التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيلصفحات 261-300

فالمبهم: ما وقع على قدر من الزمان غير معين, نحو: وقت، وحين، وزمان.
والمختص قسمان: معدود، وغير معدود.
المعدود: ما له مقدار من الزمان معلوم، نحو: سنة, وشهر, ويومين, والمحرم, وسائر أسماء الشهور، والصيف, والشتاء.
ولا يعمل في المعدود من الأفعال إلا ما يتكرر ويتطاول, لو قلت: مات زيد يومين- وأنت تريد الموت الحقيقي- لم يجز.
والمختص غير المعدود أسماء الأيام, كالسبت, والأحد, وما يخصص بالإضافة, نحو: يوم الجمل, وبأل, نحو: اليوم، والليلة، أو بالصفة، نحو: قعدت عندك يوماً قعد عندك /فيه زيد، وما أضافت إليه العرب لفظة شهر من أعلام الشهور، وهي: رمضان، وربيع الأول, وربيع الآخر, فقط وسيأتي ذكر ذلك في هذا الفصل إن شاء الله.
وقوله فإن جاز أن يخبر عنه أو يجر بغير من فمتصرف، وإلا فغير متصرف التصرف استعماله غير ظرف، كأن يكون فاعلاً أو مبتدأ، أو يرتفع خبراً، أو ينتصب مفعولاً، أو ينجر بغير من، نحو: سرني يوم الخميس، ويوم الجمعة مبارك، واليوم يوم الجمعة، وأحببت يوم الجمعة، و ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، ومعنى «وإلا» أي: وإلا يخبر عنه أو يجر بمن فغير متصرف.
لم يحكموا بتصرف ما جر بمن وحدها نحو عند وقبل وبعد لأن من كثرت زيادتها، فلم يعتد بدخولها على الظرف الذي لا يتصرف.
وقوله وكلاهما منصرف وغير منصرف فيكون أربعة أقسام.
ص: فالمتصرف المنصرف كحين ووقت، والذي لا يتصرف ولا ينصرف ما عين من سحر مجرد، والذي يتصرف ولا ينصرف كغدوة وبكرة علمين، والذي ينصرف ولا يتصرف بعيدات بين, وما عين من ضحى وضحوة وبكر

وسحير وصباح ومساء ونهار وليل وعتمة وعشاء وعشية, وربما منعت الصرف والتصرف.
وألحق بالممنوع التصرف ما لم يضف من مركب الأحيان كصباح مساء، ويوم يوم.
وألحق غير خثعم «ذا» و «ذات» مضافين إلى زمان.
واستقبح الجميع التصرف في صفة حين عرض قيامها مقامه ولم توصف.
ش: مثل المصنف المنصرف بحين ووقت، وفي الشرح بساعة وشهر وعام ودهر وحين وحينئذ ويومئذ، يقال: سير عليه حينئذ، ويومئذ, حكاهما س. أما الحين فإنه يقع على القليل والكثير من الزمان، قال: تناذرها الراقون من سوء سمها... تطلقه حيناً، وحيناً تراجع أنشده أبو علي شاهداً على ذلك.
وعن الأصمعي استعمال الحين في الكثير أكثر من استعماله في القليل.
وقوله ما عين من سحر مجرد يعني بالتجريد تجريده من أل والإضافة, ويعني بالتعيين أن يكون من يوم بعينه, وسواء في ذلك أذكرت اليوم أو الليلة معه, نحو: أزورك يوم الجمعة سحر, أم لم تذكره, نحو: جئتك سحر, وأنت تريد ذلك من يوم بعينه, أو عرفت اليوم أو نكرته، نحو: جئت يوماً سحر, فإن نكر انصرف وتصرف.

وإنما لم يتصرف لخروجه عن نظائره من النكرات، وذلك أن نظائره من النكرات إذا عرفت أدخلوا عليها أل، أو أضافوها, فلما عرف هذا من غير أداة تعريف خالف نظائره, فلم يتصرفوا فيه لذلك, ولم يصرفوه أيضاً لعدله وتعريفه من غير أداة تعريف.
/واختلف النحويون في سحر هذا أهو مبني أو معرب: فذهب بعضهم إلى أنه مبني لتضمنه معنى أل، كما بني أمس لتضمنه معناها، وهو مذهب صدر الأفاضل.
وذهب ابن الطراوة إلى أنه مبني، وعلة بنائه عدم التقار، لا لتضمنه معنى الحرف؛ ألا ترى أنه لا يقع سحر إلا على سحر يومك, فلا تقول خرجت سحر إلا في يومك الذي خرجت في سحره، ولا تقول سحر في سحر (أمس) إلا أن تقيده، فتقول: خرجت يوم الخميس سحر، فهذا هو الذي أوجب البناء.
انتهى.
وتقدم الرد على القول بأن التقار علة للبناء في باب اسم الإشارة.
وذهب الجمهور إلى أنه معرب، واختلفوا في سبب منع التنوين منه: فذهب بعضهم إلى أنه منوي فيه الإضافة, وهو معرفة بالإضافة؛ لأنك تريد سحر ذلك اليوم، فحذف التنوين كما حذف في أجمع وأكتع حيث كان مضافاً في المعنى.

وذهب السهيلي إلى أن حذف التنوين منه لأنه معرفة بنية الألف واللام؛ قال: «كأنك حين ذكرت يوماً قبله, وجعلته ظرفاً- أردت السحر الذي من ذلك اليوم, واستغنيت عن أل بذكر اليوم» وزعم أنه مذهب س. وذهب الجمهور إلى أنه حذف التنوين منه لأنه لا ينصرف، فأحد علتيه العدل عن تعريفه بأل، والعلة الأخرى قيل: العلمية، جعل علماً لهذا الوقت.
وقيل: التعريف المشبه لتعريف العلمية.
وقيل: لم يصرفوه لعدله وتعريفه من غير أداة تعريف، بل بالغلبة على ذلك الوقت المعين, وليس تعريفه تعريف علمية؛ لأنه في معنى السحر، وتعريف العلمية ليس في رتبة تعريف أل.
ولا يجوز أن يكون تعريفه بأل التي عدل عنها؛ لأن أل التي يعدل عنها الاسم لا تعرفه؛ ألا ترى أنهم لما عدلوا أخر عن أل استعملوه نكرة؛ بدليل وصف النكرة في نحو: مررت بنسوة أخر، وإذا ثبت أنه غير متعرف بالعلمية ولا بأل التي عدل عنها لم يبق إلا أن يكون تعريفه بالغلبة كما ذكرنا؛ والتعريف بالغلبة في معنى التعريف بأل لاستعمالهم الأسماء الغالبة بأل تارة وبغير أل تارة، ومعناها في الحالين واحد، حكى ابن الأعرابي: هذا العيوق طالعاً، وهذا عيوق طالعاً، وكذلك سائر الأسماء الغالبة، ومن ذلك قول الشاعر: ونابغة الجعدي بالرمل بيته... عليه تراب، من صفيح وجندل وللنحويين كلام كثير في سحر هذا، تركناه؛ إذ ليس فيه إلا اختلاف في تعليل وتقدير تلك التعاليل، وتفريق بينه وبين أمس، ولا يتضمن أحكاماً يرجع

فيها إلى النطق إلا ما ذكروا من أنه لا ينتصب سحر ظرفاً إلا إذا كان اليوم الذي قبله انتصب /على الظرفية، فإن ارتفع على الفاعلية أو انتصب على أنه مفعول به لم يجز أن ينتصب سحر على الظرف؛ بل يكون بدلاً من اليوم مضافاً لضميره، أو معرفاً بأل, فتقول: كرهت يوم السبت سحره، أو السحر منه, لا بد من أحد هذين في البدل.
ولو قلت: سير بزيد يوم الجمعة سحر، وجعلته مفعولاً على السعة- لم يجز لعدم الرابط بينه وبين اليوم, فإن أردت هذا المعنى فقل: سير بزيد يوم الجمعة سحره، أو السحر منه، حتى يرتبط به.
قال السهيلي: «لأنك لا تقدر أل إذا كان في الكلام ما يغني عنهما، وأما إذا كان اسماً متمكناً فلا بد من تعريفه كما تعرف الأسماء، أو تجعله نكرة، فلا يكون إذاً من ذلك اليوم.
فإن قلت: فقد أجازوا: سير بزيد يوم الجمعة سحر، برفع اليوم ونصب سحر، فلم لا يجوز بنصب اليوم ورفع سحر؟ قلنا: لأن اليوم- وإن اتسع فيه- فهو ظرف في معناه، وهو يشتمل على السحر، ولا يشتمل السحر عليه, فلا يجوز إذا أن يتعرف السحر تعريفاً معنوياً حتى يكون ظرفاً بمنزلة اليوم الذي هو منه؛ ليكون تقديم اليوم مع كونه ظرفاً بمنزلة اليوم مغنياً عن آلة التعريف» انتهى.
وقوله كغدوة وبكرة علمين قال المصنف في الشرح: «الذي يتصرف ولا ينصرف غدوة وبكرة علمين قصد بهما التعيين أو لم يقصد؛ لأن علميتهما جنسية، فيستعملان استعمال أسامة وذؤالة، فكما يقال عند قصد التعميم: أسامة شر السباع، وعند التعيين: هذا أسامة فاحذره- تقول عند قصد التعميم: غدوة وقت

