أي: لم يزد انتخاؤك" انتهى.
وفي نسخة أخرى من شرح المصنف: "كذا قال الفارسي" انتهى.
ولا حجة فيما ذكر، وليس البيت مما ذكر، بل الفاعل مضمر في "يزد" عائدًا على عمرو بن عبد الله، وذلك أن عمرو بن عبد الله اسم غائب، وقد أخبر به عن مخاطب، فيجوز فيما بعده أن تراعي المخاطب فيعود الضمير مخاطبًا، نحو: لو كنت أخا زيدٍ لصنعت كذا.
ويجوز أن تراعي الاسم الغائب فيعود الضمير غائبًا، نحو: لو كنت أخا زيدٍ لصنع كذا.
وهذا البيت من هذا القسم الأخير، وتقديره: لم يزد -أي: عمرو بن عبد الله- على انتخائك.
قال المصنف: "وكقوله تعالى ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾.
قيل: إن المعنى: بدا لهم بداء، كما قال:
.................................... بدا لك من تلك القلوس بداء
أي: ظهر لك فيها رأي.
ولا يجوز مثل هذا الإسناد إلى مصدر الفعل حتى يشعر برأي، مثل ظهر وبان وتبين، أو يكون الفعل فعل استثناء، كقاموا عدا زيدًا، وخلا عمرًا، وحاشا بكرًا، أي: جاوز قيامهم زيدًا" انتهى.
فأما الآية فظهر لي فيها تخريج حسن واضح سهل، وهو أن يكون الفاعل في ﴿بَدَا﴾ ضميرًا مستكنًا عائدًا على المصدر المفهوم من قوله {ولَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا
آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ}، ويدل عليه/ أيضًا قوله ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إلَيَّ﴾.
وأما من قرأ ﴿السَّجْنُ﴾ بفتح السين على أنه مصدر فقد اتضح عود الضمير عليه.
وأما قوله "أو يكون الفعل فعل استثناء" فهذا لم يذهب إليه أحد فيما علمناه، وإنما الفاعل عند النحويين لفعل الاستثناء ضمير مفرد يعود على البعض المفهوم من المعنى، أي: قام القوم حاشا هو -أي: بعضهم- زيدًا، وكذلك باقيها.
وقد كان ظهر لي ما قاله المصنف، وأمليته في بعض كتبي القديمة، ولم أجد أحدًا يقوله، فأعرضت عنه.
قال المصنف في الشرح: "ومن الإسناد إلى مدلولٍ عليه قول الشاعر:
أقول إذا ما الطير مرت مخيلةً... لعلك يومًا- فانتظر- أن تنالها
أؤدرك من أم الحويرث غبطةً... بها خبرتني الطير أم قد أنى لها
أي: قد أنى لها ألا تدرك؛ لأن ذكر أم بعد الهمزة التي وليها أحد الضدين مشعر بأن ثانيهما مراد، وهذا شبيه بقوله تعالى ﴿ومَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ ولا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾؛ لأن ذكر المعمر مشعر بمقابله، وهو القصير العمر، فأعيدت هاء ﴿عُمُرِهِ﴾ إليه، ولم يذكر لإشعار مقابله به" انتهى.
فأما "أؤدرك.
البيت" فإنه لا يتعين ما ذكر؛ إذ قد يحتمل ألا تكون أم معادلة للهمزة، بل تكون أم منقطعة بمعنى بل والهمزة، ويكون الفاعل بقوله أنى ضميرًا عائدًا على المصدر المفهوم من قوله أدرك، وكأنه استفهم أولًا، هل يدرك منها غبطة، ثم أضرب عن ذلك، واستفهم ثانيًا، هل قرب إدراكه لتلك الغبطة.
وأما قوله "وهذا شبيه بقوله تعالى ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ﴾ " فإنه جعل الضمير في قوله ﴿وَلا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ عائدًا على القصير العمر لفظًا ومعنى، ودل عليه مقابله، وهو ﴿مِن مُّعَمَّرٍ﴾.
والنحويون يقولون في مثل هذا إن الضمير عائد على ﴿مِن مُّعَمَّرٍ﴾ لفظًا دون معنى، نحو قولهم: له عندي درهم ونصفه، فالهاء في "ونصفه" عائد على درهم، والمراد به من حيث المعنى: ونصف درهم آخر، فهو عندهم عائد عليه لفظًا لا معنى، والمصنف جعله عائدًا على القصير العمر لفظًا ومعنى، ومتى دار الضمير بين أن يعود على شيء لفظًا دون معنى [وأن يعود على شيء لم يذكر] كان [أن يعود على شيء لفظًا دون معنى] أولى من أن يعود على شيء لم يذكر البتة.
قال المصنف في الشرح: "ومثله قول الآخر:
وما أدري إذا يممت أرضًا أريد الخير أيهما يليني
فثنى الضمير قاصدًا للخير والشر، ولم يجر إلا ذكر أحدهما، ولكن الإشعار بما لم يذكر بمنزلة ذكره" انتهى.
وهذا عندنا مما حذف منه الجملة المعطوفة/ لدلالة المعنى عليها، والتقدير: أريد الخير، وأجتنب الشر، فعاد الضمير على الخير والشر، وحذف الجملة
لدلالة المعنى كثير، كقوله تعالى ﴿أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ﴾، التقدير: فضرب فانفلق.
وهذا الذي ذكره المصنف تكثير واستطراد تكثير واستطراد لغير ما عقد له أصل المسألة، ويقع في ذلك النزاع، فلا حاجة في ذكره.
قال المصنف في الشرح: "ومن الإسناد إلى مدلول عليه قول بعض العرب: إذا كان غدًا فأتني، أي: إذا كان غدًا ما نحن عليه الآن من الوعد في غد فأتني، ومثله قول الشاعر:
فإن كان لا يرضيك حتى تردني إلى قطري لا إخالك راضيًا
أي: إن كان لا يرضيك ما تشاهده مني.
ومن الفاعل المؤول قوله تعالى ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾، ففاعل ﴿تَبَيَّنَ﴾ مضمون ﴿كَيْفَ فَعَلْنَا﴾، كأنه قيل: وتبين لكم كيفية فعلنا بهم.
وجاز الإسناد في هذا الباب باعتبار التأويل، كما جاز في باب الابتداء، نحو ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ﴾، فإنه أول بـ (سواء عليهم الإنذار وعدمه)، بل كما جاز في هذا الباب أن يقال:
ما ضر تعلب وائل أهجوتها......................................
ومثل ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾، ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا﴾
على تأويل: أولم يهد لهم كثرة إهلاكنا" انتهى.
وهذا الذي ذهب إليه المصنف - وهو أن يُسبك من الجملة المصدرة بـ"كم" اسم يكون في موضع الفاعل - هو مذهب بعض الكوفيين.
وأما أصحابنا فإنهم خرجوا قوله تعالى ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ على أن فاعل يهدي مضمر، يعود على المصدر المفهوم من الفعل، وساغ ذلك لأن الهداية قد تستعمل استعمال الدلالة التي يراد بها الحجة والبرهان، وكأنه قال: أو لم يتبين لهم حجتنا، ويكون ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ في موضع نصب بما دل عليه قوله ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ لأنه بمنزلة: أو لم يعلموا، فحمله على ذلك.
ولا يكون الفاعل عند البصريين إلا صريح الاسام أو المقدر به من أن أو أن أو ما المصدريات فقط، كما قد بيناه في باب الفاعل.
قال المصنف في الشرح: " ومن الإسناد إلى مدلول عليه قوله تعالى ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾، ففاعل ﴿أَخْرَجَ﴾ ضمير الواقع في البحر الموصوف، ولم يجر له ذكر، ولكن سياق الكلام يدل عليه" انتهى.
وهذا ليس كما ذكر، بل هو يعود على محذوف مضاف إلى ﴿ظُلُمَاتِ﴾، التقدير: أو كذي ظلمات، فحذف "ذي" لدلالة المعنى.
