بَابُ الرُّخْصَةِ فِي النَّوْمِ فِيهِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن شبة
- الكتاب
- تاريخ المدينة لابن شبة
- المؤلف
- عمر بن شبة (واسمه زيد) بن عبيدة بن ريطة النميري البصري، أبو زيد (المتوفى: 262هـ)حققه: فهيم محمد شلتوتطبع على نفقة: السيد حبيب محمود أحمد - جدةعام النشر: 1399 هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
كَانَ لَهُ يَسَارٌ فَقَدِمَتْ ضَافِطَةٌ مِنَ الشَّامِ بِالدَّرْمَكِ ابْتَاعَ الرَّجُلُ مِنْهَا فَخَصَّ بِهِ نَفْسَهُ، فَأَمَّا الْعِيَالُ فَإِنَّمَا طَعَامُهُمُ التَّمْرُ وَالشَّعِيرُ، فَقَدِمَتْ ضَافِطَةٌ مِنَ الشَّامِ فَابْتَاعَ عَمِّي رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ حِمْلًا مِنَ الدَّرْمَكِ فَجَعَلَهُ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ، وَفِي الْمَشْرُبَةِ سِلَاحٌ لَهُ: دِرْعَانِ وَسَيْفَاهُمَا وَمَا يُصْلِحُهُمَا، فَعُدِيَ عَلَيْهِ مِنْ تَحْتِ اللَّيْلِ فَنُقِبَتِ الْمَشْرُبَةُ فَأُخِذَ الطَّعَامُ وَالسِّلَاحُ، فَلَمَّا أَتَانِي عَمِّي رِفَاعَةُ قَالَ: ابْنَ أَخِي، تَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ عُدِيَ عَلَيْنَا مِنْ لَيْلَتِنَا هَذِهِ، فَنُقِبَتْ مَشْرَبَتُنَا فَذُهِبَ بِطَعَامِنَا وَسِلَاحِنَا؟ قَالَ: فَتَحَسَّسْنَا فِي الدَّارِ وَسَأَلْنَا فَقَالُوا: قَدْ رَأَيْنَا بَنِي أُبَيْرِقٍ اسْتَوْقَدُوا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وَلَا نَرَى فِيمَا نَرَى إِلَّا عَلَى بَعْضِ طَعَامِكُمْ قَالَ: وَقَدْ كَانَ بَنُو أُبَيْرِقٍ قَالُوا، وَنَحْنُ نَسْأَلُ فِي الدَّارِ: وَاللَّهِ مَا نَرَى صَاحِبَكُمْ إِلَّا لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ، رَجُلٌ مِنَّا
لَهُ صَلَاحٌ وَإِسْلَامٌ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ لَبِيدٌ اخْتَرَطَ سَيْفَهُ وَقَالَ: أَنَا أَسْرِقُ وَاللَّهِ لَيُخَالِطَنَّكُمْ هَذَا السَّيْفُ أَوْ لَتَبِينُ هَذِهِ السَّرِقَةُ، قَالُوا: إِلَيْكَ عَنَّا أَيُّهَا الرَّجُلُ، فَوَاللَّهِ مَا أَنْتَ بِصَاحِبِهَا، فَسَأَلْنَا فِي الدَّارِ حَتَّى لَمْ يُشَكَّ أَنَّهُمْ أَصْحَابُهَا فَقَالَ لِي عَمِّي: يَا ابْنَ أَخِي، لَوْ أَتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْتَ لَهُ ذَلِكَ؟ قَالَ قَتَادَةُ: فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَهْلَ بَيْتٍ مِنَّا أَهْلُ جَفَاءٍ عَمَدُوا إِلَى عَمِّي رِفَاعَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَنَقَبُوا مَشْرُبَةً لَهُ فَأَخَذُوا سِلَاحَهُ وَطَعَامَهُ، فَلْيَرُدُّوا عَلَيْنَا سِلَاحَنَا، فَأَمَّا الطَّعَامُ فَلَا حَاجَةَ لَنَا بِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَأَنْظُرُ فِي ذَلِكَ» ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ بَنُو أُبَيْرِقٍ أَتَوْا رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ أُسَيْدُ بْنُ عُرْوَةَ فَكَلَّمُوهُ فِي ذَلِكَ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ
أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ قَتَادَةَ بْنَ النُّعْمَانِ وَعَمَّهُ عَمَدُوا إِلَى أَهْلِ بَيْتٍ مِنَّا أَهْلِ إِسْلَامٍ وَصَلَاحٍ يَرْمُونَهُمْ بِالسَّرِقَةِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ وَلَا ثَبْتٍ قَالَ قَتَادَةُ: فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «عَمَدْتَ إِلَى أَهْلِ بَيْتٍ ذُكِرَ مِنْهُمْ إِسْلَامٌ وَصَلَاحٌ تَرْمِيهِمْ بِالسَّرِقَةِ عَنْ غَيْرِ ثَبْتٍ وَلَا بَيِّنَةٍ» قَالَ: فَرَجَعْتُ وَلَوَدِدْتُ أَنِّي خَرَجْتُ مِنْ بَعْضِ مَالِي وَلَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ، فَأَتَانِي عَمِّي فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، مَا صَنَعْتَ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
قَالَ: فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ نَزَلَ الْقُرْآنُ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: 105] : بَنِي أُبَيْرِقٍ، ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ [النساء: 106] : أَيْ مِمَّا قُلْتَ لِقَتَادَةَ، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 23] ، ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: 107] : أَيْ بَنِي أُبَيْرِقٍ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [النساء: 107] ، ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: 108] ، ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ ، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 110] : أَيْ لَوْ أَنَّهُمُ اسْتَغْفَرُوا