نشاط، وقاصداً للتعيين: لأسيرن الليلة إلى غدوة، وبكرة في ذلك كغدوة.
وقد يخلوان من العلمية فيتصرفان وينصرفان، ومنه قوله تعالى ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾» انتهى.
وجعلت العرب بكرة وغدوة علمين لهذين الوقتين، ولم تفعل ذلك في نظائرهما كعتمة وضحوة ونحوهما.
واختلف في تعريفهما: فقيل: هو من قبيل تعريف الجنس، كأم حبين وأسامة.
وقيل: من قبيل تعريف العلمية لوقت بعينه من يوم معين.
وكلا القولين يظهر من لفظ س في أبواب ما لا ينصرف من الأحيان.
وقال ابن طاهر: هما علمان إذا أردتهما من معين، فإن لم ترد ذلك فهما نكرتان.
والموضوع للنكرة هو غداة، نحو قولهم: نحن في غداة باردة، ونحن في غداة طيبة، ثم غيروا لفظ غداة إلى غدوة؛ لأن موضع التعريف بتغيير اللفظ، فيكون أول أحوال هذا اللفظ التعريف، ثم يجوز أن ينكر بعد ذلك.
والدليل على ذلك أنا قد رأيناهم يضعون أسماء مشتقة موضوعة لمعارف لم تستعمل في شيء من النكرات، ولا تعرف معانيها/ منكورة، نحو سعاد وزينب وغير ذلك مما لا يحصى.
وإن عرف ما اشتقت منه فغدوة قد اشتقت للتعريف من غداة، كما أن سعاد اشتق من السعادة لأن يوضع لمعرفة.
والأصل في هذين الاسمين غدوة، وحملت بكرة عليها لاجتماعهما في المعنى وفي النية؛ كما حملوا يذر على يدع.

ويجوز أن تنكر اليوم وتعرف غدوة وبكرة، فتقول: رأيته يوماً غدوة؛ لأن غدوة وقتها من اليوم معروف، كأنك قلت: رأيته يوماً في هذا الوقت.
وزعم أبو الحسن أنه يجوز أن تقول: آتيك اليوم غدوة وبكرة، وتجعلهما بمنزلة ضحوة.
وزعم أبو الخطاب أنه سمع من يوثق به من العرب يقول: آتيك بكرة، وهو يريد الإتيان من يومه أو في غده، ومثله قوله تعالى ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾.
قال السيرافي: «وهذا من تنكير العلم؛ لأن الأعلام يجوز تنكيرها بعد تعريفها، واللفظ واحد».
قال الفراء في المعاني له: «قرأ أبو عبد الرحمن السلمي ﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾، ولا أعلم أحداً قرأها غيره, والعرب لا تدخل الألف واللام في غدوة لأنها معرفة بغير ألف ولام, سمعت أبا الجراح يقول: ما رأيت كغدوة قط، يعني غداة يومه، وذلك أنها كانت باردة؛ ألا ترى أن العرب لا تضفيها، فكذلك لا تدخلها الألف واللام، وإنما يقولون: أتيتك غداة الخميس، ولا يقولون: غدوة الخميس، فهذا دليل على أنها معرفة».
وقول الفراء «إنه لا يعلم أحداً قرأ (بالغدوة) غير السلمي» قد قرأها كذلك أبو رجاء العطاردي، وعبد الله بن عامر من قراء السبعة.

وفي البسيط: «زعم يونس عن أبي عمرو أنك تقول: أتيته العام الأول بكرة، ويوماً من الأيام بكرة، ولا تنون، سواء أقصدت بكرة يوم بعينه أم لم تقصد.
وزعم أبو الخطاب أنه سمع من يوثق بعربيه صرف بكرة وغدوة، قيل: حملاً على عشية وضحوة ونحوهما، إذا أردت وقت يوم بعينه، فتنكرهما تنكيراً أصلياً.
وقيل: هذا تنكير بعد التعريف، كما تقول: جاءني يزيد ويزيد آخر، كذلك هذا, كأنه جعل الوقت أوقاتاً، كل واحد منها بكرة, وكأنه قال: سرت بكرة من البكرات، أي: وقتاً من ذلك الحين، كما تقول: جاءني يزيد من اليزيدين.
وأما قوله تعالى ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ فقيل: لما أتى بها في سياق عشيا، وهو منون، وكان يجوز فيها التنوين وحدها- نونوا هنا للسياق» انتهى.
وقال الفراء أيضاً: «العرب تجري غدوة وبكرة، ولا تجريهما، وأكثر الكلام في غدوة ترك الجري، وأكثره في بكرة أن تجرى، فمن لم يجرها جعلها معرفة؛ لأنها اسم يكون أبداً في وقت واحد بمنزلة أمس وغد، وأكثر ما تجري العرب غدوة إذا قرنت بعشية، يقولون إني / لآتيهم غدوة وعشية، وبعضهم يقول غدوة، لا يجريها, وعشية, فيجريها، ومنهم من لا يجري عشية لكثرة ما صحبت غدوة».

وقال الزجاج: «بكرة وغدوة إذا كانتا نكرتين صرفتا, وإذا أردت بهما بكرة يومك وغدوة يومك لم تصرفهما».
وتقول: سير بزيد يوم الجمعة غدوة، على الظرف فيهما جميعاً؛ لأنها بعض اليوم، وتقول: سير بزيد يوم الجمعة غدوة، كأنها بدل من اليوم، ولا تحتاج أيضاً إلى الضمير كما يحتاج في بدل بعض من كل؛ لأنها ظرف في المعنى، ولو قلت: كره يوم الخميس غدوة، على البدل- لم يكن بد من إضافة غدوة إلى ضمير المبدل منه؛ لأن اليوم ليس بظرف, فيصير كقولك: كرهت يوم الخميس سحره، إذا أردت البدل؛ لأن المكروه هو السحر دون سائر اليوم، وإنما تستغني عن ضمير يعود إلى اليوم إذا تركته ظرفاً على حاله؛ لأن بعض اليوم إذا كان لفعل كان جميع اليوم ظرفاً له.
وقوله بعيدات بين قال المصنف في الشرح: «أي: أوقاتاً غير متصلة» انتهى.
وبعيدات جمع بعد مصغرة، [تقول: لقيته بعيدات بين]، ومعناه: لقيته مراراً متفرقة قريباً بعضها من بعض، وجمع بعد يدل على ما أريد من المرار، وتصغيرها يدل على ما أرادوه من تقاربها؛ لأن تصغير الظرف المراد به التقريب.
وقوله وما عين إلى قوله وعشاء هذه الأسماء نكرات أريد بها أزمان معينة، فوضعت موضوع المعارف وإن كانت نكرة، ولذلك لا تتصرف، وتوصف بالنكرة, يقولون: أتيتك يوم الخميس ضحى، فترفعه، ولقيتك يوم الجمعة عتمة متأخرة، وكذلك البواقي.
ونظيرها في ذلك: لقيتك عاماً أول، وإنما تريد العام الذي يليه عامك، وكلها لا تتصرف إذا أريد بها زمان معين بلا خلاف.

وفي «الشيرازيات» عن الأخفش أنه قال: «ضحوة وعتمة إذا أريد بهما وقت بعينه أرفعه وأنصبه حتى أسمع العرب تركت فيه الرفع، فأقول: سير عليه عتمة وعتمة، وسير عليه ضحوة وضحوة».
ورواية س فيه النصب.
وقال: «لم يستعملوه على هذا المعنى إلا ظرفاً».
فإن لم ترد بضحى وسائر ما ذكر معه معيناً بل شائعاً تصرف، فتقول: سير عليه ضحوة من الضحوات.
وأجاز الكوفيون تصرف ما عين من عتمة وضحوة وليل ونهار، فتقول: سير عليه عتمة وضحوة، وسير عليه ليل ونهار، وتقدم ذكر هذا في باب النائب عن الفاعل.
ولا يقاس على هذه الظروف، فلو أردت بيوم أو غيره واحداً بعينه جاز لك التصرف فيه، ولا يعلل هذا.
وقوله وربما منعت الصرف والتصرف يعني عشية، فتصير إذ ذاك علماً, وينبغي على هذا ألا يقال: أتيتك عشية الخميس.
وامتناعها الصرف للعملية والتأنيث، وعلميتها من جنس علمية / غدوة وبكرة، وامتناعها من التصرف كامتناعهما.
وفي البسيط: «وغدوة وبكرة علمان وإن تقدم ذكر اليوم معرفة أو نكرة، وقد سمع فيهما الرجوع إلى الأصل، وقد سمع أيضاً في عشية وضحوة العلمية، والأكثر التنكير» انتهى.

