التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيلصفحات 61-100

ومهل، فاللفظ مشاكل للمعنى، لما تكرر في اللفظ العين.
دل على تكرر في المعنى، كما قالوا صر الباب، فإذا تكرر الصرير قالوا صرصر وصرر.
ونحو منه ضراب فيمن تكرر منه الفعل.
انتهى.
وهذا المذهب فاسد بدليل قوله تعالى ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾، فلو كان التضعيف يفيد التكرار لناقض أول الآية آخرها؛ لأنه إذا نزل جملة واحدة لا تكرار في نزوله، وإذا تكرر فيه النزول لم يكن نزوله جملة واحدة، وبدليل قوله/ تعالى ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾، وأجمع المفسرون على أن ﴿قوله وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ هو قوله تعالى ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾، وهذه الآية التي أخبر الله تعالى أنه نزلها لم يتكرر نزولها، إنما نزلت مرة واحدة، وكثرة معاقبة التضعيف للهمزة في مضارع ينزل في القرآن يدل على أنهما بمعنى واحد، فهذا المذهب هو الصحيح.
وقوله ويغني عنها قليلاً مثاله قويت الشيء، وهيأته، وحكمت فلاناً وطهرت الشيء، ونظفته، وسلمته، وقدمته، وأخرته، وخلصته.
وهذا النوع مع كثرة مثله قليل بالنسبة إلى النوع المستغنى فيه بأفعل عن فعل، قال المصنف: "ولذلك وجد في أفعل ما يتعدى إلى ثلاثة دون حمل على غيره، ولم يوجد ذلك في فعل إلا في نبأ وحدث، وهما محمولان على أعلم بتضمين معناها" انتهى.

ونقص المصنف خبر، فإنها في التضعيف مثل نبأ وحدث.
وقول المصنف "ولم يوجد ذلك في فعل إلا في نبأ وحدث" ليس الاستثناء فيه صحيحا؛ لأنه لم يتعديا بالتضعيف إلى ثلاثة، فليس التضعيف فيهما نظير الهمزة في أعلم وأرى؛ لأن الهمزة في أعلم وأرى عدتهما من اثنين إلى ثلاثة، بخلاف التضعيف في نبأ وحدث وخبر، فإنه لم ينقلهما من تعديهما إلى اثنين إلى ثلاثة.
وقوله ما لم تكن همزة يعني: فلا يعدى بالتضعيف، إنما يعدي بالهمزة، ومثاله أنايت وأنايت.
وشذ التضعيف فيما عينه همزة، قال الشاعر: قطاة ككردوس المحالة، أشرفت إلى سند مثل الغبيط المذاب وقوله وقل ذلك في غيرها من حروف الحلق يعني أن الغالب التعدي بالهمزة في حلقي العين، نحو أذهبته وألحمته وأسعده وأوغله وأدخله.
وقد يتعاقب في هذا النوع أفعل وفعل، نحو أوهنه ووهنه، وأمهله ومهله، وأنعمه ونعمه، وأبعده وبعده، وأضعفه وضعفه.
ولم يذكر المصنف في هذا الفصل مما يعدى به الفعل إلا الهمزة والتضعيف للعين.
وزاد بعضهم فيما يعدي تضعيف اللام، وهو غريب، وذلك نحو صعر خده وصعررته.
والسين والتاء، نحو حسن زيد واستحسنته، وقبح الشيء واستقبحته، وطعم زيد الخبز واستطعمته الخبز.
وألف المفاعلة، نحو سايرته وجالسته

وماشيته في سار وجلس/ ومشى.
والتغيير بحركة العين، وذلك في مذهب الكوفيين، قالوا: شترت عين الرجل، وشترها الله، وكسى زيد الثوب، وكسا زيد عمرًا ثوبًا.
فهذه أربع معديات، ولا يطرد شيء منها.
وزادوا في المعديات الباء، لكنها حرف جر، وإنما ذكرنا هنا ما يظهر به للمفعول النصب، أما الباء فإنها- وإن كان ما بعدها مفعولاً في المعنى- فإنه ليس مفعولاً في اللفظ، وسيأتي الكلام عليها في باب حروف الجر إن شاء الله تعالى.

-[ص

: باب تنازع العاملين فصاعداً معمولاً واحدًا

إذا تعلق عاملان من الفعل وشبهه متفقان لغير توكيد أو مختلفان بما تأخر غير سببي مرفوع عمل فيه أحدهما، لا كلاهما، خلافُا للفراء في نحو: قام وقعد زيد.
والأحق بالعمل الأقرب لا الأسبق، خلافاً للكوفيين.]- ش: هذا الباب مصطلح عليه بباب الإعمال، وبباب التنازع، ولم يحده المصنف، بل أخذ ما حده به الناس أو معظمهم، وأبرزه في صورة شرطية، وهو قوله "إذا تعلق" إلى آخره، ومن هذه الصورة يفهم حد الإعمال.
فقوله باب تنازل العاملين أطلق في العاملين، ثم قيد بعد بقوله "إذا تعلق عاملان من الفعل وشبهه".
وشرط ابن عصفور في العاملين كونهما متصرفين.
قال: "وإنما شرطنا أن يكون العامل متصرفا تحرزًا من إن وأخواتها من العوامل غير المتصرفة؛ فإنه لا يجوز فيها الإعمال".
واقتضى شرطه هذا أن ذلك لا يكون في فعلي التعجب؛ لأن فعل التعجب غير متصرف.
وقال بعض أصحابنا: قد لا يكون فيه فعل، نحو: هذا ضارب وشاتم عبد الله، وقد يكون أحدهما فعلاً والآخر غير فعل، نحو قوله تعالى ﴿الْكَهْفِ مَرْيَمَ طه﴾، وتقول: تراك وبله زيدًا.
وفي البسيط: "ولا يقال: هيهات هيهات العقيق.......................................

وشبهه من باب الإعمال كما قال الجرجاني، وقاله أبو علي.
قال الجرجاني: (العقيق في البيت مرفوع بهيهات الثاني، والأول قد أضمر له على شريطة التفسير، فكأنه قال: هيهات العقيق هيهات العقيق) انتهى.
لأنه يلزم إما حذف الفاعل وإما إضماره، والأول لا يجوز، وأما الثاني فلأن قولنا قام قام زيد ليس من باب الإعمال، إذ لا نسلم أن الثاني عامل؛ لأن هذا الباب لابد فيه من اجتذاب عاملين مختلفين، وهذا ليس كذلك" انتهى.
وقوله فصاعدًا يعني: فأكثر، ولفظ فصاعدًا يشعر بأن يكون ثلاثة وما زاد من الأعداد، ومثال ثلاثة قول الشاعر: /أتاني، فلم أسرر به حين جاءني كتاب بأعلى القنتين عجيب وقول الآخر: سئلت، فلم تبخل، ولم تعط نائلاً فسيان لا ذم عليك ولا حمد وقول الآخر: أرجو، وأخشى، وأدعو الله مبتغياً عفوًا وعافيةً في الروح والجسد

وقول الآخر: جئ، ثم حالف، وثق بالقوم، إنهم لمن أجاروا ذرا عز بلا هون وقول الآخر: تمنت، وذاكم من سفاهة رأيها لأهجوها لما هجتني محارب وقول الآخر: بمثلها نروح نريد لهوًا ويقضي الهم ذو الأرب الرجيل ومن ذلك ما روي في الحديث: (كما صليت ورحمت وباركت على آل إبراهيم).
وظاهر كلام المصنف وابن عصفور أن العوامل تكون أربعة وأزيد لقولهما "فصاعدًا"، ولم يوجد في هذا الباب عوامل أربعة فيما استقري، ولذلك قال الأستاذ أبو علي: "الإعمال أن يتقدم عاملان أو ثلاثة"، فنص على الثلاثة دون غيرها مما فوقها من رتب الأعداد.
وقوله معمولاً واحدًا قال غيره: "فأكثر".
والعذر للمصنف أن في كون المعمول أكثر من واحد خلافاً، وقد ذكره آخر الباب، فذكر هنا المجمع عليه، وهو أن يكون المعمول واحدًا.
وقوله إذا تعلق عاملان من الفعل مثاله: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾.

