على الحال.
وفي الجمله الوقعه استفهاما بعد ما يتعدي ال واحد, وقد اخذ
مفعوله, فانفقوا علي انها في موضع نصب, واختلفوا: اهي في موضع بدل, أو مفعول ثان علي التضمين, او حال.
وفي موضع جر: فبأتفاق ان تكون مضاف اليها اسماء الزمان غير الشرطيه التي
لاتجزم, او تقع صفه لمجرور, او معطوفه علي مجرور, او ماهو في موضع جر.
باختلاف في الواقعه بعد ذو في قول العرب «اذهب بذي تسلم», فقيل: ذو موصوله, فلا موضع للجمله, وقيل ذو بمعني صاحب, فهي في موضع جر.
في الموقعه بعد (ايه) بمعني علامه, فقيل الجمله في موضع جر بالاضافه وقيل «ما» المصدريه محذوفه.
وفي الواقعه ابتداء بعد حتي, فالجمهور علي انها لا موضع لها من الاعراب, وذهب الزجاج ابن درستويه الي انها في موضع جر ب حتي.
وفي موضع جزم الواقعه غير مجزومه.
جوابا للشرط العامل, أو عطفت علي مجزوم, او علي ما موضعه جزم.
هذا الاقسام كلها مذكوره وهي وامثلتها وفي كتاب «ومنهج السالك في الكلام علي الفيه ابن مالك) من تصنيفنا.
-[ص:
باب التمييز
وهو ما فيه معني (من) الجنسيه من نكره منصوبه فضله غير متابع.
ويميز اما جمله -وسيبين - اما مفردا عددا فتح, او مفهم مقدار ' او مثليه او غيريه او تعجب بالنص علي جنس المراد بعد تمام باضافه, او تنوين, أو نون تثنيه, أو جمع أو شبه.]-
ش: يطلق علي التمييز التبيين والتفسير والمميز والمبين والمفسر.
قوله ما فيه معني (من) جنس يشمل - علي زعمه -التمييز, وثاني منصوبي أستغفر,والمشبه بالمفعول, وما اضيف اليه من التمييز, واسم (لا) التبرئه, وتابع عدد من الجنس المعدود, وصفه اسم (لا) المنصوبه.
وقوله الجنسيه فصل يخرج مثل:
استغفر الله ذنبا.............................................
فانه علي معني «من», لكنها ليست جنسيه.
وقوله من نكره فصل يخرج مثل: هو حسن وجهه فانه ليس بتمييز, بل هو منصوب علي التشبيه بالمفعول به.
وقوله منصوبه فصل يخرج به ما أضيف اليه من نحو: رطل زيت فانه علي معني «من» الجنسيه, ولا يعرب تمييزا.
وقوله فضله يخر به اسم لا, نحو: لا خير من زيد فيها.
وقوله غير تابع يخرج به مثل: قبضت عشره دراهم, فان دراهم فيه معني من الجنسيه, وهو نكره منصوبه فضله, لكنه تابع, فلم يتناول التمييز.
ومثل: لا رجل ظريفا, فان ظريفا نكره فضله منصوبه,بمعني من الجنسيه, لكنها تابع,ففارقت التمييز.
انتهي شرح هذا الحد, وهو منقود/ من وجوه:
احدهما ذكر (ما) في الحد وهو لفظ مبهم, والحدود تصان عن الالفاظ المبهمه.
الثاني قوله «فيه معني من الجنسيه» فان التمييز الذي هو منقول من الفاعل, ومن المفعول علي من اجازه, من المبتدأ, ونحو قولهم: داري خلف دارك فرسخا - ليس فيه معني من الجنسيه.
وقد سبقه الي نحو كلامه العيدي, فقال: (التمييز يتقدر ب «من» من طريق المعني).
واحترز بذلك المصنف علي زعمه - (من الحال, فانها تشاركه فيها سوي ذلك من القيود)
الثالث: قوله من نكره وهذا قيد مختلف في اشتراطه, فلا يدخل فماهيه الحد.
ونقول: ذهب البصريون الي اشتراط تنكير التمييز, وذهب الكوفيون
وابن الطراوة الي انه يجوز ان يكون معرفه, واستدلوا علي ذلك بقول الشاعر,وهو اميه بن ابي الصلت:
له داع بمكه مشمعل... واخر, فوق رابيه ينادي
الي ردح من الشيزي ملاء... لباب البر يلبك بالشهاد
وقول الاخر:
رايتك لما ان عرفت وجوهنا... صددت وطبت النفس ي قيس عن عمرو
وقول الاخر:
علام ملئت الرعب, والحرب لم تقد لظاها, ولم تستعمل البيض والسمر
قالو: ولغه للعرب مشهوره: مافعلت الخمسه عشره دراهم, والعشرون الدرهم, وقالت العرب: سفه زيد نفسه, وألم رأسه, وغبن رأيه, و (وبطرت معيشتها), فهذه, كلها منصوب علي التمييز, وهو ومعارف معارف بالاضافه او بأل.
وتأول البصريون هذا كله, تأولوا (لباب البر) علي انه اسقط حرف الجر,
فانتصب, وتقديره: ملاءه بالباب البر, او: من لباب البر.
واما (وطبت النفس)
و «ملئت الرعب» فعلي زياده أل.
وأما «سفه زيد نفسه» واخواتها فياتي الكلام عليه عند تكلم المصنف عليه ان شاء الله
واما قوله في الشرح «وانه احترز به من المعرفه المنتصبه علي التشبيه بالمفعول به في نحو: هو حسن وجهه» فأن وفيه ما في (وهو حسن وجها) الا التنكير,
ولا يحتاج الي ذكره ليحترز به مما ذكر, لان ماذكر لم يدخل تحت ما قبله فيحترز منه لانه منقول من الفاعل, والمنقول من الفاعل كما قدمنها, لا يكون فيه معني من الجنسيه.
الرابع: قوله «منصوبه» لا يحتاج الي هذا القيد لانه يحد التمييز.
وقوله «فضله» يغني عن «منصوبه», لانه قد قد ذكر قبل باب المبتدأ, وقرر ان النصب للفضله, وعد الفضلات, فذكر فيها التمييز.
الخامس: قوله: «غيرتابع» يحتاج اليه لانه اخذ في القيد كونه منصوبا,
وانما يعني لازم النصب, والتابع الذي ذكره انما هو بحسب المتبوع, فليس فيه النصب ملتزما / فلا ينبغي ان يحترز منه.
السادس قوله في الشرح انه احترز ايضا من ظريفا في نحو: لا رجل ظريفا,: «فانه نكره منصوبه فضله بمعني من الجنسيه, ولكن تابع, ففارق التمييز»,
ولايحترز من هذا لانه ليس ملتزم النصب فقط, اذا يجوز رفعه بخلاف التمييز
«انه فضله منصوبه بمعني من الجنسيه» فمكابره, هب ان الاسم منصوب علي معني من الجنسيه, ان تكون الصفه منصوبه ايضا علي معني من الجنسيه؟ هذا لا يصح.
وقوله ويميز اما جمله وسيين هذا هو الذي يعبر عنه النحويون بأنه منتصب عن تمام الكلام, فقوله «ويميز اما جمله» فيه تسامح, لان الجمله
لاتميز, انما هذا التمييز الاتي بعد الكلام هو مفسر لما انطوي عليه الكلام الذي قبله من جهه انك اذا قلت: تصبب زيد, وامتلأ الاناء - عرف ان المتصبب من زيد والمالي للاناء شئ, ففسر المتصبب بالعرق والمالئ باالزيت, والمنتصب عن تمام الاسم هو الذي يكون تفسيرا لاسم مبهم قبله, فقد اشتركا في ان كلا منهما يفسر مبهما, غير ان الذي يفسر عن تمام الكلام مبهمه غيرمذكور, بل هو مفهوم من مضمون الجمله, ولا يجوز انياتي بعد كل كلام منطو علي شئ مبهم الا في موضعين:
احدهما: ان يؤدي الي اخراج اللفظ عن اصل وضعه, نحو قولك: ادهنت زيتا, لايجوز نصب زيتا علي التمييز, اذ الاصل ادهنت بزيت, فلو نصب علب التمييز لادي الي حذف حرف الجر, والزام تاتنكير في الاسم, ونصبه بعد ان لم يكن منصوبا وهذا كله اخراج للنص عن اصل وضعه, فلايجوز شئ من ذلك بقياس,بل يوقف ماورد من ذلك علي السماع, والذي ورد من ذلك قولهم:
امتلأ الاناء ماء, ونفق ذيد شحما, الاصل: من الماء, ومن الشحم, فحذفت من وأل, وانتصب تمييزا لا علي انه مفعول بعد اسقاط حرف الجر.
