التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيلصفحات 245-284

يجوز حذف النون مطلقا.
قال الفراء: إنما جاز ذلك لأنهم وجدوا الواحد لا نون فيه، وقد نصب، فأجروا الاثنين مجري الواحد.
وقال الفراء أيضا: إنما جاز ذلك في اللذين لأن الوقف علي الموصول دون صلته لا يكون، فصارت الصلة عوضا من النون، وهم يحذفون مما طال في كلامهم.
وذهب أبو العباس إلي أنه لا يجوز حذف النون إلا مع الموصول غير الألف واللام نحو اللذان لطول الاسم، كما تحذف الهاء في قولك: الذي ضربت زيد، ولم يحفظ حذف النون في صلة الألف واللام من لسان العرب في المثني، ولم ينشدوا شاهدا علي ذلك، لكنه قد سمع في الجمع، وقياس المثني علي الجمع قياس جلي، والاحتياط أن لا يقال إلا بسماع من العرب، فإن لكل تركيب خصوصيات وضعية تبطل قياس المختلفي التركيب بعضه علي بعض.
ونقص المصنف من مواضع حذف النون أنها تحذف لشبه الإضافة، وذلك في موضعين: أحدهما في قولك: اثنا عشر، واثنتا عشرة.
والثاني في قولهم: لا غلامي لك، علي مذهبه، فإنه يزعم أن النون هناك محذوفة لشبه الإضافة، و ((لك)) في موضع الصفة، وسيأتي ذلك في باب ((لا)) إن شاء الله.
وقوله: ولزوم الألف لغة حارثية يعني لزوم الألف في الرفع والنصب والجر، فلا تنقلب إلي الياء في النصب/ والجر.
وحارثية: نسبة لبني الحارث بن كعب، أجروا المثني مجري الاسم المقصور، قيل: وهو القياس، إلا أن معظم العرب أرادوا التفرقة بين الرفع وغيره، فقلبوا تلك

الألف ياء.
ومثال ذلك قول الشاعر: إن أباها وأبا أباها قد بلغا في المجد غايتاها وقول الآخر، وهو هوبرة الحارثي: تزود منا بين أذناه ضربة دعته إلي هابي التراب عقيم وقول الآخر: وأطرق إطراق الشجاع، ولو رأي مضيا لناباه الشجاع لصمما وسمع الأخفش أعرابيا فصيحا من بني الحارث يقول: ضربت يداه، ووضعته علاه، يريد: يديه وعليه.
وقال بعض العرب: لو استطعت لأتيتك علي يداي.
وقال الراجز: إياك أن تبلي بشعشعان خب الفؤاد مائل اليدان

وحكى الكسائي أن ذلك لغة لبني الحارث بن كعب وزبيد وخثعم وهمدان، وأنشد الكسائي لبعض بني الحارث: فإن بجنبا سحبل ومصيفه مراق دم لن يبرح الدهر ثاويا وقال الشاعر: واها لسلمي، ثم واها واها هي المني لو أننا نلناها يا ليت عيناها لنا وفاها وذكر أبو الخطاب أنها لغة لكنانة.
وذكر غيره أنها لغة لبني العنبر وبني الهجيم وبطون من ربيعة.
وحكاها أبو زيد، قال في نوادره: ((لغة بني الحارث بن كعب قلب الياء الساكنة إذا انفتح ما قبلها ألفا، يقولون: أخذت الدرهمان، والسلام علاكم)).
وحكاها الفراء، قال: بنو الحارث بن كعب يقولون: إن هذان قالا ذاك، ورأيت هذان.
وفي البسيط

أنها لغة بكر بن وائل.
فهذه طوائف من العرب الفصحاء وافقوا بني الحارث بن كعب في هذه اللغة.
وذهب أبو العباس إلي إنكار هذه اللغة، ولا يجيز مثلها في كلام ولا شعر.
وهو محجوج بنقل النحاة الثقات عن هؤلاء الطوائف من العرب.
وأحسن ما خرج عليه قوله تعالي: ﴿إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ في قراءة من قرأ (هذان) بالألف من قراء السبعة حمله علي هذه اللغة.
وذهب أبو الحجاج الأعلم إلي أن نون التثنية تحذف لغير ما ذكر المصنف من الإضافة والضرورة وتقصير الصلة، وذلك هو حذفها لشبه الإضافة، وذلك في قولك لبيك وسعديك ودواليك وهذاذيك، فالكاف عنده ليست ضميرا، وإنما هي حرف خطاب، كما هي في قولهم: أبصرك زيدا، وحذفت النون في لبيك وأمثالها لشبه الإضافة؛ لأن الكاف تطلب الاتصال بالاسم كاتصالها باسم الإشارة نحو: ذاك، والنون تمنع من ذلك، فحذفت لذلك.
واستدل الأعلم علي ذلك بأن هذه انتصبت انتصاب المصادر، والعامل فيها أفعال مضمرة، وإذا أضيف المصدر إلي ضمير الخطاب فلا بد أن يكون ذلك الضمير مغايرا لفاعل الفعل الناصب ذلك المصدر؛ إذ فاعل ذلك الفعل هو ضمير المتكلم، فيلزم علي هذا كله أن يكون المصدر مصدرا تشبيهيا، فيصير نحو:/ ضربت ضربك، المعني: ضربا مثل ضربك، ويكون معني هذه المصادر في سعديك: أجبتك إجابة مثل إجابتك، وفي لبيك: ألزم طاعتك مثل لزومك الطاعة، وفي دواليك: تداولنا مثل مداولتك.
وليس معني هذه المصادر هذا الذي لزم إذا جعل مصدرا تشبيهيا، وإذا كانت الكاف حرف خطاب استقام المعنى.

وقد رد ما ذهب إليه الأعلم بأن ذلك علي المصدر التشبيهي، ولا يفسد المعني لأنه يكون في سعديك: أجبتك إجابتك لغيرك إذا أجبته، وفي لبيك: ألزم طاعتك لزومك طاعة غيرك، وفي دواليك: تداولنا مداولتك إذا داولت، كما قالوا: دققته دقك بالمنحاز حب الفلفل، المعني: مثل دقك بالمنحاز حب الفلفل إذا دققت.
وأما دعواه أن كاف الخطاب شديدة الاتصال بالاسم، والنون تمنعها من ذلك، فحذفت، فباطل بدليل قولهم ذانك وتانك، فالكاف للخطاب، ولم تحذف نون التثنية لها.
وذهب أبو الحسن الأخفش وهشام إلي أنه تحذف نون التثنية لغير ما ذكر، وهو لطافة الضمير، فقالا: إذا قلت ضارباك فهذا الضمير منصوب المحل لأن موجب النصب المفعولية، وهي محققة، وموجب الجر الإضافة، وهي غير محققة، إذ لا دليل عليها إلا حذف النون، ولحذفها سبب آخر غير الإضافة، وهو صون الضمير المتصل من وقوعه منفصلا.
والذي ذهب إليه س والمحققون هو أن الضمير في موضع جر اعتبارا بالظاهر، ولا ينسب إلي الضمير إعراب لا يكون للظاهر، فحذف النون هو للإضافة لا للطاقة الضمير.
ص: وما أعرب إعراب المثني مخالفا لمعناه أو غير صالح للتجريد، وعطف مثله عليه، فملحق به.
وكذلك كلا وكلتا مضافين إلي مضمر، ومطلقا علي لغة كنانة.
ولا يغني العطف دون شذوذ أو اضطرار، إلا مع قصد

