التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيلصفحات 167-206

في كتاب (الواضح) له, وقول الآخر: إذا كان أمر الناس عند عجوزهم فلا بد أن يلقون كل بتوت ومما جاء من ذلك في قليل من الكلام قراءة مجاهد:} لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} برفع} يُتِمُّ ﴿. وهذا الذي أوردناه من رفع الفعل بعد (أن) بلا فصل ما كان قبل (أن) فيه فعل قلبي فهي (أن) المخففة من الثقيلة, وما كان قبلها فعل غير قلبي فهي عند الكوفيين المخففة من الثقيلة, وعند البصريين هي الناصبة للمضارع, أهملت حملًا على (ما) أختها, وقد أطلنا الكلام على ذلك في كتاب (التكميل) في (باب إعراب الفعل وعوامله).
واحترز بقوله إن تصرف من الفعل الجامد, فإنه لا يفصل بينهما, نحو قوله تعالى:﴾ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ﴿,﴾ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ {, وقال: أن يعم معترك الجياع إذا خب السفير وسابيء الخمر

واحترز بقوله ولم يكن دعاء منه إذا كان دعاء, فإنه لا يفصل بينهما, مثاله ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾.
وقد تكرر للمصنف الكلام على (أن) المخففة, فذكره هنا, وذكره في "باب إعراب الفعل وعوامله", قال في هذا الباب: "وينصب بأن ما لم تل علمًا أو ظنًا في أحد الوجهين, أو شرطية, أو مصدرة برب, أو فعل يقترن غالبًا -إن تصرف ولم يكن دعاء- بـ (قد) وحدها, أو بعد نداء, أو بـ (لو), أو بحرف تنفيس, أو نفي", وزاد هنا "أو بعد نداء".
ونقص هنا عن ذلك "أن تكون مصدره بلا", نحو ﴿وَاَّن لَا إِلَاهَ إِلَّا هُوَ﴾, وعذر المصنف في تكراره أنه لم يصل في الشرح إلى (باب إعراب الفعل), ولو وصل إليه لأسقط هذا الذي تكرر, والله أعلم.
ولابن هشام تفصيل في دخول (أن) الخفيفة من الثقيلة على الجملة, قال: "إذا حذف اسمها كان خبرها جملة اسمية أو فعلية لا مفردًا, إن كان اسمية ففي الإثبات على حالة: علمت أن زيد قائم, وفي النفي: علمت أن ما زيد قائم, وإن كان فعلية مصدره بماض مثبت لزمه (قد): علمت أن قد قام زيد, أو منفي لزمته (ما): علمت أن ما قام زيد, أو حال مثبت لم يتغير حكمه: علمت أن يقوم زيد, أو منفي فـ (ما): علمت أن ما يقوم زيد, أو مستقل موجب لزمته السين أو سوف, أو منفي لزمته (لا), وهذا اللزوم عوض ظهور الاسم, وقد رأى بعض النحويين أن هذا على الأكثر والأصح, ويظهر من كلام س" انتهى ملخصًا.

-[ص: وتخفف (كأن) فتعمل في اسم كاسم (أن) المقدر, والخبر جملة اسمية, أو فعلية مبدوءة بـ (لم) أو (قد) أو مفرد, وقد يبرز اسمها في الشعر وقد يقال: (أما إن جزاك الله خيرًا), وربما قيل: أن جزاك, والأصل: أنه.
وقد يقال في لعل: عل, ولعن, وعن, ولأن, وأن, ورعن, ورغن, ولغن, ولعلت.
وقد يقع خبرها (أن يفعل) بعد اسم عين حملًا على (عسى), والجر بـ (لعل) ثابتة الأول أو محذوفته, مفتوحة الآخر أو مكسورته, لغة عقيلية.]-

ش: قوله كاسم أن المقدر يعني أنه لا يلزم أن يكون اسمها المحذوف ضمير الشأن.
وقوله والخبر جملة اسمية نحو قوله: ووجه مشرق النحر كأن ثدياه حقان وقول الآخر: ويكأن من يكن له نشب يحبب, ومن يفتقر يعش عيش ضر وقوله أو فعلية مبدوءة بـ (لم) مثاله قوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾, وقول الشاعر:

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس, ولم يسمر بمكة سامر ووقع في شعر عمار الكلبي ابتداؤها بـ (لما) الجازمة في قوله من قصيدته الطويلة التي أولها: مرحبًا بالشيب من جند هجم في سواد الرأس مني, فانهزم بددت منها الليالي شملهم فكأن لما يكونوا قبل ثم فابتدأ بالجملة بعد (كأن) بقوله (لما) إجراء لها مجرى (لم), وينبغي أن يتوقف في جواز ذلك حتى يسمع من العرب الذين كلامهم حجة.
وقوله أو قد مثاله: أفد الترحل غير أن ركابنا لما تزل برحالنا, وكأن قد وقوله أو مفرد هو معطوف على قوله (جملة) من قوله "والخبر جملة", ومثال ذلك قوله: ويومًا تواقينا بوجه مقسم كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم أي: كأنها ظبية, في رواية من رفع الظبية.

وقال المصنف: "وتخفف كأن, فلا تلغى, بل تعمل إعمال (أن) المخففة, إلا أن خبرها إذا قدر اسمها لا يلزم كونه جملة, بل قد يكون مفردًا, بخلاف خبر (أن) إذا قدر اسمها" فظاهر كلامه في الفص وفي الشرح أنه يجوز أن يحذف اسم كأن إذا خففت, ويكون خبرها مفردًا في فصيح الكلام, وكذلك إذا حذف وكان الخبر جملة ابتدائية كما سبق, والذي ذكر س أن ذلك يجوز في الشعر, قال س: "وروى الخليل -رحمه الله- أن ناسًا يقولون: إن بك زيد مأخوذ, فقال: هذا على قوله: إنه بك زيد مأخوذ, وشبهه بما يجوز في الشعر, نحو قوله: ويومًا توافينا, البيت وقال: أي: كأنها ظبية, وقال الآخر: ووجه مشرق النحر, البيت".
ثم قال: "إنه لا يحسن ههنا إلا الإضمار", يعني من حيث رفع (الظبية) ورفع (حقان), فظاهر كلام س أن إضمار اسم (كأن) وحذفه بعد التخفيف, وإخباره عنه بالمفرد أو بالجملة الابتدائية, يجوز في الشعر لا في الكلام, وهذا إذا كان الاسم غير ضمير الأمر.
وقوله وقد يبرز اسمها في الشعر مثاله: .................... كأن ثدييه حقان وقوله:

كأن وريديه رشاء خلب وقوله: ....................... كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم وظاهر كلام المصنف أن بروز اسمها يكون في الشعر لا في الكلام, وهو خلاف ظاهر كلام س, قال س: "وحدثنا من يوثق به أنه يسمع من العرب من يقول: إن عمرًا لمنطلق, وأهل المدينة يقرأون: ﴿وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا﴾ يخففون وينصبون, كما قالوا: ............................. كأن ثدييه حقان وذلك لأن الحرف بمنزلة الفعل, فلما حذف من نفسه شيء لم يغير عمله كما لم يغير عمل (لم يك) و (لم أبل) حين حذف" انتهى, فظاهر تشبيه س "إن عمرًا لمنطلق" بقوله "كأن ثدييه حقان" جواز ذلك في الكلام, وأنه لا يختص بالشعر.
ونقل صاحب (رؤوس المسائل) أن (كأن) إذا خففت لا يجوز إعمالها عند الكوفيين, وأن البصريين أجازوا ذلك.
وفي (البسيط): كأن إذا خففت لا تلغى لقوتها في معنى الفعلية, إذ يدل على معنى الفعل من التشبيه, ولقوة معنى الفعل فيها نصب بها الظاهر, واعتبر فيها ما ليس قصة ولا شأنًا, فمن الظاهر: ...................... كأن وريديه رشاء خلب و: ....................... كأن ظبية............