ويدل علي انه تمييز التزام التنكير فيه, وكونهم لايقدمونه علي الفعل, علي خلاف في هذا الاخير,ولو كان منصوبا علي المفعول بعد اسقاط الحرف لجاء معرفه ونكره, ولجاز تقديمه علي الفعل بإجماع.
والموضع الثاني: ان يؤدي الي تدافع الكلام, نحو (ضرب زيد رجلا), اذا جعلت رجلا تفسيرا لما انطوي عليه الكلام المتقدم من ابهام الفاعل, فتنصب رجلا علي التمييز, اي: ان الكلام مبني علي حذف الفاعل, فذكره تفسيرا اخرم ندافع, لان ما حذف لايذكر.
وقد ذهب الي اجازه ذلك بعض النحويين, خرج وعلي ذلك وقوله تعالي
(وان كان رجل يورث كلاله), فنصب (كلاله) علي التمييز لما انطوي عليه الكلام السابق منابهام الوارث, ف (كلاله) عنده تمييز يفسر الوارث لا الموروث, وقد يتخرج علي ذلك قول الراجز: /
يبسط للاضياف وجها رحبا بسط ذراعين لعظم كلبا
نصب (كلبا) تفسيرا لما انطوي عليه قوله «بسط الذراعين) ويكون قد نوي في المصدر بناءه للمفعول الذي لم يسم فاعله, ثم اضافه, والتقدير: يسطا مثلما بسط ذراعان فلما حذف الباسط للذراعين اتي بقوله «كلبا» تفسيرا لذلك الباسط المحذوف.
ويحتمل هذا البيت ان يكون من باب القلب, فأصله: بسط كلب ذراعين
فقال: بيط الذراعين كلبا.
وقوله وأما مفرد عددا مثاله: احد عشر رجلا, وعشرون امرأه,وقد يكون سؤالا عن عدد كتمييز (كم) الاستفهاميه.
وقوله او مفهم مقدار يعم الكيل والوزن والمسامحه وما وما اشبهها كمثقال ذره, وذنوب ماء, وحب برا ونحي سمنا, ومسأب عسلا, وراقود, خلا وجمام المكوك دقيقا.
وجعل المصنف (مفهم مقدار) هو قول ابي علي الفارسي, وقال في الايضاح: (والمقادير علي ثلاثه اضرب: مسموح ومكيل وموزون) وكذا قال ابن عصفور.
وادرج شيخانا ابو الحسن الابذي وابن الضائع تحت المقادير العدد, قال ابن الضائع: (والمقادير اربعه انواع: معدود,ومكيل,وموزون, ومسموح) وقال الابذي: (والمقادير المبهمه تحصرها المعدودات والمكيلات والموزونات».
زمثلا المقدر في العدد بخمسة عشر.
وقال في البديع «والعدد ان كان مقدرا الا انه ليس له اله يعرف بها»
اما قولهم (داري خلف دارك فرسخا) ف (س) يقول: هو تمييز علي مافهم عنه.
والمبرد يجعله حالا, وخلف لا يكون مقدارا, انما يريد الاخبار بانها مستقر لا مقدار, فاقتضي احتمال الوصف بالبعد وغيره, وكان ما بعدها مفسرا للصفه المحتمله.
وقد تؤول هذا علي س ايضا بأن يكون من الاحوال غير المشتقه.
وقوله او مثليه مثاله قوله عليه السلام (دعوا لي اصحابي, فلو فلو انفق احدكم مثل احد ذهبا ما بلغ احدهم ولا نصيفه), وقال بعضهم: مالنا مثله رجلا, ولنا امثالها ابلا, وقال الشاعر:
فن خفت يوما ان يلج بك الهوي... فأن الهوي يكفيكه مثله صبرا
وعطف المصنف قوله (أو مثليه) علي قوله مقدار يدل علي ان مثلا ليس من المقادير, وهو مذهب الفارسي.
وقد عدس مثله من المقادير, ووجهه ان مثل الشئ يساويه ويقادره في الشئ الذي اشبهه فيه, فاذا قلت (لي مثل زيد فارسا) فانت قد زعمت انلك من الفروسيه قدر فروسية زيد
وقال ابن الضائع: «ومما انتصب ايضا وهو شبيه بالمقدار قولهم: لي مثله رجلا, وذلك انه لما حذف موصوف مثله وانبهم اشبه بالقدر.
وقد جعله س لشبهه بالمقادير منها,قال: (لانك اذا قلت لي مثله فقد ابهمت الانواع / لان مثله يقع علي الشجاعه والفروسيه والعبيد والرجال, فاذا قلت عبدا او فارسا فقد اختصصت كما اختصصت الدرهم النوع المقدر بالعشرين, غير ان الفرق بينهما ان الفارس والعبد في قوله لي مثله عبدا هو المثل, وليس الدرهم بالعشرين) يعني انه يجوز في لي مثله عبدا ان يقدم التمييز ويصير مثله تابعا له, ولا يجوز ذلك في العشرين.
فما جاز فيه جريان المفسر اذا قدم عليه جعله الاول, وما لم يجز فيه جريانه لو قدم عليه جعله غير الاول»
وقال ابن العصفور: ومذهب الفارسي الاولي, لانا انما نريد بالمقدار ما صح اضافه المقدار اليه لفظا أونيه, و (مثل) لايصح فيها ذلك.
وقال ابن الضائع: «وعلي التمره مثلها زبدا: هذا شبيه بالمقدار لان المعني: علي التمره قدر مثلها, كما ان المعني في رطل وقفيز: قدر رطل وقفيز, وهذا مما تم فيه الاسم بالاضافه.
وقد يقال: ان هذا من مقدار المساحه أو من مقدار الوزن لأن المعني: قدر مثلها ومساحه او وزنا.
واما موضع راحه فمن المساحه»
«ونظير لي مثله رجلا قولهم لا كزيد فارسا, وقول الشاعر:
لنا مرفد سبعون الف مدجج فهل في معد فوق ذلك مرفدا
لما حذف اسم لا وحذف المبتدأ انبهم المفسر, فأتي بقوله فارسا ومرفدا تمييزا» انتهي.
س: «والعبد ضرب من الضروب التي تكون علي مقدار المثل».
قال
الاستاذ ابو علي «يعني من الضرب المقدره بمقدار المثل المقيسه عليه».
وقال ايضا: (يعني ان المثل مقدار, اذا قلت مثل هذا فكانك قلت: مقدار هذا, الا نه مقدار معنوي, فالمثل مقدار, واضافه المقدار اليه هنا كاضافه الخاتم في قولك خاتم حديد لما انبهم هل هو مقدار حقيقي حسي أو مقدار حقيقي حسياو مقدار مثلي معنوي».
وقوله او غيريه مثاله: لنا غيرها شاء.
وقوله او تعجب مثاله: ويحه رجلا, وحسبك به رجلا, ولله دره فارسا, ابرحت جارا و:
................................... يا جارتا, ما انت جاره
وقال بعض اصحابنا: الذي ياتي عن تمام الاسم يفسر عددا او مقدارا او مقدارا أو شبيها بالمقدار.
وذكروا شبيه المقدار في نحو: ما في السماء موضع راحه سحابا, وعليه شعر كلبين دينا, وتقديره: مثل شعر قال: «ولا يجئ بعد ما
ليس بعدد ولا مقدار ولا شبيه به إلا قليلا، ولنا أمثالها إبلا، ولنا غيرها شاء، وأبرحت جارا، و «يا جارتا ما أنت جاره»، و:
يا سيدا، ما أنت من سيد...........................................»
انتهى.
ومن التعجب الذي يجيء بعد التمييز المنتصب عن تمام الاسم قولهم: ويلمه مسعر حرب، وقولهم: يا طيبها ليلة، ويا حسنها ليلة، وقال الشاعر:
يا نعمها............................................................
/وقولهم: ناهيك رجلا، وقولهم: تالله رجلا، المعنى: تالله ما رأيت مثله
رجلا، وقولهم: يا لك ليلا، قال الشاعر وهو جرير:
فيا لك يوما خيره قبل شره تغيب واشيه، وأقصر عاذله وأما ما انتصب بعد تمام الكلام في التعجب فسأذكره - إن شاء الله - عند ذكر المصنف التمييز المنتصب عن الجملة.