التكثير، أو فصل ظاهر أو مقدر.
ش: الذي أعرب إعراب المثني وهو مخالف لمعني التثنية هو ما يراد به التكثير، نحو قوله تعالي: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ المعني: كرات، لأن البصر لا ينقلب خاسئا وهو حسير من كرتين بل بكرات، وكذلك: سبحان الله وحنانيه، أي: حنانا بعد حنان، وقول الراجز: ومهمهين قذفين مرتين قال الفراء: ((مهمه بعد مهمه)).
وهذا النوع من المثني يجوز أن يجرد من التثنية، ويعطف عليه مثله، ويكون المعني علي التكثير، ويستغني بالعطف عن التثنية، ومنه: لو عد قبر وقبر كنت أكرمهم ميتا، وأبعدهم عن منزل الذام وقال جرير: إنا أتيناك نبغي منك نافلة من رمل يبرين، إن الخير مطلوب

تخدي بنا نجب أفنى عرائكها خمس وخمس وتأويب وتأويب وقال الأفوه الأودي: إن النجاة إذا ما كنت ذا بصٍر من ساحة الغي إبعاد فإبعاد /وقد يغني في هذا النوع التكرير عن العطف، ومنه قوله تعالى: ﴿كَلاَّ إذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًا دَكًا (21) وجَاءَ رَبُّكَ والْمَلَكُ صَفًا صَفًا﴾ أي: دكا بعد دك وصفًا بعد صف.
ومن المعرب إعراب المثنى والمراد به الجمع ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾، و"البيعان بالخيار"، وقول الشاعر: تلفى الإوزون في أكناف دارتها تمشي، وبين يديها البر منثور أراد: بين أيديها.
وقوله: أو غير صالح للتجريد وعطف مثله عليه، هذا ضربان: اسم جنس نحو: كلبتي الحداد، وعلم كالبحرين والدونكين وكنابين: أسماء مواضع.
ويلحق بهذا النوع القمران للشمس والقمر، فإنه لا يصلح للتجريد

وعطف مثله عليه، بل يصلح للتجريد وعطف مباينه عليه.
ومما أعتيد فيه التجريد، والتثنية فيه مستعارة، قولهم: حواليك والأبهران والأخرمان وعاقلان.
وتجريد ذلك: حوال، نحو: وأنا أمشي الدألى حوالكا والأبهر، وهو عرق معروف.
والأخرم، وهو موضع.
وعاقل، وهو جبل.
ومما أعرب كالمثنى، وليس بمثنى لعدم صلاحيته للتجرد، اثنان واثنتان، والمذروان، وهما طرفا الألية، وطرفا القوس، وجانبا الرأس.
ومثله: "جاء فلان يضرب أصدريه".
ولعمرٍو ومعاوية ابني شرحبيل بن عمرو بن الجون: الجونان، وقول أعرابي: جنبك الله الأمرين -أي: الفقر والعري- وكفاك شر الأجوفين، -أي: البطن والفرج- وأذاقك البردين، أي: الغنى والعافية.
ومن هذا قولهم لما هو في وسط شيء: هو في ظهريه وظهرانيه، ولقيته بين الظهرانين، أي: في اليومين أو الثلاثة.
وقوله: فملحق به أي: ملحق بالمثنى في إعرابه.
وهذا الخبر الذي

هو "فملحق به" هو قوله المبتدأ الذي هو قوله: "وما أعرب إعراب المثنى"، ومعنى هذا الخبر مستفاد من المبتدأ، فلا يجوز أن يكون خبرًا لأنه مفروض أنه أعرب إعراب المثنى، فكيف يخبر عنه بأنه يلحق بالمثنى في الإعراب، فصار قوله هذا نظير ما منعوه من قولهم: سيد الجارية مالكها؛ لأن معنى "مالكها" قد فهم من قوله: سيد الجارية، كذلك هذا قد علم أنه أعرب إعراب المثنى، فكيف يجعل ملحقًا بالمثنى في الإعراب، فإن تخيل للإلحاق معنى غير هذا صح أن يكون خبرًا.
وقد انقسم ما أعرب إعراب المثنى، وليس معناه معناه، بالنسبة إلى المدلول إلى قسمين: قسم هو مفرد المعنى، وقسم هو لأكثر من اثنين: فالأول على قسمين: جنس، نحو المقصين والجلمين وكلبتي الحداد والأبهرين وحواليك.
وعلم، وهو قسمان: قسم سمي بالمثنى كالبحرين.
وقسم سمي بالمفرد، ثم عرضت له التثنية كالأخرمين وعاقلين.
والقسم الذي هو لأكثر من اثنين قسمان: قسم مدلوله الكثرة نحو (كرتين) في سورة "تبارك"، وحنانيه.
وقسم يراد به الجمع من غير اعتبار الكثرة نحو ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾، وقوله: .............................. وبين يديها البر منثور فمثل المقصين لا يجرد عن التثنية، والأبهران وحواليك المعتاد تجريده عن التثنية، ولا يعطف عليه لفقدان مثل، والبحران لا يجرد /عن التثنية، والأخرمان وعاقلان يجردان، ولا عطف لفقدان مثل، ومثل (كرتين) يجرد

بعطف وبغير عطف، ونحو (بين أخويكم) و"بين يديها" لا يجرد.
وقوله: وكذا كلا وكلتا أي: ألحقا بالمثنى في الإعراب، وهما مفردان في اللفظ مثنيان في المعنى، وهذان مخالفان لما قبلهما لأن مدلولهما مدلول المثنى، وليس مدلول ما قبلهما إلا مدلول المفرد أو مدلول أكثر من اثنين، واعتبار اللفظ في خبرهما وضميرهما أكثر من اعتبار معنى التثنية، قال تعالى: ﴿كِلْتَا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾.
وقوله: مضافين إلى مضمر، ومطلقًا على لغة كنانة احترز بقوله: "إلى مضمر" من أن يضافا إلى ظاهر، فإنهما إذا أضيفا إلى ظاهر كانا بالألف مطلقًا، وإذا أضيفا إلى مضمر كانا بالألف في الرفع، وبالياء في النصب والخفض، هذا الحكم المجمع عليه من السماع عن العرب، ولا يجيز البصريون غيره.
وحكي الكسائي والفراء أن بعض العرب يجريهما مع المظهر مجراهما مع المضمر، وحكي: رأيت كلي أخويك، وهذه اللغة عزاها الفراء إلى كنانة.
وزعم الفراء أنهما قد يضافان إلى مضمر، ويكونان بالألف في كل حال، وأن قول العرب "كلاهما وتمرًا"، كلا في موضع نصب كما كان في

