التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيلصفحات 101-140

وقوله دون اشتراط تأخير الضمير، خلافًا للفراء المنقول عن الفراء أنه لا يجيز كل مسألة تؤدي إلى الإضمار قبل الذكر في مرفوع أو إلى حذف المرفوع، فلا يجيز: ضربَني وضربتُ زيدًا؛ لأنك أضمرت في ضربَني مرفوعًا أو حذفته، وإنَّ ذلك ليس مسموعًا من كلام العرب، وأمّا مثل قامَ وقعدَ زيدٌ فقد تقدم قبلُ أنَّ مذهبه فيه أنَّ زيدًا مرفوع بالفعلي معًا، فلا إضمار في الأول، ولا حذف لمرفوع.
ورددنا عليه ذلك.
ويجب عند الفراء/ في مثل ضربَني وضربتُ زيدًا إعمال الأول [3:118/أ] ليخلص بذاك من حذف الفاعل ومن إضماره قبل الذكر.
قال شيخنا بهاء الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن النحاس: "لم يرو أحد من العلماء المتقدمين - فيما علمت- في مثل هذه المسألة عن الفراء إلا إيجاب إعمال الأول.
وروى جمال الدين محمد بن مالك صاحبنا، رحمه الله- يعني المصنف- أن الفراء في مثل هذه المسألة يجيز إعمال الثاني في الظاهر، ويضمر في الأول كما يقول س وأصحابه، لكنه إذا أضمر في الأول أوجب أن يكون الضمير بارزًا بعد الثاني ومعمولة، فتقول مثلًا: ضربني وضربت زيدًا هو، وضربني وضربت الزيدين هما.
ولم أقل على هذا النقل عن الفراء من غير كلام ابن مالك، وهو الثقة فيما ينقل.
وكذلك أصحابنا نقلوا أنّ الفراء يمنع، ولم يذكروا أن المسألة تصح عند الفراء بشرط تأخير الضمير، إلا أنّ بعض متأخري أصحابنا قال: وقد رأيت مَن حكى عن الفراء أنه يُعمل الأول، أو يضمر الفاعل بعد الجملة المعطوفة" انتهى.
واستدلوا على بطلان ما ذهب إليه الفراء بقول الشاعر:

وكُمتًا مُدَمّاةً، كأنَّ مُتُونَها جرى فوقَها واستَشعَرَتْ لونَ مُذهَبِ ففي جرى ضمير هو فاعل، ويفسره منصوب استشعرت، وهو: لون مذهب، هكذا أنشده س وغيره بنصب لون مذهب، ولا تُدفع هذه الرواية برواية الفراء وإنشاده بالرفع، وسيأتي أيضًا النص عن العرب بتصريح الإضمار قبل الذكر في صورة المسألة إن شاء الله.
وفي البسيط: حكي عن الفراء أنَّ مثل ضربَني وضربتُ زيدًا يقصره على السماع، ولا يجعله قياسًا.
وقوله ولا حَذفِه، خلافًا للكسائي ذهب الكسائي إلى أنَّ الفاعل محذوف، وقد تقدم ذكر دليله على جواز حذف الفاعل في باب الفاعل.
وأما في صورة المسألة هنا فاستدلوا له على حذف الفاعل بقوله: لو كانَ حَيَّا قَبَلهُنَّ ظَعائنًا حَيَّا الحَطيمُ وُجُوهَهُنَّ وزَمْزَمُ وبقول الآخر: تَعَفَّقَ بالأَرطَى لها، وأَرادَها رِجالٌ، فبَذَّتْ نَبلَهُمْ وكَليبُ

وقول الآخر: وهل يَرجِعُ التَّسليمَ أو يَكشِفُ العَمَى لاثُ الأَثافي والرُّسومُ البَلاقِعُ

ويتعين على هذا أن تكون هذه الأبيات من إعمال الثاني؛ إذ لو كانت من إعمال الأول/ لأضمر في الثاني ما يحتاجه، فكان يقول: حَيَّيَا الحَطيمُ وُجُوهَهُنَّ [3: 118/ ب] وزَمزَمُ، وكان يقول: وأرادوها رجالٌ، وكان يقول: أو تكشفُ أو يَكشِفنَ العَمى، فلمَا صحَّ أنها على إعمال الثاني، والأول طالب مرفوع، ولم يبرز الضمير، فيقول: حيَّيَا قبلهن، ولا: تَعَفَّفُوا بالأرطى، ولا: وهل ترجع أو يرجعن- دلَّ على أنه محذوف لا مضمر.
وممن ذهب إلى مذهب الكسائي من الكوفيين هشام، ومن أصحابنا أبو زيد السهيلي وأبو جعفر بن مضاء صاحب كتاب "المشرق".
وقال ابن مضاء: وهو أقيس من مذهب س في أنه مضمر؛ لأنَّ الإضمار قبل الذكر خارج عن الأصول.
وردُّوا على الكسائي في دعواه أنَّ الفاعل يحذف بما تقدم في باب الفاعل، وتأولوا هذه الأبيات على أنه عاد الضمير فيها على المثني والمجموع كما يعود على المفرد، فمِمّا عاد على المثنى كما يعود على المفرد قولُه: لِمَن زُحلُوقةٌ زُلٌّ بِها العَينانِ تَنهَلٌّ وقولُ الآخر: ولو بَخِلَت يَدايَ بِها وضَنَّتْ لَكانَ عليَّ لِلقَدَرِ الخِيارُ وقولُ الآخر:

فكأنَّ في العَينَينِ حَبَّ قَرَنفُلٍ أو سُنبُلًا كُحِلَتْ بهِ فانهَلَّتِ فلم يقل: تنهَلّان، ولا: وضَنَّتا، ولا: كُحِلَتا.
ومما عاد على المجموع كما يعود على المفرد قولهم: هو أحسنُ الفتيان وأجملُه، وأحسنُ بني أبيه وأَنبَلُه، وقولُه تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾، وقال الشاعر: أَلْبانُ إبْلِ تَعِلَّةَ بْنِ مُسافِرٍ ما دامَ يَمْلِكُها عَلَيَّ حَرامُ وطَعامُ عِمْرانَ بْنِ أَوفَى مِثلُهُ ما دامَ يَسْلُكُ في البُطُونِ طَعامُ وقال آخر: ما دامَ يَسْلُكُ في البُطُونِ طَعامُ على عاجِزاتِ النَّهْضِ حُمرٍ حَواصِلُهْ وقال آخر: فيها خُطوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ كأنه في الجِلدِ تَتليعُ البَهَقْ وفي الأثر: (خيرُ النساء صَوالحُ نساءِ قُريش، أَحْناه على وَلَدٍ، وأَرْعاه على زَوجٍ في ذاتِ يَدِه)، فلم يقل: وأَجمَلُهم، ولا: وأَنبَلُهم، ولا: مِثلُها أو مِثلُهن،

ولا: ما في بطونها، ولا: حواصِلُها أو حواصِلُهنَّ، ولا: كأنَّها أو كأنَّهنَّ، ولا: أَحْناها وأَرْعاها أو أَحْناهنَّ وأَرْعاهنَّ.
وقد أجاز س: ضربَني وضربتُ قومضك، بنصب قومك على إعمال/ الثاني [3: 119/ أ] والإضمار في ضربني ضمير مفرد، كأنه قال: من ثَمَّ، واستقبحه، وخرّجه على قولهم: هو أحسنُ الفتيانِ وأَجمَلُه، ونَصَّ على عدم القياس في: هو أحسنُ الفِتيانِ وأجمَلُه (. قال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: "الذي يدل على صحة مذهب س أنه قد حكى من كلام العرب: ضربوني وضربتُ قومَك، وضرباني وضربتُ أخويك، وهذا لا يتخرج إلا على مذهب س، وهذه الأبيات تخرَّج على هذا، ومثل ذلك قليل، فإنَّ الفصيح من كلام العرب: ضربوني وضربتُ قومَك" انتهى.
ويعني بالأبيات ما استدلَّ به الكسائي، وبتخريجها على هذا أي: على أنه مما عاد فيها ضمير المثنى وضمير الجمع كما يعود على المفرد.
وقد نازعه الشلوبين الصغير، فقال: "هذا السماع يشهد للكسائي، وهو بيِّن، وتأويل س ومن تمذهب بمذهبه في الأبيات ضعيف، وهذه مغالبة من أصحاب س، فإنه لم ينقل س ذلك عن العرب، بل هو مثال مخرَّج على مذهب من الإضمار، يعني: ضربوني وضربتُ قومَك".
قال: "ولا يخفى عليك ضعف تأويلهم في الأبيات المتقدمة؛ لأنه خروج عن الظاهر، وغاية ما خرجوه عليه إذا وقع في موضعٍ أن يُتخيل في ذلك الموضع خاصة، ولا يُحمل عليه غيره".
انتهى.

