التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيلصفحات 85-124

"أمس"، / ولا "قمت" في "غد".
انتهى كلامه.
وقد ناقضه بما ذكر بعد، وسنين مناقضته إن شاء الله.
والقول بالاشتراك مذهب الأكثرين، وقال أبو الوليد بن رشد: "فعل المستقبل والحاضر واحد في لسان العرب، فإذا أرادوا تخليصه للاستقبال أدخلوا عليه السين أو سوف، وإذا أرادوا الحاضر قالوا: يفعل الآن، وهو اسم مبني على افتح، أعني "الآن"، وهو فصل بين الماضي والمستقبل، وليس هناك حاضر إلا بالوضع؛ لأن كل زمان منقسم، و "الآن" ليس بزمان لأنه غير منقسم، لكن الحاضر عند الجمهور هو زمان يحيط به زمان مستقبل وماض قريبان من الحاضر، فسمي ذلك الزمان باسمه لتنزله في الحس منزلة الآن في العقل" انتهى.
وقال بعضهم: إنه إذا وقع على الحال كان بحق الأصلية، وإذا وقع على الاستقبال كان بحق الفرعية، وهو مذهب الفارسي، وبه قال أبو بكر بن مسعود أبو ركب من أصحابنا، ولذلك كان عند الفارسي حمله على الحال إذا عدمت القرائن أولى من حمله على الاستقبال.
وقد استدل على ذلك في تذكرته بما تقرر في كلام العرب من أن اللفظ إذا صلح للقريب وللبعيد كان القريب أحق به؛ ألا ترى أن العرب تقول: زيد وأنت قمتما، فتغلب المخاطب على الغائب لأنه أقرب إلى المتكلم

منه، وتقول: أنا وأنت قمنا، فتغلب المتكلم على المخاطب لأنه أقرب، فكذلك ينبغي أن يكون "يفعل" بالحال أحق منه بالمستقبل؛ لأنه الحال أقرب من المستقبل.
واستدل غيره على ذلك بأنه يخلص للاستقبال بالسين وسوف، والحروف الدالة على المعاني إنما تلحق الفروع لا الأصول، كعلامة التأنيث والتثنية والجمع والتصغير والتعريف وغير ذلك من حروف المعاني.
قيل: وهذا ليس بشيء لأن "يفعل" أيضا قد يتخصص بالحرف للحال، نحو إن زيداً ليفعل، فاللام خلصته للحال كما خلصته سوف للاستقبال.
وذهب بعضهم إلى عكس هذا المذهب، وهو أنه أصله المستقبل؛ لأنه أسبق الفعلين، فهو أحق بالمثال، وبنت العرب الحال على لفظه لقربه به، وأنه لم ينقض، وهو مذهب الأستاذ أبي بكر بن طاهر.
ورد بأنه لا يلزم من سبق المعنى سبقية المثال، وأصل أحوال الفعل أن يكون منتظراً لم يقع، ثم يكون حاصلاً لم يمض، ثم يكون ماضياً منقطعاً.
وقد ذكر أبو إسحاق أن أسبق الأمثلة مثال الماضي.
واحتج باعتلال المضارع والأمر باعتلال الماضي وهذا - وإن احتمل - لا يلزم لوجود الماضي يعتل باعتلال المضارع، نحو أعديت واستعديت، ولا يشك في أن مضي الفعل آخر أحواله.
وقوله: ولو نفي بلا أي: إن المضارع إذا نفي بـ "لا" صلح مع وجودها للحال وللاستقبال.
وقوله: خلافاً لمن خصها بالمستقبل يعني أن "لا" إذا دخلت على

المضارع تعين أن يكون مستقبلاً.
وهذا الذي اختاره المصنف هو مذهب الأخفش وأبي العباس.
وذهب معظم المتأخرين - منهم الزمخشري - إلى أن "لا" تخلص المضارع للاستقبال، وهو ظاهر مذهب س، قال س: "وأما "ما"/ فهي نفي لقوله هو يفعل إذا كان في حال الفعل، فتقول: ما يفعل"، ثم قال: "وتكون "لا" نفياً لقوله يفعل ولم يقع الفعل، فتقول: لا يفعل ". ذكر ذلك في باب عدة ما يكون عليه الكلم.
وقال المصنف في شرحه: "والذي غر الزمخشري وغيره من المتأخرين قول س في نفي الفعل: وإذا قال هو يفعل، أي: هو في حال فعل، فإن نفيه ما يفعل، وإذا قال هو يفعل ولم يكن الفعل واقعاً فإن نفيه لا يفعل ". قال: "فاستعمل "ما" في نفي الحال، و "لا" في نفي المستقبل، وهذا لا خلاف في جوازه".
انتهى نقله عن س. قال المصنف: "وليس في عبارته - يعني س - ما يمنع من إيقاع غير "ما" موقع "ما"، ولا من إيقاع غير "لا" موقع "لا"، فقد بين في موضع آخر أن "إن" النافية مساوية لـ "ما"، فيلزم من ذلك أن تستعمل لنفي الحال كما تستعمل "ما".
وبين أيضاً أن

"لن" لنفي سيفعل، فيلزم من ذلك موافقتها لـ "لا"، ولم يتعرض لذلك في باب نفي الفعل، فلا يوجب ذلك عدم جوازه، فكذلك لا يجب من تخصيص "ما" بنفي الحال امتناع نفيه بغيرها، ولكنه قصد في باب نفي الفعل التنبيه على الأولى في رأيه، والأكثر في الاستعمال".
ثم قال: وقد قال س في باب عدة ما يكون عليه الكلم: "وتكون لا ضدًا لنعم".
وهذا إشعار بعدم تقييدها في النفي بزمانٍ دون زمان، كما لا تتقيد نَعَمْ، لأن نعم تصديق لما قبلها ماضياً كان أو حاضراً أو مستقبلاً " انتهى كلامه.
وقال المصنف أيضاً: "وهو لازم"، يعني كون المضارع إذا نفي بـ "لا" لم يتعين الحكم باستقباله.
قال: "وهو لازم لـ "س" وغيره من القدماء لإجماعهم على صحة قول القائل: قاموا لا يكون زيداً، بمعنى إلا زيداً، ومعلوم أن المستثني منشاء للاستثناء، والإنشاء لابد من مقارنة معناه للفظه، ولا يكون هنا استثناء، فمعناه مقارن للفظه، فلو كان النفي بـ "لا" مخَلِّصاً لاستقبال المضارع لم تستعمل العرب "لا يكون" في الاستثناء لمباينته الاستقبال.
ومثل هذا الإجماع إجماعهم على إيقاع المضارع المنفي بـ "لا" في مواضع تنافي الاستقبال، نحو: أَتَظُنُّ ذلك كائناً أم لا تظنه؟ ومالك لا تقبل؟ وأراك لا تبالي، وما شأنُك لا تُوافق؟ ومنه قول الشاعر: يرى الحاضر الشاهد المطمئنُّ... من الأمر ما لا يرى الغائب وقال آخر: إذا حاجة ولتك لا تستطيعها... فخذ طرفاً من غيرها حين تسبق