وقد رُفع (ظبية) على الخبر, قال س: "على مثل الإضمار في: إنه من يأتنا نأته, أو يكون هذا المضمر هو الذي ذكر, كأنك قلت: كأنه ظبية, كما كان في المشددة" انتهى لفظ س. وقال صاحب (البسيط): "وأما ما هو الأفصح فكقوله: ..................... كأن ثدياه حقان ويجوز النصب, وقيل: إن غير الرفع لا يجوز إلا في الضرورة.
وفيه نظر لأنها أقوى من (إن), وهو جائز في الكلام".
وفي كتاب أبي الفضل الصفار: "وأما (كأن) فإنما لزم عملها لأنه لم يحفظ ولايتها للفعل في موضع, وهي تعمل في الظاهر والمضمر مضمر الشأن وغيره؛ لأنها أقوى من (إن) في العمل لتغييرها معنى الابتداء, وإحداثها معنى لم يكن, وأشبهت الأفعال, فلهذا أعلموها, وأيضًا فإنها وإن اختلت بالحذف فالكاف زائدة فيها, كأنها عوض, فلم تختل بالجملة".
انتهى.
وقال ابن خروف: "أنشد أبو زيد في حذف اسم كان وخبرها: حتى تراها وكأن وكأن أعناقها مشددات في قرن" انتهى, ولا دليل في ذلك إذ يجوز أن يكون من باب تأكيد الحرف.
وقوله ويقال: أما إن جزاك الله خيرًا, وربما قيل: أن جزاك, والأصل: أنه قال س: "وأما قولهم (أما جزاك الله خيرًا) فإنهم إنما

أجازوه لأنه دعاء, ولا يصلون ههنا إلى قد وإلى السين, ولو قلت (أما أن يغفر الله له) جاز لأنه دعاء", قال: "وسمعناهم يقولون: أما إن جزاك الله خيرًا, شبهوه بأنه".
قال المصنف في الشرح: "و (أما) قبل (أن) المخففة المفتوحة بمعنى: حقًا, كما هي قبل المشددة, وهي بمعنى (ألا) قبل (إن) المخففة المكسورة, هذا هو مذهب س, ويجوز عندي أن تكون (أما) في الوجهتين بمعنى (ألا), وتكون (إن) المكسورة زائدة, كما في قوله: ألا إن سرى ليلي فبت كئيبًا...................... وفي المفتوحة على هذا وجهان: أحدهما: أن تكون المخففة, وتكون هي وصلتها في موضع رفع بالابتداء, والخبر محذوف, كما تقرر في (أن) الواقعة بعد (لو) على مذهب س, ويكون التقدير: أما من دعائي أن جزاك الله خيرًا, ثم حذف الخبر للعلم به.
والثاني: أن تكون زائدة كما زيدت بعد (لما), وقبل (لو), وبعد كاف الجر في قوله: ........................ كأن ظبية تعطو............. على رواية الجر, وفي قوله:

جَمُومُ الشد شائلة الذنابي وهاديها كأن جذع سحيق ويجوز أن تكون (إن) في قول الشاعر (ألا إن سرى) مخففة من (إن) ويكون الأصل: ألا إنه, ثم فعل به ما فعل بـ (أما إن جزاك الله خيرًا) في قول س".
وقال ابن الطراوة في قولهم: أما إن جزاك الله خيرًا: وتخريج س على أنه (إن) المخففة من الثقيلة, والجملة غير المحتملة للصدق والكذب لا تقع خبرًا لـ (إن).
قال في شرح أبي الفضل الصفار: "والذي سهل عندنا وقوعه دون فصل أن السين لا يمكن دخولها على هذه الصيغة, ولا (لا) لأنها نقيض المعنى؛ ألا ترى أن (لا) دعاء عليه, ولا (قد) لأنها لقوم ينتظرون الخبر, فمعنى (قد قام) أن الفعل الذي توقعته قد كان, والدعاء طلب فهي تناقضه.
وقال ابن الطراوة: أما: استفتاح, وأن: زائدة, وكأنه قال: ألا جزاك الله خيرًا.
وردوا عليه بأن (أن) لا تزاد بقياس إلا بعد (لما), وهي هنا زائدة بغير قياس, ونقول بحذف القول الذي تجعله خبرًا, والقول كثيرًا ما يضمر, نعم رده في: أرسل إليه أن قم, وأن ما أنت وذا حق؛ لأنه وإن ثبت كما قال س من كلامهم فـ (أن) بمنزلة (أي), فما الداعية إلى جعلها أن المخففة من الثقيلة" انتهى.

وما خرجوا / عليه ضعيف جدًا لأنهم قد حذفوا اسم (أن), ثم حذفوا القول الذي هو الخبر, وهذا إجحاف كثير إذ فيه حذف الاسم والخبر معًا, وليس في مذهب ابن الطراوة غير دعوى زيادة (أن), وهذا قريب, زادوها كما زادوا أختها (إن) بعد (ألا) للاستفتاح, قال: ألا إن بليل بان مني حبائبي......................... وقوله وقد يقال في لعل: عل إلى آخرها, ذكر فيها عشر لغات, فأما (عل) فحكاها س وغيره, وقال الكسائي: هي لغة بني تيم الله من ربيعة, وقال الشاعر: لا تهين الفقير علك أن تركع يومًا والدهر قد رفعه واختلف في لا (لعل) الأولى: فقيل: اللام للتوكيد, وقيل: حذفت لأن كل ما زاد على ثلاثة في الحروف ليس بأصل, كما أن ما زاد على أربعة في الأفعال وعلى خمسة في الأسماء ليس بأصل.
وقال السهيلي: "اللام الأولى أصل في (لعل) في أقوى القولين لأن الزيادة تصرف, والحرف وضع اختصارًا, والزيادة عليه تنافيه, ومجيئها بغير لام لغة, أو حذف الحرف الأصلي, والحذف من جنس الاختصار, فهو أولى من الزيادة".
انتهى.

وفي (البسيط): "وأما لام (لعل) فهي أصلية عند الكوفيين وأكثر النحويين, وذهب قوم إلى زيادتها, وبعضهم إلى أنها لام الابتداء".
وفي شرخ الخفاف: " (لعل) مركبة لأنهم قالوا (عل) في معناها, فلا يخلو أن تجعل اللام من أصل الكلمة, وتجعل (عل) محذوفة منها, أو يدعى أن اللام زائدة, ضمت إلى (عل), فالأول لا ينبغي أن يقال به لأن الحروف لا يتصرف فيها, فلم يبق إلا أن تكون زائدة لغير معنى إلا لمجرد التكثير, ضمت إلى (عل), وهذا القدر ليس بتصرف لأنا لم نضمها إليها على أن تكون من الكلمة على حد اللام في عبدل, بل ركبناها معها كما ركبنا (بعل) مع (بك), وهذا ليس بتصرف لأنه ضم كلمة إلى كلمة" انتهى.
والذي اختاره أنها بسيطة, وقد تصرف فيها أنواعًا من التصرف إذ ذكروا فيها عشر لغات.
وأما قوله "إنها زيدت للتكثير" فهو ينافي قوله "إنه ضم كلمة إلى كلمة" لأن الكلمة إذا كانت حرفًا فلابد أن تدل على معنى في غيرها.
وأما (لعن) فحكاها الفراء, وقال الفرزدق: ألستم عائجين بنا لعنا نرى العرصات أو أثر الخيام وأنشد الباهلي: ولا تحرم المولى الكريم فإنه أخوك, ولا تدري لعنك سائله وقوله "لعنا نرى العرصات" أصله: لعننا, فحذف كما حذف في إنا, وأصله: إننا.

