التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيلصفحات 296-335

قال صاحب البسيط:" وقول أبي العباس هنا غير مرضي لأن أواناً قد يضاف إلى الآحاد نحو قوله: هذا أوان الشد, فاشتدي زيم وقوله: وهذا أوان العرض حتى ذبابه... زنابيره والأزرق المتلمس وأما الجماعة ف"أوان" عندهم مجرور ب"لات" وذلك لغة شاذة" انتهى.
وقوله وقد يضاف إليها "حين" لفظاً قال: لعل حلومكم تأوي إليكم... إذا شمرت, واضطرمت شذاتي وذلك حين لات أوان حلم... ولكن قبلها اجتنبوا أذاتي وقوله أو تقديراً مثاله قول الآخر: تذكر حب ليلى لات حينا وأمسى الشيب قد قطع القرينا التقدير: حين لات حين تذكر.
ولا تضطر إلى هذا التقدير كما

زعم المصنف, إذ يصح المعنى بقوله: تذكر حب ليلى لا ت حين تذكر, أي: ليس الحين حين تذكر.
وقوله وربما استغنى مع التقدير عن "لا" بالتاء أشار المصنف إلى قوله: العاطفون ت حين ما من عاطف والمنعمون يداً إذا ما أنعموا قال المصنف:"أراد: هم العاطفون حين لات حين ما من عاطف, فحذف حين مع لا.
وهذا أولى من قول من قال: إنه أراد العاطفونه بهاء السكت ثم أثبتها/ وأبدلها تاء" انتهى.
وتخريج المصنف هذا البيت على ذكر لا يتعقل لأنه يكون المعنى: هم العاطفون وقت ليس الحين حين ليس ثم عاطف.
وأحسن من التخريج الثاني زعم من زعم أن التاء زيدت على "حين" في هذا البيت, والمعنى على أن هؤلاء العاطفون وقت انتفاء العاطف, وهذا هو المعنى الذي يمدح به.
وإذا احتمل هذا البيت هذا التخريج والتخريج الذي قبله, ولم يتعقل تخريج المصنف له, فكيف يستنبط منه حكم أنه ربما استغني مع التقدير عن "لا" بالتاء؟ وذلك شيء لا يتعقل.
وقوله وتهمل"لات" على الأصح إن وليها هنا تقدم إنشادنا: حنت نوار, ولات هنا حنت..............

قال المصنف:" لا عمل للات في هذا وأشباهه, ولكنها مهملة و"هنا" في موضع نصب على الظرفية والفعل بعدها صلة لأن محذوفة, وأن وصلتها في موضع رفع بالابتداء, والخبر هنا كأنه قال: ولات هنا لك حنين, هكذا قال أبو علي" انتهى.
وقد ذكرنا قبل عن أبي علي أن "لات" عاملة في "هنا" فيمكن أن يكون لأبي علي القولان.
وكونها عاملة في "هنا" هو قول الأستاذ أبي علي وتلميذه الأستاذ أبي الحسن بن عصفور.
ورد عليهما المصنف بكون "هنا" ظرفاً غير متصرف فلا يخلو من معنى "في" إلا بأن تدخل عليه "من" أو" إلى" وهو رد صحيح.
ومن مع إعمالها في قوله: لات هنا ذكرى خبيرة........................... تأوله على أن ذكرى مبتدأ وهنا ظرف في موضع الخبر, وهي ظرف مكان مثل"هنا" يستعمل زماناً ومكاناً والجملة في المبتدأ والخبر منفية بلا, وقد جاءت "لات" غير مضاف إليها "حين" ولا مذكور بعدها "حين", ولا ما رادفه في قول الأفوه الأودي:

ترك الناس لنا أكنافهم... وتولوا لات لم يغن الفرار وهذا يدل على أن"لات" لا تعمل وإنما هي في هذا البيت حرف نفي مؤكد بحرف النفي الذي هو قوله"لم يغن الفرار" ولو كانت عاملة لم يجز حذف الجزأين بعدها, ألا ترى أنه لا يجوز حذفهما بعد"لا" ولا "ما" العاملتين عمل ليس.
والعطف على خبر لات عند من أجاز إعمالها إعمال "ما" الحجازية كالعطف على خبر "ما" منصوباً نحو: لات حين جزع وحين طيش, ويجوز: ولا حين طيش, كما تقول: ما زيد شريفاً وكريماً ويجوز: ولا كريماً فإن كان الحرف يقتضي الإيجاب رفعت ما بعده على خبر ابتداء مضمر, نحو: لات حين قلق بل حين صبر, أو: لكن حين صبر, التقدير: بل الحين حين صبر.
وقوله ورفع ما بعد"إلا" في نحو" ليس الطيب إلا المسك" لغة تميم هذه المسألة هي من باب "كان" وكان ذك رها في باب "كان" أليق/ من ذكرها في باب "ما" إلا أن المحسن لذكرها هنا هو أن مذهب الحجاز إعمال "ما" إعمال ليس بالشروط السابقة, ومذهب تميم الإهمال فكما أن أهل الحجاز أعملوا"ما" إعمال"ليس" إذا لم ينتقض النفي, فكذلك تميم أهملت"ليس" إذا انتقض النفي حملاً على "ما".
وقول العرب "ليس الطيب إلا المسك" حكاه س عنهم ولا يكون ذلك إلا على اعتقاد حرفيتها وقد جوز ذلك س في قولهم: ليس

خلق الله أشعر منه, وجوز فيها هنا أن يكون فيها ضمير الأمر, أي: ليس الأمر خلق الله أشعر منه.
وقد ذكرنا عن أبي علي قولين في ليس: أحدهما أنها فعل كقول الجماعة.
والآخر أنها حرف وذكرنا عن ابن شقير أنها حرف قولا واحداً.
وهذا الذي ذكره المصنف من أن ذلك لغة تميم صحيح, ذكر ذلك ونقله عنهم أبو عمرو بن العلاء وذكر أن لغة الحجاز النصب, وهذه المسألة جرت بين أبي عمر عيسى بن عمر الثقفي وأبي عمرو بن العلاء, كان عيسى ينكر الرفع, وأبو عمرو يجيزه فاجتمعا, فقال له عيسى في ذلك, فقال له أبو عمرو: نمت يا أبا عمر, وأدلج الناس, ليس في الأرض حجازي إلا وهو ينصب ولا تميمي إلا وهو يرفع.
ثم وجه أبو عمرو خلفاً الأحمر وأبا محمد اليزيدي إلى بعض الحجازيين وجهدا أن يلقناه الرفع, فلم يفعل وإلى بعض التميميين, وجهدا أن يلقناه النصب فلم يفعل ثم رجعا وأخبرا بذلك عيسى وأبا عمرو فأخرج عيسى خاتمه من أصبعه ورمى به إلى أبي عمرو, قال: هو لك, بهذا فقت الناس.
وقوله ولا ضمير في "ليس" خلافاً لأبي علي إذا ثبت أن ذلك لغة فلا يمكن التأويل لأن التأويل لا يكون إلا إذا كانت الجادة على شيء ثم جاء شيء يخالف الجادة فيتأول أما إذا كانت لغة طائفة من العرب لم تتكلم إلا بها فلا تأول.

