الثاني لوجوب الإضمار في "عسى" وبروزه في التثنية والجمع، إلا على مذهب الكسائي، وهو باطل لما نبينه في بابه.
وقوله لكن التزم كون خبرها مضارعًا مجردًا مع هلهل وما قبلها إنما كان مضارعًا مجردًا من "أن" لأنها للأخذ في الفعل، فخبره في المعنى حال، فلذلك جعلوا في موضع خبره فعل الحال.
وقوله مقرونًا بأن مع أولى وما بعدها الذي بعدها هو عسى وحري واخلولق.
قال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: الذي لمقاربة الفعل في الرجاء نحو عسى ويوشك خبره متراخ بدليل أنك تقول: عسى زيد أن يحج العام الآتي، ويوشك أن يفعل ذلك العام القابل، فهذا النوع خبر مستقبل، فلذا جعلوا في موضع خبره الفعل المنصوب بأن لأنها تخلصه للاستقبال.
ويمكن أن يكون السبب/ في ذلك أن المعنى: خليق وجدير، فكما يقولون: خليق أن يفعل، وجدير أن يفعل، قالوا: عسى زيد أن يفعل.
وقوله بالوجهين مع البواقي هن: كاد وكرب وأوشك.
قال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: "هذا النوع الذي هو لمقاربة ذات الفعل، نحو: كاد زيد يفعل، جعلوا فعل الحال في موضع خبره في فصيح الكلام لمقاربته للحال إجراء له مجرى ما قاربه، ولما قصدوا المناسبة بين الأفعال المقاربة وأخبارها، وكانت المناسبة لا تحصل إلا بالفعل لا بالاسم، عدلوا لذلك عن أن يجعلوا أخبارها الأسماء إلا في ضرورة منبهة على الأصل" انتهى.
وظاهر كلام المصنف أن كاد وكرب وأوشك تستعمل أخبارها مقرونة بأن وغير مقرونة.
واستدل المصنف على دخول "أن" في خبر" كاد" بما جاء في حديث عمر "ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت الشمس
تغرب"، ويقول الشاعر:
أبيتم قبول السلم منا، فكدتم لدى الحرب أن تغنوا السيوف عن السل
واستدل على جواز دخول "أن" في خبر "كرب" بقول الشاعر:
قد برت، أو كربت أن تبورا لما رأيت بيهسا مثبورا
وبقول الآخر:
سقاها ذوو الأحلام سجلًا على الظما وقد كربت أعناقها أن تقطعا
وقوله والتجريد مع كاد وكرب أعرف يعني: وتجريد المضارع الواقع خبرًا لهما من "أن" أعرف من اقترانه بها.
أما اقترانه بها معهما فهو عند أصحابنا من باب الضرورة، لا يقع في الكلام، خلافًا للمصنف، وأنشدوا على الضرورة:
قد كاد من طول البلى أن يمصحا
وقول الآخر:
كادت النفس أن تفيظ عليه إذ ثوى حشو ريطة وبرود
قالوا: استعمل "أن" في خبر "كاد" في الضرورة تشبيهًا بعسى.
وأنشدوا في كرب:
.................................... وقد كربت أعناقها أن تقطع
ولم يذكر س اقتران خبر كرب ب"أن".
ويقال كرب بفتح الراء، وهو الأفصح، وكرب بالكسر.
ومما جاء فيه خبر "كرب" على الفصيح بغير "أن" قول الشاعر:
وما أنت أم ما رسوم الديار وستوك قد كربت تكمل
وقول ابن أبي ربيعة:
ولا تحرمي نفسًا عليك مضيقة وقد كربت من شدة الوجد تطلع
/وقول الآخر:
كرب القلب من جواه يذوب حين قال الوشاة: هند غضوب قوله ومع أوشك وعسى بالعكس يعني أن هذين الأعرف استعمال المضارع معهما بأن، قال المصنف: خبر أوشك بأن كثير، نحو قوله: ولو سئل الناس التراب لأوشكوا إذا قيل: هاتوا، أن يملوا ويمنعوا وأنشد غيره: إذا المرء لم يغش الكريهة أوشكت حبال الهوينى بالفتى أن تقطعا قال المصنف: وبدونها قليل، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "يوشك الرجل متكئًا على أريكته، يحدث بحديث من حديثي، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله"، وأنشد: يوشك من فر من منيته في بعض غراته يوافقها
وأما "عسى" فذهب جمهور البصريين إلى أن حذف "أن" من خبرها لا يكون إلا في الضرورة، قال أبو علي الفارسي: "وربما اضطر الشاعر، فحذف "أن" من خبر" عسى" تشبيهًا لها بكاد، كما شبه كاد بعسى، قال الشاعر:
عسى الكرب الذي أمسيت فيه يكون وراءه فرج قريب"
وأنشد س:
عسى الله يغني عن بلاد ابن قادر بمنهمر جون الرباب سكوب
وقال آخر:
وماذا عسى الحجاج يبلغ جهده إذا نحن جاوزنا حفير زياد
وقال أبو علي في التذكرة: "إن دخول أن في خبر عسى هو الأكثر، ولا يلزم، وتقول: "عسى زيد يقوم" في الكلام.
وظاهر كلام س أن استعمال خبر عسى بغير أن جائز في الكلام لأنه قال: "واعلم أن من العرب من يقول: عسى يفعل، تشبيهًا بكاد يفعل".
فأطلق القول، ولم يقيد ذلك بالشعر".
قال ابن عصفور: "وينبغي أن لا يحمل كلامه على عمومه لأنها لم تحفظ بغير أن إلا في ضرورة" انتهى.
وزعم أبو القاسم الزجاجي أن "قارب" مما الأجود فيه أن يستعمل بأن.
ورد عليه وعلى من أدخلها في أفعال المقاربة بأنها لا تستعمل إلا بأن، وليست من هذا الباب لأنها ليست داخلة على المبتدأ والخبر بدليل مجيء مفعولها اسمًا في فصيح الكلام، تقول: قارب زيد القيام.
قال بعض أصحابنا: /"وكذلك اخلولق".
يعني أنها مثل "قارب" ليست من هذا الباب.
وأما "دنا" فذكر س اقتران الفعل بأن في قولهم: دنوت أن تفعل.
وأما "ألم" فجاء في الحديث "لولا أنه شيء قضاه الله لألم أن يذهب بصره"، وفي الحديث أيضًا: "إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطًا أو يلم" يريد: أو يلم أن يقتل.
وقد تُعَوَّض السين من "أن" في خبر "عسى"، قال الشاعر:
عسى طيئ من طيئ بعد هذه ستطفئ غلات الكلى والجوانح
وفي البسيط: ولم توضع مكانها -يعني مكان أن- سوف، وتقرب منها السين.