وأما (عن) فحكاها الكسائي, وأما (لأن) فقال امرؤ القيس: عوجًا على الطلل المحيل لأننا نبكي الديار كما بكى ابن حذام وأما (أن) فحكاها الخليل وهشام, وجعلا منه قوله تعالى: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لعلها, وحكي الخليل من قول بعض العرب: "ائت السوق أنك تشتري لنا شيئًا".
واستشهد الأخفش على ذلك بقول الشاعر: قلت لشيبان: اذن من لقائه أنا نغدي القوم من شوائه وقال الكسائي: "سمعت رجلًا يقول: ما أدري أنه صاحبها, يريد: لعله صاحبها".
وأما (رعن) فيمكن أن تكون الراء بدلًا من اللام, كما قالوا في وجل وأوجل: وجر وأوجر, والنون بدل من اللام, كما أبدلت اللام منها في أصيلال, وأصله أصيلان.
وأما (رغن) و (لغن) فاختلفوا في الغين: فقيل: هي بدل من العين,

كما قالوا في ارمعل: ارمغل؛ لأنها قريبة منها, إذ هما من حروف الحلق, وإذ يجتمعان في القافية الواحدة, كقوله: قبحت من سالفة ومن صدغ كأنها كشية ضب في صقع وقيل: إنها لغتان, وليس الغين بدلًا من العين, وهو الأظهر لقلة وجود الغين بدلًا من العين.
وقال المصنف: "والأربعة - يعني المتأخرة- قليلة الاستعمال, وأقلها استعمالًا لعلت, ذكرها أبو علي في التذكرة", انتهى.
وزاد بعض أصحابنا (غن) بالغين المعجمة والنون, وفي الغرة (رعل) بالراء بدلًا من اللام.
وقوله وقد يقع خبرها (أن يفعل) بعد اسم عين حملًا على عسى قال المصنف: "إذا كان الاسم في هذا الباب وغيره اسم معنى جاز كون الخبر فعلًا مقرونًا بـ (أن) كقولك: إن الصلاح أن يعصى الهوى, فلو كان الاسم اسم عين امتنع ذلك كما يمتنع في الابتداء, وقد يستباح في لعل حملًا على عسى, ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم (لعلك أن تخلف حتى ينتفع

بك أقوام ويضر بك آخرون") انتهى.
وقد تقدم كلامنا على هذه المسألة, وذكرنا أبياتًا شواهد على ذلك.
وقال آخر: لعل الذي قاد النوى أن يردها إلينا, وقد يدنى البعيد من البعد وهي لغة مشهورة كثيرة الوقوع في كلام العرب, حملوا (لعل) على (عسى) كما حملوا (عسى) على (لعل) في نصب اسمها ورفع الخبر في قوله: فقلت: عساها نار كأس, وعلها........................ وقوله: يا أبتا علك أو عساكا وذلك للمشاركة بينهما في الترجي, إلا أن الترجي في (عسى) مشروط بمعنى المقاربة, والمقاربة إخبار, فمن ثم كانت من الله -سبحانه- واجبة لأن الخبر منه واجب, والترجي لا يجوز على الله تعالى, إنما هو مصروف إلى المخاطب.
وقوله والجر بـ (لعل) إلى آخره, حكي الأخفش أن من العرب من يجر بـ (لعل), وروى أبو زيد أن بني عقيل يجرون بـ (لعل) مفتوحة

الآخر ومكسورته, ومن ذلك قوله: لعل الله يمكنني عليها جهارًا من زهير أو أسيد وقال آخر: لعل الله فضلكم علينا بشيء أن أمكم شريم أنشده يعقوب بكسر اللام والجر بعدها, وقال آخر: فقلت ادع أخرى وارفع الصوت دعوة لعل أبي المغوار منك قريب وروى الفراء الجر بـ (عل), وأنشد: عل صروف الدهر أو دولاتها يدلننا اللمة من لماتها وفي (الإفصاح): "وزعم أبو زيد أن من العرب من يجر بـ (لعل), وهي لغة عقيل, ويبنونها على الكسر ليكون بناؤها على لفظ عملها, وقال أبو الحسن: ذكر أبو عبيدة أنه سمع لام لعل مفتوحة في لغة من يجر

بها.
وظاهر كلام أبي زيد أنها لغة, فهي على هذا حرف جر زائد, كالباء في: بحسبك زيد, وكـ (لولا) في لغة من يقول: لولاي ولولاك في مذهب س" انتهى.
وفي (البسيط): ويكون موضعها رفعًا, ولها محل, فتقل: لعل زيد قائم, كما تقول: بحسبك زيد, كأنك قلت: زيد قائم, كما لم تغير (إن) إلا اللفظ, بدليل الحمل عليها في العطف, وبقي الخبر مرفوعًا كما كان؛ إذ حرف الجر لا يعمل في اسمين, كما يقول الكوفي في أخواتها, فتكون على هذا زائدة, وأما إن لم تكن زائدة فتشكل.
ومن الناس من تأول ذلك على تقدير مضاف محذوف, والتقدير: لعل قضاء الله فضلكم, ولعل جواب أبي المغوار, ولعل قضاء الله يمكنني عليها, حذف المضاف, وأقام ما أضيف إليه على إعرابه, على حد قراءة من قرأ ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾.
وزعم الفارسي أن (لعل) خففت, وأعملت في ضمير الشأن محذوفًا, ووليها في اللفظ لام الجر مفتوحًا تارة ومكسورًا تارة, والجر به.
وتأول بعض أصحابنا قوله "لعل أبي المغوار" على أن في (لعل) ضمير الشأن, و"أبي المغوار" مجرور بلام محذوفة, أبقي عملها, و (قريب) صفة لـ (جواب) محذوف, والتقدير: لعله - أي: الشأن - لأبي المغوار منك جواب قريب.

ولا يخفى ما في هذه التخاريج من التكلف, وحكاية الأخفش وأبي زيد وغيرهم أنها لغة لبعض العرب مانع من هذه التأويلات, ومرجح جواز الجر بها على مذهب من منع ذلك, وهم الجمهور, وما أحسن قول الجزولي في ذلك: "وقد جروا بـ (لعل) منبهة على الأصل", يعني أن القياس كان يقتضي لهذه الحروف أن تجر الأسماء بها لأنها مختصة بها, وقياس ما اختص بالاسم ولم يتنزل منزلة الجزء منه أن يعمل ما اختص بالاسم من الإعراب, وهو الجر.
ومن غرائب المنقول أن الفراء ذهب إلى جواز الخفض بـ (لعل), وإجازة نصب الخبر ورفعه, قال: والأصل: لعا لعبد الله, قال: فمن نصب قال: لا يكون الاسم مخفوضًا, وفعله مرفوع, ونصبه عنده على التفسير, كقولك: ما أظرفك رجلًا, ومن رفعه رفعه باللام, قال الفراء: فمن قال: لعا لعبد الله قائمًا, أو قائمًا, ثم كنى عن عبد الله, قال: لعله, فنصب لامه.
وهذا عند البصريين خطأ؛ لأنه إن أراد أن يخفض بـ (لعل) جاء بخلاف ما جاء به القرآن وما نقله أهل اللغة, وإن أراد (لعا) التي تقال لمن عثر, بمعنى: نعشك الله, ضد تعسًا, فلا معنى لها هنا, ولا لذكرها مع (إن) وأخواتها, وقال الأعشى: ........................... فالتعس أدنى لها من أن أقول لعا وقد قيل: لعا مقلوب من علا, وهو دعاء في موضع: أعلاه الله.