ومما جاء تفسيرًا لغير ما ذكر المصنف تمييز «كم» الخبرية، وتمييز «كائن»، وتمييز «كذا»، وكلها تمميز مما انتصب عن تمام الاسم.
وأما ما مثل به من قولهم: ويحه رجلا، وحسبك به رجلا، ولله دره فارسا - ف «س» جعلها شبيها بالمقادير، وذلك أنه لما ذكر زيد أو عمرو، وأردت التعجب به ونطقت بهذه الألفاظ وانبهم المعنى الذي تمنحه به، فجئت به تفسيرا لأنه قد يبرز في شيء على غيره، وينقص منه في آخر، فلزم تفسير ما فيه برز، فصار كقولك «ما مثله» إذا أردت الاستفهام.
ويبين أنه تمييز جواز دخول «من» عليه، ويجوز نصبه على الحال.
وأما «أبرحت جارا» فمن قول الشاعر:
.................................. فأبرحت ربا، وأبرحت جارا
أنشده س، وقال الأعلم: هو عجز بيت، وأوله:
تقول ابنتي حين جد الرحيل: أبرحت ربا، وأبرحت جارا
واختلف في هذا: وتقديره أبرح ربك، وأبرح جارك، فأسند الفعل إلي غيرهما، ثم نصبهما تفسيرا نحو: طاب زيد نفساً.
وذهب ابن خروف إلي أنه مما انتصب عن تمام الاسم، وعلى هذه أنشده س، وجاء به على أن الرب هو التاء في أبرحت، فهو خطاب الشاعر لممدوحه، ويقوي ذلك إنشاده إياه «فأبرحت» بالفاء، ولا يصح اتصاله بصدر البيت على أن يكون معمولا للقول، فلا يكون عجزا لذلك الصدر.
ونظيره من أنشده س:
ومرة يحميهم إذا ما تبدوا ويطعنهم شزرا، فأبرحت فارسا أي: فأبرحت من فارس، كأنه تعجب منه، وأبهم، ثم فسر.
وليس هذا في هذا البيت منتصبا عن تمام الكلام، إذا ليس المعنى على: أبرح فارسك، بل فاعل أبرح التاء، غير أنه انبهمت ذاته المتعجب منها، ففسرت، كما انبهم العشرون.
وأما ما أنشده الأعلم من قوله: «تقول ابنتي» البيت - فظاهر فيه ما قال، وكأن ابنته تعجبت من ممدوحه، والرب هنا الملك الممدوح وما رده به عليه ابن خروف من أنه أفسد المعنى، فصير الفعل للرب والجار - ليس بصحيح، بل المعنى على ما أنشده الأعلم صحيح.
واختلف في اشتقاق أبرحت: فقال الأعلم: من البراح، أي: صرت في براح لاشتهار أمرك في فروسيتك.
وقال السيرافي: من البرح، وهو الشدة المتعجب منها، أي: صرت ذا برح، ومنه البرحين والبرحاء، /فمعنى أبرحت:
جئت بما لم يأت به غيرك.
وقيل: معناه تناهيت واشتهرت.
وقيل: عظمت، فهذا تعجب.
وقيل: دهوت.
وقوله بالنص على جنس المراد يتعلق «بالنص» بقوبه «ويميز»، وينبغي أن النكرة إذا لم يكن فيها بيان ألا تقع تمييزا، وقد اختلفوا من ذلك في مسائل:
منها «ما» في باب نعم، أجاز الفارسي أن تكون نكرة تامة بمعنى شيء، وتنتصي تمميزا.
وتبعه الزمخشري.
ومنع ذلك غيره، منهم أبو ذر مصعب بن أبي بكر الخشني.
ومن ذلك «مثل»، أجاز س التمييز بها، فتقول: لي عشرون مثله، وحكى: لي ملء الدار أمثالك.
وفي كتاب أبي الفضل البطليوسي: لي عشرون مثله لا يجيزه الكوفيون لأن التمييز إنما هو مبين، ومثل مبهمة، فلا ينبغي أن تقع موقع ما يبين به، وهكذا كما ترى، فإن س نقله عن العرب.
وأيضا فالضمير في «مثله» يعلم على من يعود، فكأنه قال: مما يبين لهذا الشخص، ولا شك أن في هذا إفادة.
ومنع ذلك الفراء.
ومن ذلك «غير»، أجاز يونس التمييز بها، فتقول: لي عشرون غيرك.
ومنع ذلك الفراء.
وهذا أحرى أن يمنعه الكوفيون لأنه أشد إبهاما، لكن تلقي س... مذهب يونس بالقبول، ولم يرد عليه، فينبغي أن ينسب إليه جوازه لأنه لا يخلو من فائدة، إذ أفاد أن عنده ما ليس بمماثل لهذا، وهذا المقدار فيه تخصيص.
ومن ذلك «أيما رجل»، أجاز التمييز بذلك الجمهور، ومنع ذلك الخليل
وس.
وينبغي ألا يجوز شيء من هذه المبهمات إلا بسماع من العرب.
وقوله بعد تمام بإضافة مثاله: لله دره إنسانا، و ﴿ملء الأرض ذهبا﴾ ﴿أو عدل ذلك صياما﴾.
وقوله أو تنوين مثاله: وطل زيتا.
وقالوا: يكون التنوين مقدار، وذلك المركب، نحو: خمسة عشر رجلا، فيكون التمام بالتنوين المقدر.
وقوله أو نون تنثية مثاله: منوان سمنا.
وقوله أو جمع مثاله ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا﴾، كذا مثل المصنف، فجعل هذا من التمييز الذي يميز مفردا، وهو المعبر عنه أنه منتصب عن تمام الاسم.
وليس كذلك عند أصحابنا، وإنما هو من قبيل ما انتصب عن تمام الكلام.
وقوله أو شبهه أي: أو شبه نون الجمع، ومثاله ﴿وواعدنا موسي ثلاثين ليلة﴾، قال المصنف: «وفهم من سكوتي عن نون شبه المثنى أن التمييز لا يقع بعده».
انتهى.
ويعنى بشبه المثنى «اثنان» و «اثنتان».
-[ص: وينصبه مميزه لشبهه بالفعل أو شبهه.
ويجره بالإضافة إن حذف ما به التمام.
ولا يحذف إلا أن يكون تنويا ظاهرا في غير «ممتلئ ماء» ونحوه، أو مقدار في غير «ملآن ماء»، و «أحد عشر درهما»، و «أنا أكثر مالا»، ونحوهن، أو يكون نون تثنية، أو جمع تصحيح، ـو مضافا إليه صالحا لقيام التمييز مقامه في غير «ممتلئين أو ممتلئين غضبا».]-
ش: قال المصنف في الشرح: «ثم قلت / (وينصبه مميزه) - والكلام فيما يميز مفردا - فمقال ما ينصبه لشبه الفعل نحو: هو مسرور قلبا، ومنشرح صدرا، وطيب نفسا باشتعال رأسه شيبا، وسرعان ذا إهالة.
وأما ما ينصبه مميزة لشبهه بشبه الفعل فمميز المقادير وما ذكر بعدها إلا: أبرحت جاراً» انتهى.
والذي ذكر بعد المقادير، كمثقال ذرة خيرا، وذنوب ماء، وحب برا، ونحي سمنا، ومسأب عسلا، وراقود خلا، وجمام المكوك دقيقا، إلي سائر الأمثلة التي ذكرت بعد هذه مما يقتضي مثلية أو غيرية أو تعجبا.
وإنما قال «إلا أبرحت جارا» لأن جارا هو منصوب بالفعل لا لشبه الفعل ولا لشبه شبه الفعل، ولذلك استثناه مما قبله.