وقد تدخل الباء على خبر أوشك المقرون بأن، قال:
أعاذل، توشكين بأن تريني صريعًا، لا أزور، ولا أزار
-[ص: وربما جاء خبراهما مفردين منصوبين، وخبر "جعل" جملة اسمية، أو فعلية مصدرة بإذا أو كلما، وندر إسنادها إلى ضمير الشأن ودخول النفي عليها.
وليس المقرون بأن خبرًا عن س. ولا يتقدم هنا الخبر، وقد يوسط، وقد يحذف إن علم.
ولا يخلو الاسم من الاختصاص غالبًا.
ويسند أوشك وعسى واخلولق ل"أن يفعل"، فيغني عن الخبر، ولا يختلف لفظ المسند لاختلاف ما قبله، فإن أسند إلى ضميره اسمًا أو فاعلًا طابق صاحبه معها كما يطابق مع غيرها.]-
ش: ظاهر قوله " خبراهما" أن يعود الضمير إلى أقرب مذكور، وهو عسى وأوشك، لكن المصنف بين في الشرح أنه يريد خبر كاد
وعسى، وأنشد في كاد:
فأبت إلى فهم، وما كدت آيبا وكم مثلها فارقتها، وهي تصفر
وفي عسى:
أكثرت في العذل ملحًا دائمًا لا تلحني، إني عسيت صائما
وهذا تنبيه على الأصل لئلا يجهل.
وقالت العرب: "عسى الغوير أبؤسا"، فأبؤس منصوب على أنه خبر "عسى" عند س والبصريين، وهو على حذف مضاف، أي: ذا أبؤس.
وقال ابن كيسان: أبؤسا مصدر، والتقدير: أن يبأس.
قال مصعب بن أبي بكر الخشني: وهذا حسن.
ونظره بقوله ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا﴾.
وقال الكسائي: أبؤسا خبر "يكون" مضمرة، التقدير: أن يكون.
وفي هذين التقديرين حذف مضاف، أي: أهل.
وقال أبو عبيد: "التقدير: أن يأتي بأبؤس".
وفي هذين القولين حذف "أن" وصلتها، وقد منع ذلك س والأكثرون.
وقيل: هي في هذا المثل بمعنى "صار" لأنه أخبر بالمصدر، ولا يكون في الرجاء.
وقال أبو عمر الزاهد: "قال أبو العباس -يعني أحمد/ بن يحيي-: كلام العرب كله: عسى زيد قائم، فتجعل زيدًا مبتدأ وقائمًا خبره، ومن العرب من يجعلها في معنى كان، فيقول: عسى زيد قائمًا ولهذه العلة جاء الخبر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال للرجل الذي وجد منبوذًا: عسى الغوير أبؤسا: انتهى.
فظاهر هذا النقل عن أحمد بن يحيي أنه يجوز: عسى زيد قائم، بالرفع، وأنه كلام العرب، ولا يكون لعسى عمل البتة، وهذا شيء لا يعرفه البصريون.
وظاهر كلامه أيضًا أنه يجوز: عسى زيد قائمًا، ولذلك أثبتها لغة للعرب لا ضرورة ولا نادرًا.
وهذا أيضًا مخالف لرأي البصريين، ولو كان كما زعم أحمد بن يحيي من رفع الاسمين بعد عسى وأنه كلاه العرب لكان ذلك ثابتًا في نثرهم ونظمهم، ولا نحفظه جاء من كلامهم.
وقد جاء المصدر بعد "أوشك" مغنيًا عن "أن" والفعل، قال الشاعر:
لأوشك صرف الدهر تفريق بيننا ولا يستقيم الدهر، والدهر أعوج
التقدير: لأوشك صرف الدهر أن يفرق بيننا.
وقوله وخبر جعل جملة اسمية مثاله قول الشاعر:
وقد جعلت قلوص بني سهيل من الأكوار مرتعها قريب
وقوله أو فعلية مصدرة بإذا قال المصنف: "كقول ابن عباس: فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا".
وقوله أو كلما، وندر إسنادها إلى ضمير الشأن ودخول النفي عليها سقط هذا من بعض النسخ، وثبت في بعضها مكان "وندر إسنادها إلى ضمير الشأن": "وندور إسنادها إلى ضمير"، ولم يشرح المصنف شيئًا من هذا الكلام.
وقوله وليس المقرون بأن خبرًا عند س قال المصنف: "ليس المقرون بأن في هذا الباب عن س خبرًا، بل هو منصوب بإسقاط حرف
الجر أو بتضمين الفعل معنى قارب، قال س: "وتقول: عست أن تفعل، فأن هنا بمنزلتها في قولك: قاربت أن تفعل، أي: قاربت ذلك، وبمنزلة: دنوت أن تفعل.
واخلولقت السماء أن تمطر، أي: لن تمطر، وعسيت بمنزلة اخلولقت السماء.
ولا يستعمل المصدر هنا كما لم يستعمل الاسم الذي الفعل في موضعه في قولك: بذي تسلم" هذا نصه" انتهى.
وقال أيضًا: "والوجه عندي أن تجعل عسى ناقصة أبدًا، فإذا أسندت إلى أن والفعل وجه بما يوجه وقوع حسب عليهما في نحو: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا﴾، فكما لم تخرج حسب بهذا عن أصلها لا تخرج عسى عن أصلها بمثل: ﴿وعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾، بل يقال في الموضعين: سدت/ أن والفعل مسد الجزأين.
ويوجه نحو: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَن يَاتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ بأن المرفوع اسم عسى، وأن والفعل بدل، سد مسد جزأي الإسناد، كما كان يسد مسدهما لو لم يوجد المبدل منه، فإن البدل في حكم الاستقلال في أكثر الكلام، ومثله قراءة حمزة: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لُهُمْ﴾ بالخطاب على دعل أن بدلًا من ﴿الَّذِينَ﴾ وسدها مسد المفعولين في البدلية، كما سدت مسدهما في قراءة الباقين ﴿ولا يَحْسَبَنَّ﴾ بالياء على جعل ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فاعلًا.
ومثله: "حتى رئينا أنه لا حق لأحد منا في فضل" على رواية من رواه بالفتح في صحيح مسلم" انتهى.
ونقول: ما كان غير مقرون بأن فلا خلاف فيه أن الفعل فيه داخل على المبتدأ والخبر.
وإن كان مقرونًا بأن فثلاثة مذاهب.
أحدها: أنه مفعول، وهو مذهب المبرد وظاهر كلام الزجاج، ونسبه المصنف إلى س.
والثاني: أنه في موضع الخبر لهذا الأفعال، وموضعه نصب إذ أصله المبتدأ والخبر، وعملت عمل كان، وصححه الأستاذ أبو الحسن بن عصفور، وهو مذهب الجمهور.
والثالث: ما اختاره المصنف أنه في موضع رفع على البدل من المرفوع قبله بدل اشتمال، وما قبله فاعل، وهذا مذهب الكوفيين.