والإنصاف في هذه المسألة أنه يجوز حذف الفاعل، ويجوز إضماره؛ لثبوت الحذف في الأبيات التي استدلَّ بها للكسائي وقوفا مع الظاهر، ولثبوت الإضمار أيضا قبل الذِّكر في لسان العرب، وبروز ذلك في التثنية وجمعي التذكير والتأنيث، وقال الشاعر: خالَفانِي، ولم أُخالِفْ خَليلَيْـ ـيَ، فلا خَيرَ في خِلافِ الخَليلِ وقال الآخر: جَفوني، ولم أَجفُ الأَخِلَّاءَ إِنَّنِي لِغَيرِ جَميلٍ مِن خَلِيليَ مُهمِلُ وقال الآخر: هَوِيَنِني، وهَوِيتُ الخُرَّدَ العُرُبا أَزْمانَ كُنْتُ مَنُوطًا بِي هَوًى وصِبا وهذا الذي ذكره المصنف من أن مذهب الكسائي في هذه المسائل حذف الفاعل موافق لما قاله جمهور النحويين من أن مذهبه فيها حذف الفاعل.
وقال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور في "شرح الإيضاح" في باب الاستثناء: "حذف الفاعل لا يجوز عند أحد من البصريين ولا عند الكوفيين، وما حكاه البصريون عن الكسائي من أنه يجيز حذف الفاعل في نحو قولك ضربني وضربت الزيدين/ باطل، بل هو عنده مضمر مستتر في الفعل، مفرد في الأحوال كلها، وجعله مضمرًا في الفعل لا يجوز لأنه ليس له ما يفسره" انتهى.
[3: 119/ ب].
وخالفَ نقله هنا ما نقل في شرح الجمل وغيره من أن مذهب الكسائي حذف الفاعل في باب الإعمال وفي غيره.

-[ص: ونحو "ما قام وقعد إلا زيدٌ" محمول على الحذف لا على التنازع، خلافًا لبعضهم.
ويُحكَم في تنازعِ أكثرَ من عاملين بما تقدَّم من ترجيحٍ بالقُرب أو السَّبق، وبإعمال الملغي في الضمير، وغير ذلك.
ولا يمنع التنازع تعدٍّ إلى أكثر من واحد، ولا كونُ المتنازعين فِعلَي تعجُّب، خلافًا لمن منع.]-

ش: يعني بقوله محمولٌ على الحذف أنه من باب الحذف العام لدلالة القرائن اللفظية عليه، وهذا التركيب مسموع من العرب، ويقاس عليه، قال الشاعر: ما صابَ قلبِي، وأَضناهُ، وتَيَّمَهُ إلا كَواعِبُ من ذُهلِ بنِ شَيبانا وقال آخر: ما جادَ رأيًا، ولا أَجْدَى مُحاوَلةً إلا امرؤٌ لم يُضِعْ دُنيا ولا دينا واختلفوا في تخريجه، فزعم بعض النحويين أنه من باب الإعمال.
وزعم بعضهم أنه ليس من باب الإعمال، وإنما هو من باب الحذف كما ذكرنا.
واختار المصنف هذا المذهب، قال المصنف في الشرح: "على تأويل: ما قام أحدٌ ولا قعد إلا زيدٌ، فحذف أحد لفظًا، واكتفى بقصده ودلالة النفي والاستثناء عليه، كما كان في: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾، ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾، ﴿وَإِنَّ مِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، وقال الشاعر: نَجا سالِمٌ، والرُّوحُ منهُ بِشِدقِهِ ولم يَنْجُ إلا جَفْنَ سَيفٍ ومِئزَرَا

فالظاهر أنه أراد: ولم ينج شيء، فحذف لدلالة النفي والاستثناء بعده على منفي عام للمستثنى وغيره" انتهى.
وليست المسألة من باب الآيات والبيت؛ لأنَّ المحذوف في الآيتين مبتدأ، وباب المبتدأ أنه مما يجوز فيه الحذف إذا دل الدليل عليه، فالتقدير: وما مِنَّا أحدٌ إلا له مقام، وإنْ مِن أهل الكتاب أحدٌ إلا ليؤمنَنَّ.
وأمَّا قوله ﴿وَإنِ مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ فليست كالآيتين؛ لأنّ ما بعد إلا هو المبتدأ، وهو قوله ﴿وَارِدُهَا﴾، لكن من حيث المعنى اشتركت الثلاثة في حذف أحد.
وأما ما قامَ وقعدَ إلا زيدٌ فهي من باب حذف الفاعل، والفاعل لا يحذف، فقد تباين البابان في المحذوف.
[3: 120/أ] وأمّا "نجا سالم" البيت، وزعمُ المصنف أن التقدير: /ولم ينجُ شيء- فليس بظاهر كما ذكر، ولم يحذف فيه الفاعل، وإنما حذفت فضلة مرادة، والتقدير: ولم ينجُ بشيء، والفاعل ضمير يعود على سالم، وعليه المعنى، وإذا حذفت الفضلة المرادة المجرورة انتصب ما بعد إلا على الاستثناء، تقول: ما مررتُ إلا زيدًا؛ لأنك أردت أنَّ اللفظ كان: ما مررتُ بأحدٍ إلا زيدًا.
وإن جعلته استثناء مفرَّغًا ولم تلحظ المحذوف جررت، فقلت: ما مررت إلا بزيد، وعلى هذا تأوَّلَ البيتَ أصحابنا لا على ما تأوَّلَه المصنف.

وقال المصنف في الشرح: "وفاعل قعد ضمير أحد المقدر، ولذلك لا يثني ولا يجمع ولا يؤنث وإن كان ما بعد إلا مثنًّى أو مجموعًا أو مؤنثًا.
وأيضًا لو كان من باب التنازع لزم في نحو ما قام وقعد إلا أنا إعادة ضمير غائب على حاضر، ولزم أن يقال على إعمال الثاني: ما قاموا وقعد إلا نحن، وعلى إعمال الأول: ما قام وقعدوا إلا نحن، وكان يلزم من ذلك إخلاء الفعل الملغي من الإيجاب؛ لأنَّ الفعل المنفيَّ إنما يصير موجبًا بمقارنة إلا لمعموله لفظًا أو معنًى، وعلى تقدير التنازع لم تقارن إلا معمول الملغي لفظًا ولا معنًى، فيلزم بقاؤه على النفي، والمقصود خلاف ذلك، فلا يصح الحكم بما أفضى إليه" انتهى.
وإذا سلم أنه حذف الفاعل- وهو أحد- فإعراب ما بعد إلا يكون على طريق البدل، فإن جعلته بدلًا من الضمير العائد على أحد المحذوف على ما زعم المصنف فلا تنصب الفعل الأول على البدل.
والذي يدل عليه المعنى أن الفعلي ينصبان على البدل، فالذي أختاره على تقدير حذف الفاعل أن المحذوف هو من الفعل الأول، وأن التقدير: ما قام إلا زيدٌ ولا قعد إلا زيدٌ، فحذف إلا زيد لدلالة إلا زيد الثاني عليه، وبذلك يصح المعنى لا بما يجعل بدلاً من أحد المحذوف أو من الضمير في قعد العائد على أحد المحذوف.
وقال بعض أصحابنا: "ما قام وقعد إلا أنت لا يكون من الباب على مذهب س؛ لأنَّ الفاعل هنا لا يصح إضماره، ولا يجيز حذف الفاعل.
ويكون من الباب على مذهبي الفراء والكسائي" انتهى.
ويعني على اختلاف في التقدير؛ إذ ما بعد إلا في مذهب الفراء مرفوع بالفعلين، فلا حذف، وفي مذهب الكسائي الفاعل محذوف إما من الأول إن أعملت الثاني، وإما من الثاني إن أعملت الأول.

