فـ (سريعاً) حال من الصعب, وتقدمت على يهون, وقال الآخر:
مزبداً يخطر ما لم يرني... وإذا يخلو له لحمي رتع
فـ (مزبداً) حال من الضمير في يخطر, وقد تقدم على العامل, وهو يخطر,
وقال الآخر:
دلق الغارة في إفزاعهم... كرعال الطير أسراباً تمر
فأسراباً حال من الضمير في تمر, وقد تقدمت على العامل, وهو تمر.
وسواء أكانت الحال مصدراً, كقوله:
فلأياً بلأي ما حملنا وليدنا... على ظهر محبوك ظماء مفاصلة
أم غير مصدر, كالآية والأبيات السابقة.
ومؤكدة وغير مؤكدة, وفى المؤكدة خلاف كالخلاف في المصدر المؤكد.
وقد منع الأخفش راكباً زيد جاء لبعدها عن العامل
وأما الكوفيون فيزعمون أن انتصاب الحال لانقطاعها من إعراب ذي الحال لتخالفهما بالتنكير والتعريف, فلما لزمها خلاف صاحبها, ولم يمكن أن يعمل فيها العامل في ذي الحال لاشتغاله به عنها - نصبت على القطع, وعمل فيها النصب عندهم الحديث والمحدث عنه كلاهما, ولذلك أجازوا أن تقول: قائماً في الدار أنت, ومسرعاً أقبلت, فقدموا الحال فيهما, ولم يفرقوا بين الفعل وغيره.
وليس تقديم الحال وتوسيطها جائزاً على الإطلاق عندهم, بل لهم في ذلك تفضيل:
فإن كان الحال من مرفوع ظاهر تأخرت وتوسطت والرافع قبلها ولم تتقدم على الرافع والمرفوع كليهما, فلا يجوز عندهم: راكباً جاء زيد.
وحجتهم أن الحال مبناها على الشرط, فبطل راكباً يجيء زيد من حيث لم يجز إن يركب يجيء زيد, وإن ركب يجيء زيد, وإنما بطل هذا التقديم لأن كناية زيد مع حرف لا ينوى به تأخير, دليل ذلك انجزام يجيء بعد إن يركب, ومحال أن يجيء إن بعد الجزاء المجزوم, فإذا ثبت لها التقدم فسدت المسألة بتقدم المكنى على الظاهر.
قالوا: وليس سبيل راكباً جاء زيد كسبيل غلامك ضرب زيد؛ لان الحال تخالف الغلام من جهة أن الغلام لا يخلو من نية التأخير؛ إذ هو منصوب لم
يدخل عليه ما يمنعه التأخير ويلزمه التقديم, والحال قد دخل عليها مذهب الشرط, وبنيت على معناه, فلزمها التأخير من حيث لا ينفك الشرط من نية السبق إذا وضع أول الكلام وأتى جوابه بعده.
وإنما جاء توسط الحال في نحو جاء راكباً زيد لأنها إذا صرح بالشرط فيها لم يكن خطأ؛ ألا ترى أنه ليس بمحال أن يقال: يجيء أن يركب زيد, على أن زيداً رافعه يجيء, والشرط مبنى على التأخير إذا لم تدخل عليه علة تلزمه ألا يتأخر كما دخل عليه وهو أول ما أوجب له رتبة السبق, ومن هذه الجهة شاكل عندهم جاء راكباَ زيد ضرب غلامه زيد, وخالف راكباً جاء زيد غلامه ضرب زيد.
وإن كانت من مرفوع مضمر جاز تأخيرها وتوسيطها وتقديمها على الرافع والمرفوع كليهما؛ فيجوز عنهم: في الدار أنت قائماً, وفي الدار قائماً أنت, وقائما في الدار أنت, وجئت راكباً, وراكباً جئت؛ لايلزم من تقديمها على الرافع والمرفوع تقدم مضمر على ظاهر, كما لزم ذلك إذ كانت من مرفوع ظاهر.
وإن كانت من مخفوض ظاهر, جاز تأخيرها ولم يجز جعلها أول الكلام لما يلزم في ذلك من تقديم المضمر على الظاهر لفظاً ورتبة على مابين في المرفوع, ولا يجوز توسيطها إجراء للمخفوض مجرى المنصوب من حيث كان في موضع نصب, فكما أن المنصوب لا يجوز عندهم تقديم حاله عليه للعلة التي تذكر بعد, فكذلك ما هو بمنزلته, فيجوز عندهم: مررت بهند ضاحكة؛ ولا يجوز: مررت ضاحكة بهند, ولا: ضاحكة مررت بهندٍ
وإن كانت من مخفوض مضمر جاز تأخيرها وتقديمها أول الكلام, ولا يجوز توسيطها, نحو: مرت بي هند ضاحكاً, وضاحكاَ مرت بي هند, لأنه يلزم في ذلك تقديم مضمر على ظاهر, ولا يجوز: مرت ضاحكاً بي هند, كما لا يجوز توسيطها إذا كانت من منصوب.
وإن كانت من منصوب ظاهر جاز تأخيرها عنه, نحو: لقيت زيداً مسرعاً, ولا يجوز تقديمها, لا يقال: ضاحكة لقيت هند؛ لما يلزم من تقديم المضمر على الظاهر, ولا توسيطها؛ لئلا يسبق أنها / مفعولة.
وإن كانت من منصوب مضمر جاز تقديمها, نحو: ضاحكاَ لقيتني هند, وقد تقدم الكلام في بعض هذه الصور.
وهذا الذي ذهبوا إليه من امتناع تقديم الحال أول الكلام إذا كانت من ظاهر باطل؛ لأنهم بنوا ذلك على أن الحال مبنية على معنى الشرط, وذلك شيء لم يستدلوا عليه بأكثر من أنهم وجدوها تكون خبراً عن المصدر في نحو: ضربي زيداً قائما, وأكثر شربي السويق ملتوتاً.
ولا حجة في شيء من ذلك؛ لأن الحال ليست بخير المصدر, وإنما الخبر محذوف أقيمت الحال مقامه على ما بين في باب الابتداء.
وقد تقدم الدليل على مجيء الحال متقدمة أول الجملة على الاسم المرفوع مظهراً, كما حكي الرياشي من قول العرب: شتى تؤوب الحلبة, وقول الشاعر:
سريعاً يهون الصعب.......................................
وما أشبههما, وقد تقدم الاستدلال على جواز: ضربت راكبة هنداً, وما أشبهه مما تقدم فيه حال المنصوب عليه وحده.
فأما تقديم الحال على العامل في نحو ضاحكة لقيت هنداً مما ذو الحال فيه منصوب ظاهر فالقياس يقتضيه, كما جاز ذلك في المرفوع الظاهر, ولكنى لا أحفظ من المسموع ما يدل على ذلك.
وفي البسيط: ذهب بعض الكوفيين إلى أنه لا يجوز - يعنى تقديم الحال على العامل - إذا كان أسم الحال اسماً ظاهراً؛ نحو: جاء زيداً راكباً, فإن كان مضمراً جاز, نحو: راكباً جئت.
قالوا: لأن فيه تقديم المضمر على الظاهر, فإن في الحال مضمراً, بخلاف المضمر.
وهو فاسد, أما السماع فمذكور, وأما ما ذكروه فلأنه إنما امتنع حيث لا يكون في حكم التأخير, بخلاف هذا.
وحكي عن الفراء والكسائي المنع مطلقاً.
واحتج بتقديم الضمير على من يعود عليه.
وهو جائز عندنا إذا كان مؤخراً معني, كقولهم: في أكفانه كفن الميت, وقال تعالى (فأوجس في نفسه خيفة موسى)
وقوله أو صفة تشبهه شبهها للفعل من جهة تضمن معنى الفعل وحروفه وقبول علامات الفروع وقد نص س وغيره على جواز تقديمها على الفعل وما جرى مجراه من أسماء الفاعلين وما في حكمهما, تقول: مسرعاً زيد راحل, وزيد مجرداً مضروب, وزيد موسراً ومعدماً سمح, وذلك أن الحال تجيء يعمل فيها ما يصح أن يكون من باب الصفة المشبهة, قال:
لهنك سمح ذا يسار ومعدماً... كما قد ألفت الحلم مرضى ومغضبا
فإذا قدمت الحال على سمح جاز.
