمٍ، مِنْهُمُ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، وَالزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ التَّمِيمِيُّ، أَحَدُ بَنِي سَعْدٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ، وَالْحَتْحَاتُ بْنُ يَزِيدَ، وَنُعَيْمُ بْنُ يَزِيدَ، وَقَيْسُ بْنُ الْحَارِثِ، وَقَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ أَخُو بَنِي سَعْدٍ، فِي وَفْدٍ عَظِيمٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَمَعَهُمْ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيُّ، وَقَدْ كَانَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ وَعُيَيْنَةُ شَهِدَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتْحَ مَكَّةَ وَحُنَيْنٍ وَالطَّائِفِ، فَلَمَّا قَدِمَ وَفْدُ بَنِي تَمِيمٍ كَانَا مَعَهُمْ، وَلَمَّا دَخَلُوا الْمَسْجِدَ نَادَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَرَاءِ حُجُرَاتِهِ: أَنِ اخْرُجْ إِلَيْنَا يَا مُحَمَّدُ، فَآذَى ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
مِنْ صِيَاحِهِمْ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، جِئْنَاكَ نُفَاخِرُكَ، فَأْذَنْ لِشَاعِرِنَا وَخَطِيبِنَا قَالَ: «قَدْ أَذِنْتُ لِخَطِيبِكُمْ فَلْيَقُلْ» ، فَقَامَ عُطَارِدُ بْنُ حَاجِبٍ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ عَلَيْنَا الْفَضْلُ وَالْمَنُّ وَهُوَ أَهْلُهُ، الَّذِي جَعَلَنَا مُلُوكًا، وَوَهَبَ لَنَا أَمْوَالًا عِظَامًا نَفْعَلُ فِيهَا الْمَعْرُوفَ، وَجَعَلَنَا أَعِزَّةَ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَأَكْثَرَهُ عَدَدًا وَأَيْسَرَهُ عُدَّةً، فَمَنْ مِثْلُنَا فِي النَّاسِ، أَلَسْنَا بِرُءُوسِ النَّاسِ وَأُولِي فَضْلِهِمْ، فَمَنْ فَاخَرَنَا فَلْيَعْدُدْ مِثْلَ مَا عَدَدْنَا، وَإِنَّا لَوْ نَشَاءُ لَأَكْثَرْنَا الْكَلَامَ وَلَكِنْ نَخْشَى مِنَ الْإِكْثَارِ فِيمَا أَعْطَانَا، وَإِنَّا نُعْرَفُ بِذَلِكَ، وَأَقُولُ هَذَا لِأَنْ تَأْتُوا بِمِثْلِ قَوْلِنَا، وَأَمْرٍ أَفْضَلَ مِنْ أَمْرِنَا، ثُمَّ جَلَسَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ أَخِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ: «قُمْ؛ فَأَجِبِ الرَّجُلَ فِي خُطْبَتِهِ» ، فَقَامَ ثَابِتٌ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ فَقَالَ ثَابِتٌ: وَأَيْضًا وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ - وَأَشَارَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
لَتَسْمَعَنَّ أَنْتَ وَصَاحِبُكَ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ مَا لَمْ يَنْفُذْ بِمَسَامِعِكُمَا مِثْلُهُ قَطُّ، ثُمَّ تَكَلَّمَ ثَابِتٌ وَذَكَرَ مِنْ عَظَمَةِ اللَّهِ وَسُلْطَانِهِ وَقُدْرَتِهِ مَا اللَّهُ أَهْلُهُ، ثُمَّ ذَكَّرَ بِهِ وَأَلْحَقَ، فَسَاقَ الْأَمْرَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَبْعَثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ، لَئِنْ لَمْ تَدْخُلْ أَنْتَ وَصَاحِبُكَ وَقَوْمُكُمَا فِي دِينِ اللَّهِ الَّذِي أَكْرَمَ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ وَهَدَانَا لَهُ؛ لَيَطَأَنَّ بِلَادَكُمْ بِالْخَيْلِ وَالرِّجَالِ نَصْرًا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِدِينِهِ، ثُمَّ لَيُقْتَلَنَّ الرِّجَالُ وَلَيُسْبَيَنَّ النِّسَاءُ وَالذُّرِّيَّةُ، وَلَيُؤْخَذَنَّ الْمَالُ حَتَّى يَكُونَ فَيْئًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ فَقَالَ الْأَقْرَعُ: أَنْتَ تَقُولُ ذَاكَ يَا ثَابِتُ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ، ثُمَّ سَكَتَ، ثُمَّ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، ايْذَنْ لِشَاعِرِنَا، فَأَذِنَ لَهُ، فَقَامَ الزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ فَأَنْشَدَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَسَّانَ: «أَنْشِدْهُمْ» ، فَأَنْشَدَهُمْ حَسَّانُ ثُمَّ سَكَتَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَقْرَعِ وَعُيَيْنَةَ: «قَدْ سَمِعْنَا مَا قُلْتُمَا، وَسَمِعْتُمَا مَا قُلْنَا» فَخَرَجَا، فَلَمَّا خَلَوْا أَخَذَ أَحَدُهُمَا بِيَدِ صَاحِبِهِ قَالَ الْأَقْرَعُ لِعُيَيْنَةَ: أَسَمِعْتَ مَا سَمِعْتُ، مَا سَكَتَ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّ سَقْفَ الْبُيُوتِ سَوْفَ يَقَعُ عَلَيْنَا فَقَالَ عُيَيْنَةُ: أَوَجَدْتَ ذَلِكَ؟ وَاللَّهِ لَقَدْ تَكَلَّمَ شَاعِرُهُمْ فَمَا سَكَتَ حَتَّى أَظْلَمَ عَلَيَّ الْبَيْتُ، وَحِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَ النَّظَرِ إِلَيْكَ، وَقَالَ الْأَقْرَعُ: إِنَّ لِهَذَا الرَّجُلِ لَشَأْنًا، ثُمَّ دَخَلَا بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ، وَكَانَا مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ.
فَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَقْرَعَ مِائَةَ نَاقَةٍ، وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ مِائَةَ نَاقَةٍ فَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيمَا أَعْطَاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
[البحر المتقارب]
فَأَصْبَحَ نَهْبِي وَنَهْبُ الْعُبَيْدِ ... بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعِ وَقَدْ كُنْتُ فِي الْقَوْمِ ذَا تُدْرَأِ ... فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا وَلَمْ أُمْنَعِ وَمَا كَانَ بَدْرٌ وَلَا حَابِسٌ ... يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي الْمَجْمَعِ وَمَا كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا ... وَمَنْ تَضَعِ الْيَوْمَ لَا يُرْفَعِ قَالَ: الْعُبَيْدُ فَرَسُ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ زِيَادٍ الْجَصَّاصِ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ الْمِنْقَرِيُّ قَالَ: " قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا رَآنِي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «هَذَا سَيِّدُ أَهْلِ الْوَبَرِ» قَالَ: فَلَمَّا نَزَلْتُ جَعَلْتُ أُحَدِّثُهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، الْمَالُ الَّذِي لَا يَكُونُ عَلَيَّ فِيهِ تَبِعَةٌ مِنْ ضَيْفٍ ضَافَنِي أَوْ عِيَالٍ إِنْ كَثُرُوا قَالَ: " نِعْمَ الْمَالُ الْأَرْبَعُونَ، وَإِنْ كَثُرَ فَسِتُّونَ، وَيْلٌ لِأَصْحَابِ الْمِئِينَ، إِلَّا مَنْ أَعْطَى فِي رِسْلِهَا