وأما أبو علي فتأول قولهم" ليس الطيب إلا المسك" وذلك أنه لم يبلغه- والله أعلم- نقل أبي عمرو ذلك أنها لغة تميم, وزعم أنه يحتمل وجوهاً: أحدها أن يكون في "لبس" ضمير الأمر والشأن والطيب مبتدأ والمسك خبره, وقال مثله السيرافي.
فألزم أبو علي أنه لو كان كذلك للزم دخول إلا على الجملة من المبتدأ والخبر التي هي خبر لضمير الأمر لا على جزئها الثاني, فكان يكون التركيب, ليس إلا الطيب المسك, كما تقول: ليس كلامي إلا زيد منطلق, كما قال الشاعر: ألا ليس إلا ما قضى الله كائن وما يستطيع المرء نفعاً ولا ضراً فأجاب أبو علي عن هذا الإلزام بأن"إلا" كان أصلها أن تدخل على الجملة, لكنها دخلت في غير موضعها.
ونظير دخول"إلا" في غير موضعها قوله تعالى: ﴿إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً﴾ وقول الشاعر: أحل به الشيب أثقاله... وما اغتره الشيب إلا اغترارا فهذا لو حمل على ظاهره كان فاسداً لأنه معلوم أنه لا يظن غير الظن, ولا يغتر الشيب إلا اغتراراً والمعنى: إن نحن إلا الظن ظناً, ما اغتره إلا الشيب اغتراراً.
وهذا لا حجة فيه على أن "إلا" دخلت في غير موضعها لأن ذلك لم

يثبت, والآية والبيت يتخرجان على حذف الصفة لفهم المعنى, وتبقى "إلا" في موضعها, وحذف الصفة لفهم المعنى سائغ في كلام العرب, والتقدير: إن نظن إلا ضعيفاً وما اغتره الشيب اغتراراً بيناً قال أبو علي: والوجه الثاني أن يكون الطيب اسم ليس, والخبر محذوف وإلا المسك بدل منه, كأنه قيل: ليس الطيب في الوجود إلا المسك.
وقال بهذا التأويل المصنف إتباعا لأبي علي, قال:" ويكون الاستغناء هنا بالبدل عن الخبر كالاستغناء به في نحو: لا فتى إلا علي, ولا سيف إلا ذو الفقار".
والعجب له إتباع أبي علي في هذا التأويل مع اعتقاده أن ذلك لغة.
ثم قال أبو علي: والوجه الثالث أن يكون "الطيب" اسم ليس, و"إلا المسك" نعت له, والخبر محذوف كأنه قال: ليس الطيب الذي هو غير المسك طيباً في الوجود, وحذف خبر "ليس" لفهم المعنى قد يجيء قليلاً نحو قوله: .................... تبغي جوارك حين ليس مجير قال: فإذا احتمل قولهم"ليس الطيب إلا المسك" لم يقس عليه.

انتهى.
ويبطل هذه التأويلات كلها أن ذلك لغة بني تميم.
وفي الإفصاح:" وهذا الذي ذكره - بعنب الفارسي- غفلة منه عما ذكره س. قال:" إلا أن بعضهم قال: ليس الطيب إلا المسك, وما كان الطيب إلا المسك".
فلو أن من رفع في "ليس" يكون رفعه على ما تأول أبو علي جاز ذلك في "كان" لأن الحكم واحد والعامل واحد, وكأنه أدري عليهم في "كان" فنصبوا فلما روى س عنهم النصب في "كان" علم أنهم لم يتأولوا ذلك التأويل" انتهى.
ولأبي نزار الحسين بن صافي بن عبد الله الملقب بملك النحاة تخريج غريب في قولهم: ليس الطيب إلا المسك, وهو أنه زعم أن "الطيب" اسم "ليس" والمسك: مبتدأ, وخبره محذوف وتقديره: إلا المسك أفخره, والجملة من قولك "إلا المسك أفخره" في موضع نصب على أنها خبر"ليس" كما تقول: ليس زيد إلا عمرو ضاربه قال: وقد تخبط س والسيرافي في هذا, وما أتيا بطائل.
وقد رد عليه ابن الجباب الجليس المصري.
ونقل أبي عمرو أن تلك لغة تميم مبطل لما تأوله الفارسي وأبو نزار, لأن التميمي يقول: ما كان الطيب إلا المسك وينصب وليس الطيب إلا المسك, ويرفع, والحجازي ينصب فيهما, فدل على فرقان اللغتين, وأن التميمي جعلها ك"ما" في لغته وأنه أراد حصر الخبر كما

أراد الحجازي.
ولذلك قيل للمنتجع التميمي: ليس ملاك/ الأمر إلا طاعة الله والعمل بها, فرفع, ولقن النصب, فلم يقبله.
وقيل لأبي المهدي- وهو بأهلي- ليس ملاك الأمر إلا طاعة الله والعمل بها, بالرفع, فنصب, وقيل له بالرفع, فقال: ليس هذا من لحني ولا لحن قومي.
والدليل على أنهم أرادوا حصر الخبر أنهم قالوا لأبي مهدي: ليس الطيب إلا المسك, قال لخلف واليزيدي: أتأمراني بالكذب على كبرة سني فأين الجادي, وحكي ابن الأعرابي: فأين بنة الإبل الصادرة, وهي الرائحة الطيبة.
وقيل له: ليس الشراب إلا العسل, قال: فما يصنع سودان هجر؟ مالهم شراب إلا هذا التمر.
ففهم من هذا الكلام الحصر, ولذلك اعترض عليه, ولم ينطق به, إذ لا يتأتى عنده الحصر لأنه كذب, فلم يفعل أن يوافق عليه.
ثم قيل له: ليس ملاك الأمر إلا طاعة الله والعمل بها, قال: هذا كلام لا دخل فيه, ليس ملاك الأمر إلا طاعة الله والعمل بها, فنصب ونطق بهذا لأنه كلام صادق الإسناد.
وقوله ولا تلزم حالية المنفي ب"ليس" و"ما" على الأصح هذه المسألة قد ذكر طرفاً منها في أول الكتاب, وذكر عن الأكثرين أنه يتعين الحال في المضارع إذا نفي بليس وما وإن وذكر الدلائل له على صحة دعواه, وناقشناه هناك فيما أمكن فيه المناقشة, والمدعى هنا أعم من المدعى

أول الكتاب.
وقال في الشرح:" زعم قوم أن ليس وما مخصوصتان بنفي الحال, والصحيح أنهما تنفيان الحال والماضي والمستقبل.
وقد تنبه لذلك أبو موسى الجزولي, فقال:" وليس لانتفاء الصفة عن الموصوف مطلقاً" لأن س حكي: ليس خلق الله مثله.
وأجاز الأستاذ أبو علي ل"س" ما زيد ضربنه, على أن تكون "ما" حجازية, وبين أن النفي في الحال إنما هو إذا لم يكن الخبر مخصوصاً بزمان فيحمل إذ ذاك على الحال كما يحمل الإيجاب عليه.
ومن استقبال المنفي بليس ﴿أَلاَ يَوْمَ يَاتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ﴾ ﴿وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُوا فِيهِ﴾, ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾, وقال حسان: وما مثله ولا كان قبله... وليس يكون الدهر ما دام يذيل وقال زهير: بدا لي أني لست مدرك ما مضى ولا سابقاً شيئاً إذا كان جائيا ومثله:

ولست لما لم يقضه الله واجداً... ولا عادماً ما الله حم, وقدرا ومثله: إني على العهد لست أنقضه... ما اخضر في رأس نخلة سعف ومثله: ولست بمستبق أخاً لا تلمه... على شعث أي الرجال المهذب ومثله: فليس بآتيك منهيها... ولا قاصر عنك مأمورها ومن استقبال المنفي بـ"ما" ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ﴾, ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ ﴿وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾, ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾,وقال الشاعر: وما الدنيا بباقاة لحي ولا أحد على الدنيا بباق وقال:

وما المرء ما دامت حشاشة نفسه... بمدرك أطراف الخطوب ولا آل

-[ص: وتزاد الباء كثيراً في الخبر المنفي بليس و"ما" أختها وقد تزاد بعد فعل ناسخ للابتداء, وبعد ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ﴾ وشبهه, وبعد"لا" التبرئة و"هل" و"ما" المكفوفة بأن, والتميمية خلافاً لأبي علي والزمخشري وربما زيدت في الحال المنفية وخبر إن ولكن.]-

ش: مثال الزيادة في خبر ليس وما أختها المنفي ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾, ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ﴾.
واحترز ب"المنفي" من الخبر الموجب فإنه لا يجوز: ليس زيد إلا بقائم ولا: ما زيد إلا بخارج.
فلو زيدت "كان" بين اسم "ما" وخبرها "ما زيد كان بقائم" لم يجز دخول الباء عند الفراء وأجازه البصريون والكسائي.
ولو كان الخبر ظرفاً أو كاف تشبيه أو مثلاً أجاز البصريون نصب مثل, فتقول: ما زيد مثلك, ودخول الباء وأجازوا دخول الباء على الظرف الذي يجوز أن يستعمل اسماً, ومنع هشام دخول الباء على الكاف وعلى مثل.
وهذا جائز على مذهب ألكسائي حكي: ليس بكذلك وأجاز هشام دخولها على الظروف, فأجاز: ما عبد الله بحيث تحب.
واضطرب الفراء فقال مرة: لا تدخل الباء على مثل لأنها بمعنى الكاف, وقال مرة: تدخل الباء على الكاف, ولا تدخل على شيء من الصفات غيرها لأنها في معنى مثل.

وأطلق المصنف في خبر "ليس" وكان ينبغي أن يقيد فيقول: إلا الواقع في الاستثناء نحو: قام القوم ليس زيداً فلا يجوز: ليس بزيد.
ومثال ذلك بعد الفعل الناسخ قوله: وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل وقال آخر: دعاني أخي والخيل بيني وبينه فلما دعاني لم يجدني بمقعدد وذكر في الرشح أن الخبر المنفي ب"لا" أخت ليس تزاد الباء فيه, وأنشد قول/ سواد بن قارب: وكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة بمغن فتيلاً عن سواد بن قارب وقول الآخر: ولقد غدوت وكنت لا... أغدو على واق وحاتم فإذا الأشائم كالأيا... من والأيامن كالأشائم وكذالك لا خير ولا شر على أحد بدائم ولا حجة في هذا كما ذكرناه قبل في بيت سواد, إذ يحتمل أن يكون ما بعد "لا" مبتدأ ولم تكرر"لا" وقد ورد ذلك عن العرب فيكون هذا

منه, وإن كان قليلاً أو شاذاً.
وقال ابن هشام:" لم يسمع في خبر"لا" فلا يقاس على خبر "ما" لأن الزمان مجاز".
وقوله وبعد ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ﴾ مثاله قوله تعالى: ﴿َوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ﴾.
وهذا من إجراء الشيء على ما هو معناه كأن المعنى: أوليس الله بقادر فزاد الباء في خبر أن على هذا المعنى.
ولا تقاس الزيادة فيما ذكر من هذه المنفيات إلا في خبر ليس وما, وأحسنه ما كان النفي متوجهاً عليه في المعنى كهذه الآية.
وقوله وشبهه.
ومثال زيادتها بعد"لا" التبرئة قول العرب " لا خير بخير بعده النار" إذا لم تجعل الباء بمعنى "في" هكذا قاله المصنف.
وقال أبو علي:" تكون زائدة في خبر"لا" وهو مرفوع وذلك إذا جعلت " بعده النار" وصفاً للخبر المنفي" انتهى.
كأنه قال: لا خير بعده النار, كما تقول: لست بزيد.
وإذا كانت الباء بمعنى "في" فالمجرور في موضع الخبر, و"بعده النار" صفة ل"خير" المجرور.
قيل: ويجوز أن تجعل"بعده النار" صفة للاسم المنفي مع إبقاء "بخير" خبراً ويجوز أن تجعل "بعده النار" صفة للخبر المنفي, والباء زائدة.
وقد أجاز أبو علي هذا

كله في "التذكرة" وقد منع في موضع آخر من "التذكرة" أن تكون الباء زائدة.
وجماعة من النحويين لا يجيزون في هذه المسألة إلا الوجهين الأولين.
ومن منع زيادة الباء من هؤلاء لم يجزوا إلا وجهاً واحداً وبه كان يأخذ أبو القاسم بن القاسم, وهو أن تكون الباء محلاً لا غير.
وعلى ما قاله أبو علي هنا من زيادة الباء أبو بكر بن طاهر وابن خروف.
وقد قال/ أبو علي في التذكرة:" لا تكون الباء هنا زائدة لأنها لا تزاد في المرفوع".
قال بعض أصحابنا: وهذا لا يقاس لا يقال: لا رجل بقائم ولا إنسان بورع, لأنه لم يأت به سماع صحيح غير متأول.
وقد منع قوم أن تجعل الجملة صفة ل"خير" المنفي لأنه يختص بالصفة, فلا يبقى على العموم كقولك: لا حيوان حيوان عاقل, ولا رجل كاتب, لأن المنفي هو الخبر, وحين وصفته ونوعته من الأول صرت كأنك قلت: لا حيوان عاقل في الحيوان, ولا رجل كاتب في الرجال, فالحيوان العاقل بعض الحيوان, والرجل الكاتب بعض الرجال, ومحال نفي النوع عن الكل.
وأجاز هؤلاء: لا خير بعده النار خير, لأن الأول خاص والثاني عام.
وهذا لا يصح لأن الصفة تخصص الموصوف, فلا يصح أن ينفى عنه عمومه لاسيما إذا كان اللفظ المخصص هو الخبر بعينه, فهذا يبطل لأن من وصفته بصفة فقد أخرجته عن تناوله اسمه بتلك الصفة, فإذا قلت "لا رجل كاتب رجل" لم يستقم لأن الرجل الكاتب رجل, فكيف ينفي عنه أن يكون رجلاً؟ والنفي في الحقيقة إنما هو للخبر, ولا يصح أن ينفي عنه أن يكون بعض الرجال, وقد أوجبت له ذلك إذ جعلته مبتدأ معلوماً عند المخاطب كما هو معلوم عندك وإذا علم أنه رجل كاتب فكيف يجهل أنه رجل, ولا بد للرجل الكاتب أن يكون رجلاً.