وقوله ولم يكن نعتاً أي: ولم يكن العامل نعتاً, قال المصنف في الشرح:
(وإذا كان صفة تشبهه تتضمن معنى الفعل وحروفه وقبول علامات الفرعية فهو قوى, ويستوي في ذلك اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة, فلو كان العامل القوي نعتاً لم يجز تقديمه, نحو: مررت برجل ذاهبة فرسه مكسوراً سرجها) انتهى.
وهذا نص من هذا المصنف انه / إذا كان العامل في الحال نعتاً لم يجز تقديم الحال عليه؛ فلا يجوز علي ما قرره أن تقول: مررت برجل ضاحكاً مسرعٍ, إذا أرت: مسرع ضاحكاً, ولا: جاءني رجل باكياً ماش, إذا أردت: ذاهباً مسرعا ولا ما أشبه هذه التراكيب.
ولا يجوز في التركيب الذي ذكره: مررت برجل مكسوراً سرجها ذاهبة فرسه؛ لان مكسوراً حال, والعامل فيها: ذاهبة فرسه, وذاهبة فرسه: نعت لرجل.
وهذا النص منه على منع ذلك غفلة ووهم, ونصوص النحويين على جوا تقديم معمول النعت عليه من مفعول به وحال وظرف ومصدر ونحوها, وإنما منعوا من تقديم معمول النعت عليه من مفعول به وحال وظرف ومصدر ونحوها, وإنما منعوا من تقديم المعمول على المنعوت لا على النعت العامل فيه, فيجوز في نحو مررت برجل يركب الفرس مسرجاً أن تقول: مررت برجل مسرجاً يركب الفرس, وكذلك تقول في جاءني رجل ضارب امرأة جائزاً ضارب امرأة, إذا تريد: يضربها في حال كونه جائزاً
ويمتنع في هذه المسائل وأشباهها تقديم الحال على المنعوت بالعامل فيها, فلا يجوز: مررت مسرجاً برجل يركب الفرس, ولا: جاءني جائزاً رجل ضارب امرأة.
وأما التمثيل الذي مثله المصنف فلم يمتنع تقديم (مكسوراً سرجها) من جهة أن العامل في مكسوراً النعت, وهو: ذاهبة فرسه.
وإنما امتنع من جهة تقدم المضمر على ما يفسره؛ إذ يصير التركي: مررت برجل مكسوراً سرجها ذاهبة فرسه, وقد نص النحويون على منع تقدم المضمر في هذه المسألة وما أشبهها, وأنه مما يلزم فيه تأخير الحال؛ إذ ليس من المواضيع التي يفسر فيها المضمر ما بعده
وقوله ولا صلة لأل مثاله: الجائي مسرعا زيد, فلا يجو: ال مسرعا جائي زيد.
وقوله أو حرف مصدري مثاله: يعجبني أن يقول زيد مسرعاً, فلا يجوز: يعجبني أن مسرعاً يقوم زيد.
وقال المصنف في الشرح: (وكذا لو كان صلة لأل أو أن أو إحدى أخواتهما لم يجز أن يتقدم عليه ما يتعلق به من حال وغيره) انتهى.
وقد أطلق في قوله (أو حرف مصدري) وترك ما شرطه الناس فيه من كونه يكون ناصباً؛ لأن من الحروف المصدرية (ما) وويجوز أن يتقدم معمول صلتها عليها لا على ما, نحو: عجبت مما يرى زيد باكياً, فيجوز عجبت مما باكياً يرى زيد, كما جاز ذلك في المفعول به, نحو: عجبت مما تضرب زيداً, فإنه يجوز: عجبت مما زيداً تضرب, فلو كان العامل صلة لغير أل ولا لحرف عامل جاز تقديم الحال عليها كما جاز تقديم المفعول, نحو قولك: من الذي جاء خائفاً؟ فتقول: من الذي خائفاً جاء؟
وقوله ولا مصدر مقدراً بحرف مصدري, نحو: يعجبني ركوب الفرس مسرجا, لا يجوز: يعجبني مسرجا ركوب الفرس.
وقوله ولا مقروناً بلام الابتداء أو القسم مثاله: لأصبر محتسباً, ولأقومن طائعا.
وينبغي أن يفهم قوله (ولا مقروناً بلام الابتداء) أن يكون العامل متصلا بلام الابتداء أو لام القسم, فإنه إذا لم يكن متصلا به جاز أن تتوسط الحال بين اللام وبين العامل, نحو: لمحتسباً أصبر, ولإلى زيد راغبا ًأذهب, كما يجوز ذلك في المفعول, فتقول: لزيداً أضرب.
ووالله لزيداً أضرب
فإن كانت الابتداء في إن فقد منعوا دخول لام الابتداء على الحال فيه, نحو: إن زيداً لمسرعاً ذاهب, وقد تقدم الكلام على ذلك في باب إن.
ونقص المصنف مسألة لا يجوز فيها تقديم الحال على العامل, وإن كان متصرفاً, ذكرها أصحابنا,وهى إذا كانت الحال جملة معها الواو, نحو: جاء زيد والشمس طاعة, لا يجوز: والشمس طالعة جاء زيد.
وحكي صاحب (رؤوس المسائل) ما نصه: (لا يمتنع عند الجمهور تقديم الجملة الحالية التي معها الواو على العامل فيها إذا كان فعلاً, ومنعه الفراء).
وهذا النقل مخالف لما ذكرناه.
-[ص: ويلزم تقديم عاملها إن كان فعلا غير متصرف, أو صلة لـ (أل) أو حرف مصدري, أو مصدراً مقدراً بحرف مصدري أو مقروناً بلام الابتداء أو القسم.]-
ش: مثال الفعل غير المتصرف: ما أحسن هنداّ متجردة, فلا يجوز: ما متجردة أحسن هنداّ, وتقدمت أمثلة ما بعد الفعل غير المتصرف.
ولما كان قول المصنف (يجوز تقديم الحال على عاملها إن كان فعلا متصرفاً أو صفة تشبهه, ولم يكن - يعنى العامل - كذا ولا كذا) صار الجواز مشروطاً بشيء مثبت, وهو كون العامل متصرفاً أو صفة تشبهه, ومشروطاً بانتفاء العامل عما ذكر, وانتفاء العامل عما ذكر يكون بأحد أمرين: إما بوجوب تقديم الحال على العامل, وإما بوجوب تقديم العامل على الحال فلمسألة الأولى لم يتعرض إليها المصنف, وهى أن تكون الحال أسم استفهام, نحو (كيف) على الأصح, فإنه إذا وقعت حالا وجب تقديمها على العامل, نحو: كيف قام زيد؟ وكيف ضربت هنداً؟ وإنما قلت (على الأصح) لأن بعضهم يزعم أن انتصاب (كيف) على الظرف.
والدليل على أنها حال جواز إبدال الحال منها, نحو: كيف قام زيد أضاحكاً أم باكياً؟ والمسالة الثانية تعرض لها المصنف.
وما ورد على المصنف في قوله قبل (أو حرف مصدري) يرد عليه هنا, فإنه قال فيه (او حرف مصدري) فلم يقيد بكون الحرف عاملا كما لم يقيد قبل.
ص: أو جامداً ضمن معنى مشتق, أو افعل تفضيل, أو مفهم تشبيه.
واغتفر توسيط ذي التفضيل بين حالين غالباً وقد يفعل ذلك بذي التشبيه.
فإن كان الجامد ظرفاً أو حرف جر مسبوقاً بمخبر عنه جاز على الأصح توسيط الحال بقوة إن كان ظرفاً أو حرف جر, وبضعف إن كانت غير ذلك.
ولا تلتزم الحالية في نحو: فيها زيد قائماً بل تترجح على الخبرية, وتلتزم هي في نحو: فيك زيد راغب, خلافاً للكوفيين في المسألتين.
ش: قال المصنف في الشرح: (من العوامل التي لا يتقدم الحال عليها الجامد المتضمن معنى / مشتق, كأما, وحرف التنبيه, والتمني, والترجي, واسم الإشارة, واسم الاستفهام المقصود به التعظيم, نحو: .............................................. يا جارتا, ما أنت جاره
والجنس المقصود به الكمال, نحو: أنت الرجل علماً, والمشبه به, نحو: هو زهير شعراً) انتهى.
ولم يمعن الكلام على هذه التي ذكر أنها جوامد تضمنت معنى المشتق, ونحن نتكلم عليها, فنقول: قوله (كأماَ) يعنى بها في مثل: أما علماً فعالم, وقد تقدم الخلاف في هذه المسألة بأطرافها, وهل انتصب ما بعدها إذا كان مصدراً على أنه حال, أو أنه مفعول مطلق, أو على أنه مفعول به.