ونقل الأخفش أن ضحوة وعشية يكونان معرفتين لفرط اقتران إحداهما بالأخرى، فتقول: عشية وضحوة اتفق كذا، والمعروف استعمال العرب لهما نكرتين.
وجعل الفارسي فينة والفينة مما تعاقب عليه التعريفان العلمية والألف واللام، وليس فينة معدولاً؛ لأنهم يقولون الفينة.
وقوله وألحق بالممنوع التصرف ما لم يضف من مركب الأحيان، كصباح مساء ويوم يوم احترز بقوله «ما لم يضف» من حالة الإضافة، فإنه إذا أضيف صدره إلى عجزه استعمل ظرفاً وغير ظرف، فمن استعماله ظرفاً قول الشاعر: ما بال جهلك بعد الحلم والدين... وقد علاك مشيب حين لا حين أنشده س، وقال: «وإنما هو حين حين، ولا بمنزلة ما إذا ألغيت».
ومثاله غير ظرف قول الشاعر: ولولا يوم يوم ما أردنا... جزاءك، والقروض لها جزاء أنشده س. واحترز بقوله «من مركب الأحيان» من أن يكون معطوفاً بالواو، نحو: فلان يتعهدنا صباحاً ومساءً، إذ العطف أصل الإضافة في: صباح مساء، فإذا أضافوا أرادوا معنى العطف، فكان من إضافة الشيء إلى ما اقترن به، كما يضاف الشيء إلى ما يصاحبه ويقترن به، ولو لم يكن الأصل العطف ما وقع الفعل إلا في الأول،

كما يقع الضرب في ضربت غلام زيد على الغلام لا عليه وعلى زيد.
ومثال التركيب كخمسة عشر قولك: فلان يزورنا صباح مساء, ويوم يوم, أي: كل يوم، وكل صباح ومساء.
وفي هذه الحالة- وهي التركيب- لا يستعمل إلا ظرفاً, وقال الشاعر: ومن لا يصرف الواشين عنه... صباح مساء يضنوه خبالا وقال آخر: آت الرزق يوم يوم، فأجمل... طلباً، وابغ للقيامة زادا وإذا ركب كان المعنى: صباح أيامه ومساءها، وجاز أن يضاف وأن يبنى، كما فعل ذلك ببعلبك.
وعلة بنائه تضمنه معنى حرف العطف.
وقد اختلف فيه في العطف إذا قلت صباحاً ومساءً: فقال بعضهم: يعني واحداً غير معين؛ لأنه نكرة, أي: واحداً من هذا وواحداً من هذا، فمعنى العطف فيه غير معنى البناء والإضافة, وقول/س: «إنما معناه صباحاً ومساءً» لا يريد أن حرف العطف مضمر؛ لأنه قد قال في بابه: «إن حروف العطف لا تضمر».
وتأول بعض الناس جواز ذلك من هنا، وهو فاسد لما ذكرت من أن معنى الإضافة والتركيب غير معنى ظهور الواو، وإنما أراد أن الأصل ذلك، ثم حذفوا، ولم يريدوا العطف، بل حذفوا إما للبناء أو الإضافة.
وقال بعضهم: صباحاً ومساءً المراد به التكثير والمبالغة، وكل واحد فيه العموم بغير أداته, فلم يتمكن.
وهذه الأسماء التي التزم فيها الظرفية لا يجوز فيها الاتساع.

وزعم الحريري صاحب المقامات أنه فرق بين قولك: زيد يأتينا صباح مساء، على الإضافة، ويأتينا صباح مساء, على التركيب, وأن الخواص يهمون في ذلك، فلا يفرقون بينهما، وأن الفرق هو أن المراد به مع الإضافة إليه: يأتي في الصباح وحده؛ إذ تقدير الكلام: يأتينا في صباح مساء، والمراد به عند تركيب الاسمين وبنائهما على الفتح أنه يأتي في الصباح والمساء, وكان الأصل: هو يأتينا صباحاً ومساءً، فحذفت الواو العاطفة، وركب الاسمان، وبنيا على الفتح لأنه أخف الحركات، كما فعل في العدد المركب من أحد عشر إلى تسعة عشر.
انتهى ما ذكره في «درة الغواص» من تأليفه.
ورد عليه ذلك أبو محمد بن بري، وقال: هذا الفرق ليس مذهب أحد من النحويين البصريين.
قال أبو سعيد السيرافي: «يقال سير عليه صباح مساء، وصباح مساء، وصباحاً ومساءً، ومعناهن واحد».
ثم قال: «وليس سير عليه صباح مساء مثل قولك ضربت غلام زيد في أن السير لا يكون إلا في الصباح كما أن الضرب لا يقع إلا بالأول- وهو الغلام- دون الثاني؛ لأنك إذا لم ترد أن السير وقع فيهما لم يكن في مجيئك بالمساء فائدة»، وهذا نص واضح.
وقال س: «وتقول: إنه ليسار عليه صباح مساء، ومعناه صباحاً ومساءً».
وهذا أيضاً نص واضح في أنه لا فرق في المعنى بين أن يكون صباح في المعنى مضافاً إلى مساء أو مركباً معه.
وقوله وألحق غير خثعم ذا وذات مضافين إلى زمان يعني: وألحق جميع العرب ذا وذات مضافين إلى زمان بهذه الأسماء التي تقدمت في كونها ملتزماً فيها

النصب على الظرفية؛ ولا يتصرف فيها، إلا أن خثعم أجازت فيها التصرف، فتقول على لغة الجمهور: لقيته ذا صباح وذا مساء، وذات مرة، وذات يوم، وذات ليلة، وقال الشاعر: إذا شد العصابة ذات يوم... وقال إلى المجالس والخصوم وعلى لغة خثعم يتصرف فيها، فتقول: سري عليه ذات ليلة، برفع ذات، وأما /على لغة غيرهم فينصب لأنه ملتزم فيه الظرفية، وقال بعض الخثعميين، وهو أنس بن مدرك: عزمت على إقامة ذي صباح... لأمر ما يسود من يسود وهذا الذي ذكره المصنف من أن ذا وذات المذكورين يتصرفان عند خثعم هو مذهب س والجمهور.
وزعم السهيلي أن ذات مرة وذات يوم لا يتصرفان في لغة خثعم ولا في لغة غيرها، وأن ما أنشده س من قوله: عزمت على إقامة ذي صباح.................... لا حجة فيه؛ لأن ذا صباح يعني به اليوم؛ لأن كل يوم ذو صباح، فالتقدير: عزمت على إقامة يوم.
قال: وقد وجدت في حديث قيلة بنت مخرمة- وهو حديث طويل وقع في مسند بن أبي شيبة- أن أختها قالت لبعلها: «إن أختي تريد المسير مع حريث بن حسان ذا صباح بين سمع الأرض وبصرها».
قال: «وهذا

يكون من باب ذات مرة وذات يوم، غير أنه ورد مذكراً لأنه يستثقل التأنيث مع الصاد وتوالي الحركات، فحذفوها، فقالوا: لقيته ذا صباح، وهذا لا يتمكن كما لا يتمكن ذات يوم وذات حين، ولا يضاف إليه مصدر ولا غيره».
وهذا الذي ذهب إليه من أن ذات هي التي لا تتصرف، وأن ذا يتصرف إلا أن يكون محذوفاً من ذات- باطل؛ لأن ذات صباح إنما جاء في كلامهم بمعنى صباح على ما ذكرناه، وحديث قيلة يدل على ذلك، وما ادعاه من أن الأصل ذات وحذفت التاء لما ذكره دعوى لا دليل عليها, وما ذكره من التعليل غير موجب لحذف التاء في كلام العرب, وإذا تبين أن ذا صباح قد استعمل بمعنى صباح وجب أن يجعل ذلك في بيت أنس, وكأنه قال: عزمت على إقامة وقت, أي: وقت مسمى بهذا الاسم، والوقت المسمى بهذا الاسم هو صباح، ولا يحمل على ما ذكره؛ لأنه لم يثبت من كلامهم أن ذا صباح يراد به اليوم، وما توهمه من أن س إنما ادعى جواز الرفع في ذات في لغة خثعم بسبب بيت أنس غير صحيح، بل حكى عنهم أنهم يرفعون ذات مرة، فيقولون: سير عليه ذات مرة.
وسبب التزام العرب الظرفية في ذات أنها صفة في الأصل لظرف محذوف، فالتقدير: لقيته قطعة ذات يوم, أو ذات مرة, وكذلك لقيته ذا صباح، أي: وقتاً ذا صباح، أي: صاحب هذا الاسم، فحذف الموصوف، وأقيمت صفته مقامه.
ولم يتصرفوا في الصفة بعد حذف الموصوف لأمرين: أحدهما: أن الصفة إذا لم تكن خاصة لم يجز إجراؤها مجرى الموصوف، /وذو وذات بمعنى صاحب وصاحبة ليسا بخاصين بجنس الموصوف المحذوف؛ إذ قد يوصف بهما الزمان وغيره، فلم يجز لذلك أن يجريا مجرى الموصوف المحذوف