وقوله وشبهه مثل المصنف باسم الفاعل، نحو قوله: وإني- وإن صدت- لمئن وصادق عليها بما كانت إلينا أزلت ومثل أيضًا بالامتزاج من اسم الفعل والفعل، ومن اسم الفاعل والفعل، ونص غيره على اسم الفاعل واسم المفعول، قال: "وغيرهما".
وفي قول المصنف "إذا تعلق العاملان" دلالة على أنه قد لا يتعلق العاملان بما تأخر، إذ يكون في اللف من الظواهر ما يستوفيه كل واحد منهما، فلا يتنازعان، كما جاء (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل ابراهيم)، أو بعضها ظاهر وبعضها مضمر، نحو: ضربني زيد/ وضربته، فالعاملان لا يجب إذا استدعيا شيئاً واحدًا أن يجعلا متنازعين، بل يجوز أن يفردا وأن يشركا ويرجح أحدهما بحسب القصد، فإذا أريد معنى التعظيم أفردا، وإذا أريد معنى الاختصار أشركا، فالإفراد نحو قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، والاختصار كقوله: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾.
وقوله متفقان يعني في العمل بأن يطلباه مرفوعًا أو منصوبًا أو مجرورًا بحرف جر.

وقوله لغير توكيد احتراز من أن يكون الثاني توكيدًا، فإنه يكون في حكم الساقط، وذلك مثل قول الشاعر: .................. أتاك أتاك اللاحقون احبس احبس قاله المصنف.
وقال المصنف أيضًا: "لك أن تنسب العمل لهما لكونهما شيئاً واحدًا في اللفظ والمعنى، ولك أن تنسبه للأول وتلغي الثاني لفظًا ومعنى لتنزله منزلة حرف زيد للتوكيد، فلا اعتداد به على التقديرين، ولولا عدم الاعتداد به لقيل: أتاك أتوك اللاحقون، أو أتوك أتاك اللاحقون".
ووافقه على اشتراط كونهما لغير توكيد شيخنا بهاء الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن النحاس الحلبي، رحمه الله.
وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسين بن أبي الربيع: "قام قام زيد، زيد: فاعل بالثاني، وفاعل الأول مضمر، كأنه من باب الإعمال، أو يقال: إن زيدًا فاعل بقام الأول، والثاني لا يحتاج إلى مسند إليه؛ لأنه لم يؤت به لذلك، إنما جيء به لتوكيد الأول".
قال: "وهذا الوجه الثاني حسن" انتهى.
ولم يذكر أصحابنا هذا القيد من كونهما لغير توكيد، فإطلاقهم يدل على جواز أن يكون ذلك من باب الإعمال، وقد أجاز ذلك أبو على الفارسي في قول الشاعر: فهيهات هيهات العقيق وأهله.........................

قال: "ارتفع العقيق بهيهات الثانية، وأضمرت في الأولى، أو بالأولى، وأضمرت في الثانية".
وأما قولك: ................................ أتاك أتاك اللاحقون احبس احبس فلا يلزم ما ذكر؛ إذ يجوز أن يكون أعمل الثاني، وأضمر في الأول مفردًا كما حكى س: ضربني وضربت قومك، أي: ضربني من ثم، فجعل المضمر مفردًا على المعنى، وإذا كان قد جاء ذلك في الكلام فأحرى أن يجييء في الشعر.
وقوله أو مختلفان يعني في العمل، كأن يطلب أحدهما مرفوعًا والآخر منصوبًا أو مجرورًا بحرف جر.
وقوله بما تأخر يشمل أن يكون المتأخر واحدًا أو أكثر، وظاهر/ كلام المصنف وأصحابنا أنه يشترط تقدم العاملين وتأخر ما يطلبانه عنهما، وقد نص على ذلك الأستاذ أبو علي: "فلو قلت ضربت زيدًا وضربني لم يكن من الباب".
وقد أجاز أبو علي الفارسي في قوله: ................... مهما تصب أفقا من بارق تشم أن تكون من زائدة، ومن بارق: في موضع نصب بتشم، ومفعول نصب محذوف، وهو ضمير منصوب عائد على بارق.
وهذا الذي ذكره أبو علي من إعمال الفعلين والمعمول متوسط، ويدل على أن التقدم في العاملين ليس بشرط، وقلما ذكروه.

ونظير ما ذكره الفارسي قولك: إن تجد يوم فراغ زيدًا تؤدب، المعنى: إن تجد زيدًا في يوم فراغ تؤدبه، فحذفت الضمير، وأعملت تؤدب في زيد وفي يوم، وحذفت من تجد ضمير ما أعملت فيه تؤدب، كأنك قلت: إن تجده، أو إن تجد فيه إن أردت اليوم.
وقد ذكر بعض أصحابنا كون المعمول يتقدم على العاملين، نحو: أي رجل ضربت أو شتمت؟ فعلى هذا وعلى ما أجازه أبو علي لا يكون تقديم العاملين وتأخير المعمول شرطًا، بل يكون ذكره على أنه الأكثر والأغلب في لسان العرب.
وقال المصنف في الشرح: "وفي قولي بما تأخر تنبيه على أن مطلوب المتنازعين لا يكون إلا متأخرًا؛ لأنك إذا قلت زيدًا أكرمت ويكرمني، وزيد هل أنت مكرمه فيشكرك، وزيد أنا مكرمه وتحسن إليه- أخذ كل واحد من العاملين مطلوبة، ولم يتنازعا" انتهى.
وهذا يدل من المصنف على اشتراط تقدم العاملين، ومثل س كلها بتقديم العاملين.
وقوله غير سببي مرفوع قال المصنف في الشرح: "ونبهت بقولي (غير سببي مرفوع) على أن نحو زيد منطلق مسرع أخوه لا يجوز فيه تنازع؛ لأنك لو قصدت فيه التنازع لأسندت أحد العاملين إلى السببي، وهو الأخ، وأسندت الآخر

إلى ضميره، فيلزم عدم ارتباطه بالمبتدأ؛ لأنه لم يرفع ضميره ولا ما التبس بضميره، ولا سبيل إلى إجازة ذلك، وإن سمع مثله حمل على أن المتأخر مبتدأ مخبر عنه بالعاملين المتقدمين عليه، وفي كل واحد منهما ضمير مرفوع، وهما وما بعدها خير عن الأول، ومنه قول كثير: قضى كل ذي دين، فوفى غريمه وعزة ممطول معنى غريمها أراد: وعزة غريمها ممطول معنى.
وفي تقييد السبيي بمرفوع تنبيه على أن السببي غير المرفوع لا يمتنع من التنازع، كقولك: زيد أكرم وأفضل إياه" انتهى.
وإنما أجاز/ المصنف ذلك في غير المرفوع لأن غير المرفوع لا يضمر، إنما هو يحذف، بخلاف المرفوع.
وهذا الذي ذهب إليه المصنف من تقييد المعمول بغير سببي مرفوع لم يذكره معظم النحويين، ولا اشترطوه، وإنما اتبع فيه ابن خروف وبعض متأخري أصحابنا.
قال ابن خروف: لا يمكن الإعمال في الأفعال والصفات إذا رفعت الأسباب، نحو زيد قام وقعد أبوه، وزيد قائم وقاعد أبوه؛ لأن الأب مضاف إلى ضمير زيد، وبه صح أن يجري الخبر على الأول، فإن أضمرت في الصفة الأولى على شريطة التفسير صار الضمير عائدًا إلى زيد، ولم يكن في الكلام دليل على أنه للأب.
وأيضًا فإنك تخبر عن زيد بخبر غيره في المعنى، ولا ذكر له فيه، فلم يجز رفع أبوه إلا بالعامل الثاني لا الأول، فبطل الإعمال، والعوامل في هذا الباب تطلب معمولاتها باتفاق واختلاف.
وقال الأستاذ أبو علي: وليس منه قوله: ...................... وعزة ممطول معنى غريمها