وبعد "هل" قوله: يقول إذا اقلولى عليها، وأقردت... ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم وبعد "ما" المكفوفة ب"إن" قوله: لعمرك ما إن أبو مالك... بواه، ولا بضعيف قواه وقوله خلافاً لأبي علي والزمخشري عزاه في "البسيط" إلى أبي بكر وأبي علي في أحد قوليه، والصحيح خلاف ما ذهبا إليه للسماع والقياس والإجماع: أما السماع فكثرة وجود ذلك في أشعار بني تميم ونثرهم، ونص على ذلك س والفراء، ونص الفراء أيضاً على أن أهل نجد كثيراً ما يجرون الخبر بالباء، فإذا أسقطوا الباء رفعوا.
انتهى.
حتى إنهم إذا عطفوا على المجرور بالباء في هذه اللغة رفعوا المعطوف على الموضع، كما أنهم في اللغة الحجازية يعطفون على الموضع نصباً، قال الشاعر: لعمرك ما سعد بخلة آثم... ولا نأنأ يوم الحفاظ ولا حصر يروى برفع "نأنأ" على موضع "بخلة" وبخفضه على اللفظ.

وقد اضطرب أبو علي في ذلك، فمرة قال ما حكي عنه المصنف.
وشبهته في ذلك أن ما بعد "ما" مرفوع بالابتداء / والخبر، فكما أنه لا يجوز في الموجب: زيد بقائم، فكذلك في النفي، وإنما دخلت في الحجازية تشبيهاً بدخولها في خبر ليس.
ومرة قال: يجوز ذلك، وتدخل في كل خبر منفي.
وأما القياس فلأن "إن" إذا كفت "ما" ومنعتها العمل تدخل في خبر المبتدأ، وكذلك في الخبر بعد "هل"، وكلاهما مرفوع، فكذلك تدخل في خبر "ما" التميمة.
وأما الإجماع فنقله أبو جعفر الصفار، قال: أجمعوا على أن الباء تدخل على المرفوع والمنصوب، فتقول: ما زيد بمنطلق.
واختلف في فائدة المجيء بالباء، فقال البصريون: فائدتها أنه يجوز أن لا يسمع المخاطب "ما" فيتوهم أن الكلام موجب، فإذا جئت بالباء صح المعنى.
وقال الكوفيون: هذا نفي لقول القائل: إن زيداً لمنطلق، والباء بمنزلة اللام.
ولو قدمت الخبر أو معموله، نحو: ما بقائم زيد، وما طعامك بآكل زيد، فذهب قوم إلى أنه لا تجوز زيادة الباء في الخبر.
وذهب الفراء إلى جواز ذلك فيهما، وفصل قوم، فأجازوا دخول الباء مع تقديم معمول الخبر، ومنعوا ذلك مع تقديم الخبر نفسه.

وأجاز الفراء: ما هو بذاهب زيد، فإن ألقيت الباء نصبت، فقلت: ما هو ذاهباً زيد، وهذا خطأ عند البصريين في "ما" إذا جاءت في خبرها الباء مع الجمل، ولا يجيزون: ما هو قائماً زيد؛ لأن هاء الإضمار إنما تفسره جملة قائمة بنفسها، والباء لا تدخل على جملة، فأما قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ﴾ فلا حجة فيه للفراء، وفيه وجوه من التأويل: أحدها أن يكون ﴿هُوَ﴾ عائداً على (أحد) من قوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾، و ﴿أَن يُعَمَّرَ﴾ فاعل بـ"مزحزحه" أو بدل من ﴿هُوَ﴾ والثاني: أن يكون ﴿هُوَ﴾ عائداً على التعمير المفهوم من قوله ﴿لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ ثم جاء بقوله ﴿أَن يُعَمَّرَ﴾ تبييناً.
والثالث: أن يكون ﴿هُوَ﴾ كناية عن التعمير، و ﴿أَن يُعَمَّرَ﴾ بدل منه، وليس ﴿هُوَ﴾ عائداً على المصدر المفهوم من ﴿أَن يُعَمَّرَ﴾ بل يفسره البدل.
وقوله وربما زيدت في الحال المنفية مثاله قوله: فما رجعت بخائبة ركاب... حكيم بن المسيب منتهاها وقوله: كائن دعيت إلى بأساء داهمة... فما انبعثت بمزؤود ولا وكل

التقدير عنده: فما رجعت خائبة ركاب، وفما انبعثت مزؤوداً ولا وكلاً.
وما ذهب إليه المصنف في هذين البيتين من زيادة الباء في الحال لا يتعين؛ إذ يحتمل أن تكون الباء للحال لا زائدة في الحال، أي: فما رجعت بحاجة خائبة، أي: متلبسة / بحاجة خائبة، وكذلك: فما انبعثت بمزؤود، ويعني بذلك نفيه، والمتكلم قد يسند الفعل إلى اسم ظاهر، ويريد بذلك نفسه، نحو قولك: لقد صحبك مني رجل صالح، ولو جئتهم بي لجئت بفارس بطل، أي: لجئت متلبساً بفارس بطل، وهو يريد نفسه.
وقوله وخبر إن أنشد المصنف شاهداً على ذلك قول الشاعر: فإن تنأ عنها حقبة لا تلاقها... فإنك مما أحدثت بالمجرب يريد: فإنك المجرب مما أحدثت.
ولا يتعين أن يكون "بالمجرب" خبراً لأن لجواز تعلق "بالمجرب" بقوله: "مما أحدثت"، وخبر إن هو قوله: "مما أحدثت"، ويكون قوله "فإنك" على حذف مضاف، أي: فإن نأيك وعدم ملاقاتك مما أحدثت، أي: بسبب ما أحدثت بالمجرب.
وقوله ولكن مثاله قول الشاعر: ولكن أجراً لو فعلت بهين... وهل ينكر المعروف في الناس والأجر وقد سمع دخولها في خبر "ليت"، قال الفرزدق: يقول إذا اقلولى عليها، وأقردت... ألا ليت ذا العيش اللذيذ بدائم

أقرد: لصق بالأرض.
وقال الجوهري: "أقرد: سكن وتماوت"، وأنشد البيت، لكنه أنشد عجزه "ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم".
واقلولى: ارتفع.
وأجاز الأخفش زيادتها في الواجب، نحو: زيد بقائم، واحتج بقوله تعالى: ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾، ويدل على زيادتها قوله تعالى.
﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ وتؤول على أن يكون الخبر عاملاً في الجار، أي: واقع بمثلها أو على أن يكون ﴿ِمِثْلِهَا﴾ متعلقاً بقوله ﴿وَجَزَاءُ﴾، والخبر محذوف.
ومما جاء فيه دخول الباء في الخبر الموجب قول الشاعر: فلا تطمع - أبيت اللعن - فيها... فمنعكها بشيء يستطاع

-[ص: وقد يجر المعطوف على الخبر الصالح للباء مع سقوطها، وينذر ذلك بعد غير "ليس" و"ما". وقد يفعل ذلك في العطف على منصوب اسم الفاعل المتصل.]-

ش: مثال ذلك ما أنشده س: مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة... ولا ناعب إلا ببين غرابها