اللَّهَ لَغَفَرَ لَهُمْ، ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 111] ، ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء: 112] : قَوْلُهُمْ لِلَبِيدٍ، ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: 112] ، ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ [النساء: 113] : يَعْنِي أُسَيْدًا وَأَصْحَابَهُ، ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: 113] ، ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ قَالَ: فَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالسِّلَاحِ فَرَدَّهُ إِلَى رِفَاعَةَ قَالَ قَتَادَةُ: فَلَمَّا أَتَيْتُ عَمِّي بِالسِّلَاحِ، وَكَانَ شَيْخًا قَدْ عَسَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكُنْتُ أَرَى أَنَّ إِسْلَامَهُ مَدْخُولًا قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي هُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَعَرَفْتُ أَنَّ إِسْلَامَهُ كَانَ صَحِيحًا قَالَ: فَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ لَحِقَ بَشِيرٌ بِالْمُشْرِكِينَ، فَنَزَلَ عَلَى سُلَافَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ شَهِيدٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115] ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: 116] ، فَلَمَّا نَزَلَ عَلَى سُلَافَةَ رَمَاهَا حَسَّانُ بِأَبْيَاتِ شِعْرٍ، فَأَخَذَتْ رَحْلَهُ فَوَضَعَتْهُ عَلَى رَأْسِهَا ثُمَّ خَرَجَتْ فَرَمَتْ بِهِ فِي الْأَبْطَحِ، ثُمَّ قَالَتْ: أَهْدَيْتَ إِلَيَّ شِعْرَ حَسَّانَ قَالَتْ: وَاللَّهِ لَا يَثْبُتُ فِي صَدْرِي، قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ، (أو قالت) أهديت إليّ هجاء حسان فأخذت رحّله فألقته في البطحاء، فَخَرَجَ يَسِيرُ إِلَى الطَّائِفِ، فَذَهَبَ يَنْقُبُ بَيْتًا فَانْهَدَمَ عَلَيْهِ فَمَاتَ فَقَالَ أَهْلُ مَكَّةَ: مَا كَانَ لِيُفَارِقَ مُحَمَّدًا رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فِيهِ خَيْرٌ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَازِعُ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأُمِّ الْوَلِيدِ قَالَا: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزَاةٍ فَسُرِقَتْ دِرْعٌ لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، سَرَقَهَا رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: ثَعْلَبَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ، فَظَهَرُوا عَلَى صَاحِبِ الدِّرْعِ، فَجَاءَ أَهْلُهُ فَقَالُوا: اعْذُرْ صَاحِبَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَتَجَاوَزْ عَنْهُ؛ فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ اللَّهُ بِكَ هَلَكَ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَدْفَعَ عَنْهُ وَيَتَجَاوَزَ عَنْهُ، فَأَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُبْدِيَ عَلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: 105] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [النساء: 107] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115]
حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَتْ لَهُ دِرْعٌ حَدِيدٌ فَسَرَقَهَا ابْنُ أَخٍ لَهُ، فَاتَّهَمَهُ فِيهَا وَطَلَبَهَا مِنْهُ، فَجَحَدَهَا
وَزَعَمَ أَنَّهُ بَرِيءٌ، فَأَبَى إِلَّا أَنْ يَطْلُبَهَا مِنْهُ، وَرَفَعَ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، وَاسْتَعَانَ الْفَتَى نَاسًا لِيَعْذِرُوهُ وَيَتَكَلَّمُوا دُونَهُ، فَلَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ بِرَدِّ الدِّرْعِ عَلَى عَمِّهِ، فَجَحَدَهُ وَأَبَى أَنْ يُقِرَّ بِهَا، فَعَذَرَهُ الْقَوْمُ وَتَكَلَّمُوا دُونَهُ حَتَّى كَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْخُذَ فِيهِ بَعْضَ مَا سَمِعَ مِنْهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: 105] ، ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 106] ، ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [النساء: 107] ، ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيَّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: 108] ، ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ ، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 110] . قَالَ الْحَسَنُ: فَأَقَالَ اللَّهُ عَثْرَتَهُ، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ وَذَهَبَ بِالدِّرْعِ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ صَائِغٍ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لِمَ تَرْمُونَنِي بِالدِّرْعِ وَهِيَ تِلْكَ عِنْدَ فُلَانٍ الْيَهُودِيِّ، فَأَتَوَا الْيَهُودِيَّ فَقَالَ: هُوَ أَتَانِي بِهَا فَدَفَعَهَا إِلَيَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 111] ، ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: 112] ، {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ
أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113] ، ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ، فَلَمَّا رَأَى الْفَتَى أَنَّهُ قَدِ افْتُضِحَ ذَهَبَ مُرَاغَمًا حَتَّى لَحِقَ بِقَوْمٍ كُفَّارٍ، فَنَقَبَ عَلَى قَوْمٍ بَيْتًا لِيَسْرِقَهُمْ فَسَقَطَ عَلَيْهِ الْحَائِطُ فَقَتَلَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ [النساء: 115] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: 116] ، وَقَرَأَ الْآيَةَ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ شَيْبَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: 105] قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ نَزَلَتْ فِي طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ، وَفِي مَا هَمَّ بِهِ نَبِيُّ اللَّهِ مِنْ عُذْرِهِ، فَقَصَّ اللَّهُ شَأْنَ طُعْمَةَ وَوَعَظَ نَبِيَّهُ، وَكَانَ طُعْمَةُ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ ثُمَّ أَحَدَ بَنِي ظَفَرٍ، سَرَقَ دِرْعًا لِعَمِّهِ كَانَتْ لَهُ وَدِيعَةً عِنْدَهُ، ثُمَّ قَدِمَهَا عَلَى يَهُودِيٍّ كَانَ