وقال آخر: كأن لم يكن بين إذا كان بعده... تلاق، ولكن لا إخال تلاقيا" انتهى ما أورده المصنف مما ذكر أنه نفي بـ "لا" وليس مستقبلاً.
ولا حجة في شيء منه، وذلك أن المدعى هو أن ما صلح للحال والاستقبال، ولا مرجح لأحدهما، إذا نفي بـ "لا" يتخلص للاستقبال، وهذه المواضع التي ذكرها المصنف لم يكن الفعل قبل ذلك صالحاً لهما.
أما في الاستثناء فإن قوله: "لا يكون زيداً"أجري مجرى "إلا زيداً"، فجرى هذا الفعل المنفي بـ "لا" مجرى إداة الاستثناء / التي هي إلا، ولذلك أضمر في يكون اسمها مفرداً حتى لا تكثر المخالفة، فهو فعل جرى مجرى إلا، ولم يكن قبل دخول "لا" صالحاً للحال والاستقبال، فلا يورد دليلاً على المخالف.
وأما "أتظن ذلك كائناً أم لا تظنه" فقد تقدم قوله: "أتظن"، وهو فعل حال، فجاء قوله: "أم لا تظنه" معادلاً لفعل الحال، فهذه قرينة صرفته عن الاستقبال إلى الحال، فلم يكن صالحاً للحال والاستقبال.
وأما قوله: " ما لك لا تقبل؟ " فإن الاستفهام هو في الحال، و "لا تقبل" قيد فيه، وقيد الحال حال.
وكذلك "أراك لا تبالي"، فإن "أراك" فعل حال، و "لا تبالي" قيد فيه.
وكذلك "يرى الحاضر" فعل حال عامل في "ما لا يرى الغائب"، فكانت صلة "ما" حالاً لأن المعنى عليه.
وأما قوله: "إذا حاجة" البيت، فحمله على الحال وهم فاحش؛ لأن "إذا" ظرف لما يستقبل، فـ "ولتك" ماض في اللفظ، وهو مستقبل في المعنى، و "لا تستطيعها" جملة

في موضع نصب على الحال، والعامل فيها "ولتك"، وهو مستقبل المعنى كما قلنا، فـ "لا تستطيعها" جملة مستقبلة، والمعنى: إذا تولى حاجة عنك غير مستطيعها - أي: غير قادر عليها - فخذ طرفاً من غيرها.
فقد اتضح بهذا الذي ذكرناه أن "لا" لم تدخل على مضارع صالح للحال والاستقبال، والخلاف إنما هو في هذا.
وقال المصنف: "على أن كلام س لو كان صريحاً في أن المضارع المنفي بـ "لا" لا يكون إلا مستقبلاً لم يجز الأخذ به بعد وجود الأدلة القاطعة بخلاف ذلك كما قدمنا" انتهى كلامه.
وقد تكلمنا على أدلته القاطعة على زعمه وبينا أنها ليست أدلة.
وانظر إلى جسارة هذا الرجل على س، وهو المستقري العربية عن العرب مشافهة أو عمن شافه العرب: وابن اللبون إذا ما لز في قرن... لم يستطع صولة البزل القناعيس

-[ص: ويترجح الحال مع التجريد.]-

ش: يقول إنه إذا انتفت عنه القرائن المخلصة للحال والقرائن المخلصة للاستقبال ترجح كونه للحال.
وقال المصنف في الشرح: "لما كان للماضي في الوضع صيغة تخصه، وللمستقبل صيغة تخصه، ولم يكن للحال صيغة تخصه، بل أشرك مع المستقبل في المضارع، جعلت دلالته على الحال راجحة عند تجرده من القرائن.
ليكون ذلك

جابرًا لما فاته من الاختصاص بصيغة"انتهى كلامه.
وكان قد تقدم لنا نقل كلامه أنهما اشتركا في صيغة المضارع اشتراكًا وضعيًا, وذكرنا أنا نبين مناقصيته, وذلك لأن المشترك بالوضع لا يكون إذا تجرد عن القرائن يحمل على أحد محامله بل يبقى مجملًا, فمن حيث ذكر أنه إذا تجرد عن القرائن لا يحمل لا على الحال ولا على الاستقبال, وقد ناقض هذا بقوله:"ويترجح الحال مع التجريد",فإن المشترك لا يترجح إذا تجرد عن القرائن حمله على أحد محامله, لكن المصنف خلط إذا ركب مذهب الفارسي في أنه في الحال أظهر على ظاهر/ مذهب س في أنه مشترك بينهما.
ونقص المصنف من المرجحات للحال ما زاد غيره, ويأتي ذكره.

-[ص: ويتعين عند الأكثر بمصاحبة "الآن"ي معناه, وبلام الابتداء, ونفيه بـ"ليس"و"ما"و"إن".]-

ش: "الآن"ظرف زمان, وسيأتي الكلام عليه في باب الظروف, ومن جعله قرينة تخلص المضارع للحال فيعني إذا استعمل على حقيقته, وأما إذا تجوز فيه, واستعمل تقريبًا, فإنه يصلح مع المستقبل والماضي, نحو قول الله تعالى: ﴿قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ﴾ ﴿الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ﴾ ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ - وفعل الأمر مستقبل- ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ﴾, وفعل الشرط مستقبل.
وينبغي أن يتأول كلام المصنف في قوله:"ويتعين عند الأكثر بمصاحبة

"الآن" على أن يحمل إذا عري عما يخلصه للاستقبال, كمجئيه مع فغل الشرط، فـ"الآن"لا تخلصه للحال، وأما في مثال"يقوم زيد الآن" فهي مسألة خلاف، الأكثرون يقولون إنه متعين للحال إذ قرن بظرف الحال، وبعضهم يجيز أن يكون مستقبلًا مع "الآن".
وقوله: وما في معناه هو الحين والساعة وآنفًا، تقول: يخرج زيد الحين أو الساعة، فالألف واللام فيهما للحضور، ويخرج آنفًا، فيتعين حمله على الحال.
ومن أجاز أن يراد به الاستقبال مع "الآن" أجازه مع هذه الكلمات.
وقوله: وبلام الابتداء يعني أنه تخلص للحال نحو: إن زيدًا ليقوم.
قال المصنف."وأما لام الابتداء فمخلصة للحال عند أكثرهم، وليس كما ظنوا، بل جائز أن يراد الاستقبال بالمقرون بها، كقوله تعالى: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ و ﴿إنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُوا بِهِ﴾، فـ"يحزنن"مقرون بلام الابتداء، وهو مستقبل لأن فاعله الذهاب، والذهاب عند نطق يعقوب-عليه السلام- بيحزن غير موجود، فلو أرد بيحزن الحال لزم سبق معنى الفعل بمعنى الفاعل في الوجود، وهو محال"انتهى كلامه.
وليس ما رد به صحيحًا في الاستدلال: لأن من يقول إن لام الابتداء تخلص للحال إنما هو إذا لم يقترن بالفعل قرينه تخلصه للاستقبال، كعمله في الظرف المستقبل، وهو يوم القيامة المنصوب بقوله: (ليحكم).وقد ذكر المصنف أنه يتخلص للاستقبال إذا عمل في الظرف المستقبل نحو: أجيء

إذا جاء زيٌد، فأجيء مستقبٌل لعمله في إذا، فكذلك (ليحكم) لعمله في (يوم القيامة) إذ هو ظرف مستقبل.
وأما قوله تعالى: ﴿لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُوا بِهِ﴾ فلا يتعين أن يكون (ليحزنني) مستقبلًا، إذ يحتمل أن يكون في الكلام حذف مضاف، ويكون ذلك المضاف حالًا، فيكون (ليحزنني) حالًا، وتقدير: ليحزنني نيتكم أو قصدكم أن تذهبوا به، فالنية والقصد حال، وهو الفاعل بيحزن، فهو حال رفع ما هو حال، وفعل الحال لا يمتنع أن يعمل في المفعول المستقبل نحو: أنوي الآن أن أجيئك غدًا، ثم حذف المضاف، أقيم المضاف إليه مقامه، ولا يلزم من إعرابه فاعلًا في الصناعة أن لا يكون مفعولًا في المعنى بذلك المحذوف.
وقوله: ونفيه بليس وما/ [وإن] فمن النفي بليس والمراد الحال قول الشاعر" فلست-وبيت الله-أرضى بمثلها ولكن من يمشي سيرضى بما ركب وبـ"ما" قوله تعالى: ﴿ومَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾.
وبـ"إن" ﴿وإنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾.
قال المصنف في الشرح: "والأكثرون على أن النفيس بليس وما وإن قرينٌة مخلصٌة للحال مانعة من إرادة الاستقبال، وليس ذلك بلازم، بل الأكثر أن يكون المنفي بها حالًا، ولا يمتنع كونه مستقبلًا، قال حسان يصف الزبير رضي الله عنهما:

وما مثله فيهم، ولا كان قبله... وليس يكون الدهر ما دام يذبل وقال آخر: والمرء ساٍع لأمٍر ليس يدركه... والعيش شٌح وإشفاٌق وتأميل وقال تعالى في استقبال المنفي بـ"ما"و"إن" ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي إنْ أَتَّبِعُ إلاَّ مَا يُوحَى إلَيَّ﴾، وقال أبو ذؤيب: أودى بني، وأودعوني حسرة... عند الرقاد، وعبرٌة ما تقلع وقال الأعشى الباهلي يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم: له نافلاٌت ما يغب نوالها... وليس عطاء اليوم مانعه غدا وقال رجل من طياء: فإنك إن يعروك من أنت محسٌب ليزداد إلا كان أظفر بالنجح أي: ما ينزل بك من أحسبته بالعطاء، أي: أعطيته عطاًء كافيًا ليزداد على الكفاية إلا كان أظفر بالنجح.
فالمنفي بأن هنا مستقبل لا شك في استقباله"انتهى كلامه.
وحكي س في القسم: "لئن زرته ما يقبل منك"، وهذا موضع"لا".وحكي "لئن فعلا ما فعل"، وتلا ﴿ولَئِنْ أَتَيْتَ﴾ الآية.
والذين قالوا إن هذه الأدوات تخلص للحال إنما هو إذا لم تقترن قرينة

لفظية أو معنوية تخلص للاستقبال، أما إذا اقترنت قرينة تخلصه للاستقبال فلا يقول أحد إنه تخلصه للحال.
نص على هذا القيد أصحابنا، وهم الذين يقولون إن هذه تخلص للحال.
وقال الأستاذ أبو علي: "ذكر س أنها لنفي الحال، وهي تنفي الماضي أيضًا، وكأنه-والله أعلم-إنما ذكر الأمر الذي تفارق فيه لم ولن، وتختص به، وهو نفي الحال"انتهى.
وقد نقص المصنف من القرائن التي ذكرها أصحابنا أنها تخلص للحال: أن يعطف على الحال، أو يعطف الحال عليه، نحو: جاء زيٌد يضحك.
فلم يستوف المصنف ما يخلص المضارع للحال/.وقد أهمل المصنف ما يعين المضارع للحال، وهو الإنشاء، تقول: أقسُم لأضربن عمرًا، وأحلف ما خرج زيٌد، وإذا كان يصرف الماضي إلي الحال فلأن يصرف المضارع أولى وأحرى.
ولا يمكن أن يكون هذا مستقبلًا؛ لأن الإنشاء هو إيقاع معنى بلفظ يقارنه في الوجود.
ص: ويتخلص للاستقبال بظرٍف مستقبل، وبإسناده إلي متوقع، وباقتضائه طلبًا أو وعدًا، أو بمصاحبة ناصٍب أو أداة ترٍج أو إشفاٍق أو مجازاٍة أو"لو"المصدرية أو نون توكيد، أو حرف تنفيس، وهو السين أو سوف أو سف أو سو أو سي.

ش: يشمل قوله: بظرٍف مستقبٍل أن يكون معمولًا للمضارع، نحو: أكرمك إذا جئت، أو مضافًا إليه، نحو: القتال إذا تقوم.
ومثال إسناده إلي متوقع قوله: يهولك أن تموت، وأنت ملٍغ... لما فيه النجاة من العذاب فـ"يهولك"مستقبل لإسناده إلي مستقبل، وهو الموت.
ومثال ما تضمن طلبًا ﴿والْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾، أو وعدًا ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ويَرْحَمُ مَن يَشَاءُ﴾.
ومثال مصاحبة نصاب هو أن ولن وإذن وكي في أحد قسميها، وسواء أكان الناصب ظاهرًا نحو ﴿وأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ أو مقدرًا نحو ﴿لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾.
وما ذكروه من أن النواصب تخلص للاستقبال هو مذهب س. ويدل على ذلك أنه لا يجوز الجمع بينها وبين السين وسوف إذ أغنى الناصب عنهما.
وذكر أبو زيد السهيلي أن بعض المتأخرين خالف س في ذلك،

وألف كتابًا، وأورد حجاجًا على زعمه.
ومثال أداة الترجي قوله تعالى: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ﴾، وقول الشاعر: فقلت: أعيراني القدوم لعلني أخط به قبرًا لأبيض ماجد ومثال أداة الإشفاق قوله: فأما كيس فنجا، ولكن... عسى يغتر بي حمٌق لئيم والفرق بين الترجي والإشفاق مذكوٌر في باب إن.
ومثال المجازاة ﴿إن يَشَا يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ﴾، وسواء في ذلك ما يجزم كـ"إن"وما لا يجزم نحو"كيف"، تقول: كيف تصنع أصنع، فكيف معناها الجزاء، ولم تجزم بها العرب.
ومثال لو المصدرية ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ﴾، قال المصنف في الشرح: "وعلامة المصدرية أن يحسن في موضعها "أن"، واحترز بتقييدها من"لو"الدالة على امتناٍع لامتناع، فإن تلك تؤثر ضد ما تؤثر هذه" انتهى

كلامه.
وأثبت المصنف لـ"لو"معنى المصدرية، أكثر النحويين لا يعرفون ذلك، وقد أمعنا الكلام على ذلك في فصل"لو"من هذا الكتاب عندما شرحنا كلام المصنف فيه، وبينا هناك أن الصحيح خلاف ما ذهب إليه المصنف.
ومثال حرف التنفيس قوله: ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾.وذكر حروف التنفيس، والمشهور أنها سوف والسين، وذكر سو، وحكي الكسائي أن ناسًا من أهل الحجاز يقولون: سو تعملون/، وقال الشاعر: فإن أخلك فسو تجدون فقدي وإن أسلم يطب لكم المعاش وزعم بعضهم أن هذا من الحذف الذي جاء في الشعر، وليس بلغة.
وذكر سف، وحكاها الكوفيون، وسي، قال: "وهي أغربهن، حكاه صاحب المحكم"، ولا يعرف البصريون إلا سوف والسين، لغتان ليست إحداهما من الأخرى.
قال المصنف: "واتفقوا على أن أصل سف وسو وسي سوف،

وزعموا أن السين أصل برأسها غير مفرعة على سوف، لكنها منها كنون التوكيد الخفيفة من نون التوكيد الثقيلة".قال: "وهذا عندي تكلف ودعوى مجردة عن الدليل، وليس كذلك القول بأن نون التوكيد الخفيفة أصل برأسها؛ لأن الذي حمل على ذلك أنا رأينا الخفيفة تنفرد بمعاملة لا تعامل بها الثقيلة، كحذفها عند ملاقاة ساكن، نحو أن تصل قومن باليوم"، تقول: قوم اليوم، وكإبدالها ألفًا في الوقف إذا انفتح ما قبلها نحو (لنسفعًا).
ولو كانت مخففة من الثقيلة لكان حذفها بعد الحذف منها إجحافًا، ولما جاز أن تبدل ألفًا؛ لأن إبدال الباقي بعد الحذف تغيير ثان، وذلك إجحاف أيضًا.
فلما كان هذا القول مفضيًا إلي هذا المحذور وجب اطراحه، والقول بأن السين فرع سوف لا يفضي إلي مثل ذلك، فوجب قبوله.
وأيضًا فقد أجمعنا على أن سف وسو وسي عند من أقبتها فروع سوف، فلتكن السين أيضًا فرعها؛ لأن التخصيص دون مخصص مردود.
وهذا التصرف في سوف شبيٌه بالتصرف في أيمن الله، وفي حاشا، وفي أف".
انتهى ما لخص من كلام المصنف في شرحه.
ومحصوله أنه لم يستدل على الفرعية بشيء، واستطرد من ذلك إلي ادعاء أن النون الخفيفة ليست فرعًا عن الثقيلة، واستدل على ذلك بما ذكر من أنه ثبتت لها أحكام لليست للمثقلة.
وهذا لا دليل فيه؛ ألا ترى أن "إن" المخففة من الثقيلة هي فرع عنها بلا خلاف نعمله في ذلك، وقد انفرد بأحكام، منها الإلغاء، ومنها دخول اللام في ثاني جزأي الكلام لزومًا، ومنها دخولها على الأفعال النواسخ، وهذا على ما يقرر في باب إن، ولا يجوز