وكذلك إذا كان بعد أما صفة.
نحو: أما صديقاً.
فأنت صديق, هل انتصابه على الحال, أو على إضمار (أن تكون) فهو خبر تكون.
ونسبه العمل لأما هو سبيل المجاز؛ لأن الناصب غنما هو فعل الشرط المقدر.
وزعم بعض النحويين أن لولا بمنزلة أما في تضمن الفعل؛ لأنه يتضمن معنى يمنع, فإذا قلت لولا زيد لكان كذا فالمعنى: لو لم يمنعني زيد لكان كذا, وعلى
هذا فتقول: لولا زيد لكان كذا, فيعمل فيه معنى الفعل وقالوا: لولا رأسك مدهوناً لكان كذا, وهذا مبنى على أن لولا مرتفع بها على الفاعلية, وهو رأى الكوفيين, ولا نقول به, بل هو مرتفع بالابتداء, ونصب الحال إنما يكون على جهة أن العامل فيها الخير, لكنه لازم الحذف لسد الجواب مسده, كأنه قال: لولا زيد مستقر قائماً لكان كذا, قاله في البسيط.
وظاهر قوله (وقالوا: لولا رأسك مدهوناً) أنه سماع من العرب, ونقل الأخفش أن العرب لم تلفظ بحال المرفوع بعد لولا
وأما قوله «وحرف التنبيه» فمثاله.
هذا زيد قائماً, أجازوا أن يكون العامل حرف تنبيه, وأن يكون اسم الإشارة, وبنوا على ذلك فرعا, وهو: هل يجوز: ها قائماً ذا زيد؟ فقالوا: إن كان العامل حرف التنبيه جازت المسألة؛ لان الحال لم تتقدم على حرف التنبيه, وإن كان العامل اسم الإشارة لم تجز المسألة لتقدم الحال عليه وأبطلوا كلهم: قائما هذا زيد.
وذهب ابن أبي العافية والسهيلى إلى أنه لا يجوز إن يكون العامل في هذه الحال حرف التنبيه, قال بن أبى العافية: «إنما لم يعمل الحرف بمعنى التنبيه لأنهم قد حذفوا لفظ الفعل, واستغنوا بحرف التنبيه عنه, فلم يكونوا ليعملوه عمل الفعل, فيكونوا قد رجعوا إلى ما خففوه من كلامهم, فيكون ذلك نقصاً لما قصدوا».
وقال السهيلي: «ها حرف, ومعنى الحروف لا يعمل فى الظروف ولا الاحوال».
وقال ابن أبي العافية: «العامل هو اسم الإشارة, وإن كان بمعنى الفعل, كحرف التنبيه, لكن لم يفعلوا بالأسماء ذلك, بل أعملوها عمل الأفعال, وأجروها مجراها, وقدروا فيها معنى الفعل, نحو قولهم: ضارب زيدا, فلما كانت الأسماء قد أجريت مجرى الأفعال.
وأخرجت إاليها, لم يكونوا ليمنعوها من العمل فى الحال؛ إذ قد أعملوها فيما هو أقوى من الحال».
وقال السهيلى: «قولك هذا زيد قائما العامل فى الحال ما دل عليه الاسم /المبهم, إذا قلت (هذا) فإنك أشرت إلى المخاطب لينظر, فكأنك قلت: انظر إليه قائما, فانظر هى العاملة فى الحال, ولا يصح أن يكون العامل اسم الإشارة؛ لأنه غير مشتق من لفظ الإشارة ولا من غيرها, إنما هو كالمضمر, ولا يعمل (هو) ولا (أنت) بما فيه من معنى الإضمار فى حال ولا ظرف, فكذلك اسم الإشارة, وقد تكون الإشارة بيد أو رأس إلى جهة شئ بعينه, فيكون فى ذلك تنبيه له على النظر, فيعمل فى ذلك النظر فى الحال, كما حكى س (لمن الدار مفتوحا بابها), ولم يقل: لمن هذه الدار, فدل على أن التوجه يقوم مقام الإشارة, ولا يكون العامل فى (مفتوحا بابها) ما تعلقت به اللام من الاستقرار أو معنى الملك لفساد المعنى؛ لأنك لو قدرت الاستقرار ظاهرا لم يكن له اختصاص بالحال, ولا هي ملك
لصاحبها في حال فتح بابها على الخصوص, ولذلك أعرض س عن ذلك المعنى, ولم يجعله عاملا فى مثل هذه الحال.
ولا يجوز تقديم الحال على مثل هذا العامل المعنوى؛ لأنه ليس بفعل ملفوظ به فيشبه بالمفعول, ولا هو صفة كما تقدم.
ولو جعلت مكان الحال (اليوم), فقلت (هذا زيد اليوم) لم يجز, قدمت اليوم أو أخرته؛ لعدم الفائدة فى ذ لك الظرف؛ لأن المخاطب قد علم من التوجه والإشارة انك لا تريد إلا ذلك الحين الذى أشرت إليه, فلا معنى لتقييد هذا فى هذا المعنى بحين آخر, والحال ليست كذلك, إنما هى صفة تريد تنبيه المخاطب على النظر إلى زيد فيها لغرض مقصود, كما جاء في التنزيل (ءألد وأنا عجوز وهذا بعلى شيخا),
نبهت على الشيخ المانع من الولادة, فهذا الفرق بين الحال والظرف» انتهى.
وتلخص فى العامل في قائما في نحو هذا زيد قائما على مذهب البصريين ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يجوز أن يكون العامل خرف التنبيه أو اسم الإشارة, وهو قول الجمهور.
الثانى: أنه العامل هو اسم الإشارة فقط.
الثالث: أنه محذوف, تقديره.
انظر إليه قائما.
وسيأتى ما يرد على مذهب من أجاز أن يكون العامل فيها حرف التنبيه واسم الإشارة وحده, عند ذكر المصنف أنه قد يعمل فى الحال غير عامل صاحبها إن شاء الله.
وأما مذهب السهيلى فيظهر في بادي النظر أنه أقرب من المذهبين؛ لأن فيه إبقاء العمل للفعل ونسبته إليه, إلا أن فيه تقدير عامل لم يلفظ به قط, ولأن الكلام يصير فى تقدير جملتين, وظاهر الكلام أنه جملة واحدة.
ولما كان قول البصريين فى دعواهم الحال في هذه المسألة لا يخلو من إشكال ارتكب الكوفيون طريقة أخرى فى هذه المسألة؛ فقال الفراء والكسائى: يقال: هذا زيد قائما, على أن قائما خبر التقريب الذى يشبه فيه «هذا» «كان» حين يقال: كيف تخاف الظلم وهذا الخليفة قادما؟ وكيف تجد البرد وهذه الشمس طالعة؟ يقرب «هذا» و «هذه» قدوم الخليفة وطلوع الشمس, ولم يكن «هذا» فى المعنى إشارة, لأن الخليفة لا يجهل ولا يشك فيه فتعرفه /الإشارة, وكذلك الشمس قد غنيت بشهرتها عن الإشارة التى تحددها وتعينها.
وأجاز الكسائي أيضا فى هذا زيد قائما ما أجازه البصريون من أن قائما حال إما من اسم الإشارة وإما من زيد.
فلو وسطت قائما بين اسم الإشارة وزيد, فقلت: هذا قائما زيد- فقال الكوفيون: انتصب على الحال إما من اسم الإشارة وإما من زيد.
وأجاز الكسائى نصبه على أنه خبر التقريب.
وقال الفراء: لاأنصب قائما هنا على الحال من زيد؛ لأنه لما جاور اسم الإشارة, وكان لاسم الاشارة رتبة السبق وقوة الابتدائية- غلب على الحال, فلم يصل معه إلى الأخير, فليس بجائز أن يقال هذا زيد على خبر التقريب؛ لأنه كلام يبنى على الجواب, وألفاظه لا تغير, وخبره لا يزال مكانه.