فأما المذهب الأول فاستدل له أبو العباس بأن "أن" وما بعدها تتقدر بالمصدر، والمصادر لا تكون أخبارًا عن الجثث، فثبت أنها في موضع المفعول.
وأجيب عن هذا بأن "أن" هنا مع ما بعدها لا تتقدر بالمصدر لأنها إنما أتى بها لتدل على أن في الفعل تراخيًا، ونظير ذلك مجيئهم بأن في خبر لعل، ومنه قوله عليه السلام: "لعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من بعض"،
وقول الشاعر:
لعلهما أن تبغيا لك حيلة..............................
ولعل -بإجماع- من الحروف الداخلة على المبتدأ والخبر، فكما لا يتقدر الفعل المقرون بأن بعدها بالمصدر، فكذلك في عسى وأخواتها.
واستدل لمذهب الجمهور بأنه في موضع نصب على الخبر بأنهم لما ردوه إلى الأصل نطقوا باسم الفاعل، ولم ينطقوا بالمصدر، مثل قولهم:
لا تلحني، إني عسيت صائما
ومن أصحاب هذا المذهب من زعم أن "أن" والفعل في هذا الباب تتقدر بالمصدر، وقال: جاز هنا أن يخبر بأن والفعل وليس بالاسم لأن المصدر قد يخبر به عن الاسم غير المصدر على جهة المجاز، نحو قولهم: زيد عدل ورضا، ومنه:
......................... فإنما هي إقبال وإدبار
فكما يخبر عن الاسم الذي ليس بمصدر بالمصدر، فكذلك يخبر عنه بما كان في تأويله، ومن/ ذلك قوله تعالى: {ومَا كَانَ هَذَا القُرْآنُ أَن يُفْتَرَى
مِن دُونِ اللَّهِ} أي: افتراء.
قال: ومن ذلك:
لعلك يومًا أن تلم ملمة....................................
وقول الآخر:
لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللحى...................................
وأبطل مذهب الكوفيين بأنه لا يسوغ ذلك لأنه إبدال قبل تمام الكلام، والبدل لا يأتي كذلك؛ ألا ترى أن البدل إذا أخرج من الكلام كان ما بقى كلامًا تامًا، نحو: أعجبني عبد الله فهمه، لو قلت "أعجبني عبد الله" كان كلامًا مستقلًا، ولو قلت "عسى زيد" لم يكن كلامًا مستقلًا.
فإن قلت: البدل قد يجيء قبل تمام الكلام بدليل قوله:
لسان السوء تهديها إلينا وحنت، وما حسبتك أن تحينا
فأن تحينا: بدل من الكاف، وإن كان لا يستقل "وما حسبتك" دون البدل.
فالجواب أنه ليس ببدل اشتمال كما ذهب إليه ابن كيسان وبعضُ
الكوفيين، بل هو في موضع مفعول ثان وإن كان ليس الأول في المعنى؛ لأنه قد يخبر بالمصدر، وهذا في تأويله، فكما جاز الإخبار بالمصدر عن الجثة، فكذلك يخبر بأن والفعل.
وأما قراءة حمزة التي ذكرها المصنف فتتخرج على حذف المفعول الثاني لـ ﴿تَحْسَبَنَّ﴾ لفهم المعنى، وهو جائز على قلة، وفيها تأويلات ذكرناها في كتابنا في تفسير القرآن، وهو المسمى بالبحر المحيط.
وقوله ولا يتقدم هنا الخبر لا تقول في طفقت أفعل: أفعل طفقت، ولا في عسى زيد أن يقوم: أن يقوه عسى زيد.
قال المصنف: "والسبب في ذلك أن أخبار هذه الأفعال خالفت أصلها بلزوم كونها أفعالًا، فلو قدمت لازدادت مخالفتها الأصل.
وأيضًا فإنها أفعال ضعيفة لا تصرف لها؛ إذ لا ترد إلا بلفظ الماضر إلا كاد وأوشك، فإن المضارع منهما مستعمل، فلهن حال ضعف بالنسبة إلى الأفعال الكاملة التصرف، وحال قوة بالنسبة إلى الحروف، فلم تتقدم أخبارها لتفضلها كان وأخواتها".
وفي البسيط: "لا يجوز تقديم أخبار أفعال المقاربة عليها اتفاقًا".
وقوله وقد يوسط قال المصنف: "أجيز توسيطها تفضيلًا لها على إن وأخواتها، فيقال: طفق يصليان الزيدان، وكاد يطيرون المهزومون".
وقد أطلق المصنف في قوله: "وقد يوسط"، وهو إذا كان خبر عسى وأخواتها مما فيه "أن" نحو: عسى زيد أن يقون، في جواز توسيطه خلاف:
ذهب المبرد وأبو سعيد السيرافي في كتاب "الإقناع" وأبو علي الفارسي إلى جوزا توسيطه.
وصححه الأستاذ أبو الحين بن عصفور، فأجازوا أن تقول: عسى أن يقوم زيد، على أن يكون "أن يقوم" خبرًا لعسى، وزيد: اسم عسى.
منهم من منع ذلك، وإلى المنع ذهب الأستاذ أبو علي، وزعم أنه لا يجوز في "عسى أن يذهب عمرو" وأشباهه إلا أن يكون "عمرو" فاعلًا بيذهب.
والذي يجيز تقديمه يجيز هذا الوجه الأخير، وتسد "أن" مع صلتها في ذلك مسد الاسم والخبر، كما سدت مع صلتها مسد مفعولي ظننت في قولك: ظننت أن يقوم زيد.
ومن هذا الوجه قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾، ولا يجوز أن يكون ﴿أَنْ يَبْعَثَكَ﴾ في موضع خبر ﴿عَسَى﴾، و ﴿رَبُّكَ﴾ اسم ﴿عَسَى﴾ لئلا يفصل بين ﴿أَنْ يَبْعَثَكَ﴾ وبين ﴿مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ بـ ﴿رَبُّكَ﴾، وهو أجنبي من ﴿يَبْعَثَكَ﴾ لأنه مرفوع بعسى.
وتظهر ثمرة الخلاف في التثنية والجمع، فعلى مذهب الجواز تقول: عسى أن يقوما أخواك، وعسى أن يقوموا أخوتك، وعسى أن يخرجن الهندات؛ لأنه خبر، والنية به التأخير.
وعلى مذهب من منع يحتم رفع ما بعد "أن يفعل" بالفعل، فلا يكون ضمير، فتقول: عسى أن يقوم أخوالك، وعسى أن يقوم اخوتك، وعسى أن تقوم الهندات.
وعلل الأستاذ أبو علي منع تقديم الخبر على الاسم بأن "عسى" فعل
غيرُ متصرف، فلا يجوز تقديم خبره على اسمه لذلك.
ورد عليه بليس، فإنها غير متصرفة، ويتوسط خبرها.
