التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيلصفحات 234-273

بعدها منصوبٌ فالنصب ل "إن"، أو غير منصوب فعلى العطف ب "لا".
قال: "والدليل على أن الأصل لإن وأنها تعمل عمل الفعل هنا قول العرب: قام القوم إلاك، وصلوا الكاف بإلا تغليبًا لعمل إن في الأصل.
وقال بعضهم: قام القوم إلا أنت، فعطف بإلا، وأبطل عمل إن" فانظر قول صاحب الواضح: "قول العرب: قام القوم إلاك"، فلو كان هذا لا يجوز إلا في ضرورة الشعر لما استدل به، ولا أطلق أنه قول العرب.
وقال المصنف في الشرح: "ومن حكم على إلا أنها عاملةٌ لم يعد هذا من الضرورات، بل جعله مراجعةً لأصلٍ متروك، ويعتذر عن مثل "ما قاموا إلا إياك" وكون الاستعمال استمر بالانفصال، والأولى به الاتصال انتهى.
وثبت في بعض النسخ القديمة من هذا الكتاب بعد قوله: "وشذ إلاك فلا يقاس عليه" ما نصه: "ولا يجوز حتاك، خلافًا لابن الأنباري فيهما" انتهى.
وقال المصنف في شرحه: "وأما ما أجاز ابن الأنباري من أن يقال حتاك فلا مسوغ له إلا أن إن جعلت حتى جارة/، وذلك أيضًا مفتقر إلى نقلٍ عن العرب؛ لأن العرب استغنت مع المضمر بإلى عن حتى، كما استغنت بمثلٍ عن كاف التشبيه، وقد ندر دخول الكاف على ضمير الغائب، ولم يرد دخول حتى على ضمر أصلًا" انتهى كلامه في الشرح.
فأما ما زعم من أن ابن الأنباري أجاز حتاك فقد أجازه قبله هشام والفراء.
قال الفراء: قام القوم حتى أنت، وضربت القوم حتى إياك.
قال: ولا يجوز "حتاك" وأنت تنصب بالفعل، فإن نصبت بحتى - وهو كالنسق -

جاز حَتَّاك، وكذلك: مررت بالقوم حتى بك.
وأجاز هشام: ضربت القوم حتاك.
ومعنى قول الفراء "ولا يجوز حتاك.
ومعنى قول الفراء "ولا يجوز حتاك وأنت تنصب بالفعل" يعني وأنت تُقدر بعد حتى الفعل، فيكون التقدير: حتى ضربتك؛ لأنه لما حذف العامل انفصل الضمير، فإذا جعلت حتى عاطفة جاز أن يكون الضمير متصلًا، فتقول: حتاك.
وقول المصنف "إلا أن جعلت حتى جارة، وذلك أيضًا مفتقر إلى نقلٍ عن العرب".
وقوله "ولم يرد دخول حتى على ضمير أصلًا" انتهى.
يعني ضمير جر، قد ذهب إلى كونها تجر المضمر أبو العباس، ووجد السماع عن العرب في ذلك، وأنشدوا عن العرب: فلا والله لا يلقى أناسٌ فتى حتاك يابن ابي يزيد وسيأتي ذلك في باب حروف البحر، إن شاء الله.

-[ص: ويختار اتصال نحو هاء: أعطيتكه، وانفصال الآخر من نحو: فراقيها ومنعكها وخلتكه.
وكهاء أعطيتكه هاء نحو كنته.
وخلف ثاني مفعولي نحو: أعطيت زيدًا درهمًا في باب الإخبار.
ونحو: ضمنت إياهم الأرض، ويزيدهم حبًا إلى هم، من الضرورات.]-

ش: إذا كان الفعل مما يتعدى إلى اثنين، وليس من أفعال القلوب، وكان الأول ضمير متكلم أو مخاطب، والثاني ضمير غائب، نحو: الدرهم أعطيتنيه أو أعطيتكه، فذكر المصنف أنه يختار الاتصال في ضمير الغائب، قال تعالى: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾، {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ

كَثِيراً}.
وقد تقدم لنا أن الأستاذ أبا علي ارتكب أن الأفصح "أعطاني إياه" بالانفصال، وهو مخالف لاختيار هذا المصنف.
وقال المصنف في الشرح: وظاهر كلام س أن الاتصال لازمٌ.
ويدل على عدم لزومه قول النبي صلى الله عليه وسلم "فإن الله ملككم إياهم، ولو شاء لملكهم إياكم" انتهى.
وقال س: "فإذا كان المفعولان اللذان تعدى إليهما فعل الفاعل مخاطبًا وغائبًا، فبدأت بالمخاطب قبل الغائب، فإن علامة الغائب العلامة التي لا تقع موقعها إيا، وذلك قوله: أعطيتكه، قال الله جل وعز: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾، فهذا هكذا إذا بدأت بالمخاطب قبل الغائب" انتهى.
وقوله: وانفصال الآخر في نحو: فراقيها ومنعكها وختلكه.
أما فراقيها ومنعكها فهو إشارة إلى ما كان من الضمير منصوبًا بمصدرٍ مضافٍ إلى مضمر قبله هو فاعل أو مفعول أول، أو باسم فاعلٍ مضافٍ إلى/ ضميرٍ هو مفعول أول، فالأول نحو: زيدٌ عجبت من ضربيه أو من ضربكه.
ويجوز الانفصال، وهو أحسن، فتقول: من ضربي إياه أو من ضربك إياه.
ومن ضربيك، ويجوز: ضربي إياك، قال الشاعر في الاتصال:

وإن كان حُبيك لي كاذبًا فقد كان حُبيك حقًا يقينا وقال الآخر: تعزيت عنها كارهًا، فتركتها وكان فراقيها أمر من الصبر ومثال الثاني قول الشاعر: فلا تطمع - أبيت اللعن - فيها فمنعكها بشيءٍ يُستطاع ومثال الثالث قوله: لا ترج أو تخش غير الله إن أذى واقكيه الله لا ينفك مأمونا قال المصنف في الشرح: "فإنما المختار في هذه الثلاثة وأمثالها الانفصال، ولكنه تُرك واستعلم الاتصال لأن الوزن لم يتأت إلا به" انتهى كلامه.
ودل على أنه إنما استُعمل الاتصال لأجل الوزن، فصار شبيهًا بالضرورة، وليس كذلك، بل الاتصال عربيٌ، وإن كان الانفصال هو الكثير.

هذا مفهوم كلام س. ومثل المصنف بـ "فراقيها"، "منعكها"، وهو ما أضيف إليه المصدر مما هو أقرب رتبة من الذي بعده وهو فاعل أو مفعول أول؛ لأنه إن كان مضافًا لما هو أبعد رتبةً من الضمير بعده فالفضل ليس إلى، نحو: زيدٌ عجبت من ضربه إياك، ولا يجوز: من ضربهيك.
وإن تساويا في القرب أو البعد فالانفصال نحو: هندٌ زيدٌ عجبت من ضربه إياها، ولا يجوز: من ضربهيها، إلا في ضرورة، نحو: ........................... لضغمهماها....................... أو في نادر كلام نحو: "هُم أحسن الناس وجُوهًا وأنضرهموها".
وإن لم يكن فاعلًا ولا مفعولًا أول، والضمير ضمير رفع، انفصل ما بعد المخفوض نحو: زيدٌ عجبت من ضربك هو، وعجبت من ضري أنت.
وقوله: وخلتكه يعني إذا كان الثاني مفعول أحد أفعال القلوب فالانفصال به أولى لأنه خبر مبتدأ في الأصل، وقد حجزه عن الفعل منصوبٌ آخر.
وهذا الذي ذهب إليه في اختيار الانفصال في مثل هذا قد خالفه في الألفية التي له، فاختار في ذلك الاتصال، قال: وصل أو افصل هاء "سلنيه" وما أشبهه في "كنته" الخلف انتمى كذاك "خلتنيه" واتصالا أختار، غيري اختار الانفصالا