قال الفراء: ولو أجزت هذا قائما زيد فى التقريب استغلق على القول فى المكني حين أقول: ها أنا ذا قائما, وها أنت ذا قائما, وها هو ذا قائما, وها هى ذ قائمه, وها أنت ذه قائمة, لأنى إذا أردت توسيط الخبر فإن جعل بين (أنا) و (ذا)
أفسد ترتيبه من أجل المكني خلط بهذا حين جعل بين (ها) و (ذا), وإذا دخل بين المكني و (ذا) داخل فسد الاختلاط, وإن جعل بين (ها) و (أنا) لم يكن ذلك له موضعا؛ إذا داخل فسد الاختلاط, وإن جعل بين (ها) و (أنا) لم يكن لك له موضعا؛ إذ (ها) لا يعرف له مزيلة المكني, فكل هذا يدل على أن خبر التقريب لا يتوسط مع ظاهر ولا مكني.
واتفق الكوفيون على إحالة «قائما هذا زيد», على أن هذا يفيد الإشارة أو التقريب, وكذلك اتفق البصريون على منعها, وقد تقدم الكلام على شئ من هذا الذى يسميه الكوفيون تقريبا فى باب كان وأخواتها.
وقد جاء السماع بنظير: قائما زيد, وها قائما ذا زيد, ودل ذلك على فساد ما ذهب إليه السهيلى من أنه لا يجوز أن تتقدم هذه الحال على شئ من أجزاء الجملة.
ودل ذلك أيضا على فساد مذهب ابن أبى العافية حيث أوجب أن يكون العامل فى الحال اسم الإشارة.
والدليل على سماع ذينك التركيبين من العرب قول الشاعر:
أترضى بأنا لم تجف دماؤنا... وهذا عروسا باليمامة خالد
وقول الآخر:
ها بينا ذا صريح النصح, فاصغ له... وطع, فطاعة مهد نصحه رشد
وفي هذا البيت الثانى دليل على فساد ابن أبي العافية: إن اسم الإشارة عامل فى الحال؛ ألا ترى إلى تقدمها عليه, ولو كان عاملا فيها ما جاز تقديمها عليه.
وأما قول السهيلى وابن أبى العافية «إن معنى الحرف لا يعمل فى الحال» فغير مسلم لهما؛ لأنه يرد على قولها إعمال كأن فى الحال, وهى حرف عملت بما فيها من معنى التشبيه.
وكذلك كاف التشبيه تعمل فى الحال, وهى حرف جر على ما نبينه إن شاء الله.
إلا إن قيد الحرف بأنه الذى لم يستقر له عمل فيخرج كان وكاف التشبيه؛ لأنهما قد استقر لهما عمل فى غير الحال.
وأما قول الشارح فى الشرح: «والتمني والترجي واسم الإشارة» فتقدم قولنا فى اسم واختلاف /الناس فيه هل يعمل فى الحال أم لا.
وأما حرف التمني والترجي - وهما ليت ولعل - فمختلف فيهما: فنص الزمخشرى على أن ليت ولعل وكأن ينصبن الحال, بخلاف أخواتها, وهى إن وأن ولكن, فإنهن لا ينصبن الحال.
وقال بهذا القول هذا المصنف وابن عصفور, أعنى القول بأن ليت ولعل يعملان فى الحال.
والصحيح أن ليت ولعل وباقي الحروف لا تعمل في الحال ولا ظرف, ولا يتعلق بها حرف جر إلا كأن وكاف التشبيه, قال النابغة:
كأنه خارجا من جنب صفتحه... سفود شرب نسوه عند مفتاد
ويدل على ذلك أنك لو قلت: ليت زيدا اليوم ذاهب غدا, ونحوه - لم يجز ذلك بإجماع.
وعلل الفارسي منع ذلك في «الحلبيات» بأنها في دلالتها على المعانى قصد بها غاية الإيجاز, فالألف تغني عن أسفتهم' و «ما» عن أنفي, و «أن» عن أؤكد, فلو أعملت فى الظرف والحال, ومكنت تمكين الفعل - لكان نقضا لما قصد من الايماء.
وهذا التعليل هو الذى نص عليه ابن أبي العافية في أن حرف التنبيه لا يجوز له أن يعمل فى الحال.
وإنما اختصت كأن وكاف التشبيه بالعمل في الحال لأن فيها - وإن كانت حرفا - دلالة على التشبيه والشبه, فالتشبيه معنى فى نفس المتكلم, فمن هذا الوجه هى حرف كسائر الحروف؛ لأن معنى الحرف فى نفس المتكلم, بخلاف معنى الفعل, فإنه مسند إلى ما دخل عليه من الاسم, ولا يعمل هذا المعنى, والشبه مسند إلى زيد ونحوه إذا قلت: كأن زيدا أسد, فشاركت الأفعال من هذا الوجه فعمل ذلم المعنى الذي هو الشبه المسند إلى زيد فى الحال والظرف والجار والمجرور, وليس ذلك فى التمني ولا التأكيد ولا النفي ونحوها, فمن هنا فارقت كأن أخواتها, فعملت بلفظها كعمل أخواتها في الاسماء, وعمل معناها في الظرف والحال, وفارقتها أيضا فى وقوعها نعتا لنكرة, وحالا من معرفة, وخيرا لـ «كان» ونحوها, قال:
فبت كأنى ساورتني ضئيلة... من الرقش في أنيابها السم ناقع
وقى البسيط: العامل عمل الفعل كأن وأخواتها وما:
فقيل: لا يعمل واحد منها؛ لأن الشبه اللفظي الذي به عملت لا يؤثر في الحال.
وقيل: ما كان منها يفهم منه معنى فعل يكون مرفوعها فاعله ومنصوبها مفعوله عمل, وما لم بكن لا يعمل, فحكم بعمل كأن وحدها, وهو رأى أبي زيد - يعنى السهيلى - لأن معنى قولك كأن زيدا عمرو.
يشبه زيد عمرا, وعليه أنشدوا: كأنه خارجا.
البيت.
ويجرى الظرف هذا المجرى, يعنى مجرى الحال.
وقيل: ما كان منها فى معنى فعل يستدعي معموليها عمل, ولا يؤثر فى نفس الخبر, وماكان موجها نحو الخبر لا يعمل, فحكم بعمل كأن, وليت, ولعل؛ لأنها بمعنى أشبه.
وأترجى, وأتمنى؛ لأنها لم يؤت لها بمعنى فى الخبر, بل بمعنى فى الاسمين, بخلاف /إن وما, فإنهما لفائدة فى الخبر من إثبات أو نفي, فضعف معنى الفعل فيهما.
وفى البسيط أيضا ما ملخصه: كأن وليت ولعل تغير معنى الجملة, بخلاف الثلاثة الأخر, فلذلك اختصت بأمور في العمل لا تكون في تلك, فمنها ما قيل إنها تعمل فى الحال والظرف؛ لأنه إذا صح عمل المجرور والظرف بالنيابة عن الفعل و (ها) التى للتنبيه فهذه أولى وأقوى من جهة أن معناها تمن وتشبيه, فإذا قلت: إن هذا زيد منطلقا, وكأن هذا زيد منطلقا, فالأول انتصب على ماكان عليه في حال الابتداء؛ لأن إن ما غيرته, فانتصب بالإشارة, بخلاف كأن, فإنه حالة كونه
حالاً من الإشارة في الابتداء قد تغير إلى انه يشبه فى هذه الحالة, فلما غيرت معنى الخبر غيرت نسبة الحال, فكما عملت فى الأولين عملت فى الثالث بمنزلة الفعل المتعدى, فنصبت الحال لكونه من وصف معموله, كضرب زيد عمرا قائما وهذا الرأى يظهر من كلام س وقد انشد فى هذه بيت النابغة» كأنه خارجا» وهذا أخص من المشار, لانه لايعمل المضمر فى الحال بخلاف الإشارة وقال فى الظرف:
يرى الثعلب الحولى فيها كأنه إذا ما علا نشزا حصان مجلل
وقيل: العامل معناها من الأفعال ولا يصح لأن الحروف لا تعمل بمعانيها من الأفعال, بل بما لها من حكم الفعل, وهو تغيير الجملة
وقيل: إمنا تعمل فى الحال (كأن) وحدها, وفيها سمع, وما عداه يحتمل أن يكون على الاشارة, لان المذكور بعدها هو الفاعل, والمفعول المعنى المقدر, فقولك: كأن زيدا عمرو, كأنك قلت: يشبه زيد عمرا, بخلاف ليت ولعل, إذ الفعال للفعل ليس مذكورا, فإنك تقدره: اتمنى, وأترجى
وقيل: لايعمل شئ منها فيما عدا الاسمين, لان الاحوال لابد لخا من اقضتاء, ولا يقتضيها إلا المصدر, ولا تدل على ذلك, بل غاية اقتضائها تلك النسبة, فتعمل فيما هو ضرورى فى وجود النسبة, وهو المنتسبان.