فلا يُنون على هذا لأنه فعل, ولا يدغم لأنه لا تنوين فيه.

-[ص: يجوز رفع المعطوف على اسم (إن) و (لكن) بعد الخبر بإجماع, لا قبله مطلقًا, خلافًا للكسائي, ولا بشرط خفاء إعراب الاسم, خلافًا للفراء, وإن توهم ما رأياه قدر تأخير المعطوف أو حذف قبله, و (أن) في ذلك كـ (إن) على الأصح, وكذا البواقي عند الفراء.]-

ش: ذكر أنه يجوز في قولك "إن زيدًا منطلق وعمرو" رفع (عمرو) بالعطف على اسم (إن) بالإجماع, وفي قوله مناقشة من وجهين: أحدهما: قوله" رفع المعطوف على اسم إن", واسم إن منصوب, فكيف يجوز عطف المرفوع على المنصوب, وقد صرح في ألفيته بأن المعطوف المرفوع هو بالعطف على منصوب اسم (إن) قال فيها: وجائز رفعك معطوفًا على منصوب إن بعد أن تستكملا وإصلاحه أن يقول: "على اسم إن ولكن باعتبار الموضع", أو يقول: "على موضع اسم إن ولكن" لأن موضعه كان رفعًا قبل دخول إن ولكن.
والثاني: قوله "بالإجماع", وليس بصحيح, بل العطف بالرفع على موضع اسم (إن) فيه خلاف, والصحيح أن ذلك لا يجوز, والرفع إنما هو على الابتداء, والخبر محذوف لدلالة الخبر قبله عليه, هذا هو المتفهم من كلام س, ونص عليه الجرمي في (الفرخ), وإليه ذهب أصحابنا.

وأيضًا فقد نقل النحاس عن الفراء والطوال أنه إنما يرفع الثاني بالعطف على الاسم المستتر في فعل الأول, فعلى هذا يكون الإجماع إنما هو على جواز رفع الاسم, أما على ماذا ففيه خلاف.
ونقول: الاسم الذي له موضع يخالف لفظه على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون ذلك الموضع لا يظهر في فصيح الكلام, نحو: مررت بزيد, فـ (زيد) وإن كان مخفوضًا بالباء هو في موضع نصب لأنه مفعول في المعنى, يدل على ذلك نصبه في الاضطرار, فهذا النوع لا يجوز فيه العطف على هذا الموضع, فإن جاء ما ظاهره ذلك حمل على أنه منصوب على إضمار فعل.
والثاني: أن يظهر في فصيح الكلام, نحو: ليس زيد بقائم, فيجوز (قائمًا), وسواء أكان حرف الجر زائدًا كهذا, أو غير زائد, نحو قوله: فإن لم تجد من دون عدنان والدًا ودون معد فلتزعم العواذل فإنه يجوز فصيحًا: فإن لم تجد دون عدنان.
والثالث: أن يظهر في فصيح الكلام, لكنه ليس محرز, نحو: هذا ضارب زيد غدًا, فيجوز نصب (زيد), لكنه يحتاج إلى تنوين (ضارب), فهذا النوع مختلف فيه: فمنهم من أجاز النصب في العطف على الموضع, ومنهم من نصب بإضمار فعل.
ومن هذا النوع عند أصحابنا هو المعطوف بالرفع في باب (إن), نحو: إن زيدًا قائم وعمروا, لأن موضع (زيد) رفع؛ إذ يجوز أن تقول في إن زيدًا منطلق: زيد منطلق, لكن هذا الموضع لا محرز له؛ ألا ترى أن الرافع لـ (زيد) قد زال بدخول (إن), فعندهم أن رفع المعطوف إنما هو بالابتداء, والخبر محذوف لدلالة ما تقدم عليه.

وتلخص أن في العطف حالة الرفع مذاهب: أحدها: أنه مرفوع بالابتداء, والخبر محذوف متعين ذلك فيه.
والثاني: أنه معطوف على موضع اسم إن؛ لأنه قبل دخول إن كان في موضع رفع, قال ابن خروف: وممن قال بالموضع أبو الحسن والمبرد, وأبو بكر, وأبو علي.
والثالث: أنه معطول على (إن) وما عملت فيه.
والرابع: أنه معطوف على الضمير المستكن في الخبر إن كان مما يتحمل الضمير.
وكل من قال بشيء من هذه الأقوال الثلاثة متفقون على جواز القول الأول, ومن قال بالإسناد أو بالعطف على الموضع قدر له خبرًا محذوفًا مثل خبر الأول؛ لأن حكمه كحكمه.
وعلى هذه المذاهب تفرع اختلافهم هل هذا العطف من قبيل عطف الجمل أم من قبيل عطف المفردات, فمن زعم أنه مرفوع بالابتداء والخبر محذوف اعتقد أنه من عطف الجمل, ومن زعم أنه معطوف على موضع اسم (إن) أو على (أن) وما عملت فيه اعتقد أنه من باب عطف المفردات, قال من نحا إلى هذا المذهب: الأصل في هذه المسألة من قبيل عطف الجمل, إلا أنهم لما حذفوا الخبر لدلالة ما تقدم عليه أنابوا حرف العطف منابه, ولم يقدروا إذ ذاك الخبر المحذوف في اللفظ لئلا

يكون جمعًا بين العوض والمعوض منه, فأشبه عطف المفردات من جهة أن حرف العطف ليس بعده في اللفظ إلا مفرد, ويدل على أنه من قبيل عطف المفردات قول العرب: زيد منطلق لا عمرو, وإن زيدًا منطلق لا عمرو, ولا يتصور أن يكون من قبيل عطف الجمل لأن (لا) لا يعطف بها إلا المفردات, ولو كان ما بعد (لا) مرفوعًا بالابتداء, وكانت (لا) حرف نفي مستأنفًا ما بعدها, لزم تكرارها.
وقال ابن خروف في قولهم إن زيدًا منطلق لا عمرًا: يجوز فيه الوجهان المتقدمات في الرفع وإن لم يجز الابتداء بـ (لا), ومن هنا وقع الخلاف؛ إذ لا يقال في الابتداء: لا عمرو قائم, فذكر (لا) هنا أوقع الخلاف بين النحويين في هذا المرفوع, وإنما دخلت (لا) هنا من حيث كان هذا الاسم بعدها بصورة المعطوف, فجاز فيه ما لا يجوز في الابتداء.
وقال الأستاذ أبو علي: هذا دليل قاطع على أن س يجمل على الموضع, لم يقل أن تفسير (لا) كتفسير الواو؛ لأن (لا) لا يجوز فيها الحمل على الابتداء المستأنف, فيكون التقدير: إن زيدًا فيها لا عمرو فيها, فهذا محال لأن (لا) لا تدخل على الجملة إلا مكررة, فهي ههنا على مذهب ابن أبي العافية غير معملة لا ومكررة, وهذا فاسد لأنك لا تقول مبتدئًا "لا زيد قائم" إلا بأن تكرر, فبهذا علمنا أن س يريد الحمل على الموضع مع الواو ومع (لا), فهذا دليل قاطع يدحض حجة ابن أبي العافية.
وقال الأستاذ أبو علي أيضًا: فهم ابن أبي العافية منه أنه معطوف