وقد رددنا عليه ذلك في كتابنا المسمى ب "منهج السالك في شرح ألفية ابن مالك".
وقد نص س على أن الانفصال هو الوجه، وقال س: "وتقول حسبتك إياه، وحسبتني إياه؛ لأن حسبتنيه وحسبتكه قليلٌ في كلامهم".
وعلل س في كتابة كثرة انفصال الضمير وقلة اتصاله/ بما يُوقف عليه في كتابه.
ومن الانفصال قوله: أخي، حسبتك إياه، وقد ملئت أرجاء صدرك بالأضغان والإحن ومن الاتصال قوله: بلغت صُنع امرئ هوٍ إخالكه إذ لم يزل لاكتساب الحمد مُبتدرا وقوله: وكهاء أعطيتكه هاء نحو كنته يعني أن الاتصال فيها أفصح من الانفصال.
وهذا الاختيار اتبع فيه الرماني وأبا الحسين بن الطراوة.
وقال في الشرح حين ذكر انفصال مثل "خلتكه" وأنه أفصح لكونه خبر مبتدأ في الأصل، وقد حجزه عن الفعل منصوب آخر، قال: "بخلاف هاء كنته، فإنه خبر مبتدأ في الأصل، ولكنه شبيهٌ بهاء ضربته من أنه لم يحجزه إلا ضميرٌ مرفوع، والمرفوع جكزءٍ من الفعل، فكأن الفعل مباشرٌ له، فكان مقتضى هذا أن لا ينفصل كما لا تنفصل هاء ضربته، إلا انه أجيز الانفصال

فيه مرجوحًا خلافًا ل "س" ومن تبعه.
دليلنا على ذلك من وجهين: أحدهما: أن المشار إليه ضميرٌ منصوب بفعل لا حاجز له إلا ما هو كجزءٍ منه، فأشبه مفعولًا لم يحجزه من الفعل إلا الفاعل، فوجب له من الاتصال ما وجب للمفعول الأول، فإن لم يُساوه في الاتصال فلا أقل من أن يكون اتصاله راجحًا.
الثاني: أن الوجهين مسموعان، فاشتركا في الجواز، إلا أن الاتصال ثابتٌ في النظم والنثر، والانفصال لم يثبت في غير استثناءٍ إلا في نظم، فرجح الاتصال لأنه أكثر في الاستعمال.
ومن الوارد منه متصلًا دون ضرورةٍ قول الشاعر: كم ليثٍ اعت لي ذا أشبلٍ غرثت فكأنني أعظم الليثين إقداما قال: "فكأنني" مع تمكنه من أن يقول: فكنته أعظم الليثين إقدامًا على جعل "أعظم" بدلًا من الضمير ومفسرًا له، كما قالوا: "اللهم صل عليه الرؤوف الرحيم".
ومن الوارد منه في النثر قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: "إياك أن تكونيها يا حميراء"، وقوله لعمر في ابن صيادٍ "إن يكنه فلن تسلط عليه، وإلا يكنه

فلا خير لك في قتله".
ومن ذلك قول بعض العرب: "وعليه رجلًا ليسني".
وقال س: "وبلغني عن العرب الموثوق بهم أنهم يقولون: ليسني".
وقال س: "وكذلك كأنني" هذا نصه.
ولم يحك في الانفصال نثرًا إلا قولهم في الاستثناء: أتوني ليس إياك، ولا يكون إياك.
وهذا يتعين انفصاله في غير الضرورة لأن ليس ولا يكون فيه واقعان موقع إلا، فعومل الضمير بعدهما معاملته بعدها، فلا يُقاس على ذلك ما ليس مثله.
والاتصال في قوله: إذ ذهب القوم الكرام ليسي من الضرورات لأنه استثناء، ولو لم يكن استثناءً لكان الاتصال أولى الانفصال كما تقرر" انتهى كلامه في الشرح.
وترجيحه/ للاتصال وما ادعاه من أن الاتصال في "كان" هو المختار مخالفٌ لما نقل س عن العرب، والعجب له أنه يأخذ من كلام س ما يدل على الاتصال، ويجعله دليلًا على اختيار الاتصال، ويترك النصوص التي أخبر فيها س عن العرب بأن الانفصال هو المختار، وأن الاتصال لا يكادون يقولونه، إلا أن بعضهم أخبره بأن بعض العرب نطق به متصلًا.
قال س بعد أن ذكر أن الانفصال في: ضربي إياك، وكان إياه، وليس إياه، هو

المستحكم، وأن الاتصال ليس بمستحكمٍ، وبعد أن ذكر أن حسبتنيه، وحسبتكه قليلٌ في كلامهم، قال س: "وذلك لأن حسبت بمنزلة كان، إنما يدخلان على المبتدأ والمبني عليه، فيكونان في الاحتياج على حال، ألا ترى أنك لا تقتصر على الاسم الذي يقع بعدهما كما لا تقتصر عليه مبتدأ، فالمنصوبات بعد حسبت بمنزلة المرفوع والمنصوب بعد ليس وكان.
وكذلك الحروف بمنزلة حسبت وكان؛ لأنهما إنما يجعلان المبتدأ أو المبني عليه فيما مضى يقينًا أو شكًا، وليس بفعل أحدثته منك إلى غيرك كضربت وأعطيت" انتهى.
وهذا يدل على تسوية س بين حسب وكان، وقد قدم قبل أن الكلام: كان إياه، وليس إياه، وحسبتك إياه.
وقال س أيضًا وقد ذكر: عجبت من ضربي إياك، وأن العرب قد تكلم به متصلًا، قال: "ومثل ذلك: كان إياه؛ لأن كأنه قليلة، ولم تستحكم هذه الحروف هنا، لا تقول: كأنني، ولا ليسني، ولا كأنك، فصارت إيا ههنا بمنزلتها في: ضربي إياك".
ثم قال س بعد ذلك: "وبلغني عن العرب الموثوق بهم أنهم يقولون ليسني، وكذلك كأنني".
فانظر لتصريح س هنا بأنك لا تقول: كأنني، ولا ليسني، ولا كأنك، وأن إياك صارت هنا بمنزلتها في: ضربي إياك.
ثم قال: "وبلغني" إلى آخره.
ويعني بقوله "لا تقول كانني" إلى آخره يعني: لأن كلام العرب هو بالانفصال، ولما كان الاتصال قليلًا جدًا - كما قال - لأن كانه قليلةٌ احتاجن إلى إسناد ذلك بالرواية، وأنه لم يسمع ذلك من العرب، إنما بلغه ذلك بلاغًا عن الموثوق بهم إذ كان المسموع المشهور لا يحتاج إلى استدلال، إنما يستدل على الغريب القليل.
وأعجب لهذا المصنف كيف ادعى أن الاتصال ثابتٌ في النثر والنظم، وأن الانفصال لم يثبت في غري استثناء إلا في نظم، وهذه مكابرةٌ عظيمة، س

يقول: كلام العرب الانفصال، وأما الاتصال فقليلٌ حتى إنه لم يسمعه منهم، إنما بلغه شيء من ذلك عن بعضهم.
وهذا المصنف يقول لم يثبت إلا في نظم، ثم أخذ يستدل بوجود ذلك في النثر بإخبار س أن ذلك بلغه عن بعضهم بعد أن ذكر س أن كلام العرب على الانفصال.
ومعذورٌ المصنف في ذلك، فإنه قليل الإلمام بكتاب س، وكأنه يلتمح منه شيئًا ببادي النظر، فيستدل به من غير تتبعٍ لما قبله ولما بعده، وكم شيءٍ فاته من علم س لقلة إلمامه به، وسترى ذلك في هذا الكتاب، إن شاء الله.
وأما استدلاله أولًا على اختيار الاتصال بشبهه بضربت/، وأنه لا حاجز بينهما إلا الفاعل، فهو مُنتزعٌ من كلام س حيث شبه كان بضرب في جواز الاتصال، فقال: "وتقول كناهم كما تقول ضربناهم"، ولكن تشبيه اسم كان وخبرها بمفعولي حسبت أقوى كما قال س. وذكر قوة الشبه، وأشار إليها، وهو أنه لا يُقتصر على الاسم الذي يقع بعد كان وحسبت، كما لا يُقتصر عليه مبتدأ، فالمنصوبان بعد حسبت كالمرفوع بعد ليس وكان.
فهذا من س تشبيهٌ قويٌ.
وذكر أخيرًا أنهما ليسا كضربت وأعطيت.
وقول المنصف: "فرجح الاتصال لأنه أكثر في الاستعمال" فهذه مكاذبة ل "س" حيث قال: "لأن كأنه قليلة".
وقول المصنف: "ومن الوارد منه متصلًا دون ضرورة"، وإنشاده البيت الذي فيه: ...................... فكأنني أعظم الليثين إقداما فولا أن س نقل جواز الاتصال قليلًا لكان هذا البيت يُدعي فيه أنه ضرورة؛ لأن لا يتزن إلا كذا.
وأما قول المنصف: "إنه متمكن من أن يقول فكنته أعظم" فكل ضرورة