الظاهر، ويتبعه التمر، وأنشد: نعم الفتى عمدت إليه مطيتي بي حين جد بنا المسير كلانا فعلى ما نقل غير البصريين يكون في كلا وكلتا ثلاث لغات: لغة التفرقة بين أن يضافا إلى ظاهر فيكون بالألف، أو إلى مضمر فتنقلب ألفه ياء في حالة النصب والخفض، وإلحاقها بالمقصور مطلقًا سواء أأضيف إلى ظاهر أم مضمر.
واختلف النحويون في كلا وكلتا، فذهب البصريون إلى أنهما من قبيل ما هو مفرد في اللفظ مثنى في المعنى كزوج.
واستدلوا على ذلك بوجودهما بالألف في حالة النصب والخفض إذا أضيفا إلى الظاهر، ولا يمكن أن يقال إنها جاءت على لغة بني الحارث بن كعب ومن يشركهم في كون المثنى عندهم بالألف دائمًا؛ لأن جميع العرب تستعمل كلا وكلتا إذا أضيفا إلى مظهر بالألف، فلو كان على تلك اللغة لم يتكلم به إلا أهل تلك اللغة.
واستدلوا أيضًا بإخبار العرب عنهما إخبار المفرد، نحو قوله تعالى: ﴿كِلْتَا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾، وقال الشاعر:

فغدت كلا الفرجين تحسب أنه مولى المخافة خلفها وأمامها فلم يقل: آتتا، ولا: تحسب أنهما.
ولا يعترض على هذا بأنهما قد أخبر عنهما إخبار المثنى في قوله: كلاهما لا يطلعان الكيحا لأن المفرد في اللفظ المثنى في المعنى يجوز أن يحمل على كل من اللفظ ومن المعنى، وقد جمع بينهما الشاعر في قوله: إن المنية والحتوف كلاهما يوفي المنية يرقبان سوادي /ولا يجوز أن يكون الإخبار عنهما إخبار الواحد من باب ما أخبر عن المثنى حقيقة إخبار الواحد، نحو قوله: فكأن في العينين حب قرنفٍل أو سنبلًا، كحلت به، فانهلت لأن هذا ضرورة، ولا يجيء مع ذلك إلا في الشيئين المتلازمين نحو اليدين والعينين، وليس كلا وكلتا من هذا الباب.
وذهب الكوفيون إلى أنهما من قبيل المثنى حقيقة.
واستدلوا على ذلك بوجودهما في حال الرفع بالألف، وفي حال النصب والخفض

بالياء، فتقول: كلاهما وكلتاهما، وكليهما وكلتيهما، فلما وجدوا حكم التثنية فيهما ومعناها جعلوهما من قبيل المثنى حقيقة.
وزعم البغداديون أن كلتا قد نطق لها بمفرد، قال: في كلت رجليها سلامي واحدة كلتاهما قد قرنت بزائدة فليس بصحيح لأن المعنى: في كلتا رجليها، والحذف في كلتا مما حذف فيه بعض الكلمة للضرورة، نحو: درس المنا بمتالٍع فأبان.......................... يريد: المنازل.
وفي الإفصاح: "فأما كونه يقلب آخره مع الظاهر فلا أعرف للبصريين اعتذارًا عنه، وكلهم لا يسلمونه، وقد حكاه الثقات منهم، منهم الكسائي والفراء ودريود وجماعة، ولا وجه لرد روايتهم.
وكان أبو بكر بن طاهر يقول: هي لغة لقوم يجعلونه مثنى، ولا يقولون كلاهما قام، وإنما يقول هذا من يجعله مفردًا.
وكذا كان يقول لنا تلميذه أبو الحسن بن خروف

والأستاذ أبو ذر ومن أدركنا من الشيوخ الذين حملوا عنه" انتهى.
وإذا ثبت أنهما من قبيل المفرد لفظًا المثنى معنى فكيف جعلا في حالة الإضافة إلى المضمر بالألف رفعًا وبالياء نصبًا وجرًا؟ وهلا كانا بالألف على كل حال؟ فالجواب أن العرب قلبت الألف فيهما في حال الإضافة إلى المضمر بملازمتهما الإضافة وملازمة اتصال الضمير بهما، وحملتا في القلب على لدى وإلى وعلى؛ ألا ترى أن الألف لا تقلب فيها مع الظاهر، وتقلب مع المضمر.
فعلى ما قرره البصريون ليس كلا وكلتا إذا أضيفا إلى مضمر معربين إعراب المثنى؛ لأن القلب في حالة النصب والجر ليس لأجل العامل، إنما هو حملًا على لدى وعلى.
والذي اختاره المصنف في الشرح غير مذهب البصريين وغير مذهب الكوفيين؛ لأنه زعم أنهما مفردان في اللفظ مثنيان من حيث المعنى كما قاله البصريون، وأنهما مع كونهما مفردين في اللفظ أعربا إعراب المثنى حين أضيفا إلى المضمر.
قال المصنف في الشرح: "وبكونه مفرد اللفظ مثنى المعنى أعرب إعراب المفرد في موضع وإعراب المثنى في موضع، إلا أن آخره معتل، فلم يلق به من إعراب المفرد إلا المقدر، فجعل ذلك له مضافًا إلى ظاهر ليتخلص من اجتماع إعرابي تثنية في شيئين كشيء واحد، وجعل الآخر مضافًا إلى مضمر لأن المحذور فيه مأمون.
وقد أجرته كنانة مجرى

المثنى مع الظاهر أيضًا، فيقولون: /جاء كلا أخويك، ومررت بكلي أخويك، ورأيت كلي أخويك.
وبهذه اللغة التي رواها الفراء معزوه إلى كنانة يتبين صحة قول من جعل كلا من المعرب بحرف لا بحركة مقدرة، فإن القائل إن كلا معرب بحركة مقدرة يزعم أن انقلاب ألفه ياء مع المضمر هو كانقلاب ألف لدى وإلى وعلى.
ولو كان الأمر كما قال لامتنع انقلاب ألفها مع الظاهر في لغة كنانة، كما يمتنع عندهم وعند غيرهم انقلاب ألف لدى وإلى وعلى مع الظاهر، على أن مناسبة كلا للمثنى أقوى من مناسبتها للدي وإلى وعلى، ومراعاة أقوى المناسبتين أولى من مراعاة أضعفهما.
وأيضًا فإن تغير ألف كلا حادث عن تغير عامل، وتغير ألف لدى وإلى وعلى حادث بغير تغير عامل، فتباينا، وامتنع أن يلحق أحدهما بالآخر.
وكلتا في المؤنث ككلا في المذكر" انتهى ما قرره في الشرح نصرةً لدعواه أن هذا الانقلاب لألف كلا وكلتا مع المضمر، وعلى لغة كنانة مع المظهر والمضمر، كان لأنهما معربان إذ ذاك بالحرف لا بالحركة المقدرة على ما ذهب إليه البصريون.
وهذا الذي ذهب إليه المصنف هو شيء مخالف لمذهب البصريين ولمذهب الكوفيين كما ذكرناه.
فأما البصريون فإنهم زعموا أن كلا كـ"معًى"، وأن كلتا: فعلى كذكرى، والتاء بدل من لام الكلمة التي في كلا، وهي واو، وألف كلتا للتأنيث، وأنه كان ينبغي أن لا تنقلب الألف فيهما مع المضمر، كما لم