والحق أنه يحتاج في جواز توسيط الخبر على سماع من العرب، ولا يظهر ذلك إلا بأن يسمع مثل: عسى أن يقوما الزيدان، ولا يكون مختصًا بلغة: أكلوني البراغيث.
وفي البسيط: ظاهر كلام س أنها هنا تامة لا خبر لها، وفاعلها ما بعدها على تقدير المصدر، ومعناها حينئذ دنا وقرب، ولا يجوز صريح المصدر.
ويدل على أنه لا يضمر فيها أمران:
أحدهما: أنه لا يثنى ولا يجمع لكون المصدر هو الفاعل.
والثاني: أنه لا يكون غير فاعل ما بعدها فاعلها من جهة المعنى، وإذا كان إياه لزم أن يكون مستترًا في الفعل، ولا يكون، ولا يقال: فاعلها هو الاسم بعد الفعل، لكنه أخر لأننا نقوا: لو كان لقلت: عسى لأن يفعلا الزيدان، وأن يفعلوا الزيدون، وأنت لا تقول إلا مفردًا في جميع الأحوال.
وقيل: هي ناقصة، والفاعل مغن عن الخبر وساد مسده لما تضمن من الحدث، كما في: أقائم زيد؟
وإذا قلت: القوم عسى أن يقوموا، وعسى أن يفعل، احتمل أن تكون الناقصة والتامة، وكون الفعل سد مسد اسمها وخبرها فاسد لا نظير له؛ ألا ترى أنه لا يكون في "كان"، وإنما يكون في المفعولين، ولا يصح أن يتقدم الفاعل في هذا النوع، فلا تقول: أن يقوم عسى، ويجوز حذف "أن" من هذه كما تسقط من الخبر، فتقول: عسى يجيء.
وقوله: وقد يحذف إن علم أي: يحذف الخبر، ومنه قوله تعالى: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ أي: يمسح، حذفه للدلالة مصدره عليه، ومنه ما جاء في الحديث: "من تأنى أصاب أو كاد، ومن عجل أخطأ أو كاد"، ومنه قول المرقش: وإذا ما سمعت من نحو أرض بمحب قد مات، أو قيل" كادا فأعلمني غير علم شك بأني ذاك، وابكي لمقصد لن يقادا أي: لن يؤخذ له بقود، وقول الأخر: ما كان ذنبك في جار جعلت له عيشًا، وقد كان ذاق الموت أو كربًا وقال آخر: وقد هاج سار لسار ليله طربًا وقد تصرم، أو قد كاد، أو ذهبًا الساري الأول: البرق وقوله ولا يخلو الاسم من الاختصاص غالبًا قال المصنف في الشرح: "حق الاسم في هذا الباب أن يكون معرفة أو مقاربًا لها، كما
يحق ذلك لاسم كان، وقد يرد نكرة محضة كقول الشاعر:
عسى فرج يأتي به الله، إنه لكل يوم في خليقته أمر"
وقوله وتسند أوشك وعسى واخلولق ل "أن يفعل"، فتغني عن الخبر مثاله قول تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، و ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ﴾، وأوشك أن يقوم، وقال الشاعر، وهو كثير:
سيوشك أن تنيخ إلى كريم ينالك بالندى قبل السؤال
وقال آخر:
إذا أنت لم تغفر لمولاك أن ترى به الجهل أو صارمته، وهو عاتب
ولم توله المعروف أوشك أن ترى موالي أقوام ومولاك غائب
واخلولق أن تفوز.
وقال أبو عبد الله محمد بن هشام الخضراوي: "لا يجوز: اخلولق أن تمطر السماء" انتهى.
فعلى لا يسند اخلولق إلى أن والفعل.
وإذا أسندت إلى "أن يفعل" اكتفت به، وكان فاعلها، ولم تحتج إلى خبر، وإذا أسندت إلى اسم صريح لم يكن بها بد من خبر.
وإنما اكتفت بأن والفعل لطولها وجريان الخبر والمخبر عنه وبالذكر في صلتها، كما سدت أيضًا مسد مفعولي ظننت وأخواتها.
وقيل في "عسى أن يخرج زيد" إنه على الإعمال.
ويفسده: عسى أن يقوم إخوتك، وعسى أن يقوم الزيدان؛ لأنه على إعمال الأول يجب الإضمار في أن يقوم، وعلى إعمال الثاني/ يجب الإضمار في عسى.
ويقطع بإسناد عسى إلى "أن يفعل" اتصال المرفوع إذا كان ضميرًا بالثاني في نحو" ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ لأن فاعل فعل لا يتصل بفعل آخر.
وقوله ولا يختلف لفظ المسند لاختلاف ما قبله بل تقول: زيد عسى أن يذهب، والزيدان عسى أن يذهبا، والزيدون عسى أن يذهبوا، وهند عسى أن تذهب، والهندان عسى أن تذهبا، والهندات عسى أن يذهبن.
وكذلك أوشك والخلولق؛ لأن الفعل لا يضمر فيه ضمير ما قبله؛ لأنه قد رفع "أن" والفعل.
وقوله فإن أسند إلى ضمير اسمًا أو فاعلًا طابق صاحبه معها كما يطابق مع غيرها يقول: فإن أضمر في عسى وأوشك واخلولق ضمير ما قبله اسمًا على مذهب من يعتقد أنه اسم عسى وأوشك واخلولق لكونها دخلت على المبتدأ والخبر، أو فاعلًا على مذهب من يرى أن "أن" والفعل في موضوع المفعول لا في موضع الخبر، فيكون المرفوع بعسى وأوشك واخلولق فاعلًا بهن لا اسمًا لهن، فإنه يطابق ما قبله، فتقول: زيد عسى أن يخرج، والزيدان عسيًا أن يخرجا، والزيدون أن يخرجوا، وهند عست أن تخرج، والهندان عستا أن تخرجا، والهندات عسين أن يخرجن، وكذلك في أوشك واخلولق.
وذكر المصنف أن س إلى ذلك في الثلاثة.
وقال "كما يطابق مع غيرها" يعني إذا قلت: زيد كان يقوم، والزيدان كانا يقومان، والزيدون كانوا يقومون، وهند كانت تقوم، والهندان كانتا تقومان، والهندات كن يقمن.
وقد وقفت من قديم على نقل، وهو أن تجريد "عسى" من الضمير إذا تقدم الاسم لغة لقوم من العرب، وأن إسنادها إلى ضمير الاسم لغة لقوم آخرين، ونسيت اسم القبيلة التي نسبت إليها اللغة الأولى واسم القبيلة التي نسبت إليها اللغة الثانية، فليس كل العرب ينطق بالوجهين، وإنما ذلك بالنسبة إلى لغتين.
وقال بعض أصحابنا: إذا دخلت عسى على الضمير فالأكثر الاقيس إجراء ذلك الضمير مجرى الظاهر، فيكون ضمير رفع، تقول: زيد عسى أن يقوم، والزيدان عسيا أن يقوما، والزيدون عسوا أن يقوموا، والهندات عسين أن يقمن، وعسيت زعسيا وعسين، ومن العرب من يستعمل ضمير النصب.