هكذا، يمكن أن يبدل بها الشاعر لفظًا آخر لا يكون ضرورة، وليس حكم الضرورة في اصطلاح النحاة هذا الذي ذَكره، وقد بحثنا هذا في "كتاب التكميل"، وأمعنا الكلام في ذلك.
وأما قول المصنف: "يقول: فكنته أعظم، ويجعل أعظم بدلًا من الضمير مفسرًا له" فهذه مسألة خلاف، والجمهور لا يُجيزون أن يكون البدل يُفسر الضمير.
وأما استدلاله بما ورد في الحديث فقد تكلمنا معه في هذه المسألة في كتاب التكميل، وأطلنا الكلام فيها، وبينا العلة التي من أجلها لم يستدل النحاة على تقرير الأحكام النحوية بما ورد في الحديث.
وفي البسيط: "الأحسن الفصل.
وسمع: فإلا يكنها، أو تكنه...................................... البيت".
وقال الوليد بن عتبة: ..................... وشر الظالمين فلا تكنه

وحكى: عليه رجلًا ليسني.
وكذلك: كأنني.
وتقول عليه: كنته وكانه وكنتك.
وإذا كان هذا في الفعل - يعني الفصل - أحسن، فلا يكون - يعني الاتصال - في مصدر ما يكون لها ذلك، فلا تقول: عجبت من كونكه.
وإذا جوزنا اتصالهما فهل يجوز مع الاتفاق في النوع والمعنى، فتقول: كنتك فيمن قال: أنت أنت، كما تقول: حسبتني؟ الظاهر من تعليل س أنه لا يجوز؛ لأنه إنما جاز في حسبتُني لكون الأول كالمتروك والاعتماد فيها على المفعولين، ولا يكون الأول هنا متروكًا، فهو كالفاعل في ضربت، فلا يجوز إلا النفس.
وقال في البديع في باب الاستثناء: ومتى اتصل المضمر المنصوب بهما فلا يكون إلا منفصلًا في الأكثر، تقول: أتاني القوم ليس إياك، ولا يكون إياك.
وقد جاء المتصل قليلًا نحو: ليسني وليسك وليسي.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لزيد الخيل: "ما وصف لي شيءٌ في الجاهلية، فرأيته في الإسلام، إلا ورأيته دون الوصف ليسك" يريد: إلا إياك.
وقال في الغرة: إذا كان اسمها وخبرها ضميرين فالأولى أن يجئ الخبر منفصلًا لأنه على كل حالٍ خبر الابتداء، ومع أنه القياس فأكثر ما ورد متصلًا، قال في المنفصل:

ليت هذا الليل شهرٌ لا نرى فيه عريبا ليس إياي وإيا ك، ولا نخشى رقيبا وقال في المتصل فلو كنت القيل، ولا تكنه لقد علمت معدٌ ما أقول وقال: تنفك تسمع ما حييـ ـت بهالكٍ حتى تكونه وقال: كأن لم يكنها الحي إذ أنت مرةً بها ميت الأهواء مجتمع الشمل وقال: فإن لم يكنها أو تكنه فإنه أخوها غذته أمه بلبانها وقال: فلما رأى برقًا أتى دون لمعه منازل من دهماء كانت تكونها وقوله: وخلف ثاني مفعولي أعطيت زيدًا درهمًا في باب الإخبار.
مثال ذلك إذا أخبرت عن الدرهم: الذي أعطيته زيدًا درهمٌ، فاختار المصنف الاتصال، وهو رأي المازني.
واختار غيره الانفصال، فيقول: الذي

أعطيت زيدًا إياه درهمٌ، وهذا جارٍ على قاعدة الإخبار من أنك تضع موضع الذي قيل لك أخبر عنه ضميرًا مطابقًا له في الإعراب والتذكير والتأنيث والإفراد وفرعيه.
وأما رأي المازني - وهو اختيار الاتصال - فإنه لا يمكن إلا بعدم مراعاة موضع المخبر عنه؛ لأنه لابد أن يتصل بالفعل، فلذلك كان الأولى عندنا انفصاله.
ويرجح قول غير المازني وجوب الانفصال إذا كان مفعول أعطيت الثاني لا يُعلم كونه ثانيًا إلا بالرتبة، نحو: أعطيت زيدًا عمرًا، فإنك تقول: الذي أعطيت زيدًا إياه عمروٌ، فإذا تعين فيما يعلم كونه ثانيًا ليجري الباب كله على سنن واحد، ولذلك نظائر.
وقوله: ونحوه: ضمنت إياهم الأرض، و: يزيدهم حبًا إلى هم، من الضرورات.
أما الأول فيمن قول الشاعر: بالوارث الباعث الأموات قد ضمنت إياهم الأرض في دهر الدهارير لولا الضرورة لقال: ضمنتهم؛ إذ لا موجب لانفصاله ولا مجوز، وهذا نظير: إليك حتى بلغت إياكا وأما الثاني فمن قول الشاعر، أنشده المصنف:

وما أصاحب من قومٍ فأذكرهم إلا يزيدهم حبًا إلى هم فـ "هم" فاعل بـ "يزيد"، ولو اتصل لقال: إلا يزيدونهم.
وهذا البيت في الحماسة صدره مخالفٌ لما أنشده المصنف، وهو: لم ألق بعدهم حيًا فأخبرهم قال المنصف: "وظن بعضهم أن هذا جائزٌ في غير الشعر؛ لأن قائله لو قال: يزيدونهم، فيجعل المتصل - وهو الواو - فاعلًا، والمنفصل توكيدًا، لصح.
وهذا وهم لأن ذلك جمعٌ بين ضميرين متصلين، أحدهما فاعلٌ، والآخر مفعولٌ، لمسمًى واحد، وذلك لا يكون في غير فعل قلبي"/ انتهى كلامه.
وهذا الذي ظنه هذا الظان صحيحٌ، وما رد به المصنف فاسدٌ ووهمٌ منه؛ لأنه اعتقد أن الفاعل ب "يزيد" هو المفعول به، وليس كذلك، بل الفاعل ب "يزيد" هو عائد على قوله: "قوم"، أو على قوله: "حيًا" على ما ثبت في الحماسة، وقوله: "هم" المتصل ب "يزيد" عائد على من سبق ذكره في الشعر من الذين فارقهم، وهو قولهك وحبذا حين تمسي الريح باردةً وادي أشيً وفتيانٌ به هضم ثم مدحهم بعد هذا بستة أبيات، ثم قال: لم ألق بعدهم حيًا فأخبرهم.
والشعر لزياد بن حمل بن سعيد بن عميرة بن حريثٍ العدوي، وبنو العدوية حيٌ من بني تميم، وكان قد أتى اليمن، فنزع إلى وطنه ببطن الرمث، وهو من بلاد تميم.
فالمعنى: إلا يزيد الحي الملقيون المخبورون، أو القوم المصاحبون الذين ذكر أحبابه لأجل صحبتهم، أولئك المفارقين حبًا إلي،