وما ذهب إليه المصنف من تمثيله ما ينصبه مميزة لشبه الفعل بقولة: هو مسرور قلبا، ومنشرح صدرا، وطيب نفسا باشتعال رأسه شيبا، وسرعان ذا إهالة - بعيد عن كلام النحاة ومغاير له، لأن المصنف جعل هذا التمييز مما يفسر المفرد، فهو منتصب عن تمام الاسم، وهذا عندهم مما انتصب عن تمام الكلام لا عن تمام الاسم، وكأنه التبس عليه مرادهم، وذلك أن الإبهام الذي يفسره التمييز ويبينه يشمل النوعين، لكن ما انتصب عن تمام الاسم يكون الإبهام حاصلا في الاسم خاصة، وما انتصب عن تمام الكلام يكون الإبهام حاصلا في الإسناد لا في السم الذي هو أحد جزأي الكلام، فإذا قلت «زيد مسرور» فمسرور ليس مبهما في نفسه، بل حصلت نسبة السرور إلي زيد، ولم يبين من أي جهة سروره، فإذا قلت «قلبا» زال الإبهام الذي في الإسناد، وليس كذلك ما انتصب عن تمام الاسم، لأن الاسم في ذاته وفي وضعه هو المبهم، فإذا قلت «عندي عشرون» فعشرون مبهم في وضعه، فإذا قلت «درهما» بينت العشرين ما هي.
وكذلك إردب ورطل وذراع من المكيل والموزون والمسموح، الإبهام حاصل فيها من ذوات الأسماء وموضوعاتها من حيث النسبة.
والتمييز في قوله منشرح صدرا، وطيب نفسا باشتعال رأسه شيبا، وسرعان ذا إهالة، جميعها عند النحويين مما انتصب عن تمام الكلام لا عن
تمام الاسم، فهي من التمييزات التي تفسر ما انطوى عليه الكلام من الإبهام - وهو الحاصل في نسبة الإسناد - لا من التمييزات التي تفسر الاسم المفرد.
وأما «سرعان ذا إهالة» فواضح جدا أنه مما انتصب عن تمام الكلام، لأن «ذا» فاعل باسم الفعل الذي هو سرعان في معنى سرع، فهو محول من الفاعل، إذ أصله: سرعان إهالة هذا، فنسب السرعة إلي اسم الإشارة، ونصب إهالة تفسيرا لما انطوى عليه الكلام من الإبهام، فهو نظير: طاب هذا نفسا.
وقال أصحابنا: إن الذي يفسر ما انتصب عن تمام الاسم ينصبه مفسره، فإذا قلت: عندي عشرون درهما، أو قفيز /برا، أو رطل سمنا، أو ذراع ثوبا - فالناصب للتمييز ما قبله من عشرين وقفيز ورطل وذراع.
وجاز لها أن تعمل وإن كانت جامدة لأن عملها على طريق التشبيه.
واختلف البصريون في الذي شبهت به:
فقيل: شبهت باسم الفاعل لطلبها اسما بعدها كما أن اسم الفاعل بمعنى الحال والاستقبال كذلك.
وقيل لشبهها ب «أفعل من» في طلبها اسما بعدها على طريق التبيين ملتزما فيه التنكير كما أنه كذلك، فالفعل هو الأصل، يعمل معتمدا وغير معتمدا، واسم الفاعل لا يعمل إلا معتمدا، ويعمل في السببي والأجنبي، والصفة المشبهة تعمل في المعرفة والنكرة، ولا تعمل إلا في السببي، و «أفعل من» لا تعمل إلا في النكرة، لكنها تتحمل الضمير، والمقادير وما أشبهها لا تعمل إلا في المنصوب، فكل واحد في هذه أضعف من الذي قبله من الجهات التي ذكرناها، فشبه هذه الأسماء ب «أفعل من» أقوى من شبهها باسم الفاعل، لأن الحمل على ما تمكن شبهه أولي من الحمل على ما ليس كذلك.
وزعم أحمد بن يحيي أن درهما من قولك «له عندي عشرون درهما» إنما انتصب من جهة أن عشرين بمنزلة قولك: معدود، ودرهما بمنزلة قولك: عدداً،
فكما أنك إذا قلت «معدود عددا» كان عددا منتصبا بمعدود فكذلك انتصب درهم بعشرين.
ورد هذا بأنه قد يجيء من المنتصب عن تمام الاسم ما لا يمكن فيه هذا التقدير، نحو قولة: ويحه رجلا، ولله دره رجلا.
ولا نعلم خلافا في أن الناصب للمنتصب عن تمام الاسم هو المفسر الذي قبله، إلا في «البديع» لابن الأثير ما نصه: «عامل التمييز على ضربين: فعل محض محض، ومعنى فعل:
فالفعل نحو: تصبب زيد عرقا، وطبت نفسا، وبابه.
والمعنى: [الحاجز] المقدم ذكره في الأعداد والمقادير، وهو التنوين والنون والإضافة.
وقيل: إن العامل في هذا النوع إنما هو الظرف، نحو: عندي قفيزان برا، والجار والمجرور في نحو: لي مثله رجلا، فيكون حينئذ لفظيا» انتهى.
فظاهر هذا الكلام أن التنوين والنون والإضافة هي العامل، ولا نعلم أحدا ذهب إلي ذلك، وأما القول الذي حكاه فلم نجده إلا في هذا الكتاب.
وفي البسيط: «النحويون جميعهم يرون أن العامل في قولك (أعطيت عشرين درهما) عشرون لشبهه بضاربين، وكذا ما تنزل منزلته كأحد عشر، لأن الاسم الثاني صار كالنون في عشرين.
وكذلك ما كان فيه التنوين، نحو: راقود
خلا.
والضابط فيه عندهم أن كل ما كان عن تمام جملة كان العامل فيه الفعل، وما كان عن تمام المفرد كان العامل فيه ذلك المفرد».
وقوله ويجره بالإضافة إن حذف ما به التمام أي: ويجر التمييز بإضافة ما قبله إليه إن حذف ما به التمام، والذي به التمام هو: المضاف إليه، والتنوين، والنون التثنية، أو نون الجمع، ونون شبه الجمع.
وقوله ولا يحذف إلا إن كان تنوينا ظاهرا / مثاله: رطل زيت، وإردب شعير، وذراع ثوب، وعلى ما مثله هو قبل: مسرور قلب، ومنشرح صدر، وطيب نفس.
واحترز بقوله ظاهر من أن يكون التنوين مقدرا، فإنه له حكم سيذكره.
وقوله في غير «ممتلئ ماء» احتراز من: ممتلئ ماء، فإن فيه تنويا ظاهرا، ولا يجوز جر تمييزه بإضافة ممتلئ إليه وإن كان عنده من قبيل تمييز المفرد المعبر فنه بانتصابه عن تمام الاسم، قال في الشرح: «ولا يفعل ذلك - يعنى الجر بالإضافة - في التمييز بتنوين ظاهر إن كان ما هو فيه مقدر الإضافة إلي غير التمييز، نحو: البيت ممتلئ برا، فإن تقديره: البيت ممتلئ الأقطار برا، فلما كان المميز في هذا الباب ونحوه مضافا إلي غير التمييز تقديرا امتنع أن يضاف إلي التمييز، كما لا يضاف إليه المضاف صريحا، فإن كان التنوين الظاهر فيما لا يقدر بذلك جاز بقاء التنوين ونصب المييز بالمييز، وزوال التنوين وإضافة المميز إلي المميز» انتهى.
وقوله ونحوه أي: ونحو: ممتلئ ماء، ومثاله: متفقئ شحما، أن انتصاب التمييز فيه هو فيما يميز مفردا، وهو المعبر عنه بأنه منتصب عن تمام الاسم كالجائي بعد العدد والمقدار حتى يستثنيه من ذي التنوين الظاهر - هو خلاف مذهب س ومن وقفنا على كلامه من النحويين، بل هذه الصفة جارية مجرى الفعل، فالتمييز منتصب عن تمام الجملة كما هو منتصب عن تمامها في فعله، وقد ذهب هو إلي ذلك في الفعل، وسيأتي ذكره ذلك في الفصل بعد هذا، وإنما هذا من قبيل ما التمييز فيه فاعل من حيث المعنى، وهو منتصب في الفعل وفي الوصف عن تمام الكلام، وقد بينا الفرق بينهما - أعني بين ما انتصب عن تمام الاسم وبين ما انتصب عن تمام الكلام - حين تكلمنا معه في تمثيله بقوله «هو مسرور قلبا» إلي آخره.
إلا أن ابن خروف أشكل عليه كون المنصوب في: امتلأ الإناء ماء، وتفقأ زيد شحما - هو المرفوع في المعنى بالنظر إلي الأصل وبالنظر إلي اللفظ، قال: «لأن الأصل: من ماء، ومن شحم، فليس ما كان أصله الجر بحرف الجر مرفوعا عن حيث المعنى».