فيتصرف فيهما كما كان يتصرف فيه؛ كما أن صفة المصدر إذا لم تكن خاصة به وحذف موصوفها لم يجز إقامتها مقام المصدر، بل تبقى منتصبة على الحال.
والآخر: أن إضافة ذات إلى مرة ويوم، وإضافة ذي إلى صباح- من قبيل إضافة المسمى إلى الاسم، وهي قليلة في كلام العرب، فلم يتصرفوا فيها لذلك, ولقيته صباحاً ويوماً ومرة في معنى: ذا صباح وذات يوم وذات مرة، استغني به عنه لما كان يؤدي معناه مع ما فيه من الاختصار.
وزعم أبو بكر بن الأنباري أن قولك لقيته ذات مرة معناه: حقيقة مرة, وكذلك قال في قوله تعالى ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾، أي: غير حقيقة الشوكة.
قال ابن عصفور: «وهذا باطل؛ لأنه لا يوجد في كلام العرب ذات بمعنى حقيقة، ولذلك لحن الزبيدي من قال: الذاتي بمعنى الحقيقي، ولو ثبت الذات بمعنى الحقيقة لم يكن ذلك لحناً» انتهى.
ومعنى [غير] ذات الشوكة أي: غير الطائفة ذات الشوكة، أي: صاحبة الشوكة.
وفي البسيط: ليس ذات مرة من أسماء الزمان، وإنما مرة مصدر من مر مرة، فنقل إلى الزمان، وذات هي في الأصل وضعت للمصدر، [تقول]: لقيته مرة, أي: واحدة، فلما صار مرة ظرفاً صارت ذات وصفاً لزمان، كأنك قلت: لقيته مدة ذات مرة، أي: واحدة، ثم حذف الموصوف، وأقيمت الصفة مقامه.

وذهب ابن جني إلى أن ذات صارت ظرفاً لإضافتها إلى مرة بعد ما تأول فيه الظرف، وجعله من باب إضافة المسمى إلى الاسم، أي: ذات الذي يقال فيها مرة، كقوله: إليكم- ذوي آل النبي- تطلعت.......................... يريد: ذوي الذي يقال لهم آل النبي، والأصل: لقيته مرة, وإليكم آل النبي.
وقال أبو العباس: الذات هنا ليست تأنيث ذو، وإنما هي بمعنى النفس، كأنه قال: نفس مرة، ونفس يوم.
وقال أيضاً في البسيط: «وربما كان في بعضها عدم التمكن، كظلاماً.
ومنه: لقيته مرة، تريد: زمناً واحداً؛ لأن الزمن الواحد يلازمه الفعل الواحد كالمرة الواحدة، فوضع هذا المصدر موضع الزمن الواحد؛ إذ التاء للتحديد فيه، فدل على ذلك في الزمان».
وفي الإفصاح: ذات مرة، الأصل في ذي أن تكون صفة بمعنى صاحب، وتؤنث بالتاء كما تؤنث الصفات، فكان الأصل: لقيته ساعة ذات مرة، فحذف الموصوف، وأقيمت الصفة مقامه، فضعف لذلك، ولم يستعمل إلا ظرفاً.
هذا تعليل /الأستاذ أبي عبد الله بن أبي العافية، وهو موافق لكلام س؛ لأنه لا يجيء في صفات الأحيان إذا قامت مقام الموصوف إلا أن تكون ظروفاً.
قال: «ومما يختار فيه أن يكون ظرفاً، ويقبح أن يكون غير ظرف صفة الأحيان».
وذكر: سير عليه طويلاً، وحديثاً.
ثم قال: «ولم يجز الرفع لأن الصفة لا

تقع مواقع الاسم، كما أنه لا تكون إلا حالاً، [نحو] قوله: ألا ماء ولو بارداً؛ لأنه لو قال ولو أتاني بارد كان قبيحاً».
قال: «فكما لا تكون هذه الصفة إلا حالاً أو تجري على اسم كذلك هذه الصفات، لا تجوز إلا ظرفاً، ولم يجز أن تتمكن الصفة إلا أن تكون موصوفة على ضعف، نحو: سير عليه طويل من الدهر؛ لأنها إذا وصفت قربت من الأسماء، أو تكون صفة غلبت على الموصوف، وكثر استعمالها دونه، نحو: ملي من الدهر، وقريب».
وقال غير ابن أبي العافية: الأصل في مرة أن تكون مصدراً، فلم تستعمل للحين إلا ظرفاً.
والصحيح في مرة أنها تكون مصدراً وظرفاً، وقيل: ذات مرة من إضافة المسمى إلى الاسم، وهو قلب، ولم يجعلوه إلا ظرفاً، وقد ذكر س تمكن ذات في المكان، وقال: «تقول في الأماكن: سير عليه ذات اليمين وذات الشمال؛ لأنك تقول: داره ذات اليمين وذات الشمال»، فهذا يبطل تعليل أنها في الأصل صلة، أو أن العلة إضافة المسمى إلى اسمه؛ لأنها كذلك في المكان، وكأنه يقول إن مرة أصلها المصدر، وقد قال س إثر ذات مرة وذات ليلة وذات صباح: «فليس يجوز في هذه الأسماء التي لم تتمكن من المصادر التي وضعت للحين وغيرها من الأسماء أن تجرى مجرى يوم الجمعة وخفوق النجم».
وقوله واستقبح الجميع إلى آخر المسألة: يعني جميع العرب، ومثال ذلك: سير عليه قديماً، أو حديثاً أو طويلاً، فهذه أوصاف عرض حذف موصوفها،

وانتصبت على الظرف، فلو تصرف فيها، فقيل: سير عليه قديم أو طويل- قبح ذلك.
وأجاز الكوفيون فيها الرفع.
واحترز بقوله «عرض قيامها مقامه» من صفة لم يعرض قيامها مقامه، بل استعملت ظرفاً، وهي في الأصل صفة، نحو: قريب، وملي, فإنه يحسن إذ ذاك التصرف, فتقول: سير عليه قريب, وسير عليه ملي, وملي صفة استعملت استعمال الأبطح والأبرق، وهو يلي العامل، ومعنى ملي من النهار: قطعة من النهار.
واحترز بقوله «ولم توصف» من حالتها إذا وصفت، فإنه يحسن إذ ذاك فيها التصرف، تقول عليه: سير عليه طويل من الدهر؛ لأنه لما وصف ضارع الأسماء.

-[ص: ومظروف ما يصلح جواباً لـ «كم» واقع في جميعه تعميماً أو تقسيطاً.
وكذا ما يصلح /جواباً لـ «متى» إن كان اسم شهر غير مضاف إليه شهر.
وكذا مظروف الأبد والدهر والليل والنهار مقرونة بالألف واللام.
وقد يقصد التكثير مبالغة، فيعامل المنقطع معاملة المتصل.
وما سوى ما ذكر من جواب «متى» فجائز فيه التعميم والتبعيض إن صلح المظروف لهما.]-

ش: المظروف هو ما يقع في الظرف.
والذي يصلح أن يقع جواباً لـ «كم» ولا يصلح أن يكون جواباً لـ «متى» هو ما كان موقتاً غير معرف ولا مخصص بصفة، نحو: ثلاثة أيام، ويومين؛ ألا ترى أن ذلك يقع جواباً لكم، تقول: كم سرت؟ فتجاب: ثلاثة أيام، أو يومين، فهذا النوع يكون العمل في جميعه، إما تعميماً وإما تقسيطاً، فإذا قلت: سرت يومين أو ثلاثة أيام- فالسير واقع في اليومين أو في الثلاثة من الأول إلى الآخر، وقد يكون في كل واحد من اليومين أو الثلاثة وإن لم يعم من أول اليوم إلى آخره، وهو الذي عنى المصنف بقوله «أو تقسيطاً».
ومثل التعميم