[3: 120/ب] وقوله ويُحكَم في تنازع أكثر من عاملين قال المصنف في الشرح: "قد تقدمت الإشارة إلى تنازع أكثر من عاملين في ترجمة الباب، وفي الشرح لا في المتن، ونبّه عليه في هذا المكان، وما ورد منه/ فبإعمال الآخر وإلغاء ما قبله، كقولِ الشاعر: سُئِلْتَ، فلم تَبْخَلْ، ولم تُعْطِ نائلاً........................................... وقول الآخر: جِئْ، ثُمَّ حالِفْ، وثِقْ بالقومِ، إنَّهُمُ............................................. ومثله: أَرجُو، وأَخشَى، وأَدعُو اللَّهَ مُبْتَغِيًا............................................ فهذه الأبيات الثلاثة قد تنازع في كل واحد منها ثلاثة عوامل، أُعمل آخرها، وأُلغي أولها وثانيها، وعلى هذا استقر الاستعمال، ومَن أجاز إعمال غير الثالث فمستنده الرأي؛ إذ لا سماع في ذلك.
وقد أشار إلى هذا أبو الحسن بن خروف في شرح كتاب س، واستقرأت الكلام فوجدت الأمر كما أشار إليه" انتهى.
وما ذكره من تنازع أكثر من عاملين يجوِّز ثلاثة وأربعة فما زاد، والذي وقفنا عليه من المسموع إنما هو ثلاثة عوامل، وقد أشار الأستاذ أبو علي إلى ذلك، وما ذكره المصنف من أنه استقرأ الكلام فوجد على ما أشار إليه ابن خروف من أنه إذا كانت عوامل ثلاثة أُعمل آخرها، وأُلغي أولها وثانيها، وأنّ مجيز إعمال غير

الثالث مستنده الرأي لا السماع- غير صحيح، واستقراء ابن خروف والمصنف استقراء ناقص، وقد سمع في لسان العرب إعمال الأول، وإلغاء الثاني والثالث من لعامل، وشغله بما يناسب أن يشغله من الضمائر، قال أبو الأسود: كساك، ولم تستكسه، فاشكرن له... أخ لك، يعطيك الجزيل، وناصر

فهذه ثلاثة عوامل، اعمل فيها الأول الذي منع المصنف إعماله، ولذلك أضمر في كل من الثاني والثالث ما يحتاج إليه، فأضمر في تستكسه ضمير المفعول، وعدى اشكرن باللام إلى الضمير، ورفع أخ بكساك، وهو العامل الأول.
وأيضاً فمن مذهب المصنف واختياره جواز حذف الضمير إذا لم يكن مرفوعاً ما لم يمنع مانع كما تقدم، فلا يتعين أن يكون العامل في قوله: سئلت، فلم تبخل، ولم تعط نائلاً.............................

أن يكون العامل هو الثالث كما زعم المصنف؛ إذ يجوز أن يكون العامل: سئلت نائلاً فلم تبخل به ولم تعطه.
وكذلك قوله: أرجو، وأخشى، وأدعو، الله.................................

يجوز أن يكون العامل الأول، ويجوز أن يكون الثاني كما جاز ان يكون الثالث، ويكون التقدير: أرجو الله وأخشاه وأدعوه، إذا أعملت الأول، وأرجو وأخشى الله وأدعوه، إذا أعملت الثاني، فإذ ذاك لا يكون حجة للمصنف في تعيين إعمال الثالث /في هذين البيتين.... [3: 121/أ] وحكى بعض أصحابنا انعقاد الإجماع على جواز إعمال الأول والثاني والثالث قبل أن يُخلق ابن خروف وهذا المصنف؛ فثبت أن من أجاز ذلك ليس

مستنده الرأي ولا عدم السماع، بل مستنده الإجماع والسماع، لكن لا يحفظ سماعاً في إعمال الثاني وإلغاء الأول والثالث، لكن نص على الإجماع على جوازه.
وقال بعض أصحابنا: اختار البصريون إعمال الآخر، والكوفيون إعمال الأول، وسكتوا عن إعمال الأوسط واحداً كان أو أكثر.
وهذا النقل معارض بالإجماع على أنه يجوز إعمال الثاني وإلغاء الأول والثالث.
وقوله بما تقدم من ترجيح بالقرب أو السبق، وبإعمال الملغى في الضمير، وغير ذلك مثال ذلك: ضربني وضربت ومر بي زيد، فإن أعملت مر بي أضمرت فاعلاً في ضربني، وأبرزت ضمير المفعول في ضربت، فقلت ضربته.
وإن أعملت ضربني أضمرت الفاعل في ومر بي، والمفعول في ضربت، فقلت وضربته.
إن أعملت الثاني لكونه أسبق من الثالث نصبت زيداً، وأضمرت في ضربني على مذهب س، وفي مر بي، وحذفت على مذهب الكسائي، ومنعت المسألة على مذهب الفراء، إلا أن تؤخر الضمير عن امفسر، فيلزم أن يؤخر الضميران على ما نقله المصنف عن الفراء؛ إذ إصلاح المسألة هو بتأخير الفاعل عن المفسر، فعلى هذا القياس تقول: ضربني وضربت ومر بي زيداً هو هو، فيكون هو الأول فاعلاً بضربني، والثاني فاعلاً بمر بي، والتثنية والجمع والتأنيث تجري على هذا المجرى.
وقوله ولا يمنع التنازع تعد إلى أكثر من واحد قال المصنف في الشرح: ((منع بعض النحويين التنازع في متعد إلى اثنين أو ثلاثة بناء على أن العرب لم تستعمله.
وما زعمه غير صحيح؛ فإن س حكى عن العرب: متى رأيت أو قلت زيداً منطلقاً، على إعمال رأيت، ومتى رأيت أو قلت زيد منطلق، على إعمال قلت، اعني بإعمالها حكاية الجملة بها)) انتهى.