وقال: «ولا يقال: امتلأ ماء الإناء، كما يقال: تصبب عرق زيد» انتهى.
ولا يلزم ذلك من قال إنه فاعل في المعنى، لأنه لم يقل إنه فاعل في المعنى «امتلأ»، إنما أراد أنه فاعل في المعنى من حيث أنه مالئ للإناء، لأن المطاوع الذي
هو امتلأ يتضمنه الحامل الذي هو ملأ، وقد استعملت العرب: ملأ الماء الإناء، خلافا لمن أنكر استعماله، قال الشاعر:
تصرم مني ود بكر بن وائل... وما كان ظني ودهم يتصرم
قوارص تأتيني، ويحتقرونها... وقد يملأ الماء الإناء، فيفعم
/فإذا أردت المطاوع قلت: امتلأ الإناء ماء.
وقوله أو مقدرا في غير «ملآن ماء»، و «أحد عشر درهما»، و «أنا أكثر مالا»، ونحوهن أما ما كان غير الثلاثة التي ذكر فنحو: رأيت رجلا أشعت رأسا، وهند شنباء أنيابا، يجوز فيه النصب على التمييز والجر على الإضافة، فتقول: أشعت رأس، وشنباء أنياب.
وهذا عندنا أيضا ليس من قبيل ما انتصب عن المفرد الذي عبر النحويون عنه بأنه منتصب عن تمام الاسم، وإنما هذا مما انتصب عن تمام الجملة والكلام، وقد تقدم الفرق بينهما، وهذا فاعل من حيث المعنى، تقول: زيد أشعت رأسه، وهند شنباء أنيابها، فهذا التمييز هو من التمييز المنقول من الفاعل، وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله.
وأما قوله ملآن ماء ف «ملآن ماء» هو عندنا من التمييز الذي هو فاعل من حيث المعنى، وانتصب عن تمام الجملة لا عن تمام المفرد.
وأما أحد عشر درهما فهذا مما انتصب عن تمام المفرد لا عن تمام الكلام، ولا خلاف في ذلك.
وأما أنا أكثر مالا فهو عندنا من التمييز المنقول عن المضاف، وتقديره: مالي أكثر، وهو مما انتصب عن تمام الكلام لا عن تمام الاسم.
وقال في الشرح: «ومن الممنوع الإضافة للتمييز للزوم تنوينه تقديرا أحد عشرا وبابه، وكذلك أفعل التفضيل المميز بسببي، نحو: زيد أكثر مالا، وعلامة السببي صلاحيته للفاعلية بعد تصيير أفعل فعلا، كقولك في زيد أكثر مالا: زيد كثر ماله، فإن لم يصلح ذلك تعينت الإضافة، كقولك: زيد أكرم رجل» انتهى.
والذي أقول: إنه ليس في أحد عشر ولا في «أنا أكثر» تنوين مقدر البتة، فالذي منع الصرف منع منه التنوين، فكيف يقال: إن فيه تنوينا مقدرا؟ وكذلك أحد عشر مبني ومحكوم له بأنه اسم واحد، والتنوين الذي هو فيما يقابله هو تنوين الأمكنية، فكيف يقال: إن فيه تنوينا مقدرا؟
وقوله أو يكون نون تثنية مثالة: رطلا زيت.
وقوله أو جمع تصحيح مثاله: هم حسنو وجوه، وذلك على ما قال في أن مثل هذا تمييز عن المفرد لا عن الجملة.
وقال المصنف في الشرح: «ومما لا يضاف إلي مميزه عشرون وأخواته، فلا يقال: عشرون درهم، بل عشرون درهما، هذا هو المشهور.
وحكي الكسائي أن من العرب من يقول: عشرون درهم».
وبعض النحويين قاس على هذا الشاذ، فأجاز: عشرو درهم، وكذلك العقود بعدها.
وقوله أو مضافاً إليه صالحا لقيام التمييز مقامه قال المصنف في الشرح:
«فإن كان أفعل مضافا إلي جمع بعده تمييز لا يمتنع بعده مكانا أفعل جاز بقاؤهما على ما كان عليه، وجاز حذف الجمع والإضافة إلي ما كان تمييزا، كقولك: زيد أشجع الناس رجلا» انتهى.
واحترز بقوله «صالحا لقيام التمييز مقامه» من مضاف إليه لا يصلح إن حذف أن يقوم التمييز مقامه، مثاله: زيد لله /دره رجلا! ويا ويحه رجلا! لو حذفت المضاف إليه لم يصلح التمييز لقيامه مقامه، فلا يجوز حذفه وجر ما بعده، لا يجوز: لله در رجل، ويح رجل.
وأما قول المصنف في الشرح «إن كان أفعل مضافا» إلي آخر كلامه، وتفسيره قوله «أو مضافا إليه صالحا لقيام التمييز مقامه» بقولك: زيد أشجع الناس رجلا، فيقرهما على ما كان عليه من إبقاء المضاف إليه ونصب التمييز، أو يحذف الجمع، ويضيف إلي ما كان تمييزا - فتخليط فاحش وسؤ فهم؛ لأنك إذا قلت زيد أشجع رجل فليس رجل هنا في هذا التركيب هو الذي كان في: زيد أشجع الناس رجلا، فحذفت الناس، وأضفت أشجع إلي تمييزه، بل لم يكن هذا تمييزا البتة، وإنما هو اسم مفرد قام مقام الجمع، والمعنى: زيد أشجع الرجال، فليس التمييز ل «أشجع»، ألا ترى أنه يجوز أن تأتي بالتمييز بعده، فتقول: زيد أشجع رجل قلبا، وأحسم رجل وجها، ولو كان هو التمييز لم يجز أن يكون لأشجع ولا لأحسن تمييزان اثنان.
وقال س في أثناء باب الصفة المشبهة: «فإن أضفت، فقلت: هذا أول رجل - اجتمع فيه لزوم النكرة وأن يلفظ بواحد، وذلك أنه إنما أراد أن يقول: أول الرجال، فحذف استخفافا واختصارا، كما قالوا: كل رجل، يريدون: كل الرجال فكما استخفوا بحذف الألف واللام استخفوا بترك بناء الجميع، واستغنوا عن الألف واللام بقولهم: خير الرجال: وأول الرجال».
وقال س أيضا في باب كم، وقد ذكر تمييزها، فقال: «لو قلت كم لك الدرهم لم يجز كما لم يجز في قولك عشرون الدرهم، لأنهم إنما أرادوا عشرين من الدراهم.
هذا معنى الكلام، ولكنهم حذفوا الألف واللام، وصيروه إلي الواحد، وحذفوا من استخفافا، كما قالوا: هذا أول فارس في الناس، وإنما يريدون: هذا أول من الفرسان» انتهى.
وتبين من كلام س أن المجرور هو المفضل عليه زيد، لأنك إذا قلت زيد أشجع رجل فمدلوله: أشجع الرجال، فهو مفضل عليهم، ولذلك قدره س مرة بالجمع المعرف مضافا إليه أفعل، فقال: أول الرجال، وتارة قدره بالجمع المعرف مجرورا بمن، فقال: أول من الفرسان، وأتضح أن المجرور المفرد هو بمعنى الجمع المعرف، وهو المفضل عليه من سبق ذكره، والمفضل عليه لا يكون هو التمييز.
وقوله في غير ممتلئين أو ممتلئين غضبا قال المصنف في الشرح: «ومما لا يضاف ممتلئان وممتلئون ونحوهما.
والعلة في ذلك مفهومة مما ذكر في ممتلئ وملآن» انتهى.
هذا بناء منه على ما قال: إن مثل ما هو من تمييز المفرد المعبر عنه في الاصطلاح بأنه منتصب عن تمام الاسم.
وفهم العلة هو أنه - عنده - مضاف من حيث المعني، أي: ممتلئا الأقطار، او: ممتلئو الأقطار غضبا.
وسيأتي كلام أصحابنا فيما خالفهم فيه المصنف وقال: إنه تمييز عن مفرد، وهم / يقولون إنه تمييز عن جمله، في الفصل بعد هذا، إن شاء الله.
-[ص: وتجب إضافة مفهم المقدار إن كان في الثاني معني اللام، وكذا إضافة بعض لم تغير تسميته بالتبعيض، فان تغيرت به رجحت الإضافة والجر علي التنوين والنصب، وكون المنصوب حينئذ تمييزا أولي من كونه حالا، وفاقا لابي العباس.