بقولك: صمت ثلاثة أيام، والتقسيط بقولك: أذنت ثلاثة أيام، قال: «وقد يكون العمل صالحاً لهما، فيجوز أن يقصد المتكلم ما شاء منهما، كقولك: تهجدت ثلاثة ليال، فيجوز أن تريد الاستيعاب، ويجوز أن تريد إيقاع تهجد في بعض كل واحدة منهن» انتهى.
وإذا قلت سرت يومين فلا يجوز أن تكون إنما سرت في أحدهما.
وهذا النوع من الظروف لا يكون العامل فيه إلا ما يتكرر ويتطاول، ولو قلت: مات زيد يومين أو ثلاثة أيام، وأنت تريد الموت الحقيقي- لم يجز ذلك.
وقال في البديع: «متى كان الظرف جواباً لـ «كم» كان العمل مستغرقاً له؛ لأنها سؤال عن عدد، فلا يقع جوابه إلا بجميع ما تضمنه سؤاله، وإن أجيب ببعضه لم يحصل غرضه، فإذا قال: كم صمت؟ قلت: يومين، مثلاً، فلا يكون صومك دونهما، ولا أكثر منهما، ويكون الجواب نكرة كهذا، ومعرفة كاليومين المعهودين».
وأنكر ابن السراج أن يرد جواب كم معرفة، فقال: «ولا يجوز أن تقول: الشهر الذي تعلم؛ لأن هذا من جواب متى, ومتى كان الظرف جواب متى كان العمل مخصوصاً ببعضه؛ لأنها سؤال عن تعيين الوقت، فلا يجيء في جوابه إلا المخصوص، فإذا قال: متى قدمت؟ قلت: يوم الجمعة، ولو قلت يوماً لم يجز، ويجوز أن يقع معرفة باللام، فتقول: اليوم المعهود.
فأما قولهم: سار الليل، والنهار, والدهر, والأبد- فهو- وإن كان لفظه لفظ المعارف- فإنه في جواب كم، ولا يجوز أن يكون في جواب متى؛ لأنه يراد به التكثير، وليس بأوقات معلومة محدودة، فإذا قيل: سير عليه الليل والنهار- فكأنه قيل: سير عليه دهراً طويلاً».

وقوله وكذا ما يصلح جواباً لـ «متى» إن كان اسم شهر غير مضاف إليه /شهر مثال ذلك المحرم وصفر وسائر أسماء الشهور، تقول: سرت المحرم، وسرت صفر، فالعمل يقع في جميع الشهر إما تعميماً أو تقسيطاً؛ لأن علم الشهر إذا أطلق هو بمنزلة الثلاثين يوماً، فتقول: اعتكفت المحرم، فهذا للتعميم، وتقول: أذنت المحرم، فهذا للتقسيط، فلا يمكن أن يخلو يوم منه من الأذان فيه.
وظاهر قول المصنف «إن كان اسم شهر» العموم في جميع أسماء الشهور الاثني عشر.
وظاهر قوله «غير مضاف إليه شهر» أنه يجوز أن يضاف شهر إلى جميعها، فتقول: شهر المحرم، وشهر صفر، إلى آخرها، وليس الحكم كما يدل عليه ظاهر كلامه، ولم تستعمل العرب من أسماء الشهور مضافاً إليه شهر إلا رمضان وربيع الأول وربيع الآخر، وأما غير هذه الثلاثة من باقي أعلام الشهور فلا يضاف إليه شهر، لا يقال: شهر المحرم، ولا: شهر صفر، ولا: شهر جمادى, إلا أن في كلام س ما يخالف هذا، وهو أنه أضاف شهراً إلى ذي القعدة، قال س: «ولو قلت: شهر رمضان، أو شهر ذي القعدة- صار بمنزلة يوم الجمعة»، ولهذا أخذ أكثر النحويين بجواز إضافة شهر إلى سائر أعلام الشهور، ولم يخصوا ذلك بالثلاثة التي ذكرناها.
والشهر في أصل اللغة ليس للثلاثين يوماً، ولا للوقت الذي يشتمل عليها، وإنما هو اسم للهلال، حكى ذلك أبو عبد الله بن الأعرابي وغيره من اللغويين، وأنشدوا شاهداً على ذلك قول الشاعر:

فأصبح أجلى الطرف، ما يستزيده... يرى الشهر قبل الناس، وهو ضئيل قالوا: وإنما قيل للثلاثين يوماً شهر لطلوع الهلال فيها.
ودل كلام المصنف بمفهوم الصفة أنه إذا أضيف «شهر» إلى علم الشهر أنه لا يكون العمل في جميعه تعميماً ولا تقسيطاً؛ بل يجوز أن يكون العمل في جميعه، ويجوز أن يكون في بعضه، فتقول: صام زيد شهر رمضان، فيعم، وقدم زيد شهر رمضان، فيكون القدوم في بعضه، وسار زيد شهر رمضان، فيحتملهما.
وما ذكرناه من التفرقة بين «رمضان» و «شهر رمضان» هو مذهب الجمهور.
وزعم الزجاج أنه لا فرق بين رمضان وشهر رمضان، فإنه يجوز أن يكون العمل في بعضه، وأن يكون في جميعه.
وهو مخالف لما قال س، قال س: «ومما أجري مجرى الدهر والليل والنهار: المحرم وصفر وسائر أسماء الشهور إلى ذي الحجة؛ لأنهم جعلوهن جملة واحدة لعدة أيام، كأنهم قالوا: سير عليه الثلاثون يوماً، ولو قلت شهر رمضان كان بمنزلة يوم الجمعة والبارحة، ولصار جواب متى» انتهى كلام س، وقد فرق بين ذكر رمضان وشهر رمضان /كما ترى، فجعل المحرم في جواب كم، وجعل شهر رمضان في جواب متى.
وهذه التفرقة إنما تكون بالاستقراء والسماع، وليس للقياس هنا مجال.
وفي الإفصاح: «ذكر س في أسماء الشهور كلها أنها لا تكون في كلامهم ظرفاً إلا بشرط أن يستوفيها الفعل، جعلوها أسماء لثلاثين يوماً موقتة، ومن غلط س في هذا فقد أساء؛ لأنه موضع سماع وإن أعطى القياس خلافه، وعليه أن يأتي من كلامهم بنحو: مات زيد رمضان، وقدم رمضان، وعمي رمضان، أو صفراً، أو المحرم، أو غيره من أسماء الشهور المعرفة» انتهى.

وقال بعض أصحابنا: «ومما يدل على أن شهر المحرم قد يكون العمل فيه كله وقد يكون في بعضه قوله تعالى ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، وإنزال القرآن إنما هو في بعضه؛ بدليل ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، وقوله تعالى ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184) شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ في قراءة من نصب، والصيام إنما هو في جميعه، بخلاف رمضان من غير إضافة شهر إليه، فإن العمل لا يكون إلا في جميعه، نحو قوله عليه السلام (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)؛ إذ فهموا أن هذا الثواب الجزيل إنما جعل في مقابلة القيام في جميع رمضان لا في بعضه» انتهى.
والسبب في أن كان العمل في جميع الشهر إذا أضيف إلى علم الشهر وفي بعضه أن الشهر بإضافته إلى الاسم العلم صار وقتاً عندهم؛ وخرج عن أن يكون معدوداً، وكأنه قال: سرت زمان رمضان، ووقت رمضان؛ لأن الشهر إذا أضيف إلى اسمه لم يرد به معنى العدد؛ لأن في اسمه معنى العدد؛ ألا ترى أن رمضان كما قدمناه بمنزلة قولك الثلاثين يوماً المسماة بالمحرم، فلو أضفت شهراً إليه مريداً به العدد كان بمنزلة: ثلاثي ثلاثين، وذلك لأنه لا وجه له، ولو أفردت شهراً، فقلت: سرت شهراً، أو سرت الشهر الذي تعلم- عم العمل جميعه؛ لأنه حالة الانفراد لا يراد به وقت، إنما هو بمنزلة الثلاثين يوماً إن كان معرفة، وبمنزلة ثلاثين يوماً إن كان نكرة.

وزعم ابن خروف أن الفرق بين «رمضان» و «شهر رمضان» من جهة أن رمضان علم، وشهر ليس كذلك، إنما هو معرفة بإضافته إلى رمضان، وكذلك سائر أسماء الشهور، والعلم واقع على الشخص بجميع صفاته، فكذلك أسماء الشهور كالأعلام، فلا يقع على بعض الشهر، قال: «وليس كالشهر لأنه واقع على جزء من الشهر منفرداً أو مجتمعاً»؛ من جهة أنه ليس عنده علماً، فأجاز على هذا القول أن تقول: سرت الشهر، وأنت تريد أن السير في بعضه.
وأجاز أن يعمل في الشهر ما لا يتطاول، نحو: لقيتك الشهر.
وكذلك زعم في أعلام الأيام أنها كأعلام /الشهور، فإذا قلت: سرت السبت، أو سرت الخميس- لم يكن العمل إلا في جميعها؛ لأنها علمان، فإذا أضيف إليها يوم أو ليلة, فقلت: سرت يوم الخميس- جاز أن يكون السير في بعض اليوم أو في جميعه؛ لأن تعريفه إنما هو بالإضافة.
وأجاز كذلك أن يعمل في اليوم المضاف إليهما ما لا يتطاول، نحو قولك: لقيتك يوم الخميس، ولم يجز إعماله في السبت والخميس وسائر أيام الأسبوع، لا يجوز عنده أن تقول: لقيتك السبت، ولا: لقيتك الخميس.
وهذا الذي ذهب إليه باطل؛ لأن الاسم يتناول مسماه بجملته نكرة كان أو غير نكرة، معرفة علماً أو غير علم، وإنما التفرقة بين المحرم وأسماء الشهور إذا أضيف إليها شهر وبينها إذا لم يضف إليها شهر؛ من جهة أنه إذا انفرد الشهر ولم يضف فالعمل في جميعه؛ لأنه يراد به ثلاثون يوماً، ولا يجوز أن يكون في بعضه كما زعم ابن خروف.
وكذلك أسماء الأيام يجوز أن يكون في كلها وفي بعضها؛ لأنها من قبيل المختص غير المعدود، ويعمل فيه المتطاول وغيره، فسواء أضيف إليه يوم أو لم يضف، فتقول: مات زيد الخميس، ويوم الخميس، كما تقول: مات شهر رمضان، وصام زيد الخميس، ويوم الخميس، كما تقول: صام شهر رمضان.