لأنه إن جعل منه كان ممطول ومعنى جاريين على عزة، وهما غيرها، وأحدهما لم يعد منه ضمير إليها، وذلك لا يصح؛ لأنه يصير بمنزلة: زيد قائم عمرو، وإنما التقدير: وغريم عزة ممطول معنى، ولكن قدم عزة اهتمامًا، فارتفعت بالابتداء، وصار غريمها مبتدأ آخر.
وقال أبو محمد بن السيد: "الوجه عندي في هذا البيت أن يكون غريمها مرفوعاً بالابتداء، وممطول خبر مقدم، ومعنى صفة له، ولا يصح رفعه بممطول ولا بمعنى؛ لأنك إن رفعته بممطول كان خطأ أيضا؛ لأنه قد وصف ممطول بمعنى، والاسم الذي يعمل عمل الفعل إذا وصف لم يعمل شيئا، لا يجيز النحويون: مررت بضارب ظريف زيدًا، ونحو ذلك، وإن جاء من ذلك شيء فهو محمول على الضرورة، ولا يجب أن يحمل الشيء على الاضطرار إذا وجد له وجه صحيح" انتهى كلامه.
ونقلت من خط أبي عبد الله النميري- وهو من تلاميذ الأستاذ أبي الحسن ابن الباذش، وغالب ظني أن ما كتبه هومن كلام ابن الباذش- ما نصه: "قضى كل ذي دين............................................ البيت؛ رفع غريمها بممطول لا بمعنى، والتقدير: وعزة ممطول غريمها معنى، فتقديم معنى ضرورة، فبقى على حكم التأخير، وإنما لم يوجب له التقديم عملاً لأن الاسم إذا وصف بصفة سببه أو أخبر عنه بخيره ظهر ذلك السبب بعد الصفة والخبر في مثل/ قولك: مررت برجل قائم أبوه، وزيد قائم أبوه، فإذا أتوا بصفة ثانية أو خبر ثان لم يظهروا السبب وأضمروه، وخلت الصفة والخبر من عائد إلى الموصوف والمبتدأ، وكان العائد إلى الموصوف والمبتدأ من المعنى؛ لأنه ضمير يظهر

فيه عائد إلى الأول، وذلك قولك: مررت برجل قائم أبوه لا قاعد، وزيد قائم أبوه لا قاعد، والتقدير: لا قاعد أبوه، فأضمر الأب لتقدم ذكرهـ واقتضى العائد من لمضمر المعنى، ولم يقولوا في نحو هذا: مررت برجل قائم لا قاعد أبوه، وزيد قائم لا قاعد أبوه، على أن يضمروا في قائم، ويكون العائد في الصفة الأولى، هكذا كلام العرب.
ووجه ذلك عندي أنهم أتوا بالصفة الأولى على ما يجب لها في اللفظ والمعنى، ثم استسهلوا بعد ذلك في الصفة الثانية الحمل على المعنى، وقد نص س على ذلك بقوله في قول العرب مررت برجل عاقلة أمه لبيبة إنه لا يصلح أن تقدم لبيبة مضمرًا فيها الأم، ثم تقول عاقلة أمه.
ولا وجه لقوله هذا إلا ما عقدنا عليه كلامنا من أن الإضماء والحمل على المعنى في الصفة الثانية دون الأولى، وكذلك الخبر لما ذكرنا.
ومن هذا الباب قول امرئ القيس: بليل التمام، أو وصلن بمثله مقايسة أيامها نكسرات أي: نكرات أيامها" انتهى كلامه.
ونظير ذلك ما أنشده ابن الأعرابي: ليس أخو الفلاة بالهبيت ولا الذي يخضع كالسبروت ولا الضعيف أمره الشتيت غير فتى يصبح في المبيت يرتقب النجم ارتقاب الحوت أي: الشتيت هو، أي: أمره.
وقال الشاعر:

صهب الظلال أتين التين عن عرض يزجين غيمًا ماؤه شبما أي: شبما هو، أي: ماؤه.
وقال الآخر: بماء سحاب زل عن ظهر صخرة إلى بطن أخرى طيب ماؤها حصر يريد: خصر هو، أي: ماؤها.
فهذا نظير: مررت برجل عاقلة أمه لبيبة.
وقال أبو القاسم بن الأبرش: "ليس العطف في هذا الباب بأصل، ولا يراعى فيه اتفاق لفظ الفعل، ولا الفعل أيضًا نفسه، بل لك ترك العطف واختلاف اللفظ واستعمال ما جرى على الفعل دون الفعل، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾، وقال عز من قائل: ﴿قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾.
ومما جاء/ مما أعمل على غير الفعل قول الشاعر: قضى كل ذي دين، فوفى عريمه وعزة ممطول معنى غريمها ترفع غريمها بمعنى.
وإن رفعته بمعنى وأضمرته في ممطول قلت في التثنية: وعزة ممطولان معنى غريماها، وفي الجميع: وعزة ممطولون معنى غرماؤها.
وإن رفعته بممطول وأضمرته في معنى قلت في التثنية: وعزة ممطول معنيان غريماها، وفي الجميع: وعزة ممطول معنون غرماؤها، وهذا قول الكسائي.
وهو ضعيف غير موافق لمذهب أهل البصرة في هذا الموضع، أعنى إعمال الثاني، وهو معنى؛ لأنه إذا أعمل الثاني لزمه إظهار ذلك المضمر؛ لأنه قد جرى على غير من هو، فلما كان إعمال الثاني مما يلزم في ممطول ما ذكرنا من إبراز الضمير، ولو أبرزنا الضمير لانكسر البيت- لم يكن إلا إعمال الأول لئلا ينكسر البيت، ولا يلزم مع إعمال الأول إبراز الضمير في معنى؛ لأن معنى حينئذ جار على من هو له" انتهى.

وذكر أبو علي في البصريات أن غريمها مرتفع بمعنى، ولو ارتفع بممطول لقال: ممطول معنى غريمها هو.
قال: ولا يكون بد إذا أعمل الأول من أن يعمل الثاني على هذا الباب، ولا يكون على أن يعمل الأول ولا يعمل الثاني إلا في شيء حكاه س في قلت أن بعضهم قال: متى ظننت أو قلت زيدًا منطلقا.
قال بعض أصحابنا: "هذا الذي ذكره أبو علي يكون في الفضلات، فأما ما لابد منه من الفاعل وما لم يسم فاعله فطريقه الإضمار لا الحذف، فإعمال الأول والثاني فيه سواء، فلو وجب إظهار الفاعل في معنى إذا حمل غريمها على ممطول لوجب إظهاره في ممطول إذا حمل على معنى" انتهى.
وذكر أيضًا أبو علي الرفع بممطول، وقال: "لم يحتج إلى الإظهار في معنى لأنه جرى على الغريم، وهو هو، فإذا جرى عليه وكان إياه في المعنى ارتفع الضمير فيه به، ولم يحتج إلى إظهار لجريه على من هو له".
قال بعض أصحابنا: "ولا يكون هذا كما ذكر أبو علي إلا إذا كان غريمها مبتدأ، ويكون معنى وممطول جارين على من هما له، فأما إذا ارتفع غريمها بأحدهما، وأضمر في الآخر- فهما جاريات على عزة" انتهى.
وقيل: غريمها مرتفع بممطول، ومعنى خال منه.
وقال الجرجاني: "لا يخلو غريمها من أن يرتفع بالأول أو بالثاني، فلا يجوز رفعه بالأول؛ لأنك لو رفعت به لكان مقدمًا في النية، مثل أن تقول: وعزة ممطول

غريمها، وإذا تقدم وجب إضماره في معنى الذي هو بعده، ومعنى قد جرى خيرًا على عزة، وهو فعل لغيرها، واسم الفاعل إذا جرى على غير من هو له أبرز ضميره، فلو كان في معنى ضمير لوجب أن يبرز، كما أنك إذا أتيت بمعنى عبد غريمها وجب أن/ تقول: معنى هو، فلما لم يبرز هذا الضمير كان غريمها مرفوعًا بالثاني، والأول قد أضمر له فاعل، حتى كأنه قيل: وعزة ممطول غريمها معنى غريمها.
فإذا قلت: إذا اضمرت غريمها في ممطول وجب أن تبرز الضمير؛ لأن الوصف لغير عزة، وهو الغريم.
فالجواب: أن ذلك لا يجب؛ لأنهم أرادوا من هذا الإضمار الاختصار، فلم يقولوا: ضربني عبد الله وضربت عبد الله، وقالوا: ضربني وضربت عبد الله؛ لئلا يعرى الكلام من الاختصار، والضمير المنفصل بمنزلة زيد وعمرو في كونه اسما ظاهرًا، فلما كان إظهار الضمير في مطول ونحوه يؤدي إلى مثل ما وقع الفرار منه- إذ كان هو اسمًا منفصلا كغريمها- ترك، وحسن ذلك لأجل أن ذكر الاسم في الثاني- وهو غريمها- يدل على أن الفعل ليس للمبتدأ، حتى لو وضعت موضع عزة اسمًا مذكرًا فقلت زيد ممطول معنى غريمه علم أن الفعل ليس لزيد، ولو كان الممطول له لكان المعنى كذلك لاتفاقهما في المعنى، ولو كان المعنى له لم يرفع الغريم به فقط".
وفي البسيط في ذكر المتنازعين: إما أن يكون في اللفظ ما يرجح أحدهما، أو لا: إن كان- وذلك إذا كان الثاني معطوفًا بحرف الإضراب، نحو: ضربت بل أكرمت زيدًا- فيحب إعمال الثاني، وعكسه في لا، نحو: ضربت لا أكرمت زيدًا؛