قال المصنف في الشرح: "ومثله قول النبي - صلى الله عليه وسلم - (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن)،
ففاعل (يشرب) غير مذكور، لكنه/ مفهوم، كأنه قيل: ولا يشرب الخمر شاربها.
وقد يغني عن الفاعل استحضاره في الذهن بذكر فعل ناصب لما لا يصلح إلا له، كقول الشاعر:
لقد علم الضيف والمرملون إذا أغبر أفق، وهبت شمالا
فأغني عن إظهار الريح استحضارها في الذهن بـ (هبت) ونصبه شمالًا على الحال، فكان ذلك بمنزلة التصريح بالريح.
ومثله قول الآخر:
وأكرم الضيف والجار القريب إذا هبت شامية، واشتدت القرر
فنصب شامية، وأضمر الريح.
وإلى هذه المواضع وأشباهها أشرت بقولي: ويرفع توهم الحذف إن خفي الفاعل جعله مصدرًا منويًا ونحو ذلك".
-[ص:
باب النائب عن الفاعل
قد يترك الفاعل لغرض لفظي أو معنوي جوازًا أو وجوبًا، فينوب عنه جاريًا مجراه في كل ما له: مفعول به، أو جار ومجرور، أو مصدر لغير مجرد التوكيد ملفوظ به أو مدلول عليه بغير العامل، أو ظرف مختص متصرف، وفي نيابته غير متصرف أو غير ملفوظ به خلاف.]-
ش: هذا الاصطلاح في باب المفعول الذي لم يسم فاعله بالنائب لم أراه لغير هذا المصنف، وإنما عبارة النحويين فيه أن يقولوا: باب المفعول الذي لم يسم فاعله، ولا مشاحة في الاصطلاح.
وحد هذا المفعول الذي لم يسم فاعله هو حد الفاعل، إلا أنه يقول مكان "غير مصوغ للمفعول": مصوغ للمفعول.
والغرض اللفظي الإيجاز، نحو ﴿وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾.
وموافقة المسبوق للسابق كقول بعض الفصحاء: من طابت سريرته حمدت سيرته.
وإصلاح النظم كقول الأعشى:
علقتها عرضًا، وعلقت رجلًا غيري، وعلق أخرى ذلك الرجل
وقول عنترة:
فإذا شربت فإنني مستهلك مالي، وعرضي وافر، لم يكلم
والغرض المعنوي كون الفاعل معلومًا، نحو قوله {وَخُلِقَ الإِنسَانُ
ضَعِيفاً}، ونحو ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ﴾، و"نصرت بالرعب"، و "نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور" والجهل بالفاعل، كقول الرجل: نبئت بكذا، إذا لم يعرف من نباه.
وألا يتعلق مراد المتكلم بتعيين الفاعل، كقوله ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾، ﴿وَإِذَا حُيِّيْتُم﴾، ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا﴾، وقوله/:
وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل
وتعظيم الفاعل بصون اسمه عن مقارنة اسم المفعول، كقوله: "من بُلي منكم بهذه القاذورة".
وتعظيم المفعول بصون اسمه عن مقارنة
الفاعل كقولك: أوذي فلان، إذا عظمته، واحتقرت من آذاه، والستر على الفاعل خوفًا منه أو خوفًا عليه.
فهذه عشرة أشياء ذكرها المصنف، كل واحد منها باعث على حذف الفاعل.
وقد نظمت البواعث على حذف الفاعل في أرجوزتي المسماة "نهاية الإعراب في علمي التصريف والإعراب"، فقلت:
وحذفه للخوف، والإبهام والوزن، والتحقير، والإعظام
والعلم، والجهل، والاختصار والسجع، والوفاق، والإيثار
وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع: "قولهم (يحذف الفاعل لكذا وكذا) هذيان من القول، وما ارتكبه المتأخرون في ذلك نازح عن الحق جملة، ولا فرق بين طلب العلة لذلك وطلب العلة في: لم بني الفعل للفاعل، ولا فرق بين السؤال: لم لم يذكر الفاعل، وبين السؤال: لم لم يذكر الظرف، أو: لم لم يذكر الزمان، أو شبيه ذلك".
وقوله فينوب عنه جاريًا مجراه في كل ما له مفعول به يعني أنه يجري مجراه في الرفع، ووجوب تأخره عن الرافع، والتنزل منزلة الجزء، وامتناع الحذف، إلا أنه لا يجري مجراه في العامل؛ لأن الفاعل يرتفع باسم الفعل، وبالظرف، والمجرور، والأمثلة، والجامد الجاري مجرى المشتق، ولا يرتفع المفعول الذي لم يسم فاعله إلا بالفعل، واسم المفعول، وفي ارتفاعه بالمصدر الذي ينحل بحرف مصدري والفعل خلاف، فإذا لم يجر مجراه في كل ما له.
وقوله أو جاز ومجرور مثاله: غضب على زيد.
وهذا الذي ذكره المصنف
لم يذهب إليه أحد، وهو أن يكون الجار والمجرور يقوم مقام الفاعل، فيكونان معًا في موضع رفع، بل في ذلك مذاهب، ليس قول المصنف واحدًا منها:
أحدها: مذهب جمهور البصريين، وهو أن المجرور في موضع رفع بالفعل، كما أنك إذا قلت "ما قام من أحد" فالمجرور بمن في موضع رفع بالفعل، وسواء عندهم في ذلك أن يكون الجر بحرف زائد، نحو: ما ضرب من أحد، أو بحرف جر غير زائد، نحو: سير بزيد.
الثاني: مذهب الكوفيين وبعض البصريين، وهو أن ذلك لا يجوز إلا فيما حرف الجر فيه زائد، نحو "أحد" من قولك: ما ضرب من أحد.
وأما إذا/ كان غير زائد فلا يجوز ذلك.
واختلف هؤلاء في الذي يقام مقام الفاعل إذا كان حرف الجر غير زائد على أربعة مذاهب:
الأول: ذهب بعض البصريين - ونص بعضهم على أنه ابن درستويه - إلى أن المفعول الذي لم يسم فاعله هو ضمير عائد على المصدر المفهوم من الفعل، والتقدير في نحو سير بزيد: سير هو، أي: السيرز وإلى هذا ذهب أبو زيد السهيلي وتلميذه أبو علي الرندي.
واستدل السهيلي على امتناع إقامة المجرور مقام المفعول الذي لم يسم فاعله بأن المفعول الذي لم يسم فاعله إذا تقدم صار
مبتدأ، كما أن الفاعل إذا تقدم صار مبتدأ، فتقول: زيد ضرب، كما تقول: زيد ضرب، وأنت لا تقول: بزيد سير، فيكون بزيد مبتدأ، فإذا وجد من كلام العرب سير بزيد جعل المقام مقام الفاعل ضمير المصدر.
وقال السهيلي أيضًا: ما ذهب إليه أبو القاسم - يعني الزجاجي - وزعم أنه قول الأكثرين، وهو أن يقام المجرور مقام الفاعل فيكون في موضع رفع، فيكون هو المخبر عنه - غير صحيح، ولو صح لقيل: سيرت بهند، وجلست في الدار.
ولأن الظرف لا ينوب وهو ظرف مقدر بـ (في) حتى يجعل مفعولًا على السعة، فإذا لم ينب من أجل أن حرف الجر مقدر فيه فكيف ينوب وحرف الجر ظاهر ملفوظ به، وأي شيء ينوب إذا قلت: جلس عندك، وعندك لا يكون إلا ظرفًا، فلم يبق إلا المصدر.
ولأنه لا يحسن: سير بزيد العاقل، كما حسن ﴿مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، فيرفع الفاعل كرفع غيره.
ولأنه لو كان في موضع الفاعل لما جاز: بزيد سير، وعن زيد سئل، لأن النائب إذا قدم كان مبتدأ كالفاعل إذا قدم، والمبتدأ لا يكون مجرورًا، وجاء في التنزيل ﴿كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾، أي: مسؤولًا عنه، فليس (عنه) في موضع رفع كما
زعموا، ولو كان كذلك ما جاز تقديمه وهو مجرور.