انتهى
واما قول الشارح فى الشرح:» والاستفهام المقصود به التعظيم نحو:
......... يا جارتا, ما انت جارة»
ف» جارة» عنده منصوب على الحال, والعامل فيها (ما) الاستفهامية بما تضمنت من معنى التعظيم, فكأنه قال: ما أعظمك جارة! وهذا تفسير معنى وتفسير الإعراب: اى عظيمة أنت فى حال كونك جارة.
وهذا عجز بيت للاعشى ميمون بن قيس, وصدره:
بانت لتحزننا عفارة.......................
ولا يتعين فيه ما زعمه المصنف من أن جازة انتصب على الحال, والعامل فيه اسم الاستفهام بما فيه من معنى التعظيم, بل اجاز فيه الفارسى أن يكون منصوبا على التمييز, وبدأ به واستدل على صحة التمييز فيه بصلاحية دخول من عليه كما دخل فى قول الشاعر
يا سيدا, ما انت من سيد..............
وسياتى تقرير / التمييز فى مثل هذا فى بابه إن شاء الله وأجاز الفارسى أيضا ان ينتصب على الحال, كما ذهب إليه المنصف, قال:» ويجوز أن يكون موضعها نصبا على الحال, والعامل فيها ما فى الكلام من معنى الفعل.
لان معنى م انت جارة: نبلت جارة» انتهى
قال بعض اصحابنا:» ووجه جعل جارة حالا ان المخاطب كما انبهم عليه من أي أجناس النساء الممدوحات, فجعلها باحتياج لذللك إلى التمييز كذللك ايضا انبهم عليه الوصف الذى به مدحها, فاتى بجارة مبينا له, إلا ترى أنه قد فهم
منه أنه وصفها بحسن المجاورة, فلما كان جارة على هذا التقدير مفسرا للوصف الذى به وقع المدح كان حالا, لان الحال تفسير لما انبهم من الصفات, والدليل على صحة ما ذكره ابو على من ان العامل فى جارة اذا كان حالا ما فى الكلام من معنى الفعل قول الكميت:
وانت ما انت فى غبراء مظلمة إذا دعتك إليها الكاعب الفضل ألا ترى أنه ليس فى البيت ما يصح ان يعمل فى المجرور إلا ما فى قوله من معنى المدح والتعظيم, كانه قال: عظمت حالا فى غبراء مظلمة, واذا صح إعماله فى المجرور من جهة ما ذكرنا جاز إعماله فى جارة» انتهى.
وليست الحال كحرف الجر ولا كالظرف, لانهما يعمل فيهما روائح الافعال حتى الاسماء الاعلام بما فيها من معنى الشهرة و» ما» الاستفهامية - وان اريد بالاستفهام التعظيم - لاينبغى لها ان تعمل فى الحال كما لا تعمل همزة الاستفهام اذا صحبها معنى الإنكارأو التوبيخ, ولم يرد ثبت من كلام العرب بمجئ الحال بعد» ما انت» المراد به التعظيم, بل ذكروا ذلك على جهة التجويز فى قولهم» ما انت جارة» ولا حجة فيه لظهور كونه تمييزا, بدليل دخول من عليه
وجوزوا ايضا فى قوله» ما انت جاره» ان تكون ما نافية, وجارة خبر انت, وهو مبتدا على لغة تميم, او خبر ما, فيكون فى موضع نصب على لغة الحجاز
واحتمل هذا النفي وجهين: احدهمنا أن يقول: ما انت جارة ليبنونتك عنا وفراقك لنا والوجه الثانى: ان يكون: ما انت جارة بل اعظم من ذلك.
كقوله تعالى (ما هذا بشرا), اى: هو اعظم من ذلك, بدليل قوله بعده (إن هذا إلا ملك كريم)
فإذا كان قوله» ما انت جارة» محتملا هذا من كونه ما نافيه, ومن كون جاره منتصبا على التمييز على تقدير كون ما استفهاما - وهو الظاهر - فلا تثبت بذلك قاعدة كلية على ان اسم الاستفهام المراد به التعظييم ينصب الحال.
فأما قول العرب» ما لك قائما» فقائما حال, والعامل فيها هو العامل فى الجار والمجرور
وذهب الفراء إالى انه ينتصب على معنى كان, وجوز كونه معرفه, نحو ما لك الناظر فى امرنا, فينصب النكره والمعرفة كما تنصب كان وظن
وانكر الزجاج هذا, وقال:» ما حرف من حروف الاستفهام, لا يعمل عمل كان, والموضع للحال, ولا تكون الحال معرفة, لو جاز: ما لك القائم لجاز: ما عندك القائم, وما بك القائم, وهذا خطأ بالإجماع, وما لك القائم / مثله» انتهى.
مسألة:» ما شأنك قائما» يقال على معنيين: على السؤال المحض, لما رأه قائما وجهل السبب فى قيامه الأن, وهو يعلم منه على الدوام أنه لا يقوم إلا لسبب - سأل عن السبب, فالعامل فى الحال» شأنك» وكأنه قال: أي شيء
صنعك قائما.
والثانى أن ينكر عليه القيام, فالعامل فيه» ما شأنك» كله, وكأنك قلت: لم صرت قائما؟
فإن قلت: كيف يعمل فى الحال معنى الكلام.
وصحاب الحال قد عمل فيه:» شأنك:»؟
قلت: لانه مسلط من طريق المعنى على الاسم, لأنه إذا قال» لم صرت قائما:» فهو سلط عليه العامل.
وعلى ذنيك المعنيين أيضا: ما لأخيك قائما, فعلى معنى الانكار العامل معنى الكلام, كانه قال: لم صار أخوك قائما.
وعلى المعنى الاخر الذى هو السؤال المحض عن السبب العامل المجرور لنيابته مناب الخير, وكأنه قال: اى شئ كائن لاخيك قائما, اى: اى صنع له فى هذا الحال ويكون الصنع مسلطا على ذى الحال
وأما قول الشارح» والجنس المقصود به الكمال نحو: انت رجل علما» فقد تقدرم الكلام على ذلك, ومذهب ثعلب فى كونه انتصب على المصدر.
واختيارنا فيه انه اتنصب تمييزا
واما قوله» والمشبه به نحو: هو زهير شعرا» فقد تقدم الكلام فيه وجواز ان يكون شعرا منصوبا على التمييز والعامل فيه هو» مثل» المقدرة, اذ المعنى هو مثل زهير شعرا
وقوله أو أفعل تفضيل يعنى إذا كان العامل فى الحال أفعل تفضيل لم يجز ان تتقدم الحال عليه, كما لا يجوز ان تتقدم على الجامد المضمن معنى المشتق إذا عمل فى الحال, قال المصنف فى الشرح» وأفعل التفضيل نحو: هو أكفاهم ناصرا, وكان حق أفعل التفضيل أن تجعل له مزية على الجوامد المتضمنة معنى الفعل, لان فيه ما فيهن من معنى الفعل, ويفوقهن بتضمن حروف الفعل ووزنه ومشابهة ابنيه المبالغة فى اقتضاء زيادة المعنى, وفيه من الضعب بعدم قبول علامة التأنيث والتثنية والجمع ما اقتضى عليه انحطاطه عن درجة اسم الفاعل والصفة المشبه فجعل موافقا للجوامد إذا لم يتوسط بين حالين» انتهى
وقوله أو مفهم تشبيه مثاله: زيد مثلك شجاعا, وليس مثلك جوادا.
قال المصنف فى الشرح:» وكذا إذا حذف مثل, وضمن المشبه به معناه, كقولك: زيد زهير شعرا, وأبو يوسف ابو حنيفة فقها, ومنه:
فإانى الليث مرهوبا حماه... وعيدى زاجرا دون افتراسى»
انتهى.
وتقول: زيد الشمي طالعة, وبكر القمر منيرا.