شيء من ذلك في الثقيلة.
وكذلك أن وكأن، هما مخففان من التشديد، ولهما أحكام لا تكون لهما حالة التشديد، وأما أن يكون الحذف في نحو: قوم اليوم، والإبدال في (لنسفعا) إجحافًا فليس كذلك؛ لأن هذا أمر عارض، فاحتمل ذلك فيه كما احتمل حذفها بعد الضمة والكسرة في الوقف في مثل اضرب واضربن، فصار اضربوا واضربي.
وقال بعضهم: لو كانت السين فرع سوف كـ "سف" و "سو" لكانت أقل استعمالًا منها؛ لأنها أبعد من الأصل إذ حذفت الواو والفاء، وهما أقرب لقلة الحذف، والأصل أحق بكثرة الاستعمال من الفرع، والفرع الأقرب أحق من الأبعد.
ورد هذا التعليل بأنه قد يفوق/ الفرع الأصل كنعم وبئس، إذ أصلهما نعم وبئس، وكأٍب وأٍخ، فاق النقص فيهما القصر، وهو الأصل، فلأن يفوق فرٌع فرعًا أولى.
وقال بعضهم: لو كانت السين فرعًا لتساوت مدة التسويف، وهي بسوف أطول، فكل واحدة أصل برأسها.
ورد هذا المصنف في الشرح بالسماع والقياس: فالسماع تعاقبهما على المعنى الواحد في وقت واحد في قوله: ﴿وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، وقوله: ﴿أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، ﴿كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾، ﴿كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، وقال:

وما حالٌة إلا ستصرف حالها إلي حالٍة أخرى، وسوف تزول وأما القياس فالماضي والمستقبل متقابلان، فكما أن الماضي لا يقصد به إلا مطلق المضي دون تعرض لقرب أو بعد، فكذلك المستقبل.
انتهى ملخصًا.
وذكر أبو موسى في ملخصات المضارع لاستقبال لام الأمر والدعاء، و"لا" في النهي والدعاء.
وذلك مندرج تحت قول المصنف: "وباقتضائه طلبًا".
وذكر أيضًا أبو موسى لام القسم نحو: والله ليقوم زيٌد، إلا أن هذا لا يكون في الكلام إلا بنون التوكيد، فأما في الشعر فتجيء اللام وحدها، كما قال: تألي ابن أوٍس حلفه ليردني... إلي نسوٍة كأنهن مفائد وهذا على مذهب البصريين، وأجاز الكوفيون في الكلام تعاقب اللام والنون.
وهذا الذي ذهب إليه أبو موسى في اللام هو مذهب أكثر النحويين.
ومنهم من ذهب إلي أنك تقول إذا أقسمت على قيام في الحال: والله ليقوم زيٌد.

ونقص المصنف من القرائن التي تخلص المضارع للاستقبال عطفه على المستقبل، وعطف المستقبل عليه، نحو قولك: سيأكل زيٌد ويشرب، أو يأكل زيٌد وسيشرب.

-[ص: وينصرف إلي المضي بلم ولما الجازمة ولو الشرطية غالبًا، وبإذ وربما، وقد في بعض المواضع.]-

ش: ظاهر كلام المصنف أن لم ولما يصرفان معنى المضارع إلي لمضي، وهذا مذهب المبرد والأستاذ أبي علي، وأكثر المتأخرين، ذكروا لم ولمّا في القرائن الصارفة معنى المبهم إلي المضي دون لفظه، وأن الأصل يفعل، فدخلتا عليه، وصرفتا معناه إلي المضي، وبقي اللفظ على ما كان عليه.
وذهب أبو موسى وغيره إلي أنهما تصرفان لفظه إلي المبهم دون معناه، ونسب هذا المذهب إلي س لأنه جعل"لم" نفسي"فعل"، و"لما"نفي"قد فعل"، "قالوا": "والدليل على ذلك أنك إذا ناقضت من أوجب قيام زيد، فقال: قام زيٌد، قلت: لم يقم زيٌد، وإن قال: قد قام زيٌد، قلت: لما يقم زيٌد، والمناقضة إنما تكون بإدخال أداة النفي على ما أوجبه الذي قصدت مناقضة كلامه.
ألا ترى أنه لو قال: زيٌد قائمٌ، فأردت مناقضته،

لقلت: ما زيٌد قائمٌ، فدل ذلك على أن لم ولما دخلتا على الماضي، وغيرتا لفظه، ولما كانت "لما" لنفي قد فعل أجازوا الوقف على لما، فقالوا: قاربت المدينة ولما، أي: لم أدخلها، كما قالوا: لم يقم زيد/ وكأن قد، يريدون: كأن قد قام، قال النابغة: أفد الترحل غير أن ركابنا لما تزل برحالنا، وكأن قد وأيضًا فإن صرف التغيير في لم يقم ولما يقم إلي جانب اللفظ أولى من صرفه إلي المعنى؛ لأن المحافظة على المعنى أول، وليست الألفاظ كذلك لأنها خديمٌة للمعاني".
وقد أشار المصنف في الشرح إلي الخلاف في هذه المسألة، وصحح ما اختاره بأن له نظيرًا، وهو ما أجمعوا عليه في المضارع الواقع بعد "لو"، والقول الآخر لا نظير له.
وقال المصنف في الشرح: "وقيدت لما بنسبة الجزم إليها لأنها إذا لم تكن جازمة لا يليها فعل مضارع، بل ماضي اللفظ والمعنى إن كانت بمعنى حين، أو ماضي اللفظ مستقبل المعنى إن كانت بمعنى إلا، كقول الشاعر: قالت له: بالله يا ذا البردين لما غنثت نفسًا أو اثنين وأطلقت "لم" تنبيهًا على أنها صارفة إلي المضي أبدًا، ولو لم يكن الفعل بعدها مجزومًا، كقول الشاعر:

لولا فوارس من نعٍم وأسرتهم يوم الصليفاء لو يوفون بالجار فرفع الفعل بعد لم، وهي لغة لقوم"انتهى ما ذكره.
ولا يحتاج إلي تقييد لما بقوله: "الجازمة"لأنها لا تدخل على المضارع إلا وهي جازمة، فلو كانت تدخل على المضارع جازمة وغير جازمة، وتكون تصرفه إلي المضي إذا كانت جازمة، لكان ذلك محتاجًا إلي أن تقيد بالجازمة، وأما أن يحترز بذلك من دخولها على الفعل الماضي فلا يصح ذلك؛ إذ التقييد إنما يكون في شيء مشترك، فتأتي به احترازًا من أحد معنيي المشترك.
وقوله: ولو الشرطية مثاله قوله تعالى: ﴿ولَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ﴾، وقول بعضهم: "لو لك أعوي ما عويت"، وقول الشاعر: لو يسمعون كما سمعت كلامها خروا لعزة ركعًا وسجودا وقول الآخر: لو يقوم الفيل أو فياله زل عن مثل مقامي وزحل قال المصنف في الشرح: "وقيدت لو بالشرطة احترازًا من المصدرية"

انتهى.
وتقدم لما التنبيه على أن الأصح أن "لو" لا تكون مصدرية، والمصنف يسمى "لو" الامتناعية شرطية، وكذلك سماها أبو موسى في الكراسة.
ورد عليه بأنها لو كانت شرطًا خلصته للاستقبال، فدخلت تحت أدوات الجزاء، وإن كانت الامتناعية صرفت معناه إلي المضي كما قال، فليست شرطًا لا في اللفظ لأنها لا تجزم، ولا في المعنى لأن الشرط إنما يكون بالنظر إلي الاستقبال.
وهذا قول أصحابنا في "لو"، ولا يسمونها شرطًا لأن الشرط عندهم لا يكون إلا في الاستقبال.
وقوله: غالبًا احتراز من ورود "لو" الشرطية بمعنى "إن" نحو قوله: لا يلفك الراجيك إلا مظهرًا... خلق الكرام ولو تكون عديما /وإذا كانت تقلب معنى الماضي للمستقبل في نحو ﴿فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا﴾ فلأن تقلب معنى المضارع أولى.
ويعني بقوله: "غالبًا" أنها إذا دخلت على المضارع كان في الاستعمال صرفه إلي المضي أكثر من صرفه إلي الاستقبال.
وقوله: وبإذ مثاله ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾.

