التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيلصفحات 295-334

المستقبل قد يحكى بالنظر إلى ما مضى أنك تقول: لم تركت زيدا وقد كان سيعطيك؟ ومن ذلك قول امرأة من العرب ترثي زوجها: ياموت لو تقبل افتداء... كنت بنفسي سأفتديه وهذا التأويل إنما يحتاج إليه إن قدر سيبكي جوابا لرب لا صفة للمخفوض بها؛ وأما إن قدرته في موضع الصفة للمخفوض برب، وجعلت لها جوابا نحذوفا يراد به المضي- فلا يحتاج إليه، ويكون التقدير إذ ذاك: فرب فتى سيبكي على مخضب رخص البنان لم أقض حقه، فحذف ذلك لدلالة ما بعده عليه، وهو قوله بعد: ولم أك قد قضيت حقوق قومي... ولاحق المهند والسنان" انتهى وأما استدلال المصنف بقول أم معاوية فقولها "يارب قائلة غدا" هو من الوصف بالمستقبل لا من باب تعلق رب.
بما بعدها.
وأما "ومعتصم" فإن "سيردي" محتمل أن يكون صفة لا متعلقا به رب.
وأما "لا أظله" فهو صفة أيضا.
وكذلك "يارب غابطنا".
فجميع ما استدل به على استقبال ما تتعلق به رب لا دليل فيه.
وأما قوله "فقمت" البيت، وقوله "ألا رب"البيت- فهما مما وصف فيهما المجرور بالحال لا مما تعلقت به رب.
وفي قول المصنف "ولا مضى ما تتعلق به" نص على أنها تتعلق كحروف الجر غير الزوائد، وهذه مسألة اختلف فيها: فذهب الرماني وابن طاهر إلى أنها لا تتعلق بشيء، وحكاه شيخنا أبو الحسين بن أبي الربيع عن بعض المتأخرين، قال: "إذا قلت: رب رجل عالم قد

لقيته- فرب حرف دخل على المبتدأ وخفضه، وهو بمنزلة: بحسبك زيد، فدخل حرف الجر، فانخفض المبتدأ، فكما أن المجرور هنا لا يحتاج إلى متعلق كذلك رب رجل عالم لا يحتاج إلى متعلق".
وذهب الجمهور إلى أنه يتعلق.
واختلفوا في موضع المجرور بها: فذهب الزجاج إلى أنه في موضع نصب أبدا، فإذا قلت: رب رجل قد ضربت، ورب رجل قد أتاني- كانت في موضع نصب بضربت وأتاني.
وإن جعلتهما صفة كانت في موضع نصب بعامل محذوف.
ورد على ذلك بأنه يؤدي إلى تعدي الفعل المتعدى بنفسه إلى مفعوله/ بواسطة رب، وهو لا يحتاج في تعديه إليها.
وأجاب الرماني بأنها دخلت على معمول الفعل كما دخلت اللام في "إن كنتم للرءيا تعبرون"، لكن هذا على سبيل الجواز لما كان التقديم والتأخير جائزين، ولما وجب تقديم الفضلة المجرورة برب على الفعل وجب دخول رب عليها.
ورد بأن العامل إذا تقدم معموله عليه لم يقو في وصوله إليه باللام.
ورد أيضا مذهب الزجاج بأنه يؤدي إلى تعدي الفعل المتعدي إلى ضمير المفعول وإلى ظاهره في نحو: رب رجل عالم لقيته، ولا يجوز: بزيد لقيته، وبأنه إذا كان المفعول يلزم تقديمه لم يلزم أن يقوى بالحرف، فيجوز: لأي رجل ضربت؟ وأي رجل ضربت؟

وذهب الأخفش والجرمي إلى أنها تزاد في الإعراب، ويحكم على موضع مجرورها بالنصب والرفع على حسب العامل بعدها، ويجوز فيه الاشتغال إذا كان العامل قد عمل في ضميره أو سببه نصبا، ويعطف على لفظه وعلى موضعه، فإن كان رفعا رفع المعطوف، أو نصبا نصب.
قال ابن عصفور: "ومن العطف على الموضع قول الشاعر: وسن كسنيق سناء وسنما... ذعرت بمدلاج الهجير نهوض عطف سنما على موضع سن لأنه في موضع نصب على المفعول".
وقال الأعلم: "السناء: الارتفاع، وكذلك، فعلى هذا يكون وسنما معطوفا على سناء".
وقال أبو بكر عاصم بن أيوب البطليوسي: "من جعل سنما اسما للبقرة عطفه على موضع وسن؛ لأنه في موضع المفعول بذعرت؛ أراد: ذعرت بهذا الفرس ثورا وبقرة، وهو بعيد عند بعض النحويين أن يجعل لرب موضع من اإعراب.
انتهى".
ويدل هذا على أنها زائدة في الإعراب قولهم: رب رجل عالم يقول ذلك، فلولا أن "رب" زائدة فب إعراب ما جاز ذلك؛ لما يلزم من تعدي فعل الضمير المتصل إلى ظاهره، فجعل "رب رجل" في موضع رفع بالابتداء هو الذي سوغ ذلك.
لا يقال: كيف يقال في رب إنها زائدة في إعراب وهي تدل على معنى زائد؛ لأن الزائد على قسمين: قسم إذا أزيل لم يتغير المعنى؛ لأنه إنما جيء [به] للتأكيد،

وقسم إذا أزيل تغير المعنى، ويسمى زائدا في الاصطلاح باعتبار أنه يتخطى العامل إليه.
مثال الأول: ليس زيد بقائم، ومثال الثاني: جئت ليلا بلا زاد، فيقول النحويون إن "لا زائدة، وهي لو أزيلت لتغير المعنى من النفي إلى الإثبات.
ف"رب" إذا كان معمولها مبتدأ لا تتعلق بشيء، ونظيرها في ذلك "لولا" مع المضمر، و"لعل" في لغة من جر بها في أنهما لا يصل بهما عامل إلى معموله، وكذلك رب رجل عالم في الدار ف "في الدار"خبر عن "رجل"، ولم يصل ب"رب"عامل إلى معموله.
فأما رب رجل عالم لقيت فإنما قلنا إن رب رجل في موضع مفعول لأن العامل في ذلك يطلبه/ على جهة المفعولية، بخلاف "لولا" مع المضمر، و"لعل" في لغة من جر بها، فإنه لا يكون ذلك أبد إلا في موضع لا يتعلق فيه بعامل.
وأما قول س في رب رجل يقول ذلك: "إنك قد أضفت القول إلى الرجل برب"- فمعناه أن يقول: إضافته رب إلى الرجل على معنى التقليل أو التكثير على الخلاف، كما تقول في لعل زيد قائم: إن لعل أضافت القيام إلى زيد على طريق الترجي.
وحروف الجر غير الزائدة متعلقة كانت أو غير متعلقة معناها الإضافة، فإن كانت متعلقة أضافت العامل إلى المعمول، وإن كانت غير متعلقة أضافت الابتداء إلى المخفوض بها على المعنى الذي لها.
وحذف الفعل الذي يكون خبرا لمجرور رب، أو عاملا في موضعه، أو مفسرا لعامل- نادر وفاقا ل"س"والخليل، لا كثير، خلافا للفارسي والجزولي، ولا ممنوع، خلافا للكذة الأصبهاني؛ إذ زعم أن ذكره واجب، ولحن ما ورد من ذلك، وزعم أنه منحول للعرب.