وإذا كان المعنى على هذا صح أن يقال: "إلا يزيدونهم" لاختلاف مدلول الفاعل والمفعول؛ لأن الزائد غير المزيد.
ولبعض شيوخنا كلام على المضمرات بالنسبة إلى الاتصال والانفصال، أردنا أن لا نخلي الكتاب منه لأن فيه فوائد ما تضمنها كلام المصنف قال: المرفوع إن عمل فيه معنى انفصل، وذلك المبتدأ، أو لفظٌ هو هو انفصل، أو غيرهما: فعلًا اتصل، إلا إن فصلت إلا فينفصل، أو كان في معناها فينفصل في الشعر، وإذا اتصل، والفعل ماضٍ، برز، إلا المفرد الغائب مذكرًا أو مؤنثًا، أو أمرٌ برز في غير مفردٍ مذكر، أو مضارعٌ لمتكلم استتر، أو لمخاطبٍ فكذا لمفردٍ مذكر.
أو صفةً لمن هي له استتر، أو لغيره برز في الأعراف.
أو اسم فعلٍ استتر.
أو مصدرًا نائبًا مناب الفعل استترن أو مناب أن والفعل انفصل، والوجه خفضه.
أو حرفا انفصل.
والمنصوب إن نصبه فعلٌ - وهو كان - فالانفصال المختار - أو طن - وهو الأول، اتصل، والثاني كمفعول كان، أو غيرهما متعديًا إلى واحد اتصل، أو لاثنين، وهو أول، فكذلك، أوثانٍ، والأول محذوفٌ فكذلك، أو مذكورٌ، واجتمعا، وقدمت ما له الرتبة، اتصل لا غير، تقول: أعطيتكه، قال تعالى: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾، أو ما رُتبته التأخير فالانفصال لا غير: أعطيته إياك، فإن كانا في درجة واحدة فالاختيار انفصال الثاني ﴿وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾.
ويجوز: أعطاهوها، وهو عربي، وليس وجه الكلام.
أو اسم فاعل تعدى لاثنين جرى مجرى الفعل، أو لواحدٍ نحو: الضاربك والضارباك، ففيه

الخلاف.
ويجري مجراه: حسن الوجه جميله، والحسن الوجه الجميلة.
أو صدرٌ على من قال: "ضربًا زيدًا" تأتي به مُتصلًا، فتقولك ضربه، ويسقط التنوين لمكان المتصل كما في ضاربك.
ويظهر لي أن خلاف الأخفش في الموضعين واحد، فالهاء في موضع نصب كما قال في: ضاربه وس يقول: في موضع خفض/ كما قال في ضاربه.
أو اسم فعل اتصل: عليكه ورويده وعليكني، ومن العرب من يقول: عليك بي، ولو قال عليك إياي كان جائزًا، قاله س. أو حرفٌ وهو "إن" فالضمير متصل، أو "ما" فمنفصل.
وما كان واجب الاتصال أو جائزه من المنصوب إذا تقدم وجب انفصاله.
وهذا عقد في الضمائر اتصالًا وانفصالًا ذكره بعض أصحابنا، قال: إذا تقدم العامل، أو فُصل بينهما بحرف عطفٍ أو إلا أو ما في معناها على الخلاف، انفصل.
فإن كان غير ما ذكر، والعامل حرفٌ، لم يتصل إلا في إن وأخواتها.
أو اسم مصدرٍ، منونٌ أو غير منون، مضافٌ لظاهرٍ أو لمضمر مثله، انفصل، وقد يتصل في المضمر الغائب إن اختلفا، إلا لم يجز.
أو أقرب منه انفصل، أو أبعد جاز الاتصال، والانفصال أحسن وأفصح.
واسم الفاعل واسم المفعول كذلك.
أو اسم فعلٍ نحو: رويد فالاتصال عند س لا غير، وأجاز غيره الانفصال.
أو ظرفٌ أو مجرورٌ فهما، أو فعلٌ متعد إلى واحد اتصل، أو إلى اثنين من باب أعطى - وهما غائبان من جنس واحد - فالانفصال أحسن، وأنكر الكوفيون الاتصال، وزعموا أن البصريين قالوه بالقياس، نحو: أعطيتهوه، وهو مسموع عن العرب.
أو متكلمان أو مخاطبان

انفصل المتأخر منهما، أو مختلفان وتقدم الأقرب ف "س" لم يذكر إلا الاتصال، وذكر غيره الانفصال، أو الأبعد فالانفصال، ولا يجيز س أعطيتهوك، وحكي عن طائفة من النحويين جوازه، ورده.
وزعم المبرد أن الصواب مذهبهم، وأجاز الكوفيون في التثنية والجمع، فقالوا: أعطيتهماكما وأعطيتهموكم، وأجاز الكسائي أعطيتهنكمن، ومنع الفراء الاتصال.
وإن كان الفعل ناسخًا - وهو كان - فالانفصال أحسن، خلافًا لابن الطراوة.
أو "ظننت" فكأعطيت، إلا إن اختلفا، وتقدم الأقرب، فيختار فيه الانفصال.
أو "أعلم"، والكل ضمائر، فحكم الأول والثاني حكم باب أعظيت، أو بعضٌ مضمرٌ وبعضٌ ظاهرٌ، والمضمر واحدٌ، وصلته، أو اثنان أول وثانٍ أو ثالثٌ فكأعطيتُ، أو ثانٍ وثالثٌ فكظننت.

-[ص: فصل

الأصل تقديم مفسر الغائب، ولا يكون غير الأقرب إلا بدليل، وهو إما مصرحٌ بلفظه، أو مستغني عنه بحضور مدلوله حسًا أو علمًا، أو بذكر ما هو له جزءٌ أو كلٌ أو نظيرٌ أو مصاحبٌ بوجه ما.]-

ش: ضمير المتكلم وضمير المخاطب تفسرهما المشاهدة، وأما ضمير الغائب فعارٍ عن المشاهدة، فاحتيج إلى ما يُفسره، وأصل المفسر في الضمير أن يكون ما يعود عليه متقدمًا، وقد خالف هذا الأصل في مواضع، تأتي إن شاء الله.
وقوله: ولا يكون غير الأقرب، أي: لا يكون مفسر ضمير الغائب غير الأقرب إلا بدليل، مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾، فالضمير في (ذريته) / عائد على إبراهيم لا على إسحاق ولا يعقوب؛ لأن المحدث عنه من أول القصة إلى آخرها هو إبراهيم.
ومثال عوده على الأقرب قولك: لقيت زيدًا وعمرًا يضحك، فالضمير في يضحك عائد على عمرو، ولا يعود على زيد إلا بدليل، ولذلك استدل أبو محمد بن حزم على تحريم جميع الخنزير لحمه وشحمه وعروقه وغضاريفه وجلده وجميع ما اشتمل عليه بقوله تعالى: {أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ

رِجْسٌ} لما ألزم أن يقول بتحليل شحم الخنزير، فقال: الضمير في (فإنه) عائد على الخنزير لأن أقرب مذكور، وإنما ذكر اللحم أولًا لأنه هو المعهود أكله لم يأكله لا على جهة حصر التحريم فيه، ثم دل قوله (فإنه رجسٌ) من حيث عاد الضمير على أقرب مذكورٍ على تحريمه كله بسائر ما يحتوي عليه.
وقد نوزع في عود الضمير هنا على أقرب مذكور، ولسنا الآن لتحقيق ذلك وإمعان الكلام فيه.
وقوله: وهو - أي المُفسر - إما مُصرحٌ بلفظه مثاله: زيدٌ لقيته، والتصريح بلفظ المفسر هو غالبٌ على ضمير الغيبة.
وقوله: أو مستغنيً عنه بحضور مدلوله حسًا مثله المصنف بقوله تعالى ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي﴾، و ﴿يَا أَبَتِ اسْتَاجِرْهُ﴾.
وليس كما مثل به لأن هذين الضميرين عائدان على ما قبلهما، فالضمير في (قال) عائد على (يوسف)، والضمير في (هي) عائد على قوله ﴿بِأَهْلِكَ سُوَءاً﴾، ولما كنت عن نفسها بقوله ﴿بِأَهْلِكَ﴾ ولم تقل "بي"، كنى هو عنها بضمير الغيبة في قوله: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي﴾، ولم يخاطبها بقوله "أنت راودتني"، ولا أشار أليها بقوله "هذه راودتنى".
وكل هذا على سبيل الأدب في الألفاظ والاستحياء من الخطاب الذي لا يليق بالأنبياء، فأبرز الاسم في صورة الضمير الغائب تأدبًا مع الملك وحياءً منه.
وكذلك أيضًا قوله ﴿يَا أَبَتِ اسْتَاجِرْهُ﴾ عائد على موسى، فمفسره مصرحٌ بلفظه، وكأن المصنف تخيل أن