وما أنشده المصنف: ما الحازم الشهم مقداماً ولا بطل... إن لم يكن للهوى بالعقل غلابا فقوله: "ولا ناعب" معطوف على "مصلحين" على توهم الباء، وكذلك "ولا بطل" معطوف على "مقداماً" على توهم الباء.
وقول المصنف: "الخبر الصالح للباء" يشمل خبر "ليس" وخبر "ما" كما ذكرناه، ويظهر من المصنف جواز ذلك وأنه يطرد، وهي مسألة مختلف فيها: فذهب عامة النحويين إلى أنه لا يجوز ذلك، وما ورد منه فهو محمول على التوهم، والعطف على النوهم عندهم لا يقاس.
وحكي أبو جعفر النحاس عن سيبويه إجازته، قال أبو جعفر: أجاز س خفض المعطوف على خبر "ما" نحو: ما زيد منطلقاً ولا خارج، وأنشد: مشائيم.
البيت.
قال: لأنه يجوز أن تقع في الأول الباء، وهذا عند أصحابه خطأ لأن حروف الخفض لا يستعمل فيها هذا، وقد حكي عن ألكسائي أنه أجاز ذلك.
انتهى ما قاله أبو جعفر.
قال إبراهيم بن أصبغ الأزدي: "لا أعلمه من قول س إلا في ليس دون ما".
ووجدت بخط أستاذنا أبي جعفر بن الزبير ما نصه: "إذا عطفت على الخبر، وكان حرف العطف غير موجب، والخبر منصوب، نصبت، وحكي س الخفض على التوهم، وجعله الفراء قياساً" انتهى.
واحترز المصنف بقوله: "الصالح للباء" من خبر لا يصلح للباء،

نحو: ليس زيد إلا قائماً وذاهب، وليس زيد يقوم ولا خارج، وما زيد يركب ولا ذاهب، فإنه لا يجوز الجر في ذاهب ولا خارج لأن قائماً ويقوم ويركب لا يصلح شيء منها لدخول الباء.
وقوله ويندر ذلك بعد غير "ليس" و"ما" قال المصنف: "عومل بهذه المعاملة المعطوف على منصوب كان المنفية، كقول الشاعر: وما كنت ذا نيرب فيهم... ولا منمش منهم منمل جر منمشاً، كأنه قيل: وما كنت بذي نيرب ولا منمش، والنيرب: النميمة، والمنمش: المفسد ذات البين، والمنمل: الكثير النميمة".
ومما جاء من عطف المجرور على التوهم قول الشاعر: أجدك لن ترى بثعيلبات... ولا بيداء ناجية ذمولا ولا متدارك والليل طفل... ببعض نواشغ الوادي حمولا وقول الآخر: تقي نقي لم يكثر غنيمة... بنهكة ذي قربى ولا بحقلد

توهم أنه قال مكان لن ترى: لست براء، ومكان لم يكثر: ليس بمكثر غنيمة، فعطف "ولا متدارك" على توهم: لست براء، وعطف "ولا بحقلد" على: ليس بمكثر.
وقوله وقد يفعل ذلك في العطف إلى آخر المسألة أنشد المصنف: وظل طهاة اللحم من بين منضج... صفيف شواء أو قدير معجل وقال: "لأن المنصوب باسم الفاعل يجر كثيراً بإضافته إليه، فكأنه إذا انتصب مجرور، وجواز جر المعطوف على منصوب اسم الفاعل مشروط بالاتصال كاتصال منضج بالمنصوب، فلو كان منفصلا لم يجز الجر، نحو أن يقال: من بين منضج بالنهار صفيف شواء؛ لأن الانفصال يزيل تصور الإضافة المقتضية للجر، فلذلك لا يجوز جر المعطوف مع انفصال اسم الفاعل من معموله".
وهذا الذي ذكره من جر المعطوف فيما ذكر لا يجيزه أصحابنا، لا يجيزون: هذا ضارب زيداً وعمرو، وهي مسألة ليست من الباب الذي نحن فيه، وإنما ذكرها على سبيل الاستطراد.
وأما البيت فلا شاهد فيه، وإذا جعل معطوفاً على مراعاة جر "صفيف" فسد المعنى لأنه يصير التقدير: من بين منضج صفيف أو قدير، فكأنه قال: من بين منضج أحد هذين، فيكون قد قسم الطهاة - وهم الطباخون -إلى قسمين: أحدهما منضج صفيف أو قدير، والآخر لم يذكره؛ لأن "بين" تقتضي وقوعها بين شيئين أو أشياء، ولا تدخل على شيء واحد.

وإنما تأوله شيوخنا على أن يكون "أو قدير" معطوفاً على قوله: "منضج" لا على محل "صفيف"، ويكون على حذف مضاف، و"أو" بمعنى الواو، والتقدير: من بين منضج صفيف شواء أو طابخ قدير، ثم حذف "طابخ"، وأقيم المضاف إليه مقامه، وتكون إذ ذاك "بين" قد وقعت بين شيئين، وهما: منضج صفيف شواء، وطابخ قدير معجل، ويكون التقسيم صحيحاً، وقد جاءت "أو" مكان الواو في "بين"، قال الشاعر: قوم إذا سمعوا الصريخ رأيتهم... من بين ملجم مهره أو سافع

-[ص: وإن ولي العاطف بعد خبر "ليس" أو "ما" وصف يتلوه سببي أعطي الوصف ما له مفرداً، ورفع به السببي، أو جعلا مبتدأ وخبراً.
وإن تلاه أجنبي عطف بعد "ليس" على اسمها، والوصف على خبرها.
وإن جر بالباء جاز على الأصح جر الوصف المذكور، ويتعين رفعه بعد "ما".]-

ش: مثال المسألة الأولى: ليس زيد قائماً ولا ذاهباً أخوه، وما زيد قائماً ولا ذاهباً أخوه.
قال: فهذا يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن تجعل الوصف المعطوف كأنه لم يذكر بعده سببي، وحكمه إذ ذاك حكم المفرد، ويجوز إذ ذاك فيه - على ما قرر المصنف - النصب والجر على توهم أن يكون الخبر المعطوف عليه مجروراً، وتقدم

ذكر الخلاف / فيه، وأن عامة النحويين لا يجيزون الجر في المعطوف على توهم الجر في المعطوف عليه.
والوجه الثاني: أن يكون مبتدأ وخبراً، فترفع الوصف، فتقول: ولا ذاهب أخوه، وتكون قد قدمت خبر المبتدأ عليه، والتقدير: ولا أخوه ذاهب، ويطابق الخبر المبتدأ.
ويجوز فيه وجه آخر، وهو أن يعرب الوصف مبتدأ، والسببي فاعل به أغنى عن الخبر لأنه قد اعتمد الوصف على حرف النفي.
والاختيار أن لا يطابق الوصف مرفوعه، ويجوز أن يطابق، وذلك في لغة: أكلوني البراغيث.
وقوله وإن تلاه أجنبي مثاله: ليس زيد قائماً ولا ذاهباً عمرو، ف"عمرو"معطوف على اسم "ليس" و"ذاهباً" معطوف على الخبر.
وتقدم لنا أن من قدماء النحويين من لا يجيز فيها النصب لأن "ليس" لا تتقدر بعد "لا" فيوجبون الرفع وقد رد س عليهم مذهبهم في كتابه بقول العرب: ليس زيد ولا أخوه قاعدين.
ويجوز جعلهما مبتدأ وخبراً، فتقول: ولا ذاهب عمرو.
وقوله وإن جر بالباء جاز على الأصح جر الوصف المذكور مثاله: ليس زيد بقائم ولا ذاهب عمرو، قال المصنف: "الجر بباء مقدرة مدلول