قال س في باب ما يجزم من الجوابات: "وزعم الخليل- رحمه الله- أنه وجد في أشعار العرب رب لا جواب لها، ومن ذلك قول الشماخ: ودوية قفر تمشي نعامها... كمشي النصارى في خفاف اليرندج ألا ترى أنه قد علم أن مراده: قطعتها، أو نحوه ". وقول الخليل يدل على بطلان ما قاله الفارسي ولكذة.
ومما يرد على لكذة قولهم: رب رجل قائم، ورب ابنة خير من ابن، وفي المثل السائر: رب لائم مليم، وقول الشاعر: ألا رب من تغتشه لك ناصح... ومؤتمن بالغيب غير أمين وقال أبو الحسين بن أبي الربيع: ((لا يمكن أن تجعل رب زائدة؛ لأنها تحزر معنى، والزائد لا يحزر معنى، وإنما هو مؤكد، ولا كل حرف خافض لا يكون إلا موصلا، وإنما خفض إذا كان زائدا ليبقى عليه عمله الذي أنس به، وما زادته العرب للتوكيد وليس له أصل فلا يكون خافضا؛ لأنه ليس موصلا، و"رب" خافضة، فلابد أن تكون موصلة، أو منقولة منها إن جعلتها زائدة، فقد صح.
بما ذكرته أنها لا بد لها من فعل تتعلق به، فلابد أن يكون ظاهرا أو محذوفا، وإذا كان محذوفا فيكون على وجهين:

أحدهما: أن يكون قد ناب منابه شيء، فلا يظهر.
الثاني: ألا ينوب منابه شيء، فيجوز أن يظهر، ويجوز أن تحذفه، فيكون ظاهرا إذا لم يكن معك ما يدل عليه، وإذا كان معك ما يدل عليه، ولم تكن الصفة تقوم مقامه- فانت بالخيار، إن شئت حذفته وإن شئت أظهرته.
وإذا كانت الصفة تقوم مقامه فلا يجوز إظهار الفعل.
فمثال ما أنت فيه بالخيار أن تسمع إنسانا يقول لك: ما لقيت رجلا عالما، فتقول: رب رجل عالما لقيت، ولك ألا/ تذكر لقيت، فتقول: رب رجل عالم، وتكتفي بكونه جوابا.
فإن كان ذلك منك ابتداء فلابد من إظهار الفعل.
وأكثر ما تكون جوابا، وإذا كانت غير جواب فهي تقدير على ذلك، إلا أن الفعل يظهر لأ سامعك لا يعلم ذلك الفعل إذا حذفته.
ومثال ما يكون الفعل فيه لا يظهر لأن الصفة تقوم مقامه قولك: رب رجل يفهم هذه المسألة، لمن يقول لك: قد فهمتها، فالتقدير: رب رجل يفهم هذه المسألة وجدت، لكن مثل هذا لا يظهر.
وبهذا كان الأستاذ أبو علي يتأول كلام س، وهو: "إذا قلت: رب رجل يقول ذلك، فقد أضفت القول إلى الرجل برب"،فكان يقول: إن يقول لا يصح أن يكون إلا صفة لرجل؛ لأن فعل المضمر لا يتعدى إلى ظاهره، فلابد من متعلق محذوف، إلا أنه لا يظهر، ونابت الصفة منابه، فلما كان كذلك قال س: إن رب وصلت يقول إلى رجل، وإن كانت إنما وصلت وجدت المحذوفة، ونابت يقول منابها"، انتهى ما نقلناه من كلام أبي الحسين.
فصارت المذاهب في الفعل المقدر عاملا في رب بالنسبة إلى الحذف خمسة: الندور، وهو مذهب س والخليل.
والكثرة، وهو مذهب الفارسي.
والمنع، وهو

مذهب لكذة.
ونقل صاحب "البسيط" عن بعضهم أنه يلزم الحذف، فقال: "وادعى بعضهم لزوم الحذف لأنه معلوم، كما حذف في: باسم الله، وتالله لأفعلن".
والتفصيل، وهو ما ذهب إليه ابن أبي الربيع.
وقوله بل يلزم تصديرها إن عني أنه يلزم تصديرها علي ما تتعلق به علي ما تتعلق به علي ما زعم فهو صحيح، لا يوجد في كلامهم: لقيت رب رجل عالم.
وإن عنى أنه يلزم تصديرها أول الكلام فقد بينا أن ذلك ليس بصحيح، وأنها قد وقعت خبراً ل "إن" ول "أن" المخففة من الثقيلة.
وقوله وتنكير مجرورها يعني أن ذلك ليس بصحيح، وأنها قد وقعت خبراً ل "إن" ول "أن" المخففة من الثقيلة.
وقوله وتنكير مجرورها يعني أنه إذا كان مجرورها ظاهراً فإنه يكون نكرة، سواء أكان معرباً أم مبنياً، نحو: رب من أنضجت غيظاً صدره................................ وزعم بعض النحويين أنها تجر الاسم المعرف بأل، فتقول: رب الرجل لقيت، وأنشدوا في ذلك قوله: ربما الجامل المؤبل فيهم وعناجيج بينهن المهار بخفض الجامل.
وقال من منع ذلك: الرواية الجامل بالرفع علي أن تكون ما في موضع اسم نكرة، والجامل خبر مبتدأ محذوف، أي: هو الجامل، والجملة في موضع الصفة ل "ما".
وقد تقدم تخريج المصنف الرفع علي أنه مبتدأ، و "ما" كافة ل "رب".
قالوا: فإن صحت وراية الجر خرج علي زيادة أل، كأنه قال: ربما جامل مؤبلٍ فيهم، كما قالوا: إني لأمر بالرجل مثلك فأكرمه، أي: برجل مثلك.

وقوله وقد يعطف علي مجرورها وشبهه مضاف إلي ضميريهما مثال ذلك: رب رجلٍ وأخيه رأيت.
وشبه مجرورها هو المجرور بعد كم، نحو: كم عبد وأخيه أعتقت، وقال الشاعر: وكم دون بيتك من مهمه... وكداك رمل وأعقادها وكذا أي وكل، قال: فأي فتى هيجاء أنت وجارها....................... وكذلك كل، قالوا: كل شاة وسخلتها بدرهم.
وشرط جواز ذلك أن يكون في العطف من التوابع، وأن يكون العطف بالواو خاصة.
وزعم الفارسي أنه يجوز ذلك في البدل، وأنشد: كأنهم صابت عليهم سحابه... صواعقها "لطيرهن دبيب" جملة في موضع الصفة، والجملة نكرة وصفت بها المعطوف، فدخله حكم المعطوف عليه" انتهي.
ولا يثبت مثل هذا الحكم بهذا التأويل؛ لأن الأولي والظاهر أن يكون صواعقها مبتدأ لا بدلاً، و "لطيرهن دبيب" خبره، والجملة من "صواعقها" وخبره صفة لسحابة.