وفي الشرح المنسوب لأبي الفضل الصفار: "وإن أسندت إلى مضمر غائب كان "عسى" مفردًا على كل حال، تقول: الزيدان عسى أن يقوما، والزيدون عسى أن يقوموا، وهند عسى أن تقوم، والهندات عسى أن تقوما، والهندات عسى أن يقمن، وتكون/ مفردة على كل حال، ويغني عن تبعية الضمير ما قبله وما بعده أو أحدهما، ولم يتصرف في هذا الضمير كما لم تتصرف في نفسها، فصارت كلعل وليت، ولا يثنى الضمير ولا يجمع إلا قليلًا" انتهى.
ص: وإن كان لحاضر أو غائبات جاز كسر سين "عسى".
وقد يتصل بها الضمير الموضوع للنصب اسمًا عند س حملًا على "لعل"، وخبرًا مقدمًا عند المبرد، ونائبًا عن المرفوع عند الأخفش، وربما اقتصر عليه.
ويتعين عود الضمير من الخبر إلى الاسم، وكون الفاعل غيره قليل.
وتنفى كاد إعلامًا بوقوع الفعل عسيرًا، أو بعدمه وعدم مقاربته.
ولا تزاد، خلافًا للأخفش.
واستعمل مضارع كاد وأوشك، وندر اسم فاعل وأوشك وكاد.
ش: الحاضر يشمل ضمير المتكلم والمخاطب.
وكان ينبغي أن يقيد الضمير الذي للحاضر بصورة المرفوع ليحترز بذلك من ضمير الحاضر بصورة المنصوب، نحو عساك وعساني، فإنه لا يجوز في السين إلا الفتح.
ومثال إسناده للضمير الذي ذكرناه أن تقول: عسيت أن أخرج، وعسيت أن تخرج، وكذلك فروعهما، والفتح أشهر، ولذلك قرأ به أكثر القراء، ولم يقرأ من السبعة بالكسر إلا نافع.
وقوله أو غائبات مثاله عسين وعسين بالفتح والكسر، قاله ونقله أبو بكر خطاب الماردي، وذكر أبو بكر الأذفوي وغيره أن كسر السين مع المضمر خاصة هي لغة أهل الحجاز.
وينبغي أن يقيد المضمر بما ذكرنه؛ ألا ترى أنه إذا كان ضمير غائب أو ضمير حاضر صورة المنصوب لا يجوز فيه إلا الفتح.
وقد جهل أبو عبيد هذه اللغة، وقال: لو كان عسيتم بكسر السين لقرئ ﴿عَسَي رَبُّكُمْ﴾.
وقال أبو علي الفارسي: "الأكثر فتح السين، وهو المشهور.
ووجه الكسر قول العرب: هو عس بذلك، مثل حر وشج.
فإن أسند الفعل إلى الظاهر فقياس عسيتم أن يقال: عسي زيد، مثل رضي.
فإن قيل فهو القياس.
وإن لم يقل فسائغ أن تأخذ باللغتين، فتستعمل إحداهما في موضع الأخرى منا فعل ذلك بغيره" انتهى.
والمحفوظ عن العرب أنه لا تكسر السين إلا مع تاء المتكلم والمخاطب ونون الإناث.
وفي البسيط: "وفيها لغتان: فعل وفعل إذا كان فاعلها ضمير متكلم أو مخاطب، وإذا كان فاعلها- وهو اسمها- غيره لم يكن إلا فعل بفتح العين، كذا ذكر أبو عثمان، وقد قيل: إنها لم يسمع فيها إلا ما ذكر.
وسائغ أن تستعمل كل واحدة في موضع الأخرى كما قالوا: ورى الزند ووريت بك زنادي، ولما قالوا في المخاطب فعل وفعل نحو: ﴿عَسَيْتُمْ﴾ على القراءتين لا يبعد في "عيسى زيد" أن يفعل مثله.
/ وحكي ابن الإعرابي: عسى فهو عس، وما أعساه! وأعس به! " انتهى.
وقوله وقد يتصل بها الضمير إلى قوله عند الأخفش إذا اتصل بعسى ضمير فحقه أن يكون بصورة المرفوع، وهذا هو المشهور في كلام العرب والذي نزل به القرآن، ومن العرب من يأتي به صورة المنصوب المتصل، فيقول: عساني وعساك وعساه، وقال عمران بن حطان:
ولي نفس أقول لها إذا ما... تنازعني: لعلي أو عساني
وقال آخر:
يا أبتا علكك أو عساك
وقال آخر:
أصخ، فعساك أن يهدي ارعواء لقلبك بالإصاخة مستفاد
وذكر المصنف في الفص ثلاثة المذاهب:
فذهب س إقرار المخبر عنه والخبر على حالهما من الإسناد السابق، إلا أن الخلاف وقع في العمل، فعكس العمل حملًا على لعل.
ومذهب المبرد والفارسي عكس الإسناد إذ جعل المخبر عنه خبرًا والخبر عنه مخبرًا عنه.
ويلزم منه جعل خبر عسى اسمًا صريحًا، وذلك لا يجوز إلا في الشعر.
ومذهب أبي الحسن إقرارا المخبر عنه والخبر عن حالهما من الإسناد، لكنه تجوز في الضمير، فجعل مكان الضمير المرفوع ضمير منصوب، وهو في محل رفع، نيابة عن المرفوع، كما ناب في قولهم: "ما أنا كأنت، ولا أنت كأنا"، وكما ناب "هو" عن ضمير النصب والجر في: مررت بك أنت، وأكرمته هو.
قال المصنف: "وقول الاخفش هو الصحيح عندي لسلامته من عدم النظير؛ إذ ليس فيه إلا نيابة ضمير غير موضوع للرفع عن موضوع له، وذلك موجود، كقول الراجز:
يا بن الزبير طالما عصيكا وطالما عنيتنا إليكا
قلت: ما زعم من أن ذلك موجود كقول الراجز:
يا بن الزبير طالما عصيكا
يريد: عصيت، فوضع ضمير النصب مرفوع ضمير الرفع، غير صحيح، بل الذي ذكر التصريفيون أبو علي وغيره أن هذا من إبدال تاء الضمير كافًا، وهو من شاذ البدل، فليس من وضع ضمير النصب موضع ضمير الرفع.
والذي يدل على أنه من باب البدل تسكين آخر الفعل له في قولهم: عصيك، ولو كان ضمير نصب لم يسكن كما لم يسكن عساك روماك.
قال المصنف: "ولأن نيابة الموضوع للرفع موجودة في نحو: ما أنا كانت، ومررت بك أنت، فلا استبعاد في نيابة غيره عنه".