يَغْشَاهُمْ بِالْمَدِينَةِ يُقَالُ لَهُ: زَيْدُ بْنُ السَّمِيرِ، فَجَاءَ الْيَهُودِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهَتَفَ بِهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَوْمُهُ بَنُو ظَفَرٍ جَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَعْذِرُوا صَاحِبَهُمْ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّهُمْ بِعُذْرِهِ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ فِي شَأْنِهِ مَا أَنْزَلَ فَقَالَ: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [النساء: 107] ، ثُمَّ قَالَ لِقَوْمِهِ وَعَشِيرَتِهِ: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ ، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 110] ، ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 111] ، ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: 112] ، فَكَانَ طُعْمَةُ قَذَفَ بِهَا بَرِيئًا، فَلَمَّا بَيَّنَ اللَّهُ شَأْنَهُ عِنْدَهُ شَاقَّ وَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ الْأَعْرَجُ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: " كَانَ
جِمَاعُ بُطُونِ الْأَنْصَارِ هَذَيْنِ الْبَطْنَيْنِ: الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ حَرْبٌ وَقِتَالٌ وَبَلَاءٌ شَدِيدٌ حَتَّى جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ وَالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاصْطَلَحُوا وَسَكَتُوا، فَكَانَ يَوْمًا رَجُلٌ مِنَ الْأَوْسِ وَرَجُلٌ مِنَ الْخَزْرَجِ جَالِسَيْنِ مَعَهُمَا يَهُودِيٌّ، فَجَعَلَ يُذَكِّرُهُمَا أَيَّامَهُمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فِي الْحَرْبِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ حَتَّى اسْتَبَّا وَاقْتَتَلَا وَدَعَا هَذَا قَوْمَهُ وَهَذَا قَوْمَهُ، فَخَرَجَتِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ فِي السِّلَاحِ، وَصَفَّ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَاءَ حَتَّى وَقَفَ بَيْنَهُمْ فَجَعَلَ يَعِظُ بَعْضَ هَؤُلَاءِ وَبَعْضَ هَؤُلَاءِ حَتَّى رَجَعُوا وَوَضَعُوا السِّلَاحَ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ الْقُرْآنَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 100] ، فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: 105] . قَالَ: فَأُنْزِلَتْ هَذِي الْآيَاتُ فِي الْأَنْصَارِيَّيْنِ وَالْيَهُودِيِّ " حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ، عَنْ حُمَيْدٍ
، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ قَالَ: فَقَرَأَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ [آل عمران: 103] قَالَ: فَذَكَّرَهُمْ مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْبَلَاءِ وَالْحَرْبِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: 105]
حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ ثُمَامَةَ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَلَّمَ عَلَى قَوْمٍ سَلَّمَ ثَلَاثًا، وَإِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا»
خَبَرُ خَالِدِ بْنِ سِنَانٍ
حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَطِيَّةَ الصَّفَّارُ قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ
أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُبَايِعُ النِّسَاءَ فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ تُبَايِعُهُ فَسَأَلَهَا: «بِنْتُ مَنْ أَنْتِ؟» فَقَالَتْ: أَنَا بِنْتُ خَالِدِ بْنِ سِنَانٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَذِهِ بِنْتُ نَبِيٍّ ضَيَّعَهُ قَوْمُهُ، أَمَرَهُمْ إِذَا هُمْ دَفَنُوهُ أَنْ يَنْبِشُوا عَنْهُ؛ فَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ حَيًّا، فَلَمْ يَفْعَلُوا، فَهَذِهِ ابْنَةُ نَبِيٍّ ضَيَّعَهُ قَوْمُهُ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ: جَاءَتْ بِنْتُ خَالِدِ بْنِ سِنَانٍ الْعَبْسِيِّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «مَرْحَبًا يَا ابْنَةَ أَخِي وَابْنَةَ نَبِيٍّ ضَيَّعَهُ قَوْمُهُ»
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَيُّوبَ، صَاحِبُ الْبَصْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي يُونُسَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَبْسٍ يُقَالُ لَهُ: خَالِدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ لِقَوْمِهِ: أَنَا أُطْفِئُ عَنْكُمْ نَارَ الْحَدَثَانِ فَقَالَ لَهُ عُمَارَةُ بْنُ زِيَادٍ، رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ: وَاللَّهِ مَا قُلْتَ لَنَا يَا خَالِدُ قَطُّ إِلَّا حَقًّا، فَمَا شَأْنُكَ وَشَأْنُ نَارِ الْحَدَثَانِ تَزْعُمُ أَنَّكَ تُطْفِئُهَا؟ قَالَ: فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقَ مَعَهُ عُمَارَةُ بْنُ زِيَادٍ مَعَ نَاسٍ مِنْ قَوْمِهِ حَتَّى أَتَوْهَا وَهِيَ تَخْرُجُ مِنْ شَقِّ جَبَلٍ
مِنْ حَرَّةٍ يُقَالُ لَهَا: حَرَّةُ أَشْجَعَ قَالَ: فَخَطَّ لَهُمْ خُطَّةً فَأَجْلَسَهُمْ فِيهَا وَقَالَ لَهُمْ: إِنْ أَبْطَأْتُ عَنْكُمْ فَلَا تَدْعُونِي بِاسْمِي قَالَ: فَخَرَجَتْ كَأَنَّهَا خَيْلٌ شُقْرٌ يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَاسْتَقْبَلَهَا خَالِدٌ فَجَعَلَ يَضْرِبُهَا بِعَصَاهُ وَيَقُولُ بَدَّا بَدَّا، كُلُّ هُدًى مُؤَدَّى.