وهذا الذي ذكره السهيلي في سير بزيد يرد عليه في: لم يضرب من رجل، فإن هذا المجرور في موضع رفع لقيامه مقام الفاعل، ولو قدمته لم يجز، نحو: من رجل لم يضرب، فينبغي ألا يجوز ذلك.
قال أصحابنا: والدليل على بطلان هذا المذهب أن العرب تقول: سير بزيد سيرًا، بنصب المصدر، فدل ذلك على أن المجرور هو الذي يقام مقام الفاعل.
وإنما امتنع أن يكون (بزيد) مبتدأ لأن المبتدأ معرى من العوامل اللفظية، فلا يتقدمه عامل لفظي أصلًا، إلا أن يكون حرف جر زائدًا، والباء في (بزيد) ليست بزائدة، فلذلك امتنع أن يكون مبتدأ.
وأما ما ذكره من امتناع "سير بزيد العاقل" بالرفع على الموضع فلأن/ هذا الموضع لا يجوز أن يلفظ به، وما كان هكذا فلا يجوز الإتباع عليه؛ ألا ترى أنك لا تقول: مررت بزيد الظريف، بالنصب؛ لأنه لا يجوز: مررت زيدًا، فكذلك هذا، وذلك بخلاف ﴿مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾.
لأنه يجوز: ما لكم إله غيره، ففرق تجويزه "بزيد سير" فسيأتي ذكر اتفاق النحويين على منعه، وأنهم أجمعوا على منع التقديم، والإجماع حجة.
وقال ابن طلحة: يقول السهيلي: يجوز أن يفرق بين وقوع هذا المجرور مبتدأ وبين وقوعه بعد الفعل، فإنه إذا وقع أولًا لم يكن للباء هناك معنى خبر، فلم يكن لها متعلق، ولا يقاس على قولهم: بحسبك درهم، وإذا وقع بعد الفعل أمكن أن يكون للباء هناك معنى خبر، فأمكن أن يكون لها متعلق، كما كان لها في
قولك ﴿كَفَى بِاللَّهِ﴾، وهي داخلة على الفاعل، ولا يصح أن تقولك بالله كفى به شهيدًا، وعلى أن الباء في بحسبك زيد معنى المتعلق؛ لأن التقدير: اكتف بزيد، وهذا فرق بين يوجب إسناد الفعل إلى المجرور وبناء المجرور عليه، ويمنع من بناء الفعل على المجرور، وبهذا المعنى بعينه لم يصح تأنيث الفعل له؛ ألا ترى أنك تقول: كفى بهند من فاضلة، فلا تؤنث الفاعل، والباء زائدة على فاعل مؤنث.
والمذهب الثاني: ذهب الكسائي وهشام إلى أن مفعول الفعل ضمير مبهم مستتر في الفعل، وجعلا الضمير مبهمًا من حيث كان محتملًا أن يراد ما يدل على الفعل من مصدر أو ظرف مكان أو ظرف زمان، ولم يقم دليل على أن المراد به بعض ذلك دون بعض.
المذهب الثالث: ذهب الفراء إلى أن حرف الجر في موضع رفع، كما أن الفعل في "زيد يقوم" في موضع رفع.
وهذا ينبني على قولهم: مر زيد بعمرو، فمذهب البصريين أن المجرور في محل نصب، فإذا بني مثل هذا للمفعول كان المجرور في موضع رفع.
وذهب الفراء إلى أن حرف الجر في موضع نصب، فلذلك ادعى أنه إذا بنى للمفعول كان حرف الجر في موضع رفع.
المذهب الرابع: ذهب قوم إلى أن قولك "سير بزيد" هو على إضمار الطريق؛ لأن السير لا يكون إلا في مكان، والمعنى: قطع به طريق.
واتفق النحويون على أن هذا الجار والمجرور في نحو سير بزيد، وزيد متعجب منه - لا يجوز تقديمه، فلا يجوز: يزيد سير، ولا: زيد منه متعجب.
وعلة امتناعه عند البصريين أنه قد قام مقام الفاعل، فإن قدمته احتجت إلى أن تضمر مثله، فتضمر الخافض والمخفوض.
وعلة الكوفيين أنه صلة، فلا تتقدم.
ذكر هذا الاتفاق أبو جعفر النحاس.
وقال ابن اصبغ: هي/ جائزة في القياس.
يعني التقدم.
وتقدم خلاف السهيلي في ذلك والرد عليه بالإجماع.
وأما المفعول له فقيل: لا يجوز أن يبنى لما لم يسم فاعله مطلقًا، وهو رأي أبي علي، وابن جني، ولذلك لم يكن في قوله:
يغضي حياء، ويغضى من مهابته فلا يكلم إلا حين يبتسم واحتجوا بوجهين:
أحدهما: أن المجرور لا يقام مقام الفاعل، وهذا كذلك إما لفظًا أو معنى.
الثاني: أنه بيان لعلة الشيء، ولا يكون إلا بعد ثبوت الفعل بمرفوعه.
وقيل: يجوز إذا كان بحرف جر بناء على جواز الأصل، ولا يجوز إذا كان منصوبًا.
وقوله أو مصدر لغير مجرد التوكيد ملفوظ به أو مدلول عليه بغير العامل إذا كان المصدر للتوكيد، نحو: قام زيد قيامًا - فلا يقام مقام الفاعل لعدم الفائدة؛
لأن المفهوم من المسند إليه يكون غير المفهوم من المسند، فإن كان مختصًا بنوع ما من الاختصاص، كتحديد العدد، والاختصاص بالوصف أو الإضافة، أو كونه اسم نوع - جاز ذلك لتغاير المسند والمسند إليه.
ومثال الملفوظ به: سير سير شديد.
ومثال المدلول عليه بغير العامل - وهو أن يكون المصدر غير ملفوظ به، لكنه دل عليه بغير الفعل - قولك: بل سير، لمن قال: ما سير سير شديد، فالضمير المستكن في سير هو مدلول عليه بغير سير، بل دل عليه بقول القائل: ما سير سير شديد، فلو كان مدلولًا بالعامل كقولك: جلس، أو ضرب، وأنت تريد: هو، أي: جلوس، وضرب - لم يجز.
وفي كلام الزجاجي إشعار بجواز ذلك؛ لأنه قال: وقد أجازه بعضهم على إضمار المصدر المؤكد، وهو مذهب س، قال ابن خروف: "لا يجيز أحد من النحويين رد الفعل لما لم يسم فاعله على إضمار المصدر المؤكد، لا يجيز أحد: قعد، وضحك من غير شيء يكون بعد هذا الفعل.
ثم ادعاؤه أنه مذهب س فاسد؛ لأن س لا يجيز إضمار المصدر المؤكد في هذا الباب، والذي أجازه س لا يمنعه بشر، وهو إضمار المصدر المعهود، مثل أن يقال لمتوقع القعود: قد قعد، ولمتوقع السفر: قد سوفر، أي: قعد القعود، وسوفر الذي ينتظر وقوعه، والفعل لا يدل على هذا النوع من المصادر، والدال عليه أمر آخر" انتهى.
وقال السهيلي ما ملخصه: "من اللازم ما لا ينبغي أن يجوز البتة، نحو: قعد، وضحك، أضمرت المصدر أو لم تضمره؛ لأن معناه: فعل ضحك، ولو صرح بهذا لم يفد، وكيف يحيز هذا س وقد منع: رجل قائم، إنما الذي أجاز: ضحك/ في الدار، وقعد عندك، وأجاز: سير بزيد فرسخًا، على إضمار السير.
وحسن الإضمار عنده وعند المحققين في هذه المسألة لأن المكان والزمان المخصوصين قد يخلوان من الفعل، فإذا أخبرت أن قد كان فيه فعل حصلت به فائدة، هذا إن كان الزمان أو المكان معرفة، فإن قلت: قعد في مكان، أو ذهب في يوم - لم يجز.