عليها بالمتقدمة، وهو كثير في الكلام، ومنه قول الشاعر: وليس بمدن حتفه ذو تقدم لحرب، ولا مستنسيء العمر محجم ومنه قول الآخر: فليس بآتيك منهيها ولا قاصر عنك مأمورها ونه قول الآخر: وليس بمعروف لنا أن نردها صحاحًا، ولا مستنكر أن تعقرا" قال: "وليس هذا من العطف على عاملين، بل من حذف عامل لدلالة مثله عليه، وحذف حرف الجر من المعطوف لدلالة مثله عليه كثير".
ثم ذكر من ذلك مثلًا وردت في كلام العرب.
وقوله ويتعين رفعه بعد "ما" أي: رفع الوصف إذا تلاه الأجنبي، سواء أنصب خبر "ما" أو جر بالباء، فتقول: ما زيد قائمًا ولا ذاهب عمرو، وما زيد بقائم ولا ذاهب عمرو.
قال المصنف: "لأن المعطوف عليه مع قربه من العامل لو قدم فيه الخبر لبطل العمل، فبطلانه بالتقديم في المعطوف لبعده من العامل أحق وأولى، ومثال ذلك قول الشاعر:

لعمرك ما معن بتارك حقه ولا منسئ معن ولا متيسر" انتهى.
وهذا الذي ذكره المصنف من تعيين الرفع في الأجنبي بعد "ما" هو مذهب البصريين، والرفع إجماع من النحويين، فلو نصبت الوصف عطفًا على خبر ما المنصوب، فقلت: ما زيد قائمًا ولا ذاهبًا عمرو، فمنعه الخليل وس وأصحابهما، وأجازه الكسائي والفراء.
حجة المانع أنه بغير عائد، فمحال أن يعطف على ما كان/ للأول ولم يعد عليه منه شيء.
وحجة المجيز ما حكاه الكوفيون من قول العرب: ما زيد قائمًا فمتخلفًا أحد، أي: إذا قام لم يتخلف أحد.
فإن عطفت على خبر "ما" المجرور، فقلت: ما زيد بمنطلق ولا خارج عمرو، بالجر، فأجازه الكوفيون، ومنعه البصريون.
فإن حذفت "لا"، فقلت: ما زيد بمنطلق، وخارج عمرو، بجر "خارج" عطفًا على "بمنطلق"، لم يجز ذلك عند البصريين والفراء، وأجازه هشام كما أجاز الذي قبله لأن إعادة الحرف عنده لا تغير شيئًا إذا كان توكيدًا.
وحجة الفراء في منعه أنه إذا أعاد الحرف زال معنى الجزاء، وليس فيه عائد، فلم يجز.
ولم يتعرض المصنف للعطف بتأخير الوصف، والتقسيم يقتضي أن يقال فيه: لا يخلو أن تعطف على الاسم أو على الخبر أو عليهما: فإن عطفت على الاسم رفعت، فقلت: ما زيد قائمًا ولا عمرو خارج.
وإن عطفت على الخبر فقد تعرض المصنف له، وتكلمنا على تقاسيمه.
وإن

عطفت عليهما فإما أن يكون حرف العطف موجبًا أو غير موجب: إن كان موجبًا رفعت، نحو: ما زيد قائمًا بل عمرو خارج.
وإن كان غير موجب فإن كان الخبر مرفوعًا رفعت، نحو: ما زيد قائمًا ولا عمرو خارج.
وإن كان منصوبًا فأجمع النحويون على إجازة الرفع، نحو: ما زيد قائمًا ولا عمرو هارج.
وزعم الجرمي أنهم رووا أن أكثر العرب يرفع.
واختلفوا في النصب: فأجازه س والخليل والكسائي والفراء وهشام، ومنعه النحويون القدماء الذي رد عليهم س في كتابه، وأجمعوا على أنه لا يجوز أن تقول: ولا ليس، ولا ما، ورد عليهم س بقولهم: ما عمرو ولا خالد منطلقين، ولا تقول: ولا ما خالد.
وإما لم تعد "ما" عند البصريين لأن "لا" قامت مقامها، فهما جميعًا للنفي، ولذلك لا يجوز: ما زيد خارجًا ولا منطلقًا، اكتفوا ب"لا" لأنها قد تقع موقع اسم واحد في قولك: قام زيد لا عمرو، وتأتي وحدها إذا كانت جوابًا، و"ما" تحتاج إلى شيئين بعدها.
وقال الفراء: خلقة "ما" الابتداء، ولا تكون كالمتصلة بما قبلها.
وقال س: "وتقول: ما كل سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة، وإن شئت نصبت بيضاء، و"بيضاء" في موضع جر".
ولا يجيز المبرد في "بيضاء" إلا الرفع لئلا يعطف على عاملين.
والتقدير عند غيره: ولا كل

بيضاء، ثم حذف كلا.
وإن كان خبر "ما" مجرورًا فإن عطفت على اللفظ أدخلت الباء، فقلت: ما زيد بقائم ولا عمرو بذاهب.
وإن عطفت على الموضع نصبت الخبر، فقلت: ما زيد بقائم ولا عمرو قاعدًا إن كانت حجازية، ويجئ فيه الخلاف السابق، ورفعت إن كانت تميمية، فقلت/: ما زيد بقائم ولا عمرو قاعد.
مسألة: زعم الأخفش أنك تقول: ما نعم الرجل عبد الله ولا قريب من ذلك، وأجاز غيره نصب "قريب" على الظرف.
مسألة: أجاز الكسائي إضمار "ما"، وأنشد: فقلت لها: والله يدري مسافر إذا أضمرته الأرض ما الله صانع فأضمر "ما".
قال الفراء: فسألته عن: والله أخوك قائمًا، قال: فرأيته كالمرتاب من إدخال الباء.
وأجاز الكسائي والفراء: من قائم، وألا قائم، وأنشد الكسائي قول الشاعر: ألا رجل جزاه الله خيرًا يدل على محصلة تبيت والبصريون ينشدونه: ألا رجلًا، وفيه عندهم قولان: أحدهما أن

التقدير: ألا ترونني رجلًا.
والثاني أن رجلًا منصوب على التبرئة، ونون اضطرارًا كما نون ما لا ينصرف.
وزعم الكسائي أنه إذا خفض ما بعد "ألا" وبعد "من" فهو على تأويل: أما من رجل يتصدق، وألا من رجل، ولا يقولون: أما رجل، ولا: ما رجل.
ولا يجوز عند البصريين من هذا شيء.
مسألة: إذا أخرت الاسم موجبًا ب"إلا"، وقدمت معمول الخبر على الخبر، نحو: ما طعامك آكل إلا زيد، لم يجز ذلك عند الكسائي والفراء، وأجازها البصريون.
مسألة: أجاز أكثر النحويين: اليوم ما زيد إياه منطلقًا، ومنعها بعضهم.
مسألة: يجوز حذف الخبر بعد "ما" المكفوفة ب"إن" داخلًا على المبتدأ النكرة "من"، قال الشاعر: حلفت لها بالله حلفة فاجر لناموا، فما إن من حديث ولا صال التقدير: فما حديث ولا صال منتبه، وهو على حذف مضاف، أي: فما إن من ذي حديث ولا صال، وقال آخر: العاطفون تحين ما من عاطف......................... شبهت في ذلك "ما" بـ"لا".
مسألة: شذ بناء النكرة مع "ما" تشبيهًا لها بـ"لا"، روي من كلامهم: ما بأس عليك، كما قالوا: لا بأس عليك، وأنشد الأخفش:

وما بأس لو رَدَّت علينا تحية قليلًا على من يعرف الحق عابها مسألة: لا يجوز حذف اسم "ما"، لو قلت: زيد ما منطلقًا، تريد: ما هو منطلقًا، لم يجز لأن ما مشبهة في العمل بليس، فكما لا يجوز حذف اسم "ليس" وأخواتها، فكذلك لا يجوز حذف اسم "ما".
مسألة: ما هو طعامك/ زيد بآكل، هو: ضمير الشأن، فإن كانت "ما" حجازية لم تجز هذه المسألة، وإن كانت تميمية جازت.
مسألة: يجوز دخول همزة الاستفهام على "ما" الحجازية فتعمل، تقول: أما زيد قائمًا؟ كما تقول: ألست بقائم؟

-[ص:

باب أفعال المقاربة

منها للشروع في الفعل: طفِق وطفَق وطبِق وجعل وأخذ وعلق وأنشأ وهب.
ولمقاربته: هلهل وكاد وكرب وأوشك وأولى.
ورجائه: عسى وحري واخلولق، وقد ترد عسى إشفاقًا.
ولازمهن لفظ المضي إلا كاد وأوشك.
وعملها في الأصل عمل "كان"، لكن التزم كون خبرها مضارعًا مجردًا مع "هلهل: وما قبلها، ومقرونًا بأن مع "أولى" وما بعدها، وبالوجهين مع البواقي، والتجريد مع كاد وكرب أعرف، وأوشك وعسى بالعكس.]- ش: أطلق المصنف عليها أفعالًا، وهي على قسمين: قسم مجمع عليه أنه فعل، وهو ما عدا "عسى".
وقسم مختلف فيه، وهو "عسى": فذهب الجمهور إلى أنها فعل.
وذهب بعض النحويين إلى أنها حرف، ونسب ذلك إلى ابن السراج، وهو قول أبي العباس أحمد بن يحيي نصًا، نقله عنه غلامه أبو عمر الزاهد.
والدليل على فعليتها اتصال ضمائر الرفع بها، وهي لا تتصل إلا بالأفعال، ولحاق علامة التأنيث لها على حد ما تلحق الأفعال بثبوتها في فعل المؤنث وعدم دخولها في فعل المذكر، نحو: عسى زيد أن يقوم، وعست هند أن تقوم، كما تقول: قام زيد، وقامت هند.

وسميت أفعال المقاربة لأن فيها ما هو للمقاربة لا أنها كلها للمقاربة، لأن فيها ما هو للشروع في الفعل، وما هو للتراخي، فلا مقاربة في هذين، فإطلاق المقاربة عليها كلها مجاز، وهو من باب تسمية المجموع ببعض أفراده.
وذكر المصنف أفعال هذا الباب أربعة عشر فعلًا؛ لأن طفق بفتح الفاء وطبق بالباء المكسورة لغتان في طفق، وعدها المصنف ستة عشر فعلًا.
وزاد أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن يحيي البهاري في كتابه المسمى "الإملاء المنتخل" في أفعال هذا الباب قارب وكارب وقرب وأحال وأقبل وأظل وأشفى وشارف وقرب ودنا وأثر وقام وقعد وذهب وازدلف ودلف وأزلف وأشرف وتهيأ وأسف.
وزاد غيرهما: طار وانبرى وألم ونشب.
وأنشد المصنف شواهد على ما ذكر من الأفعال، وهي: فعادى بين هاديتين منها وأولى أن يزيد على الثلاث /طفق الخلي بقسوة يلحى الشجي ونصيحة اللاحي الخلي عناء وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني ثوبي، فأنهض نهض الشارب الثمل

فأخذت أسأل، والرسوم تجيبني وفي الاعتبار إجابة وسؤال أراك علقت تظلم من أجرنا وظلم الجار إذلال المجير لما تبين مين الكاشحين لكم أنشأت أعرب عما كان مكنونا وقال الحطيئة: أنشأت تطلب ما تغيـ ـر بعد ما نشب الأظافر وقال غيره: هببت ألوم القلب في طاعة الهوى فلج، كأني كنت باللوم مغريا وطئنا بلاد المعتدين، فهلهلت نفوسهم قبل الإماتة تزهق وقال ثعلب: يقال: قام يفعل كذا إذا أخذ فيه، وأنشدوا: قامت تلوم، وبعض اللوم آونة مما يضر، ولا يبقى له نقل وذكر المصنف أن أغرب التي للشروع علق وهب، وأغرب التي.

للدنو أولى، وأغرب البواقي التي هي للإعلام بالمقاربة على سبيل الرجاء حري.
وذكر انه يقال: حري زيد أن يجيء، بمعنى: عسى زيد أن يجيء.
انتهى.
فإن كان هذا نقلًا عن اللغويين فهو صحيح، وإلا فالمحفوظ أن "حري" اسم منون.
قال ثعلب: أنت حري من ذلك، أي: خليق وحقيق.
وقال أبو سهل محمد بن علي الهروي في كتاب "إسفار الفصيح": لا يثنى ولا يجمع، ومنه قول الشاعر: وهن حري أن لا يثنينك نقرة وأنت حري بالنار حين تثيب وقيل: إن معنى حري معنى عسى.
وقالوا في قول الأعشى: إن تقل هن من بني عبد شمس فحري أن يكون ذاك، وكانا إن معناه: فحقيق، وقيل: معناه: فعسى.
انتهى.
فذكر أنهم قالوا في "حري" الاسم إن معناه: فعسى، يعني أنها للرجاء كما أن معنى "عسى" الرجاء، فيكون إذ ذاك ل"حري" الاسم معنيان: أحدهما أن معناها خليق.
والثاني أن معناها الرجاء.
فهؤلاء قد فسروا "حري" المنون الاسم ب"عسى" التي هي فعل، فيحتاج في إثبات كون

"حرى" فعلًا ماضيًا بمعنى "عسى" إلى نقل يفصح عن ذلك، فقد يكون قد تصحف على المصنف، فاعتقد أن "حري" المنون غير منون، وأنها فعل، كما صحف في غيره مما نبه عليه.
/وذكر المصنف أن "كرب" لمقاربة الفعل، وهذا هو المشهور فيها.
وقيل: هي من أفعال الشروع، ولذلك لم تدخل فيها "أن" بخلاف "كاد" لقربها من الفعل، قاله في البسيط.
وليس كما ذكر في امتناع دخول "أن" بل سبيلها سبيل "كاد"، وقال الشاعر: ................................... وقد كربت أعناقها أن تقطعا وعد المصنف من أفعال هذا الباب اخلولق.
وفي البسيط: وأما أفعال المقاربة فلها أفعال تامة بمعناها، منها بحسب الترجي كأترجى أن يكون كذا وأتوقعه.
ومنها بحسب تهيؤ الأمر: اخلولقت الأرض أن تنبت والسماء أن تمطر، بمعنى استحقت ذلك، ولذلك تدخل اللام، فتقول: اخلولقت لأن تمطر، وخليق أن يكون كذا، ومستحق أن يكون.
وقد جعل بعضهم اخلولق وأخلق من النواقص.
وليس كذلك، أما اخلولق فلأن ما بعدها له الاستحقاق، وما بعدها مفعول لأجل دخول اللام؛ لأن هذه اللام لا تدخل في الخبر.
وقد يقال: إنها لا تفيد بمرفوعها لو قلت اخلولق الشهر.
وقد يجاب بأن ذلك موجود في "استحق" مع أنها ليست من الباب،