هذا موضع إشارة لكون صاحب الضمير حاضرًا عند المخاطب، فاعتقد أن المفسر يُستغنى عنه بحضور مدلوله حسًا، فجرى الضمير مجرى اسم الإشارة، والتحقيق ما ذكرناه.
وقوله: أو علمًا مثله المصنف بقوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ أي: إنا أنزلنا القرآن، فالمفسر مُستغني عنه بحضور مدلوله علمًا.
وقوله: جزءٌ مثله المصنف بقول الشاعر: أماوي، ما يُغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يومًا، وضاق بها الصدر فالضمير في "حشرجت" عائد على النفس، والفتى مغنٍ عن ذكرها لأنها جزؤه.
وكذلك الضمير ي "بها".
وقال ابن هشام: "الضمير في "حشرجت" يعود على النفس، ولم يتقدم لها ذكر، لكن الحشرجة وضيق الصدر دلا عليا" انتهى.
فلم يجعل الدال عليها ذكر/ ما هو - أي الضمير - له جزءٌ، وهو الفتى.
ومن ذلك: "من كذب كان شرًا له"، و ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، وقول الشاعر: وإذا سئلت الخير فاعلم أنها حسنى، تُخص بها من الرحمن وقول الآخر:

إذا نُهي السفيه جرى إليه وخالف، والسفيه إلى خلاف التقدير: كان هو، أي: الكذب، واعدلوا هو أي: العدل، واعلم أنها، أي: المسألة.
والضمير في هذا أحد مدلولي الفعل، فهو جزء المدلول.
وكذلك: جرى إليه، أي: السفه، وهو جزء مدلول السفيه لأنه يدل على ذاتٍ مُتصفةٍ بالسفه.
وقوله: أو كل مثاله ﴿وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، فالذهب والفضة بعض المكنوزات، فأغني ذكرهما عن ذكر الجميع، حتى كأنه قيل: والذين يكنزون أصناف ما يُكنز، ولا يُنفقونها.
ومنه قول الشاعر: ولو حلفت بين الصفا أم معمرٍ ومروتها بالله برت يمينها قال المصنف: "أعاد الضمير إلى مكة لأن الصفا جزءٌ منها، وذكر الجزء مغنٍ عن ذكر الكل" انتهى.
ولا يتعين هذا؛ إذ يحتمل أن يعود الضمير على "الصفا" على معنى الصخرة؛ لأنهما مشتركان في معنى الطواف بهما، فهما طرفان ينتهي في الطواف إليهما، والإضافة تكون بأدني مُلابسة، كما قال تعالى ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ أي: ضحى العشية.
وقوله: أو نظير مثاله: عندي درهمٌ ونصفه، أي: ونصف درهمٍ آخر.
وكذلك قوله تعالى ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ أي: من

عُمُرِ معمرٍ آخر.
وكذلك قوله: قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا إلى حمامتنا ونصفه، فقد أي: ونصف حمامٍ آخر مثله في العدد.
وقول الآخر: وكل أناسٍ قاربوا قيد فحلهم ونحن خلعنا قيده، فهو سارب أي: قيد فحلنا.
وقوله: كأن ثياب راكبه بريحٍ خريقٍ، وهي ساكنة الهبوب أي: وريحٌ أخرى ساكنة الهبوب.
وأصحابنا يعبرون عن هذا بأنه يعود الضمير على الظاهر لفظًا لا معنى.
ومن ذلك ظننت وظننيه زيدٌ قائمًا، فالهاء في ظننيه يفسرها "قائمًا" لفظًا لا معنى.
ولما خفي هذا الوجه على أبي الحسين بن الطراوة منع هذه المسألة، وستأتي في باب الإعمال، إن شاء الله.
وقوله: أو مصاحبٌ بوجهٍ ما/ بمستلزمٍ عن مستلزمٍ، نحو {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ

مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ}، وقوله: لكالرجل الحادي، وقد تلع الضحى وطير المنايا فوقهن أواقع فـ "عفي" يستلزم عافيًا، فالضمير في (إليه) عائد عليه.
والحادي يستلزم إبلًا محدودةً، فالضمير في "فوقهن" عائد عليهن، ومثله: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ أي: الشمس، أغني عن ذكرها ذكر (العشي).
ويجوز أن يكون فاعل (توارت) ضمير (الصافنات).
وقد يستغني عن ذكر صاحب الضمير بذكر ما يُصاحبه ذكرًا أو استحضارًا، كذكر الخبر وحده متلوًا بضمير اثنين مقصودٍ بهما المذكور وضده، نحو قوله: وما أدري إذا يممت أرضًا أريد الخير: أيهما يليني؟ وقد يُعاد الضمير على المُصاحب المسكوت عنه لاستحضاره بالمذكور وعدم صلاحيته له، كقوله: ﴿فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ﴾، فـ (هي) عائد على الأيدي لأنها تُصاحب الأعناق في الأغلال، فأغنى ذكر الأعناق عن ذكرها.
ومثله ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ أي: من عمر غير

المعمر، فأعيد عليه لأن ذكر المعمر مُذكرٌ به لتقابلهما، فكان مصاحبه في الاستحضار الذهني.
انتهى شرح قوله " أو مصاحبًا له" مُلخصًا من كلام المصنف في الشرح.
وقد كثر المصنف أنواع ما يُفسره ما يُفهم من سياق الكلام ولم يتقدم له مُفسرٌ متقدمٌ عليه ولا متأخرٌ عنه.
وأصحابنا قسموا ضمير الغائب: إلى ما يتقدم عليه مُفسره لفظًا ورُتبةً، نحو: ضرب زيدٌ غلامه، أو لفظًا دون رتبة، نحو: ضرب زيدًا غلامه، أو رُتبةً دون لفظ، نحو: ضرب غلامه زيدٌ.
وإلى ما يُفسره ما يُفهم من سياق الكلام، وهو ما عُلم المراد به، ومل يكن له مُفسرٌ متقدمٌ عليه بوجه من الوجوه الثلاثة ولا متأخرٌ عنه، نحو ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ﴾، ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾، ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً﴾: كأن هزيزه بوراء غيبٍ.................................. أي: على ظهر الأرض، وحتى توارت الشمس، فأثرن بالمكان، هزيز الرعد.
وإلى ما يأخذ شبهًا من الذي يُفسره ما يُفهم من سياق الكلام، ومن الذي يُفسره ما قبله بوجه ما، أي: لم يتقدم لمُفسره ذكرٌ، لكن تقدم ما هو من لفظ المُفسر، وإن لم يكن المُفسر، وذلك نوعان: أحدهما: الضمير العائد على المصدر المفهوم من فعلٍ أو صفةٍ، نحو

قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، وقوله: إذا نهي السفيه جرى إليه....................... والثاني: العائد على شيءٍ لم يُذكر في الكلام، ولكن ذُكر قبله شيءٌ يشرك الشيء الذي يعود عليه الضمير في اللفظ، نحو: عندي درهمٌ ونصفه.