والدليل على إضمار المصدر مع الظرف والمجرور قولهم: سير بالقوم رويدًا، فـ (رويدًا) حال من السير الذي هو النائب، وكذلك: سير يزيد سريعًا، لا خلاف في جواز هذا، وكذلك تقول: إن سير بهند فهو خير لها، فيعود الضمير على السير، ولا خلاف في جواز هذا أيضًا، فينبغي ألا يكون خلاف في صحة ما ذهب إليه س" انتهى كلام السهيلي.
ونقول: لا يجوز بناء الفعل للمفعول إذا لم يكن له معمول غير الفاعل، فلا يجوز في جلس زيد: جلس، ولا في ظرف زيد: [ظرف].
هذا مذهب أكثر النحويين من البصريين والكوفيين، وما نسبه الزجاجي إلى س من إجازة ذلك على إضمار المصدر غلط منه عليه، وقد أنكره النحاس وغيره على الزجاجي.
وزعم الكسائي والفراء وهشام أن ذلك يجوز، فكان الفراء يزعم أن الفعل فارغ لا شيء فيه، فقيل له: هل يخلو الفعل من فاعل؟ فقال له: إذا شرطت إسقاط الفاعل، وقلت لا تسمه، وجب ألا يكون في الفعل ذكر إذا أسقط فاعله.
وكذلك كان يقول في ضرب ضربًا: إنه لا شيء مضمرًا في ضرب، وكذلك قعد قعودًا تعدى أو لم يتعد.
وكان الكسائي وهشام يجيزان ذلك على أن في الفعل مجهولًا، لما حذف الفاعل أسند الفعل إلى أحد ما يعمل فيه مما هو سوى المفعول به: المصدر، أو الوقت، أو المكان، فلم يعلم أيها هو المقصود لأنه لم يظهر مع الفعل مرفوع به.
قال أبو محمد بن السيد: "والأشبه في هذا لمن أجازه أن يضمر مصدر الفعل؛ لأن الفعل يدل على مصدره، كما قال الزجاجي، وما زعم الفراء أنه فارغ لا ضمير فيه خطأ.
وقد احتج المانعون من جواز هذا بأن قالوا: الفعل يدل على مصدره، فلا فائدة في إضماره ولا في إظهاره.
فرد عليهم من أجاز ذلك بأن قالوا: قد أجاز النحويون إقامة المصدر مقام الفاعل في الأفعال المتعدية إذا عدم المفعول به، وكان المصدر منعوتًا أو محدودًا أو معرفًا، فأجازوا: ضرب بزيد الضرب، وسير بزيد سير شديد، وقال تعالى ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾.
فكما جاز أن يقام المصدر
في هذه المسائل/ مقام الفاعل - وإن كان الفعل قد دل عليه وأغني عنه - كذلك تقول: جلس الجلوس، وقعد القعود، ولا فرق.
ويؤكد جواز هذا أن الموجب لإقامة المصدر مقام الفاعل إنما هو عدم المفعول به، وهذا العلة بعينها هي موجودة في جلس وقعد.
واحتجوا أيضًا بأن قالوا: هل معنى جلس زيد إلا أنه قد فعل جلوسًا وأحدثه، فإذا كان هذا معنى الكلام والغرض فيه فما المانع من أن يقال جلس وقعد، إذ معناه فعل الجلوس، وفعل القعود، كما أن قولنا: ضرب بزيد الضرب، إنما معناه: فعل بزيد الضرب.
قالوا: والمفعول ليس يرتفع بما أوقع به فعل، كما أن الفاعل في صناعة العربية ليس يرتفع بما أوقع شيئًا وأحدثه، إنما يرتفع كل واحد منهما بالحديث عنه وإسناد الفعل إليه، فيجب على هذا أن يرتفع كل ما حدث عنه من مصدر أو ظرف، سواء أكان الفعل متعديًا أم غير متعد، والتفريق بين المتعدي وغير المتعدي في هذا لا وجه له.
قالوا: ولو أن ملكًا أو نظيره ممن له أمر ونهي عهد ألا يجلس أو ألا يضحك في وقت من الأوقات لغرض له في ذلك دون أن يسمي جالسًا أو ضاحكًا لجاز ذلك، ولم يمتنع" انتهى كلام ابن السيد.
وقد وجدت في لسان العرب ما يشهد بجواز جلس وقعد مبنيًا للمفعول دون أن يسند إلى شيء في اللفظ، والفعل لازم، قال الشاعر:
وقالت: متى يبخل عليك، ويعتلل يسؤك، وإن يكشف غرامك تدرب
فـ"يعتل" فعل لازم مبنى للمفعول، ولا مفعول له ظاهر، ولا جائز أن يكون المفعول "عليك" محذوفة لدلالة "متى يبخل عليك" عليه؛ لأن المفعول
الذي لا يسمى فاعله لا يجوز حذفه، كما لا يجوز حذف الفاعل، فالأولى أن يعتقد أن "يعتلل" مفعوله ضمير يعود على مصدر يدل عليه الفعل، ويجعل فيه اختصاص، أي: يعتلل هو، أي: الاعتلال المعهود.
أو يجعل "عليك" محذوفة لدلالة ما قبلها عليها، وتكون في موضع نصب ليتخصص به المصدر المذكور، كما تقول: فلان يغضب عليك ويحقد، تريد: ويحقد عليك، فحذفت لدلالة ما قبله عليه، ولا تقدر للمقام مصدرًا مؤكدًا لئلا يتحد المسند والمسند إليه.
وأجاز س اختصاص المصدر بوصف مقدر، فتقول "سير بزيد سير" إذا أردت به نوعًا من السير، فتحذف الصفة لفهم المعنى، كما قال ﴿الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالحق البين.
وقال ابن عصفور: إن هذا مما انفرد به س. وقال غيره: إن أبا العباس قال: هذا فيه/ بعد إذا كنت تريد به ضربًا من السير.
وقال غيره: يجوز ذلك إذا أردت به جمع سيره.
قال النحاس: والأجود عند جميع البصريين النصب لما ذكرت أنه بمنزلة الفعل.
وقال الأستاذ أبو الحسين بن أبي الربيع: "إذا كان المصدر مؤكدًا لم يبن له الفعل إلا أن يعلق به ظرف غير متصرف، نحو: جلس دونك، قال تعالى ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ﴾، وقال الشاعر:
فيا لك من ذي حاجة، حيل دونها وما كل ما يهوي امرؤ هو نائلة"
النائب مضمر، يعود على المصدر المفهوم من حيل.
ولا يقام وصف المصدر مقام المصدر الموصوف، فيجوز: سير عليه سير سريع، وسير حثيث، ولا يجوز: سير عليه سريع، ولا: سير عليه حثيث، بل تنصبه، قال س: "سير عليه حثيثا وشديدًا، فالنصب في هذا على أنه حال".
قال: "ولا يكون فيه الرفع لأنه لم يقع موقع الأسماء" إذا كان صفة.
وكذا عنده: سير عليه طويلًا، وحديثًا، وكثيرًا، وقليلًا، وقديمًا، بالنصب لا غير.
قال أبو إسحاق: التقدير: سير عليه في هذه الحال، فلهذا لم يجز فيه الرفع.
ووهم ابن عصفور في قوله إن س انفرد بإقامة صفة المصدر، ونص ص أن ذلك لا يقوم مقام الفاعل.
وأجاز الكوفيون في كل ما ذكرناه من كلام س الرفع على أنه أقيمت فيه الصفة مقام الموصوف، فتقول: سير عليه حسن، أي: سير حسن، ومر به سريع، أي: مرور سريع، إلا في شديد وبين، فإنهم لا يجيزون فيهما إلا النصب، فيقولون: سير عليه شديدًا وبينًا؛ لأن المعنى عندهم: سير عليه حقًا، وكذلك يقولون: ضرب أبين الضرب، وأشد الضرب، وأولع أشد الإيلاع، بالنصب عندهم فقط، ولا يجوز الرفع.
وأجاز البصريون في مثل هذا الوصف المضاف الرفع إذا لم يضمر، فتقول: ضرب أبين الضرب، وضرب أشد الضرب.