وسوغ دخول رب المضاف إلي ضمير مجرورها لأن الإضافة غير محضة، فلم تتعرف النكرة بإضافتها إلي المعرفة، والعرب لا تحكم للمضاف إلي ضمير النكرة بحكم النكرة إلا بشرط أن يكون بعد لفظ يطلب بالتنكير، ك "رب" و "كل" و "أي" فيما ذكرنا، وشرط أن يكون المضاف إلي النكرة معطوفاً علي نكرة متقدمة معمولة ل "رب" و "كم" و "أي" و "كل".
وقال س: "وهو علي ج=وازه ضعيف".
وحكى الأصمعي ما هو أشد من هذا، وهو مباشرة رب للمضاف إلي الضمير، قال: قلت لأعرابية: ألفلان أب أو أخ؟ قالت: رب أبيه، رب أخيه، تريد: رب أخ له، رب أب له، فجعلت إضافتهما إلي الضمير في نية الانفصال.
ووجه ذلك أن الأخ والأب لما كانا من الأسماء التي يجوز الوصف بها قدر فيهما الانفصال، كما قالوا: مررت بفرس قيد الأوابد، إلا أن هذا من القلة بحيث لا يقاس عليه باتفاق.
وكذلك: رب واحد أمه.
ولو كان العطف بالواو في غير رب وكل وأي وكم، نحو قولك: هذا رجل وأخوه، تريد به الانفصال، أي: وأخ له، ويكون الأخ نكرة- ففي ذلك خلاف، قبل: والصحيح أنه يجوز؛ لأنه قد يشترك المعطوف مع المعطوف عليه، فينسحب عليه حكم ما عطف عليه، إلا أنه لا يثبت بذكر مثل هذا نصاً كما يثبت برب وكم وأي وكل؛ لأن هذه لا تدخل إلا علي نكرات، فيتبين فيها نصاً التنكير، ولا يتبين في مثل: هذا رجل وأخوه

-[ص: وقد تجر ضميراً لازماً تفسيره بمتأخرٍ منصوب علي التمييز مطابقٍ للمعني. ولزوم إفراد الضمير وتذكيره عند تثنية التمييز وتأنيثه أشهر من المطابقة.]-

ش: أجروا "ربه رجلاً" في الإضمار قبل الذكر علي شريطة التفسير مجرى نعم لتقارب معنييهما، من حيث كان ربه رجلاً يستعمل في الثناء والمدح، كما أن نعم رجلاً كذلك.
وقال الزجاج: "قولهم ربه رجلاً معناه: أقلل به في رجال، وإنما فعلوا ذلك لما في الإضمار قبل الذكر من الإبهام، والإبهام كثيراً ما يستعمل في موضع التعظيم" انتهي.
ف "ربه رجلاً" أفخم وأمدح من: رب رجل.
وفي قول المصنف "وقد تجر" إشعار بأن ذلك قليل، بل قد نص في غير هذا الكتاب من مصنفاته أن جر رب المضمر شاذ.
والنحويون أوردوا ذلك علي سبيل الجواز وأنه فصيح لا شاذ ولا قليل، إلا إن كان عنى بالشذوذ شذوذ القياس، وبلقلة بالنسبة إلي جرها الظاهر، فهو صحيح؛ لأن القياس في مضمر الغائب أن يتقدمه مفسره، وجرها الظاهر النكرة أكثر من جرها الضمير.
وقد اختلفوا في هذا الضمير أنكرة هو أو معرفة: فذهب الفارسي وكثير من النحاة إلي أنه معرفة، وجرى مجرى النكرة في دخول رب عليه لما أشبهها في أنه غير معين ولا مقصود قصده.
وذهب بعض النحويين إلي أنه نكرة، وهو اختيار ابن عصفور، قال ما ملخصه: "ضمير النكرة معرفة إذا فسرته نكرة متقدمة عليها لنيابتها مناب

المعرفة، نحو: لقيت رجلاً فضربته؛ لأنه نائب مناب: فضربت الرجل، فأضمروه فراراً من التكرار.
فإن فسر بنكرة متأخرة فقد تضعه العرب موضع ظاهر معرفة، فيكون معرفة لوقوعه موقعها، نحو: نعم رجلاً زيد، فالضمير في نعم واقع موقع ظاهرٍ معرف بألٍ أو مضافٍ إلي ما هي فيه.
وقد تضعه موضع موضع ظاهر نكرة، فيكون نكرة لوقوعه موقعها، وذلك: ربه رجلاً؛ لأن المخفوض ب (رب) إذا كان ظاهراً لا يكون إلا نكرة، وكأنك قلت: رب شيء، ثم فسرت الشيء الذي تريده بقولك رجلا" انتهى.
وقد خالف الفارسي في: نعم رجلاً زيد، فزعم أن المضمر فيه لا يجوز إظهاره، وأن قولك: نعم الرجل زيد- ليس إظهاراً للضمير الذي في: نعم رجلاً.
واستدل علي ذلك بقولهم: ربه رجلا، من جهة أن الضمير معرفة، فلو كان واقعاً موقع الظاهر لوجب أن يكون ذلك الظاهر معرفة، و "رب" لا تعمل في المعارف.
وما ذهب إليه الفارسي من كون هذا الضمير معرفة هو الجاري علي مهيع النجاة من أن الضمير معرفة.
وقوله لازماً تفسيره هذا التفسير مخالف لتفسير الضمير في نعم؛ لأنه في نعم قد روي حذفه لدلالة الكلام عليه، وهنا لا يجوز حذفه، لو قيل ذلك: هل رأيت رجلاً عالماً؟ لم يجز أن تقول: ربه، وأنت تعني: ربه رجلاً عالماً رأيت.
وقوله بمتأخر منصوب قال: ربه امرأ بك نال أمنع عزةٍ... وغنى بعيد خصاصة وهوان ونصب هذا التمييز هو المعروف في لسان العرب، وقد سمع جره، قال:/

واهٍ رأبت وشيكاً صدع أعظمه وربه عطب أنقذت من عطبه ووجه الجر أنه نوى من، كأنه قال: وربه من عطب، كما قالوا: نعم من رجل، وذلك علي سبيل الشذوذ، لا أنه جائز في الكلام.
وقوله مطابقاً للمعنى أي: مطابق للذي يقصده المتكلم من إفراد وتذكير وغيرهما، فليس مطابقاً للفظ الضمير؛ لأن لفظ الضمير مفرد مذكر، والتمييز مطابق لما يريده من المعنى بالنسبة إلي التأنيث والتثنية والجمع.
وقوله ولزوم إفراد الضمير إلي آخره مذهب البصريين أن الضمير مفرد مذكر وإن كان مميزاً بمؤنث أو مثنى أو مجموع؛ فتقوله: ربه رجلاً، وربه رجلين، وربه رجالاً، وربه امرأة، وربه امرأتين، وربهن نساءً.
قال ابن عصفور: "وأجاز أهل الكوفة تثنية وجمعه قياساً، وذلك عندنا لا يجوز؛ لأن العرب استغنت بتثنية التمييز وجمعه عنه، كما استغلوا بترك عن وذر وودع" انتهى.
ولم يجتزه الكوفيون قياساً، بل حكوه عن العرب.
ومثال قولهم ربه رجالاً قول الشاعر: ربه فتية دعوت إلي ما يورث الحمد دائماً، فأجابوا

ومن ذهب إلى أن مجرور رب النكرة لابد له من الوصف لم يذهب إلي ذلك في: ربه رجلاً.
وسبب ذلك فيما ذكره ابن أبي الربيع أنه استغنى بما دل عليه الإضمار من التفخيم عن الوصف، فصار قولك ربه رجلاً بمنزله رب رجلٍ عظيمٍ لا أقدر علي وصفه.
وما يتعلق به ربه رجلاً حكمه عندي حكم رب رجل من ان حذفه ينبغي أن يكون ناداً؛ إذ ظاهر قوله "ربه امرأ" وما رووا أيضاً من قوله "وربه عطباً أنقذت من عطبه" بالنصب والجر، وقوله "ربه فتية" الأبيات- فيه ذكر الفعل الذي تتعلق به رب.
وزعم ابن أبي الربيع أن حذف هذا الفعل في ربه رجلاً لازم، قال: "يحتاج إلي ما تتعلق به رب في ربه رجلاً كما تحتاج: رب رجل، وما تتعلق به محذوف، تقديره علي حسب ما يكون جواباً له، إلا أنه لا يظهر؛ لأن الحذف في رب رجلٍ عالمٍ أكثر من الإظهار، فلزم في ربه رجلاً لما فيه من زيادة التعظيم".

-[ص: قد يلي عند غير المبرد "لولا" الامتناعية الضمير الموضوع للنصب والجر والمجرور الموضع عند سيبويه؛ مرفوعه عند الأخفش والكوفيين.