على (إن) لا على الموضع, فألزم أن (لا) دخلت على الجملة, ولم تكرر, فزعم أنها للعطف, فقيل له: (لا) العاطفة لا تعطف الجمل, فقال: لما كثر حذف الخبر هنا أشبه المفرد, وهذا أيضًا لازم لهم لأن العطف على الموضع بمنزلة عطف الجملة؛ لأن العطف على مخبر عنه مخبر عنه أيضًا, ولا انفصال إلا بما انفصل به ابن أبي العافية.
وقال من نحا إلى أنه من قبيل عطف الجمل -منهم ابن خروف- قال: من أقوى الأدلة على أن الحمل على الجملة لا على المفرد أنه لا يوصف على الموضع, ولا يؤكد عليه, ولا يبدل منه, ولا يحمل عليه عطف البيان, ولو كان لاسمها موضع لم يمتنع شيء من ذلك, كما لم يمتنع فيما له موضع, ومن الدليل أيضًا تغليط س العرب في قولهم: إنهم أجمعون ذاهبون, ولو كان المراعى الموضع لم يغلطهم, انتهى.
وقال غيره: الدليل على ذلك أنه لم يستعمل إلا بعد تمام الجملة أو تقدير تمامها, فتمامها: إن زيدًا قائم وعمرو, وتقدير تمامها ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾, حمله س على التقديم والتأخير, التقدير: إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن منهم إلى آخر الآية والصابئون والنصارى كذلك.
وحمله غير س على حذف الخبر, أعني خبر إن قبل قوله ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾, التقدير: إن الذين آمنوا آمنون فرحون والذين هادوا والصابئون من آمن إلى آخره, ورجح هذا التقدير بأن حذف ما قبل

العاطف لدلالة ما بعده مقطوع بثبوته في كلام العرب قبل دخول (إن), نحو قوله: نحن بما عندنا, وأنت بما عندك راض, والرأي مختلف وبعد دخول (إن), نحو قول الآخر: خليلي هل طب, فإني وأنتما وإن لم تبوحا بالهوى دنفان التقدير: نحن بما عندنا راضون, وفإني دنف, وقد قال س في قول الفرزدق: إني ضمنت لمن أتاني ما جني وأبي, فكنت وكان غير غدور "ترك أن يكون للأول خبر حين استغنى بالآخر".
انتهى.
ولو كان العطف من قبيل عطف المفرد لكان وقوعه قبل التمام أولى؛ لأن وصل المعطوف بالمعطوف عليه أولى من فصله, ولو كان من عطف المفردات لجاز رفع غيره من التوابع, ولم يحتج س إلى تأويل في قوله ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ بأن جعل ﴿عَلَّامُ﴾ مرفوعًا على أنه خبر مبتدأ محذوف, أو بدلًا من الضمير في ﴿يَقْذِفُ﴾.
وأيضًا فعمل الابتداء منسوخ بعد (إن) لفظًا ومحلًا كانتساخه بـ (كان), و (ظن), إلا أنها و (لكن) لما لم يتغير بدخولهما معنى

الجملة, وتغير بدخول باقي أخواتها, جاز أن يعطف بعد اسمهما وخبرهما مبتدأ مصرح بخبره, لازم الإثبات إن تباين الخبران, نحو ﴿وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾, أو محذوفًا إن لم يتباينا, نحو: إن زيدًا قائم وعمرو, كما كان ذلك في الابتداء, نحو: زيد قائم وعمرو جالس, وزيد قائم وعمرو, وذلك بخلاف خبر كان وليت ولعل, فإنه مخالف لخبر المبتدأ المجرد بما حدث فيه من التشبيه والتمني والترجي, فلا يغني أحدهما عن الآخر.
وفي قول المصنف "يجوز رفع المعطوف" دلالة على أن ذلك ليس على سبيل الوجوب, بل يجوز عطفه على لفظ الاسم, فتنصبه قبل ذكر الخبر, نحو قوله تعالى ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾, وبعد الخبر, نحو قوله: إن الربيع الجود والخريفا يدا أبي العباس والضيوفا أراد: إن الربيع الجود والخريف والضيوف يدا أبي العباس.
وجوزوا أيضًا الرفع من وجه آخر, وهو أن يكون معطوفًا على الضمير المستكن في الخبر إن كان الخبر مما يتحمل الضمير, لكن إذا

أريد هذا المعنى أكد ذلك الضمير، أو فصل بينه وبين المعطوف على الخلاف الذي بين البصريين والكوفيين.
فإذا جردت من التأكيد والفصل كان ارتفاعه على غير العطف على الضمير أحسن، ويضعف رفعه عطفًا على الضمير.
كان العطف على الضمير أظهر من جهة أنه يلزم في الوجه الأول الحمل على المعنى، ولا يلزم في هذا، ومن جهة تأكيد الضمير المستكن في الخبر من غير عطف عليه قليل في كلامهم جدًا.
ومثاله العطف بالرفع على غير الضمير المستكن في الخبر قول الشاعر: فمن يك لم ينجب أبوه وأمه فإن لنا الأم النجية والأب وقول الآخر: إن النبوة والخلافة فيهم والمكرمات وسادة أظهار ومثال ذلك في (لكن) قول الشاعر: وما زلت سابقًا إلى كل غاية بها يقتضي في الناس مجد وإجلال وما قصرت بي في التسامي خؤولة ولكن عمي الطيب الأصل والخال وفي كتاب (التجريد لأحكام كتاب س) ما نصه- وهو لفظ س"- "وما يكون محمولًا على (إن)، فيشارك فيها الاسم الذي وليها، ويكون محمولًا على الابتداء: إن زيد ظريف وعمرو، فيرتفع على وجهين،

فأحدهما حسن، وهو أن يكون محمولًا على الابتداء؛ لأن معنى إن زيدًا منطلق: زيد منطلق، و (إن) توكيد.
والآخر ضعيف، وهو أن يكون محمولًا على المضمر، وأحسنه أن تقول: هو وعمرو، فإن شئت جعلت الكلام على الأول، فقلت: إن زيدًا منطلق وعمرًا.
(ولكن) المثقلة في جميع الكلام بمنزله (إن).
وإذا قلت (إن زيدًا منطلق لا عمرو) فتفسيره كتفسيره مع الواو، وإذا نصب فتفسيره كنصبه مع الواو.
و (لعل) و (كأن) و (ليت) يجوز فيهن جميع ما جاز في (إن)، إلا/ أنه لا يرتفع بعدهن شيء على الابتداء، ومن ثم اختار الناس: ليت زيدًا منطلق وعمرًا، وضعف عندهم أن يحملوا عمرًا على المضمر حتى يقولوا (هو).
وتقول إن زيدًا فيها لا بل عمرو، وإن شئت نصبت، و (لا بل) تجري مجرى الواو" انتهى.
وفي (الإفصاح) ما مخلصه: "اختلفت عبارة النحويين وأغراضهم: فمنهم من يقول: هو معطوف على (زيد) المنصوب؛ لأنه في الأصل مرفوع، وبقي على معناه وحكمه، وإنما نصبته (إن) تجوزًا، ولم يتغير له موضع، فيعطف عليه بحكم الأصل، فتقول (وعمرو) كما تقول: ما زيد بقائم ولا قاعدًا.
ومنهم من قال: لا يشبهه لأن (إن) رفعت الابتداء، فلا يكون في موضع رفع، والرفع على موضوع (إن) وما عملت فيه؛ لأن (إن) أزالت