ويجوز إظهار من مع ما ذكر في هذا الفصل إن لم يميز عددا، ولم يكن فاعل المعني.]-
ش: المقادير اذا يراد بها الآلات التي يقع بها التقدير فلا يجوز إلا اضافتها،
نحو: عندي منوا سمن، وقفيز بر، وذراع ثوب، تريد الرطلين اللذين يوزن بهما السمن، والمكيال الذي يكال به البر، والآلة التي يذرع بها الثوب فإضافة هذا النوع علي معني اللام لا علي معني من.
وأفهم كلام المصنف أنه إذا لم يكن في الثاني معني اللام لا تجب الإضافة، وتحت نفي وجوب الإضافة المنع والجواز، ففي هذا المفهوم الهام، فكان ينبغي أن يبين الحال في المميز والمميز، لكنه قال في الشرح ما نصه: «لي ظرف عسل، وكيس دراهم، تريد ظرفا يصلح للعسل، وكيسا يصلح للدراهم، فالإضافة في هذا النوع متعينة، فلو اردت عسلا يملأ ظرفا، ودراهم تملا كيسا - جاز لك أن تضيف وتجر، وأن تنون وتنصب» انتهى.
وفي البسيط: «لا يكون النصب إلا اذا كان الأول مقدار: كيلا، وزنا، أو ما في حكمهما، ونويت فيه ذا المقدار، فان نقص أحدهما لم يجز النصب، والمقدار كالمثقال، والرطل، والكر، وعدل كذا، ووزن كزا، ونحوه.
وقد تنزل أشياء منزله المقادير وإن لم تكن مقادير، نحو: عندي بيتان تبنا، وحزمتان بقلا، وجبتان حزا، وخاتمان ذهبا، لا تنصب الا حين ترد مقدار الجبتين من الخز، والخاتمين من الذهب، ولو أردت نفس ذلك لخفضت، كقولك: ما فعلت جبة الخز؟ وما فعلت جبتك الخز؟ اتباعا، إلا أن تقطع كالنعت والحال.
وتقول: عندي قضيبان عوسج وشوحط، ترفع لأن القضيب وما أشبهه ليس مقدارا لشيء، فان نويت قدر قضيبين من ذلك جررت ذلك» انتهى.
وقال أصحابنا: اذا أريد بالآلات الأشياء المقدرة بها جاز أربعه أوجه:
أحدها: نصب ما بعدها على التمييز.
وجاز النصب لأن الأصل في عندي رطل زيتا: عندي مقدار رطل زيتا، وكذلك في: قفيز برا، وذراع ثوبا، واضافه «مقدار» إلى تمييزه لا تمكن لحجز المضاف بينهما، فلما تقرر النصب لما ذكرناه حذفوا المضاف الذي هو مقدار، وأقاموا ما كان مضافا اليه مقامه، فأعربوه بإعرابه، وأبقوا النصب في التمييز علي ما كان عليه في الأصل.
الوجه الثاني: الإضافة علي معني من، لأنه بعض ما أضيف اليه، وذلك أن القفير والرطل والذراع انما يراد بها المقدار المحذوف، وليس لها في اللفظ ما يمنعها من الإضافة ويحجز عنها، فأوثرت الإضافة على النصب.
الوجه الثالث: جعل ما بعد المقادير صفة لها، فتعرب بإعرابها، وهو قول س، وضعفه، تقول: عندي / منوان سمن، وقفيز بر، وذراع ثوب.
وهذا الوجه ضعيف لأن أسماء الأجناس جوامد، والجامد لا يوصف به الا بعد أن تتكلف تضمينه معني المشتق، وذلك قليل فيه.
انتهى.
وقال ابن السراج: ويجوز أن تقول: عندي رطل زيت، وخمسه أثواب، ولي مثله رجل، علي البدل.
الوجه الرابع: نصبه علي الحال، ويكون أيضا في هذا الوجه قد ضمن معني المشتق كما كان في الصفة.
قيل: وحسن وقوع الحال بعد النكرة كونه غير وصف في الأصل، نحو: مررت بماء قعده رجل، ووقع أمر فجاءة.
واعلم أن انتصاب التمييز عن تمام الاسم في الأعداد والمقادير انما يكون اذا تعذرت الإضافة، فان لم تتعذر لم يجز النصب لأن النصب في هذا الباب ضعيف لكونه في خامس رتبه من الفعل، لأن النصب بعدها مشبه بنصب أفعل من، وأفعل من مشبه بالصفة المشبهة، وهي مشبهة باسم الفاعل، وهو مشبه بالفعل، فلا يتكلف النصب الا عند تعذر الإضافة، تقول: ثلاثة أثواب، ومئة ثوب، وألف درهم، ولا يجوز التنوين والنصب الا في اضطرار الشعر.
وانما نصبو في عشرين وأحد عشر وبابهما لأن الأصل: من الرجال، واختصروا تخفيفا بحذف (من) و (أل)، واجتزائهم بالمفرد المراد به الجنس عن الجمع اذ يدل علي ما يدل الجمع، وهو أخف، ونصبوه.
ولم يجيزوا: عشرو رجل، ولا أخد عشر رجل، لأن الإضافة علي معني من، ولو صرحت ب «من» عاودت الأصل، وهو الجمع بأل، فكما امتنع دخول من على المفرد امتنعت الإضافة اليه لأنه مفرد.
وجاز النصب في «رطل سمنا» باعتبار أن الأصل: مقدار رطل سمنا، وتقدم تقرير ذلك.
فرع: اذا كان المقدار مختلطا من الجنسين فقال الفراء: لا يجوز عطف أحدهما علي الاخر، بل تقول: عندي رطل سمنا عسلا، اذا اردت ان عندك من السمن والعسل مقدار رطل، لأن تفسير الرطل ليس السمن وحده ولا العسل وحده، وانما هو مجموعهما، فجعل سما عسلا اسما للمجموع علي حد قولهم: هذا حلو حامض.
وذهب غيره الي العطف بالواو، وتكون جامعة، والواو الجامعة تصير ما قبلها وما بعدها بمنزلة شيء واحد، ألا تري انك تقول: هذان زيد وعمرو، فصيرت الواو الجامعة زيدا وعمرا خبرا عن هذان، ولا يمكن أن يكون زيد على انفراده خبرا، وعمرو خبر اخر عطف عليه، لأن كلا منهما مفرد، وهذان مثنى، والمفرد لا يكون خبرا عن المثنى.
وكذلك: زيد وعمرو قائمان، الواو جامعة، لا يجوز أن يكون زيد مبتدأ علي انفراده، وعمرو معطوف عليه، لأن كلا منهما مفرد، ولا يكون المثنى خبرا عن المفرد.
قال بعض أصحابنا: وكلا القولين سائغ عندي.
وقوله وكذا إضافة بعض لم تغير تسميته بالتبعيض يعني أنه تجب إضافته، ومثل ذلك المصف في الشرح يجوز قطن، وحب رمان، وغصن ريحان، وتمره نخله، وسعف مقل، قال: «فهذا النوع إذا ميز بما هو منه فلا بد من إضافته إليه، لأن اسمه/ الذي كان له غير مستبدل به».
وقال ابن السراج: «إذا قلت ماء فرات، وتمر شهريز، وقضيبا بان، ونخلتا برني - فذلك ليس بمقدار معروف مشهور، وكلام العرب (الخفض)، والاختيار فيه الإضافة أو الإتباع، ولا يجوز فيه التمييز إذا لم يكن مقدارا».
وقوله فإن تغيرت (به) رجحت الإضافة والجر علي التنوين والنصب إلى قوله لأبي العباس مثله المصنف في الشرح بجبة خز، وخاتم فضة، وسوار ذهب، قال: «فإن أسماءها حادثة بعد التبعيض والعمل الذي هيأها بالهيئات اللائقة بها، فلك في هذا النوع الجر بالإضافة، والنصب علي التمييز أو علي الحال، والثاني هو ظاهر قول س، وقد تقدم في باب الحال بيان شبهة س في جعله حالا، والأول قول أبي العباس، وهو أولي لأنه لا يحوج إلي تأويل.
مع أن فيه ما في المجمع علي كونه تمييزا، بخلاف الحكم بالحالية، فإنه يحوج إلي تأويل بمشتق مع الاستغناء عن ذلك، ويحوج إلي كثره تنكير صاحب الحال، وكثرة وقوع الحال غير متنقلة، وكل ذلك علي خلاف الأصل، فاجتنابه أولي.