قلت: أما النيابة فيما ذكر من قولهم: "ما أنا كأنت" فذلك/ لعلة أن الكاف لا تدخل على الضمير المجرور، فاحتيج إلى النيابة، وفيما ذكر من
قولهم: "مررت بك أنت" فلأنهم لما أرادوا تأكيد المجرور، ولا منفصل له يؤكد به، احتاجوا إلى استعمال غيره.
قال المصنف: "ولأن العرب قد تقتصر على عساك ونحوه، فلو كان المضمر في موقع نصب لزم منه الاستغناء بفعل ومنصوبه عن مرفوعه، ولا نظير لذلك، بخلاف كونه في موضع رفع فإن الاستغناء به نظير الاستغناء بمرفوع كاد في قولهم: من تأتي أصاب أو كاد".
قلت: أما علة الاقتصار هنا على منصوب فلأنها لما عملت عمل لعل صار حكمها في الاقتصار حكمها، فكما يقتصر منصوب لعل وأخواتها، ويحذف مرفوعها للعلم به، فكذلك عسى، قال في الاقتصار عليهما:
يا بتا عللك أو عساك
وقال المصنف: "ولأن قول س يلزم منه حمل فعل على حرف في العمل، ولا نظير لذلك".
قلت: عدم النظير ليس بديل، فمكم من أحكام لكلمات لا نظير لها.
وأيضًا إذا كانوا لا يعملون الفعل، ويهملونه حتى من الفاعل لشبهه بالحرف، فلأن يعملوه عمله أحرى وأولى حملًا على الحرف، وذلك نحو قلما، فإنهم أجروها مجرى "ما"، فإذا قلت "قلما يقوم زيد" فكأنك قلت: ما يقوم زيد، فهذا أيضًا لا نظير له، ومع ذلك هو من كلام العرب.
وزعم السيرافي أن "عسى" في قولك عساك وعساني حرف.
قال
المصنف: "وفيه ضعف لتضمنه اشتراك فعل وحرف في لفظ واحد، إلا أن فيه تخلصًا من الاكتفاء بمنصوب فعل عن مرفوعه في نحو:
............. علك أو عساك
وفي نحو "عساك تفعل" بغير "أن"، ولا تخلص للمبرد من ذلك.
ويلزم المبرد أيضًا مخالفة النظائر من وجهين آخرين: أحدهما الإخبار باسم عين جامد عن اسم معنى".
قلت: لا يلزم ذلك إلا إذا اعتقد "أن" حرفًا ينسبك منه مع فعله مصدر، أما إن اعتقد أنها زيدت لأجل "عسى" وتراخى الفعل فلا يلزم ذلك.
قال المصنف: "والثاني وقوع خبر في غير موضعه بصورة لا تجوز فيه إذا وقع موقعه، وذلك أنك لو قلت في عساك أن تفعل: عسى أن تفعل إياك، ولم يجز، وما لم يجز في الحالة الأصلية حقيق بان لا يجوز في الحالة الفرعية.
فتبين أن قول أبي الحسن في هذه المسألة هو الصحيح".
قلت: الصحيح مذهب س. والذي يقطع ببطلان مذهب أبي الحسن أن قوله: إن "أن تفعل" في موضع نصب، وإن الضمير في موضع رفع، أن بعض العرب صرح بعد "عسى" المتصل بها ضمير النصب بالاسم مرفوعًا مكان "أن تفعل"، كما صرح به منصوبًا بعد ضمير الرفع في قوله:
/ لا تلحني إني عسيت صائمًا
قال:
فقلت: عساها نار كأس، وعلها تشكي، فآتي نحوها، فأعودها
فهذا قاطع ببطلان مذهب أبي الحسن؛ إذ لو كان في موضع نصب لقال: عساها نار كأس، ونصب.
وفي البسيط: "ولو ظهر الخبر بغير أن لافتضح الأخفش" انتهى.
وقد ظهر في هذا البيت الذي أنشدناه، فافتضح.
وبقى الترجيح بين مذهب س وأبي العباس؛ إذ في كليهما خروج عما استقر في "عسى"، لكن ينبغي مراعاة المعنى إذا تعارض مع اللفظ، ففي مذهب س الخروج عما استقر لها من العمل، وهو أمر لفظي.
وفي مذهب أبي العباس الخروج عما استقر لها من جعل المخبر عنه خبرًا والخبر مخبرًا عنه، وهذه إحالة للمعنى، فكان مذهب س أرجح لذلك.
وقوله وربما اقتصر عليه مثاله:
يا أبتا عللك أو عساك
وقوله:
............. تنازعني: لعلي أو عساني
فإن قلت: المنصوب لا بد له من مرفوع.
فالجواب ما قاله أبو علي، قال: "هو محذوف، ولم يمتنع حذفه- وإن كان الفاعل لا يحذف- لأنها أشبهت لعل، فجاز حذفه كما جاز حذف أخبار هذه الحروف من حيث كان الكلام في الأصل مبتدأ وخبرًا، فحذف كما حذف علك، ويكون ذلك المحذوف غائبًا، كأنه قال: عساك الهالك، وعساك هو، وما حكي من قولهم: عساك تفعل، وعساني
أخرج، فيخرج على إضمار أن، نحو:
وما راعنا إلا يسير بشرطة.......................
أي: إلا أن يسير، أو كما قال أحمد بن يحي: يعجبني يقوم.
وكان هشام والفراء يقولانه، فيضمران أن.
لو أضمر في عساني وعساك مرفوع هو الفاعل، والياء والكاف منصوبان، فعدي إلى الضمير كما تعدي إلى المظهر في "عسى الغوير أبؤسا" لكان وجهًا.
والفاعل حينئذ إن جرى له ذكر فلا إشكال في إضماره، وإن لم يجر له ذكر فإنما يضمر لدلالة الحال عليه، كما في قولهم: إذا كان غدًا فأتني، وتكون على بابها، ولا تشبه بلعل" انتهى، وهو ملخص من البسيط.
وقوله ويتعين عود ضمير من الخبر إلى الاسم وذلك أن "كان" إذا وقع المضارع خبرها جاز أن يرفع ضمير اسمها، وجاز أن يرفع السببي، فتقول: كان زيد يقوم، وكان زيد يقوم أخوه.
وأما هنا فذكر المصنف أنه يتعين عود ضمير من الخبر إلى الاسم، وما قاله ليس بجيد لوجوه.
أحدها: أنه قال: "ويتعين:، وقال بعده: "وكون الفاعل غيره قليل"، فدل على أنه يتعين، فإصلاحه أن يقول: ويكثر عود ضمير من الخبر إلى الاسم.
والثاني: أنه جعل ذلك حكمًا في جميع هذه الأفعال.
والذي ذكره أصحابنا أن ذلك- أعني أنه لا يكون فاعل خبرها إلا ضمير اسمها- يكون في جميع أخوات عسى، وأما "عسى" فإنه يجوز أن يكون ضمير اسمها،
ويجوز أن يكون سببيًا منه، وأنشدوا:
/ وما عسى الحجاج يبلغ جهده إذا نحن جاوزنا حفير زياد
برفع "جهده" ونصبه.