تنقلب ألف "معى" إذا أضيف إلى المضمر، لكن كلا وكلتا لا ينفصلان من الإضافة، فضارعا حروف الجر التي لا تنفصل من الإضافة نحو على ولدى وغلى، وهن مع الظاهر بالألف، ومع المضمر بالياء، فأجري كلا وكلتا مجراهن لأنهما لا ينفصلان من الإضافة، ففرق بينهما وبين ما ينفصل من الإضافة، وكان الفرق في المضمر أولى لأنه فرع.
قال س: "وسألت الخليل عمن قال: رأيت كلا أخويك، ومررت بكلا أخويك، ثم قال: مررت بكليهما، ورأيت كليهما، فقال: جعلوها بمنزلة عليك في الجر والنصب".
ثم اعتل لم لم يقع هذا في الرفع، فيقال: قام كليهما، فقال: "إنما يستعملان مجرورين أو منصوبين"، أيك تقول: من لديه.، ومن عليه، وقعدت لديه، ونزلت عليه، ولا تقول: يعجبني عليه، ولا: لديه، فلما فارقن كلا في باب الرفع أجري كلا في الرفع على أصله، وخرج في النصب والجر إلى ما ضارعه.
وأما الكوفيون فألف كلا وكلتا عندهم ألف تثنية.
فقيل لهم: ما بالها جاءت بالألف في النصب والخفض -وهي ألف تثنية- في قولك: رأيت كلا أخويك، ومررت بكلا أخويك؟ فقالوا: شبهت بالواحد إذ لم ينفرد على صحة.
والذي يقطع ببطلان مذهب المصنف في دعواه أن كلا وكلتا مفردان في اللفظ كـ"معًى" مثنيان في المعنى، وأنهما أعربا إعراب المثنى، أنهما لو كانا أعربا إعراب المثنى للزم قلب ألفهما حالة التثنية، فتنقلب ألف كلا إلى الواو كما تنقلب ألف عصًا، وتنقلب ألف كلتا كما تنقلب ألف ذكرى، فكنت /تقول: قام الزيدان كلواهما، ورأيت الزيدين كلويهما، ومررت بالزيدين كلويهما، وقامت الهندان كلتياهما، ورأيت الهندين كلتييهما، ومررت

بالهندين كلتيهما.
وكذلك يلزم في لغة كنانة لأن إضافتهما إلى ظاهر كإضافتهما إلى المضمر

-[ص: ولا يغني العطف دون شذوذ أو اضطرار إلا مع قصد تكثير أو فصل ظاهر أو مقدر.]-

ش: ثبت في بعض النسخ" ولا يغني العطف عن التثنية" وفي بعض النسخ: " عن التثنية والجمع" فمثال أغناء العطف عن التثنية لشذوذ أو اضطرار قول الراجز: كأن بين فكها والفك... فارة مسك ذبحت في سك وقول الآخر: ليث وليث في محل ضنك كلاهما ذو أنف ومحك وقول الآخر:

أنجب عرس ولدا وعرس وقول الآخر: كأن بين خلفها والخلف كشة أفعى في يبيس قف ولولا الضرورة لقال: كأن بين فكيها وليثان وأنجب عرسين ولو وقع مثل هذا في غير شعر لكان شذوذاً.
ومثال أغناء العطف عن الجمع قول الشاعر، أنشده الكسائي: كأن حيث يلتقي منه المحل... من جانبيه وعلان ووعل لولا الضرورة لقال: أو عال ثلاثة، وقد استعمل أبو نواس الحسن بن هانئ هذه الضرورة، فقال: أقمنا بها يوماً ويوماً وثالثاُ... ويوماً له يوم الترجل خامس لولا الضرورة لقال: أياماً أربعة.

والمراجعة إلى العطف في التثنية والجمع من مراجعة الأصول المتروكة.
وقال المصنف في الشرح: " استعمال العطف في موضع الجمع لا سبيل إليه لأنه أشق من استعماله في موضع التثنية بأضعاف كثيرة، ولأن الجمع ليس محدوداً فتذكر آحاده معطوفاً بعضها على بعض كما فعل بالمثنى، فلو كان الجمع مدلولاً عليه ببعض ألفاظ العدد جاز استعمال العطف في موضعه، كقول الشاعر: ولقد شربت ثمانياً وثمانياً وثمان عشرة واثنتين وأربعا وقول الآخر: وردن اثنتين واثنتين وأربعاً يبادرن تغليساً حمال المداهن" وقوله: إلا مع قصد التكثير قال المصنف في الشرح: " قد تقدم بيان الاستغناء بالعطف عن التثنية المقصود بها التكثير" وقوله: أو فصل ظاهر مثاله: مررت بزيد الكريم وزيد البخيل، ولو ثنيت وأخرت الصفتين مفرقتين لجاز.
أما الاستغناء به لفصل مقدر فكقول الحجاج وقد نعي له في يوم واحد

محمد أخوه ومحمد ابنه: " سبحان الله، محمد ومحمد في يوم"! وإياهما قصد الفرزدق بقوله: إن الرزية لا رزية مثلها... لفقدان مثل محمد ومحمد انتهى شرح المصنف.
واتضح من هذا الشرح أنه إنما تكلم في التثنية لا في الجمع، إذ لم يتعرض إلى التكثير/ في الجمع ولا إلى الفصل فيه لا الظاهر ولا المقدر.
وقال بعض أصحابنا: " إذا استوفت ا|لأسماء الشروط المسوغة للتثنية والجمع لزمت التثنية والجمع، فلا يجوز العطف إلا في موضعين أحدهما: أن تريد الكثرة نحو قوله: لو عد قبر وقبر كان أكرمهم ميتاً وأبعدهم عن منزل الذم ألا ترى أن المعنى على التكثير لا على التثنية بدليل قوله: "أكرمهم" وبدليل أنه مادح والمدح لا يتصور معه الاقتصار على اثنين.
ومن ذلك قول الحكم بن المنذر بن الجارود للحرمازي الشاعر لما قال له: ما تريد؟ فقال: مائة.
قال له الحكم: بل مائة ومائة ومائة فعطف لما أراد والبالغة والتكثير لأن العرب كثيرا ما تستعمل العطف في موضع التهويل والتكثير قال عز وجل: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ وقال الشاعر: والبحر يدعو هيقما وهقيما

والآخر: أن تريد التفصيل والتنويع نحو قوله: وكنت كذي رجلتي: رجل صحيحة... ورجل رمى فيها الزمان فشلت ومن ذلك قول إسماعيل بن أبي الجهم، وقد قال له هشام بن عبد الملك: وما يجبر كسرك ويشفي ضرك؟ قال له إسماعيل: ألف دينار وألف دينار وألف دينار.
ثم ذكرا لكل ألف وجهاً يصرفه فيه، ماعدا هذين الموضعين فالتثنية أو الجمع، ولا يجوز العطف إلا في ضرورة" انتهي.
وما ذكره من التفصيل والتنويع في قوله: " وكنت كذي رجلين" فإن التثنية حاصلة بقوله: " كذي رجلين" وأما " رجل ورجل" - أعني هذا المعطوف عليه والمعطوف- فليس فيه عدل عن التثنية إلى العطف، إذ لا تجوز التثنية فيهما، إذ قد ثنيا قبل ذلك، وإنما هذا من باب البدل التفصيلي، وإنما جئ برجل ورجل توطئة لذكر صفتيهما، فليس هذا مما عدل فيه إلى العطف من التثنية لأجل التنويع والتفصيل كما زعم.
وأما تمثيل المصنف الفصل المقدر بقول الحجاج وقول الفرزدق فليس العدول عن التثنية لأجل الفصل المقدر، وإنما ذلك لأن فات شرط من شروط التثنية، وهو أن يكون المثنى نكرة، لأن الاسم لا يثنى حتى يكون نكرة فلما بقي هذان الاسمان على علميتهما ولم ينكرا، لم تجز التثنية وعلى هذا خرج أصحابنا كلام الحجاج والفرزدق.
وقال أبو عبد الله محمد بن هشام الفهري المروي في كتابه

"المقرب" في النحو في باب التثنية: وأصلها العطف وعدلوا عن الأصل إيجازاً ولم يلفظوا به إلا في الشعر ضرورة كقوله: ................ فقدانا مثل محمد ومحمد فصار في هذا ثلاثة أقوال: أحدها هذا.
والثاني: ما ذهب إليه أكثر أصحابنا أنه امتنع من التثنية لأنه باق على علميته.
والثالث: قول المصنف إنه عدل عن التثنية للعطف للفصل المقدر.