زَعَمَ ابْنُ رَاعِيَةِ الْمِعْزَى أَنِّي لَا أَخْرُجُ مِنْهَا وَثِيَابِي تَنْدَى، حَتَّى دَخَلَ مَعَهَا الشِّعْبَ قَالَ: فَأَبْطَأَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ عُمَارَةُ بْنُ زِيَادٍ: وَاللَّهِ لَوْ كَانَ صَاحِبُكُمْ حَيًّا لَخَرَجَ إِلَيْكُمْ بَعْدُ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّهُ قَدْ نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَهُ بِاسْمِهِ قَالَ: ادْعُوهُ بِاسْمِهِ، فَوَاللَّهِ لَوْ كَانَ صَاحِبُكُمْ حَيًّا لَقَدْ خَرَجَ إِلَيْكُمْ بَعْدُ قَالَ: فَدَعَوْهُ بِاسْمِهِ قَالَ: فَخَرَجَ وَهُوَ آخِذٌ بِرَأْسِهِ فَقَالَ: أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ تَدْعُونِي بِاسْمِي؟ قَدْ وَاللَّهِ قَتَلْتُمُونِي، احْمِلُونِي وَادْفِنُونِي، فَإِنْ مَرَّتْ بِكُمُ الْحُمُرُ فِيهَا حِمَارٌ أَبْتَرُ فَانْبِشُونِي، فَإِنَّكُمْ سَتَجِدُونِي حَيًّا، فَأُخْبِرُكُمْ بِمَا يَكُونُ قَالَ: فَدَفَنُوهُ، فَمَرَّتْ بِهِمُ الْحُمُرُ فِيهَا حِمَارٌ أَبْتَرُ، فَقَالُوا: نَنْبِشُهُ
، فَإِنَّهُ قَدْ أَمَرَنَا أَنْ نَنْبِشَهُ فَقَالَ عُمَارَةُ: لَا تَحَدَّثُ مُضَرُ أَنَّا نَنْبِشُ مَوْتَانَا، وَاللَّهِ لَا تَنْبِشُونَهُ أَبَدًا قَالَ: وَقَدْ كَانَ خَالِدٌ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ فِي عِكْمِ امْرَأَتِهِ لَوْحَيْنِ فَإِذَا أَشْكَلَ عَلَيْكُمْ أَمْرٌ فَانْظُرُوا فِيهِمَا فَإِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ مَا تُسْأَلُونَ عَنْهُ قَالَ: وَلَا تَمَسَّهُمَا حَائِضٌ.
فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى امْرَأَتِهِ سَأَلُوهَا عَنْهُمَا فَأَخْرَجَتْهُمَا وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَهَبَ مَا كَانَ فِيهِمَا مِنْ عِلْمٍ.
قَالَ أَبُو يُونُسَ: فَقَالَ سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ: سُئِلَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «نَبِيٌّ أَضَاعَهُ قَوْمُهُ» قَالَ: وَقَالَ سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ: إِنَّ ابْنَ خَالِدِ بْنِ سِنَانٍ، أَوْ بِنْتَ خَالِدٍ، أَتَى، أَوْ أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «مَرْحَبًا بِابْنِ أَخِي، أَوِ ابْنَةِ أَخِي»
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ: عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَدِمَتِ الْمُحَيَّاةُ بِنْتُ خَالِدِ بْنِ سِنَانٍ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «مَرْحَبًا بِابْنَةِ أَخِي، نَبِيٌّ ضَيَّعَهُ قَوْمُهُ»
حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الرِّجَالِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، يَقُولُ: نَبِيٌّ فَرَّطَ فِيهِ قَوْمُهُ، سَالَتْ عَلَيْهِمْ نَارٌ مِنْ حَرَّةِ النَّارِ فِي نَاحِيَةِ خَيْبَرَ، وَالنَّاسُ فِي وَسَطِهَا، وَهِيَ تَأْتِي مِنْ نَاحِيَتَيْنِ جَمِيعًا، فَخَافَهَا النَّاسُ خَوْفًا شَدِيدًا فَقَالَ لَهُمُ الْعَبْسِيُّ: ابْعَثُوا مَعِي إِنْسَانًا حَتَّى أُطْفِئَهَا مِنْ أَصْلِهَا قَالَ: فَخَرَجَ مَعَهُ رَاعِي غَنَمٍ، هُوَ ابْنُ رَاعِيَةٍ، حَتَّى جَاءَ غَارًا تَخْرُجُ مِنْهُ النَّارُ، ثُمَّ قَالَ الْعَبْسِيُّ لِلرَّاعِي: أَمْسِكْ ثَوْبِي، ثُمَّ دَخَلَ فِي الْغَارِ فَقَالَ: هَدْيًا هَدْيًا، كُلُّ هَدْيٍ مُؤَدًّى، زَعَمَ ابْنُ رَاعِيَةِ الْغَنَمِ أَنِّي سَأَخْرُجُ وَثِيَابِي لَا تَنْدَى قَالَ وَهُوَ يَمْسَحُ الْعَرَقَ عَنْ جَبِينِهِ: [البحر الرجز] عُودِي بَدَا كُلُّ شَيْءٍ مُوَدَّى ... لَأَخْرُجَنَّ مِنْهَا وَجَسَدِي يَنْدَى حَتَّى إِذَا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ لِقَوْمِهِ الْأَدْنَيْنَ مِنْهُ: إِذَا دَفَنْتُمُونِي فَمَرَّتْ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَإِنَّكُمْ سَتَنْظُرُونَ إِلَى حِمَارٍ يَأْتِي قَبْرِي فَيَبْحَثُ بِحَافِرِهِ وَجَحْفَلَتِهِ عَنِّي، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَانْبِشُونِي؛ فَإِنِّي سَأُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: اسْمُهُ خَالِدُ بْنُ سِنَانٍ "
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُجَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُجَالِدٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ رَجُلًا مِنْ عَبْسٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُقَالُ لَهُ: خَالِدُ بْنُ سِنَانٍ، دَعَا قَوْمَهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَنْ يُقِرُّوا لَهُ بِالنُّبُوَّةِ، فَأَبَوْا، وَكَانَتْ نَارٌ تُسْتَوْقَدُ فِي أَرْضٍ قَرِيبٍ مِنْ أَرْضِ بَنِي عَبْسٍ فَقَالَ لَهُمْ: إِنْ أَطْفَأْتُ لَكُمْ هَذِهِ النَّارَ أَتَشْهَدُونَ أَنِّي نَبِيٌّ؟ قَالُوا: نَعَمْ قَالَ: فَأَخَذَ عَسِيبًا مِنْ نَخْلٍ رَطِبٍ فَدَخَلَ النَّارَ وَهُوَ يَضْرِبُهَا بِالْقَضِيبِ وَهُوَ يَقُولُ: بِاسْمِ رَبِّ الْأَعْلَى، كُلُّ هَدَّى مُوَدَّى، زَعَمَ ابْنُ رَاعِيَّةِ الْمِعْزَى، أَنْ لَا أَخْرُجَ مِنْهَا وَثِيَابِي تَنْدَى.
فَمَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ أَصَابَهُ ذَلِكَ الْعَسِيبُ إِلَّا انْطَفَأَ، فَأَطْفَأَهَا، وَدَعَاهُمْ فَأَبَوْا فَكَذَّبُوهُ ثَانِيَةً فَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي لَبِثْتُ أَيْ كَذَا وَكَذَا يَوْمًا، فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي وَأَتَى عَلَيَّ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَأْتُوا قَبْرِي، فَإِذَا عَرَضَتْ لَكُمْ عَانَةٌ مِنْ حُمُرِ وَحْشٍ وَبَيْنَ يَدَيْهَا عِيرٌ تَتْبَعُهُ فَانْبِشُونِي؛ فَإِنِّي أَقُومُ فَأُخْبِرُكُمْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَأَتَوَا الْقَبْرَ بَعْدَ ثَلَاثٍ، وَسَنَحَتْ لَهُمُ الْحُمُرُ وَبَيْنَ يَدَيْهَا عِيرٌ تَتْبَعُهُ، فَقَامَ قَوْمُهُ مِنْ أَهْلِ
بَيْتِهِ وَبَنِي عَمِّهِ فَقَالُوا: لَا نَدَعُكُمْ تَنْبِشُونَ صَاحِبَنَا فَنُعَيَّرُ.
فَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إِنَّ رَجُلًا مِنْ وَلَدِهِ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «نَبِيٌّ ضَيَّعَهُ قَوْمُهُ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عِمْرَانَ، عَنْ هِلَالٍ، وَالْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ: قَدِمَتْ بِنْتُ خَالِدِ بْنِ سِنَانِ بْنِ جَابِرِ بْنِ مُرَيْطَةَ بْنِ قَطِيعَةَ بْنِ عَبْسٍ، فَسَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَأَسْمَعُ كَلَامًا كُنْتُ أَسْمَعُهُ مِنْ أَبِي قَالَ: «إِنَّ أَبَاكِ كَانَ نَبِيًّا أَضَاعَهُ قَوْمُهُ، فَمَا أَوْصَاكُمْ بِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ؟» قَالَتْ: قَالَ لَنَا: إِنَّكُمْ إِذَا دَفَنْتُمُونِي أَقْبَلَ عِيرٌ أَشْهَبُ يَقُودُ عَانَةً مِنَ الْحُمُرِ حَتَّى يَتَمَعَّكَ عِنْدَ قَبْرِي، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ أَنْحِتُونِي أُخْبِرْكُمْ بِمَا مَضَى مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَمَا بَقِيَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلَمَّا دَفَنَّاهُ جَاءَ ذَلِكَ الْعِيرُ فِي تِلْكَ الْحَمِيرِ فَتَمَعَّكَ عِنْدَ قَبْرِهِ، فَهَمَّ بَعْضُنَا بِنَحْتِهِ فَقَالَ قَيْسُ بْنُ زُهَيْرٍ: إِذًا تَكُونُ سُبَّةً عَلَيْنَا فَاتْرُكُوهُ، فَتَرَكْنَاهُ "
قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بْنِ الْفُرَاتِ بْنِ سَالِمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ الْقَعْقَاعِ بْنِ خُلَيْدٍ الْعَبْسِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: بَعَثَ اللَّهُ خَالِدَ بْنَ سِنَانٍ نَبِيًّا إِلَى بَنِي عَبْسٍ، فَدَعَاهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَقَالَ لَهُ قَيْسُ بْنُ زُهَيْرٍ: إِنْ دَعَوْتَ فَأَسَلْتَ هَذِهِ الْحَرَّةَ عَلَيْنَا نَارًا -
فَإِنَّكَ إِنَّمَا تُخَوِّفُنَا بِالنَّارِ - اتَّبَعْنَاكَ , وَإِنْ لَمْ تُسِلْ نَارًا كَذَّبْنَاكَ , قَالَ: فَذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، قَالُوا نَعَمْ قَالَ: فَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِي وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِرِسَالَتِي إِلَّا بِأَنْ تُسِيلَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْحَرَّةُ نَارًا، فَأَسِلْهَا عَلَيْهِمْ نَارًا قَالَ: فَطَلَعَ مِثْلُ رَأْسِ الْحَرِيشِ، ثُمَّ عَظُمَتْ حَتَّى عَرَّصَتْ أَكْثَرَ مِنْ مِيلٍ، فَسَالَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: يَا خَالِدُ، ارْدُدْهَا؛ فَإِنَّا مُؤْمِنُونَ بِكَ، فَتَنَاوَلَ عَصًا ثُمَّ اسْتَقْبَلَهَا بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، فَدَخَلَ فِيهَا فَضَرَبَهَا بِالْعَصَا وَيَقُولُ: هَدَّا هَدَّا كُلُّ خَرْجٍ مُؤَدَّى، زَعَمَ ابْنُ رَاعِيَةِ الْمِعْزَى أَنْ لَا أَخْرُجَ مِنْهَا وَجَبِينِي يَنْدَى، فَلَمْ يَزَلْ يَضْرِبُهَا حَتَّى رَجَعَتْ.