لأنك لما أضربت عنه لم تعمله، وكيف تعمله وتترك الأصل المعتمد عليه.
ومنه إذا كان العامل الثاني ملغي، والاعتماد على الأول، نحو: كان- أرى- زيد ذاهبًا، ونحوه.
وقيل: منه قولك: زيد قائم وقاعد أبوه، إذا جعلتهما للأب، فيكون هنا إعمال الأول؛ لأنك لو أعملت الثاني لكان في الأول ضميره، وهو فاعل، فإما أن تذكره فيلزم إظهار ما هو مفرد، وإما أن يكون مستترًا فيلتبس أنه للأول.
وأيضًا فإنه لا يعود على الأول منه ضمير لأنه للأب، وإنما يعود من المعطوف، وقد تقدم أنه ضعيف، فلا يكون.
وأما قوله: ................ وعزة ممطول معنى غريمها فلا يلزم الأول لعدم الالتباس، ولا الثاني لأنه ليس معطوفًا، بل جعلا كشيء واحد، نحو: هذا حلو حامض، ولأنه يلزم أن يكون مرفوعًا بممطول، ولا مرفوع في معنى، ولا يكون لأنه عامل، وهو لا يحذف.
وإن لم يكن في اللفظ ما يرجح أحدهما، والمنازعة على فاعل الأول، فيتعين عند الفراء إعمال الأول أولاً في فاعله، فالبصري يرجح الثاني، والكوفي الأول.
وبعض النحويين يتساويان عنده لتعارض الترجيجين عنده.
وتلخص من هذا الذي ذكرناه الخلاف في السببي المرفوع هل يتنازعه العاملان أم لا.
وأما البيت: قضى كل ذي دين................................ ففيه ثلاثة أقوال: أحددها أنه ليس/ من باب الإعمال؛ إذ لا يصلح أن يرتفع غريمها بواحد من الوصفين.
الثاني: أنه من الإعمال، ويجوز أن يرتفع بكل واحد من الوصفين.
الثالث: أنه يجوز أن يرتفع بممطول، ولا يجوز أن يرتفع بمعنى.

وقوله عمل فيه أحدهما هذا جواب الشرط، وهو قوله "إذا تعلق"، وسواء أكان العاملان متفقي الطلب في الإعراب أم مختلفين.
ولا يكفي ما ذكره المصنف في الإعمال من تعلق العاملين بالمعمول من حيث المعنى حتى تزيد في ذلك: ما لم يمنع مانع لفظي، كقول الشاعر: كأنهن خوافي أجدل قرم ولي ليسبقه بالأمعز الخرب فهذا من إعمال الأول، ولا يجوز أن يكون من إعمال الثاني؛ لأن الخرب حينئذ يكون مفسرًا للضمير الذي في ولى، ولام كي تمنعه أن يتخطاها إلى تفسيره، فإنه لا يتقدم ما بعدها عليها، وكذلك لا يفسر ما بعدها ما قبلها؛ لأن المفسر نائب مناب المفسر، فكأنه قد تقدم ما بعدها عليها حينئذ، وهذا التعلق أو الطلب أو الاقتصاد من جهة المعنى أقوى ما يكون بحرف العطف؛ لأن قولك ضربني وضربت زيدًا في معنى تضاربنا، فحسن لذلك فيه الفصل بين العامل ومعموله بجملة، ولولا الرابط في الباب بين العاملين- وإن كان في بعض المسائل أضعف منه في بعض- لم يجز الفصل، ولذلك يمتنع: ضربني ضربته زيد؛ لأنه لا رابط بين العاملين في ذلك، فلا يتنزلان منزلة الواحد.
وكذلك قوله: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾، العامل الثاني فيه جواب للأول، فهو مرتبط به بمنزلة قولك: إن تضرب أضربه زيدًا.

وقوله لا كلاهما، خلافا للفراء في نحو: قام وقعد زيد قال أبو علي: "هذا أقبح المذهبين"، يعني أن إعمال قام وقعد في زيد أقبح من مذهب الكسائي في إبقاء أحد العفلين بلا فاعل، والفراء رفعه بمجموعهما، فكل واحد منهما ليس له فاعل.
قال بعض أصحابنا: وللفراء أن يقول: لم يخل الفعل من إسناد، والذي لا يصح كون الفعل غير مسند، فكما يسند للمبتدأ خيران، نحو: هذا حلو حامض، فكذلك يسند للفاعل فعلا، إلا أن هذه دعوى لا دليل عليها.
وقال المصنف في الشرح: "جعل الفراء الرفع في نحو قام وقعد زيد بالفعلين معًا.
والذي ذهب إليه غير مستبعد، فإنه نظير قولك: زيد وعمرو منطلقان، على مذهب س؛ فإن خير المبتدأ عنده مرفوع بما هو له خير، فيلزمه أن يكون منطلقان مرفوعًا بالمعطوف والمعطوف عليه؛ لأنهما يقتضيانه معًا.
ويمكن أن يكون على مذهبه قول الشاعر: إن الرغاث إذا تكون وديعة يمسي ويصبح درها ممحوقا فلو كان العطف ب"أو" أو نحوها مما لا يجمع بين الشيئين لم يجز أن يشترك العاملان/ في العمل كقول الشاعر: وهل يرجع التسليم أو يكشف العمى ثلاث الأثافي والرسوم البلاقع

فليس هذا من التنازع؛ إذ لو كان منه لكان أحد العفلين بناء؛ لأن فاعله على ذلك التقدير ضمير مؤنث، فإنما يحمل على أنه أراد: وهل يرجع التسليم ما أشاهده، واستغنى بالإشارة، كما قالوا: إذا كان غدا فأنني، أي إذا كان ما نحن عليه فأنني.
ثم أبدل ثلاث الأثافي من الضمير المنوي" انتهى كلامه.
وإنما امتنع في مثل قام وقعد زيد أن يكون زيد مرفوعًا بهما لأنه لا يجتمع مؤثران على مؤثر واحد؛ لأنه يلزم بالضرورة أن يكون أحدهما لغوًا.
وأما قول المصنف إن ما ذهب إليه الفراء غير مستبعد، وزعمه أن ذلك نظير زيد وعمرو منطلقان على مذهب س- فليس هو نظيره؛ لأنه فرق بين أن يجتمع مؤثران وليس كل واحد منهما جزء علة، وبين شيئين كل واحد منهما جزء علة، والعلة إنما تستقل بمجموعهما، فإنه لما ثنى الخير فقيل منطلقان لم يصلح أن يقع خيرًا لكل واحد من زيد وعمرو، فلذلك اجتمعا على رفعه وكونهما معًا مخيرًا عنهما به، بخلاف قام وقعد زيد؛ لأنه يصح إسناد قام وحده وقعد وحده إلى زيد.
وكذلك عكس مسألة: زيد وعمرو منطلقان، نحو: هذا زيد وعمرو، لما ثنى المبتدأ أخبر عنه بما يطابقه من اثنين، فارتفعا بالمبتدأ المثنى، وهما شيئان مفترقان، كما ارتفع الخبر المثنى بالمبتدأ وهما شيئان مفترقان.
وأما كلام المصنف في البيت الذي هو "وهل يرجع التسليم" فإن الناس خرجوه على الإعمال، وقالوا: اختار الكوفيون رفع ثلاث بترجع، واختار البصريون رفعه بيكشف.
فعلى مذهب الفراء هو مرفوع بهما، وعلى مذهب

الكسائي الفاعل محذوف من الأول، فلا يحتاج إلى التأنيث؛ لأنه ظاهر مؤنث مجازي.
وعلى مذهب البصريين يخرج على قوله: ....................... ولا أرض أبقل إبقالها ويحسنه في الأول أنه ضمير لم يعد على شيء سابق، وفي الثاني أن مفسره أيضًا متأخر عنه، فكأنه لم يسبقه ما يعود عليه.
وممكن جوز فيه الإعمال أبو محمد بن السيد.
وقوله والأحق بالعمل الأقرب لا الأسبق، خلافًا للكوفيين إعمال كل منهما مسموع من لسان العرب، والخلاف في الترجيح: فرجح البصريون إعمال الثاني بوجوه: أحدها: عدم توالي حروف الجر، نحو قولك: نبئت كما نبئت عن زيد بخبر، ولو أعمل الأول لقال: نبئت كما نبئت عنه به عن زيد بخير.
الثاني: عدم كثرة الضمائر، تقول: ضربت وشتمت وقتلت زيدًا، ولو أعمل الأول لقال: ضربت وشتمته وقتلته/ زيدًا.
الثالث: الفصل بين العامل والمعمول، والعطف على العامل قبل ذكر معموله.
الرابع: أنه موافق لما تؤثره العرب من التعليق بالأقرب والحمل عليه وإن لزم من ذلك تفضيل زائد على غير زائد، نحو: خشنت بصدره وصدر زيد، فضلوا الجر لقربه على النصب حملاً على عمل خشنت لبعده.
الخامس: أن في إعماله ضربًا من التعادل والاعتناء؛ لأنه قوبل التقديم للأول بالإعمال للثاني، ولو أعمل الأول لكان قد جمع له بين التعادلين والاعتنائين، فيكون ذلك إخلالاً بالثاني.