-[ص: والجمع جعل الاسم القابل دليل ما فوق اثنين، كما سبق بتغيير ظاهر أو مقدر وهو التكسير أو بزيادة في الآخر مقدر انفصالها لغير تعويض، وهو التصحيح]-

ش: قال المصنف في الشرح: " المعني به- أي: بالجعل- تجديد/ الناطق حالة للاسم لم يوضع عليها ابتداء، فبذلك تخرج أسماء الجموع ونحوها" انتهى.
يعني أن أسماء الجموع إنما هي بالوضع السماعي في كل اسم منها، ليست بجعل الجاعل ولكن المصنف احترز بذلك عن اسم الجمع.
ويرد عليه أنه يوجد التكسير بدون جعل الجاعل الاسم القابل إلى آخر ما شرط فيه، وذلك جمع المكسر الذي لم ينطق له بواحد، نحو عباديد وشماطيط ونباذير فإنها جموع تكسير وليس فيها جعل الاسم

القابل دليل ما فوق اثنين، لأن جعل الاسم يستدعي وجود الاسم، ولذلك قال بعض أصحابنا: جمع التكسير هو الاسم الواقع على جماعة إذا كان مبنياً على واحد من لفظه منطوق به أو مقدر وقد تغير فيه بناء ذلك الواحد لفظاً أو نية.
وقوله: القابل احتراز مما لا يجمع ومن ذلك كل اسم لا ثاني له في الوجود، والمعرفة التي لا يمكن تنكريها والمنى، والمجموع جمع سلامة، والمجموع جمع تكسير إلا ما شذ، والأسماء المختلفة الألفاظ إلا أن يغلب بعضها على بعض كألاشاعثة في الأشعث وقومه، والمهالبة في المهلب وبنيه، والأسماء المتفقة الألفاظ المختلفة المعاني، نحو أن تقول: رأيت أعيناً، تعني عين الماء والعضو الباصر وعين الميزان، والأسماء المركبة والاسم الجاري مجرى الفعل في رفعه الظاهر في اللغة الفصيحة، فلا يجوز: مررت برجل قائمين آباؤه، ولا: برجل مضربين غلمانه، إلا في لغة " أكلوني البراغيث" ولا جمع ما كان من الأسماء صالحاً لوقوعه على الجمع نحو أفعل من، وكل، والأسماء المختصة بالنفي، ولا الأسماء المستغنى عن جمعها بجمع غيرها، نحو أسماء العدد ماعدا مائة وألفاً.
وقوله: دليل ما فوق اثنين يعني أن أقل الجمع ثلاثة، واحترز بذلك مما لفظه لفظ الجمع، وليس بجمع في المعنى وهو على قسمين: أحدهما: معناه التثنية، وهو مقياس في كل شيئين من شيئين، نحو: قطعت رؤوس الكبشين وغير مقياس نحو قولهم: رجل عظيم المناكب، وامرأة عظيمة المآكم وضخمة الأوراك.

والثاني معناه الإفراد، وليس بمقياس، نحو قولهم: شابت مفارقه، وجمل ذو عثانين، وقول الشاعر: يطير الغلام الخف عن صهواته.......................... وكأنه جعل كل جزء من المفرق والعثنون والصهوة مفرقاً وعثنوناً وصهوة على طريق المبالغة في العظم.
وقوله: كما سبق إشارة إلى اتفاق اللفظ غالباً والمعنى على رأي والخلاف في جمع المشترك كالخلاف في تثنيته.
ومثال ما لم يتفق فيه اللفظ ما قدمناه من قولهم الأشاعثة والمهالبة والخبيبون في خبيب وأصحابه، وخبيب لقب عبد الله بن الزبير، ويروى: قدني من نصر الخبيبين قدي بكسر الباء على أنه جمع لخبيب وأصحابه وبفتحها على أنه تثنية لخبيب ومصعب أخيه، كما قالوا القمران في الشمس والقمر وغلب خبيب على مصعب لأنه كان الخليفة وأخوه مصعب نائب عنه.
وقوله: بتغير ظاهر التغيير يكون بزيادة كصنو وصنوان وبنقص كتخمة وتخم، وبتبدل شكل كأسد وأسد وبزيادة / وتبدل شكل كرجل ورجال، وينقص وتبدل شكل كقضيب وقضب، وبزيادة ونقص وتبدل شكل كقضيب وقضبان.

هذا تقسيم المصنف لهذا التغيير ولا تحرير فيه لأن قوله: " بزيادة كصنو وصنوان، وبنقص كتخمة وتخم" هو في التحقيق من زيادة وتبدل شكل، ونقص وتبدل شكل، لأن الحركات التي في الجمع غير الحركات التي في المفرد، ولذلك زعم أصحابنا أن حركات هجان المفرد غير حركات هجان الجمع، وكذلك فلك.
ففي التحقيق يكون في تقسيمه تداخلا.
وأصل هذا التقسيم للجرمي، قال: هذا التغيير ثلاثة أقسام: قسم فيه زيادة على الواحد كعبد وعباد، وقسم فيه نقص كرغيف ورغف، وقسم لا زيادة ولا نقص به، بل تتغير حركاته كأسد وأسد.
واعترضه الأستاذ أبو علي بأنه يقتضي أنه تغير الحركات ليس في الأولين.
وليس كذلك، ففي التقسيم تداخل وإصلاحه أن يقال في الثالث: وقسم لا زيادة فيه ولا نقص ثم نقول: وجميع هذه الأقسام لا بد فيه من تغيير الحركات.
والباء في قول المصنف "بتغيير" متعلقة بقوله: " دليل ما فوق اثنين"، قال المصنف: " فلا يتناول تغيير نحو مصطفين ومصطفيات، فإن مفرديهما مصطفى ومصطفاة، فقد غيرا إذا جمعا بحذف وقلب، إلا أن تغييرهما ليس هو المشعر بالجمعية بل المشعر بها الزيادة اللاحقة، إذ لو قدر انفرادهما ولا حذف ولا قلب لم تجهل الجمعية ولو قدر العكس لجهلت الجمعية، بخلاف تغيير رجل حين قيل فيه رجال، فإن الجمعية لا تدرك إلا