وقد نقص المصنف في إقامة المصدر شرطًا، وهو أن يكون المصدر متصرفًا، وكان ينبغي أن يذكره، ذكره في الظرف، فإنه إن كان المصدر غير متصرف لم يجز أن يقوم مقام الفاعل، نحو: معاذ الله وريحانه، وعمرك الله،
وأمثال ذلك؛ لأن العرب التزمت فيها النصب على المصدر.
وقوله أو ظرف مختص متصرف شرط الاختصاص لأن غير المختص لا يقام مقام الفاعل، لا يقال في سرت وقتًا: سير وقت؛ لعدم الفائدة، وكذلك ظرف المكان، لا/ يقال: جلس مكان، في نحو: جلست مكانًا، فإن اختص جاز، نحو: سير وقت صعب، وزمان طويل وجلس مكان بعيد.
وقوله متصرف احترز به من الظرف الذي لا يتصرف، وهو ما لزم الظرفية، نحو "سحر" من يوم معين، و "ثم"، فلا يقال سير سحر، ولا: جلس ثم: لأن قيامهما مقام الفاعل يخرجهما عن الظرفية، قال س: "سير عليه سحر لا يجوز فيه إلا أن يكون ظرفًا؛ لأنهم إنما يتكلمون به في النصب والرفع والجر بالألف واللام، يقولون: هذا السحر، وبأعلى السحر، وإن السجر خير لك من أول الليل".
وقال س أيضًا: "سير عليه ضحى، إذا عنيت ضحى يومك".
قال: "وكذلك سير عليه عتمة، إذا أردت عتمة ليلتك، وكذلك ضحوة يومك الذي أنت فيه، يجري مجرى عشية، وكذلك: سير عليه ليلًا، وسير عليه نهارًا، إذا أردت ليل ليلتك، ونهار نهارك" انتهى كلام س.
والمعنى أن هذه الظروف التي ذكرها س إذا كانت نكرات جاز فيها الرفع على سبيل المجاز، والنصب على الأصل، فإذا أريد بها شيء بعينه لم تتمكن، فتركت على بابها منصوبة.
وأجاز الكوفيون الرفع فيما منعه س من رفع ضحى وضحوة وعتمة وعشية وليل ونهار معينات.
وذهب الكسائي والفراء إلى أنك ترفع مع النكرات لا غير، تقول: موعدك يوم، ويومان، وساعة، فكذلك يجيء على قولهم: سير بزيد يوم، بالرفع لا غير، وكذلك ساعة.
وأجاز البصريون في ذلك النصب، فإن وقته، فقلت: موعدك يوم العيد، جاز الرفع والنصب.
وسواء عند البصريين أكان العمل في الظرف كله أم بعضه، يقيمونه مقام الفاعل.
وزعم الكوفيون أنك إذا قلت سير به يوم الجمعة، فأردت أن السير كان فيه كله رفعت، وإن كان في بعضه نصبت، وهذا مبنى على أصل لهمن وهو أن الظرف إذا كان العمل في جميعه لا ينتصب انتصاب الظرف، إنما ينتصب انتصاب المفعول به.
وأجاز س وعامة البصريين: سير عليه فرسخان يومين، وفرسخين يومان، وفرسخين يومين، ومنع كل ذلك بعض المتأخرين.
وقوله وفي نيابته غير متصرف أو غير ملفوظ به خلاف قال المصنف في الشرح: "أجاز الأخفش نيابة الظرف الذي لا يتصرف، نحو أن تقول: جلس عندك.
ومذهبه في هذه المسألة ضعيف.
وأجاز ابن السراج نيابة الظرف المنوي" انتهى.
واختلفوا في صفة الظرف إذا حذف الظرف كالخلاف في صفة المصدر، فلم يجز فيه س إلا النصب، وأجاز الكوفيون الرفع، وأجاز س: سير عليه خلف دارك، بالرفع، ومنعه/ بعض المتأخرين.
وتقول: ضرب زيد ظهره وبطنه، فيجوز في ظهره وبطنه عند س الرفع على البدل، والنصب بمعنى على.
وكذلك إذا كان معرفًا بالألف واللام، نحو: ضرب زيد الظهر والبطن.
وقال أبو العباس: نصب لأنه يشبه الظروف.
وقال الفراء: لا يجوز فيهما إلا الرفع، سواء أضيفا أم كان فيهما الألف واللام.
وحجته أنه غير مبهم، فلا يجيز النصب، كما لا يجيز: زيد البيت.
وحجة س أنه أشبه الظرف من جهة عمومه؛ ألا ترى أن المعنى: عم بالضرب.
واختلف النقل عن هشام: فحكى عنه أبو جعفر النحاس كمذهب س، يجيز الرفع والنصب، سواء أكان مضافًا أو فيه أل.
ونقل أبو إسحاق بن أصبع في "مسائل الخلاف" أنه أجاز النصب مع الألف واللام، ومنعه مع الإضافة.
ونقل أيضًا عن المبرد أنه منع النصب، كمذهب الفراء.
وأجاز هشام: ضرب زيد ظهرًا وبطنًا، فينصب على التفسير، أي: ضرب ظهر زيد وبطن زيد، ولا يجيز التقديم.
ويجوز عند المازني وأبي العباس.
وهي مسألة من التمييز، جر إليها الكلام.
ص: ولا تمنع المنصوب لسقوط الجار مع وجود المنصوب بنفس الفعل، ولا نيابة غير المفعول به وهو موجود، وفاقًا للأخفش والكوفيين.
ش: لم يتعرض المصنف في الشرح للمسألة الأولى هنا، وهي مسألة: اخترت زيدًا الرجال، فزيد تعدى إليه الفعل بنفسه، والرجال تعدى إليه لسقوط الجار، وكذلك ما كان مثله.
فالذي نص عليه أصحابنا أنه لا يقام مقام الفاعل إلا زيد، وهو الذي تعدى إليه الفعل بنفسه، فتقول: أختير زيد الرجال، تريد: من الرجال.
وكلام المصنف يجوز هذا، ويجوز أن تقول: اختير الرجال زيدًا.
والسماع إنما ورد بإقامة الذي تعدى إليه الفعل بنفسه دون ما تعدى إليه بإسقاط الحرف، قال الشاعر:
ومنا الذي اختير الرجال سماحة وجودًا إذا هب الرياح الزعازع
والذي ذكره أصحابنا هو مذهب الجمهور، والذي المصنف هو مذهب الفراء، ترك الجمهور المقدر كالملفوظ به، فكما لا يجوز عندهم ترك المفعول به المسرح وقيام المقيد بالحرف لفظًا كذلك لا يجيزونه مع المقيد تقديرًا، وقد ذكرنا أن السماع ورد بذلك، وهو مذهب البصريين.
وقال ابن أبي الربيع: "لا يجوز أمر الخير زيدًا إلا على القلب"
وأما المسألة الثانية - وهي أن ينوب غير المفعول به من مصدر أو ظرف زمان أو ظرف مكان أو مجرور مناب الفاعل مع وجود المفعول به - فهذا لا يجوز عند البصريين.
قال ابن برهان: "لا يقام مقام الفاعل/ إلا المفعول به عند حضوره لأنه شريك الفاعل؛ وذلك أنه يخرج [المصدر] من العدم إلى الوجود، والمفعول به حافظ لوجوده، فلا يستقيم تجدد المصدر إذا فرضنا انتفاء واحد منهما، ولذلك لما جعلت العرب في الأفعال ما لا يتعدى، فلا يكون للمفعول به حظ فيه - أفردوا المفعول به بقبيل من الأفعال لا حظ للفاعل فيه قصاصًا، وذلك باب فعل".
قال المصنف: "وأجاز ذلك الأخفش والكوفيون".
قال: "وبقولهم أقول مع أنه وارد عن العرب".
وقال غيره: "أجاز ذلك الكسائي والفراء وأبو عبيد، ومنعه الجمهور".