-[ص: ويقدم الضمير المكمل/ معمول فعلٍ أو شبهه على مُفسرٍ صريح: كثيرًا إن كان المعمول مؤخر الرتبة، وقليلًا إن كان مُقدمها وشاركه صاحب الضمير في عامله.]-

ش: قال المصنف في الشرح: مثال ما يُقدم كثيرً: ضرب غلامه زيدٌ، ومثله ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى﴾، وغلامه ضرب زيدٌ، ومثله: "في بيته يؤتي الحكم"، و"شتى تؤوب الحلبة".
والكوفيون لا يُجيزون مثل هذا.
وسماعه عن فصحاء العرب صحيحٌ، فهو حجةٌ عليهم.
وضرب غلام أخيه زيدٌ، وغلام أخيه ضرب زيدٌ ومثله: شر يوميها وأغواه لنا ركبت عنرٌ بحدجٍ جملا

شر يوميها: ظرفٌ لركبت، وما أراد أخذ زيدٌ.
ومثله: ما شاء أنشأ ربي، والذي لم يشأ ربي، فلست تراه ناشئًا أبدا وضرب جاريةً يُحبها زيدٌ.
وهذا الأمثلة وأشباهما مُندرجة تحت قولي: "المكمل معمول فعل"؛ لأن المضاف إليه مُكمل المضاف، ومعمول الصلة مكمل الموصول، كما تُكمل "ما" بفاعل "أراد"، ومعمول الصفة مُكمل الموصوف كما تُكمل "جاريةً" بفاعل "يُحبها".
ومثال شبه الفعل قولك: هندٌ ضاربٌ غلامه زيدٌ من أجلها، ومررت بإمرأةٍ ضاربٍ غلامه أخوها.
ومثال ما يُقدم قليلًا قول حسان: ولو أن مجدًا أخلد الدهر واحدًا من الناس أبقى مجده الدهر مطعما وقال آخر: كسا حلمه ذا الحلم أثواب سؤددٍ ورقي نداه ذا الندى في ذرا المجد وقال آخر: لما رأى طالبوه مُصعبًا ذعروا وكاد لو ساعد المقدور ينتصر وقال آخر:

لقد حاز من يُعنى به الحمد إن أبى مكافأة الباغين والسفهاء وأنشد ابن جني: ألا ليت شعري، هل يلومن قومه زهيرًا على ما جر من كل جانب وأنشد أيضًا: جزى بنوه أبا الغيلان عن كبرٍ وحسن فعلٍ كما يُجزى سنمار والنحويون إلا أبا الفتح يحكمون بمنع مثل هذا، والصحيح جوازه لوروده عن العرب في الأبيات المذكورة وغيرها، ولأن جواز نحو: ضرب غلامه زيدًا، أسهل من جواز نحو: ضربوني وضربت الزيدين، ونحو: ضربته زيدًا، على إبدال زيد من الهاء.
وقد أجاز/ الأول البصريون، وأجيز الثاني بإجماع، حكاه ابن كيساه، وكلاهما فيه ما في: ضرب غلامه زيدًا، من تقديم ضميرٍ على مفسرٍ مؤخرِ الرتبة؛ لأن مُفسر واو ضربوني معمول معطوفٍ على عاملها، والمعطوف ومعموله أمكن في استحقاق التأخر من المفعول بالنسبة إلى الفاعل؛ لأن تقدم المفعول على الفاعل يجوز في الاختيار كثيرًا، وقد يجب، وتقدم المعطوف وما يتعلق به على المعطوف عليه بخلاف ذلك، فيلزم من أجاز "ضربوني وضربت الزيدين" أن يحكم بأولوية جواز: ضرب غلامه زيدًا، واللهم صل عليه الرؤوف الرحيم؛ لأن

البدل تابع، والتابع مؤخر الرتبة، ومؤخرٌ في الاستعمال على سبيل اللزوم، والمفعول ليس كذلك، إذ لا يلزم تأخره.
انتهى ما شرح به المصنف، وفي أوله بعض تلخيص.
فأما قوله: "ضرب غلامة زيدٌ" فإنما جاز لأن المفعول - وإن كان مُقدمًا في اللفظ على الفاعل - فإنه مؤخرًا عنه في المعنى؛ لأن المفعول رتبته أن يكون بعد الفاعل، وليس بين النحويين اختلافٌ في جواز هذه المسألة.
وقال ابن كيسان: العامل في الفاعل والمفعول واحد، وهو الفعل، فإذا كانا جميعًا بعد العامل فكل واحدٍ في موضعه.
وقال الفراء: لما تقدم كان صاحبه كأنه معه.
وأما قوله: غلامه ضرب زيدٌ، وفي بيته يُوتي الحكم، وشتى تؤوب الحلبة، ونقله عن الكوفيين؛ لأن الكوفيين فصلوا في الضمير إذا تأخر العامل عن المفعول والفاعل بين أن يكون مُتصلًا بالمفعول مجرورًا، أو بما أضيف إليه مجرورًا، أو منفصلًا منه، أو مُتصلًا به في موضع نصب.
فإن كان متصلًا به أو بما أضيف إليه مجرورًا جاز ذلك عندهم أن يتقدم، نحو: إرادته أخذ زيدٌ، وغلام أبيه ضرب زيدٌ.
فإن كان الضمير في موضع نصب، وهو متصل بالمفعول، لم يجز ذلك عندهم، نحو: ضاربه ضرب زيدٌ، إذا كانت الهاء في موضع نصب، وإن كانت في موضع جر جاز، كما جاز: غلامه ضرب زيدٌ، وإن كان لم يتصل بالمفعول ولا بالمضاف للمفعول فلا يجوز عندهم تقديم المفعول، ومثلوا ذلك بمثلٍ كثيرة، منها: ما رأى أحب زيدٌ، وما أراد أحب زيدٌ، ويوم يقوم يتخلص زيدٌ، ويوم يقوم يُحشر خالدٌ، وإذا قام سرك زيدٌ، وما يُعجبه يتبع أخوك.
فهذه كلها منعها الكسائي والفراء، وأجازها البصريون.

وعلة ذلك عند الكسائي والفراء أن في "أحب" و "أراد" ضميرًا مرفوعًا، والمرفوع لا يُنوي به التأخير لأنه في موضعه.
وحجة البصريين أن المضمر المرفوع متصلٌ بالمنصوب، والمنصوب ينوى به التأخير، فليس اتصال المرفوع به مما يمنعه عما يجوز فيه بإجماع.
فإن كان العامل/ مقدمًا جازت المسائل عند الكسائي والفراء، فتقول: أخذ ما أراد زيدٌ.
قال ابن كيسان: وكان ينبغي أن لا يجوز عندهما في حال؛ لأن احتجاجهما من أجل الضمير، فالعلة واحدة.
وقال ابن كيسان: ينبغي على قولهما أن يكون "أخذ ما أراد زيدٌ" أقبح من قولهم: ما أراد أخذ زيدٌ، لأنك لا تجعل "ما" إذا كانت مُقدمة إلا بعد "زيد"، وإذا كانت بين الفعل وبين "زيد" فقد وقعت موقعًا لا تريد به التقديم والتأخير، فينبغي أن لا يجيزوا: ضرب زيدًا أبوه؛ لأنه على نية التقديم والتأخير.
قال ابن كيسان: وقلنا لهم - يعني الكوفيين -: لم أبيتموه وأنتم تجيزون: إرادته أخذ زيدٌ؟ قالوا: الضمير إذا كان بالهاء كان كبعض حروف الاسم، وإذا كان منفصلًا من المنصوب فإنما هو غير تابع له.
قيل لهم: هو في التوسط كذلك.
وأجاز الكسائي وأصحابه: ما أراد زيدٌ أخذ، و"ما" في موضع نصب بأخذ، وفي أخذ ضمير زيد.
ومثل هذا: ثوب أخويك يلبسان انتهى كلام ابن كيسان.
وأما قوله: "شتى تؤوب الحلبة" فشتى: حال، وفيها ضمير يعود على الحلبة.
وهذا لا يجوز عند الكوفيين.
قال الكوفيون: راكبًا أتانا زيدٌ، لا يجوز، لأن في راكب ذِكْرَ مرفوعه من زيد، فصار نظير: ما أحب أخذ زيدٌ، وهو لا يجوز.
فإن قلت: أتانا راكبًا زيدٌ، جاز لتقدم الفعل على زيد

وراكب.
وكلاهما جائز عند البصريين لتصرف العامل.
فإن قلت: تؤوب شتى الحلبة، جاز على كل قول.
فاتضح بهذا مذهب الكوفيين أن مثل: غلامه ضرب زيدٌ، يجوز عندهم، ومثل: شتى تؤوب الحلبة، وما أراد أخذ زيدٌ، لا يجوز عندهم، وهو خلاف ما ذكر المصنف عنهم إذ سوى بين المسألتين في المنع عنهم.
وقد تكرر له هذا الوهم في آخر الفصل الثالث من باب تعدي الفعل ولزومه من هذا الكتاب، وسنتكلم عليه إذا وصلنا إليه، إن شاء الله تعالى.
وأما قول المنصف: "ومثال ما يُقدم قليلًا قول حسان"، وإنشاده تلك الأبيات، فقد أنشدوا أيضًا من هذا النوع قول الشاعر: جزى ربه عني عدي بن حاتمٍ جزءا الكلاب العاويات، وقد فعل وقول الآخر: لما عصى أصحابه مصعبًا أدى إليه الكيل صاعًا بصاع هكذا أنشد هذا البيت أبو عبيدة.