الاسم عن الابتداء، وهي وما عملت فيه في موضع ذلك الاسم إذا لم يدخل عليه ناسخ.
وهذا الذي أشار إليه أبو علي في قوله في (الإيضاح): (فإن عطفت على إن وما عملت فيه).
وزعم الشلوبين أن مذهب س الحمل على (زيد) لأنه في المعنى مبتدأ، ويجوز ظهور المبتدأ معه إذا زالت إن.
قال: ولذلك يجيز ضارب زيد وعمرًا، على هذا، وإنما ذكر العطف على جهة الأولى.
وزعم أن ذلك متفهم من كلام س. وقالوا قوم: إنما يعطف اسم على اسم، فيكون المعطوف محمولًا على العامل في ذلك الاسم، فإن كان له عاملان لفظي وتقديري حمل مرة على هذا ومرة على هذا، وإذا كانت (إن) في موضع الابتداء فلا يعطف اسم على حرف، ولا على حرف اسم، ولا على حرف ومعموله إذا كان أكثر من اسم، ولا حجة بمحل النزاع، ولا يحمل على شيء متوهم غير موجود، فإن فيه عملًا بلا عامل، وإن جاء منه شيء فموقوف على السماع ولا يقاس عليه.
فقال هؤلاء: الرفع على الابتداء، والخبر محذوف لدلالة خبر الأول لأن المعنى واحد.
وهذا الذي أخذته عن حذاق من قرأنا عليه، وهو مذهب ابن أبي العافية وابن الأخضر، وبه أخذ شيوخنا الذين حملوا هذا العالم عنهم أو عمن تحمله عنهم، وهو الذي تقرر عند المباحثة من كلام س، ولا يصح عنه غيره، وهو مذهب أبي الجرمي، نص عليه في (الفرخ) انتهى.
فرع: إن زيدًا اختصم وعمرًا: قال أبو جعفر الصفار: لم يجزها أحد من النحويين علمته إلا محمد بن يزيد وابن كيسان، فإنهما أجازاه

لأن الثاني يدخل في معنى الأول وإن أفرد الفعل.
قال ابن كيسان: وإنما لم يجز "إن زيدًا اختصم" لأن الاختصام لا يكون إلا من اثنين،/ وأنت إن نصبت الاثنين فقد تم المعنى، فلا يلتفت فيه إلى إفراد الفعل.
قال ابن كيسان: ويجوز: إن زيد اختصما وعمرًا.
وقوله لا قبله مطلقًا، خلافًا للكسائي يعني بقوله (مطلقًا) سواء أظهر فيه الإعراب أم لم يظهر، نحو: إن زيدًا وعمرو قائمان، وإن هذا وزيد قائمان.
ووافق الكسائي على جواز ذلك أبو الحسن وهشام.
واستدلوا على ذلك بقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ) الآية، وبما حكاه س عن العرب من قولهم: إنك وزيد ذاهبان.
وحكي الأخفش في (مسائل الكبير): سمعت من العرب من يقول: إن زيدًا وأنت ذاهبان.
وحكي الكوفيون الرفع في قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ)، وهي قراءة محمد بن سليمان الهاشمي، فنقل أن الأخفش مضى إليه، فقال له: هذا لحن.
فأعطاه، وحباه.
فيكون للأخفش في المسألة قولان.
واحتج من منع ذلك بأنه محال أن يعمل في الخبر (إن) والابتداء يأتي تأويله.
فلو كان الخبر مفردًا، نحو "إن زيدًا وعمرو منطلق" فنقل أبو جعفر

النحاس الخلاف فيه، أجاز ذلك الخليل وس والكسائي وهشام، وأنشدوا قول الشاعر: فمن يك أمسى بالمدينة رحلة فإني وقيار بها لغريب واحتجوا بأن معنى "إن زيدًا منطلق" و"زيد منطلق" واحد.
ومنع ذلك الفراء، قال: لأنهما اسمان قد وقعت عليهما أداة واحدة، وتبين فيها الإعراب، ولم يطل ما بينهما، فكرة أن يفرق بينهما بإعرابين مختلفين والمعنى فيهما واحد.
وأجاز ذلك فيما لا يتبين فيه الإعراب كالمضمر والذي.
قال: لأنه إنما يمتنع أن يجمع اسمان معربان يخالف بينهما.
ونقول: إجازة س والخليل في حكاية النحاس "إن زيدًا وعمرو منطلق" ليس عطفًا على موضع (زيد)، ولكنه على التقديم والتأخير، أو على حذف الخبر خبر (أن).
وقوله ولا بشرط خفاء إعراب الاسم، خلافًا للفراء دليله دليل الكسائي، وقال الشاعر: وإلا فاعلموا أنا وأنتم بغاة ما حيينا في شقاق ويشمل قوله "خفاء إعراب الاسم" أن يكون الاسم مبنيًا، وبه مثلوا،

وأن يكون معربًا لكن الإعراب فيه مقدر، كالمقصور والمضاف إليه ياء المتكلم، وهو يحتاج إلى نقل مذهب الفراء في ذلك.
وقوله وإن توهم ما رأياه قدر/ تأخير المعطوف يعني فيما أمكن فيه ذلك، نحو: إن زيدًا وعمرو قائم، التقدير: إن زيدًا قائمًا وعمرو.
أو حذف قبله، أي: قبل المعطوف، وذلك فيما لا يمكن فيه نية التأخير، نحو: إنك وزيد ذاهبان، التقدير: إنك أنت وزيد ذاهبان، فأنت: مبتدأ وزيد: معطوف عليه، والخبر: ذاهبان، والجملة من المبتدأ والخبر في موضع خبر (إن).
و (إن) وأخواتها تثبت قوة شبهها بالأفعال لفظًا ومعنى واختصاصًا، ولذلك لم يبطل عملها بالفصل بالخبر الظرف والمجرور، ولا بالفصل بهما معمولين للاسم، ولا بحذفها وإبقاء عملها، كقراءة من قرأ ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آَيَاتٌ﴾، بخلاف (ما) المشتبهة بـ (ليس)، و (لا) المشتبه بـ (إن)، فإنهما ضعيفتا الشبه والعمل، ولذا لا تعمل (لا) في الخبر عند س، ويبطل عملها بالفصل بإجماع، ولضعفها لم تنسخ عمل الابتداء لفظًا ومحلًا، بل هو باقٍ تقديرًا بعد دخولها، ولهذا ينعت اسمها باعتبار المحل رفعًا، ولم يفعل ذلك باسم (إن).
وإذا كان كذلك فهي كـ (كان) وأخواتها، فكما امتنع أن يكون لمعمولي (كان) إعراب باعتبار المحل فكذلك (إن).
ولو جاز أن يكون اسم (إن) مرفوع المحل لجاز ذلك لخبر (كان) لتساويهما في أصالة الرفع وعروض النصب.

وقال المصنف في الشرح ما نصه: "غلط س من قال: إنهم أجمعون ذاهبون، وإنك وزيد ذاهبان، فقال: (واعلم أن ناسا من العرب يغلطون، فيقولون: إنهم أجمعون ذاهبون، وإنك وزيد ذاهبان، وذلك أن معناه معنى الابتداء، فيرى أنه قال: هم، كما قال: بدا لي أني لست مدرك ما مضى ولا سابق شيئًا وهذا غير مرضي منه- رحمه الله- فإن المطبوع على العربية كزهير قائل هذا البيت لو جاز غلطة في هذا لم يوثق بشيء من كلامه، بل يجب أن يعتقد الصواب في كل ما نطقت به العرب المأمون حدوث لحنهم بتغير الطباع، وسيبويه موافق على هذا، ولولا ذلك ما قبل نادرًا كلدن غدوة، وهذا حجر ضب خرب" انتهى كلام المصنف.
وفهم من كلام س "أن ناسا من العرب يغلطون" حقيقة الغلط، وأنهم لحنوا في ذلك، ولا يوثق بهم في ذلك، ولا يبني عليه.
ولم يرد س هذا المفهوم الذي فهمه المصنف، وإنما يريد أنه لم يشرك في الناصب، وكأنه لم يتقدم ناصب، بل ابتدأ بالاسم مرفوعًا، فأتبعه مرفوعًا، فصار كأنه لم يذكر الناصب، وسمي هذا غلطًا مجازًا لا على جهة الحقيقة.
وفي (البسيط): "سماه غلطًا لخروجه عن القياس لما فيه من إعمال عاملين في واحد، والكوفيون/ يقولون: إن الخبر ليس معمولًا لـ (إن)، فلا يلزمهم هذا، وكذلك من يجوز عمل العاملين" انتهى.