السادس: قال المصنف في الشرح: "ومما يدل على ترجيح الأقرب إذا كان ثانيًا التزام إعماله إذا كان ثالثًا أو فوق ذلك بالاستقراء، ولا يوجد إعمال غيره، ومن أجازه فمستنده الرأي" انتهى.
وليس كما ذكر، ولا المستند الرأي، بل سمع إعمال غير الأقرب الثالث، وسيأتي ذكر ذلك في أواخر الباب.
ورجح الكوفيون إعمال الأول لوجوه: أحدها: مراعاة السبق؛ ألا ترى إلى قولهم: ثلاث من البط ذكور، وثلاثة ذكور من البط، آثروا مقتضى البط لسبقه، فأسقطوا التاء، وآثروا مقتضى الذكور] لسبقه [، فأثبتوها.
الثاني: أن إعمال السابق مخلص من تقديم ضمره على مفسره على مذهب أهل البصرة، نحو: ضربوني وضربت قومك، والمفسر مؤخر لفظاً ورتة، ومن حذ الفاعل على مذهب الكسائي.
الثالث: قال المصنف: "إن إعمال اسابق موافق لما أجمع عليه في اجتماع القسم والشرط، فإن جواب السابق منهما مغن عن جواب الثاني، فليكن عمل السابق من المتنازعين مغنيًا عن عمل الثاني" انتهى.
وليس كما ذكر من أنه أجمع عليه، بل قد ذهب بعض الكوفيين إلى أنه قد يتقدم القسم، ويكون الجواب للشرط، وستأتي هذه المسألة في باب القسم، وفي الجوازم، إن شاء الله، والتفصيل الذي هناك.
وأورد بعضهم هذا الترجيح على خلاف ما أورده المصنف، فقال: "ومما يقوى به مذهبهم أنه متى اجتمع طالبان وتأخر عنهما مطلوب لهما من جهة المعنى

فالتأثير للمتقدم منهما.
دليل ذلك القسم والشرط، إذا اجتمعا فإن العرب تبني الجواب على المتقدم منهما، وتحذف جواب الثاني لدلالة جواب المتقدم عليه".
وأجيب عن ترجيحات الكوفيين: أما الأول- وهي مسألة العدد- فاعتبر فيها أيضًا القرب، وأتفق مع القرب السبق، فلا أثر له، ولا يلزم من مراعاة سابق قريب مراعاة سابق بعيد.
وأما الثاني- وهو الإضمار قبل الذكر في بعض المسائل- قيقابله ما يؤدي إليه إعمال الأول من الفصل بين العامل والمعمول بجملة أجنبية في جميع المسائل؛ وذلك لا يجوز/ في باب من الأبواب إلا في هذه الباب خاصة لتداخل الجملتين باشتراكهما في المعمول؛ وما يؤدي إليه في بعض المسائل ووجد في كلامهم قليلاً أولى مما يؤدي إليه في كل المسائل ولم يوجد إلا في هذا الباب.
وأورد المصنف الرد على هذا الترجيح بأن قال: "تقديم الضمير إذا كان على شريطة التفسير مجمع على جوازه في باب نعم، كقول الشارع: نعم امرا هرم، لو تعر نائبة إلا وكان لمرتاع بها وزرا وفي باب رب، كقول الآخر: واه رأيت وشيكا صدع أعظمه وربه عطبا أنقذت من عبطة وفي باب البدل، كقول بعض العرب: اللهم صل عليه الرؤوف الرحيم، وفي باب الابتداء وأبواب نواسخه، نحو: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ﴾، و {إِنَّهُ مَنْ يَاتِ رَبَّهُ

مُجْرِمًا}، فلجوازه في مسائل التنازع أسوة بتلك المواضع قياسًا لو لم يثبت به سماع، فكيف وقد سمع في الكلام في الكلام الفصيح" وأنشد أبياتًا، ستأتي إن شاء الله.
انتهى.
وما ذكره من الإجماع في باب نعم ليس بصحيح، بل مذهب الكسائي والفراء أن المرفوع بعد التمييز في باب "نعم امرا هرم" وشبهه فاعل بنعم، ولا ضمير فيها أصلاً، وسيأتي ذلك في باب نعم إن شاء الله.
وما ذكره من الإجماع في باب البدل ليس بصحيح، بل فيه الخلاف، وقد ذكرنا ذلك في الفصل الرابع من باب المضمر.
وقال أبو عبد الله الشلويين الصغير: "أما ما رجحوا به من أن الإضمار قبل الذكر موجود في غير هذا الباب كباب نعم وباب الأمر والشأن، وأن الفصل بين العامل والمعمول بأجنبي لم يوجد إلا في هذا الباب خاصة- فليس بباب ترجيح؛ لأن المعنى الذي اختص به الإضمار قبل الذكر مفقود في بابنا، وهو التعظيم أو المدح، وكأن الأمر ثابت في النفس، وقد فرغ منه، وليس في بابنا من ذلك شيء، وإذا كان الإضمار قبل الذكر المجمع عليه في اللسان يخالف بمنزعه الإضمار هنا فليس فيه طريق ترجيح، فهو باب بنفسه، امتزجت فيه الجملتان، وتداخلتا، فسوغ ذلك الإضمار قبل الذكر، كأنه في رتبة التأخير.
وسوغ ذلك أيضا الفصل بين العامل والمعمول بناء على أنه يليه في الأصل، ولذلك أمكن إعادة الضمير من الثاني عند إعمال الأول".

وأما الثالث من ترجيح الكوفيين- وهو أن التأثير إنما هو للمتقدم من الطالبين- فقال المصنف في الشرح ما ملخصه: "مقتضى الدليل أن يستغنى بجواب المتأخر منهما لقربه من محل الجواب، فإذا كان القسم كان مؤكدا للشرط، فلا اعتداد به، بخلاف المؤكد، وهو الشرط، فأغنى عما هو من تمام معناه، فلما وجب] هذا الاعتبار أغنى [جعل الجواب/ للأول فيما إذا تأخر فيه القسم وأجري هذا المجري، وأخر فيه الشرط ليسلك في اجتماعهما سبيل واحدة، لكن الشرط لعدم صلاحيته للسقوط أبدًا فضل على القسم، فإنه إذا سبقهما مبتدأ كان الجواب له، وإنه قد يغني جوابه بعد قسم لا مبتدأ قبله، فهذا الفرق بين اجتماع الشرط والقسم وبين باب التنازع" انتهى.
وقال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: "هذا غير مسلم على الإطلاق، بل لا يخلو أن يكونا عاملين أو غير عاملين، فإن كانا غير عاملين أو كان أحدهما عاملاً والآخر ليس كذلك فربما كان الأمر على ما ذكروه.
وإن كانا عاملين معًا فإن المعمول للمتأخر منهما، نحو: إن لم يقم زيد قام عمرو، فالعامل لم بدليل أن أداة الشرط إذا جزمت الفعل فإنه يقبح استعمال الجواب غير مجزوم في اللفظ، بل لا يوجد إلا في الشعر أو في نادر من الكلام، وكونه من كلام العرب الفصيح دليل على أن الجازم لم دون إن لمجاورتها له، بل إذا كانوا قد لحظوا المجاورة مع فساد المعنى في قوله هذا جحر ضب خرب فالأولى أن يلحظوا المجاورة مع صلاحه".