وذلك أن العرب لم تستعملها إلا مع منصوبها، وهي بالنظر إلى معناها تامة به.
وأما أخلق فمعناها تهيأ الشيء لأن يكون واستحق، وقولهم أخلق به أن يكون أي: ما أشد تهيئته للفعل.
وقوله وقد ترد عسى إشفاقًا مجيئها للإشفاق قليل، وقد اجتمع مجيئها للرجاء والإشفاق في قوله تعالى: ﴿وعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ﴾.
ومن الإشفاق قوله: عستم لدى الهيجاء تلقون دوننا تظافر أعداء وضعف نصير وقول الأسود بن يعفر: عسيتم أن تصابوا ذات يوم كما يستشرف الخزز العقاب وقوله ويلازمهن لفظ المضي اختلف في السبب المانع من تصرف عسى: فقال أبو الفتح: لما أردي بها المبالغة في القرب أخرجت عن بابها، وهو التصرف.
قال: وكذلك كل فعل يراد به المبالغة نحو نعم وبئس وفعل التعجب.
فإن قلت: قد تصرف ما هو أشد مبالغة في القرب منها نحو "كاد".
فالجواب: أن في "عسى" ما ليس في غيرها إذ قد تستعمل واجبة، وكذلك وردت في القرآن إلا في قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا﴾، وفي قول ابن مقبل:

ظن بهم كعسى، وهم بتنوفة... يتنازعون جوائز الأمثال

/أي: ظن بهم كاليقين، فلما استعملت واجبة بخلاف غيرها من أفعال المقاربة كانت أشد مبالغة في القرب من غيرها؛ إذ الواجب الوقوع أقرب مما ليس كذلك.
وقال ابن يسعون: "استغنوا بلزوم الفعل الذي هو خبرها عن أن يبنوا منها مستقبلًا لأنها للتراخي، واستعمل الماضي فيها دون الحاضر والآتي لخفته ولما حاولوه من وقوع ما أملوه".
وقال الأستاذ أبو علي: لما كانت عسى في معنى قرب وقارب استغنوا عن أن يبنوا منها مستقبلًا بقولهم سيقرب وسيقارب، كما استغنوا ب"ترك" عن ذر وودع لما كانت بمعناها.
وقال ابن عصفور: "أنت على صيغة الماضي لما كان معناها ماضيًا؛ ألا ترى أنك لا تقول عسى زيد أن يقوم إلا وقد استقر الرجاء في نفسك لقيامه قبل ذلك، ولا تلتفت إلى كون القيام غير واقع، فإن ذلك لا يرجع إلى معنى عسى بل إلى المترجَّى.
فإن قلت: إذا كان المعنى مستقرًا في نفسك فهو في الحال أيضًا مستقر، فهلا كانت لها صيغة بالنظر إلى ذلك؟ فالجواب أنها لكثرة الاستعمال اختير لها الماضي لخفتها، وسوغ ذلك إرادتهم بها معنى الاتصال والدوام، وصيغة الماضي يجوز استعمالها فيما يراد به ذلك، ومنه ﴿وكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾، وقول الكميت:

ما ذاق بؤس معيشة ونعيمها فيما مضى أحد إذا لم يعشق ألا ترى أن المراد ب"ذاق" الدوام، ولذلك ساغ أن يعملها في "إذا"، وهي لما يستقبل" انتهى.
وهذه العلل كلها تلفيقات لشيء وضعي، والوضعيات لا تعلل.
ولو قيل إن "عسى" لما كانت مشاركة ل"لعل" في الرجاء ألزمت عدم التصرف لكان قولًا.
وقوله إلا كاد وأوشك أما "كاد" فجاء منها المضارع، نحو قوله تعالى: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾.
وأما "أوشك" فذهب الأصمعي إلى أنه لا يستعمل إلا مضارعًا، ولا يقال ماضيًا: أوشك زيد أن يقوم.
وما ذهب إليه باطل لأن الخليل وغيره قد حكوا "أوشك".
وقوله وعملها في الأصل عمل "كان" يعني أن هذه الأفعال هي من باب "كان"، ترفع الاسم، وتنصب الخبر، ويدل على ذلك مجيء الخبر في بعضها اسمًا منصوبًا في الشعر، وما جاز أن يكون اسمًا ل"كان" من المبتدآت كان اسمًا لها.
وفي البسيط: "أما خبر أفعال المقاربة فقال الكوفيون: هو بدل من الاسم بدل المصدر.
وأظن قولهم مبنيًا على أن هذه الأفعال ليست ناقصة، فيكون المعنى عندهم: قرب قيام زيد، وكرب خروج عمرو، ثم قدمت الاسم، وأخرت المصدر، فقلت: قرب زيد قيامه، ثم جعلته بالفعل.
ويحتج على هذا بقولهم: عسى أن يقوم زيد، وأن هذا هو الأصل، وهي

تامة، ثم إن تقدم الاسم فهو على البدل حملًا لها على طريقة واحدة.
ورد بأن تقديم الفعل يغير "أن" لا يكون إلا باسم الفاعل، ولو قدرناه به لم يكن البدل، وإن لم نقدره بالاسم لزن بدل الفعل بالاسم إلا أن تجعله من باب "تسمع بالمعيدي"، وهو شاذ، ولأن البدل لا يكون لازمًا، وهذا لازم، ولأنه إخراج لعسى عن معناها رأسًا إلى تأويل القرب.
وذهب بعض النحويين إلى أنه مفعول لأنها في معنى: قارب زيد الفعل، وهي تامة.
وحمله على ذلك كون المصادر لا تكون أخبارًا، وكون المصدر بمعنى فاعل لا يكون قياسًا مع "أن".
وقيل: موضعها نصب بإسقاط حرف الجر لأنها تسقط كثيرًا مع أن، فمعنى عسى زيد أن يقوم: عسى زيد للقيام؛ لأن معناها: اخلولق، وكرب يفعل: تهيأ للفعل.
وهذه التأويلات تخرج الألفاظ عن مقتضاها بلا ضرورة، فلا معنى لها، وأيضًا فلا يسوغ هذا في جميعها" انتهى.
وقيل: هو من باب الإعمال، على إعمال الأول.
وهو فاسد لقولهم: عسى أن يقوك إخوتك، وعسى أن يقوم الزيدان، ولا يصح إضمار مفرد في موضع الجمع لأنه نادر قليل لا يقاس عليه باتفاق، وإنما يحكي ما جاء منه على الندرة، وهذا قياس مستمر كثير لا ينحصر، ولم يسمع الوجه الأجود فيه بوجه.
ويقطع ببطلان هذا المذهب قوله تعالى: ﴿وعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ لأن فاعل فعل لا يتصل بفعل آخر.
وكذلك لا يكون على إعمال

جارٍ التحميل