قَالَ: فَرَأَيْتُنَا نُعَشِّي الْإِبِلَ عَلَى ضَوْءِ نَارِهَا ضِلْعَا الرَّبَذَةِ، وَبَيْنَ ذَلِكَ ثَلَاثُ لَيَالٍ "
حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مَنْظُورِ بْنِ قَتَادَةَ بْنِ مَنْظُورِ بْنِ زَبَّانَ بْنِ يَسَارٍ الْفَزَارِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَشْيَخَةٌ، مِنْ قَوْمِي فِيهِمْ أَبِي قَالُوا: قَالَ خَالِدُ بْنُ سِنَانٍ: يَا بَنِي عَبْسٍ، إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ أَنْ تَغْلِبُوا الْعَرَبَ وَلَا تَغْلِبَنَّكُمْ فَخُذُوا
هَذِهِ الصَّخْرَةَ فَاحْمِلُوهَا، فَإِذَا لَقِيتُمْ عَدُوًّا فَاطْرَحُوهَا بَيْنَكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَزَالُونَ غَالِبِينَ مَا كَانَتِ الصَّخْرَةُ مَعَكُمْ، وَاسْمُ الصَّخْرَةِ: رِمَاسُ، فَحَمَلَتْهَا بَنُو عَبْسٍ يَتَعَاقَبُونهَاَ، فَإِذَا كَانَتِ الْحَرْبُ سَعَى بِهَا الْغُلَامُ الشَّابُّ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ حَرْبٌ كَانَ جَهْدُهَا أَنْ يُقِلَّهَا أَرْبَعُونَ رَجُلًا قَالَ: فَدَارَ حَمْلُهَا يَوْمًا عَلَى بَنِي بِجَادٍ مِنْ بَنِي عَبْسٍ فَقَالَ لَهُمْ قَيْسُ بْنُ زُهَيْرٍ: يَا بَنِي عَبْسٍ، أَمَا تَعْرِفُنَا الْعَرَبُ إِلَّا بِصَخْرَةٍ وَرَّثَنَاهَا خَالِدُ بْنُ سِنَانٍ؟ أَلْقُوهَا فَلَا تَحْمِلُوهَا، فَحَفَرُوا لَهَا حَفِيرًا مِنَ الْأَرْضِ فَدَفَنُوهَا، فَلَقِيَتْهُمْ بَنُو فَزَارَةَ فَقَتَلُوهُمْ، فَكَرُّوا يُطَلِّعُونَ الصَّخْرَةَ، فَلَمَّا حَفَرُوا عَنْهَا صَارَتْ عَلَيْهِمْ نَارًا، فَتَرَكُوهَا فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهَا فَقَالَ الْحُطَيْئَةُ يَهْجُوهُمْ: [البحر الكامل] لَعَنَ الْإِلَهُ بَنِي بِجَادٍ إِنَّهُمْ ... لَا يُصْلِحُونَ وَمَا اسْتَطَاعُوا أَفْسَدُوا بُرُدُ الْحَمِيَّةِ وَاحِدٌ مَوْلَاهُمُ ... جُمُدٌ عَلَى مَنْ لَيْسَ فِيهِ مُجْمَدُ "
قَالَ أَبُو غَسَّانَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ أُسَيْدٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَعَنْ شُعَيْبٍ الْجُبَّائِيِّ
قَالَ: " قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَافِدٌ مِنْ عَبْسٍ قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: وَأَخْبَرَنِي مَنْظُورُ بْنُ طَلْحَةَ، أَنَّهُ الْحَارِثُ بْنُ جُزَيٍّ الْعَبْسِيُّ، ثُمَّ رَفَعَ الْحَدِيثَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ: فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَيْفَ لِي بِقَوْمِكَ؟» قَالَ: أَنَا لَكَ بِهِمْ، وَهَذِهِ فَرَسِي رَهْنٌ حَتَّى آتِيَ بِهِمْ قَالَ: فَخَرَجَ حَتَّى نَزَلَ عَلَى قَوْمِهِ: فَنَزَلَ بِضَلِيعٍ فَدَعَاهُمْ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ، فَنَاشَدَهُمْ فَأَبَوْا فَقَالَ: [البحر الوافر] خُذُوا مَا قَالَ صَاحِبُكُمْ فَإِنِّي ... لِمَا فَعَلَتْ بَنُو عَبْسٍ بَصِيرُ فَهُمْ دَفَنُوا الرِّمَاسَ فَأَعْقَبَتْهُمْ ... مَخَازِي مَا تَعِبُّ وَلَا تَطِيرُ فَلَمَّا غَابَ غَيُّهُمْ تَنَاهَوْا ... وَقَدْ بَانَتْ لِمُبْصِرِهَا الْأُمُورُ فَكَرُّوا نَادِمِينَ يَنْحِتُوهَا ... فَفَاجَأَهُمْ لَهَا لَهَبٌ سَعِيرُ
حَدَّثَنِي زُرَيْقُ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ مُخَارِقٍ، رَئِيسُ بَنِي عَبْسٍ سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَتَيْنِ قَالَ: سَمِعْتُ أَصْحَابَنَا مِنْ بَنِي عَبْسٍ انْتَجَعُوا عَيْنًا حَتَّى نَظَرُوا إِلَى مَوَاقِفَ وَضَعُوهَا فِي جُدُرِهَا وَقَالُوا: امْضُوا فَتَمَكَّنُوا فِي الرَّتْعِ قَالَ: ثُمَّ رَجَعُوا فَلَمْ يَجِدُوهَا، فَأَتَاهُمْ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْسٍ يُقَالُ لَهُ: نِيَارُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ مَخْزُومٍ، فَأَذَاعَ أَنَّهُ تَنَبَّأَ كَذَلِكَ وَقَالَ: أَنَا أُخْرِجُهَا لَكُمْ، وَقَالَ: هِيَ رِمَاسُ، وَأَنْ