واحتج أيضًا للبصريين بأن أكثر السماع على إعمال الثاني، وبه نزل القرآن، قال تعالى ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾، ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾، ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾، ﴿تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾، ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾، وفي الحديث (إن الله لعن أو غضب على سبط من بني إسرائيل)، ولو كان على إعمال الأول لكان: أفرغه، واقرؤوه، ويفتيكم فيها في الكلالة، وكذبوا بها، يستغفر لكم إلى رسول الله، كما ظننتموه، أو غضب عليهم سبطاً؛ لأن المعمول مقدر الاتصال بعامله، فيلزم تقدير تقدمه على العامل الثاني، ولو كان في اللفظ كذلك لاتصل به ضمير المعمول، ووجبإبرازه إن كان مرفوعًا في حال التثنية والجمع، ومنصوبًا ومجرورًا على المختار على ما نبين إن شاء الله.
قال الشلويين الصغير: "هذا تصور المذهبين واحتجاج كل فريق منهم لمذهبه، والمسألة خلافية، إلا أن خلافهم غير مجد لأنه في مكان الترجيح؛ لأن] كلا [الإعمالين موجود في فصيح اللسان، ولم يثبت بطريق حصر أن إعمال الثاني أكثر فيمال إليه لكثرته، ولا أيضًا أن إعمال الأول أكثر، وليس لهم في كونه

موجودًا في القرآن ولم يجدوا إعمال الأول فيه ما يقوي إعمال الثاني؛ لأن القرآن لم يلزم فيه أن تكون عباراته كلها جارية على الأكثر، ولا الأقوى في القياس، بل فيه ما لا يوجد إلا في الشعر، نحو قراءة ابن عامر ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾؛ ألا ترى إلى الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول كيف لا يجوز إلا في نادر من الشعر، وغير ذلك من المواضع؛ لأنه في منزع الأخذ بالعموم وملافاة الكل بما تميل إليه طباعهم، فاختلفت فيه الأساليب، وكثر التفنن، وإنما يقوى الاحتجاج بلغة القرآن من جهة طريقه، وليس بمكان النظر هنا، وليس ما عابوه على الكوفيين من الفصل بين العامل والمعمول بأضعف مما عابه الكوفيون عليهم من الإضمار قبل الذكر" انتهى كلامه.
وهو غير سديد في غير ما موضع منه.
والذي يدل على ترجيح قول البصريين في اختيارهم إعمال الثاني نقل س عن العرب أن إعماله هو الأكثر، وأن إعمال الأول قليل، قال س: "ولو لم تجعل الكلام على الآخر لقلت: ضربت وضربوني قومك، وإنما كلامهم: ضربت وضربني قومك"، وظاهر إنما الحصر، فلولا أنه نص بعد على جواز إعمال الأول لدل على أنعم يلتزمون إعمال الثاني، قال: "وقد يجوز: ضربت وضربني زيدًا؛ لأن بعضهم قد يقول: متى رأيت أو قلت زيدًا منطلقًا، والوجه: متى رأيت أو قلت زيد منطلق" انتهى.
فهذا تقل س مجردًا عن الرأي على أن إعمال الثاني هو الكثير في كلام العرب، وأن إعمال الأول قليل.
قال المصنف: "ومع قلته لا يكاد يوجد إلا في الشعر، بخلاف إعمال

الثاني، فإنه كثير في النثر والنظم، وقد تضمنه القرآن في مواضع كثيرة" انتهى.
وأنشد س على إعمال الثاني قول الشاعر: ولقد أرى، تغنى بها سيفانة تصبي الحليم، ومثلها أصباه وقول الآخر: ولكن نصفًا لو سببت وسبني بنو عبد شمس من مناف وهاشم وقول الآخر: وكمتا مدماة، كأن متونها جرى فوقها واستشعرت لون مذهب وعلى إعمال الأول قوله: إذا هي لم تستك بعود أراكة تنخل، فاستاكت به، عود إسحل وقول الآخر: وقد نغنى بها، فنرى عصورًا بها يقتدننا الخرد الخدالا وما ذكره المصنف من أن مذهب الكوفيين ترجيح إعمال الأول تظافرت النصوص على نقله عنهم، إلا أن أبا جعفر النحاس قال ما نصه: "حكى بعض النحويين/ أن الكوفيين يختارون إعمال الأول لأن الكلام به أتم، ولم أجد ذلك على ما حكى".

-[ص: ويعمل الملغى في ضمير المتنازع مطابقًا له غالبًا، فإن أدت مطابقته إلى تخالف خبر ومخبر عنه فالإظهار.
ويجوز حذف المضمر غير المرفوع ما لم يمنع مانع، ولا يلزم حذفه أو تأخيره معمولاً للأول، خلافًا لآكثرهم، بل حذفه إن لم يمنع مانع أولى من إبقائه متقدمًا، ولا يحتاج غالبًا إلى تأخيره إلا في باب ظن، وإن ألغي الأول رافعا صح دون اشتراط تأخير الضمير، خلافًا للفراء، ولا حذفه، خلافًا للكسائي.]-

ش: يعني بالملغى ما ألغي عن العمل في الاسم الذي تنازعاه، ويشمل العامل الأول والعامل الثاني، ومعنى "مطابقًا له" أن الضمير يطابق الاسم في إفراده وتثنيته وجمعه وتذكيره وتأثنيه، وضمير المتنازع يشمل المرفوع والمنصوب والمجرور، فمثال إعمال الأول الملغى في الضمير المرفوع قوله: جفوني، ولم أجف الأخلاء، إنني لغير جميل من خليلي مهمل ومثاله في المنصوب قوله: إذا كنت ترضيه، ويرضيك صاحب جهارًا، فكن في العيب أحفظ للعهد ومثاله في المجرور قوله: وثقت بها، وأخلفت أم جندب فزاد غرام القلب إخلافها الوعدا ومثال إعمال الثاني الملغى في الضمير المرفوع قوله: وقد نغنى بها........................................ البيت.
ومثاله في المنصوب قوله:

أساء، ولم أجزه عامر فعاد بحلمي له محسنا ومثاله في المجرور قوله: إذا هي لم تستك......................................... البيت.
ومن المحتمل إعمال الأول والثاني قوله: على مثل أهبان، تشق جيوبها وتعلن بالنوح النساء الفواقد وقوله في ضمير المتنازع ينفي أن يكون التنازع في التمييز وفي الحال؛ لأنهما لا يضمران، ولا يكون من باب التنازع: تصببت وامتلأت عرقًا، ولا: قمت وخرجت مسرورًا، وإنما ذلك على الحذف إن دل دليل.
وقوله غالبًا احتراز من نحو قولهم: ضربني وضربت قومك، قال س: "وإن قال ضربني وضربت قومك فجائز، وهو قبيح أن يجعل اللفظ كالواحد".
ثم قال: "ولا بد من هذا؛ لأنه لا يخلو الفعل عن مضمر أو مظهر مرفوع من الأسماء، كأنك قلت إذا مثلت: ضربني من ثم وضربت/ قومك.
وترك ذا أجود وأحسن للبيان الذي يجيء بعده، فأضمر من لذلك، وهو رديء في القياس، يدخل فيه أن تقول: أصحابه جلس، تضمر شيئاً يكون في اللفظ واحدًا" انتهى كلام س، وهو واضح.

وقوله فإن أدت مطابقته إلى تخالف خبر ومخبر عنه فالإظهار مثاله: طناني منطلقاً وظننت الزيدين منطلقين، تظهر ثاني ظناني، وكذلك ظننت وظناني قائمًا الزيدين قائمين.
فلو أضمرت لزمك أحد أمرين: إما أن تأتي بالضمير مطابقًا للمخبر عنه، فتفرد، فيخالف المفسر المفسر، أو مطابقًا للمفسر، فتخير عن مفرد بمثنى، وكلاهما ممتنع، فوجب الإظهار، وخرجت المسألة من باب التنازع؛ لأن كل واحد من العاملين قد استوفى معموليه في أصل الوضع، ولم يتنازعا شيئا فيحتاج إلى أن يعمل أحدهما فيه.
ولا يجيز المبرد غير هذا الوجه، وهو الإظهار.
وأجاز الكوفيون هذا الوجه، وأجازوا وجهين آخرين: أحدهما حذف الضمير، فتقول: ظناني وظننت الزيدين قائمين، وظننت وظناني الزيدين قائمين، والتقدير: وظناني قائمًا، فحذف قائمًا لدلالة قائمين عليه، كما جاز مثل ذلك في الابتداء، نحو قوله: نحن بما عندنا، وأنت بما عنـ ــــــدك راضٍ، والرأي مختلف التقدير: نحن بما عندنا راضون، نص على جوازه هشام.
والثاني: المجيء بالضمير مؤخرًا مطابقًا للمخبر عنه، نحو قولك: ظننت وظناني الزيدين قائمين إياه، وظناني وظننت الزيدين قائمين إياه، فيدل عليه المثنى لأنه يتضمن المفرد.
وأجاز بعض أصحاب أبي العباس إضماره متقدمًا، فتقول: ظننت وظناني إياه أخويك منطلقين، بقدره: وظناني منطلقًا، ثم يجعل إياه في موضع منطلق.
وظاهر ما قيده المصنف أنه إذا لم تود مطابقة الضمير للمتنازع إلى تخالف ما ذكر أنه يضمر؛ فتقول على إعمال الثاني: ظننته إياه وظني زيد قائما، وعلى