ويجر ب "لعل" و "عل" في لغة عقيل، وب "متى" في لغة هذيل.]-

ش: المشهور أنه إذا ولي لولا الامتناعية ضمير أن يكون ضمير رفع منفصلاً؛ لأنه ناب مناب الظاهر، والظاهر مرفوع، فوجب أن يكون/ ضمير رفع، قال تعالى: ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾.
والخلاف فيه كالخلاف في

الظاهر، أهو مرفوع بلولا، أو مرفوع بفعل محذوف، أو مبتدأ أغنى الجواب عن خبره، أو خبره محذوف لزوماً، أو فيه تفصيل.
وقوله عند غير المبرد زعم أن ذلك لحن، وأن النحويين أخذوا ذلك من قوله يزيد بن الحكم، وقد أنشده س. وكم موطن لولاي طحت كما هوى... بأجرامه من قلة النيق منهوي قال: "وهذه القصيدة فيها لحن كثير".
قال الأستاذ أبو علي: "اتفق أئمة البصريين والكوفيين، كالخليل وسيبوبه، والكسائي والفراء- علي رواية لولاك عن العرب؛ فإنكار المبرد هذيان، وإن يكن يزيد بن الحكم لحاناً كما قال فقد قال رؤبه: لولاكما لخرجت نفساهما" انتهى.

وأنشد الفراء: أتطمع فينا من أراق دماءنا... ولولاك لم يعرض لأحسابنا حسن وأنشد أيضاً: ......................... لولاك هذا العام لم أحجج وقال الأخطل: أستمعتكم يوم ادعو في موداة... ولاكم شاع لحمي عندها ودمي وقال آخر: ويوم بجي تلافيته... ولولاك لاصطلم العسكر

وقال جحدر: خليلي! إن العارمي لعارم... ولولاه ما قلت لدي الدراهم ويحتمل أن يكون "ولولاه" من باب: فبينا هـ يشري......................................... أي: فبينا هو يشري.
فأما قوله: ولولا هم لكنت كحوت بحرٍ... هوى في مظلم الغمرات داج فيحتمل "هم" أن يكون ضمير رفع وضمير جر؛ لأن "هم" ضمير يكون مرفوعاً ومنصوباً ومجروراً.
وعلي هذه اللغة تقول: لولاي ولولانا، ولولاك ولولاك ولولاكما ولولاكم ولولاكن، ولولاها ولولاهما ولولاهم ولولاهن.
وقول الامتناعية احتراز من "لولا" التحضيضية، فإن التحضيضية لا يليها غلا الفعل ظاهراً أو مضمراً أو معموله.
وقوله مجرور الموضع عند سيبويه لأن هذا الضمير لا جائز أن يكون منصوباً؛ لأنه لو كان منصوباً لجاز أن توصل بنون الوقاية ياء المتلكم كالضمائر المتصلة بالحروف، ولا جائز أن يكون مرفوعاً؛ لأنها ليست من ضمائر الرفع، فتعين الجر.

وقوله مرفوعه عند الأخفش والكوفيين/ ذهبوا إلي أنه مما استعير الضمير المجرور عوضاً عن الضمير المرفوع، كما عكسوا في قولهم: ما أنا كأنت، ولا انت كأنا.
وفي هذا المذهب إقرار "لولا" علي ما استقر فيها من مجيء المرفوع، كما عكسوا في قولهم: ما أنا كأنت، ولا أنت كأنا.
وفي هذا المذهب إقرار "لولا" علي ما استقر فيها من جيء المرفوع بعدها، ويترجح بهذا وبأن الضمير فرع عن الظاهر، وإذا لم تجر الاصل فكيف تجر الفرع، وبانك لو جعلتها حرف جر احتاجت إلي شيء تتعلق به، ولا شيء تتعلق به، ولأن مدلول لولا أنت ولولاك واحد، وفي لولا أنت يكون الكلام جملتين، وفي لولاك يكون الكلام جملة واحدة.
وقال المصنف في الشرح: "وفي ذلك- أي في الجر مع شذوذه- استيفاء حق ل (لولا)، وذلك أنها مختصة يالاسم غير مشافبهة للفعل، ومقتضي ذلك أن تجر الاسم مطلقاً، لكن منع من ذلك شبهها بما اختص بالفعل من أدوات الشرط في ربط جملة بجملة، وأرادوا التنبيه علي موجب العمل في الأصل، فجروا بها المضمر المشار إليه" انتهى.
وقوله "إنها مختصة بالاسم" ليس كذلك؛ لأنها إنما هي داخلة علي الجملة الابتدائية، فلم تختص بالاسم، وإذا لم تكن مختصة بالاسم فليس مقتضى ذلك أن تجر الاسم كما ذكر.
وإذا قلنا بأن الضمير في لولاك وشبهه مجرور لولاك فذكر بعضهم أنها لا تتعلق بشيء، وهو مشكل؛ لأن حرف جر ليس بزائد لابد أن يتعلق.
وذهب بعضهم إلي أنها تتعلق بفعل واجب الإضمار، فإذا قلت: لولاي لكان كذا- فالتقدير: لولاي حضرت، فألزقت ما بعدها بالفعل علي معناها من امتناع الشيء، ولا يجوز أن يعمل فيها الجواب؛ لأن ما بعد اللام لا يعمل فيها قبلها.
انتهى.

وكأنه لما رأى أن لولا إذا ارتفع ما بعدها كان الخبر واجب الإضمار جعل الفعل الذي تتعلق به لولا واجب الإضمار.
وما ذهب إليه فاسد لأن في ذلك التقدير تعدي الفعل الرافع للضمير إلي مضمره المجرور، وهو يجري مجرى المنصوب، فلا يجوز: في فكرت، ولا يجوز: لولاي حضرت.
والذي يظهر أنها لا تتعلق بشيء؛ ألا ترى أن لعل إذا جرت لا تتعلق بشيء، ولا يلزم من عمل الحرف الجر أن يتعلق بشيء وغن كان الغالب التعلق؛ ألا ترى أن الزائد لا يتعلق بشيء، فكذلك بعض الحروف التي ليست بزائدة، والعمل إنما هو تأثير لفظي، فجاز أن يكون المجرور بعد لولا كالمرفوع؛ ألا ترى أن الفراء ذهب إلى أن المرفوع بعد لولا هو مرفوع بها، فكذلك يكون مجروراً بها، ولا يحتاج إلي تقدير، كما لا يحتاج المرفوع عند الفراء إلي تقدير شيء محذوف.
وقوله ويجر بلعل وعل في لغة عقيل تقدم له الكلام في ذلك في آخر الفصل الرابع من باب إن وأخواتها، وذكرنا أن بعض النحويين أنكر ذلك، وتأول قول الشاعر: .............................. لعل أبي المغوار منك قريب والصحيح ثبوت ذلك لغة، حكاها الاخفش والفراء، وذكر أبو زيد أنها لغة عقيل./ وقد قال أبو موسى الجزولي في "قانونه": "وقد جروا بلعل منبهة على الأصل".

وقوله وبمتى في لغة هذيل أما متى فإنها ظرف زمان، وتكون شرطاً واستفهاماً، ونقل بعضهم أن متى تكون بمعنى وسط، فتجر ما بعدها، وحكى: وضعها متى كمه، أي: وسط كمه.
وقال أبو سعيد السكري: "متى بمعنى من"، ولم ينسبها لهذيل، وأنشد لأبي ذؤيب: شربن بماء البحر، ثم ترفعت... متى لجج خضر لهن نئيج وأنشد أيضاً لغيره: متى ما تعرفوها تنكروها... متى أقطارها علق نفيث قال أبو سعيد: "أي: من لجج، ومن أقطارها" انتهى.
ويحتمل أن تكون هنا في البيتين بمعنى وسط، فتبقى علي ما استقر فيها من الظرفية وإن لم تكن شرطاً ولا استفهاماً.
وقال المصنف في الشرح: "وأما متى فهمي في لغة هذيل حرف جر بمعنى من، ومنه قول الشاعر: شربن بماء البحر............................................................ " البيت.
قال: "ومن كلامهم: أخرجها متى كمه، أي: من كمه".