وهذا الذي ذكره حجة فيما يتعدى إلى اثنين.
ويحتاج إثبات التنازع في العامل الذي يتعدى إلى ثلاثة إلى سماع ذلك عن العرب، لكن المازني وجماعة قاسوه على ما يتعدى إلى اثنين وإلى واحد، فأجازوا فيه التنازع.
وذهب الجرمي وجماعة إلى منع التنازع فيما يتعدى إلى ثلاثة، ونقل عنه أنه يمنع ما يتعدى إلى اثنين أيضاً.
ولم يسمع عن العرب التنازع في ذوات الثلاثة في نظم ولا /نثر، وباب التنازع خارج عن القياس، فيقتصر فيه على المسموع.... [3: 121/ب] قيل: إنما منعه لنه تطويل لكثرة المفعولات.
وهذا فاسد؛ لن تطويل المسائل بالفرض لا يدل على منعها بالوضع إذا أجري على قياسهم؛ ألا تراه صح في الابتداءات الكثيرة فرضاً، ولم يكن دليلاً على منعه وضعاً لأنه قياس أصولهم، ويس في كتاب س في التنازع في ذوات الثلاثة نص ولا إشارة، فإذا فرعنا على جواز ذلك قلت في إعمال الأول: أعلمني أعلمته إياه إياه زيد عمراً قائماً، وفي إعمال الثاني: أعلمني وأعلمت زيداً عمراً قائماً إياه إياه، هذا على قول من لم يجز الاقتصار على المفعول الأول.
ومن أجاز يقول في إعمال الأول: أعلمني وأعلمته زيد عمراً قائماً، وفي إعمال الثاني: أعلمني وأعلمت زيداً عمراً قائماُ.
وكذلك إن قدمت أعلمت على أعلمني يجوز فيه التفريع على المذهبين، فتقول في إعمال الأول على رأي من لا يقتصر: أعلمت وأعلمني إياه إياه زيداً عمراً قائماً، وفي إعمال الثاني: أعلمت وأعلمني زيداً عمراً قائماً إياه إياه إياه.
وفي إعمال الأول على رأي من يقتصر: أعلمت وأعلمني زيداً عمراً قائماُ، وفي إعمال الثاني: أعلمت وأعلمني زيد عمراً قائماً إياه.
وقال أبو زكريا يحيى بن معطٍ في ((شرح الجزلية)): ((وأما في باب أعلمت فإن أعلمت الأول قلت: أعلمت وأنبأتهما إياهما منطلقين الزيدين العمرين

منطلقين، ليس لك إلا ذلك لاستغراق الضمير حالتي الاتصال والانفصال، فلم يبق للثالث إلا إعادته)).
ثم قال بعد: ((ألا ترى أنك لو قلت في باب المخالفة أعلمت وأعلمني زيد عمراً شاخصاً وقعت المنازعة في ثلاثة، ويبين ذلك بأن تعمل الأول، فتقول: لأعلمت وأعلمنيه إياه زيداً بكراً شاخصاً، فلم تقع المنازعة في معمول واحد بل في ثلاثة)).
قال شيخنا بهاء الدين بن النحاس: ((لا أعلم لم منع أولاً الإتيان به مضمراً، وعلل باستغراق الضمير حالتي الاتصال والانفصال، وإجازة هذا تحتاج إلى فضل تأمل.
وبالثلاثة مضمرة مثل ابن الدهان في شرح الإيضاح)).
وقوله ولا كون المتنازعين فعلى تعجب، خلافاً لمن منع قال المصنف في الشرح: ((منع بعض النحويين تنازع فعلي تعجب)) انتهى.
وهذا ظاهر مذهب س، وهو الذي نختاره، قال س: ((هذا باب ما يعمل عمل الفعل، ولم يجر مجرى الفعل، ولم يتمكن تمكنه، وذلك قولك: ما أحسن عبد الله، زعم الخليل رحمه الله أنه بمنزلة قولك: شيء أحسن عبد الله، ودخله معنى التعجب، هذا تمثيل، ولم يتكلم به.
ولا يجوز أن يتقدم عبد الله وتؤخر ما ولا تزيل شيئاً عن موضعه، ولا تقول فيه: ما يحسن، ولا شيئاً [مما] يكون في الأفعال سوى هذا)).

فظاهر/ هذا الكلام أنه لا يتصرف في هذا الفعل بغير هذا التركيب، ولهذا استقرأ النحويون أن مذهب س لا يجوز الفصل بين أحسن ومفعوله بالظرف المجرور والحال، وأنت إذا أعملت فصلت بالمعطوف إن أعملت الأول، وحذفت إن أعلمت الثاني.... [3: 122/أ] وذهب المبرد إلى جواز التنازع في فعلي اتعجب، قال في ((كتاب المدخل)) ل: ((وتقول ما أحسن وأجمل زيداً، إذا نصبته بأجمل، فإن نصبته بأحسن قلت: ما أحسن وأجمله زيداً؛ لأنك أردت: ما أحسن زيداً وأجمله)).
وإلى مذهب المبرد ذهب أبو غانم المظفر بن أحمد في ((كتاب المحلى)) من تأليفه.
وقال المصنف في الشرح: ((والصحيح عندي جوازه، لكن بشرط إعمال الثاني؛ لأنك لو أعملت الأولى لفصلت ما لا يجوز فصله)).
قال: ((وكذلك أحسن به وأعقل بزيد، بإعمال الثاني، ولا تعمل الأول فتقول: أحسن وأعقل به بزيد؛ للزوم فصل ما لا يجوز فصله)) انتهى.
وهذا الذي ذكره ليس من باب الإعمال؛ لأن شرط الإعمال جواز إعمال أيهما شئت في المتنازع الذي يقتضيانه، وهاهنا لا يجوز من جهة اللفظ، وقد ذكرنا قبل أنه لا يكفي في الإعمال تعلق العاملين بالمتنازع فيه من جهة المعنى، بل يضم إلى ذلك أنه لا يمنع مانع لفظي من عمل أيهما شئت، فينزل المانع اللفظي منزلة المانع المعنوي من كون أحد العاملين لا يقتضي المعمول، كقوله: ....................... كفاني، ولم أطلب، قليل من المال

بل من أورد هذا في الإعمال فلأنه شبيه به بكون العاملين اجتمعا وإن اختف مقتضى كل واحد منهما؛ لأن مطلوب كفاني قليل، ومقتضى ولم أطلب الملك.
وإذا تقرر هذا فليس ما ذكره المصنف من باب الإعمال، فإجازة مثل أحسن به وأعقل بزيدٍ ونحوه لا تجوز، وكذلك: ما احسن وأعقل زيداً، فإن ورد سماع بذلك من العرب جاز، ويكون هذا الفصل كلا فصل لامتزاج الجملتين بحرف العطف واتحاد ما يقتضي العاملان، فهذا يكن وجهه إن سمع.
قال المصنف: ((ويجوز على أصل مذهب الفراء: أحسن وأعقل بزيد، فتكون الباء متعلقة بأحسن وأعقل معاً، كما يكون عنده فاعل قام وقعد زيد مرفوعاً بالفعلين معاً)) انتهى.
وليس ما ذكر على أصل مذهب الفراء؛ لأن مذهب الفراء أن بزيد في قولك أحسن بزيد هو في موضع نصب على أنه مفعول به، وقد نص المصنف على ذلك في باب التعجب، قال فيه: ((وموضعه رفع بالفاعلية، لا نصب بالمفعولية، خلافاً للفراء والزمخشري وابن خروف))، فإذا كان /مذهب الفراء أنه في موضع نصب فكيف يرتفع بالفعلين، فيكون مثل قام وقعد زيد.... [3: 22/ب] قال المصنف: ((ولا يمتنع على مذهب البصريين أن يقال: أحسن وأعقل بزيد، على أن يكون الأصل: أحسن به وأعقل بزيد، ثم حذفت الباء لدلالة الثانية عليها، ثم اتصل الضمير، واستتر كما استتر في الثاني من قوله ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾، فإن الثاني يستدل به على الأول كما يستدل بالأول على الثاني، إلا أن الاستدلال بالأول على الثاني أكثر من العكس)) انتهى.