واستدل مجيزو ذلك بقراءة أبي
جعفر ﴿لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، وقول الشاعر: ولو ولدت قفيرة جرو كلب لسب بذلك الجرو الكلابا وقول الآخر: أتيح لي من العدا نذيرا به وقيت الشر مستطيرا وقول الآخر: وإنما يرضي المنيب ربه ما دام معنيا بذكر قلبه وقول الآخر في أحد الوجهين: لم يعن بالعلياء إلا السيدا... ولا شجا ذا الغي إلا ذو الهدى وقال الأخفش في (المسائل): "ضرب الضرب الشديد زيدًا، وضرب
اليومان زيدًا، وضرب مكانك زيدًا، ووضع موضعك المتاع".
ومن مسائله: أعطي إعطاء حسن أخاك درهمًا مضروبًا عنده زيدًا واستدلوا أيضًا بقراءة عاصم ﴿وكذلك نجي المؤمنين﴾.
وقال صاحب اللباب: "إقامة المصدر مع وجود المفعول به للبصريين فيه مذهبان:
أحدهما: لا تجوز؛ لأن المصدر هو الفعل في المعنى، فهو غير لازم، بخلاف المفعول به.
والآخر: تجوز؛ لأن الفعل يصل إليه بنفسه، كقراءة أبي جعفر ﴿ليجزى قوماً﴾، وقراءة عاصم ﴿نجي المؤمنين﴾ أي: ليجزي الجزاء، ونجي النجاء".
ونقل بعض أصحابنا عن الأخفش شرطًا في جواز إقامة المصدر وظرف الزمان مقام الفاعل مع وجود المفعول به، وهو أن يتقدما على المفعول به، فإن تأخرا لم يجز أن يقام إلا المفعول به، فأجاز أن يقال: ضرب الضرب الشديد زيدًا، وضرب يوم الجمعة زيدًا.
وقد أهمل المصنف ذكر هذا الشرط، وعليه تمثيل الأخفش المثل المذكورة في المسائل، ونقل ذلك الشرط عن الأخفش/ ابن الدهانن وقال: هذا طريف
جدًا من الأخفش.
ومن منع ذلك تأول هذه الشواهد: فأما قراءة أبي جعفر فتأولوها تأويلين:
أحدهما: أن يكون التقدير: ليجزى هو، أي: الجزاء، ويكون ﴿قَوْما﴾ منصوبًا بفعل محذوف، تقديره: يجزيه قومًا، ونظيره ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ.
رِجَالٌ﴾، أي: يسبحه رجال.
التأويل الثاني: أن يكون التقدير: ليجزى الخير قومًا، والخير: مفعول به، وهذا الفعل يتعدى إلى مفعولين، فأضمر الأول لدلالة الكلام عليه.
وأما قراءة عاصم ﴿نجي﴾ فتأولوها على أنه أبدل النون الثانية جيمًا، وأدغمها في الجيم.
وهذا التأويل ضعيف جدًا، ولا يتصور في قراءته (نجي) بفتح الياء.
فالأولى أن يكون التأويل: نجي النجاء، وينتصب ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ على إضمار فعل، أي: ننجي المؤمنين، كما تأولوا ﴿ليجزي قوماً﴾ على تقدير: يجزيه قومًا.
وأما الأبيات فتحمل على الضرورة لقلتها، ولأن النصب جاء في آخر البيت أو في مصراع البيت.
وقد تأولوا نصب الكلاب على أنه مفعول به بقوله: ولو ولدت، وجعلوا "جرو كلب" منادى مضافًا، التقدير: ولو ولدت قفيرة الكلاب - يا جرو كلب - لسب بذلك الجرو.
وقال ابن خروف: "افسد ابن
بابشاذ بهذا التأويل اللفظ والمعنى" انتهى.
والأولى في التأويل أن يجعل ذلك منصوبًا بإضمار فعل يفسره ما قبله، التقدير: يسبون الكلاب، وأباح نذيرًا.
وأما قوله "معنيا بذكر قلبه" فانتصاب "قلبه" على التشبيه بالمفعول به، كما تقول: رأيت رجلًا مجدوعًا أنفه.
وأما "إلا السيدا" فيحتمل أن يكون استثناء منقطعًان أي: لكن السيد عني بالعلياء.
وقال النحاس: منع النحويون: ضرب زيدًا سوط.
وحكى المهاباذي الاتفاق على ذلك.
وتعليله ظاهر، وذلك أن السوط هو آلة، فتجوز به إلى أن نصب انتصاب المصدر، وكان الأصل: ضرب زيد ضربة بسوط، ثم حذفت الباء، وأضيفت الضربة إليه، ثم حذفت الضربة، وقامت الآلة مقامها، فكثر المجاز فيه، فلم يجز لذلك أن يقام مقام الفاعل، لا على مذهب من أجاز إقامة المصدر مع وجود المفعول به، ولا على مذهب من منع، فلذلك وقع الاتفاق على المنع.
وذكر المهاباذي أيضًا الاتفاق على منع: حمل زيدًا فرسخ.
والذي يقتضيه مذهب الأخفش والكوفيون جوازه.
وتقرر من مذاهب البصريين أنه إذا وجد المفعول به مع غيره مما يجوز أن يقام مقام الفاعل فلا يقام سواه، فإذا لم يكن مفعول به فأنت مخير في إقامة ما شئت من البواقي، فقيل: يختار إقامة المصدر وترك ما عداه، وهو اختيار ابن عصفور.
وقيل: يختار إقامة المجرور، وهو اختيار ابن معط.
والذي أختاره أن الأولى إقامة ظرف المكان، والسبب/ في هذا الاختيار أن المجرور مقيد بحرف الجر، وقد اختلف النحاة في جواز إقامته مقام الفاعل.
وأما المصدر فلأن في الفعل دلالة عليه؛ إذا هو أحد مدلوليه.
وكذلك ظرف الزمان، هو أحد مدلوليه؛ لأن الفعل بني له، ففي الفعل دلالة على الزمان، وأما ظرف المكان فدلالته عليه دلالة لزوم كدلالته على المفعول به، فهو أقرب إلى المفعول به من سائر هذه الأشياء، فلذلك اخترنا أن يكون أولى بالإقامة منها.
-[ص: ولا تمنع نيابة غير الأول من المفعولات مطلقًا إن أمن اللبس ولم يكن جملة أو شبهها، خلافًا لمن أطلق المنع في باب "ظن" و "أعلم".]-
ش: يعني بقوله مطلقًا سواء أكان الثاني من باب أعطى أم من باب ظن أم من باب أعلم، فاختار المصنف أنه إذا أمن اللبس، ولم يكن الثاني جملة أو شبهها من ظرف أو مجرور، أو الثالث كذلك - فإنه تجوز إقامة الثاني في باب أعطى وفي باب ظن، والثاني والثالث في باب أعلم.
ومثال ذلك: أعطي درهم زيدًا، وظنت بازغة الشمس، وعلم بدر قمر الليلة، وجعل خير من ألف شهر ليلة القدر، واتخذ موضع صلاة مقام إبراهيم، وأعلم زيدًا كبشك سمينًا.
فإن ألبس لم يجز ذلك، نحو: أعطي زيد عمرًا، وزيد عطية، وعمرو معطى، وظن صديقك زيدًا، وزيد هو الأول، وأعلم بشرًا زيد قائمًا، وبشر المعلم، فهذا كله لا يجوز لأجل اللبس.
وكذلك إذا كان الثاني في باب ظن أو الثالث في باب أعلم جملة أو شبهها فلا يجوز: ظن في الدار زيدًا، ولا ظن زيدًا أبوه قائم، ولا يجوز: أعلم زيدًا غلامك في الدار، ولا: أعلم زيدًا غلامك أخوه سائر.
قال المصنف: "وإذا كان أمن اللبس مسوغًا لجعل الفاعل مفعولًا والمفعول فاعلًا في كلام واحد، نحو: خرق الثوب المسمار، و:
.............................. بلغت سوآتهم هجر
فجواز هذه المسائل وأشباهها أحق وأولى" انتهى كلامه.