وقوله وكذا مظروف الأبد والدهر والليل والنهار مقرونة بالألف واللام يعني أنها مثل رمضان إذا لم يضف إليه شهر يكون للتعميم، قال س: «ومما لا يكون العمل فيه من الظروف إلا متصلاً في الظرف كله قولك: سير عليه الليل والنهار، والدهر، والأبد».
ثم قال: «لا تقول: لقيته الدهر، والأبد، وأنت تريد يوماً فيه، ولا: لقيته الليل، وأنت تريد لقاءه في ساعة دون الساعات» انتهى.
وقوله وقد يقصد التكثير مبالغة، فيعامل المنقطع معاملة المتصل مثال ذلك: سير عليه الأبد، لا تريد التعميم، بل قصدت المبالغة مجازاً, وإن كان لم يقع السير في جميع الأبد، كما أنه إذا قال القائل: أتاني أهل الدنيا، لا يريد به الحقيقة، وإنما أتاه ناس منهم، نزلهم منزلة جميع أهل الدنيا على سبيل المبالغة والتجوز.
والصيف والشتاء والربيع واقعة على فصول من السنة معلومة، ولم يقصد بها العدد، وكل ما وقع على معين ليس بعدد جاز أن يكون العمل في كله وفي بعضه، فإذا كان في كله كان جواب كم، وإذا كان في بعضه كان جواب متى، فيجوز: انطلقت الصيف، فهذا في جواب متى؛ لأن الانطلاق من الأفعال التي لا تتطاول، ويجوز: سرت الصيف، وأنت تريد التعميم؛ لأن السير مما يمتد، ويكون جواب كم، ومن ذلك قوله: فقصرن الشتاء بعد عليه... وهو للذود أن يقسمن جار

يريد: قصر ألبان /الذود عليه في جميع هذا الفصل، ولم يرد أنه قصرها عليه في بعض الفصل.
ومن استعمال الربيع ظرفاً قول الشاعر: كأن قتودي على قارح... أطاع الربيع له الغرغر وقوله وما سوى ما ذكر من جواب متى إلى آخره تقدم له مما يصلح أن يكون جواب متى أعلام الشهور غير المضاف إليها شهر، والأبد، والدهر، والليل، والنهار.
ثم قال: وما سوى ما ذكر، وذلك نحو: اليوم، والليلة، ويوم الجمعة، وليلة الجمعة، وأسماء أيام الأسبوع، وأشباه ذلك، تقول: صام زيد اليوم، ولقيت زيداً اليوم، وسار زيد اليوم، فالأول يعم، والثاني وقع الفعل في بعضه، والثالث يحتمل أن يكون السير مستغرقاً لليوم، ويحتمل أن يكون وقع في بعضه؛ لأن المظروف الذي هو السير صالح للتعميم والتبعيض.
وكون ما يكون العمل في جميعه هو ظرف، وانتصب انتصاب الظروف- هو مذهب البصريين.
وزعم الكوفيون أنه ليس بظرف، وأنه انتصب انتصاب المشبه بالمفعول؛ لأن الظرف عندهم ما انتصب على تقدير في، وإذا عم الفعل الظرف لم يتقدر عندهم فيه في؛ لأن في تقتضي عندهم التبعيض، فلا يجوز عندهم: صمت في يوم الجمعة، ولا: يوم الجمعة صمت فيه، ولا: سرت في ثلاثة أيام، إذا كان السير يستغرق الثلاثة الأيام، وإنما جعلوه مشبهاً بالمفعول لا مفعولاً به لأنهم رأوه ينتصب بعد الأفعال اللازمة.

وما ذهبوا إليه باطل؛ لأنهم بنوه على أن في تقتضي التبعيض، وهي إنما هي للوعاء، قال تعالى ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾، فأدخل في على الأيام، والعمل متصل فيها؛ بدلالة قوله تعالى ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾، وقال تعالى ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى﴾، فأدخل في على ضمير الأيام والليالي مع أن الرؤية متصلة في جميعها.
وفي الإفصاح: «الكوفيون لا يجيزون: صمت في يوم الخميس، ولا: قرأت في يوم الخميس، إذا استوعبت، ويقولون: في تقتضي التبعيض، كما تقول: جلست في الدار.
والكوفيون في ذلك على غير صواب؛ فإن العرب تقول: تكلمت في القوم أجمعين، وسرت في بعض النهار، وصمت النهار، فيستوعبه.
وقبل هذا القول منهم ابن الطراوة، وزاد: إنك إذا نصبت ما لا تدخل عليه «في» في مذهبهم فإنما تنصبه على أنه مفعول به، نحو: سرت ميلاً، وفرسخاً، وبريداً، ونحو: صليت المحرم.
وهذا كله ليس بشيء؛ لأن المقصود بالظرفية الوقوع في الوقت استوعبه أو لم يستوعبه» انتهى.
وهذا تقسيم لظروف الزمان اختصرناه من كلام أصحابنا: ظرف الزمان ثلاثة أقسام: قسم يقع جواب /كم لا جواب متى، وهو ما كان موقتاً غير معرف ولا مخصص بصفة، والعمل فيه جميعه لا بعضه، ولا يعمل فيه إلا ما يتكرر ويتطاول.

وقسم يقع جواب متى، وهو ما كان معرفاً أو مخصصاً، وهو قسمان: غير معدود: ويكون العمل فيه جميعه، وفي بعضه، ومنه شهر مضاف إلى أسماء الشهور، وأسماء أيام الأسبوع.
ويعمل فيه ما يتطاول وما لا يتطاول.
ومعدود: ولا يكون العمل إلا في جميعه، ومنه أعلام الشهور غير المضاف إليها شهر، ولفظ شهر نكرة أو معرفاً بأل.
وقسم لا يصح وقوعه جواباً لـ «كم» ولا جواباً لـ «متى»، وهو ما كان غير موقت ولا مخصص، نحو: حين، ووقت.
وهذا النوع من قبيل ما يقع العمل فيه كله؛ لأنه يراد به من الزمان القدر الذي وقع فيه الفعل.
وفي البسيط ما ملخصه: الظرف صالح للاتصال، وغير صالح له، ومحتمل الأمرين: الأول معدود ومفرد ومعطوف، المعدود كاليومين والشهرين وشهرا ربيع، وكذلك المجموع، لا تقول: لقيته يومين، ويصح: سرت يومين.
والمفرد ما وضع للتكثير أو للعدد، والتكثير كالدهر والأبد، ويكون للاتصال حقيقة أو مجازاً.
وللعدد أسماء الشهور كالمحرم، كأنه وضع لثلاثين يوماً، وكذلك الأسبوع.
وقيل: منه أسماء الأيام، فلا تقول: لقيته الأربعاء؛ فإنه اسم لعدد الساعات، وتقول: سرت الأربعاء، فإن أردت عدم الاتصال قلت: لقيته يوم الأربعاء، وشهر رمضان لغير الاتصال، ورمضان للاتصال، خلافاً للزجاج؛ إذ ذهب إلى أن أسماء الشهور ليست للاتصال، بل هي كالسنة والعام، تكون لغير الاتصال، تقول: لقيته العام الأول، فكذلك هذه، فلا تفيد الاتصال إلا بالعطف، وقد ذكر س الاتصال في أسماء الشهور، فكان حجة على الزجاج.
والمتسع فيه من هذا النوع لا يكون إلا للاتصال، نحو: القتال شهران.
فأما ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ فعلى حذف، كأنه

قال: مواقيت الحج، أو الحج حج أشهر.
وقالوا: الحر شهران، والبرد شهران.
وأما: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ فعلى الحذف، أي: مدة حمله وفصاله.
ومثل المحرم الشتاء والصيف، هو للاتصال المعطوف، [تقول]: سرت الليل والنهار، ولا تقول: لقيته الليل والنهار، والشتاء والصيف.
ولا يلزم في هذه العطف؛ لأنه بانفراده دال على الاتصال، بخلاف الليل والنهار، فإن وقع ما لا يكون متصلاً يؤول، نحو: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً﴾، ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ يريد: تمام ذلك العدد، أو: تتمة هذا، ومثله: لقد أتى في رمضان الماضي... جارية في درعها الفضفاض يريد: في شهر رمضان، ولذلك منع الزجاج أن يكون ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ منصوباً بـ ﴿كُتِبَ﴾.
/وأجازه الفراء وغيره، ومنه قولك: ولد لفلان الولد في ستين عاماً، أي: لاستكمال الستين.
وقد يتجوز بالظرف على هذا المعنى كما قالوا: ولد له ستون عاماً.