فلا يجوز التقديم فى قول البصريين, لا تقول: زيد طالعة الشمس, وأجاز ذلك الكسائى لان الحال توسطت والمتوسطة كالمتأخرة وقوله واغتفر توسيط ذى التفضيل بين حالين يعنى أنه كان القياس إذا كان العامل أفعل التفضيل, واقتضى حالين أن تتأخر الحالان عنه, لأنه إذا كان يقتضي
حالا واحدة وجب تأخيرها عنه, ولا ينتصب الحالان مع افعل التفضيل إلا لمختلفى الذات مختلفى الحالين, / نحو: زيد مفردا أنفع من عمرو معانا, أو متفقى الحال, نحو: زيد مفردا أنفع من عمرو مفردا, أو إلا لمتحد الذات مختلف الحالين نحو: هذا بسرا أطيب منه رطبا, وزيد قائما أخطب منه قاعدا.
فإن اشترك المتخلفان فى وصف هو لأحدهما أكثر على كل حال ارتفع الاسمان اللذان كانا انتصبا حالين فتقول: هذا بسر اطيب منه عنب, وصار بسر خبرا للمبتدأ, واطيب وما بعده جملة ابتدائية فى موضع الصفة لبسر, واطيب هو المبتدأ, وعنب خبره, وهو الاختيار لوقوع المبتدأ فى محله, ويجوز العكس, وهو ان يكون اطيب خبرا مقدما, وعنب مبتدا, وجاز الابتداء به وهو نكرة لأنه لا يراد به عنب بعينه, فدخله لذلك معنى العموم, فهو نظير: ثمرة خير من جرادة.
واختلف النحويون فى العامل فى هذين الحالين: هذهب المبرد, والزجاج, وابن السراج, والسيرافى, والفارسى فى حلبياته - وهو اختيار ابن عصفور فى احد قوليه - ومن وافقهم إلى انهما منصوبان على إضمار (كان) التامة صلة ل «إذا» إن كانت الحالان مما يؤول إليه المحكوم, نحو هذا بسرا أطيب منه رطبا, إذا اشرت إليه وهو بلح, وصلة ل «إذ» إن كانت الحالان مما تقدم وجودهما, كالمثال المذكور إذا اشرت إليه وهو بلح وصلة ل «إذ» إن كانت الحالان مما تقدم وجودهما, كالمثال المذكور إذا اشرت إليه وهو تمر, فبسرا حال من الضمير المستكن فى «كان» الأولى ورطبا حال من الضمير المستكن فى «كان» الثانية, والعامل في الظرفين
أفعل التفضيل وإن كان احدهما متقدما عليه, لان الظروف والمجرورات تتقدم على العامل فيها وإن كان معنى فعل, وقالو: زيد يوم الخميس أحسن منه يوم الجمعة.
وحكى ابو الحسن تقديم الظرف على أفعل التفضيل مسموعا, وقال الفرزدق:
لاخت بنى ذهل غداة لقيتها... فكيهة فينا منك أرغب فى الخير
التقدير: لاخت بنى ذهل فكهية أرغب فينا غداه لقيتها منك فى الخير, وتقدم» منك» على» ارغب» قبيح جدا, لانه من كمال أفعل, لا يتم معناه إلا به
فإن كان المشار إليه تمرا لم يحتج إلى إضمار, بل العامل فى بسر» هذا» بما فيه من معنى الإشارة.
وقيل: حرف التنبيه.
قد تقدم الكلام على إعمال حرف التنبيه فى الحال, وعلى إعمال اسم الإشارة فى الحال
وقال بعض أصحابنا: يجوز أن تقدر (كان) المضمرة ناقصة, فيكون انتصاب بسرا ورطبا على انهما خبر (كان) الناقصة و (يكون) الناقصة المضمرتين.
واستدل على ذلك بمجئ الاسم المنصورب معرفة, فيقال: زيد المحسن أفضل من المسئ وقد تقدم الكلام على هذه المسألة
وقال المصنف فى الشرح» فيه إضمار ستة اشياء من غير حاجة» يعنى إضمار إذا, وإذ, وكان.
أو يكون, والضمير المستكن فى كان, أو يكون.
وقال:
«وبعد تسليم الإضمار يلزم إعمال أفعل فى إذ وإذ, فيكون ما وقع فيه شبيها بما فر منه» انتهى.
وذهب المازنى فى الاظهر من كلامه والفارسى فى /تذكرته, وابن كيسان وابن جنى, وابن خروف - وهو اختيار ابن عصفور فى بعض كتبه - إالى أن أفعل التفضيل عامل فى الحالين معا, فبسرا حال من الضمير المستكن فى أطيب, ورطبا حال من الضمير المجرور فى منه, والعامل فيهما أطيب
وزعم المصنف فى الشرح أن هذا مذهب س, قال: «قال س بعد تمثيله بهذا بسرا أطيب منه رطبا: (فإن شئت جعلته حينا قد مضى, وإن شئت جعتله حالا مستقبلا).
ثم قال س: (وإنما قال الناس هذا منصوب على إضمار إذا كان فيما يسقبل, وإذ كان فيما مضى, لأن هذا لما كان ذا معناه أشبه عندهم أن يتنصب على إذا كان وإذ كان) فهذا نص منه على ان تقدير كان لم تدع إليه حاجة من قبل العمل, بل من قبل تقريب المعنى, والعالم إنما هو أفعل» انتهى.
واحتج لهذا المذهب بأن أفعل أقوى من الألفاظ العامة بما تضمنه من معنى الفعل, من جهة أنها قد اشبهت الفعل فى أنها لا تثنى, ولا تجمع ولا تؤنث.
كما أن الفعل كذلك, وانها على وزن الفعل.
وان لفظ الفعل موجود فيها, وانها دلت على الفعل المعلق فى قوله تعالى (أعلم من يضل عن سبيله) التقدير: يعلم من يضل عن سبيله, فاستغنى بألعلم عن إضمار ذلك الفعل المعلق, فساغ لذلك عندهم
تقديم الحال التى عملت فيها عليها وإن لم يسغ ذلك فى الألفاظ التى عملت فى الحال بما تضمنته من معنى الفعل.
قال بعض أصحابنا: «وهذا الذي ذهبوا إليه باطل من جهة أن هذه المشابهات لم تلحقها بالفعل, بدليل أنها لا تنصب المفعول به وإن كانت مشتقة من الفعل المتعدى, ولو كانت تجرى مجرى الفعل للاشباه التى ذكروها لنصبت المفعول به, فالصحيح إضمار إذ كان أو كان, وهو الذى ارتضاه الفارسى فى حلبياته وإن كان قد جوز الوجه الاخر إلا انه استضعفه» انتهى.
ولا يلزم من إجراء أفعل مجرى الفعل فى العمل فى الحال والظرف للأشباه التى ذكرت أن تعمل فى المفعول به, إذ ما أشبه الشئ لا يعطى حكم ذلك الشئ كله, وما ادعوه من الإضمار لم ينطق به فى موضع من المواضع.
والذى نختاره أن أفعل التفضيل عامل فى الحالين لأنه تضمن معنى فعل يتعلق بمصدرين, والتقدير: هذا يزيد طيبه بسرا على طيبه رطبا.
هذا اصل الكلام, ثم حذف, وضمن أفعل التفضيل معنى يزيد المتعلق بمصدرين, فبسرا فى الحقيقة معمول لمصدر محذوف, وكذلك رطبا, فلما ضمن أفعل التفضيل معنى هذين المصدرين لدلالته على يزيد المتعلق بهما جاز أن يعمل فيهما مراعاة للاصل.
وأيضا فالحلات فى اللفظ لا يرجعان الى ذى حال واحدة بل الى ذوى حال, ألا ترى ان الواحدة حال من الضمير المجرور.
وكان القياس منع هذه المسألة على المذهبين لولا ان السماع ورد بها, لانا اذا ادعينا إضمار كان ادعينا ما لم تلفظ به العرب قط, ولا يعم ابضا جميع المسائل لانك لو اخبرت عن المحكوم عليه بأفعل التفضيل حالة التباسه بإحدى
الحالين لم يصح تقدير إذ كان ولا إذا كان, ويلزم من ذلك ايضا مخالفة سائر العوامل القوية فى العمل من حيث نصب أفعل التفضيل لظرفين من غير عطف ولا بدل.
فيترجح بذلك العامل الضعيف على العامل القوى من جهة عمله فى حالين من غير عطف ولا بدل ولزم منه ابضا مخالفة ما عمل فى الحال من المتضمن لمعنى الفعل لجواز تقديم إحدى الحالين عليه, وذلك لا يكون فى غيره, وإذا كان المجرور ب» من» بعد أفعل التفضيل لا يجوز تقديمه عليه إلا فى شذوذ أو ندور فلان يمنع تقديم الحال عليه أولى
ولا تختص هذه المسألة بكون أفعل التفضيل يقع خبرا للمبتدأ, بل قد يقع صفة وحالا, نحو: مررت برجل أخبث ما يكون أخبث منك أخبث ما تكون ومررت بزيد أخبث ما يكون أخبث منك أخبث ما تكون.