وقوله: وربما مثاله قول الشاعر: ربما تكره النفوس من الأمـ ــر له فرجٌة كحلٌ العقال أي: ربما كرهت.
وإنما صرفت معنى المضارع إلي المضي لأنها قبل اقترانها بـ"ما" مستعملة في المضي، فقد استصحب لها ذلك بعد الاقتران، و"ما" للتوكيد، وليست بناقلة من معنى إلي معنى، بخلاف"ما" في "إذما"، فإنها فارقها المضي، وحدث فيها بـ"ما" المجازاة.
وهذا الذي ذكرناه من التعليل ملخص من كلام المصنف في الشرح، وهذا الذي ذكره هو الغالب، أعني أنها قبل اقتران "ما" تستعمل في المضي.
وقد جاء الفعل مفتتحًا بخرف التنفيس، نحو قوله: فإن أهلك فرب فتى سيبكي علي، مهذٍب، رخص البنان فعلى هذا يجيء بعدها الاستقبال قليلًا، فلا يتعين حمل المضارع بعد "ما" على المضي، بل يكون ذلك راجحًا.
فأما قوله تعالى: ﴿رٌبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ فظاهره أن الفعل الذي بعد (ربما) مستقبل؛ لأن ودادتهم ذلك لا تكون إلا في الآخرة.
وخرجه أصحابنا على أن يكون التقدير: ربما ود الذين كفروا، جعل فيه

المستقبل بمنزلة الماضي لصدق الموعود به، ولقصد التقريب لوقوعه، فجعل-وإن كان غير واقع-كأنه واقع مجازًا.
والأحسن حمله على القليل من أن"رب"قد يكون الفعل بعدها مستقبلًا؛ لأن في هذا التخريج تكلفًا ظاهرًا؛ إذ مآله إلي أنه عبر بالمستقبل عن ماض، وذلك الماضي مجاز عن المستقبل.
وقوله: "وقد"في بعض المواضع قال س في باب عدة ما يكون عليه الكلم: "وأما قد فجواٌب لقوله لما يفعل، فتقول قد فعل".
ثم قال: "وتكون قد بمنزلة ربما، قال الهذلي: قد أترك القرن مصفرًا أنامله كأن أثوابه مجت بفرصاد كأنه قال: ربما"هذا نصه.
قال المصنف في الشرح: "فإطلاقه- يعني س- القول بأنها منزلة ربما موجب للتسوية بينهما في التقليل والصرف إلي المضي"انتهى.
ولو يبين س الجهة التي فيها قد بمنزلة ربما، وعدم التبيين لا يدل على التسوية في الأحكام، بل يستدل بكلام س على نقيض ما فهم منه المصنف، وهو أن"قد"تكون بمنزلة"ربما"في التكثير فقط، ويدل عليه إنشاد البيت؛ لأن الإنسان لا يفخر بشيء يقع منه على سبيل التقليل والندرة، وإنما يفخر بما يقع منه على سبيل الكثرة، فتكون "قد" هنا بمنزلة "ربما" في التكثير، كقول امرئ

القيس: /ويا رب يوم قد لهوت وليلٍة بآنسٍة، كأنها خط تمثال وسيأتي ذكر الخلاف في معنى رب في حروف الجر إن شاء الله.
وقد تدخل على المضارع وتخلو من التقليل، وتكون للتحقيق، نحو قوله: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾، وقول الشاعر: وقد تدرك الإنسان رحمة ربه ولو كان تحت الأرض سبعين واديا وقد يكون المضارع بعد خاليًا من التقليل، فتصرفه لمعنى المضي، كقوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾.
وفي شرح الخفاف لكتاب س ما نصه: "قال الأستاذ أبو علي: إذا كانت بمنزلة ربما فما بعدها ماضٍ من جهة المعنى؛ لأنها إنما تستعمل حينئذ في الافتخار، والافتخار إنما يكون بما قد وقع، وعلى هذا بيت الهذلي، كأنه قال: قد تركت القرن، فوضع المستقبل موضع الماضي"انتهى.
وأنشد الأصمعي: أحبب حبيبك حبًا رويدًا فقد لا يعولك أن تصرما أدخل"قد"على المنفي كما أدخلها على الموجب، وإنما يجوز هذا في التي في معنى ربما، ولا تدخل على الماضي، نحو: قد لا قام.
ونقص المصنف من القرائن التي تصرف المضارع إلي المضي عطفه

على الماضي، نحو قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ أي: فأصبحت: وعطف الماضي على المضارع، نحو قول الشاعر: ولقد أمر على اللئيم يسبني فمضيت، ثمت قلت: لا يعنيني أي: ولقد مررت.
ووقوع المضارع خبرًا لكان وأخواتها، نحو كان زيٌد يقوم، وأصبح زيٌد يقوم، وأصبح زيٌد يضحك.
وإهماله في الظرف الماضي نحو قوله: يجزيه رب العالمين إد جزي جنات عدٍن في العلالي العلا كأنه قال: جزاه رب العالمين إذ جزي، وجعل الوعد بالجزاء جزاًء.
وهذا أولى من أن يعتقد في إذا أنها بمنزلة إذا؛ لأن صرف معنى المبهم إلي الماضي لقرينه قد ثبت من كلامهم، ولم يثبت وضع إذ موضع إذا بقاطع.
وزعم الأستاذ أبو الحسن بن عصفور أن من القرائن الصارفة معنى المضارع إلي المضي"لما" المحتاجة إلي الجواب، قال: "نحو قولهم: لما قوم زيٌد قام عمرٌو، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وجَاءَتْهُ البُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾، أي جادلنا "انتهى.

ولا دليل في هذه الآية على مدعاه؛ لأن لما في الآية اتصل بها الماضي، فليست مطابقة للمثال الذي ذكره من قوله: لما يقوم زيٌد قام عمرٌو، إنما جاء مضارعًا الجواب لا الذي اتصل بلما.
على أنه يحتمل أن يكون الجواب محذوفًا، أي: شرع يجادلنا، أو أخذ يجادلنا، وحذف لدلالة المعنى عليه ولطول الكلام.
وقد ذكر المصنف فيما تقدم أن"لما"التي لا تجزم لا يليها إلا الماضي لفظًا ومعنى إن/كانت بمعنى حين، أو ماٍض مستقبٌل معنى إن كانت بمعنى إلا.
وله اطلاع على اللغة، فإن سمع كلامهم: لما يقوم زيٌد قام عمرٌو، كان ذلك حجة للأستاذ أبي الحسن، وإلا فلا نقيس ما يلي "لما"على جوابها، فنقول: كما جاء جوابها بالمضارع، والمراد به المضي، فكذلك نقول فيما يليها، وقد ذكرنا احتمال حذف الجواب في الآية.