فلو كان ما قبل خز وفضة معرفو رجحت الحالية، وقد تقدم ذلك في باب الحال» انتهى.
وهذا الذي ذكره المصنف في الفص والشرح غير موافق عليه، بل في ذلك تفصيل: قال بعض اصحابنا: «إذا قلت عندي جبة خز فإما أن تريد أن عندك مقدار جبة او الجبة نفسها التي نسجت من الخز:
فإن أردت الأول كان بمنزلة: عندي رطل سمنا، تجوز فيه الأربعة الأوجه: الجر بالإضافة، والنصب علي التمييز، أو الحال، أو التبعية علي الوصف.
وإن أردت الثاني فالجر بالإضافة.
ولا يجوز النصب علي التمييز، بل إن جاء منصوبا فعلي الحال، وذلك لما تقدم من أنه لا يجوز النصب علي التمييز في هذا الباب إلا إذا تعذر الخفض في لفظ المسألة أو في أصلها، وخفض خز في هذه المسالة علي هذا التقدير بإضافة جبة إليه غير متعذر لا في اللفظ ولا في الأصل، لأنه لا تقدر علي هذا المعني إضافة مقدار إلي جبه، لأنه ليس عندك مقدار جبة، وإنما عندك الجبة بنفسها، وإذا لم يكن الأصل عندي مقدار جبة لم يكن في المسألة ما يمنع من الإضافة، ولهذا حمل س انتصاب خز في قول العرب عندي جبة خزا علي الحال، ولم يجعله علي التمييز، وخالفه في ذلك المبرد، وزعم أن انتصابه علي التمييز.
والصحيح ما ذهب إليه ما س من أه منصوب علي الحال للعلة التي ذكرناها، ويكون إذ ذاك متضمنا معني المشتق، والعامل فيه ما في عندي من معني الفعل» انتهى.
فعلى ما قاله هذا القائل لا يجوز في جبة خز، ولا سوار ذهب، ولا خاتم فضة - النصب علي التمييز إذا أريد بذلك أن الجبة منسوجه من الخز، وأن السوار مصوغ من الذهب، وأن الخاتم مصوغ من الفضة، وانما يجوز ذلك إذا أريد أن عنده من الخز مقدار جبة، ومن / الذهب مقدار سوار، ومن الفضة مقدار خاتم، وهذا مخالف لما قرره المصنف.
ويجري إذ ذاك جبة خز وبابه مجري رطل زيت في التقسيم، إن أريد بها الآلات فالجر بالإضافة، أو المقادير فالوجوه الأربعة.
وفي الإفصاح: «ينون الأول، وينصب الثاني، وهو كثير، يعني في: ثوب خزا، ونحوه.
ومذهب أبي العباس أنه تمييز، و (س) يجعله حالا، وهو الصحيح، لأنه يوصف به بدليل رفعه السبب.
وإذا أتبع فقول س إنه صفة، وضعفه س، وذكر أن من العرب من يرفع به، فيقول: (مررت) بسرج خز صفته، وبكتاب طين خاتمه.
وجعله غيره عطف بيان، وهو قول أبي العباس، والزجاجي.
وقد قيل: إنه بدل، قال ابن هشام: وفيه نظر، لأن الثاني أعم من الأول بوجه، والأول أعم بوجه اخر، إذ ليس كل باب ساجا ولا كل ساج بابا، وهو جائز عندي علي حذف مضاف، أي: هذا باب (باب) ساج».
وقوله ويجوز إظهار من مع ما ذكر في هذا الفصل يعني أنك تقول: ملء الأرض من ذهب، وإردب من قمح، وجمام المكوك من دقيق، ولي أمثالها من إبل، وغيرها من شاء، وويحه من رجل، ولله دره من فارس، وحسبك به من رجل، وأبرحت من جار، وما أنت من فارس، قال:
يا سيدا! ما أنت من سيد... موطأ الأكناف رحب الذراع
وكذلك ما ذكرناه نحن، تقول: ويلمه من مسعر حرب، ويا طيبها من ليلة، ويا لك من رجل، قال:
فيا لك من ليل، كأن نجومه... بكل مغار الفتل شدت... بيذبل
وناهيك من رجل، وما في السماء موضع راحه من سحاب، وعليه شعر كلبين من دين، وممتلئ من ماء.
ولم يبين المصنف ما معنا «من» التي تظهر مع ما ذكر في هذا الفصل من المقادير وما اشبهها، واختلف النحويون فيها:
فذهب بعضهم إلي أنها للتبعيض، ولذلك لم تدخل علي التمييز المنقول عنه الفعل، لأنه ليس أعم من المبهم الذي أتي به لتفسيره، فإذا قلت طاب زيد نفسا فـ «نفسا» ليس أعم من المبهم الذي انطوت عليه الجملة، وإذا لم يكن أعم لم تدخل عليه من التي معناها التبعيض.
وقال الأستاذ أبو علي: ويمكن أن تكون (من) الداخلة علي التمييز بعد المقادير وما أشبهها زائده عن س كما زيدت في «ما جاءني من أحد»، لأنه جعل من في قوله «ويحه من رجل» موكده لمعني التبعيض، وشبهها في ذلك بقولهم: ما جاءني من أحد.
قال: «إلا أن المشهور من مذهب النحوين ما عدا الأخفش أن من لا تزاد إلا في غير الواجب».
قال ابن عصفور: «والصحيح عندي أنها ليست بزائده، لأن الاسم المنتصب بعد المقادير وما اشبهها يحتمل أن يكون حالا وأن يكون تمييزا، فإذا أتيت، (من) كان المعني معني التمييز لا الحال، لأن من لا تدخل علي الحال، فلما كانت من تعطي ما لا يعطيه النصب - وهو النص علي إرادة معني التمييز والتبيين - لم يجز جعلها زائده، لأن الزائد هو الذي يكون معني الكلام في حال ثبوته وسقوطه واحدا».
وقال ابن عصفور أيضا: «من هذه مؤكده لمعني التبعيض، وذلك أنك إذا قلت: عندي راقود خلا، ولي مقله رجلا، وعندي ذراع ثوبا، فمثله والذراع والراقود بعض هذه الاجناس المنتصب علي التمييز، فإذا أتيت بـ (من) كانت مؤكدة لمعني التبعيض المفعوم قبل الإتيان به، كما أن (من) في قولك ما جاءني من أحد مؤكده لمعني التبعيض الذي كان يعطيه الكلام قب دخول من، ألا تري أن المراد بقولك «ما جاءني أحد» نفي مجيء كل أحد من الناس منفرجا أو مع غيره، وبذلك حصل في هذا الكلام معني النفي العام، إذ لو كان المراد نفي مجيء الناس كلهم لم يلزم من ذلك نفي مجيء بعضهم، وإذا كان المعني علي ما ذكرناه فالموضع موضع تبعيض، لأن كل واحد من الناس بعض الناس، فأتي بـ (من) لتأكيد ما في الكلام من معني التبعيض».
وقوله إن لم يفسر عددا أي: فلا تدخل عليه من، نحو: أحد عشر درهما، وعشرين رجلا، فلا يجوز: من درهم، ولا: من رجل.
ويعني بذلك إذا بقي علي إفراده، فإن جمعته لزمته من والتعريف، فتقول: قبضت أحد عشر من الدراهم، ورأيت عشرين من الرجال.
وإنما لم تدخل من علي تمييز الأعداد وهو مفرد لأن التمييز إذ ذاك لا يحتمل معنيين قبل دخول من، فيكون دخولهما مبينا أن المراد أحد المعنيين، كما كان ذلك في المقادير وفي كم، فإذا أدخلت من علي ما يبين الأعداد رددت الكلام إلى الأصل، فجمعت المبين، وعرفته بأل، ولم يكن إذ ذاك تمييزا لأنه معرفه، والتمييز لا يكون معرفه، فالذي بقي علي إفراده إذا دخلت عليه من في هذا الباب هو تمييز كم، وكل تمييز يجوز فيه أن ينتصب علي الحال، نحو: لي مثله فارسا، ولله دره عالما، وويحه راكبا، وعندي راقود خلا، وما أشبه ذلك.
وقوله ولم يكن فاعل المعني قال المصنف في الشرح: «نحو: زيد أكثر مالا، وطيب نفسا بتفجر أرضه عيونا» انتهى.