لَا يُزَاغَ إِلَّا بِأَطْرَافِ الْقِيَاسِ، فَلَمْ يَظْفُرُوا بِهَا، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسُئِلَ عَنْهَا فَقَالَ: «أَمَّا خَالِدُ بْنُ سِنَانٍ فَنَبِيٌّ ضَيَّعَهُ قَوْمُهُ، وَأَمَّا نِيَارٌ فَكَاذِبٌ لَعَنَهُ اللَّهُ» فَقَالَ فِي ذَلِكَ مِنْجَابٌ أَحَدِ بَنِي رَبِيعَةَ بْنِ مَخْزُومٍ فِي الْإِسْلَامِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ مِنْقَارًا: [البحر البسيط] أَمَّا نِيَارٌ فَإِنَّ اللَّهَ يَلْعَنُهُ ... وَكُلُّ مَنْ يَلْعَنُ الرَّحْمَنُ فِي النَّارِ
قَالَ زُرَيْقُ بْنُ حُسَيْنٍ: وَسَمِعْتُ أَصْحَابَنَا مِنْهُمْ أَبِي يُحَدِّثُنِي عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ نَارَ الْحَدَثَانِ خَرَجَتْ بِالْحَرَّةِ الَّتِي يُقَالُ لَهَا: حَرَّةُ النَّارِ، حَتَّى كَانَتِ الْإِبِلُ تَغْشَاهُ بَعْدَهَا بِقَدْرِ مَسِيرَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَأَنَّ خَالِدَ بْنَ سِنَانٍ خَرَجَ إِلَيْهَا يَضْرِبُهَا بِسَوْطِهِ حَتَّى رَجَعَتْ مِنَ الشَّقِّ الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ، وَثِيَابَهُ تَنْدَى، لَمْ يُصِبْهُ وَلَا ثِيَابَهُ مِنْهَا شَيْءٌ، وَهُوَ يَقُولُ لِرَجُلٍ زَجَرَهُ عَنْهَا: كَذَبْتَ ابْنَ رَاعِيَةِ الْمِعْزَى، لَأَخْرُجَنَّ مِنْهَا وَثِيَابِي تَنْدَى "
حَدَّثَنِي مَنْ، أُصَدِّقُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ عُمَارَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جَزْءِ بْنِ شَيْطَانِ بْنِ حُذَيْمِ بْنِ جُزَيْمَةَ بْنِ رَوَاحِلَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ مَازِنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ قَطِيعَةَ بْنِ عَبْسٍ الْعَبْسِيِّ قَالَ: كَانَتْ بِأَرْضِ الْحِجَازِ نَارٌ يُقَالُ لَهَا: نَارُ الْحَدَثَانِ
حَرَّةٌ بِأَرْضِ بَنِي عَبْسٍ، تَعْشَى الْإِبِلُ بِضَوْئِهَا مِنْ مَسِيرَةِ ثَمَانِ لَيَالٍ، وَرُبَّمَا خَرَجَ مِنْهَا الْعُنُقُ فَذَهَبَ فِي الْأَرْضِ فَلَا يُبْقِي شَيْئًا إِلَّا أَكَلَهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ حَتَّى يَعُودَ إِلَى مَكَانِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ إِلَيْهَا خَالِدَ بْنَ سِنَانِ بْنِ غَيْثِ بْنِ مُرَيْطَةَ بْنِ مَخْزُومِ بْنِ مَالِكِ بْنِ غَالِبِ بْنِ قَطِيعَةَ بْنِ عَبْسٍ فَقَالَ لِقَوْمِهِ: يَا قَوْمِ، إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُطْفِئَ هَذِهِ النَّارَ الَّتِي قَدْ أَضَرَّتْ بِكُمْ، فَلْيَقُمْ مَعِي مِنْ كُلِّ بَطْنٍ رَجُلٌ قَالَ أُبَيٌّ: فَكَانَ ابْنُ عُمَارَةَ الَّذِي قَامَ مَعَهُ مِنْ جُزَيْمَةَ قَالَ: فَخَرَجَ بِنَا حَتَّى انْتَهَى إِلَى النَّارِ فَخَطَّ خَطًّا عَلَى مَنْ مَعَهُ ثُمَّ قَالَ: إِيَّاكُمْ أَنْ يَخْرُجَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ هَذَا الْخَطِّ فَيَحْتَرِقَ، وَلَا يُنَوِّهَنَّ بِاسْمِي فَأَهْلِكَ قَالَ: فَخَرَجَ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ فَأَحْدَقَ بِنَا حَتَّى جَعَلَنَا فِي مِثْلِ كِفَّةِ الْمِيزَانِ، وَجَعَلَ يَدْنُو مِنَّا حَتَّى كَادَ يَأْخُذُ بِأَفْوَاهِنَا، فَقُلْتُ: يَا خَالِدَ، أَهْلَكْتَنَا آخِرَ الدَّهْرِ فَقَالَ: كَلَّا، وَجَعَلَ يَضْرِبُهَا وَيَقُولُ: بَدَّا بَدَّا، كُلُّ هُدًى لِلَّهِ مُؤَدَّى، حَتَّى عَادَتْ مِنْ حَيْثُ جَاءَتْ، وَخَرَجَ يَتَّبِعُهَا حَتَّى أَلْجَأَهَا فِي بِئْرٍ فِي وَسَطِ الْحَرَّةِ مِنْهَا تَخْرُجُ النَّارُ، فَانْحَدَرَ فِيهَا خَالِدٌ وَفِي يَدِهِ دِرَّةٌ فَإِذَا هُوَ بِكِلَابٍ تَحْتَهَا فَرَضَّهُنَّ بِالْحِجَارَةِ، وَضَرَبَ النَّارَ حَتَّى أَطْفَأَهَا اللَّهُ عَلَى يَدِهِ.