وَنَجْدَتِهَا وَأَفْقَرَ ظَهْرَهَا وَنَحَرَ سَمِينَتَهَا، فَأَطْعِمِ الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَا أَكْرَمَ هَذِهِ الْأَخْلَاقَ وَأَحْسَنَهَا، يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّهُ لَا يَحِلُّ الْوَادِي الَّذِي أَنَا بِهِ لِكَثْرَةِ إِبِلِي قَالَ: «فَمَا تَصْنَعُ فِي الْمِنْحَةِ؟» قَالَ: أَمْنَحُ كُلَّ سَنَةٍ مِائَةَ نَاقَةٍ قَالَ: «فَمَا تَصْنَعُ فِي الْمَطْرُوقَةِ؟» قَالَ: تَغْدُو الْإِبِلُ وَتَغْدُو النَّاسُ، فَمَنْ شَاءَ أَخَذَ بِرَأْسِ بَعِيرٍ فَذَهَبَ بِهِ قَالَ: " فَمَا تَصْنَعُ فِي إِفْقَارِ الظَّهْرِ؟ قَالَ: إِنِّي لَا أُفْقِرُ الصَّدْعَ الصَّغِيرَ، وَلَا النَّابَ الْمُدْبِرَةَ فَقَالَ: «أَفَمَالُكَ أَحَبُّ أَمْ مَالُ مَوَالِيكَ؟» قَالَ: قُلْتُ: بَلْ مَالِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مَالِ مَوَالِيَّ قَالَ: فَإِنَّ لَكَ مِنْ مَالِكَ مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ أَعْطَيْتَ فَأَمْضَيْتَ
، وَإِلَّا فَلِمَوَالِيكَ، وَإِلَّا فَلِمَوَالِي اللَّهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَئِنْ بَقِيتُ لَأَدَعَنَّ عَدَدَهَا قَلِيلًا " قَالَ الْحَسَنُ: فَفَعَلَ رَحِمَهُ اللَّهُ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ قَالَ: " يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي وَأَدْتُ ثَمَانِيَ بَنَاتٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَعْتِقْ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ رَقَبَةً» قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي ذُو إِبِلٍ قَالَ: «فَأَهْدِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ إِنْ شِئْتَ هَدْيًا»
حَدَّثَنَا حَكِيمُ بْنُ سَيْفٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ زِيَادٍ الْبَصْرِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا دَنَوْتُ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «هَذَا سَيِّدُ أَهْلِ الْوَبَرِ» ، فَلَمَّا سَلَّمْتُ وَجَلَسْتُ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْمَالُ الَّذِي لَا يَكُونُ عَلَيَّ فِيهِ تَبِعَةٌ مِنْ ضَيْفٍ ضَافَنِي أَوْ عِيَالٍ وَإِنْ كَثُرُوا قَالَ: «الْمَالُ الْأَرْبَعُونَ، وَالْكَثِيرُ سِتُّونَ، وَوَيْلٌ لِأَصْحَابِ الْمِئِينَ - يَقُولُهَا ثَلَاثًا - إِلَّا مَنْ أَعْطَى فِي رِسْلِهَا وَنَجْدَتِهَا، وَأَفْقَرَ ظَهْرَهَا، وَأَطْرَقَ فَحْلَهَا، وَمَنَعَ غَزِيرَتَهَا، وَنَحَرَ سَمِينَتَهَا، وَأَطْعَمَ الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ» ، قُلْتُ: مَا أَكْرَمَ هَذِهِ الْأَخْلَاقَ وَأَحْسَنَهَا، وَمَا يَحِلُّ بِالْوَادِي الَّذِي أَنَا فِيهِ؟ قَالَ: «فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِالْإِفْقَارِ؟» فَقُلْتُ: إِنَّا لَا نُعِيرُ الْبَكْرَ الضَّرْعَ وَالنَّابَ الْمُدْبِرَةَ قَالَ: «فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِالْمَنِيحَةِ؟» قَالَ: أُنْتِجُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مِائَةً قَالَ: «فَكَيْفَ تَصْنَعُ فِي الطُّرُوقِ؟»
قَالَ: تَغْدُو الْإِبِلُ وَتَأْتِي النَّاسُ، فَمَنْ شَاءَ أَخَذَ بِرَأْسِ بَعِيرٍ فَذَهَبَ بِهِ قَالَ: «فَمَالُكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَوْ مَالُ مَوَالِيكَ؟» قَالَ: قُلْتُ: بَلْ مَالِي قَالَ: «إِنَّمَا لَكَ مِنْ مَالِكَ مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ أَعْطَيْتَ فَأَمْضَيْتَ، وَمَا بَقِيَ فَلِمَوْلَاكَ» ، قُلْتُ: أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ بَقِيتُ لَأَدَعَنَّهَا قَلِيلًا ". قَالَ الْحَسَنُ: فَفَعَلَ وَاللَّهِ.
فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ: يَا بَنِيَّ خُذُوا عَنِّي، فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ أَنْصَحَ لَكُمْ مِنِّي، إِذَا أَنَا مُتُّ فَسَوِّدُوا كِبَارَكُمْ، لَا تُسَوِّدُوا صِغَارَكُمْ فَتَسْتَسْفِهُ النَّاسُ كِبَارَكُمْ وَتَهُونُوا عَلَيْهِمْ، وَعَلَيْكُمْ بِإِصْلَاحِ الْمَالِ؛ فَإِنَّهُ مَنْبَهَةُ الْكَرِيمِ، وَيُسْتَغْنَى بِهِ عَنِ اللَّئِيمِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْمَسْأَلَةَ؛ فَإِنَّهَا آخِرُ كَسْبِ الْمَرْءِ، ادْفِنُونِي فِي ثِيَابِي الَّتِي كُنْتُ أُصَلِّي فِيهَا، وَإِيَّاكُمْ وَالنِّيَاحَةَ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْهَا، وَادْفِنُونِي فِي مَكَانٍ لَا يَعْلَمُ بِي أَحَدٌ؛ فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ كَوْنٌ مِنِّي وَمِنْ هَذَا الْحَيِّ ابْنِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، كَمَا نَشَأْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ
حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَأَحْمَدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَا: مُحَمَّدُ بْنُ هُشَيْمٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: دَخَلَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَهُوَ يُقَبِّلُ الْحَسَنَ أَوِ الْحُسَيْنَ فَقَالَ: أَتُقَبِّلُهُ وَقَدْ وُلِدَ لِي عَشَرَةٌ مَا قَبَّلْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّهُ لَا يُرْحَمُ مَنْ لَا يَرْحَمُ»
حَدَّثَنَا سَلْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَرَشِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ الْحَرَشِيِّ، عَنْ أَبِي كَبْشَةَ السَّلُولِيِّ، أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى ابْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَقَالَ: مَا أَقْدَمَكَ؟ أَرَدْتَ مَسْأَلَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: أَنَا أَسْأَلُهُ شَيْئًا بَعْدَمَا حَدَّثَنِي سَهْلُ بْنُ الْحَنْظَلِيَّةِ الْأَنْصَارِيُّ: أَنَّ عُيَيْنَةَ بْنَ بَدْرٍ وَالْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ سَأَلَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَرَ مُعَاوِيَةَ فَكَتَبَ لَهُمَا كِتَابًا فَرَمَى بِهِ إِلَيْهِمَا، فَرَبَطَ عُيَيْنَةُ كِتَابَهُ فِي عِمَامَتِهِ، وَكَانَ أَحْلَمَ الرَّجُلَيْنِ فَقَالَ الْأَقْرَعُ: مَا فِيهَا؟ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فِيهَا مَا أُمِرْتُ بِهِ فَقَالَ الْأَقْرَعُ: أَنَا أَحْمِلُ صَحِيفَةً لَا أَدْرِي مَا فِيهَا كَصَحِيفَةِ الْمُتَلَمِّسِ، فَأَخْبَرَ مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