وأما ما هو غير صالح للاتصال فالضيق من الزمان الذي لا يسع تكرار الفعل، كالآن والساعة والبكرة، وهذا يصح أن يقرن به فعل الاتصال، كسرت الساعة، وغير الاتصال، كلقيتك الساعة.
وأما المحتمل فكاليوم والشهر والسنة والعام، فيصح أن يقع الفعل فيه كله، وفي جزء منه، فتقول: سرت العام، ولقيتك العام، وسواء أقارن الظرف في أم لم تقارن.
فإن استغرق الفعل الظرف فالبصريون يجيزون فيه الظرف والتوسع، فتقول: الصوم يوم الخميس، رفعاً ونصباً.
ومنع الكوفيون النصب، يعنون على الظرف.
وإن كان في بعضه جاز الرفع والنصب، نحو: رحيلنا يوم الخميس، لكن النكرة الرفع فيها الأكثر، قال تعالى ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾.
وذكر بعضهم أن الاتساع للاتصال لا لغيره، فتقول: القتال اليوم، ولا تقول: اللقيا اليوم.
وجواب كم نكرة ومعرفة، يقول: كم سرت؟ فتقول: الشهر كله، أو: المحرم.
وزعم ابن السراج أن جواب كم نكرة.
ويحمل على أنه أراد الأصل، فتكون المعرفة فيه فضلاً وزائداً على الحاجة، والزيادة لا تفسد، كما يأتي في جواب «أزيد عندك أم عمرو» بالاسم، وإن كان الأصل: نعم، أو: لا.
وجواب متى معرفة؛ لأن المراد التعريف بالوقت، بخلاف كم؛ لأن المراد العدد.

-[ص: فصل وفي الظرف ظروف مبنية لا لتركيب، فمنها إذ للوقت الماضي لازمة الظرفية، إلا إن أضيف إليها زمان، أو تقع مفعولاً بها، وتلزمها الإضافة إلى جملة، وإن علمت حذفت، وعوض منها تنوين، وكسرت الذال لالتقاء الساكنين لا للجر، خلافاً للأخفش.
ويقبح أن يليها اسم بعده فعل ماض.
وتجيء للتعليل، وللمفاجأة.
وتركها بعد بينا وبينما أقيس من ذكرها، وكلاهما عربي.
وتلزم بينا وبينما الظرفية الزمانية والإضافة إلى جملة، وقد تضاف بينا إلى مصدر.]-

ش: لما تكلم قبل في الظروف المعربة والمبنية أخذ في الكلام على الظروف المبنية، فذكر منها إذ.
والدليل على اسميتها الإخبار بها، والإبدال منها، وتنوينها في غير ترنم، والإضافة إليها بلا تأويل، نحو: مجيئك إذ جاء زيد، ورأيتك أمس إذ جئت، ويومئذ، و ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾.
وبنيت لافتقارها إلى ما بعدها من الجمل، أو لما عوض منها، وعلى رأي المصنف لوضعها على حرفين.
وقوله للوقت الماضي هذا أصل وضعها, وسيذكر المصنف خروجها عن هذا الوضع بمجيئها للتعليل وللمفاجأة /وبمعنى إذا الاستقبالية, إن شاء الله.

وقوله لازمة الظرفية يعني أنها لا تتصرف بأن تكون فاعلة أو مبتدأة.
وقوله إلا إن أضيف إليها زمان لما كانت تدل على مطلق الزمان الماضي أضيف إليها ما يحصل لها به تخصيص، نحو يوم وليلة وساعة, أو مرادفها, نحو حين, فيكون من إضافة الشيء إلى مرادفه لاختلاف اللفظين, وكأنها لم تخرج بذلك عن الظرفية.
وقوله أو تقع مفعولاً بها وكونها تقع مفعولاً بها جعله المصنف من الدلائل على اسميتها، ومثل ذلك بقوله تعالى ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ﴾.
وهذا الذي ذكره المصنف من أن إذ تقع مفعولاً بها ذهب إليه جماعة من البصريين، منهم الأخفش والزجاج، وخصوصاً فيما ورد من ذلك في القرآن، ولم يمكن عندهم أن ينتصب على الظرف؛ لأن اذكر مستقبل، ومحال وقوع المستقبل في الماضي.
وفي البسيط: «إنه مفعول باذكر».
قال: «ولا يريد تعيين الزمان، وإنما يريد الواقع فيه، واستغنى عن ذكر الواقع بكون إذ مضافة إليه» انتهى.
والذي أذهب إليه أن استعمال إذ مفعولاً بها لا يجوز؛ إذ لا يوجد من كلامهم نحو: أحببت إذ قدم زيد، ولا: كرهت إذ قدم، وإنما ذكروا ذلك مع اذكر لما اعتاص عليهم ما ورد من ذلك في القرآن، وتخريجه سهل، وهو أن تكون إذ معمولة لمحذوف يدل عليه المعنى، أي: واذكروا حالكم أو قصتكم أو أمركم، وقد

جاء بعض ذلك مصرحاً به، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾، فـ «إذ» ظرف معمول لقوله: ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾، وهذا أولى من إثبات حكم كلي بمحتمل بل بمرجوح.
وقوله وتلزمها الإضافة إلى جملة الجملة تكون خبرية فعلية مصدرة بماض أو بمضارع في معنى الماضي، واسمية من مبتدأ وخبر، كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾، فأما قولهم: «قمت إذ ذاك»، و «فعلت إذ ذاك»، كما قال: هل ترجعن ليال، قد مضين، لنا... والعيش منقلب إذ ذاك أفنانا فليست مضافة إلى مفرد بل إلى جملة، والتقدير: إذ ذاك كذلك، كما حذف الخبر في قوله: أيام جمل خليلاً، لو يخاف لها... هجراً لخولط منه العقل والجسد والتقدير: أيام جمل أكرم بها خليلاً.
وإذا جاز هذا في أيام مع صحة إضافتها إلى المفرد فهو فيما لا يضاف إلا إلى الجملة أجدر؛ لأن الدلالة عليه أقوى.

ولا تضاف إلى الجملة الشرطية سواء أكانت فعلية، نحو قولك: أتذكر إذ إن تأتنا نكرمك، أو /اسمية, نحو قولك: أتذكر إذ من يأتك نكرمه، فإن اضطر شاعر جاز أن تليها الجملة الشرطية.
وقوله وإن علمت حذفت وعوض منها تنوين أي: وإن علمت الجملة حذفت.
والذي يظهر من قواعد العربية أن هذا الحذف جائز لا واجب، فإذا حذفت عوض منها تنوين.
والدليل على العوضية كونهما لا يجتمعان.
قال المصنف في الشرح: «حق تنوين العوض أن يكون عوضاً من بعض كلمة، كتنوين يعيل مصغر يعلى، فإنه عوض من لام الكلمة، وكتنوين جندل، فإنه عوض من ألف جنادل، فلما كانت الجملة التي تضاف إليها إذ بمنزلة الجزء منها، وحذفت- عوملت في التعويض منها معاملة جزء حقيقي».
وقوله وكسرت الذال لالتقاء الساكنين لا للجر، خلافاً للأخفش وذلك أنهم لما عوضوا التنوين التقى الساكنان، هو وذال إذ، فكسر لالتقاء الساكنين، كما كسروا صه حين نونوه تنوين التنكير.
وزعم أبو الحسن أن هذه الكسرة كسرة إعراب، وأن إذ معربة إذ ذاك، لما أضيف إليها اسم الزمان وحذفت الجملة بعدها أعربت، وجرت بالإضافة.
قال المصنف: «وأظن حامله على ذلك أنه جعل بناءها ناشئاً عن إضافتها إلى الجملة، فلما زالت من اللفظ صارت معربة».
وقد رد مذهب الأخفش بوجوه:

أحدها: أنه قد سبق لإذ حكم البناء، والأصل استصحابه حتى يقوم دليل واضح على إعرابه.
الثاني: أن العرب قد بنت الظرف المضاف لإذ، ولا علة لبنائه إلا كونه مضافاً لمبني، فلو كانت الكسرة إعراباً لم يجز بناء الظرف.
الثالث: أن العرب قالت: يومئذاً، بفتح الذال منوناً، عدل في البناء إلى الفتح لطلب التخفيف، فلو كان إذ منجراً بالإضافة إعراباً لم يجز فتحه؛ لأنه إذ ذاك مخفوض بالإضافة، فتظهر فيه الكسرة، ولما كان مبنياً بنوه مرة على الكسر على أصل التقاء الساكنين، ومرة على الفتح طلباً للتخفيف.
الرابع: قول العرب: كان ذلك إذ، بغير إضافة شيء.
وقال الشاعر: نهيتك عن طلابك أم عمرو... بعاقبة، وأنت إذ صحيح وتأوله الأخفش على تقدير مضاف محذوف، أي: وأنت حينئذ صحيح.
ورد هذا التأويل بأنه لا يحذف المضاف ويبقى المضاف إليه على إعرابه إلا بشرط أن يكون معطوفاً على مثله؛ نحو: ما مثل زيد ولا أخيه يقولان ذلك.
فإن فات هذا الشرط /كان الحذف نادراً، نحو: رأيت التيمي تيم زيد، وقول

العرب «كان ذاك إذ» من الكلام الدائر في لسانهم، فلا ينبغي أن يحمل على النادر.
ورد أيضاً بأن إبقاء المضاف إليه على إعرابه من الجر إذا حذف المضاف إليه قليل بالنسبة إلى إعرابه بإعراب ما أضيف إليه، وله مع إعرابه بإعراب ما أضيف إليه شرط، وهو أنه لا يصلح أن يؤدي ما يؤدي المحذوف؛ ألا ترى تباين أهل والقرية في قوله ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾، فإذا كان شرطاً في هذا فأحرى أن يكون شرطاً فيما بقي مجروراً بعد الحذف، وحين وإذ معناهما واحد، وتصلح إذ لما تصلح له حين، فلا يجوز فيها الحذف.
وقوله ويقبح أن يليها اسم بعده فعل ماض مثاله: كان ذلك إذ زيد قام، فهذا قبيح.
فإن وليها اسم بعده مضارع، نحو: إذ زيد يقوم، أو ماض، نحو: إذ قام زيد، أو مضارع، نحو: إذ يقوم زيد- كان ذلك حسناً.
وعللوا قبح ذلك بأنه لما كانت هي ظرف زمان لما مضى، وكان الفعل الماضي مناسباً له في الزمان وفي دلالة الماضي عليه بلفظه، وكانا في جملة واحدة- لم يحسن الفصل بينهما، بخلاف ما سواه من حيث الصيغة، وإن كان الزمان واحداً.
وقوله وتجيء للتعليل ثبت في بعض النسخ: وتجيء حرفاً للتعليل.
قال المصنف في الشرح: «كقوله تعالى {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَاوُوا إِلَى

الْكَهْفِ}، وكقوله: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ﴾، ﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾.
ومثله قول الشاعر: فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم... إذ هم قريش، وإذ ما مثلهم بشر وأشار إليها س، فقال في باب ما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره في غير الأمر والنهي: (إن أن في قولهم أما أنت منطلقاً انطلقت بمعنى إذ، وإذ بمعنى أن، إلا أن إذ لا يحذف فيها الفعل، و «أما» لا يذكر بعدها الفعل المضمر)، هذا نصه» انتهى كلام المصنف.
وقال الأستاذ أبو علي: قال بعض المتأخرين: إن إذ تستعمل بمجرد التسبيب معراة من الظرفية, وزعم أنه مراد س بقوله «لأنها في معنى إذ في هذا الموضع، وإذ في معناها أيضاً»، واستشهد على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾، وقال: محال أن تكون ظرفاً؛ لأن الفعل المستقبل لا يقع في الظرف الماضي، فإنما هي لمجرد التسبيب.
ومثله قول الشاعر: ألا رجلاً، أحلوه رحلي وناقتي... يبلغ عني الشعر إذ مات قائله

والجواب أن كلام س لا دليل فيه على ما ذكر، وإنما معناه: لأنها في معنى إذ في السببية ليس غير، بل ظواهر الكتاب في غير هذا الموضع تدل على أنها /لا تخرج من الظرفية.
وأما البيت والآية فلا دليل فيهما؛ لأن العامل في إذ في الآية محذوف، والتقدير: ولن ينفعكم اليوم اشتراككم في العذاب وجب لكم ذلك إذ ظلمتم أنفسكم بالكفر والطغيان، فإذ ظرف ماض، فيه معنى التسبيب, وكذلك لا يكون التقدير في البيت وأمثاله.
انتهى.
ودل على أن ما اختاره المصنف هو قول لبعض المتأخرين، وأن ظاهر كلام س مخالف لهذا القول.
وقوله وللمفاجأة ثبت في بعض النسخ بعد هذا ما نصه: وليست حينئذ ظرف مكان ولا زائدة، خلافاً لبعضهم.
أما كونها للمفاجأة فذكر ذلك ابن جني، قال ابن جني في بينما زيد قائم إذ قعد عمرو: «قعد ينصب إذ؛ لأنها ليست بمضافة إليها، إنما هي الآن للمفاجأة، فهي على حد الشرط» انتهى.
ويظهر من كلام المصنف في الفص والشرح أنها لا تكون للمفاجأة إلا بعد بينا وبينما.
ومذهبه فيها أنها حرف إذا كانت المفاجأة.
وذهب كثير من النحويين إلى أنها زائدة في مثل قوله: بينما نحن بالأراك معا... إذ أتى راكب على جمله

وقوله: بينا كذلك، والأعداد وجهتها إذ راعها لحفيف خلفها فزع ويأتي تأويل هذا البيت وما أشبهه إن شاء الله.
وحكى هذا المذهب السيرافي عن بعضهم.
وحكى أيضاً أن بعضهم جعلها ظرف مكان، وكأن هذا قاسها على «إذا» إذا كانت للمفاجأة في نحو: خرجت فإذا الأسد، فإن كثيراً من أصحابنا ذهبوا إلى أنها ظرف مكان, وعزوه إلى س. وقال المصنف: «المختار عندي الحكم بحرفيتها».
وإلى ذلك ذهب الأستاذ أبو علي في أحد قوليه.
والذي نختاره نحن خلاف قوله, وأنها ظرف زمان على حالها التي استقرت لها, ولا نخرجها إلى الزيادة ولا إلى الحرفية ولا إلى كونها ظرف مكان؛ لأنه يمكن إقرارها ظرف زمان على ما نبينه، إن شاء الله.
وقوله وتركها بعد بينا وبينما أقيس من ذكرها إنما كان أقيس لأن المعنى يستفاد بدونها، ولوضوح بيان العامل في بينا وبينما، وهو ما يشبه الجواب في نحو: بينما زيد قائم أقبل عمرو، فالناصب لـ «بينما» هو أقبل.

وبعضهم يطلق عليه جواباً، وليس بجيد؛ لأنّ ذلك ليس بشرط، ولو كان شرطاً لم يسغ أن يقال إنه يعمل فيه الجواب، وأمّا مع وجود إذْ فلا يمكن أن يعمل ما بعدها فيما قبلها، سواء أكانت حرفاً أم ظرفاً؛ لأنه إذا كانت حرفاً للمفاجأة فلا يعمل ما بعد المفاجأة فيما /قبلها، وإن كانت ظرفاً فما بعدها مضافٌ إليه، والمضاف إليه شيءٌ لا يعمل فيما قبله، فلذلك ذكروا أنّ بينما وبينا ينصبهما فعلٌ يقدَّر مما بعد إذْ، ويكون ما بعد إذْ يفسِّر ذلك العامل، فيقدّر في مثل بينما زيدٌ قاعدٌ إذْ أقبلَ عمرٌو العامل في بينما أقبلَ محذوفة، ويفسّرها قوله: إذْ أقبلَ عمرٌو، نص علي ذلك ابن جِنِّيْ وابن الباذَش وغيرهما من أصحابنا.
وأمّا مَن جعل إذْ زائدة فالعامل في بينما وبينا العامل المذكور بعد إذ الزائدة، وذلك واضح.
وإلي زيادة إذْ ذهب أبو عبيدة، وحمل عليه إذْ في القرآن في قوله ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ حيث وقع في أول الكلام.
وردَّه الزَّجّاج، وقال: «هذا إقدام منه في القرآن».
وقال س: «بينا أنا كذا إذْ جاءَ زيدٌ، فهذا لِما تُوافِقُه وتَهجُم عليه».
ومثال تركها بعد بَيْنا قول الشاعر: [فَبَينا نحُن نرْقبُهُ أَتانا... مُعَلِّقَ وَفْضةٍ وزِنادَ راعِ]

جارٍ التحميل