ونظيره في كلامه قوله تعالى (فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ)، يسمى س هذا عطفًا على التوهم، كأنه قال: أصدق وأكن، ولا يريد س التوهم حقيقة إذ يستحيل على الله تعالى، وإنما يريد أنه لم يتبع الثاني الأول في الإعراب/ وكأنه غلط في أن ذكر الناصب ومقصوده الرافع ومراعاته.
ولم يفهم أحد من الشراح ولا الشيوخ المأخوذ عنهم هذا العلم عن س ما فهمه هذا المصنف، كما لم يفهموا عنه حقيقة التوهم، وإنما المعنى في الغلط والتوهم ما ذكرناه من أنهم لا يلحظون اشتراك الثاني مع الأول، وكأن ذلك الأول ما دخل عليه المعرب الذي كان ينبغي للثاني أن يشاركه فيه، وإنما يحمل هذه الأشياء على ظاهرها من لم يأخذ العلم عن المشايخ، ولم يعرف مقاصدهم، فينظر في العلم وحده، فيفهم خلاف ما فهموه.
وحكي لنا أستاذنا العلامة أبو جعفر بن الزبير- رحمه الله- أنه كان بمدينة مالقة شخص قد نصب نفسه لإقراء النحو، يعرف بابن الفخار، وقد رأيته أنا بمقالة، وحضرت مجلسه، فحين علم بي أني من تلاميذ ابن الزبير أنس، وتحدث، وقطع مجلسه بالحديث معي، ولم يقرئ في ذلك المجلس أحدًا.
قال الأستاذ أبو جعفر: فسمع عني أني أذكر العطف على التوهم في القرآن، فأنكر ذلك، وشنع، وقال: كيف يكون التوهم في القرآن، والله- تعالى- منزه عن التوهم؟ وذلك لجهله بمصطلح أهل الفن ونظره وحده دون شيخ، وقد قلت في ذلك: يظن الغمر أن الكتب تجدي أخًا فهم لإدراك العلوم

وما يدري الجهول بأن فيها غوامض حيرت عقل الفهيم إذا رمت العلوم بغير شيخ ضللت عن الصراط المستقيم وتلتبس الأمور عليك حتى تصير أضل من (توما) الحكيم وقول المصنف (ولكن) يعني أن حكمها في العطف على موضع اسمها حكم (إن)، وذلك لأنها لك تغير حكم الابتداء، وإنما هي بمنزلة (بل).
وبعضهم منع العطف على موضع اسم (لكن) لما فيها من معنى الاستدراك.
ومن أجاز قال: إذا قلت "ما زيد قائمًا لكن عمرًا منطلق" هو بمنزلة قولك: عمرو منطلق، وهو مذهب س وقوله و (أن) في ذلك كـ (إن) على الأصح اختار المصنف جواز العطف بالرفع في نحو "علمت أن زيدًا قائم وعمرو" على اسم (أن)، كما جاز ذلك في (إن)، وقال بشر: أبي لبني خزيمة أن فيهم قديم المجد والحسب النضار قال ابن الدهان: "عطف على موضع (أن) الحسب".
وقال في الشرح: "ومثل (إن) و (لكن) في رفع المعطوف على معنى الابتداء (أن) إذ تقدمها علم أو معناه، فمعناه قوله {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ

وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ}، وصريح العلم كقول الشاعر: وإلا فأعلموا أنا وأنتم بغاة ما حيينا في شقاق تقديره عند س: فأعلموا أنا بغاة وأنتك كذلك، حمله على التقديم والتأخير كما حمل آيه المائدة، فسوى بين (إن) و (أن)، فصح أن من فرق بينهما على الإطلاق مخالف لسيبويه، وجعل من هذا القبيل ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾.
وزعم قوم أنه إنما أورده بكسر الهمزة، وهي قراءة الحسن، وهو بعيد من عادة س، فإنه إذا استدل بقراءة تخالف المشهور لا يستغني عما يشعر بذلك، كما فعل إذ أورد ﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ انتهى.

وما زعمه قوم من أنه كسر الهمزة هو مضبوط في كتاب س بكسر الهمزة مصححًا في نسخ الشيوخ المأخوذ عنهم الكتاب رواية ودراية.
ويدل على ذلك أنه إنما ذكر س في هذه الأبواب الحروف الخمسة، ولم يذكر في (باب ما كان محمولًا على إن) سوى (أن) و (لكن)، وقال في آخر الباب: "ولكن منزله إن".
فلو كانت (أن) بمنزله (إن) في ذلك لذكرهما كما ذكر (لكن)، إلا أنه ذكر في آخر هذه الأبواب قول الشاعر: وإلا فاعلموا أنا وأنتم بغاة............ وقال: كأنه قال: نحن بغاة ما بقينا وأنتم".
ووجدت بخط ابن خروف: "هذا يشير إلى تخريج س البيت، نص في المفتوحة أنه يحمل معها على الابتداء" انتهى.
وليس بنص؛ إذ يحتمل أن يكون من باب العطف على التوهم.
ويحتمل أن يكون (وأنتم) معطوفًا على مبتدأ محذوف، تقديره: وإلا فأعلموا أنا نحن وأنتك بغاة، والجملة من قوله "نحن وأنتم بغاة" في موضع خبر (أنا)، كما تأولوا "إنك وزيد ذاهبان" على تقدير: إنك أنت وزيد ذاهبان.
وأما على قراءة من قرأ ﴿أَنَّ اللَّهَ برئ﴾ بفتح همزة (أَنَّ) فيكون (إن) فيكون ﴿ورسوله﴾ معطوفًا على الضمير المرفوع المستكن في (برئ)، وحسن ذلك الفصل بين الضمير والمعطوف بالجار والمجرور.

وفي هذا العطف بالرفع ثلاثة مذاهب: أحدها: الجواز مطلقًا: وهو ظاهر كلام المصنف، والذي صححه.
وجعل أبو الفتح والأستاذ أبو علي قول الشاعر: فلا تحسبني أني تخشعت بعدكم لشيء ولا أني من الموت أفرق ولا أنا ممن يزدهيه وعيدكم ولا أنني بالمشي في القيد أخرق من قبيل ما عطفت فيه الجملة على (أن) وصلتها، فجعلوا قوله "ولا أنا ممن يزدهيه وعيدكم" معطوفًا على (أن) وصلتها.
قال الأستاذ أبو علي: وسوغ ذلك كون (تحتسب) من العوامل التي يصلح وقوع الجمل بعدها.
ورد ذلك عليه بأن قوله "ولا أنا ممن يزدهيه وعيدكم" لا يجوز وقوعه بعد (تحسبوا)؛ ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: ولا تحسبوا أنا ممن يزدهيه، وإنما يجوز وقوع الجملة بعد (تحتسب) إذا كان فيها ما يوجب تعليق الفعل عنها، نحو: حسبت ما زيد منطلق.
ويخرج البيت على أن يكون قوله "ولا أنا ممن يزدهيه وعيدكم" جملة اعتراض بين قوله "أني تخشعت" والمعطوف عليه الذي هو "ولا أنني بالمشي" إذ فيها تسديد وتأكيد؛ لأنه إذا كان لا يتخشع لشيء، ولا يفرق من الموت، ولا هو أخرق بالمشي في القيد، كان ولا بد ممن لا يزدهيه الوعيد.