والثالث: "أنه قال "وكون الفاعل غيره قليل".
وهو عند أصحابنا لا يجوز، وتأولوا ما ورد من ذلك، وكذا قال المصنف في شرحه، قال: "الضمير في غير هذا الباب لا يشترط كونه فاعلًا، بخلافه في هذا الباب، فإن الفاعل لا يكون غيره إلا على قلة، ولا يكون ما ورد على قله مؤولًا بأنه هو" انتهى.
وهذا كلام مثبج؛ لأنه أثبت في الفص أن مكون الفاعل غير الضمير قليل، ثم ذكر أنه يكون مؤولًا، فإذا كان مؤولًا فلا يثبت للقلة حكم البتة.
وقالوا: يجوز: عسى زيد أن يرحمه الله، ولا يجوز: جعل زيد يضربه عمرو، ولا: يضربه أبوه.
قالوا: ويجوز: جعل زيد يضرب فيصبر، أي: جعل زيد يصبر على الضرب.
ومما جاء فيه الفعل مسندًا لغير الضمير العائد على أسماء هذه الأفعال قول الشاعر:
وقفت على ربع لمية ناقتي فما زلت أبكي عنده، وأخاطبه
وأسقيه حتى كاد مما أبثه تكلمني أحجاره وملاعِبُهْ
وقول الآخر:
وقد جعلت إذا ما قمت بثقلني ثوبي، فأنهض نهض الشارب الثمل
وقول الآخر:
فخلاها حتى إذا طال ظمؤها وقد كدن لا يبقى لهن شحوم
وقول الآخر:
وجدت فؤادي كاد أن يستخفه رجيع الهوى من بعض ما يتذكر
المعنى: يكلمني، وأثقل بثوبي، ولا يبقين، وأن يخف من رجيع الهوى.
وأنشد أحمد بن يحي:
فقد جعلت في حبة القلب والحشا عهاد الهوى يوفي بشوق بعيدها
ويروي: يعيدها: وهو أجود.
وفي الإفصاح: خبر أفعال المقاربة لا يكون إلا لفاعل فعل المقاربة لا لسببه، لا تقول: طفق زيد يتحدث أخوه، ولا: أنشأ عمرو ينشد ابنه؛ لأنها إنما جاءت لتدل على أن فاعلها قد تلبس بهذا الفعل، وشرع فيه لا غيره.
و"جعلت يثقلني ثوبي" حمل على المعنى، فكأنه قال: أضعف عن حمل ثوبي، وأتثاقل، وأتعب بلباسه.
ويدل على هذا أنه عطف على هذا الفعل ما هو له، فقال: فأنهض.
وقد يكون هذا قد صح بسبب
"فأنهض" لأنه المقصود، فكأنه قال:/ أنهض نهض الشارب الثمل لضعفي عن حمل ثوبي؛ لأن الفاء تربط ما بعدها بما قبلها لما فيها من معنى السببية.
وقد يمكن أن أراد بـ "جعلت" جعل ثوبي، فحذف المضاف، وأعاد بعد.
وقوله وتنفي "كاد" إعلامًا بوقوع الفعل عسيرًا أو بعدم وعدم مقاربته إذا أدخلت حرف النفي على كاد ويكاد فمذهب الزجاجي وغيره أنه يدل على نفي الفعل ومقاربته.
فإذا قلت: "ما كاد زيد يقوم" فمعناه نفي المقاربة، ويلزم من نفي المقاربة نفي القيام، ولذلك قالوا في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾: إن معناه: لم يرها، ولم يقارب رؤيتها.
وفي قوله ﴿لَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾: إنه لا يسيغه، ولا يقارب إساغته، وهذا معنى قول المصنف: "أو بعدمه وعدم مقاربته".
وذهب قوم منهم أبو الفتح إلى أن نفيها يدل على وقوع الفعل بعد بطء، وهذا معنى قول المصنف: "وتنفي كاد إعلامًا بوقوع الفعل عسيرًا".
واستدل أبو الفتح على ذلك بقول الله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾؛ ألا ترى أنهم قد فعلوا بعد بطء.
وجمع المصنف بين القولين: قول الزجاجي وقول أبي الفتح، وهما مذهبان قال بعض أصحابنا: والصحيح مذهب الزجاجي لأن فيه حمل "كاد" على سائر الأفعال في أن نفيها نفي.
وقال المصنف أيضًا: "وزعم قوم أن كاد ويكاد إذا دخل عليهما نفي الخبر مثبت، وإذا لم يدخل عليهما نفي الخبر منفي، والصحيح أن إثباتهما إثبات للمقاربة ونفيهما نفي للمقاربة".
ثم قال: "وقد يقول القائل: لم يكد زيد يفعل، ويكون مراده أنه فعل بعسر لا بسهولة، وهو خلاف الظاهر الذي وضع اللفظ له أولًا، ولإمكان هذا رجع ذو الرمة في قوله:
إذا غير النأي المحبين لم يكد رسيس الهوى من حب مية يبرح
إلى أن بدل "يكد" ب"تجد"، وإن كان في "يكد" من المبالغة والجزالة ما ليس في "تجد" انتهى.
وهذا الذي أجازه أخيرًا من انه "تنفي كاد إعلامًا بوقوع الفعل عسيرًا" هو الذي ذهب إليه أبو الفتح ومن تبعه، ولم يجوز غيره.
وقد زعم المصنف أنه خلاف الظاهر الذي وضع اللفظ له، والعجب أنه قد ذكر في قوله تعالى ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ أنه محمول على وقتين: وقت عدم الذبح وعدم مقاربته، ووقت وقوع الذبح، كما يقول القائل: خلص فلان وما كاد يخلص.
وكذا تأوله أصحابنا على أن المراد:
فذبحوها بعد تكرار الأمر عليهم بذبحها، وما كادوا يذبحونها قبل ذلك، ولا قاربوا الذبح، بل أنكروا ذلك أشد الإنكار بدليل قولهم: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾.
وإذا كان تأويل الآية على أن ذلك في وقتين فكيف يقول المصنف إنها: "تنفي كاد إعلامًا بوقوع الفعل عسيرًا"، وإنما علم وقوع الفعل من قوله ﴿فَذَبَحُوهَا﴾، ومن قولك: خلص زيد ولم يكن يخلص، وهو الفعل المثبت لا "كاد" المنفية.
وفي البسيط: فيها لغتان كدت وكدت تكاد، وهي جارية مجرى الأفعال في أن إيجابها يدل على ثبوت القرب ونفيها يدل على نفيه، ولا يتعرض لذات الفعل بنفي ولا إثبات بحسب لفظها، وثبوته أو نفسه يعلم من خارج.
وقال بعضهم: إنها مع الإثبات نفي، ومع النفي إثبات.