إعمال الأول: ظننت وظنيه زيدًا قائمًا، أو: وظني إياه زيدًا قائمًا.
وفي هذه المسألة ونحوها مما الفعل فيه من باب ظن لا يجوز حذف الضمير عند البصريين؛ لأنك لما عديت الظن إلى واحد لم يكن بد من ثان، وتحذف إياه على قول الكوفيين.
وقال أصحابنا: إن كان المنصوب لا يجوز حذفه، وذلك كأحد مفعولي ظننت وبابه- ففيه ثلاثة مذاهب: منهم من أضمره قبل الذكر، أجراه كالمرفوع، فلم يجز حذفه، فيقول: ظننيه وظننت زيدًا قائمًا.
ومنهم من أضمره مؤخرًا، وفرق بينه وبين الفاعل في ذلك، فإن الفاعل إذا أضمر كان مع الفعل كالشيء الواحد، فيقول: ظنني وظننت زيدًا قائمًا إياه.
ومنهم من حذف لفهم المعنى، فيقول: ظنني وظننت زيدًا قائمًا./ قال ابن عصفور: "وهذا أسد المذاهب؛ إذ الإضمار قبل الذكر والفصل بين العامل والمعمول لم تدع إليه ضرورة، وحذف الاختصار في باب ظننت قد تقدم الدليل على جوازه في بابه" انتهى.
ويقوي هذا ما أنشده س من قول الشاعر: إني ضمنت لمن أتاني ما جنى وأبي، فكان وكنت غير غدور فحذف خبر كان، وحذفه أصعب من حذف مفعول ظن؛ لأن هذا يجوز حذفه اختصارًا، وخبر كان لا يجوز حذفه إلا في هذا الباب لذكره في الجملة الثانية.
ومذهب س يدر على من أضمر مفعول ظن مقدمًا أو مؤخرًا.
وزعم أبو الحسين بن الطراوة أن الإضمار في باب ظن لا يجوز، فمنع ما أدي إليه من مسائل ظن؛ إذ ليس للمضمر مفسر يعود عليه؛ ألا ترى أنك إذا قلت ظننت وظننيه زيدًا قائمًا لا يمكن أن تكون الهاء في ظننيه عائدة على قائم؛ إذ يصير المعنى: وظنني ذلك القائم المذكور، وليس هو إياه؛ لأن قائمًا هو زيد، وليس المعنى:

وظَّنِني زيد نفسه، وهذا ممتنع.
واستشنع ابن الطراوة إجازة هذا من النحوين لكونه لا يعُقل؛ إذ هو مثل هول هَبنَّقة الأحمق لأخيه: أأنا أنت، أو: أنت أنا.
وقد رُدَّ هذا على ابن الطراوة بأن الضمير في هذا الباب يعود على قائم من حيث اللفظ لا من حيث المعنى، وذلك ثابت كثير في كلام العرب، فمن ذلك قولهم: عندي درهمٌ ونصفُه، وقولُ الشاعر: كأنّ ثِيابَ راكِبِهِ بِريحٍ خَريقٍ، وهيَ ساكِنةُ الهُبوبِ وقولُ الآخر: أرى كلّ قومٍ قارَبُوا قَيدَ فَحْلِهِمْ ونحنُ خَلَعْنا قَيدَهُ، فهو سارِبُ وقولُ الآخر: فسَقَى الغَضى والسَّاكِنِيهِ، وإنْ هُمُ شَبٌوهُ جَواِنحي وضلوعي وقولُ الآخر: قالتْ ألا ليتَما هذا الَحمام لنا إلى حَمامِتنا وِنصفُه، فَقَدِ فقد عاد الضمير في "ونِصفه" على درهم، وفي "قَيده" على فحلهم، وفي "وهي" على بريح، وفي "شبوه" على الغضا، وفي "ونصفه" على الحمام، من جهة اللفظ لا من جهة المعنى؛ إذ يمتنع ذلك، فكذلك يكون في"وظَننيه" عائدًا على قائم لفظًا لا معنًى.

وفي البسيط: "وإذا أُضمر في هذا الباب المفعول المشبَّه بخبر كان والثاني من ظننت/ فالضمير منهما يعود على اللفظ؛ كقولك: طننتُ وظَّننيه زيدًا قائمًا.
والكسائي يمنعها؛ لأنه لم يتفطن لهذا النحو من العود" انتهى.
وهذا الذي نقله عن الكسائي هو قول ابن الطراوة المنقول عنه قبل.
والذي ينبغي أن يُسلك في هذا أن يُرجع فيه إلى السماع، فإن كانت العرب قد استعملت ذلك في ظنَّ في باب الإعمال اتُّبع، وإلا تُوقَّف في إجازة ذلك؛ لأنَّ عوده على شيء لفظًا لا معًنى هو قليل، وليس ذلك هو الأصل، وهو مع ذلك محتمل للتأويل، فينبغي ألاَّ يجعل أصلًا يقاس عليه، وتبني عليه المسائل.
وقوله ويجوز حذف المضمر غير المرفوع يشمل الجواز في إعمال الأول وفي إعمال الثاني، ويشمل غير المرفوع المنصوب والمجرور، مثال ذلك في إعمال الثاني: ضربتُه وضربَني زيدٌـ ومررتُ به ومرَّ بي زيد، فيجوز حذف الضمير من ضربته وبه في الصورة المذكور.
فأمّا إذا كان معمولاً للأول فسيذكر المصنف حكمه.
وأمّا إذا كان معمولاً للثاني فأجاز بعض النحويين حذفه قليلاً، وخصه أصحابنا بالضرورة، قال: بِعُكاظَ يُعْشِي النَّاظِرِيـ ينَ إذا هُمُ لَمَحُوا شُعاعُةْ يريد: إذا هم لَمَحُوه.
وقال آخر: يرنو إلى، وأرنو من أصادقه في النائبات، فأرضيه، ويرضيني يريد: وأرنو إليه.
والمنقول في ذلك عن الكوفيين والبصريين جواز حذف هذا الضمير على اختلاف بينهم.

قال في المقنع: "وتقول: ضربني وضربتهم قومك، على إعمال الأول، فهذه لا اختلاف فيها على هذا اللفظ.
فإن قلت فيها: ضربني وضربت قومك جاز عند الكوفيين على قول من قال: زيد ضربت، وهو عند البصريين جيد حسن على الحذف، كما قال تعالى: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾، وزيد ضربت قبيح جدا" انتهى كلامه.
وفي الإفصاح: "مذهب أبي علي أنك متى أعملت الأول أضمرت معمول الثاني وإن كان مفعولاً.
ومذهب السيرافي أنه يجوز حذفه إذا كان مفعولاً جوازًا مطردًا لأنه فضلة، وكذا كان الأستاذ أبو ذر يقول لنا: لا شاهد في هذا كله" انتهى.
يعني: في الاحتجاج على إعمال الثاني بما يمكن أن يكون مفعوله حذف اختصارًا.
ومثال إثبات الضمير قوله: ولم أمدح لأرضيه بشعري لئيمًا أن يكون أفاد مالا وقول الآخر:/ قطوب، فما تلقاه إلا كأنما زوى وجهه أن لاكه فوه حنظل أضمر في لأرضيه إذ أعمل أمدح في لئيمًا، وأضمر في لاكه إذ أعمل في حنظل زوى، فرفعه به.