-[ص: فصل

في الجر بحرف محذوف يجر برب محذوفة بعد الفاء كثيراً، وبعد الواو أكثر، وبعد بل قليلاً، ومع التجرد أقل.
وليس الجر بالفاء وبل باتفاق، ولا بالواو، خلافاً للمبرد ومن وافقه.]-

ش: مثال الجر بعد الفاء قول امرئ القيس: فمثلك حبلى قد طرقت ومرضعاً... فألهيتها عن ذي تمائم مغيل وقول ربيعة بن مقروم: فإن أهلك فذي حنق لظاه... يكاد علي يلتهب التهابا وقول بعض طيئ: إن يثن سلمى ابيضاض الفود عن صلتي... فذات حسن سواها دائماً أصل وقول الهذلي: فإما تعرضن- أميم- عني... وينزعك الوشاة أولو النباط فحورٍ قد لهوت بهن عينٍ... نواعم، في المروط وفي الرياط

وقوله وبعد الواو أكثر هذا لا يحتاج إلي مثال؛ لأن دواوين العرب ملأى منه.
وقول المصنف يجر برب محذوفة بعد الفاء كثير، بل هو قليل، يكاد ألا يوجد منه إلا هذا الذي أنشدناه.
ومصال ذلك بعد بل قول الراجز: بل جوز تيهاء كظهر الحجفت /وقول الآخر: بل بلد ملء الفجاج قتمه... لا يشترى كتانه وجهرمه /وقوله الآخر: بل بلد ذي صعد وأصباب وقوله ومع التجرد أقل يعني: ومع التجرد من الفاء والواو وبل، ومثاله قول ذي الرمة: أصهب، يمشي مشية الأمير... لا أوطف الرأس ولا مقرور وقول الآخر:

رسم دار وقفت في طلله... كدت اقضي الغداة من جلله أي: رب أصهب، ورب رسم دارٍ.
وقوله وليس الجر بالفاء وبل بالاتفاق قال المصنف في الشرح: "ولا خلاف في أن الجر في (فذي حنقٍ)، و (بل بلدٍ)، و (رسم دارٍ)، وأشباهها- برب المحذوفة" انتهى.
زقال ابن عصفور: "ولم يختلف أحد من النحويين في أن الخفض بعد الفاء وبعد بل بإضمار رب".
فعلى هذين النقلين يظهر وهم من عد الفاء وبل في حروف الجر، وأن الجر بها لنيابتها مناب رب.
وذكر صاحب "كتاب الكافي" أنه لا يعلم خلافاً بين النحويين في أن الجر بعد الفاء برب مضمرة لابالفاء.
وذكر أن العرب تحذفها، وتبقي عملها بعد واو العطف، ولا يجوز إظهارها بعدها، قال: "وقد أجرت العرب الفاء مجرى الواو، فحذفت بعدها رب".
قال: "وقد حذفت قليلاً بعد ثم، والأصل في هذا كله واو، والعرب أقامتها مقام رب في الموضع الذي ذكرت، ثم أجرت العرب الفاء مجرى الواو، وكذلك أجرت العرب ثم.
وسبب ذلك أن هذه الثلاثة من حروف العطف ليست بجامعة إلا في اللفظ".
وقوله ولا بالواو خلافاً للمبرد قال المبرد: الواو بمنزلة رب، والخفض بها، ولا ينكر أن يكون للحرف الواحد معان كثيرة.
ويدل علي أنها ليست للعطف مجيئها في أول القصيدة، نحو قوله:

وقاتم الأعماق خاوي المخترق ووافق المبرد لعض الكوفيين.
ورد ذلك بأنها لو كانت بمنزلة رب، ولا تقول: ووخصم، وليس امتناع ذلك كراهة اتفاق اللفظين؛ لأنهم قد قالوا: ووالله، فأدخلوا واو العطف علي واو القسم.
وبأنها قد أضمرت بعد الفاء وبل وثم، ولم يختلفوا أن الجر بها لا بهذه الحروف، فللواو أسوة بها.
ولا يمنع كونها للعطف مجيئها في أوائل القصائد؛ لإمكان إسقاط الراوي شيئاً قبلها من القصيدة، أو لإمكان عطفه علي ما في خاطره مما يناسب ما عطف عليه، ومثال ذلك قول زهير: دع ذا، وعد القول في هرم..................................................... العرب تنشد هذه القصيدة، وأولها عندهم: دع ذا، ولا يعرفون قبلها شيئاً، فهذا قد أشار ب "ذا" إلي شيء في نفسه؛ إذ كانوا يستفتحون القصائد بذكر شيء من الغزل وذكر الأطلال وغير ذلك مما يجري في أوئل/ قصائدهم.
ومن العرب من يجعل أول قصيدة زهير.
دع ذا، وعد القول في هرم.......................................................... العرب تنشد هذه القصيدة، وأولها عندهم: دع ذا، ولا يعرفون قبلها شيئاً، فهذا قد أشار ب "ذا" إلي شيء في نفسه؛ إذ كانوا يستفتحون القصائد بذكر شيء من الغزل وذكر الأطلال وغير ذلك مما يجري في أوائل /قصائدهم.
ومن العرب من يجعل أول قصيدة زهير: لمن الديار بقنة الحجر................................................................ والحجة في رواية من روى أولها: "دع ذا وعد القول في هرم".
وإضمار رب بعد الواو والخفض بها مضمرة مذهب البصريين.

-[ص: ويجر بغير رب أيضاً محذوفاً في جواب ما تضمن مثله، أو في معطوف على ما تضمنه بحرف متصل، أو منفصل ب "لا"، أو "لو"، أو في مقرون بعد ما تضمنه بالهمزة، أو "هلا"، أو "إن" أو الفاء الجزائيتين.
ويقاس علي جميعها، خلافاً للفراء في جواب نحو: بمن مررت؟]-

ش: هذه مسائل ذكرها المصنف، وزعم أنه يجوز حذف حرف الجر فيها وإبقاء عمله.
مثال الأولى: زيد، في جواب من قال: بمن مررت؟ قال: "ومنه قوله- عليه السلام-: (أقربهما منك باباً)، جواباً لمن قال له: فإلى أيهما أهدي؟ وكذلك: بلى زيد، لمن قال: ما مررت بأحد، أو هل مررت بأخذ؟ ". ومثال الثانية قوله تعالى: ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾، وفي آخر الآية قوله: ﴿آيَات﴾، فجر ﴿اخْتِلافِ﴾ ب "في" لاتصاله بالواو لتضمن ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ﴾ لفظ في.
ونظيره: في الدار زيد والقصر عمرو، أي: وفي القصر.
ومثله قول الشاعر: ألا يا لقومي، كل ما حم واقع... وللطير مجرى، والجنوب مصارع

وقول الآخر: أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا وقول الآخر: كالتمر أنت إذا ما حاجة عرضت... وحنظل كلما استغنيت خطبان وقول الآخر: حبب الجود للكرام، فحمدوا... وأناسٍ فعل اللئام فليموا وقول الآخر: لك مما يداك تجمع ما تن... فقه، ثم غيرك المخزون وقال المصنف في الشرح: "ومن شواهد إضمار الجار في العطف بغير الواو قول الشاعر: أية بضمرة أو عوف بن ضمرة أو... أمثال ذينك، أية تلف منتصرا" قال: "أراد: أو بأمثال ذينك اية".
ولا يتعين ما قال؛ إذ يحتمل أن يكون "أو أمثال ذينك" معطوفاً علي ما قبله، و "أيه" توكيد لقولك "أيه" المتقدمة.