وَمَعَهُمُ ابْنُ عَمٍّ لَهُ يُقَالُ لَهُ
: عُرْوَةُ بْنُ سِنَانِ بْنِ غَيْثٍ، وَأُمُّهُ رَقَاشُ بِنْتُ صَبَاحٍ مِنْ بَنِي ضَبَّةَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: هَلَكَ خَالِدٌ، فَخَرَجَ وَعَلَيْهِ بُرْدَانِ يَنْطِفَانِ مَاءً مِنَ الْعَرَقِ، وَهُوَ يَقُولُ: بَدَّا بَدَّا، كُلُّ هُدًى لِلَّهِ مُؤَدَّى، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَنَا خَالِدُ بْنُ سِنَانٍ، كَذَبَ ابْنُ رَاعِيَةِ الْمِعْزَى، لَأَخْرُجَنَّ مِنْهَا وَجِلْدِي يَنْدَى، فَسُمِّيَ بَنُو عُرْوَةَ بِبَنِي رَاعِيَةِ الْمِعْزَى، فَهُوَ اسْمُهُمْ إِلَى الْيَوْمِ، ثُمَّ إِنَّ خَالِدًا جَمَعَ عَبْسًا فَقَالَ: يَا عَشِيرَتَاهُ، احْفِرُوا بِهَذَا الْقَاعِ، فَحَفَرُوا فَاسْتَخْرَجُوا حَجَرًا فِيهِ خَطٌّ دَقِيقٌ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: 2] السُّورَةُ كُلُّهَا فَقَالَ: احْفَظُوا هَذَا الْحَجَرَ؛ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ سَنَةٌ أَوْ قَحِطْتُمْ فَأَخْمِرُوهُ بِثَوْبٍ ثُمَّ أَخْرِجُوهُ؛ فَإِنَّكُمْ تُسْقَوْنَ مَادَامَ مُخَمَّرًا.
فَكَانُوا إِذَا قَحِطُوا أَخْرَجُوهُ فَخَمَّرُوهُ بِثَوْبٍ، فَلَمْ يَزَالُوا يُمْطَرُونَ مَادَامَ مُخَمَّرًا، فَإِذَا كَشَفُوهُ أَقْلَعَتِ السَّمَاءُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ صَاحِبَتِي هَذِهِ حُبْلَى فِي كَذَا وَكَذَا، تَلِدُ فِي كَذَا وَكَذَا، فِي شَهْرِ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ سَمِيَتْ مِنْ نِعَمِ الْمَوْلُودِ، فَاسْتَوْصُوا بِهِ خَيْرًا؛ فَإِنَّهُ سَيَشْهَدُ مَشَاهِدَ أَوْلَدَتْ مُجَاهِدًا، وَهُوَ أُحَيْمِرُ كَالدُّرَةِ، نَفَعَ مَوْلَاهُ مِنَ الْمَضَرَّةِ، نِعْمَ فَارِسُ الْكَرَّةِ، وَلَا تُصِيبَنَّكُمْ جَائِحَةٌ مِنْ عَدُوٍّ وَلَا سَنَةٍ مَا كَانَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ.
فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ: احْفِرُوا لِي عَلَى هَذِهِ الْأَكَمَةِ، ثُمَّ ادْفِنُونِي ثُمَّ ارْقُبُونِي ثَلَاثًا، فَإِذَا مَرَّتْ بِكُمْ عَانَةٌ فِيهَا حِمَارٌ أَبْتَرُ فَاسْتَافَ الْقَبْرَ فَأَطَافَ بِهِ فَانْبِشُونِي تَجِدُونِي حَيًّا أُخْبِرُكُمْ بِمَا يَكُونُ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ، فَمَاتَ فَدَفَنُوهُ حَيْثُ قَالَ لَهُمْ، ثُمَّ مَكَثُوا أَيَّامًا ثَلَاثَةً فَإِذَا
الْحِمَارُ كَمَا وَصَفَ، فَأَرَادُوا نَبْشَهُ فَقَالَ بَنُو عَبْسٍ: وَاللَّهِ لَا نَنْبِشُ مَوْتَانَا فَتَسُبَّنَا بِهِ الْعَرَبُ، فَلَمَّا أَسْرَعَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ سَلِيطُ بْنُ مَالِكِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ جُزَيْمَةَ فَقَالَ: دَعُوا نَبْشَ هَذَا الرَّجُلِ يَصْلُحْ لَكُمْ حَالُكُمْ، وَتَسْلَمْ لَكُمْ دِمَاؤُكُمْ، فَأَجَابُوهُ.
وَقَدِمَ ابْنُهُ مَرَّةً عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَقْعَدَهُ مَعَهُ وَقَالَ: «إِلَيَّ يَا ابْنَ أَخِي، ابْنَ نَبِيٍّ أَضَاعَهُ قَوْمُهُ» ، وَيُقَالُ: إِنَّ ابْنَتَهُ مُحَيَّاةَ هِيَ الَّتِي أَتَتْهُ، فَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ وَقَالَ: «إِلَيَّ يَا ابْنَةَ أَخِي، ابْنَةَ نَبِيٍّ أَضَاعَهُ قَوْمُهُ»