وهذا بناء منه علي ما قرره من أن التمييز في هذه المثل ونحوها هو تمييز مفرد لا تمييز جمله، وسيبين في الفصل بعد هذا أن مثل هذا مندرج تحت تمييز الجملة لا تحت تمييز المفرد.
وفي كلامه مناقشتان:
إحداهما: أن قوله «فاعل المعني» ليس بجيد، لأن مقله أفعل التفضيل، فإذا قلت: زيد أكثر مالا، وأحسن وجها - فمالا ووجها ليسا فاعلين في المعني، إذ لا يتقدر بـ «كثر ماله» ولا بـ «حسن وجهه»، لأن كثر يدل علي مطلق الكثرة، وكذلك حسن، وأكثر وأحسن يدلان علي الأكثرية والأحسنية، ولم تبن العب فعلا يدل علي هذا المعني، فليس لنا لفظ فعل يتضمن / معني أفعل التفضيل، فلا يصح أن يقال إنه فاعل المعني، إذ لا فعل له، ولذلك ذهب بعض النحويين إلى أن هذا التمييز غير مقول لا من فاعل ولا من مفعول، وسيأتي إن شاء الله.
المناقشة الثانية: أن من مثل المصنف في ضرحه: هو مسرور قلبا، وقلبا ليس فاعلا، فعلي ظاهر كلامه يجوز أن تدخل عليه من، ولا يجوز ذلك، وقلبا هو مفعول (لما) لم يسم فاعله، لكنه قد يكون عني: ولم يكن فاعل المعني ولا نائبا عنه.
وأما تمثيله بقوله «طيب نفسا بتفجر أرضه عيونا»
فهذا فاعل في المعني، إذ كان قبل صيرورته تمييزا: طيب نفسه بتفجر عيون أرضه، ف (عيون) و (نفس) حالة التمييز فاعلان من حيث المعنى.
وقد ضبط بعض أصحابنا ما تدخل عليه «من» وما لا تدخل، فقال: «إن كان التمييز جنسا بقي علي لفظه، نحو: ملؤه عسلا، ويجوز: من عسل.
أو غير جنس - وكان مما لا يجوز جمعه - فكذلك، نحو: لي مقله خيرا منك، ومن خير منك أو جاز جمعه والمفسر واحد فكذلك نحو: لي مقله عبدا، ولله دره فارسا، ومن عبد، ومن فارس، حافظوا علي المشاكلة.
أو جمع غير عدد جاز جمعه وإفراده، نحو: لي ملء الدار من عبد، ومن العبيد، وعبدا، وعبيدا، أو عدد غير (كم) انتصب مفردا، ودخلت من مردودا إلي الجمع المعرف بأل ونحو: عشرين درهما، أو: من الدراهم رفضت الأصل حين نصبت، ولم ترفضه في: لي ملء الدار رجالا، أو (كم) خبريه فيجوز فيها مع من الإفراد والجمع، أو استفهامية فالإفراد» انتهى ملخصا.
-[ص: فصل مميز الجملة منصوب منها بفعل يقدر غالبا إسناده إليه مضافا إلي الأول، فإن صح الإخبار به عن الأول فهو له أو لملابسه المقدر، وإن دل الثاني علي هيئة وعني به الأول جاز كونه حالا، والاجود استعمال (من) معه عند قصد التمييز.]-
ش: قال المصنف في الشرح: «المراد بمميز الجملة ما ذكر بعد جملة فعلية مبهمة النسبة، نحو: طبت نفسا، واشتعل رأسي شيبا، ﴿وفجرنا الأرض عيونا﴾ وامتلأ الكوز ماء، وكفي الشيب ناهيا.
وإنما أطلق مميز الجملة علي هذا النوع خصوصا - مع أن كل تمييز فضله علي جمله - لأن لكل واحد من جزأي الجملة في هذا النوع قسطا من الإبهام يرتفع بالتمييز، بخلاف غيره، فإن الإبهام في أحد جزأي جملته، فاطلق علي مميزه مميز مفرد، وعلى تمييز هذا النوع مميز جملة» انتهى.
وهذا الذي شرطه المصنف في مميز الجملة أن يكون بعد جملة فعليه لم يشترطه النجاة، بل ذلك عندهم يكون بعد جمله فعليه، او جملة اسمية، أو اسم فعل، فمثل: زيد طيب نفسا، وأكثر مالا، ومسرور قلبا، وممتلئ غضبا، ومتفقئ شحما، وسرعان ذا إهالة، والزيدان حسان وجوها، والزيدون حسنون وجوها - كل هذا من قبيل ما انتصب عن الجملة، وهو الذي يعبرون عنه بأنه انتصب عن تمام الكلام.
ولما أخذ المصنف في تمييز الجملة شرط الفعل جعل هذه الأمثلة جميعها / من قبيل تمييز المفرد، ولا نعلم له سلفا في هذا الاصطلاح.
وتعليله تمييز الجملة يقتضي
اشتراك الجملة الاسمية مع الجملة الفعلية في ذلك، وهو قوله «لأن لكل واحد» إلي آخره.
وقد ذكر شيوخنا تقسيم التمييز إلى ما هو منتصب عن تمام الكلام، وهوما كان واقعا بعد فعل، أو اسم فيه معني الفعل، نحو الصفة المشبهة باسم الفاعل وأفعل من، وتأتي تقاسيمه.
ومنتصب عن تمام الاسم، وهو الذي يأتي بعد الأعداد والمقادير من المكيل والموزون والمسموح وما شبه بها، وذكروا أن هذا يكون تفسيرا لاسم مبهم قبله.
وأن الذي عن تمام الكلام يكون مفسرا لما انطوي عليه الكلام الذي قبله.
وملخص ما ذكروه أن هذا مبهم في النسبة، وذلك مبهم في الجزء لا في النسبة، وإذا فهم هذا المعني لم يكن لما قاله المصنف وجه، ولا لما اصطلح عليه وحده، إذ صار فيما اصطلح عليه أنه تفسير للمفرد تخليط في المعني، إذ جمع فيه بين ما الإبهام فيه من جهة النسبة بين ما الإبهام فيه من جهة الجزء، وفيما اصطلح عليه من تمييز الجملة قصور، إذ خص إبهام النسبة بالجملة الفعلية، وهو معنى تشترك فيه الجملة الاسمية والجملة الفعلية.
وقوله منصوب منها بفعل أي: منصوب من الجملة بفعل، هذا علي ما اختاره.
وأما اصحابنا فيقولون: منصوب بعد فعل أو مصدر ذلك الفعل أول ما اشتق منه من وصف، نحو: اشتعل الرأس شيبا، وزيد طيب نفسا، ومسرور قلبا، وأكثر مالا، وأفره عبدا.
ونصبه بالفعل أو ما جري مجراه من المصدر والوصف واسم الفعل، كقولهم: سرعان ذا إهالة، هذا مذهب س، والمازني، والمبرد، والزجاج، والفارسي.
قال ابن عصفور: وذهب المحققون إلي أن العامل فيه هو الجملة التي انتصب عن تمامها لا الفعل ولا الاسم الذي جري مجراه.
وإليه ذهب ابن عصفور، قال: والدليل علي ذلك شيئان:
أحدهما: أنا وجدنا المنتصب عن تمام الكلام قد لا يتقدمه فعل ولا اسم يجري مجراه، نحو قوله: داري خلف دارك فرسخا، وليس فرسخا من قبيل ما انتصب عن تمام الاسم، فلا تنصبه داري لأنها ليست الفرسخ، ولا خلف لأن الخلف ليس بالفرسخ، إذ الخلف ليس له مقدار يحصره، والفرسخ معلوم المقدار، وإنما هو تفسير لما انطوى عليه الكلام من المسافة، فبينت بهذا التمييز.
والآخر: أنه قد يكون في الكلام فعل، ولا يكون طالبا للتمييز، حو: امتلأ الإناء ماء، فليس الماء تبيينا للفعل ولا لمعموله الذي هو الإناء، وإنما هو تفسير لما انطوي عليه الكلام، ألا تري أنه إذا قلت «امتلأ الإناء» علم أن له مالئا إلا أنه لا يدري ما هو ففسرته بقولك ماء» انتهى ملخصا.
وقد ينازع في هذين الدليلين:
أما الأول فقد يدعي أن هذا المقال من قبيل ما انتصب عن تمام الاسم، وهو شبيه بقولهم: لي مثله فارسا، لأنه لما قال «لي مثله» انبهمت المثلية، ففسرت