وهذا إن إضافة إلى دلالة اللفظ بوضعه فقد أخطأ.
وقيل: هي مع الماضي المنفي منها إثبات، ومع غيره فعلى قياس الأفعال.
وقال بعض المتأخرين: إنها للقرب، وتشعر بعدم الفعل، فتارة يكون نفيها بحسب مدلولها، ولا تكون إثباتًا، وتارة يكون بحسب ما تشعر، فيكون نفيه إثباتًا لأن نفي النفي إثبات، فتكون جارية في النفي على طريقتين، وعلى نفي المقاربة ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾، وعلى نفي النفي ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾.
وقوله ولا تزاد، خلافًا للأخفش استدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾، وبقول حسان:
وتكاد تكسل أن تجيء فراشها في جسم خرعبة وحسن قوام
وأولت الآية على معنى: أكاد أخفيها فلا أقول هي آتية، وقيل: معناه: أكاد أخفيها عن نفسي.
وقرأ أبو الدرداء وابن خبير: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ بفتح همزة (أخفيها) من خفيت الشيء: أظهرته، وقال الشاعر:
خفاهن من أنفاقهن، كأنما خفاهن ودق من عشي مجلب
أي: أظهرهن.
وأما "وتكاد تكسل" فإنه وصف المرأة بمقاربة الكسل دون حصوله، ولو كانت زائدة لكان وصفًا مذمومًا لأنه يدل على مهانة النفس جدًا؛ إذ يلزمها أن تنام في أي مكان كانت فيه.
وقوله واستعمل مضارع كاد وأوشك ذكر في أول الباب ما نصه: "ويلازمن لفظ المضي إلا كاد وأوشك".
وبين هنا الذي استعمل من تصاريف كاد وأوشك هو المضارع، ومضارع أوشك أكثر من الماضي، ولذلك أنكر الأصمعي الماضي، وتقدم ذكر ذلك.
وذكر الجوهري مضارع طفق.
قال المصنف: "ولم أراه لغيره".
والظاهر أنه قال رأيًا.
وحكي الكسائي: إن البعير حتى يجعل إذا شرب الماء مجه.
وفي شعر زهير الأمر من أوشك، قال يصف قطاه وصقرًا:
حتى إذا قبضت أولى أظافره منها، وأوشك بما لم تخشه يقع
وفي شعره أيضًا استعمال أفعل التفضيل منه، قال:
وما مخدر ورد عليه مهابة يصيد الرجال، كل يوم ينازل
بأوشك منه أن يساور قرنه إذا شال عن خفض العوالي الأسافل
وقوله ونذر اسم فاعل وأوشك وكاد مثاله ذلك قول الشاعر:
فموشكة أرضنا أن تعود خلاف الخليط وحوشًا يبابا
وقول الآخر:
فإنك موشك أن لا تراها وتغدو دون غاضرة الغوداي
وقول كثير:
أموت أسي يوم الرجال وإنما يقينًا برهن بالذي أنا كائد
قال المصنف: "أراد: بالموت الذي كدت آتيه، فأقام اسم الفاعل مقام الفعل".
وفي البسيط: فال بعضهم إن لكاد مصدرًا، يقال: كاد كودًا ومكادًا.
وحكي قطرب: كاد كيدًا وكيدودة.
وفيه نظر لأن كاد من ذوات الواو، وقد حكى س: كدت، ولا يكون هذا إ من الواو
تم بحمد الله وتوفيقه
الجزء الرابع من كتاب "التذييل والتكميل"
بتقسيم محققه، ويليه- إن شاء الله تعالى-
الجزء الخامس، وأوله:
"باب الأحرف الناصبة الاسم الرافعة الخبر"
التذييل والتكميل
في شرح كتاب التسهيل
ألفه أبو حيان الأندلسي حقه الأستاذ الدكتور حسن هنداوي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - فرع القصيم
الجزء الخامس
دار القلم دمشق
-[ص:
باب الأحرف الناصبة الاسم الرافعة الخبر
وهي (إن) للتوكيد، و (لكن) للاستدراك، و (كأن) للتشبيه، وللتحقيق أيضًا على رأي، و (ليت) للتمني، و (لعل) للترجي، وللإشفاق، والتعليل، والاستفهام.
ولهن شبهٌ بـ (كان) الناقصة في لزوم المبتدأ والخبر والاستغناء بهما، فعملت عملها معكوسًا ليكونا معهن كمفعولٍ قُدم وفاعلٍ أخر تنبيهًا على الفرعية، ولأن معانيها في الأخبار، فكانت كالعمد، والأسماء كالفضلات، فأعطيا إعرابيهما.
ويجوز نصبهما بـ (ليت) عند الفراء، وبالخمسة عند بعض أصحابه، وما اشتشهد به محمولٌ على الحال، أو على إضمار فعل، وهو رأي الكسائي.]-
ش: ذكر المصنف (الأحرف) لأنه جمع قلة، وهو أولى من قولهم (الحروف) وإن كان جائزًا، واعتذر عمن قال (الحروف) بأنها وإن كانت قليلة فإنه قد يُلحظ ما يعرض فيها من فتح (إن)، ومن لغات (لعل)، ومن تخفيف ما آخره نونٌ مشددة منها.
وذكرها خمسة، ولم يذكر (أن) اعتبارًا بالأصل لأن (أن) فرع المكسورة، واقتداء بـ (س) والمبرد في (المقتضب) / وابن السراج في (الأصول).
ثم أورد على نفسه اعتراضًا، فقال: "إذا كان تفريع أن سببًا لعدم الاعتداد بها فينبغي ألا يُعتد بكأن؛ فإن أصل كأن زيدًا أسدٌ: إن زيدًا كالأسد.
فالجواب: أن أصل كأن منسوخ لاستغناء الكاف عن متعلق به، بخلاف أن، فليس أصلها منسوخًا بدلالة جواز العطف بعدها على معنى الابتداء كما يُعطف عليه بعد المكسورة، فاعتُبرت فرعية أن لذلك دون كأن" انتهى.
وقال النحاس: "أنكر المبرد على س قوله (هذا باب الحروف الخمسة)، وقال: (هي ستة، والسادس أن؛ لأنها مع صلتها اسم).
وهذا من أبي العباس تحامل، فينبغي أن يُنكر على نفسه إذ ذكرها في (المقتضب) خمسة".
وقوله الناصبة الاسم هذا لا خلاف فيه، وأنها هي العاملة النصب في الاسم.
وقوله الرافعة الخبر هذا مختلف فيه، فمذهب البصريين أنه هي الرافعة للخبر كما هي الناصبة للاسم، وأنها عملت عملين.
ومذهب الكوفيين أنها لم تعمل في الخبر شيئًا، بل هو باقٍ على رفعه قبل دخولها.
ومن حُجتهم ما حكاه س عن العرب حين قال: "واعلم أن