ولا يجوز تأخير المنصوبين على الحال عن أفعل التفضيل ولا تقديمهما عليه, لا يقال: ثمر هذه النخلة أطيب منه بسرا رطبا, ولا: ثمر هذه النخلة بسرا منه رطبا أطيب, ولم يسمع ذلك من كلام العرب.
وعلل الزجاج ذلك بأنهم ارادو أن يفصلو بين المفضل والمفضل عليه لئلا يقع الإلباس ولا يعلم أيهما المفضل, فلذلك قدم عنده المفضل, واخر المفضل عليه.
وعلل ابو على الدينورى عدم تأخير العرب للحالين بأن المعنى: طيب هذا بسرا يزيد على طيبه رطبا, وهو صلة للمصدر,وصلة المصدر لا يحال بينها وبينه بما ليس من الصلة, فكما لا يجوز عنده: طيب ها يزيد على طيبه رطبا بسرا, لما
يلزم فيه من الفصل - كذلك لم يجز عنده: هذا أطيب منه رطبا بسرا, حملا له على ما هو فى معناه.
قال بعض أصحابنا: وهذا التعليل فاسد, لانه إذا عامل «أطيب منه» معاملة «طيبة يزيد على طيبه» من حيث كانت أفعل الى للمفاضلة تتضمن معنى المصدر والفعل لزمه ألا يقدم بسرا على أطيب كما لا يقدمه على المصدر الذى هو طيبه,
وقوله غالبا أن الغالب اغتفال توسيط أفعل التفضيل بين حالين أن لنا صورة لا يتوسط, فيحتمل أن تتقدم الحالان على أفعل التفضيل, ويحتمل أن تتأخرا عنه, وقد ذكروا أن كلتا هاتين الصورتين لم تسمعا من لسان العرب.
إلا ان بعض أصحابنا أجاز تأخير الحالين عن أفعل التفضيل على شرط أن تلى أفعل التفضيل الحالة الاولى مفصولا بها بينه وبين المفضل عليه, وتلى الثانية المفضل عليه, فتقول: هذا اطيب بسرا منه رطبا, وزيد اشجع اعزل من بكر ذا سلاح, فتقع الحال الاولى فاصلة بين المفضل والمفضل عليه إذ لا يكون بعدمن إلا المفضول, ولا يحتاج ذلك الى إضمار «إذ كان» ولا «إذا كان» لانه من الضرورة تدعو الى ذلك, وهذا الذى ذهب اليه هذا الذاهب حسن فى القياس, ويحتاج هذا التركيب الى سماع من العرب.
وقوله وقد يفعل ذلك بذى التشبيه قال المصنف فى الشرح: وقد يتوسط هذا النوع بين حالين فيعمل فى إحداهما متأخرة وفى الاخرة متقدمة كقول الشاعر:
أنا فذا كهم جميعا, فإن أمـ... ـدد أبدهم, ولات حين بقاء
وقال أخر:
تعيرنا أننا عالة... ونحن صعاليك أنتم ملوكا
أراد: ونحن فى حال تصعلكنا مثلكم فى حال ملككم, فحذف مثلا, واقام المضاف إليه مقامه مضمنا معناه واعمله بما فيه من معنى التشبيه» انتهى كلامه.
وفيه مناقشتان:
إحداهما: قوله: وقد يفعل ذلك.
فدل على انه يقع ذلك قليلا, وهذا التركيب الذى ذكره لا يمكن فيه إلا ذلك ولا يجوز تقديمهمها ولا تأخيرهما, فما كان هكذا لا يقال فيه «وقد» لأنه يشعر بالقلة وأن الكثير غيره,وذلك الذى يظن أنه كثير لا يقع البته, لا يجوز: زيد فقيرا غنيا مثلك, ولا: زيد مثلك فقيرا غنيا.
والمناقشة الثانية: انه أشار بقوله ذلك من قوله وقد يفعل ذلك الى اغتفتار التوسط فى أفغل التفضيل, وقيده فى أفعل التفضيل بفوله غالبا, وهنا لا يمكن تقييد ذلك بقوله غالبا لامرين:
احدهما: أن غالبا يدافع قوله وقد يفعل.
لان الغلبة مشعرة بالكثرة, وقد يفعل مشعره بالقلة, فتدافعا
والامر الاخر: انه قد أمكن إبراز صورة ما فى أفغل التفضيل على ما جوزه بعض أصحابنا مخالفة للغالب, وهى: هذا أطيب بسر منه رطبا, وهنا لا يمكن ذلك البته, لان اداة التشبيه لا يمكن أن يفصل بينهما وبين مجرورها بحال.
وما ذهب إليه المصنف من أن اداة التشبيه تعمل فى حالين تتقدم إحدامها عليها.
وكذلك الضمير لقيامه مقام الاداة - لا يصح لانها ليست كأفعل التفضيل, لان من قال بإعمال أفعل التفضيل فى حالين وتوسطه بينهما لانه ناب مناب عاملين, واداة التشبيه ليست كذلك, ولان تقديم الحال على أداة التشبيه غير جائز, ولأن اعمال الضمير لا يجوز, فالصحيح أن ينتصب «فذا» و «صعاليك» على إضمار: إذا كان, كأنه قال: أنا إذا كنت فذا كهم جميعا, ونحن إذا كنا صعاليك فلا تعمل أداة التشبيه ولا الضمير.
وقوله فأن كان الجامد ظرفا أو حرف جر مسبوقا بمخبر عنه جاز على الاصح توسيط الحال بقوة أن كان ظرفا او حرف جر, وبضعف إن كانت غير ذلك يعنى إذا جعلت «عند هند» حالا و «في بستانها» خبرا, و «زيد في بستان هند معها» إذا جعلت «في بستان هند» حالا و «معها» خبرا وكذلك إذا كان الخبر والحال ظرفين, أو كانا حرفى جر, ومثال كونها غير ظرف ولا حرف جر, زيد متكئا فى الدار.
واحترز بقوله «مسبوقا بمخبر عنه» من كونه متأخرا عنه, فإنه لا خلاف فى جواز توسيط الحال بين العامل الظرف أو حرف الجر وبين المخبر عنه المتأخر, نحو: فى الدار عندك زيد.
وفى الدار قائما زيد.
وقوله جاز على الاصح مذهب الاخفش فى احد قوليه والفراء انه يجوز توسط الحال بين المخبر عنه المقتدم والخبر الظرف أو المجرور سواء أكانت الحال ظرفا أم اسما صريحا نحو ما مثلنا, ام جملة حالية بالواو نحو: زيد وماله كثير بالبصرة, لانه فى تقدير: زيد إذ ماله كثير بالبصرة
وحجة الأخفش السماع, فمن ذلك قوله تعالى (والسموات مطويات بيمينه) فى قراءة من نصب (مطويات) وقول النباغة الذبيانى: رهط ابن كوز محقبى ادراعهم... فيهم, ورهط ربيعة بن حذار وقول الاخر أبنو كليب فى الفخار كدارم... ام هل أبوك مدعدها كعقال وقول الاخر بنا عذا عوف, وهو بادى ذلة... لديكم, فلم يعدم ولاء ولا نصرا وقول الاخر ونحن منعنا البحر ان تشربوا به... وقد كان منكم ماؤه بمكان وقول عباس:» نزلت هذه الآية ورسول الله متواريا بمكة» ذكره المصنف فى الشرح مستدلا به لمذهب الاخفش على عادته فى الاستدلال بالمأثور فى الحديث على إثبات القواعد الكلية النحوية.
وذهب الجمهور من البصريين إلى منع ما أجازة الاخفش فى بعض كتبه والفراء من تقديم الحال متوسطه بين المخبر عنه المتقدم والخبر إذا كان الخبر ظرفا او حرف جر سواء أكانت الحال اسما صريحا أم ظرفا أم حرف جر أم جملة حالية بواو أو بغير واو, لان العامل ضعيف, فلا يتقدم زيد فى الدار, ولا: قائما فى الدار زيد بإجماع من البصريين, هكذا قال بعضهم, وسواء أكانت الحال لظاهر كما مثلنا, أم لمضمر, نحو: وقائما فى الدار أنت.