ومثال الثالثة قول الراجز: ما لمحب جلد إن هجرا... ولا حبيب رأفة فيحبرا ومثال الرابعة قول الشاعر: متى عذتم بنا ولو فشة منا... كفيتم، ولم تخشوا هواناً ولا هنا وحكى الأخفش في "المسائل" أنه يقال: جئ يزيد أو عمرو ولو كليهما، وأجاز في كليهما الجر علي تقدير: ولو بكليهما، والنصب بإضمار ناصب، والرفع بإضمار رافع.
قال المصنف في الشرح: "وأجود من هذا المثال الذي ذكر الأخفش أن يقال: جئ يزيدٍ وعمروٍ ولو احدهما؛ لأن المعتاد في مثل هذا النوع من الكلام ان يكون ما بعد لو أدنى مما قبلها في كثرة وغيرها، /كقول النبي- صلي الله عليه وسلم-: (التمس ولو خاتماً من حديد)، وكقولهم: اثنتي بدابة ولو حماراً".
وجوز س الجر علي ضعف.
ومثال الخامسة: يقال: مررت بزيد، فتقول: أزيد بن عمرو؟ ومثال السادسة: يقال: جئت بدرهم، فتقول: هلاً دينار.
حكاهما الأخفش في "المسائل"، قال: وهذا كثير.
ومثال السابعة قولهم: مررت برجل صالح غلا صالح فطالح، علي تقدير: إلا أمر بصالح فقد مررت بطالح، حكاه يونس، وأجاز: امرر بأيهم هو أفضل إن

زيد وإن عمرو، علي معنى: إن مررت بزيد وإن مررت بعمرو.
قال س: "وهو قبيح".
قال المصنف في الشرح: "وجعل س إضمار الباء بعد إن لتضمن ما قبلها إياها أسهل من إضمار رب بعد الواو، فعلم بذلك اطراده عنده.
وشبيه بما روى يونس ما في البخاري (من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، وإن أربعة فخامس او سادس)، ويجوز رفع (أربعة) على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وجرها علي حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وجرها علي حذف المضاف وبقاء عمله، ونظائر الرفع أكثر".
وقوله خلافاً للفراء قال المصنف في الشرح: "ومنعه الفراء في نحو: زيد، لمن قال: بمن مررت؟ والصحيح جوازه كقوله- عليه السلام-: (وأقربهما منك باباً) - بالجر- إذ قيل له: فإلي أيهما أهدي؟ وكقوله العرب: خير- بالجر- لمن قال: كيف أصبحت؟ بحذف الباء وبقاء عملها؛ لأن معني كيف: بأي حال؟ فجعلوا معني الحرف دليلاً، فلو لفظ به لكانت الدلالة أقوى، وجواز الجر أولى".
انتهت هذه المسائل التى ذكرها المصنف، وينبغي أن يتثبت في جوازها؛ لأن أصحابنا نصوا علي أنه لا يجوز حذف حرف الجر وإبقاء عمله إلا إذا عوض منه،

وذلك في "باب القسم" و "باب كم" علي ما قرر في "باب كم"، ويقرر في "باب القيم"، وعلي خلاف في ذلك.
وجعلوا قول العرب: "خير، عافاك الله"، جواب: كيف أصبحت؟ من النادر الشاذ الذي لا يقاس عليه.
وفي "البسط": "الهمزة لا يحكى بها، ولا يرفع ما بعدها علي لغة بني تميم لأنها حرف، فإذا استثبت بها فلك أن تعيد عامل الرفع وعامل النصب، ولك ان تحذفهما، فتقول في ضربت زيداً، أضربت زيداً؟ وأزيداً، وكذلك في الرفع.
فأما من قال: مررت بزيد- فتقول إذا حذفت الفعل: أبزيد؟ ولا يجوز غيره، بخلاف المحكي" انتهى.
يعني أنه لا يجوز حذف حرف الجر، فلا تقول: أزيد؟ بخلاف المحكي، فإنه يجوز أن تقول لمن قال مررت بزيد: من زيد، وما ذكره مخالف لما قرره المصنف من جواز: أزيد بن عمرو؟ لمن قال: مررت بزيد، فتحذف حرف الجر بعد الهمزة.
وقال في "البسيط": "إذا أردت استئناف الجملة بأسرها فلا يكون إلا بالهمزة وحدها، نحو: أضربت زيداً؟ " انتهى.
ويجوز ب "هل"، فتقول: هل ضربت زيداً؟

-[ص: وقد يجر بغير ما ذكر محذوفاً، ولا يقاس منه إلا علي ما ذكر في باب "كم"، و "كان"، و "لا" المشبهة بإن، وما يذكر في "باب القسم".
وقد يفصل في الضرورة بين حرف جر ومجرور بظرف أو جار ومجرور بظرف أو جار ومجرور، وندر في النثر الفصل /بالقسم بين حرف الجر والمجرور، والمضاف والمضاف إليه.]-

ش: مثال الجر بغير ما ذكر محذوفاً قول الشاعر: وكريمة من آل قيس ألفته... حتى تبذخ، فارتقى الأعلام

وقول الآخر: إذا قيل: أى الناس شر عصابة... أشارت كليب بالأكف الأصابع وقول الآخر: سألت الفتى المكي ذا العلم ما الذي... يحل من التقبيل في رمضان فقال لي المكي: أما لزوجة... فسبع، وأما خلة فئمان أى: في الأعلام، وإلى كليب، ولخلة.
قال المصنف في الشرح: "وهذا أجود؛ لأن فيه حذف حرف ثابت مثله فيما قيله، ولكن لا يقاس عليه لكون العاطف مفصولاً بأما، وهي تقتضي الاستئناف".

وقال أيضاً في الشرح: "وفي صحيح البخاري قول النبي- صلى الله عليه وسلم-:

(صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وسوقه خمسٍ وعشرين ضعفا)، بخفض خمس، على تفدير الباء.
ومثله في (جامع المسانيد) على أحد الوجهين قول النبي- صلى الله عليه وسلم-: (خير الخيل الأدهم الأقرح الأرثم المحجل ثلاث)، على أن يكون المراد: المحجل في ثلاث.
والأجود أن يكون أصله: المحجل محجل ثلاث، فحذف البدل، وبقي مجروره، كما فعل بالمعطوف في نحو: ماكل سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة)) انتهى.
وهذا على عادته بإثبات القواعد النحوية بما روته رواة الحديث، وقد تكلمنا معه في هذه المسألة.