-[ص: وينصرف الماضي إلي الحال بالإنشاء، وإلي الاستقبال بالطلب وبالوعد وبالعطف على ما علم استقباله وبالنفي بـ"لا"و"إن"بعد القسم.]-

ش: مثال انصراف الماضي إلي الحال بالإنشاء ألفاظ العقود، نحو: زوجتكها، وقبلت، بعتك، واشتريت، وأقسمت لأضربن زيدًا، وخلفت ما زيٌد قائٌم.
ومثال الطلب: غفر الله لك، و"اتقى الله امرٌؤ فعل خيرا يثبت عليه"، وعزمت عليك إلا فعلت، ولما فعلت.
و"غفر الله"دعاءٌ، و"إلا فعلت"و"لما فعلت"معناه: إلا أن تفعل، ومعنى اتقى: ليتق، فهو طلب بصيغة

الماضي، ولذلك جزم"يثب عليه".
ومثال الوعد ﴿إنَّا أَعْطَيْنَاكَ الكَوْثَرَ﴾، ﴿وأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾.
ومثال العطف على معلوم الاستقبال قوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾، ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ﴾، أي فيوردهم، وفيفزع.
ومثال النفي بـ"لا"بعد القسم مثله المصنف في الشرح بقوله: ردوا، فوالله لا ذدناكم أبدًا... ما دام في مائنا ورٌد لنزال ولا حجة فيه على أن النفي بـ"لا" بعد القسم يصرفه إلى الاستقبال، وإنما انصرف هنا إلى الاستقبال بإعماله في الظرف المستقبل، وهو قوله "أبدًا"، فلو جاء: والله لا قام زيدٌ، كان ذلك الفعل ماضيًا لفظًا ومعنى؛ لأن "لا" ينفى بها الماضي قليلًا.
ومثال النفي بـ"إن"بعد القسم قال المصنف في الشرح" قوله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ أَن تَزُولا ولَئِن زَالَتَا إنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: والله لئن زالتا ما يمسكهما" انتهى كلامه.
وليس انصراف الماضي إلي المستقبل بانتفائه بإن بعد القسم؛ ألا ترى أنك لو قلت: واللهِ إن

قام زيدٌ، بمعنى: ما قام، لم تصرفه إن إلى الاستقبال، بل هو ماضٍ لفظًا ومعنى، وإنما انصرف إلى الاستقبال في الآية لأنه في المعنى معلقٌ على مستقبل، وهو الشرط، لأن (إن أمسكهما) جوابٌ للقسم المحذوف، وجواب الشرط محذوفٌ لدلالة جواب القسم عليه، وجواب الشرط المحذوف مستقبلٌ قطعًا، فكذلك ما دل عليه، وهو جواب القسم.

-[ص: ويحتمل المضي والاستقبال بعد همزة التسوية، وحرف التحضيض، وكلما، وحيث، وبكونه صلة، أو صفةً لنكرةٍ عامة.]-

ش: مثال ذلك بعد همزة التسوية: سواءٌ علي أقمت أم قعدت، فيحتمل أن يكون المعنى على المضي، ويحتمل أن يكون على الاستقبال، وسواء أكان للفعل معادل بـ "أم" كما مثلنا أم لم يكن، كقولك، سواءٌ علي أي وقت جئتني؛ لأن أيا فيه/ عموم أوقات.
فإن كان معادل الماضي بعد"أم"مقرونًا بـ"لم" تعين المضي، نحو قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ﴾؛ لأن المعادل المنفي ماٍض من حيث المعنى، فوجب مضي الأول.
فإن كان المعادل جملة اسمية بقي الاحتمال، كقوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ﴾.
ومثال التخضيض: هلا ضربت زيدًا، إن أردت المضي كان المراد التوبيخ، أو الاستقبال كان المراد الأمر، كقوله: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾، استدل به على وجوب العمل بخبر الواحد؛ إذ هو بمنزلة لينفر.
ومثاله بعد "كلما" ﴿كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾، فهذا ماض،

وقوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾، فهذا مستقبل.
ومثاله بعد "حيث" ﴿ومِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ المراد به الاستقبال، ﴿فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ المراد به المضي.
ومثال الصلة ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ المراد به المضي، ﴿إلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ المراد به الاستقبال، وقال الشاعر: وإني لآتيكم تذكر ما مضى من الأمر، واستيجاب ما كان في غد فـ"مضى"ماضٍ لفظًا ومعنى، و"ما كان في غد"ماٍض لفظًا مستقبٌل معني.
ومثال الواقع صفة لنكرة عامة قوله: رب رفٍد هرقته ذلك اليو م وأسرى من معشٍر أقتال بهذا للمضي مثله المصنف في الشرح.
وهذا ليس بجيد لأن رفدًا ليس بنكرة عامة؛ إذ"رب"على ما ينسب لـ"س"للتقليل، والتقليل ينافي

العموم، ولم يرد الشاعر أن كل رفد هرقه ذلك اليوم، ولا يتعين أن يكون"هرقته"صفة لـ"رفد"؛ إذ يجوز أن يكون هو الجواب العامل في موضع"رب رفٍد"على مذهب من لا يشترط وصف مخفوض رب، وهو الصحيح، وفي الحديث"نضر الله أمرًأ سمع مقالتي فأداها كما سمعها"، بهذا مثله المصنف، فـ"نضر"دعاء لترغيب من أدرك حياته في حفظ ما سمعه منه، فالمعنى: يسمع مقالتي فيؤديها كما يسمعها.
وهذه المثل التي مثلنا بها هذه المسائل الست معظم الكلام فيها هو من كلام المنصف في الشرح، وظاهر كلام المصنف أن الاحتمال في هذه المسائل الست هو على سبيل التسوية، والذي يظهر الحمل على المضي لإبقاء اللفظ على موضوعه، وإنما فهم الاستقبال فيما مثل به من خارج، فإذا ورد شيء من هذه المسائل وقفنا فيه مع الظاهر حتى يقوم دليل على أنه ماٍض أريد به الاستقبال.

-[ص:

باب إعراب الصحيح الآخر

الإعراب ما جيء به لبيان مقتضي العامل من حركٍة، أو حرٍف، أو سكوٍن، أو حذٍف ]- ش: الإعراب لغًة ينطلق على الإبانة، أعرب الرجل عن حاجته: أبان عنها.
وعلى التحسين، أعربت الشيء: حسنته.
وعلى التغيير، عربت المعدة، وأعربها الله: غيرها.
وقال المهاباذي: يقال: هو مأخوذ من عربت معدته إذا/ فسدت، ومعناه على هذا إزالة الفساد، أي: أزلت عربة، نحو شكاني فأشكيته، أي: أزلت شكايته، وأعتبته: أزلت عتابه، فالهمزة للسلب.
وعلى الانتقال، عربت الدابة: جالت في مرعاها، وأعربها صاحبها: أجالها.
وأما في الاصطلاح فحده المصنف بما ذكر، وجعل نفس الإعراب هو الحركة أو الحرف أو السكون، أو الحذف الحادث ذلك بالعامل، قال في الشرح: "وهذا المجعول قد يتغير لتغير مدلوله، وهو الأكثر، كالضمة والفتحة والكسرة في نحو: ضرب زيٌد غلام عمرٍو، وقد يلزم للزوم مدلوله كرفع: لا نولك أن تفعل، ولعمرك، وكنصب: سبحان الله، ورويدك، وكجر: الكلاع، وعريط من: ذي الكلاع، وأم عريط".
وهذا الذي ذهب إليه المصنف قول طائفة من النحاة، ذهبوا إلى أن

الحركات اللاحقة أواخر المعربات من الأسماء والأفعال هي الإعراب بنفسه؛ لأنه لا شيء يتبين به إعراب المعرب غيرها، وعلى هذا فيكون الإعراب عند هؤلاء لفظيًا.
وذهب متأخرو أصحابنا إلي أن الإعراب معنوي، وهو تغير في آخر الكلمة لعامل داخل عليها في الكلام الذي هي فيه، فتكون الحركات هي دلائل الإعراب وعلامات له، وهذا مذهب طائفة، وظاهر قول س، واختبار الأعلم.
قالوا: لو كانت هي الإعراب، وحذفت لعلة حكيمة كالوقف وغيره، لوجب أن يكون الاسم أو الفعل غير معرب؛ لأنه لا واسطة بين المعرب والمبني، فإذا وجد أحدهما ارتفع الآخر.
وإلي أنه لفظي ذهب أبو الحسن بن خروف والأستاذ أبو علي.
قال ابن خروف: "الإعراب صوت يحدثه العامل في آخر الكلمة".
وهذا فاسد لأن الإعراب قد يكون بحذف لا بصوت، نحو لم يفعلا، ولم يفعلوا.
ولما رأي الأستاذ أبو علي أن الإعراب قد يكون صوتًا وحذفًا قال في حده: "الإعراب حكٌم يحدثه العامل في آخر الكلمة" ليعم جميع ذلك.
وهذا الحد منقود من جهة أنه لا يفهم ما أراد؛ إذ قد يمكن أن يحد الإعراب به من مذهبه أن الإعراب تغير؛ لأن التغير حكم يحدثه العامل في آخر الكلمة.