وفي البسيط: "وإذا كان إعمال الأول يرجح إعمال الثاني في جميع معمولاته فلك حينئذ أن تقدم منها ما شئت منفصلاً؛ كما يقدم منها ما لم يتنازعا فيه؛ فكما تقول: ضرب زيد وزيدًا ضرب خالدًا، على معنى: ضرب زيد خالدًا وضرب خالد زيدًا، كقوله: وقد نغنى بها، فنرى عصورًا بها يقتدننا الخرد الخدالا قدم "بها" وهي معمولة ليقتندننا، ولم يقع التنازع فيه.
وقد يجوز الاشتغال فيه، فترفع، وتقول: ضرب زيد وزيد ضربه خالدًا، وكذلك تقول: ضربت وإياه ضرب عمرو خالدًا، على ذلك النحو.
والأحسن أن تبقي المفعول الذي لم يتنازع] فيه [في موضعه.
فإن كان العامل الثاني قدمته للأول، ولا تؤخره؛ إذ لا ضرورة تضم إلى الفصل بينه وبين عامله، بخلاف المتنازع فيه، فتقول: ضربت زيدًا وأكرم خالد عمرًا، وتقول: ظناني شاخصًا وظننت الزيدين شاخصين.
ولك أن تؤخر، لكنه قبيح.
ولو أعملت الأول لجاز تقديمه وتأخيره؛ لأنك فاصل إما بين أحد المفعولين والآخر وإما بين العامل والمفعولين معًا، فلا بد من أحدهما، بخلاف إعمال الثاني، فإنك لا تفصل، بل المفعول الأخير موضعه بعد الأول، كقولك: ظنني وظننتهما شاخصين الزيدان شاخصًا، وفي الثاني يقبح الفصل، فلا يؤخر معموله، فلا تقول:] ظنني [وظننتهما الزيدان شاخصًا شاخصين، وفي الجمع كذلك، نحو: ظنني وظننتهم شاخصين الزيدون شاخصًا، وعلى هذا فقس".

وقوله ما لم يمنع مانع مثاله: مال عني وملت إليه زيد، فلا يجوز حذف هذا الضمير؛ إذ يصير الظاهر أن يكون التقدير: مال عني وملت عنه زيد، وهو خلاف المراد، وقال الشاعر: مال عني تيهًا، وملت إليه مستعينًا عمرو، فكان معينا وكذلك لا يجوز الحذف من نحو: رغب في ورغبت عنه زيد؛ إذ لو حذف "عنه" لكان الظاهر: ورغبت فيه، وهو خلاف المراد.
وقوله ولا يلزم حذفه أو تأخيره معمولاً للأول، خلافاً لأكثرهم مثال أصل المسألة: ضربته وضربني زيد، ومررت به ومر بي زيد، فعلى ما اختاره المصنف، وقد أنشد ما يدل على إبقاء هذا الضمير لا حذفه ولا إضماره متأخرًا.
ومعنى قوله "ولا يلزم حذفه أو/ تأخيره" أنه يجوز إثباته، وأن الأكثرين على مذهبين: منهم من يلتزم حذفه، فيقول: ضربت وضربني زيد، وهو اختيار أصحابنا، لا يجيزون: ضربته وضربني زيد، إلا في ضرورة الشعر، وأنشدوا على ذلك قول الشاعر: ألا هل أتاها على نأيها بما فضحت قومها غامد وقول الآخر: علموني كيف أبـ ـــكيهم إذا خف القطين

وإنما لم يجز إبقاء الضمير لأنه مشتمل على تقديم ضمير هو فضلة على مفسر متأخر لفظًا ورتبة، فهو حر بالحذف، بخلاف أن لو كان مرفوعًا، فلا يحذف لآنه عمدة.
وأما الكوفيون فلا فرق عندهم بين الفضلة والعمدة في المنع، لا يجيزون ضربته وضربني زيد، ولا: ضربوني وضربت قومك، وسيأتي الكلام معهم في العمدة.
وزعم الأستاذ أبو الحسن بن الضائع شيخنا أن ما ورد من قولهم: كيف أبكيهم، وألا هل أتاها، وما جاء من هذا الباب- لا يلزم فيه أن يكون إضمارًا قبل الذكر كما ذكروا، بل يكون أعاد الضمير على ما في نفسه، فلما كانت غامد مذكورة في نفسه وحاضرة عنده أعاد الضمير، وكذا ما جاء من هذا الباب.
ومن هذا القبيل مجيئهم بواو رب أول الكلام، إنما ذلك حمل على كلام مقدر في النفس، حكموا له بحكم المذكور، وكذا ما أتى من هذا، فلا حجة في شيء منه.
انتهى.
وما ذهب إليه خلاف الظاهر، ولا يطرد له في جميع ما ورد من ذلك، وإن كان ما ذكره محتملاً في بيت غامد فلا يحتمل في قول الشاعر، وهو ما أنشدنا قبل من قول الشاعر: إذا كنت ترضيه ويرضيك صاحب جهارًا فكن في الغيب أحفظ للعهد لتنكير صاحب، وليس مذكورًا في نفسه كغامد، وأم جندب في قوله: وثقت بها، وأخلفت أم جندب.....................................

لكونهما علمين يحضران في النفس لتعلق الغرض بهما في محبة وغيرها ولاختلاف التخاطب، فقوله: ألا هل أتاها، وعلموني، ووثقت بها- هو خطاب مع نفسه، فأمكن الإضمار، وأما قوله: إذا كنت ترضيه ويرضيك صاحب.................................. فهو خطاب لغيره، وإسناد لنكرة ليس معهودًا في النفس.
ومن النحويين من لا يجيز تقديم المضمر، فيلزم تأخيره أو إظهاره إن لم يستغن عنه، نحو: ظنني وظننت زيدًا قائمًا إياه، أو: ظنني فاضلاً وظننت زيدًا إياه.
وقوله بل حذفه إن لم يمنع مانع أولى من إبقائه متقدمًا يعني أن ضربت وضربني زيد أولى/ من ضربته وضربني زيد، وهذا اختيار هذا المصنف، وقد نبه هو على أن الأكثرين على خلافه.
واحترز بقوله "إن لم يمنع مانع" من نحو: استعنت به واستعان على زيد، فلا يجوز حذف "به" لأنه يكون المتبادر إلى الذهن: استعنت عليه، فحذف "عليه" لدلالة قوله "علي" فيكون خلاف المراد.
وقوله ولا يحتاج غالبًا إلى تأخيره إلا في باب ظن قال المصنف في الشرح: "حذف الضمير غير المرفوع إن تقدم أحسن من بقائه ما لم يكن] عامله [من باب ظن، فيظهر أو يؤخر، وكذا إن كان من غير باب ظن وكان الحذف موقعًا في لبس.
ومثال ذلك والفعل من باب ظن: حسبني وحسبت زيدًا كريمًا إياه.
ومثاله والفعل من غير باب ظن: استعنت به واستعان علي زيد".

وقوله وإن أُلغي الأول رافعًا صحَّ أي: إن أُلغي الأول عن العمل في الظاهر، وكان عاملاً طالب رفع صحَّت المسألة، واستكنَّ الضمير في فعل الواحد، وبرز في التثنية والجمع، فتقول: ضربني وضربتُ زيدًا، وضربَتْني وضربتُ هندًا، وضرباني وضربتُ الزيدَين، وضربوني وضربتُ الرجالَ، وضربَتاني وضربتُ الهندَين، وضربْنَني وضربتُ الهنداتِ، وهذا إضمار قبل الذكر، يفسِّره ما بعده، هذا مذهب س والبصريين.
وذهب محمد بن الوليد إلى أنه ليس إضمارًا قبل الذكر، والتقدير عنده في ضربوني وضربتُ قومَك: ضربتُ قومَك وضربوني، فالضمير المتقدم لفظا هو منوي به التأخير.
ورُدَّ عليه بأنه لو كان التقدير كما زعم لم يكن في المسألة خلاف، وكيف يكون هذا التقدير وإنما قيل لك إعمال الثاني، والثاني على هذا قد صار أولا، وإنما هو معطوف على الأول، وكيف يقدر بواو العطف التقديم وأن يكون قبل ضربوني في أول الكلام، ويلزمه أن يقول: ضربتُه وضربني زيدٌ، فيقدره: ضربَني زيدٌ وضربتُه، إذا أعمل الثاني، ويلزمه: مررتُ به ومرَّ بي زيدٌ، إذا أعمل الثاني، فيقدره: مرَّ بي زيدٌ ومررتُ به، وهذا لا يقوله أحد لأنه نقض للباب، ويلزمه إذا قال: عليك بما يُحِبَان ويَسُرُّ أخويك أن يكون قد فرق بين الصلة والموصول؛ لأنه يجب أن يكون التقدير عنده: عليك بما يَسُرُّ أخويك وما يُحِبّان.

جارٍ التحميل