مسألة: قالت العرب: لاه أبوك، يريدون: لله أبوك، حذف لام الجر وأل، وهو شاذ لا يقاس عليه.
ثم قالوا: لهي أبوك، وأصله لاه أبوك، قلبوا، وأبدلوا من الألف باء، كما قالوا في قلب قفا: قوف، ووجه: جاه، ردوا اللام إلى موضع العين.
وإنما قلبوا إلى الباء لأنهم لما أرادوا أن يكون على بناء لاه لزم تحريك الألف، وكانت إلى حرف الياء أخف، والفتح للبناء كأين، فصارت اللام في لهي فاء الكلمة؛ لأنه لا يصح أن تكون للتعريف؛ لأن الاسم تضمنها، فلا تظهر، ولا تكون الجاوة؛ لأنها تكسر مع المظهر، وهذه مفتوحة.
ولا يقال: فتحت لأجل الألف في لاه؛ لأنا نقول: يجب أن تكسر في لهي أبوك لزوال الألف.
ولا يقال: لما قلب روعي بناء الكلمة الأولى وأصلها؛ لأنا نقول: لا يراعى في القلب ذلك؛ إذ لا يلزم في القلب أن يكون الثاني على مثال الأول؛ لأنهم قد قالوا في قلب قفا: قوف، فثبت أنها فاء الكلمة.
من ((البسيط)).
وزعم ابن ولاد أن قولهم ((لاه أبوك)) محذوف من إله، ثم قالوا لهي أبوك، قلب، وشبهت الألف الزائدة بالمنقلبة عن الأصل.
وهذا فاسد؛ لأن الزائدة لا يفعل بها هذا، ولا دليل/عليه.
وزعم المبرد أن المحذوف من لاه أبوك لام التعريف ولام الأصل، والباقية لام الجر، وبقي من الكلمة حرفان أصليان، وهما ما الألف منقلبة عنه والهاء.
قال: لأن لام الجر لمعنى، وفتحت للألف، وهذا أولى من أن يقال: حذف حرف المعني- وهو حرف الجر- وأبقى عمله.
وأيضاً فإن حذف حرف الجر شاذ جداً خارج عن

القياس، وهو أيضا حرف معنى، فلا يحذف.
وأما اللام الأصلية فتحذف تخفيفا لأنها لا تحرز في الموضع معنى، وفد يحذفون من الأصول كثيرا، كيد ودم، وأما لام التعريف فلا معنى تحرزه في الموضع؛ لأن الكلمة قد صارت علما، فلا تفتقر إليها.
ورد على المبرد بقولهم: لهي أبوك؛ إذ كان ينبغي أن ترجع اللام لأصلها من الكسر، وقد نص س على أن هذه اللام الباقية هي الأصلية، وأن المحذوف لام الجر ولام التعريف.
وقد استدل ل ((س)) ببناء لهي، ولا وه لبنائه إلا تضمنه معنى حرف الجر المحذوف، كما بنوا أمس لتضمنه معنى لام التعريف.
ولأبي العباس أن يقول: بني لكثرة ما تصرف فيه من الإخراج عن وضعه، وإذا كانوا يبنون ((أيهم)) لخروجه عن نظائره فأحرى هذا، وكان بناؤه على الفتح تخفيفاً؛ إذ كان آخره باء.
وقوله ولا يقاس منه إلا على ما ذكر في ((باب كم)) ذكر في "باب كم" أنه يجوز الجرب ب ((من)) مضمرة في تمييز الاستفهامية إذا دخل عليها حرف جر؛ خلافا لأبي إسحاق؛ إذ الجر فيه عنده بإضافة كم إليه، وأنه يجوز جر تمييز الخبرية بإضمار من على مذهب الفراء.
وقوله و ((كان)) مثل المصنف هذا بقوله ((ولا سابق شيئا))، وذلك في بيت زهير: بدا لي أني لست مدرك ما مضى... ولا سابق شيئا إذا كان جائيا

وتقدم لنا الكلام علي هذا البيت، وأنه من العطف علي التوهم، وأن العطف علي التوهم لا ينقاس، فقياس المصنف ذلك ليس بجيد.
وقوله و "لا" المشبهة بإن مثل المصنف ذلك في الشرح بقوله: إلا رجل جزاه الله خيراً.............................. وهذا من الندور والشذوذ بحيث لا يقاس عليه، والتقدير: ألا من رجل.
وهذا المصنف كثيراً ما يتبع الشواذ والنوادر، ويقيس عليها.
وقوله وما يذكر في بابا القسم هو لفظ الجلالة دون عوض، ويأتي ذكر الخلاف للكوفيين إن شاء الله.
وقوله وقد يفصل إلى ومجرور مثال الفصل بالظرف ما أنشده أبو عبيدة: إن عمراً لا خير في- اليوم- عمرو... إن عمراً مخبر الأحزان ومثاله بالجار والمجرور قوله: مخلقة، لا يستطاع ارتقاؤها... وليس إلي- منها- النزول سبيل/ وقوله: رب- في الناس- مؤسرٍ كعديم... وعديم يخال ذا إيسار

وقول الآخر: يقولون: في الأكفاء أكبر همه... ألا رب- منهم- من يعيش بمالكا وأبعد من ذلك الفصل بالمفعول بينهما، قال الفرزدق: وغني لأطوي الكشخ من دون من طوى... وأقطع بالخرق الهبوع المراجم أي: وأقطع الخرق بالهبوع المراجم.
وقوله وندر في النثر إلي آخره: حكى الكسائي الفصل بين الجار والمجرور بالقسم، نحو: اشتريته بوالله درهم، وهذا غلام- والله- زيد.
وحكى أبو عبيدة: إن الشاة تعرف ربها حين تسمع صوت- والله- ربها.
انتهى.
ولا يجوز الفصل بالقسم بين رب ومجرورها، وأجاز الأحمر الفصل به بينها وبين المجرورها النكرة، نحو: رب- والله- رجل عالم لقيت.
والأحمر هذا هو علي بن المبارك الاحمر الكوفي تلميذ الكسائي ومسائل سيبوية مع الفراء في المجمع الذي جرى فيه ذكر المسألة الزنبورية.

ووهم ابن عصفور، فنسب هذا المذهب لأبي محرز خلف الأحمر البصري، فقال: "وأجاز خلف الأحمر".
ووهمه في ذلك إطلاقهم الأحمر، فظن أنه خلف.
ولا يبعد ما قاله الأحمر من جواز الفصل بين رب ومجرورها النكرة بالقسم؛ لأنه قد فصل به بين الباء ومجرورها في النثر مع أن الباء علي حرف واحد، ورب ثلاثية الوضع.
وأيضاً فقد فصل بينهما بالجار والمجرور غير القسم، فلأن يفصل بالقسم أقرب، ولكن الاحتياط ألا يقدم علي ذلك إلا بسماع من العرب.

-[ص:

باب القسم

وهو صريح وغير صريح.
وكلاهما جمله فعلية أو اسمية.
فالفعلية غير الصريحة في الخبر كعلمت وواثقت مضمنة معناه، وفي الطلب كنشدت وعمرتك، وأبدل من اللفظ بهذه: عمرك الله بفتح الهاء وضمها، وقعدك الله، وقعيدك الله كما أبدل في الصريحة من فعلها المصدر أو ما بمعناه.]- ش: القسم استعمل منه فعل غير جار عليه، وهو أقسم، كأشبه وأثنى من الشبه والثناء.
ويردافه الخلف، واستعمل منه فعل جار، تقول: حلف.
والإيلاء: واستعمل منه فعل جار، قالوا: آلى.
والأولية: وليس له فعل جارٍ، إنما الفعل آلى.
اليمين: ولم يستعمل منه فعل لا جارٍ ولا غيره؛ لأنه ليس بمصدر في الأصل فيشتق منه، وإنما هو اسم للجارحة، ثم سمي القسم يميناً؛ لأنهم كانوا إذا تحالفوا أكدوا بأيمانهم بضرب كل واحد منهم بيمينه على يمين صاحبه تأكيداً للعقد؛ حتى سمي الحلف يميناً.
وينحصر الكلام في هذا الباب في القسم، وفي المقسم به، وفي حروفه، وفي المقسم عليه، وفي حروفه، وفي المقسم عليه، وفيما يتلقى به القسم.
فأما القسم فهو جملة تؤكد بها أخرى خبرية غير تعجبية.
/فقولنا "جملة" يعني في اللفظ، نحو: أقسمت بالله، أو في تقدير، نحو: بالله، التقدير: أقسمت بالله.
وتشمل الجملة الإنشائية، نحو: أقسمت، والخبرية، نحو: علمت لزيد قائم، وأشهد لعمرو خارج، فالنحويون يقولون في هذا إنه جملة قسمية، والخبرية، نحو: علمت لزيد قائم، وأشهد لعمرو خارج، فالنحويون يقولون في هذا إنه جملة قسمية، وهي جملة خبرية تفيد الإخبار بالعلم وانك شاهد وعالم، لكنها لما جاءت توكيداً وتثبيتاً لمعنى الجملة التي بعدها سميت قسماً.