والاتفاق على أنه لا يكون التنازع في حبذا لعدم الفصل؛ لأنه صار كالمركب مع الإشارة.
وأما باب نعم وبئس فإنك لو قلت: نعم في الحضر وبئس في السفر الرجل زيد، على إعمال الثاني- لكنت قد أضمرت في الأول، ولم يفسر، وهو لازم التفسير إذا أضمر، ولو أضمرت لم يكن متنازعاً لأنه استوفى جميع ما له على النحو المطلوب، وكذلك يلزم في الثاني، قاله في البسيط.
وفيه: المتنازعان لا بد أن يكون الأول يجوز الفصل بينه وبين معموله بالعامل الثاني؛ فإن لم يجز الفصل أصلاً لم يجز التنازع، كالمضافين، فلا تقول: رأيت غلام وضارباً زيداً، تريد: غلام زيد وضارباً.
[والمعمول في التنازع] فاعل ومفعول خاص أو عام، الفاعل لا يتنازعه فعلا متكلم، ولا مخاطب، ولا مختلط منهما، وفعلا الغائب يتنازعان، وما اتصل بهما من المفعولات لا يقع فيهما تنازع، ولا يتنازع فعلا متكلم ومخاطب الفاعل والمفعول المضمر إلا على صورة الغائب عند الفصل، نحو: ما قعد ولا قام إلا أنا، وما أضرب وأكرم إلا إياي، ولا يكون هذا عند الاختلاط بينهما وبين الغائب لاختلاف الفاعل.
وأما المفعول به الصريح فتنازعه ثلاثة الأصناف والمختلط منها.
وما تنازع منها الفاعل جاز ذلك فيه وفي المفعول معاً، نحو: ضرب وأكرم زيد عمراً، إلا إذا كانا في لفظ واحد؛ لأنه يكون تأكيداً.
فإن كان أحدهما متعدياً والآخر لازماً جاز أن يفصل بينهما، نحو: قام وأكرم عمراً زيد، فيجوز رفع زيد بالأول

وبالثاني، فلو قلت قام وأكرم زيد عمراً فقيل: يتعين الثاني لأنه لا يفصل بين الثاني ومعموله بفاعل قام، وقيل: لا يتعين.
وقيل: يتعين، فيكن قد فصل بينهما بزيد، وفي معنى ذلك إذا بنيا للمفعول أو أحدهما.
والمجرور يتنازعه الثلاثة والمختلط، فإن كان لأحدهما فظاهر، نحو: ضربت ومررت بزيد، وإن كان لكل واحد واختلفا في الحرف فكقولك: انفصلت ومررت بزيد، أو اتفقا في المعنى فكقولك: صلى الله وبارك على محمد، أو اختلفا فيه فلا يجوز؛ /لأن الثاني لا يدل عليه لالتباسه، نحو: قمت وذهبت بزيد، تريد: قمت بسببه وذهبت به، إلا أن يفهم من قوة الكلام، كقولك: أطعمتك ووهبتك لله، ونحوه، فيجوز.
[3: 123/أ] وما يتعدى إلى مفعولين مع مثله في مفعوليه معاً وفي أحدهما إما وحده وإما مع الفاعل، وما يتعدى إلى واحد في مفعول واحد أو مع الفاعل، نحو: ضرب وأعطى ثوباً عبد الله عمراً، ولو قدمت الفاعل لتعين اثاني كما تقدم.
وباب ظننت يتنازع مع مثلها المفعولين أو أحدهما وحده أو مع الفاعل.
وقيل: تتنازع مع اعطى إذا كان مفعولاها شخصين، وقد يقال: إنه يبعد لتباعد المعنيين؛ لأن أحدهما إخبار عن الآخر، وفي أعطى ليس كذلك، نحو: أعطى وطن زيد عمراً بكراً، كما لا يكون أحد المتنازعين خبراً والآخر دعاء، نحو: غفر الله ووهبتك لزيد.
وقد يقال: إنه جائز؛ لن كليهما خبر، بخلاف هذا.
وإذا جاز فيتنازعان في الجميع، وفي المفعولين وفي أحدهما وحده أو مع الفاعل.
وأبعد من ذلك ما يتعدى إلى واحد في الفاعل وأحد المفعولين أو احد المفعولين أو الفاعل.

وأعلمت مع مثلها على مثل ظننت، فيتنازع ثلاث معمولات جمعاً أو تفريقاً، وحدها أو مع ثانٍ، وحكمها مع اعطى وضرب على ما ذكرنا.
وكذلك حكم ضرب مع كان، والظاهر بعده لعدم مناسبته.
وأما المفعولات العامة والمصدر فلا تتنازع لاختلاف الأفعال فيه إلا في الفعل الواحد المختلف بالفاعل أو المفعول، نحو: ضربت وضرب عبد الله ضرباً، إلا أنه لما لم يكن ضرورياً للأفعال لم يكن فيه دليل على التنازع؛ إذ التنازع لا بد من احتياج كل منهما إلى المعمول، إما ضرورياً كما في الفاعل، وإما لازماً لضعف الاستقلال دونه، كما في المفعول.
وما عدا هذه من المعمولات فليس كذلك، كالظرف والحال ونحوهما، وإذا قلت ضربت زيداً وأكرمت عمراً يوم الجمعة فلا دليل على الإضمار في الأول، بل يحسن هذا الكلام وإن كان الأول في يوم آخر، بخلاف: ضربت وأكرمت عمراً.
وقد يقرب منها إلى المفعول التمييز؛ لأن عامله يشبه اسم الفاعل، نحو: اشتريت ثلاثين وأعطيت ثلاثين ثوباً؛ لأن اسم العدد أقيم مقام ضاربين، فجاز لهذا المعنى، وخالف أخواته.
وقد جوز بعضهم هذا في جميع المفعولات العامة والخاصة، فيجري في الظرف والحال ونحوهما.

مسائل من هذا الباب الأولى: أعطيت وأعطاني أخوك درهمين: مفعولا أعطيت يجوز /الاقتصار على كل واحد منهما، فهل يجوز أن يكون الأول معملاً بالنسبة إلى درهمين، فينصب الدرهمان به، وملغى بالنسبة إلى الفاعل الذي هو أخوك، ويكون الثاني معملاً بالنسبة على الفاعل، وملغى بالنسبة إلى الدرهمين، فتكون قد حذفت المفعول الأول للأول والمفعول الثاني للقاني، اختلف في ذلك: فذهب الكوفيون إلى جواز ذلك؛ لأن هذا الفعل مما يتعدى إلى مفعولين يجوز الاقتصار على أحدهما.
وذهب البصريون إلى أنه خطأ؛ لأن السبيل في هذا إذا أعملت الثاني أن تحذف ما كان الأول.
المسألة الثانية: كلمت وكلمني أخوك كلمتين: هذه المسألة من مادة المسألة الأولى، فعند البصريين لا يجوز أن تنصب كلمتين إلى بالفعل الثاني، ويجوز عند الكوفيين أن تنصبهما بالفعل الأول إذا كانتا في آخر الكلام.
وهذا خطأ عند البصريين؛ لأنك إنما شرطت إعمال الثاني، فكيف تؤكد الأول، وتعمله، ويجب أن تقول: وكلمتهما، فيذهب إعمال الثاني، وتصير كأنك أعملت الأول، ولو أردت إعمال الأول لقلت: كملت وكلمتهما كلمتين أخاك، فإن قلت: كلمت أو كلمني كلمتين أخوك، فجئت بهما متوسطين- فلا اختلاف بين النحويين في أن تنصب كلمتين بالثاني لا غير.
وسبب الاتفاق أنك لو نصبت كلمتين بالأول لكنت قد فصلت بين كلمني ومعموله الذي هو أخوك بأجنبي من كلمني وأخوك؛ لأنه معمول لكلمت، وهو لا يجوز.
المسألة الثالثة: قول امرئ القيس:

فلو أن ما أسعى لأدنى معيشةٍ... كفاني، ولم أطلب، قليل من المال

اختلفوا فيه: فذهب جمهور البصريين إلى أنه ليس من الإعمال؛ لن شرطه أن يتنازع المعمول العاملان، قالوا: ولم يتنازعا لاختلاف المقتضى، وإنما لم يتنازعاه لأنك لو حذفت الجواب الأول وأقررت مكانه لم أطلب لفسد المعنى؛ إذ كان يكون التقدير: لو سعيت لأدنى معيشة لم أطلب قليلاً من المال، وليس كذلك، بل من سعى لأدنى معيشة طلب قليلاً من المال، وكفاه القليل، فلما كان جعله جوابا يُفسد المعنى لم يصح أن يكون من باب الإعمال.
قال س: ((لو نصب لفسد المعنى)).
وقال البصريون: المعنى: كفاني قليل من المال ولم أطلب الملك؛ لأنه ينتظم لو سعيت لأدنى معيشة لم أطلب الملك.
ويوضح ان المراد هو هذا المعنى قوله بعد: ولكنما أسعى لمجد مؤثلٍ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي

وقدره الكوفيون: ولم أطلب الكثير.
وهو تقدير صحيح أيضاً، ولكن تقدير البصريين أمكن في المدح.
فإن قلت: كيف جاء به أبو علي الفارسي على الإعمال؟ قلت: إنما أراد أنه يشبه الإعمال بتداخل الجملتين بالعطف، ونظير ذلك إنشاده لكثير:

وإني- وإن صدت- لمثن، وقائل،... عليها بما كانت إلينا أزلت فما أنا بالداعي لعزة بالردى... ولا شامتٍ إن نعل عزة زلت

على أنه شبيه الإعمال؛ لأنه لما عطف فصل بين مثنٍ ومعموله، وفصل أيضاً بين قائل ومعموله بمعمول مثنٍ، ففعل الفارسي في البيت ما فعل هنا، وليس قوله ((ولم أطلب)) اجنبياً من الكلام، ولهذا فصل به، وإنما هو تسديد؛ لأن المعنى: ولم أطلب الملك.
ولم يجيء به س على الإعمال، بل جاء به على أنه من غير الإعمال؛ ألا ترى إلى قوله: ((فإنما رفع لأنه لم يجعل القليل مطلوباً، وإنما المطلوب عنده الملك))، فالطلب لا يتوجه على القليل مطلوباً؛ ألا تراه يقول: ((ولو لم يرد ذلك ونصب لفسد)).
ونظير هذا البيت قول الشاعر: عدينا بالتواصل منك إنا... نحب- ولو مطلت- الواعدينا

لأن مطلت لا يطلب الواعدينا، إنما يطلبه محب، وإنما أراد: نحب الواعدينا ولو مطلتنا، فلم يتوجه الثاني لما توجه الأول.
ومثله ما قال أبو علي في ((التذكرة)) في قوله تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: إن الباء متعلقة بامْنُنْ؛ لأن المعنى: أعط من سعة، كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، أي: يعطي من سعة، ولا يقلق به الإمساك.

وذهب الأستاذ أبو ذر مصعب بن أبي بكر الخشني، والأستاذ أبو إسحاق بن ملكون في أحد قوليه، والأستاذ أبو علي فيما حكاه عنه أبو الفضل الصفار- إلى أنه من الإعمال، قالوا: لا يكون ولم أطلب جواباً للو معطوفاً على كفاني، بل يكون على استئناف الجملة، أي: وأنا لم أطلب قليلاً من المال، وتكون هذه الجملة مستأنفه كما ذكرنا معطوفة على الجملة المنعقدة من لو وجوابها.
ورد الأستاذ أبو الحسن بن عصفور هذا القول ((بأن العاملين في هذا الباب لا بد أن يشتركا، وأدنى ذلك أن يكون بحرف العطف؛ حتى لا يكون افصل معتبراً، /أو يكون الفعل الثاني معمولاً للأول، وذلك قولك: جاءني يضحك زيد، فتجعل في جاءني ضميراً، أو في يضحك، حتى لا يكون هذا الفعل فاصلاً، فتكون الجملتان قد اشتركتا أدنى اشتراك، فيسهل الفصل، وأما إذا جعلت ولم أطلب معطوفاً على فلو أن ما أسعى فإنك تفصل بجملة أجنبية، ليست محمولة على الفعل الأول، فتكون إذ ذك بمنزلة: أكرمت وأهنت زيداً، والعرب لا تتكلم بهذا أصلاً)) انتهى.... [3: 124/ب] وهذا الذي ذكره ابن عصفور من انحصار التشريك بين جملتي التنازع في العطف، وان يكون الفعل معمولاً للأول، وأنه لا يقع الإعمال إلا على هذين الوجهين- ليس كما ذكر، وقد تتبعت موارد التنازع، فوجدته لا ينحصر فيما ذكر؛ ألا ترى أنهم جعلوا من التنازع قوله: لو كان حيا قبلهن ظعائنا... حيا الحطيم وجوههن وزمزم

فتنازع حيا الأول وهو خبر كان، وحيا الثاني وهو جواب لو، ولا اشترك بينهما بحرف عطف، ولا حيا الثاني معمولاً لحيا الأول.
وقول الآخر:

بعكاظ يعشي الناظريـ... ن إذا هم لمحوا شعاعه

تنازع يعشي ولمحوا، وليس ثم حرف عطف، ولا عمل للفعل الأول في الثاني.
وقول الآخر: ولم أمدح لأرضيه بشعري... لئيماً أن يكون أفاد مالا

تنازع أمدح ولأرضيه.
وقول الآخر: علموني كيف أبـ...  كيهم إذا خف القطين

تنازع أبكي وخف.
وقول الآخر: ألا هل أتاها على نأيها... بما فضحت قومها غامد

تنازع أتى وفضحت.
وقول الآخر: أتاني، فلم أسرر به حين جاءني... كتاب بأعلى القنتين عجيب

تنازع أتاني وفلم أسرر وجاءني.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾، تنازع ظنوا ظننتم.
وكذلك ما اجازه ابن ابي الربيع من الإعمال في قام قام زيد.
وكل هذه لا تشريك بينهما بحرف عطف، ولا أول العاملين عامل في الثاني.... [3: 125/أ] وذهبت بعض البصريين إلى أن البيت من الإعمال على تقدير أن يكون ((ولم أطلب)) معطوفاً على ((كفاني))، وأنه يصح أن /يكون جواباً للو لو أفرد دون كفاني، ويكون التقدير: لو سعيت لأدنى معيشة لم أطلب قليلاً من المال؛ لأن قليل

المال يمكنني دون طلب وكد لحصول القليل عندي، فلا أحتاج إلى تطلبه؛ لأن امرأ القيس كان ابن ملك، فلم يكن سبروتا البتة، بل كان عنده من ذخائر الملوك أبائه ما يغنيه عن طلب القليل، فالمعنى: لو كان غاية سعيي لقليل من المال لم أتعن لطلبه لكونه حاصلاً عندي.
وهذا معنى حين سائغ يصح معه الإعمال.
وعلى هذا المعنى يكون أيضاً الإعمال جائزاً على وجه آخر، وهو ألا يكون ((ولم أطلب)) معطوفاً على ((كفاني))، بل تكون الواو واو الحال، ويكون التقدير: لو كان غاية سعيي لأدنى معيشة كفاني قليل من المال غير طالب له لحصوله عندي.
المسألة الرابعة: تقول: متى رأيت أو قلت زيداً منطلقاً، على إعمال الأول، تنصب الجزأين، وتحذف من الثاني، ولا تضمر فيه.
وإن أعملت الأول رفعت الجزأين على الحكاية بقلت، وحذفت مفعولي رأيت، هذا مذهب س. وزعم أبو العباس أنك تقول على إعمال الأول: متى رأت أو قلت هو هو زيداً قائماُ، قال: وذلك أنك إذا أعملت الأول أضمرت في الثاني جميع ما يحتاج إليه.
وما ذهب إليه س معتضد بالسماع والقياس: أما السماع فإنه قال في كتابه ما نصه: ((وقد يجوز ضربت وضربني زيداً؛ لأن بعضهم قد يقول: متى رأيت أو قلت زيداً منطلقاً.
والوجه: متى رأيت أو قلت