به" وقوله: أو مقدر مثال ذلك قولهم في جميع هجان: هجان، وفي جمع دلاص: دلاص، وفي جمع فلك: فلك، فالألف التي في هجان ودلاص قد حذفت وعقبتها ألف فعال التي للجمع، فالألف في حالة الإفراد كألف ضناك وكناز، وفي حالة الجمع كألف ظراف وكرام، والحركات كالحركات والحركات التي في فلك حالة الإفراد كالحركات التي في قفل، وفي حالة الجمع كالحركات التي في بدن.
قال المصنف: " هذا مذهب س، ودعاه إلى ذلك أنهم قالوا في تثنيته فلكان، فعلم بذلك أنهم لم يقصدوا به كما قصد بجنب ونحوه مما أشرك فيه بين الواحد وغيره حين قالوا: هذا جنب، وهذان جنب، وهؤلاء جنب، فالفارق عنده بين ما يقدر تغييره وبين مالا يقدر تغييره مما لفظه في الإفراد والجمع واحد، وجدان التثنية وعدمها" انتهى.
وقد اختار المصنف في باب أمثله الجمع أن فلكاً ونحوه مما استوي مفرده وجمعه في اللفظ- وإن ثني - اسم جمع مستغن عن تقدير

التغيير لا جمع تكسير مقدر تغييره.
والذي استدل له أصحابنا على أنها جموع تكسير لا أسماء جوع هو أن العرب عاملتها في التصغير معاملة الجوع، فردوها إلى الواحد، وجموعها بالألف والتاء: فقالوا: دليصات وهجينات وفلكيات، فلولا ذلك لوجب أن يعتقد فيها أنها أسماء جموع، لأن فعالا وفعالاً لم يطرد فيهما أن يجمعا على وزن لفظهما في حالة الإفراد.
وبهذا يرد على المصنف في زعمه أنها أسماء جموع لا جموع تكسير، لأن اسم الجمع إذا صغر إنما يصغر على لفظه نحو رجيل وركيب في رجل وركب.
وقوله: وهو التكسير يعني أن هذا الجمع الذي ذكره بهذه القيود يسمى جمع تكسير.
شبه تغيير المفرد عن بنيته إلى بنية أخرى وإفادته مما يدل عليه المفرد دلالة واحدة ثلاثة فأكثر أو ما أصله ذلك بكسر الإناء الذي تغير شكله، وتفككت أجزاءه وعاد إلى هيئة أخرى، وذلك بخلاف جمع السلامة.
وذهب الأستاذ أبو الحسين بن الطراوة إلى الرد على النحويين في زعمهم أنه إنما سمي تكسيرا تشبيها بكسر الإناء لو كان كما زعموا لما قبل فيه تكسير، لأن ذلك مصدر كسر، وفعل للتكثير وهذا التغيير الذي يكون في هذا الجمع قد يكون قليلاً كقولهم: فرس ورد وخيل ورد، ولا يطلق على هذا هذا البناء الذي يراد به المبالغة، ولذلك لا تقول: ذبحت الكبش، وتقول: ذبحت الغنم، لأن في هذا فعلا كثيراً، قلا يصح في ورد أن يقال إنه جمع تكسير، بل لو أرادوا هذا المعنى لقالوا: جمع كسر حتى يعم

التغيير القليل والكثير.
قال ابن الطراوة: وإنما اشتقاق التكسير في الجمع من قولهم: بيت كسير، أي: واسع: كأنه لسعته ذو كسور، وكسور جمع كسر وهو الجانب كقوله: وإذا الرياح تناوحت بجوانب البيت الكسير قال: وذلك أن بنية المفرد لما فكت اتسعت لقبول أبنية كثيرة وذلك أن زنداً بناؤه فعل، فلما أزيلت هذه البنية عند إيراد جمعه قبلت جميع الأبنية عدا فعلاً فصارت متسعة قابلة لجميع أبنية الأسماء الثلاثية.
قال الأستاذ أبو علي: هذا الذي قاله ابن الطراوة بعيد من جهة المعنى، فاسد من جهة اللفظ وذلك أن العرب لم تقل كسر بمعنى وسع، فكيف يصح أن يقال تكسير؟ والمصادر التي لا أفعال لها قليلة مع كونهم أيضاً لم يقوموا تكسير بمعنى توسيع، فيكون النحويون قد وضعوا لغة.
فإن قلت: أليس الاصطلاح وضع لغة لم يستعملها العرب؟ قلت: أكثر الاصطلاحات تنقل ألفاظ اللغة إلى معان تشبه المعاني التي وضعها لها أهل اللغة، ولذلك لا تجد في صناعة النحو لفظاً مخترعاً لم ينطق به أهل اللغة.
وأيضا فيكون قول النحويين تسمية بالأكثر إذ أكثر هذه الجموع التغيير فيها كثير، وما اعترض به قليل وإذا كان أهل اللغة والصنائع قد يسمون الأشياء بأوائلها كتسمية كتاب الحماسة والعين وغيرهما وإن كان المسمى ليس بالأكثر، فالتسمية بالأكثر وأولى يقال أيضا لابن

الطراوة: كما سميته تكسيراً تريد التوسيع لأنه عند فكه قبل جميع الأبنية، فسمه تكسيراً بالنسبة إلى قبوله جميع التغييرات، ويكون بناء التكثير فيه لهذا المعنى.
تقسيم لبعض أصحابنا في الاسم الواقع على الجمع: لا يخلو من أن يكون له واحد من لفظه منطوق به أو لا يكون.
إن لم يكن فإما أن يكون وزنه/ مختصاً بالجموع أو غير مختص.
إن اختص وجب أن يعتقد فيه أنه جمعه نحو عباديد وإن لم يختص كان اسم جمع نحو قوم.
وإن كان له واحد من لفظه فإما أن يكون وزنه كوزن ذلك الواحد أو لا يكون، فإن لم يكن فإما أن يكون وزنه من أوزان الجموع الخاصة بها، أو من أوزان المفرد الخاصة به، أو من الأوزان المشتركة.
فإن كان من أوزان الجموع الخاصة بها فهو جمع لذلك الواحد المنطوق به إن كان ذلك الواحد مطرداً فيه أن يجمع على ذلك الوزن نحو دراهم، وإن كان لم يطرد اعتقد أنه جمع لمفرد من لفظه قياسه أن يجمع على ذلك الوزن، نحو ملامح ولا يجعل جمعاً للمحة ولكن لمفرد على وزن مفعلة نحو ملمحة.
وإن كان من أوزان المفرد الخاصة به فاسم جمع نحو رجل ورجلة وصاحب وصحابة.
وإن كان وزنه مشتركاً فإما أن يكون جمع ذلك المفرد على ذلك الوزن مطرداً أو.
إن كان مطرداً جعل جمعاً له نحو رجل ورجال، وإن لم يطرد كان اسم جمع نحو صاحب وصحابة، لأن فاعلاً لم يطرد جمعه على فعالة.
وإن كان وزن الاسم الواقع على الجمع كوزن ذلك المفرد الذي هو من لفظه فإما أن تجوز تثنيته أو لا تجوز، إن لم تحز لم يكن جمع تكسير، بل يجب أن يعتقد فيه أنه مصدر في الأصل أوقع على الجثة فبقى على مفرده في جميع الأحوال إجراء له مجرى ما نقل عنه، نحو زور وعدل.
وإن جازت تثنيته فإما أن يكون له وزن من