وأما قوله: "والنحويون إلا أبا الفتح يحكمون بمنع هذا" فظاهره أنه لا يُجيزها إلا أبو الفتح، وقد أجازها قبله من الكوفيين أبو عبد الله الطوال، وتبعه أبو الفتح.
وذكر أبو حعفر الصفار الإجماع على أنها لا تجوز إلا ما ذهب إليه الطوال من أنها تجوز، قال: وتابعه أحمد بن جعفر/، فزعم أن هذا جائز في الشعر.
ونقل غير أبي جعفر الصفار عن أبي الحسن إجازة ذلك.
فأبو الفتح في ذلك له سلفٌ الطوال والأخفش.
وأما قوله: "والصحيح جوازه لوروده عن العرب" فلعمري إنه قد كثر مجيء ذلك في الشعر، فالأحوط جوازه في الشعر دون الكلام، كما ذهب إليه أحمد بن جعفر.
وقد رام بعض النحويين تأويل ذلك كله، والتأويل فيه بُعدٌ، ولجوازه وجهٌ من القياس، وهو أن المفعول كثر تقدمه على الفاعل، فجعل لكثرته كالأصل، فإذا قال: هل يلومن قومه زهيرًا؟ جرى مجرى ما أصله: هل يلومن زهيرصا قومه؟ كما يُقدم ضمير الفاعل على المفعول في نحو: ضر غلامه زيدٌ.
وقد شبه س الضارب الرجل بالحسن الوجه، والأصل عكس هذا.
وأما قوله: "ولأن جواز نحو ضرب غلامه زيدًا أسهل من جواز نحو:

ضَربوني وضَربتُ الزيدين، ونحو: ضربته زيدًا، على إبدال زيد من الهاء، وقد أجاز الأول البصريون، وأجيز الثاني بإجماع"، فلا تُنظر مسألة ضرب غلامه زيدًا بمسألة ضربوني وضربت الزيدين؛ لأن ضربوني وضربت الزيدين خارجةٌ عن القياس في مسائل استُثنيت يتأخر مُفسر الضمير فيها، وما كان خارجًا عن القياس لا يُقاس عليهن ولا يُشبه به.
وأما قوله: "وأجيز الثاني بإجماع" - يعني ضربته زيدًا - فليس بصحيح، ولا إجماع فيها، بل في المسألة خلاف: ذهب الأخفش إلى جواز ذلك.
وذهب غيره إلى أنه لا يجوز.
وسيأتي الكلام على ذلك، إن شاء الله، وكثيرًا ما يدعي المصنف الإجماع فيما فيه الخلاف.
وقوله: أو شبهه مثاله: هندٌ ضاربٌ غلامه زيدٌ من أجلها.
وقوله: وشاركه صاحبُ الضمير في عامله احترز بهذا من أن لا يشارك صاحب الضمير في العامل، فإن المسألة إذ ذاك لا تجوز، مثاله: ضرب غلامها جار هندٍ، فصاحب الضمير الذي هو "هند" لم يُشارك الفاعل الذي هو "غلامها" في العامل الذي هو "ضرب"؛ لأن هندًا مخفوض بالإضافة، وغلامها مرفوع بضرب، وذلك بخلاف: ضرب غلامها هندًا، فإن الناصب لصاحب الضمير الذي هو "هند" هو الرافع لغلامها الذي هو الفاعل.
ولتقديم المفعول والعامل بالنسبة إلى المضمر الذي يتصل بالفاعل أو المفعول احكامٌ كثيرة في مسائل عديدةٍ، نذكرها إن شاء الله في "باب تعدي الفعل ولزومه".
ص: ويتقدم أيضًا غير منوي التأخير إن جُر برب، أو رفع بنعم أو شبهها، أو بأول المتنازعين، أو أبدل منه المفسر أو جعل خبره، أو كان

المُسمى ضمير الشأن عند البصريين وضمير المجهول عند الكوفيين.
ش: مثاله في رب قول الشاعر: واهٍ رأبت وشيكًا صدع أعظمه وربه عطبًا أنقذت من عطبه / ومثاله في نعم قوله: نعم أمرأً هرمٌ، لم تعر نائبةٌ إلا وكان لمرتاعٍ بها وزرا وهذا الذي في نعم من أن فاعلها ضميرٌ مُستكنٌ فيها يُفسره ما بعده هو مذهب البصريين.
وذهب الكوفيون إلى أنه لا فاعل مضمرٌ في نعم، بل الاسم المرفوع بعد نعم هو الفاعل بنعم.
وسيأتي الكلام في ذلك في "باب نعم" إن شاء الله.
وقوله: أو شبهها مثال ذلك: بئس رجلًا زيدٌ، وظرف رجلًا زيدٌ.
ومثاله في أول المتنازعين قول الشاعر: جفوني، ولم أجب الأخلاء، إنني لغير جميلٍ من خليلي مهمل وهذا فيه خلاف.
فمذهب الكسائي والفراء أنه لا يجوز.
وسيأتي الكلام على ذلك في "باب الإعمال" إن شاء الله.
ومثال المُفسر ببدله ما حكى الكسائي: اللهم صل عليه الرؤوف

الرحيم.
وهذه المسألة أيضًا فيها خلاف: ذهب الأخفش إلى الجواز، وذهب غيره إلى المنع، وقالوا: البدل لا يُفسر ضمير المبدل.
والصحيح جواز ذلك، وهو مذهب أبي الحسن.
والدليل على ذلك قول الفرزدق: وقد مات خيراهم، فلم يهلكاهم عشية بانا رهط كعبٍ وحاتم فالضمير المخفوض عائد على ما أُبدل منه، وهو: رهط كعب وحاتم، كأنه قال: وقد مات خيرا رهط كعبٍ وحاتم، فلم يهلكاهم.
وقول الآخر: قد أصبحت بقرقري كوانسا فلا تلمه أن ينام البائسا فالضمير المنصوب في "تلمه" عائد على ما أبدل منه، وهو: البائس، كأنه قال: فلا تلم البائس أن ينام.
وقال الآخر: إذا هي لم تستك بعود أراكةٍ تُنخل، فاستاكت به عود إسحل في رواية من جر "عود إسحل" فهو بدل من الضمير في به.
وقد ذكر