وجعل الإعراب معنويًا لفظيًا أولى من حيث اللفظ؛ لأنا إذا أطلقنا الإعراب المصطلح عليه على التغير، كنا قد خصصناه ببعض التغيرات، ففي ذلك تخصيص له ببعض مطلقاته، وإذا أطلقناه على اللفظي-وهي الحركات أوالحروف أو السكون أو الحذف-كان ذلك نقلًا للفظ بالكلية عن مدلوله اللغوي، وليس المصطلحين نقل اللفظ عن معناه بالكلية.
وقال صاحب البسيط: "المختار في رسمه أن نقول: هو قبول الكلمة العوارض الحادثة في آخرها لفظًا أو تقديرًا، المؤثرة عن العوامل المختلفة العمل، المكافئة لها تأثيرًا لفظًا أو تقديرًا".
فقوله: "المكافئة لها"أحسن من قولهم: "الداخلة"لأنه يؤذن بخلوها عنه، وبعض المعمولات لا يخلو عن عامل.
وقوله: "تأثيرًا أوليًا"ليخرج ما يكون تأثيرًا ثانيًا بسبب التأثير/ الأول، كالكسر لالتقاء الساكنين، وما يلحقه من التغيير بسبب التحريك للإعراب من الانقلاب نحو الكلو رفعًا والكلي جرا.
وقال بعض علمائنا: "الإعراب تشكل آخر الاسم بأشكال مختلفة لاختلاف أحوال المعنى المدلول عليه بذلك الاسم"انتهى.
وقال ابن خروف أيضًا: "هو وضعك العلامة في آخر لفظًا أو تقديرًا على وفق العامل دليلة على معناه".
قال المصنف في شرحه وقد ذكر ما لزم حالة واحدة من الإعراب نحو: لا نولك، وسبحان، ما نصه: "وبهذا الإعراب اللازم يعلم فساد قول من

جعل الإعراب تغيرًا".
قال: "وقد اعتذر عن ذلك بوجهين: أحدهما: أن ما لازم وجهًا واحدًا صالح للتغير، فصدق عليه أنه متغير، وعلى الوجه الذي لزمه أنع تغير.
ورد هذا بأن ما صلح لمعنى ولم يقم به لا يوصف به حقيقة؛ ألا ترى أن"رجلًا"صالح لأن يبني مع لا، وقبل ذلك لا يسمى مبنيًا، و"خمسة عشر"صالح للإعراب بفك تركيبه، ولا يقال فيه إنه معرب، فكذلك لا ينسب تغير لما لم يقم به في الحال.
والثاني: أنه متغير عن الحالة التي كان عليها قبل عقد التركيب، وهي السكون.
ورد هذا بأن المبني على حركة مسبوق بأصالة السكون، فقد شارب المعرب في ذلك".
وهذا الرد ليس بشيء لأنا لم نقتصر على مطلق التغير، بل تغير في آخر الكلمة بعامل، وتغير المبني على حركة وإن كان مسبوقًا بسكون ليس ذلك بعامل، فلا يشرك المبني المعرب في ذلك، ولما أحس المصنف بهذا الجواب قال: "ولا يخلص من هذا القدح قولهم"لتغير العامل"فإن زيادة ذلك توجب زيادة فساد؛ لأن ذلك يستلزم كون الحال المنتقل عنها حاصلة بعامل، ثم خلفه عامل آخر حال التركيب، وذلك باطل بيقين إذ لا عامل قبل التركيب"انتهى.
وقوله: "قولهم لتغير العامل"ليس هذا قولهم فيلزم عنه ما ذكر، ولعله قول بعض مغفليهم، إنما قالوا: للعامل الداخل عليها.
وقال المصنف في شرحه ما نصه: "وقال بعضهم: لو كانت الحركات وما يجري مجراها إعرابًا لم تضف إلي الإعراب؛ لأن الشيء لا

يضاف إلى نفسه.
وهذا قول صادر عمن لا تأمل له؛ لأن إضافة أحد الاسمين إلي آخر مع توافقهما معنى أو تقاربهما واقٌع في كلامهم بإجماع، وأكثر ذلك فيما يقدر أولهما بعضًا أو نوعًا والثاني كلًا أو جنسًا، وكلا التقديرين في حركات الإعراب صالح، فلم يلزم من استعماله خلاف ما ذكرنا"انتهى كلامه.
وقوله: "لأن إضافة أحد الاسمين إلي الآخر مع توافقهما معنى أو تقاربهما واقعة في كلامهم بإجماع"ليس كما ذكر، ولا أجمع النحويون على جواز إضافة أحد الاسمين إلي آخر مع توافقهما، بل المنقول عن البصريين أن ذلك لا يجوز وإن اختلف اللفظان.
وقال الكوفيون: يجوز ذلك إذا اختلف اللفظان.
وهي مسألة خلاف، ذكرها أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن أبي سعيد الأنباري، وأبو البقاء العكبري، في كتابيهما في اختلاف النحويين.
/قوله: ما جيء به لبيان مقتضى العامل المقتضى هو المطلوب، والعامل هو ما أثر في آخر الكلمة من اسم أو فعل أو حرف، والأصل في أن يكون من الفعل، ثم من الحرف، ثم من الاسم، والأصل تخالفه مع المعمول في النوع، فإن كانا من نوع واحد فلمشابهته ما لا يكون من نوع المعمول، ولا يؤثر العامل أثرين في محل واحد، ولا يجتمع عاملان على معمول واحد إلا في التقدير، نحو: ليس به زيٌد بجباٍن، ولا يمتنع أن يكون له معمولات.

وقوله: من حركٍة هو بيان لإبهام"ما"في قوله: "ما جيء به".
والحركات ثلاث: ضمة، وفتحة، وكسرة.
وقوله: أو حرٍف هو الواو والألف والياء والنون على مذهب من يرى ذلك.
والحركة مع الحرف، لا قبله ولا بعده؛ لأن الحرف يوصف بأنه متحرك كما يوصف بالشدة والجهر، فهي صفة، والصفة لا تتقدم الموصوف ولا تتأخر عنه، إنما توجد معه؛ إ لا تقوم نفسها، ولأن حروف العلة تنقلب إلي غيرها لتحركها، فلو كانت بعدها لم تقلب، ولم تنقلب الألف همزة عند التحرك، ولأنه إن لم تكن الحركة على الحرف كان عاريًا منها، فكان ساكنًا، حتى إنه لو كان ما قبله ساكنًا لزم التقاء الساكنين من غير تحريك.
وذهب قوم منهم ابن جني إلي أن الحركة بعد الحرف؛ لأن الحرف المتحرك لم يدغم في مثله، وذلك لحيلولة، ولا حائل إلا الحركة، ولأنك إذا أشبعت الحركة تولد منها حرف، والحرف لا ينشأ عن الحرف، ولا يكون له شركة فيه، فهو عن الحركة، فالحركة بعده.
والجواب عن الأول أن عدم الإدغام تارة يكون للحاجز، وتارة يكون للتحصن بالحركة، فلا تكون على عدمه الحيلولة خاصة.
وعن الثاني أن حدوث الحرف إنما هو عن الحرف المتصف بالحركة المجانسة للحرف الحادث من حيث هو متحرك بالمجانس بشرط الإشباع؛ لأن الحروف كالموصوفات، وهي الجواهر، والحركات كالأعراض، والأعراض لا تنشئ

الجواهر، وسيأتي ذكر الخلاف في ذلك إن شاء الله تعالى.
وقوله: أو سكون أو حذف هكذا يقوله أكثر النحويين، وهذا عندي ليس كذلك، بل يكفي الحذف؛ لأن الحذف على قسمين: حذف حركة نحو يضرب، إذا أدخلت الجازم قلت لم يضرب، فتحذف الحركة.
وحذف حرف نحو لم يذهبا، أصله يذهبان، فالحذف يشمل حذف الحركة وحذف الحرف، فلا يجعل ما كان قسماً من الشيء قسيماً له.