وقولنا "تؤكد بها أخرى" احتراز من قولنا: زيد قائم زيد قائم، فإنه يصدق عليها أنها جملة، لكنها ليست أخرى، بل هي هي، وقولنا "خيرية" احتراز من غير الخبرية؛ لأنها لا تقع مقسماً عليها.
وقولنا "غير تعجبية" احتراز من التعجبية، فإنها خبرية تحتمل الصدق والكذب عند بعضهم، وأما من لا يجعلها خبرية فلا يحتاج إلي ذكرها.
والمقسم به كل اسم معظم إن كان المقسم يريد تحقيق ما أقسم عليه وتثبيته، فإذا كان مقصوده الحنث أقسم بغير معظم، نحو قوله: وحياة هجرك غير معتمدٍ... إلا ابتغاء الحنث في الحلف ما أنت أحسن من رأيت، ولا... كلفي بحبك منتهى كلفي أقسم بحياة هجرها، وهو غير معظم عنده، رغبه في أن يحنث فيموت هجرها.
قال ابن عصفور: "إلا أن القسم علي هذا الطريق يقل".
وأما حروفه، والمقسم عليه، وما يتلقى به- فيأتي مفصلاً في شرح كلام المصنف إن شاء الله.
وقسم المصنف القسم إلي صريح وغير صريح، قال: "والقسم الصريح ما يعلم بمجرد لفظه كون الناطق به مقسماً، كأحلف بالله، وانا حالف بالله، ولعمر الله، وايمن الله.
وغير ذلك الصريح ما ليس كذلك، نحو: علم الله، وعاهدت، وواثقت، وعلي عهد الله، وفي ذمتي ميثاق، فليس بمجرد النطق بشيء من هذا الكلام يعلم كونه قسماً بل لقرينة، كذكر جواب بعده، نحو: علي عهد الله

لأنصرن دينه، وفي ذمتي ميثاق لا أعين ظالما، وكفوله: (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ)، وكقول الشاعر: إني علمت على ما كان من خلق... لقد أراد هواني اليوم داود

وكقول الآخر: أرى محرزا عاهدته ليوافقن... فكان كمن أغريته بخلاف

وقول الآخر: واثقت مية لا تنفك ملغية... قول الوشاة، فما ألغت لهم قيلا

ومنه (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ)، و (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ).
ويدل على أنه قسم كسر إن بعده، وتسميته يمينا في قوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً).
ومنه قراءة ابن عباس: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ).
وقال الفراء في (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ) ((صار قوله (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ) يمينا، كما

تقول: حلفي لأضربنك، وبدا لي لأضربنك، وكل ما هو بتأويل: بلغني، وقيل لي، وانتهى إلي_ فاللام تصلح فيه)) انتهى.
وقال س: ((يَعْلَمُ اللُّه)).
قال الأستاذ أبو علي: ((ليس في هذا قسم لا ملفوظ به ولا مقدر، لكنه لما أشبه القسم من جهة أنه تأكيد للخبر الذي بعده أجيب بجوابه)).
قال ابن خروف: ((دخول معنى القسم في علم ويعلم لا يكون إلا مع اسم الله تعالى، ولا يؤخذ ذلك إلا بالسماع)).
وما ضمن معنى القسم من نحو علمت وأشهد فقيل: الجملة في موضع المعمول لعلمت وأشهد.
وقيل: ليست معمولة؛ لأن القسم لا يعمل في جوابه، وهذا مضمون معناه، فلا يعمل، فإن كانت معلقة ولم تضمن معنى القسم فهي في موضع معمول ولا بد.
وقوله وفي الطلب كنشدت قال المصنف في الشرح: ((ومن القسم غير الصريح نشدتك وعمرتك، فللناطق بهما أن يقصد القسم وألا يقصده، فليس مجرد النطق بهما يدل على كونه قسما، لكن يعلم كونه قسما بإيلائه (الله)، نحو: نشدتك الله، وعمرتك الله، ولا يستعملان إلا في قسم فيه طلب، نحو: نشدتك الله إلا أعنتني، وعمرتك الله لا تطلع هواك.
ويستعمل أيضا في الطلب عزمت وأقسمت، لذلك قلت (كنشدت) تنبيها على أن لنشدت من الأفعال أخوات سوى عمرت)) انتهى.
وتسمية هذا قسما لم أره إلا لهذا المصنف.

وأما أصحابنا فالجملة المقسم عليها لا تكون إلا خبرية عندهم كما قررنا، فإن كانت غير خبرية لم تقع جوابا للقسم، لا يجوز أن تقول: بالله هل قام زيد، فأما قول الشاعر: بالله ربك إن دخلت فقل له... هذه ابن هرمة واقفا بالباب وقول الآخر: بدينك هل ضممت إليك ليلى... وهل قبلت قبل الصبح فاها

فليسا بقسمين؛ لأن ما بعد المجرور ليس جملة خبرية، والمراد استعطاف المخاطب، وتقديره: أسألك بدينك، وأسألك بالله، أضمروا الفعل لدلالة المعنى عليه.
وقد يحذفون الباء وينصبون ضرورة، وقال: أقول لبواب على باب دارها... أميرك، بلغها السلام، وأبشر

وفي بعض شروح الكتاب وقد ذكر عمرتك وعمرك وقعدك وقعدك وقعيدك ما نصبه: ((وزعم بعض النحويين أن هذا ليس بقسم كونه لم يجئ في كلام العرب وقوع الحرق الخاص بالقسم، نحو التاء، لم يقولوا: تالله هل قام زيد، وأن الفعل المختص بالقسم

لم تعلق به الباء، فلا يقال: أقسم/ بالله هل قام زيد، وأن القسم لا يخلو من حنث أو بر، ولا يتصور ذلك إلا فيما يصح اتصافه بالصدق والكذب.
فأما قوله: أجهالا تقول بني لؤي... لعمرك أبيك أم متجاهلينا وقول الآخر: أيا خير حي في البرية كلها... أبالله هل لي في يميني من عقل فف

ف ((لعمر أبيك)) من ألفاظ القسم الخاصة به، وقد جاءت في جملة الاستفهام، و ((بالله)) أتي بعده بجملة استفهامية.
والجواب أن جواب ((لعمر أبيك)) محذوف، تقديره: لتخبرني، وحذف لدلالة الاستفهام عليه؛ لأن المستفهم إنما يستفهم ليخبر.
ولم يجعل ((أبالله)) يمينا، وإنما معناه: أسألك بالله هل لي في يميني إن حلفت أنك خير حي من عقل؟ فإذا تقرر هذا فقولهم: نشدتك الله، وعمرتك الله، وقعدك الله_ ليس بقسم؛ لأن ما استفهام، وأمر، ونهي، وأن، وإلا، ولما بمعنى إلا، والأصل في ذلك نشدتك بالله، إي: سألتك به، وطلبت منك به، لأنه يقال نشد الرجل الضالة: طلبها.
وكان جوابها تلك لأن الأمر والنهي والاستفهام كلها بمعنى الاستدعاء.
وكذلك أن؛ لأنها في صلة الطلب، كقولك: نشدتك الله أن تقوم، وكذلك: نشدتك الله قم، ونشدتك الله لا تقم، ومن كلامهم: أنشدك إلا فعلت، وقال:

جارٍ التحميل