أوزان الجموع أو لا يكون، إن لم يكن اعتقد أنه اسم جمع نحو حشم، تقول: هو حشم لي، وهما حشمان لي، وهم حشم لي، وإن كان له وزن من أوزانه الجمعية وجب أن يعتقد أنه اسم جمع لعدم اطراد جمع المفرد على لفظه، إلا أن يقوم الدليل على أنه جمع، فيعتقد فيه الجمعية، نحو فلك ودلاص وهجان، فإنها جمع لفلك ودلاص وهجان.
وقوله: أو بزيادة في الآخر هذه الزيادة هي الواو والياء والنون والألف والتاء.
وقوله: مقدر انفصالها قال المصنف في الشرح: "احتراز من زيادة صنوان فإنها كزيادة في سلامة النظم معها إلا أن زيادة زيدين مقدرة الانفصال لوجهين: أحدهما: أنه نونه تسقط للإضافة.
والثاني: أنه لو سمي به، ونسب إليه حذفت المدة والنون وزيادة صنوان ونحوه بخلاف ذلك" انتهى كلامه في شرح هذا.
وهو غير محرر ولا محقق لأن الحركات التي في الجمع ليست عين الحركات التي في المفرد، بل هي غيرها، فليس صنوان أصله صنو زيد عليه ألف نون.
وقد رد هو - أعني المصنف- على من زعم أن رفع المثنى والمجموع على حده بلا علامة، وأن ترك العلامة علامة، بوجوه: منها قوله: " إنا نقدر مغايرة الألف والواو في نحو: عندي اثنان وعشرون للألف والواو فيهما قبل التركيب، كما نقدر مغايرة الألف والواو والياء في: نعم الزيدان أنتما يا زيدان، ونعم الزيدون أنتم يا زيدون، ومررت برجلين لا رجلين مثلهما".
ثم ذكر أمثلة مما يقدر فيه كمغايرة الحركات، ثم قال: " وكما نقدر ضمة فلك في الجمع غير ضمته في الإفراد وياء بخاتي/ مسمى به غير يائه منسوباً إليه، ولذا صرف في النسب".
قال: " وأمثال ذلك كثيرة"

وإذا كان المصنف قد قدر مغايرة الحروف على حسب ما وقعت في الأماكن المختلفة.
وقدر مغايرة الحركات، فكذلك تقول في هذا إن حركات صنوان الجمع غير حركات صنو المفرد، وإذا كان كذلك فلا يحتاج إلى احتراز بقوله: " مقدر انفصالها" عن الألف والنون في صنوان، لأن الحركات التي لجمع التكسير غير الحركات التي في المفرد، وليس كذلك الجعفرون والهندات ولا يعتقد أن الحركات فيهما حين جمعا غير الحركات التي في المفرد.
وقوله: لغير تعويض قال المصنف في الشرح: " احتراز من سنين ونحوه، فإنه جمع تكسير جرى في الإعراب مجرى جمع التصحيح ومعنى التعويض فيه أن واحدة منقوص يستحق أن يجبر بتكسير كما جبر يد ودم حين قيل فيهما: يدي ودمي فزيد آخره زيادتا جمع التصحيح عوضاً من الجبر الفائت بعدم التكسير، لأنهما يجعلانه شبيهاً بفعول لو كسر عليه، ولكون هذا النوع مكسراً في الحكم غير فاؤه غالباً فقيل في سنة: سنون بكسر السين وقد روي ضمها" انتهى كلامه.
فأما قوله في سنين: " إنه جمع تكسير جرى في الإعراب مجرى جمع التصحيح" فهذا غريب جداً، لأنه من حيث هو جمع تكسير ينبغي أن يكون إعرابه بالحركات وجعله إياه جمع تكسير يعارض قوله بعد ذلك "فزيد آخره زيادتا جمع التصحيح عوضاً من الجبر الفائت لعدم التكسير" فقد حكم عليه أنه عادم التكسير فكيف يكون جمع تكسير عادماً للتكسير؟ هذا متناقض.
ثم قال بعد ذلك: " ولكون هذا النوع مكسراً في الحكم غير فاؤه" فخرج بقوله:

"مكسراً في الحكم" أن يكون جمع تكسير إلا في الحكم، وهذا كله اضطراب في الكلام.
وذكر الأستاذ أبو جعفر ابن الأستاذ أبي الحسن بن الباش أن مذهب س أن سنين جمع سنة بالواو والنون كثبين وقلين ورئتين، وهذا شيء قد كثر في الأسماء المحذوفة اللام المؤنثة بالهاء، أعني أن تجمع بالواو والنون، لأن هذه الجمع له مزية وبابه ما يعقل، فجعل في هذا الباب عوضاً من لام الفعل المحذوفة.
وذهب بعض أصحابنا إلى أن سنين اسم جمع، وليس بجمع سلامة لتغير لفظ سنة، ولا جمع تكسير لكونه غير مطرد في نظائره نحو هنة وشفة، أترى أنهما لا يجمعان بالواو والنون فهو- وإن كان له واحد من لفظه- اسم جمع كركب في مذهبنا، ألا ترى أنه اسم جمع وإن كان واحده راكباً لكونه لم يطرد أعنى جمع فاعل على فعل.
والذي أذهب إليه أن سنيناً وبابه مما شاع فيه هذا الجمع مما لم يكسر أنه جمع سلامة وإن كان قد فاته بعض شروط ما ينقاس فيه جمع السلامة في المذكر، ولا يدل فوات شرط منها على أنها ليست بجمع تصحيح ولذلك لا ينقاس هذا الجمع فيما أشبه سنة لأنه فات شرط من شروط قياسه.
وأما تغيير حركة سين سنة إلى الكسر أو الضم فحمل على أخواته مثل ثب وقلة حيث قالوا ثبوت جرياً على أصل الحركة، وثبوت إتباعاً لحركة الثاء

لحركة الباء، ولا يضر ذلك بكونه جمع/ جمع سلامة التصحيح في المذكر، كما لا يضر تغيير بعض الحركات في جفنات وحجرات بفتح الفاء وفتح الجيم وضمها.
وقوله: وهو التصحيح يشمل نوعي الجمع في المذكر والمؤنث، ولا يعني بقوله: " بزيادة" أنها زيادة واحدة، لأن المزيد في المذكر واو ونون في الرفع، وياء ونون في الجر والنصب، والمزيد في المؤنث ألف وتاء

-[ص: فالمزيد في الرفع واو بعد ضمه، وفي الجر والنصب ياء بعد كسرة، تليهما نون مفتوحة، تكسر ضرورة وتسقط للإضافة أو لضرورة أو لتقصير صلة، وربما سقطت اختياراً قبل لام ساكنة غالباً.]-

ش: يعني بقوله: بعد ضمة ظاهرة أو مقدرة فالظاهرة نحو: قام الزيدون والمقدرة في المقصور نحو: قام المصطفون، فالضمة مقدرة في الألف المحذوفة لالتقائها مع الساكن بعدها.
وقوله: بعد كسرة يعني أيضا ظاهرة نحو: رأيت الزيدين، ومررت بالزيدين أو مقدرة نحو: رأيت المصطفين ومررت بالمصطفين، فالكسرة مقدرة في الألف المحذوفة.
وشمل قوله: " واو بعد ضمة" " وياء بعد كسرة" حلول الضمة والكسرة في آخر الاسم، وحلولها فيما تنزل منزلة الآخر وإن لم يكن آخراً حقيقة، نحو: قام القاضون ورأيت القاضين ومررت بالقاضين، إذ الأصل: قام القاضيون ورأيت القاضيين ومررت بالقاضيين.
وقوله: تليهما نون مفتوحة أي: تلي الواو والياء.