وفي (الإفصاح): اختار ابن جني الجواز، واحتج برواية "ولا أنا ممن يزدهيه وعيدكم".
ولا حجه فيه لأنه استئناف كلام.
وهذا تخليط أوجبه عدم فهم كلام س، فقوله "فلا تحسبني...... " البيت كلام تام، ثم استأنف: "ولا أنا....... " البيت.
وقوله "ولا أنني" استئناف آخر، أراد: ولا تحسبني أنني، فحذف لتقدم الذكر، وليس مما قال في شيء.
المذهب الثاني: المنع مطلقًا، فلا يجوز العطف فيها على معنى الابتداء عند أكثر المحققين؛ لأن المفتوحة وما عملت به تتقدر باسم مفرد، فإذا قلت "بلغني أن زيدًا قائم وعمرو" على أن يكون (عمرو) مبتدأ، والخبر محذوف، لم يجز أن تكون الجملة معطوفة على موضع (أن) وصلتها؛ لأنها بتقدير اسم مفرد مرفوع على أنه فاعل، فلو عطفت عليه الجملة لزم من ذلك أن تكون فاعلة بـ (بلغ) من حيث كان المعطوف شريك المعطوف عليه، وذلك غير سائغ.
وفي (البسيط): وأما (أن) فلا يعطف على موضعها عند المحققين كأبي علي الفارسي وغيره؛ لأنها لا بد لها من عامل آخر غير أن، فلا يبقى للابتداء فيها مساغ لدخول العامل اللفظي القوي، ولأن الفعل لا يتسلط إلا على ما عمل فيه (أن)، فلا تتدخل على المبتدأ، وأنت لو عطفت على الموضع لجعلت الجملة الابتدائية في موضع معمول الفعل، ولا يكون موضعه إلا بشرط دخول (أن)، فامتنع لذلك.
المذهب الثالث: التفصيل بين أن يكون الموضع الذي وقعت فيه يجوز/ وقوع المفرد فيه ووقوع الجملة أو يكون لا يقع فيه إلا المفرد:

فإن كان مما لا يقع فيه إلا المفرد فلا يجوز العطف على موضع (أن) وصلتها، نحو: بلغني أن زيدًا قائم وعمرو، فإذا ورد مثل هذا كان الخبر محذوفًا، والجملة من المبتدأ للخبر معطوفة على الجملة التي هي "بلغني أن زيدًا قائم" عطف جملة اسمية على جملة فعلية.
وإن كان الموضع يصلح للمفرد والجملة جاز العطف على موضع (أن) وصلتها، نحو قولك: أتقول أن زيدًا قائم وعمرو، تريد، وعمرو قائم؛ لأن (أتقول) يقع بعدها المفرد، نحو: أتقول أن زيدًا قائم، والجملة نحو: أتقول عمرو قائم.
وهذا المذهب اختيار ابن عصفور.
وقال الأستاذ أبو علي: اختلفت في (أن) المفتوحة، هل يجوز العطف على موضعها، فذهب الأكثرون إلى المنع، وهو الصحيح لأنها في تقدير المفرد، ولا تعطف جملة على مفرد؛ لأنها- وإن كانت مؤكدة- فقد غيرت المعنى بتغيير حكم الابتداء، وكذلك لا يجوز رفعه بالابتداء بعدها لأنه بمنزله العطف على الموضع سواء.
وخرجوا كلام س، فقال بعضهم: إنما احتج بالكسر على قراءة ابن محيصن، فكأنه قال: ومثله (إِنَّ اللَّهَ) فيمن كسر، وقد ثبت في بعض النسخ بالكسر، ولكن الناس فتحوا، فوهموا.
وقال بعضهم: (أن) هنا بمعنى (أن)، يبتدأ بها.
وهذا ليس بشيء لأن الابتداء يوجب كسرها.
وذهب ابن جنب إلى أنه يعطف على (أن) مطردًا لما كان بمعنى (إن)، وعليه حمل كلام س، واحتج بالبيت المتقدم، يعني: وإلا فأعلموا أنا... وأنتم............ وهذا قول حسن.

ثم قال الأستاذ أبو علي: لا حجة له في قوله "ولا أنا ممن يزدهيه" لأنه يكمن أن يكون جملة أخرى ليست معطوفة على (أني)، ولم تتكرر (لا) لأنها في معنى المكررة، كقوله: ................. حياتك لا نفع، وموتك فاجع وتكون "ولا أني" الثانية معطوفة على فاعل (يزدهيه).
وقوله وكذا البواقي عند الفراء ذهب الفراء إلى أنه يجوز الرفع بالابتداء في العطف في كأن وليت ولعل، فأجاز: كأن زيدًا منطلق وعمرو، وليت زيدًا منطلق وعمرو، ولعل زيدًا قادم وبشر.
وهذا لا يجوز فيه إلا النصب باتفاق من أهل البصرة، ولا يجيزون الرفع على الموضع، ولا على الابتداء والخبر محذوف.
وعلة امتناع الحمل على الموضع أن غير (إن) و (لكن) قد غيرت المعنى أو الحكم؛ ألا ترى أن كان زيدًا قائم، وليت زيدًا ذاهب، ولعل زيدًا قادم، ليس شيء منها في معنى الابتداء والخبر، وكذلك "يعجبني أن زيدًا قائم" في معنى: يعجبني قيام زيد، فقد بطل حكم الابتداء، والخبر جملة.
وأما امتناع الرفع على الابتداء والخبر محذوف فلأنك لا تحذف إلا ما هو مثبت، وهنا ليس كذلك لأن الجملة خبرها مشبه به أو متمني أو مترجي، والمحذوف ليس فيه شيء من ذلك، فلا يجوز كما لم يجز

"تبًا له وويح" على أن يكون (ويح) مبتدأ محذوف الخبر لدلالة (له) المتقدمة عليه؛ لأن (له) تبيين، وهذا خبر، فلم يوافق المثبت المحذوف.
وزعم الأستاذ أبو علي أن ذلك ممتنع من جهة أخرى، وهو أن الجملة التي بعد العطف مخالفة لمعنى الجملة التي قبل العطف من حيث كان الخبر في الجملة الأولى غير ثابت، وفي الثانية ثابت، قال: ولا يجوز عطف الجمل بعضها على بعض حتى تتفق معانيها.
وهذا الذي ذهب إليه من أن عطف الجمل مشروط فيه اتفاق المعاني هو مذهب جماعة من النحويين.
وليس بصحيح، بل يجوز عطف الجمل بعضها على بعض من غير أن تتفق المعاني، ومن ذلك قول الشاعر: وإن شفائي عبرة إن سفحتها وهل عند رسم دارس من معول وقول الآخر: تناغي غزالًا عند باب ابن عامر وكحل مآقيك الحسام بإثمد وإلى جواز ذلك ذهب س، فأجاز أن تقول: جاءني زيد ومن أخوك، عطف الجملة على الجملة وإن لم يتفق معناهما، فثبت إذا أن المانع من ذلك ما ذكرناه من كون الخبر المثبت ليس في معنى المحذوف.
فإن قلت: هلا جاز العطف مع هذه الحروف على موضع الابتداء لأنك قد تقول: ليته زيد قائم، ولعله زيد قائم، وكأنه زيد قائم، وبلغني أنه زيد قائم، فيكون (زبد) في جميع ذلك مبتدأ، ويكون معنى الكلام مع لحاق الضمير كمعناه قبل لحاقه.

جارٍ التحميل