س: ضربوني وضربتهم قومك.
ومن منع ذلك تأول "فلا تلمه" على أن الضمير يُفسره ما يُفهم من سياق الكلام لا البدل؛ لأن قوله "قد أصبحت" يدل على أن لها راعيًا، فكأنه أعاد الضمير عليه.
وتأول "به عود إسحل" على أن يكون الضمير في "به" عائدًا على"عُود اراكة" لفظًا، نحو قوله: عندي درهمٌ ونصفه، وقول الشاعر: وكل أناسٍ قاربوا قيد فحلهم ونحن خلعنا قيده، فهو سارب ومثال جعله خبرًا قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾.
قال الزمخشري: / "هذا ضميرٌ لا يُعلم ما يُعني به إلا بما يتلوه من بيانه، وأصله: إن الحياة إلا حياتنا، ثم وضع هي موضع الحياة؛ لأن الخبر يدل عليها ويبينها".
قال: "ومنه: هي النفس تتحمل ما حملت، وهي العرب تقول ما شاءت".
قال المصنف - وقد حكي كلام الزمخشري-: "وهذا من جيد كلامه، وفي نظيره بهي النفس وهي العرب ضعفٌ لإمكان جعل العرب والنفس بدلين، وتتحملن وتقول خبرين" انتهى كلامه.
ولم يذكر أصحابنا في الضمير الذي يُفسره ما بعده، ولا ينوي بالضمير التأخير، أن يكون مُفسره الخبر، وإنما هذا يُفسره سياق الكلام.
وأما ما ذهب إليه المصنف من أن "هي" مُفسرها هو "حياتُنا الدنيا" الذي هو الخبر فهو فاسد؛ لأنه إذا فسره الخبر، والخبر مضافٌ لشيءٍ وموصوفٌ بشيء، كان ذلك الضمير عائدًا على الخبر بقيد إضافته وقيد صفته، وإذا كان كذلك صار تقدير الكلام: إن حياتنا الدنيا إلا حياتنا الدنيا، ولا يجوز ذلك، كما لا يجوز: ما غلامنا العالم إلا غلامنا العالم؛ لأنه يؤدي إلى أنه لا يُستفاد من

الخبر إلا ما يُستفاد من المبتدأ، وذلك لا يجوزن ولذلك منعوا: رب الدر مالكها وسيد الجارية مالكها.
وليس في كلام الزمخشري ما يدل على ما ذهب إليه المصنف؛ لأنه قال: "وضع هي موضع الحياة"، فلم يقل: "موضع حياتنا الدنيا" الذي هو الخبر.
وقوله: "لأن الخبر يدل عليها ويبينها" يعني أن سياق هذا الكلام دل على أن المضمر هو الحياة.
ومثال ضمير الشأن قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، هكذا مثله المصنف، وهو على أحد المحتملات التي ذُكرت في إعرابه.
وذكر الفراء ضمائر يُفسرها ما بعدها، وليست مما ذُكر هنا، فمن ذلك قوله تعالى ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾، وقوله تعالى ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ﴾، وقد تكلمنا على ذلك في كتابنا الكبير في تفسير القرآن المسمى ب "البحر المحيط"، وذكرنا أعاريب الناس في ذلك، واحتجاجهم، وإبطال ما ينبغي إبطاله، وتصحيح ما ينبغي تصحيحه.
قال: "ومن ذلك ما حُكي من كلام العرب: كان ذلك مرةً وهو تنفع الناس أحسابهم، وقول الشاعر: ......................... فهل هو مرفوعٌ بما ههنا رأس" فهذه جملة الأماكن المُتفق عليها والمختلف فيها التي يتقدم فيها الضمير على مفسره، ولا ينوي به التأخير.

وضمير الشأن هو ضمير غائب يأتي صدر الجملة الخبرية دالاً على قصد المتكلم استعظام السامع حديثه.
وتسمية البصريين له ضمير الشأن والحديث إذا كان مذكرًا، وضمير القصة إذا كان مؤنثًا، قدروا من معنى الجملة اسمًا، جعلوا ذلك الضمير يفسره ذلك الإسم المقدر حتى يصح الإخبار بتلك الجملة عن ذلك الضمير، ولا يحتاج/ فيها إلى رابط؛ لأنها هي نفس المبتدأ في المعنى.
والفرق بينه وبين الضمائر أنه لا يعطف عليه، ولا يؤكد، ولا يبدل منه، ولا يتقدم خبره عليه، ولا يفسر بمفرد.
وأما الكوفيون فسموه مجهولاً لأن لا يدري عندهم ما يعود عليه.
ولا خلاف في أنه اسم يحكم على موضعه بالإعراب على حسب العامل، إلا ما ذهب إليه ابن الطراوة من إنكاره وزعمه أنه حرف، قال: والسماع والقياس يمنعه.
قال: أما القياس فإن الهاء في قوله: "إنه أمة الله ذاهبة "حرف كف إن عن العمل كما كفتها ما في "إنما زيد قائم ". وأما كان وليس وإن التي لا هاء معها نحو: إن من يدخل الكنيسة.............................................

ونحو: كان زيد منطلق، وليس عمرو ضاحك، ونحوها من نواسخ الإبتداء، فهي حال دخولها على الجمل التي لم تعمل فيها ملغاة كظننت، وثبت أن ظننت تلغيها العرب، وعمل كان وليس وإن فرع؛ إذ عملها بالتشبيه بالأفعال التي عملها أصل كعمل ظننت، فالقياس يقتضي أن تحمل كان وليس وإن محمل ظننت، فتكون ملغاة.
وأما السماع فإن العرب لم تذكر قط الأمر بهذا اللفظ في هذا المعرض ولا الشأن، فلما لم يقل قط: كان الأمر زيد قائم، ولا: إن الشأن زيد ضاحك، بطل دعواهم.
فإن قالوا: قد ثبت ضمير الأمر والشأن قي قوله تعالى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ على تقدير: الأمر الله أحد، فليس كذلك، فإنما هو هناك بمعنى: المعبود الله، أو المصمد إليه، ونحوه.
قال: ثم إنهم يتناقضون، فإنهم يجعلون الجملة من المبتدأ والخبر خبرًا عن الناسخ في نحو: إنه زيد قائم، وكان عمرو ضاحك، واسم الناسخ الذي هو ضمير الأمر تفسيره الخبر، ومن شرط الخبر أن يكون مجهولاً، ومن شرط المفسر أن يكون معلومًا، فهم قد جعلوا الشيء الواحد معلومًا مجهولاً.
قال الأستاذ أبو علي وغيره: أخطأ ابن الطراوة في إنكاره ضمير الأمر والشأن: أما أن الهاء كافة ففاسد لأنها لم تثبت حرفًا إلا ضميرًا، فإخراجها عما استقر لها من الإسمية فاسد، وإنما ادعينا في ما "إنما "أنها كافة لثبوت حرفيتها، ولم نجد بدا من ذلك، وأما إلغاء كان وليس إذ لم يظهر لهما عمل فباطل؛ إذ لم يثبت ذلك فيهما، ثم لم يثبت إلغاء فعل مع تقدُّمه،

وإنما ألغيت ظننت متوسطة أو متأخرة على ضعف.
وأما أن العرب لم تصرح بالأمر والشأن في هذا العرض فقول من لم يفهم عن النحويين؛ لأنهم لم يقولوا ضمير الأمر والشأن على أن ذلك هو المحذوف، إنما هو تحويم منهم على المعنى بتقريب.
وأما أن الخبر يكون مجهولاً فلم يفهم ما مرادهم بمجهول، فإنه لا يصح أن يخبر إلا بما يفهم معناه؛ إذ لا يخبر أحد عن معلوم بلفظة أعجمية لا يعقل معناها، وإنما المجهول الذي يريد النحويون نسبة الخبر إلى المخبر عنه، فبكونه معلومًا يصح أن يكون مفسرًا، وبكونه مجهول النسبة يصح أن يكون خبرًا.
ثم إنه لو لم يكن/ في قوله إلا مخالفة لجميع النحويين من الخليل وس إلى من بعدهم من بصري وكوفي [لكان خليقًا بالطرح والرفض]، انتهى ما ردوا به على ابن الطراوة.
فأما قولهم: "إن الهاء لم توجد إلا ضميرًا "فمدفوع بما حكى س أن الهاء في إياه وإياها حرف، وأن الضمير هو إيا، وما يليه حرف دليل ما يراد بإيا من متكلم أو مخاطب أو غائب.
وأما قولهم: "لم تثبت "فلا يدل عدم تقدم الثبوت على بطلان المدعي؛ ألا تراهم قد ادعوا في الفصل أنه حرف لا موضع له من الإعراب، ولم يثبت فيه ذلك قبل.
وكذا ما ادعاه من إلغاء كان وليس أنه لم يثبت، فهو معارض بإدعاء مضمر لم يلفظ به في موضع معهما.
وكذلك إلغاء كان وليس حالة التقدم، فمذهبه في ظننت مذهب الكوفيين من أنه يجوز

جارٍ التحميل