وقوله: تكسر ضرورة قال المصنف في الشرح: " كان السكون أحق بها لأنها بمنزلة التنوين في كونها مسبوقة بالإعراب فحركت لالتقاء الساكنين، وكان الفتح أولى لأنه أخف، ولأن توالي الأمثال لازم للكسر بعد الياء وللضم بعد الواو، وذلك في الفتح مأمون، فتعين ومثال كسرها ضرورة قول الشاعر: عرين من عرينه ليس منا... برئت إلى عرينه من عرين عرفنا جعفر وبني عبيد... وأنكرنا زعانف آخرين" انتهى.
وإنما قال إن السكون أحق بها من قبل أن أصل الحرف السكون، فينبغي أن يحمل على أصله، وأن يدعى أن هذه النون ساكنة في الأصل وأنشد بعض أصحابنا قبل قوله: " عرفنا جعفر" البيت قول جرير: أتوعدني وراء بني رياح... كذبت لتقصرن يداك دوني عرفنا جعفر وبني رياح... وأنكرنا زعانف آخرين وقال: " هكذا أنشده أبو عبيدة بكسر النون في " المجاز" له".

وقال بعض النحويين: من العرب من يكسر نون الجميع على الأصل وقال الشاعر: وماذا يدري الشعراء مني... وقد جاوزت حد الأربعين أخو خمسين، مجتمع أشدي ونجدني مداورة الشؤون وقال الفرزدق: ما سد حي ولا ميت مسدهما... إلا الخلائف من بعد النبيين وما ذكره المصنف من أن هذا الجمع يكون بالواو في الرفع والياء في الجر النصب ونون/ بعدهما هو الوجه المختار في هذا الجمع.
ومن العرب من يجعل الإعراب في النون في جمع المذكر السالم، وينقله من الإعراب بالحروف إلى الإعراب بالحركات في المنقوص وغير المنقوص.
فيقول: زيدين وسنين وقنسرين.
واختلفوا في ذلك: فذكر الأستاذ أبو جعفر ابن الإمام أبي الحسن بن الباش ما نصه: وللعرب في المجموع بالعلامة مذهبان: أحدهما هذا الذي ذكرناه من الإعراب بالحروف.
والآخر نقله من الإعراب بالحروف إلى الإعراب بالحركات.
وقال بعض أصحابنا: " ومن العرب من يجعل الإعراب في النون من جمع المذكر السالم إلا أن ذلك لا يحفظ إلا في الشعر".
فظاهر هذا

مخالف لما ذكره الأستاذ أبو جعفر، إذ هذا خصه بالشعر، وظاهر قول أبي جعفر أنة مذهب للعرب لا يختص بالشعر، وعلى هذا حمل المبرد الأبيات التي أنشدت قبل بكسر نون الجمع لا على الضرورة.
وفي البسيط: " المجموع بالواو والنون ضربان: حقيقي: وهو ما كانت الواو والنون جئ بهما للجمع كزيدون وعمرون.
وغير حقيقي: ما لم يكن كذلك نحو بنون لما حذفت منه اللام جمع الواو والنون ليكون عوضاً وحمل عليه أرضون وحمل على أرضين أحرون وإورون.
وهذا الجمع غير الحقيق قد تجعل نونه موضع الإعراب، نحو.
.............. فإن سنينه.............................. ولقد ولدت بنين صدق سادة................................ و" ........................ حد الأربعين وقبل النون الياء.
ومن أجاز إثبات الواو هنا قياساً على زيتون فهو بعيد من جهة القياس" انتهى ملخصاً.

فأما قول الشاعر: رب حي عرندس ذي ظلال... لا يزالون ضاربين القباب فيحتمل تخريجه وجوهاً: أحدها أنه على هذا المذهب من جعل إعرابه بالحركات، ولذلك لم تحذف النون للإضافة.
والثاني أن يكون على حذف "ضاربي" أي: ضاربي القباب، وحذف " ضاربي" لدلالة ضاربين عليه، فصار نظير قول الشاعر: رحم الله أعظماً دفنوها... بسجستان طلحة الطلحات يريد: أعظم طلحة.
والثالث ما ذهب إليه أبو علي في تخريجه، وهو أن القباب منصوب بضاربين، ويريد ألقبابي، فألحق الجمع ياء النسبة، ثم حذف إحدى الياءين، ثم أسكن الياء الباقية لما كان الاسم في موضع نصب كما قال: كفى بالناي من أسماء كاف..................... يريد: كافياً ولما نسب إلى الجمع جعل ياء النسبة غير معتد به،

فلذلك لم يرد القباب إلى المفرد كما جاء في شعر الشماخ: خضرانيات.
فلم يرد خضران إلى الواحد.
ومن مجيء ياء النسب زائدة في الاسم قول ابن أحمر: كم دون بيتي من تنوفية... لماعة تنذر فيها النذر وقوله: وتسقطا للإضافة سقوطها للإضافة كثير، كقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ وقوله: / أو للضرورة مثاله قول الشاعر: لو كنتم منجدي حين استعنتكم... لم تعدموا ساعداً مني ولا عضدا وقول الشاعر: ولسنا إذا تأبون سلما يمذعني... لكم غير أنا إن نسالم نسالم وقوله: ولتقصير صلة مثاله في صلة الألف واللام قراءة الحسن وبعض رواة أبي عمرو ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ﴾ بالنصب في (الصلاة) وقول الشاعر:

الحافظو عورة العشيرة لا... يأتيهم من ورائهم وكف وقول الآخر: قتلنا ناجياً بقتيل عمرو... وخير ألطالبي الترة الغشوم أنشده ابن جني بنصب الترة.
وأنشد المصنف على جواز حذف النون من " الذين" لتقصير صلة قول الشاعر: وإن الذي حانت يفلج دماءهم... هم القوم كل القوم يا أم خالد يريد: الذين.
وهكذا أنشده غيره.
ولا حجة فيه لأنه يحتمل أن يريد بقوله: " الذي" صفة لجمع محذوف يوصف بالذي، كأن قال: وإن الجمع الذي، أو: وإن الحي الذي، فأفرد بالنسبة إلى كون لفظ الجمع أو الحي مفرداً وجمع في قوله: " دماؤهم" حملاً على معنى الجمع أو الحي ومع هذا الاحتمال فلا حجة فيما ذكروه.
وقد حالف المصنف قوله هنا إن النون من قوله: " وإن الذي حانت"

حذفت لتقصير الصلة بقوله في باب الموصول في التسهيل، فقال ما نصه: " وإن عني بالذي من يعلم أو شبهه فجمعه الذين مطلقاً ويغني عنه الذي في غير تخصيص كثيراً وفيه للضرورة قليلاً" انتهى.
وقال المصنف في شرح هذا الكلام: " إذا لم يقصد بالذي تخصص جاز أن يعبر به عن جمع جملاً على من، قال: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾، فلو لم يرد به الجمع لما أشير إليه بـ"أولئك"، ولا عاد عليه ضمير جمع ومنه ﴿كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ لأنه ضرب به مثل لجمع.
فإن قصد بالذي تخصص فلا بد من " اللذين" في التثنية و"الذين" في الجمع ما لم يضطر شاعر، نحو قوله: أبني كليب إن عمي اللذا........................... وقوله: وإن الذي حانت يفلج دماؤهم............................. انتهى.
وكان قد قدم أيضاً في الاستدلال على حذف النون لتقصير الصلة قوله: أبني كليب إن عمي اللذا.........................

جارٍ التحميل