فأما باب كسا وأعطى وأطعم وأسقى وشبهها مما الثاني فيه فاعل من حيث المعنى فلا خلاف في جواز إقامة الأول، نحو: كسي زيد جبة.
وأما إقامة الثاني فقال المصنف: "لا خلاف في جواز نيابة ثاني المفعولين في باب أعطي إذا أمن اللبس، نحو: أعطيت زيدًا درهمًا، ولا في منعها إذا خيف اللبس، نحو: أعطيت زيدًا عمرًا، فيجوز في المثال الأول أن يقال: أعطي درهم زيدًا؛ لأن اللبس فيه مأمون، ولا يجوز في المثال الثاني أن يقال: أعطى عمرو زيدًا؛ لأن عمرًا مأخوذ، فيتوهم كونه آخذًا" انتهى.
وما قاله من أنه لا خلاف في كذا ليس بصحيح؛ لأنك إذا قلت أعطيت زيدًا درهمًا ففي نصف درهم خلاف:
ذهب الجمهور إلى أنه منصوب بأعطيت/ نفسها، وكذلك ما كان من بابها.
وذهب الفراء وأبن كيسان إلى أن درهمًا ليس منصوبًا بأعطيت، وإنما هو منصوب بفعل آخر، تقديره: وقبل درهمًا، أو أخذ درهمًا.
فعلى مذهب هذين
ومن تبعهما لا يجوز أن يقام هذا الذي هو ثان عند الجماعة مقام الفاعل، فكيف يقول: لا خلاف.
وأيضًا فإن من النحويين من زعم أن أعطى وبابها إذا بنيت للمفعول لم ينتصب الثاني بالفعل المبني للمفعول، وإنما هو منصوب بفعل الفاعل، لما بني هذا للمفعول بقي "درهمًا" منصوبًا على أصله بفعل الفاعل، وإذا كان نصبه كذلك فكيف يجوز أن يقوم مقام الفاعل، ويؤثر فيه فعل ليس عاملًا فيه، فكيف يقال: لا خلاف فيه.
وأيضًا فإن من النحويين من زعم أنه أنتصب على أنه خبر ما لم يسم فاعله، كما في: كان زيد قائمًا، فكما أن خبر "كان" لا يقوم مقام الفاعل، فكذلك خبر ما لم يسم فاعله.
وهذه المذاهب وإن كانت ضعيفة - وسيقام الدليل على ضعفها في باب تعدي الفعل ولزومه إن شاء الله - تقدح في قول المصنف: لا خلاف في كذا.
وأما مذهب الجمهور فهو ما ذكر المصنف من جواز إقامة الثاني إذا لم يلبس.
ونسب أبو ذر مصعب بن أبي بكر الخشني لأبي علي الفارسي أنه لا يجيز إقامة الثاني مع عدم اللبس وهو نكرة مع وجود الأول وهو معرفة؛ لأنه لما كان المعنى واحدًا كان رفع المعرفة أولى، قياسًا على باب كان، والنحاة كلهم أجمعون يمثلون بأعطي درهم زيدًا.
قال أبو عبد الله بن هشام: "لا أعرف هذا المذهب لأبي علي إلا من قول أبي ذر، وإن كان لم تسمع إقامة النكرة في هذا الباب كان ما ذكروه قياسًا"
انتهى.
فأما قول الجرمي في (الفرخ): "بعض العرب يقول: كسي ثوب زيدًا، وأعطى درهم عمرًا"- فينبغي أن يحمل على ظاهره، ويكون ذلك حجة في إقامة الثاني نكرة مع وجود المعرفة، ويحتمل أن ينسبه إلى العرب لأنه اقتباسه، فجعله من كلام العرب لذلك.
وعلى ما حكي أبو ذر أن مذهب الفارسي إذا كان الثاني نكره لا يجوز أن يقام مع وجود المعرفة لا يصح قول المصنف: لا خلاف.
وحكي بعض أصحابنا عن الكوفيين أنه إذا كان الثاني نكرة قبح إقامته مقام الفاعل، نحو: أعطى ردهم زيدًا، وإن كان معرفة كالأول كانا في الحسن سواء، فأن شئت أقمت الأول، وإن شئت أقمت الثاني، وذلك إذا لم يلبس.
والبصريون إقامة الأول عندهم أحسن.
وأما باب الظن فاختلفوا في جواز إقامة الثاني: فذهب قوم إلى أنه لا تجوز لأن المفعولين إن كانا معرفتين أو نكرتين ألبس، وإن كان الثاني نكرة والأول معرفة فأكثر ما يكون مشتقًا، فيلزم تقديم المضمر على الظاهر، فعلى هذا لا يقوم إلا الأول/، وهو المبتدأ، لأنه أشبه بالفاعل، وإن مرتبته قبل الثاني، لأن مرتبة المبتدأ قبل الخبر، ومرتبة المرفوع قبل المنصوب، ففعل ذلك للمناسبة، وهذا اختيار الجزولي وابن هشام الخضراوي.
وذهب قوم إلى أن ذلك يجوز إذا أمن اللبس ولم يكن جملة ولا شبيهًا بالجملة، لكن إقامة الأول عندهم أولى، فإن كان الثاني جملة لم يقم بحضور المفعول الأول، وهذا اختيار أبي بكر طلحة، وابن عصفور، والمصنف.
وشرط بعضهم في جواز إقامته ألا يكون نكرة، فلا يجوز: ظن قائم زيد.
فإن عدم المفعول الأول، وبقيت الجملة- فمقتضى مذهب الكوفيين جواز ذلك، فتقول: علم أيهم أخوك، وقد أجاز ذلك السيرافي والنحاس في ترجمة س "هذا باب علم ما الكلم من العربية" إذا جعلت (ما) استفهامًا، ونونت العلم، ونويت فيه أنه لما لم يسم فاعله، فكان التقدير: هذا باب أن يعلم الكلم من العربي.
ومنع ذلك الفارسي في "التعاليق".
وإذا أقيم أحدهما، وبقس الآخر منصوبًا- فاختلفوا في ناصبه:
فمذهب س والحذاق أنه منصوب بتعدي فعل المفعول إليه.
وذهب بعضهم إلى أنه منصوب النصب الذي كان له قبل أن يبني الفعل للمفعول، وهو اختيار الزمخشري، قال: "إنما ينتصب بتعدي فعل الفاعل
إليه، فلما زال بقي على ما كان عليه قبل".
ورده عليه أبو عبد الله الصدفي وابن عصفور بأن هذا كلام برأسه، وبنية أخرى غير ما كانت قبل عليه، وإنما نقدر عاملًا لمعمول ما إذا عدمنا عاملًا يعمل فيه.
وكان الزجاجي يسميه خبر ما لم يسم فاعله، ففهم ابن عصفور أنه مذهب ثالث، ورد عليه بالأنا لا نسمي خبرًا إلا ما كان في الأصل خبر المبتدأ، لا ما جاء منصوبًا بعد مرفوع، وليس بخبر في
الأصل.
وليس منا فهم ابن عصفور؛ لأن الزجاجي لم يذكر ذلك في جملة إلا قصدًا للتقريب على المبتدئ، لا على أنه اختيار له ومذهب.
وأما باب أعلم فاختلفوا في إقامة الثاني إذا لم يلبس:
فذهب قوم إلى إجازة ذلك، واختاره المصنف.
وذهب قوم إلى المنع، وأنه لا يجوز إلا إقامة الأول، وهو اختيار ابن هشام الخضراوي، وابن عصفور، وشيخنا أبي الحسن الأبذي، قالوا: لأنه مفعول صحيح، وأما المفعولان الباقيان فمبتدأ وخبر في الأصل، شبها بمفعولي
أعطى، فليسا بمفعولين صحيحين، وبإقامة الأول ورد السماع، قال:
ونبئت عبد الله بالجو أصبحت................
وأما المفعول الثالث ففيهم من كلام المصنف جواز إقامته إذا لم يلبس، ولم يكن جملة ولا شبهها، لأنه قال: "ولا تمتع نيابة غير الأول من المفعولات" إلى آخره.