-[ص: وهو في الاسم أصل لوجوب قبوله بصيغة واحدة معاني مختلفة، والفعل والحرف ليسا كذلك، فبنيا.]-

ش: الضمير في "هو" عائد على الإعراب، ذكر أنه أصل في الأسماء، وعلل ذلك بقوله: "لوجوب قبوله بصيغة واحدة معاني مختلفة"، وذلك أن المعاني التي تعتور على الكلمة تارة تكون قبل التركيب وتارة بعد التركيب، فالتي قبله هي التثنية والجمع والتكسير والمبالغة والمفاعلة، ولهذه المعاني صيغ تدل عليها، فلا نحتاج إلى الإعراب.
والتي بعد التركيب هي الفاعلية والمفعولية والإضافة، فدل عليها بالإعراب، إذ ليس لهذه المعاني صيغ تدل عليها.
وقوله: والفعل والحرف ليسا كذلك أي: ليس كل واحد منهما قابلاً بصيغة واحدة معاني مختلفة.
وهذا يمكن أن ينازع / فيه، أما الفعل فسيأتي الكلام عليه عند ذكر الخلاف في هذه المسألة، وأما الحرف فإنا نجد كثيراً من الحروف يكون لمعان كثيرة يفهم منه كل معنى منها حالة التركيب، وذلك نحو "من" فإنها تكون لابتداء الغاية، وللتبعيض، وللتبيين، عند من يرى ذلك،

ولم يعرب شيء منها.
وما ذهب إليه المصنف من أن الإعراب أصل في الأسماء لا في الأفعال هو مذهب البصريين، وذهب الكوفيون إلى أن الإعراب أصل في الأفعال، وحكي عن بعض المتأخرين أن الفعل أحق بالإعراب من الاسم؛ لأنه وجد فيه بغير سبب، فهو بذاته، بخلاف الاسم، فهو له لا بذاته، فهو فرع.
احتج جمهور أهل البصرة بأن قالوا: الإعراب يفتقر إليه في الأسماء في نحو: ما أحسن زيداً! إذا تعجبت، وما أحسن زيد، إذا نفيت عنه الإحسان، وما أحسن زيد؟ إذا استفهمت، فلولا الإعراب لالتبست هذه المعاني، وحمل ما لا لبس فيه من الأسماء على ما فيه لبس، نحو شرب زيد الماء، كما حمل أعد وتعد ونعد على يعد، ولا كذلك الأفعال؛ لأنه لو زال الإعراب منها ما التبست معانيها.
واحتج أبو الحسن بن خروف لما ذهب إليه البصريون بأن أكثر الأسماء معرب، والقليل منها مبني، وأكثر الأفعال مبني، وواحد منها معرب، وهو المضارع بشرطه، والكثرة دليل الأصالة، والقلة دليل الفرعية.
وهذا ليس بذلك الدليل؛ إذ تكثر الفروع، وتقل الأصول.
واحتج أبو الحسن بن عصفور أيضاً لهم، فقال: الدليل على أنه

أصل في الأسماء فرع في الأفعال أن الأسماء كلها معربة إلا ما أشبه منها مبنياً، والأفعال كلها مبنية إلا ما أشبه منها المعرب، فارتباط الإعراب في الفعل بشبهه بالمعرب دليل على أنه إنما دخله الإعراب من جهة الشبه لا من جهة أنه فعل؛ إذ لو كان الإعراب فيه من جهة أنه فعل لوجب أن يدخل الإعراب جميع الأفعال كلها، وارتباط البناء في الاسم بوجوده مشبهاً لمبني دليل على أن البناء فيه إنما دخله بالشبه للمبني، ولذلك إذا لم يشبه مبنياً على أصله من الإعراب.
واحتج أهل الكوفة بأن العلة التي ادعاها البصريون موجبة لكون الإعراب أصلاً في الأسماء، وهو كونه يفتقر إليه في الأسماء في بعض المواضع، هي بعينها موجودة في الأفعال في بعض المواضع، تقول: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، فبالجزم نهي عن الفعلين مجتمعين ومفترقين، وبالنصب نهي عن الجمع بينهما، وبالرفع نهي عن الأول وإباحة للثاني.
وكذلك لام الأمر ولام كي، و "لا" في النهي و "لا" في النفي، لولا الإعراب لالتبست المعاني.
وأجاب البصريون عن ذلك بأن النصب في مسألة "لا تأكل السمك وتشرب اللبن" بإضمار "أن" في المذهب الصحيح، والجزم على إرادة "لا" والرفع على المقطع، فلو أظهرت العوامل المضمرة لكانت دالة على المعاني، ولم يحتج إلى الإعراب، فالإعراب في هذا الباب إنما دل على المعاني لما حذفت العوامل/، وجعلت دليلاً عليها، وذاك فرع، والأصل ما ذكرنا من إظهار العوامل.
وليس كذلك: ما أحسن زيداً! لأن الرافع والناصب والخافض لـ "زيد" على كل حال لفظ "أحسن" وأما لام الأمر ولام كي فالفرق بينهما أن لام الأمر تكون ابتداء، ولام كي لابد أن يتقدمها عامل.

وأما "لا" الناهية و "لا" النافية فالفرق بينهما أنه إذا خيف التباس بالنافية أتي بغيرها من حروف النفي نحو "ما" وإنما كان يلزم اللبس لو لم يكن للنفي أداة إلا "لا".
وذهب أبو علي قطرب إلى أن الإعراب لم يدخل للفرق بين المعاني، وإنما دخلت الحركات ليفرق بين وصل الاسم والوقف عليه.

-[ص: إلا المضارع، فإنه شابه الاسم بجواز شبه ما وجب له، فأعرب ما لم تتصل به نون توكيد أو إناث.]-

ش: أخذ المصنف بقول البصريين إن الإعراب أصل في الاسم فرع في الفعل، وخالف في العلة المقتضية لإعراب المضارع، فبين في الشرح أن المضارع تعرض له بعد التركيب معان، ككونه مأموراً به، أو علة، أو معطوفاً، أو مستأنفاً.
وهذا هو تعليل الكوفيين في إعراب المضارع.
قال: "فهذه تتعاقب على صيغة واحدة، فيفتقر إلى الإعراب، والاسم والمضارع شريكان في قبول المعاني بعد التركيب، فليشتركا في الإعراب، لكن الاسم عند التباس بعض ما يعرض له ببعض ليس له ما يغننيه عن الإعراب؛ لأن معانيه مقصورة عليه، فجعل قبوله لها واجباً.
وأما المضارع فعند عروض الإلباس فقد يغني عن الإعراب تقدير اسم مكانه، ففي النهي عنهما تقول في "لا تغن بالجفاء وتمدح عمرا" إذا نهيت عن الفعلين مطلقاً: لا تغن

جارٍ التحميل