وذهب الكوفيون إلى جواز توسطها إذا كانت من مضمر مرفوع, كما أجازوا ذلك فى التقديم على الجزأين إذا كانت من مضمر مرفوع, فأجازوا فى نحو أنت فى الدار قأما أن تقول: فى الدار قائما انت, وانت قائما فى الدار, وقائما فى الدار انت, وقائما انت فى الدار, لانه لا يلزم من تقديمها على الرافع والمرفوع تقدم مضمر على ظاهر كما لزم ذلك إذ كانت من مرفوع ظاهر.
وقال أبو بكر بن طاره: لم يختلفوا - يعنى النحاة - فى امتناع: قائما فى الدار زيد.
هكذا قال, وليس بصحيح.
فإن الاخفش أجاز فى قولهم: «فداء لك أبى وأمى» أن يكون فداء منصوبا على الحال, والعامل فيه «لك» فهذا نظير: قائما على الدار زيد
وذهب ابن برهان إلى التفصيل بين أن تكون الحال ظرفا أو حرف جر, فيصح تقديمها على العامل إذا كان ظرفا أو حرف جر, ومنه قوله تعالى (هنالك الولية لله الحق), قال: (هنالك) ظرف مكان, وهي حال,
و (الولية) مبتدأ, و (لله) فى موضوع الخبر, ولازم الجر عامل فى الحال مع تقدمها على اللام, لان الحال بلفظ الظرف»
وهذا الذي ذكره ابن برهان يقتضى بجهة الاولى جواز التوسط, لانه إذا أجاز ذلك مع التقدم على الجزأين فلأن يكون ذلك أجوز مع التوسط
واختار المصنف قولا مخالفا لهذه الاقوال, وهو أنه إذا كانت الحال اسما صريحا ضعف التوسط, وإذا كانت ظرفا أو مجرورا جاز التوسط.
فتلخص فى هذه المسألة أقوال: المنع مطلقا, والجواز مطلقا, والتفضيل بين أن تكون من مضمر مرفوع فيجوز, أو غير ذلك فيضعف.
قال المصنف فى الشرح» ولا يضعف القياس على تقديم غير الصريحة لشبه الحال فيه بخير إن إذا كان ظرفا, فكما استحسن القياس على» إن عندك زيدا مقيم» لكون الخبر فيه بلفظ الظرف الملغى, ولتوسعهم فى الظروف بما لا يتوسع فى غيرها بمثله - كذا يستحسن القياس على:
....................... وقد كان منكم ماؤه بمكان
وغير الاخفش يمنع تقديم الحال الصريحة على العامل الظرفى مطلقا, والصحيح جوازه محكوما بضعفه, ولا يجرى مجرى العامل الظرفى غيره من العوامل المعنوية باتفاق لان فى العامل الظرفى ما ليس فى غيره من كون الفعل الذي
ضمن معناه فى حكم المنطوق به لصلاحتيه أن يجمع بيه وبين الظرف دون استقباح, بخلاف غيره فإنه لازم التضمن غير صالح للجمع بينه وبين لفظ ما تضمن معناه, فكان للعامل الظرفى بهذا مزية على غيره من العوامل المعنوية أو حبا له الاختصاص بجواز تقديم الحال عليه» انتهى.
وكان قد ذكر قبل أن توسيط الحال عند الاخفش صريحة كانت الحال أو بلفظ ظرف أو حرف جر جائز إذا كان العامل ظرفا أو حرف جر, وقد ذكرنا نحن ان للاخفش فى ذلك قولين: الجواز والمنع.
والصحيح منع التوسط مطلقا وهو صححه أصحابنا, وتأولوا ما ورد مما ظاهرة ذلك:
فخرجوا نصب (مطويات) على الحال من (السموات), و (السموات) هى العاملة فى الحال بنفسها لما فيها من معنى الفعل, وهو السمو,لا المجرور الذى فى موضع الخبر, وذو الحال يجوز أن يعمل فى الحال إذا كان فيه معنى الفعل, فقد أجاز النحويون أن يقال: هذا قائما زيد.
على ان يكون» قائما» حالا من هذا, وعمل فى قائم بما فيه من معنى الاشارة.
وخرجوا «محقبى ادراعهم» على انه منصوب على المدح و «مدعدعا» و «بادى ذله» منصوبان على الذم - والدعدعة: زجر الغنم - ويكون قد اعترض
بالجملة التي تدل على المدح بين المتبدا والخبر.
وقطع النكرات إذا جاءت بعد المعارف على المدح أو الذم جائز, ومن ذلك قوله:
طليق الله لم يمنن عليه... أبو داود وابن ابى كثير
ولا الحجاج عينى بنت ماء... تقلب طرفها حذر الصقور
وخرج ذلك ايضا على النصب بإضمار أعنى, كأنه قيل أعنى مطويات.
واعنى محقبى أدراعهم, واعنى بادى ذلة
وأما إجازة الكوفيين: انت قائما فى الدار, وقائما فى الدار انت, وقائما انت فى الدار - فهو شئ قالو بالقياس ولم يصح سماعه من لسان العرب
وأما ما ذهب إليه ابن برهان من تخريج (هنالك الولية لله الحق) على ان (هنالك) ظرف منصوب على الحال فهو خلاف ما جامع الكوفيون والبصريون
وإجازة الكوفيين قائما فى الدار أنت إنما هو لانهم زعموا أن النصب على القطع,وعمل فيها النصب عندهم الحديث والمحدث عنه كلاهما,وهو مع ذلك لم يسمع من لسان العرب, فهو تركيب فاسد.
وقوله ولا تلزم الحالية فى نحو: فيها زيد قائما فيها, بل تترجح على الخبرية أى: نصب قائما على الحالية فى نحو: فيها زيد قائما فيها, بل تترجح على الخبرية أى نصب قائما على الحالية أرجح من رفعه على الخبرية, وذلك بتقدم «فيها» لأنه من حيث التقدم الاولى به أن يكون عمدة لا فضلة قال المصنف في
الشرح «وإذا وقع اسم يحسن السكوت عليه من ظرف ظاو جار ومجرور وله ما يصلح للخبرية والحالية جاز جعله خبرا وحالا بلا خلاف إن لم يكرر ما فى الجملة من ظرف أو حرف جر» انتهى.
ولا يخلو أن تقدم الظرف أو المجرور على الاسم أو لا: أن قدمت, نحو: فى الدار زيد قائم, وأمامك عمرو جالس - فاختار س والكوفيون النصب فى قائم وجالس,وإن لم تقدم فاختارو الرفع فى قائم وجالس, نحو: زيد فى الدار قائم وعمرو أمامك جالس.
وقال أبو العباس: التقديم والتأخير فى هذا واحد.
وحكى ابن سلام فى» طبقات الشعراء» له أن عيسى كان يلحن النابغة فى قوله:
.......................................... فى أنيابها السم ناقع
ويقول: لا يجوز إلغاء الظرف مقدما لان التهمم به يناقض تقديمه ملغى
ولا ينبغى أن يلحن العربى, وأيضا فقد سمع
.............................................. وعندى البر مكنوز
و:
............................. عليه الودع منظوم
وجاء في كتاب الله تعالى (ولم يكن له كفوا أحد) فألغى (له) مع تقدمه, فإذا نصبنا قائما تعين أن يكون (فى الدار) الخبر, واذا رفعنا قائما جاز فى المجرور أن يكون فى موضع نصب متعلقا بقائم, وجاز أن يكون خبرا, ويكون مما اخبر فيه عن المبتدأ بخبرين على مذهب من يحيز ذلك
وقد منع بعضهم هذا الوجه, قال: فإن قلت: ولم جعل س بيت النابغة و «فيها عبد الله قائم» على الإلغاء؟ وهلا جعله خبرا, ويكون الاسم له خبران بمنزلة: هذا الحلو حامض.
قلت: لايجوز ذلك: لان الخبرين إنما جازا إذا كانا فى معنى خبر واحد.
لما تقرر أنه لا يقضى الشئلا مما يطلبه اكثر من واحد, ويكونان بمنزلة الشلئ الواحد, فلا يجوز الفصل بينهما فلهذا جعله س على الإلغاء.
وقال المصنف فى الشرح:» فإن كرر الظرف أو حرف الجر جاز الوجهان أيضا, وحكم برجحان النصب لنزول القرأن به, كقوله تعالى (وأما الذين سعدوا