و"غير الأول" يندرج فيه/ ثاني ظن وثاني وثالث أعلم.
وقد ذكر صاحب "المخترع" جواز ذلك عن بعضهم، فقال: لا تجوز إقامة الثاني والثالث في باب أعلم عند من أجاز ذلك إلا بشرط إلا يلبس، نحو: أعلم زيدًا كبشك سمينًا، وأعلم زيدًا كبشك سمين.
وذكر ابن هشام الخضراوي الاتفاق على أنه لا يجوز في باب أعلم إقامة الثالث.
ولا ينوب خبر "كان" المفرد، خلافًا للفراء، ولا مميز، خلافًا للكسائي.
ولا يجوز: كين يقام، ولا: جعل يفعل، خلافًا له وللفراء.
ش: قال المصنف في الشرح: "حكي السيرافي في شرح الكتاب أن الفراء يجيز: كين أخوك، في: كان زيد أخاك، ويزعم أنه ليس من كلام
العرب.
ورد عليه بأن قيل: هو فاسد لعدم الفائدة، ولاستلزامه وجود خبر عن غير مذكور ولا مقدر" انتهى كلامه.
ونقول: أختلف النحاة في بناء كان الناقصة لما لم يسم فاعله: فأجاز ذلك س، والسيرافي، والكوفيون: الكسائي، والفراء، وهشام.
ومنع ذلك الفارسي مطلقًا.
فأما س فقال في كتابه حين ذكر كان الناقصة ما نصه: "وتقول: كناهم، كما تقول ضربناهم، وتقول: إذا لم نكنهم فمن ذا يكونهم، كما تقول إذا لم نضربهم فمن يضربهم".
ثم قال: "فهو كائن ومكنون، كما كان ضارب ومضروب".
فتقول س "مكون" إنما هو مفعول من كين، ولم يتبين س ما الذي يقام مقام المحذوف، وأشكل كلام س على الناس، وهو أنه لا يجوز حذف أسميها، لأن أسميها مبتدأ، وخبرها خبره، وأسمها لا يحذفان اختصارًا، فكيف يحذفان اقتصارًا.
وسأل أبو الفتح أبا علي عن قول س "ومكون"، فقال: "ما كان داء يعالجه الطبيب".
وكان أيضًا يقول (وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ
عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ).
وحكي عنه أيضًا أن س إنما قصد أن يبين أن هذا الفعل متصرف، فـ "مكون" لم يمتنع من حيث عدم التصرف، بل إنما أمتنع لأمر آخر من خارج.
وأما السيرافي فذهب إلى أنه إذا بنيت للمفعول حذف أسمها، وانحذف بحذفه خبرها، إذ محال وجود مسند يغير مسند إليه، وأقيم ضمير مصدرها مقام المحذوف.
وقد رد أبن عصفور هذا المذهب بأن الصحيح أنه ليس لها مصدر؛ لأنه لم يسمع قط كلامهم: كان زيدًا قائمًا كونًا.
وأختار ابن خروف مذهب السيرافي، وقال: يحذفان، ويقام مصدرها مقام الفاعل.
واستدل على أنها ذات مصدر بقولهم: كن قائمًا، ومحال أن يؤمر بالزمان، وإنما يؤمر بالحدث، وبقولهم: عجبت من كونك قائمًا.
قال بعض أصحابنا: ولا ننكر أن (كان) لها مصدر بمعنى أنها مأخوذة منه؛ لأن كل فعل إنما يكون أبدًا مأخوذًا من الحدث، فـ "كن قائمًا" إنما هو أمر بالكون، وإنما نعني/ بقولنا لا مصدر لها ما زعم الفارسي من أن الخبر قد قام لها وقام الحدث، فلا يقال: كان زيد قائمًا كونًا، ولا ينطبق لها به أصلًا، فهو بمنزلة وذر والوذر؛ ألا ترى أنهما لا يستعملان، إنما يقال يذر.
وقد رد مذهب السيرافي بأنه لا يقام إلا معمولًا قد عمل فيه الفعل، وإن أقيم مصدر أو ظرف على جهة الاتساع فإنما أقيم من بعد ما عملت فيه اتساعًا، وأنت لا تقول: كان زيدًا كونًا، فتعديها إلى مصدرها، فإذا لم يجز لها أن
تنصبه فكيف ترفعه.
وزعم الاستاذ أبو الحسن بن عصفور أنه يجوز أن يحذف معمولًا ها، وتبني لما لم يسم فاعله، ويقام ظرف أو مجرور، قال: "وإنما ذكر س مكون خاصة، ولم يقل مكون فيه؛ لأنه أراد أن يبين كيف بناء المفعول منه، فإذا أردت التكلم به لم يكن بد من أن تأتي بالظرف أو المجرور، ولم تقم الظرف أو المجرور إلا بعد أن جعلته معمولًا لها.
والدليل على أنها يكون الظرف أو المجرور معمولًا لها قوله تعالى (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا)، فـ (لِلنَّاسِ) متعلق بـ (كَان)، ولا جائز أن يتعلق بـ (عَجَبًا) ولا بـ (عَجَبًا) مصدر، و (أَنْ أَوْحَيْنَا) مقدر به، ولا تتقدم صلتها عليهما" انتهى.
وما ذهب إليه قد ورده ابن السراج وغيره، وزعموا أنها لا تعمل في ظرف، ولا يتعلق بها جار ومجرور.
وتؤولت الآية على أن (عَجَبًا) - وإن كان مصدرًا- فإنه بمعنى أسم الفاعل، فهو بمعنى معجب، فيتعلق (لِلنَّاسِ) به وإن تقدم عليه؛ لأنه لا محذور في ذلك.
وعلى تقدير بقائه على المصدرية فإنه يتسع في الظروف والمجرورات ما لا يتسع في غيرها، فيجوز تقديمها عليه.
وأما الكوفيون فقالوا: يجوز بناؤها للمفعول، فإذا قلت كان زيد يقوم فالكسائي يقول: كان يقام، يجعل في كان مجهولًا، ويرد الفعل إلى يفعل ويجعل فيه مجهولًا آخر.
وقال الفراء: كين يقام، (في كان زيد يقوم)، وكين قيم، في: كان زيد قائم، ولا يقدر في الفعل شيئًا.
قال الفراء: فترك الفاعل في كان وفي يقام وقيم لأنه إذا ترك من كان لم يثبت في يقوم لأنهما جميعًا فعلان لأسم واحد.
وقال هشام: كين يقام، وكان يقام، إن شئت ألزمت الأول ما يلزم الثاني، وتجعل فيهما جميعًا مجهولًا، وليس واحد من المجاهيل يرجع إلى صاحبه، وإن شئت تركت الأول على حاله.
ولا يجوز عند البصريين إذا قلت زيد يقوم أو قام أن ترد هذا إلى ما لم يسمم فاعله؛ لأن في يقوم ضميرًا يعود على زيد، فإذا حذفت الاسم لم يعد الضمير على شيء.
وأيضًا فإن الفاعل مع الفاعل جملة، ولا تقوم الجملة مقام الفاعل.
فإن قلت كان عبد الله قائمًا، ثم رددته إلى ما لم يسمم فاعله، لم يجز على مذهب البصريين للضمير الذي قائم.
وأجازه/ الكوفيون، قالوا: كين قائم.
إلا أن الفراء قال: إن نويت بقائم أن يكون أسمًا بمنزلة زيد ورجل جاز أن تقول: كين قائم.
قال النحاس: والبصريون يجيزون كين قائم على خلاف ذا، وذلك أن تريد: كين رجل قائم.
فإن قلت كان زيد قائمًا أبوه لم يجز أيضًا على مذهب البصريين أن تردده إلى ما لم يسمم فاعله لما بينا، وجاز على مذهب الكوفيين.
وكذا: كان زيد حسنًا وجهه.
فإن قلت يحسن لم يجز في كل قول.
وفرق الكوفيون بين هذا