زيد منطلق)).
فهذا نص من السماع عن العرب أنها إذا أعملت الأول لم تضمر معمول القول المحكي.
وأما القياس فإن الجملة إذا حكيت بالقول فالمعمول في الحقيقة إنما هو مضمون الجملة لا آحاد أجزائها؛ وإذا كان المعمول مضمون الجملة كان المعمول واحداً، فلا يمكن أن يضمر واحد؛ لأن واحداً لا يقم مقام اثنين، ولا يمكن إضمار الجملة لأن آحادها ليس هو المعمول، فلم يكن بد من الحذف.
المسألة الخامسة: إذا قلت: ضربت وضربني زيد، فأعلمت الثاني- حذفت من الأول لأنه فضله يجوز حذفها، وكان الأصل: ضربت زيداً وضربني زيد، فيكرر بلفظه، إلا أن الأول هو كلام العرب الشائع، أعني أن تكون المسألة من الإعمال، ولا يجوز الأصل إلا على قلة وقبح، نحو قوله: يمنعها شيخ بخديه الشيب... لا يحذر الريب إذا خيف الريب

/وأجاز بعض النحويين تأخير المفعول بعد المرفوع، وذلك على إعمال الفعلين في الاسمين الظاهرين، فتقول: ضربت وضربني قومك قومك، تريد: ضربت قومك وضربني قومك، والشائع في لسان العرب حذف مفعول الأول، ولا يؤتى به ظاهراً.
المسألة السادسة: ضربت وضربوني قومك: أجاز س رفع قومك على وجهين: أحدهما: على أنه الفاعل، والواو علامة جمع، على لغة: أكلوني البراغيث، لا ضمير.

والثاني: على أنه بدل من المضمر، قال: ((كأنه قال: ضربت وضربني ناس بنو فلان))، فيكون الضمير يفسره البدل.
واستقبح هذا الوجه الفارسي، وذلك أنه إنما اجزنا الإضمار قبل الذكر في هذا الباب لضرورة إعمال الثاني، أما هذا فلا ضرورة تدعو إلى ذلك، فغما أن يكون س قال بمذهب الأخفش من تفسير الضمير بالبدل- والصحيح لا يجوز- وإما أن يكون أجاز البدل في هذا الباب خاصة لأنه عهد فيه الإضمار قبل الذكر وإن كان لا يجيزه في: يقومان الزيدان، وإما لأن المضمر يعود على المحذوف الذي قبله؛ لأنك حذفت قومك من الأول، وعاد عليه الضمير، وهذا يصير إلى أن هذا المضمر يفسره ما بعده؛ لأنه عائد على ما يفسره ما بعده.
وقال س: ((وعلى هذا الحد تقول: ضربت وضربني عبد الله، تضمر في ضربني كما أضمرت في ضربوني))، أي: تجعل عبد الله بدلاً من الضمير المستكن في ضربني، ويفسره البدل.
وهذا الذي ذكره لا يخلو أن يكون فيه تهيئة وقطع، وذلك مما يفر النحويون منه؛ لأن ضربني مهيأ أن يعمل في عبد الله، وهو قد قطع عنه.
وأجاز س أيضاً: ضربوني وضربتهم قومك، بنصب قومك على البدل من ضمير النصب في ضربتهم، فيكون البدل قد فسر ضميرين، أحدهما مرفوع، والآخر منصوب، وهذا غريب جداً أن يفسر واحد ضميرين متقدمين عليه في الذكر، ولا يوجد ذلك في الضمائر التي يفسرها ما بعدها.
وهذه المسائل وشبهها ينبغي التوقف في إجازتها حتى تسمع من العرب.

المسألة السابعة: تكلم س على الوجه الجائزة في المسألتين اللتين يدور عليهما الباب، وهما: ضربت وضربني، وضربني وضربت: فأما المسألة الأولى فأجاز فيها خمسة أوجه: فعلى إعمال الثاني الرفع من ثلاثة اوجه: أحدها على الفاعل بضربني، وهو الظاهر.
والثاني على البدل من الضمير المستكين في ضربني، والجمع والتثنية على هذين الوجهين.
والثالث على أن الواو والألف والنون علامة، والفاعل الاسم بعدها.
وعلى /إعمال الأول وجهان: أحدهما مطابقة الضمير في ضربني للمنصوب بعده.
والثاني ألا يطابق في الجمع.
وأما المسألة الثانية فعلى إعمال الثاني وجهان: أحدهما: أن يضمر في ضربني ما يطابق المفسر، وينصب ما بعد ضربت به.
والثاني: أن يُسلط ضربت على ضمير مطابق للمفسر مع نصب المفسر مع مطابقة الضمير في ضربني.
وعلى إعمال الأول الرفع من ثلاثة اوجه: أحدها: ان تضمر في ضربت مطابقاً للمفسر، وترفع ما بعد ذلك الضمير بضربني.
الثاني: أن تحذف ذلك الضمير المنصوب من الوجه الذي قبله.
والثالث: أن تضمر في ضربني مطابقاً للمفسر، والظاهر المرفوع المفسر بدل من ذلك الضمير، أو فاعل، والألف والواو والنون علامات للتثنية والجمع.

وهذا تمثيل الصور: ضربت وضربني زيد، الرفع من وجهين، ضربت وضرباني الزيدان، الرفع من وجهين، وكذلك الجمع.
وضربت وضربني زيداً، تضمر في ضربني مطابقاً للمفسر، أو مفرداً على كل حال.
ضربني وضربت زيداً، وتضمر في ضربني وفق المفسر.
ضربني وضربته زيداً، تطابق بين ضمير ضربني وضمير ضربته وبين المفسر.
وضربني وضربته زيد.
وضربني وضربت زيد.
ضربني وضربته زيد.
ضرباني وضربتهما الزيدان، فالرفع من وجهين في التثنية والجمع.

-[ص

: باب الواقع مفعولاً مطلقاً من مصدر وما جرى مجراه

المصدر اسم دال بالأصالة على معنى قائم بفاعل، أو صادر عنه حقيقة أو مجازاً، أواقع على مفعول.
وقد يسمى فعلاً وحدثاً وحدثانا.
وهو أصل الفعل لا فرعه، خلافاً للكوفيين.
وكذا الصفة، خلافاً لبعض أصحابنا.]- ش: إنما سمي مفعولاً مطلقاً لأنه لم يقيد بشيء؛ ألا ترى أن المفعول به والمفعول فيه والمفعول من أجله والمفعول معه كل واحد منها مقيد؛ بخلاف المصدر، وهو المفعول حقيقة لأنه هو الذي يحدثه الفاعل؛ لأن المفعول به هو محل للفعل خاصة، والزمان وقت يقع فيه الفعل، والمكان محل للفاعل والمفعول، ويستلزم أن يكون محلاً للفعل، والمفعول من أجله علة لوجود الفعل، والمفعول معه مصاحب للفاعل أو المفعول.
وكون المفعول على هذه الأضرب من مفعول مطلق ومفعول به ومفعول فيه ومفعول معه ومفعول له هو مذهب البصريين.
وأما الكوفيون فزعموا ان الفعل إنما له مفعول واحد، وهو المفعول به، وباقيها عندهم ليس شيء منها مفعولاً، /إنما هو مشبه بالمفعول، وزعموا أنه يأتي بعد الفعل لأنه يؤكده، أو يدل على قلة الفعل أو كثرته ونقصانه وزيادته، ولذلك لا يكنى عن المصدر، وهو آلة للفعل لتبين المعاني المذكورة؛ لأنه لا يعطي تلك المعاني إلا وهو ظاهر غير مستور لا مكني عنه.
والصحيح أنه يكنى عنه، ويراد به التأكيد، قال الشاعر: من كل ما نال الفتى... قد نلته إلا التحيه

وقال آخر:

هذا سراقة للقرآن، يدرسه... والمرء عند الرشا إن يلقها ذيب

أي: قد نلت النيل، ويدرس الدرس، فأضمر المصدر، ولو صرح به لكان تأكيداً.
وتسمية ما انتصب مصدراً مفعولاً مطلقاً هو قول النحويين فيما أعلم؛ إلا ما ذكره صاحب ((البسيط)) من تقسيمه المصدر المنتصب إلى مفعول مطلق، وإلى مؤكد، إلى متسع فيه.
والمفعول المطلق عنده ما كان من الأفعال العامة، نحو فعلت وصنعت وعملت وأوقعت، فإذا قلت فعلت فعلاً فالواقع ذات الفعل؛ لأن الذوات الواقعه هنا هي هذا، ولا تقع هنا الجواهر والأعراض الخارجة عنا، فلا تكون مطلقة في حقنا، بل في حق الله تعالى، كقولك: خلق الله زيداً، فإنه مفعول مطلق، فلذلك كان المفعول المطلق أعم من المصدر المطلق.
وحد المصدر المنتصب على الإطلاق بأنه المصدر، وما في تأويله، الواقع بعد فعل بمعناه، أو ما عمل عمله، بياناً للمعنى الصادر من الفاعل على جهة أنه فعله الفاعل.
قال: وخصصنا هذا بقولنا ((على جهة أنه فعله)) احترازاً من المؤكد والممتنع، فإنه يصدق عليهما البيان.
قيل: ويلزم أن يكون هذا المنصوب على الإطلاق غير حقيقي، يعني في المصدرية؛ لأنه ذهب به ذهاب الإنشاء؛ ألا تراه يصح جمعه وتثنيته، فهو إذا للواحد.
وقيل: لا يلزم ذلك إلا بحسب القصد.
وهذا النوع إن كان بعد فعل ليس من لفظه نحو فعلت ضرباً فبين أنه مفعول به، أو من لفظه نحو ضربت ضرباً، فقيل: أول في الفعل معنى عام، وهو فعلت، فكأنك قلت: فعلت ضرباً.
وقيل: لا يؤول إما بأن تقدر فعلاً عاماً بعده، وإما بألا تقدر، بل تجعله بياناً، وذلك اشترط بعضهم في انتصابه بعد فعل من لفظه أن يكون مقيداً لتقع به الفائدة لفظاً، كقوله: ﴿وَتَاكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾، فوصفه،

﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾، فحدده، ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً﴾.
أو معنى، نحو: ضربت ضرباً، تريد نوعاً منه، كقوله: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا﴾، أي: ظناً ضعيفاً.
وإن لم يكن مقيداً ينبغي أن يكون على التأكيد.
والعامل في هذا النوع مما لا يتعدى قيل: العامل الأول بما فيه من العموم؛ لأن كل فعل ففيه معنى فعلت، وإذا كانوا يشيبون الأفعال معنى أفعال خارجة، فتعمل عملها، كقوله: سمعت إلى حديثه، أي: أصغيت إليه، فأجري فيما هو معناه العام.
وأما من يقول إنه محذوف العامل، أي: ضربت ففعلت ضرباً- فلا يكون لوجهين: أحدهما: أنه لا يكون له نسبة الإطلاق إلى ذلك الفعل.
والثاني: أنه منصوب بما لا يظهر ولا نائب عنه.
وإذا قصد بالفعل الإطلاق فقيل: يجب أن يغير الفعل المتعدي إلى القصور؛ لأنه يلزم أن يكون بمعنى فعل، وهو لا يتعدى إلا إلى نفس الفعل، فتحذف المفعول به، فتقول: ضربت ضرباً، بمعنى: فعلت ضرباً، وهذا لا يعمل في المفعول به الأول، وهذا على رأي من يتأول افعل عاماً، ومن لا يتأول لا يلزمه القصور، كما لا يكن في الظرف.
وقوله وما يجري مجراه يعني كاسم المصدر، نحو العطاء في معنى الإعطاء، وكبعض الصفات، وبعض الأعيان، نحو: عائذاً بك، وترباً، وجندلاً، ويأتي الكلام في ذلك إن شاء الله.

وقوله اسم دال بالأصالة على معنى قائم بفاعل مثاله: حسن حسناً، وفهم فهما.
واحترز بقوله ((دال بالأصالة)) من اسم يساوي المصدر في الدلالة، ويخالفه بعملية، كجماد وحماد، أو بتجرده دون عوض من زيادة في فعله، كاغتسل غسلاً، وتوضأ وضوءاً.
فهذه وأمثالها إذا عبر عنها بمصادر فإنما ذلك مجاز، والحقيقة أن يعبر عنها بأسماء المصادر.
وقوله أو صادرٍ عن فاعلٍ حقيقة مثاله خط خطاً، وخاط خياطة.
وقوله أو مجازاً مثاله: مات موتاً.
وقوله أو واقعٍ على مفعول مثاله: ضرب زيد ضرباً.
والمراد هنا بالفاعل والمفعول المصطلح عليه بذلك في النحو.
وقوله وقد يسمى فعلاً وحدثاً وحدثاناً اما تسميته فعلاً فذلك باعتبار اللغة؛ لأن المصادر أفعال صدرت من فاعليها إما حقيقة وإما مجازاً، أو باعتبار تسميته بما هو جزء مدلول، وهو الفعل الصناعي.
وأما تسميته حدثاً وحدثاناً فباعتبار اللغة وباعتبار اصطلاح س على تسميته بذلك، قال س: ((وأما الفعل فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء))، يعني المصادر، وهو جمع حدث.
وقال أيضاً س: ((واعلم أن الفعل الذي لا يتعدى الفاعل يتعدى إلى اسم الحدثان الذي /أخذ منه؛ لأنه إنما يُذكر ليدل على الحدث)).
وقوله وهو أصل للفعل لا فرعه، خلافاً للكوفيين قال المصنف في الشرح: ((واتفق البصريون والكوفيون على أن الفعل والمصدر مشتق أحدهما من الآخر)) انتهى.
ويعني اتفاق الأكثرين، وإلا فالمذاهب في الاشتقاق ثلاثة:

أحدها: مذهب الجمهور من الكوفيين والبصريين على أن الكلمات منها ما هو مشتق، ومنها ما ليس بمشتق.
والثاني: أن كل لفظ مشتق، وعزله جماعة إلى الزجاج، وبعضهم إلى س. والثالث: أن كل لفظ ليس مشتقاً من شيء، بل كل أصل، لم يوجد شيء منه من شيء.
وأما مسألتنا ففيها ثلاثة مذاهب: أحدها: مذهب جمهور البصريين أن المصدر أصل والفعل فرع عنه.
والثاني: مذهب الكوفيين، وهو العكس.
والثالث: مذهب ابن طلحة، وهو أنه ليس أحدهما مشتقاً من الآخر، بل كل واحد أصل بنفسه.
وهذا الخلاف لا يجدي كبير منفعة؛ إذ ليس خلافاً راجعاً إلى نطق، ولا إلى اختلاف معنى نسبي.
وذكر المصنف الاستدلال لمذهب البصريين من وجوه: أحدها: أن المصدر يكثر كونه واحداً، والأفعال ثلاثة، ولو اشتق المصدر من الفعل فإما من الثلاثة، وهو محال، أو من واحد منها، ويستلزم ترجيحاً دون مرجح.
انتهى ملخصاً.
وهو معارض بأنا قد وجدنا الفعل له مصادر كثيرة، كمصادر شت وقدر، فإنها تزيد على عشرة مصادر، فإما أن يشتق الفعل من أحدها، وهو ترجيح من غير مرجح، وإما من جميعها، وهو محال.

قال: ((الثاني: أن المصدر معناه مفرد، ومعنى الفعل مركب من حدث وزمان، والمفرد سابق للمركب، فالدال عليه أولى بالأصالة من الدال على المركب)) انتهى.
ولقائل أن يمنع دعوى تركيب الفعل؛ لأن المفرد الموضوع للدلالة على خصوصية شيء لا يسمى مركباً.
قال: ((الثالث: أن مفهوم المصدر عام، ومفهوم الفعل خاص، والدال على عام أولى بالأصالة من الدال على خاص)) انتهى.
ومثل هاتين الدلالتين لا يسمى عاماً وخاصاً، إنما يسمى إطلاقاً وتقييداً.
قال: ((الرابع: أن كل ما سوى الفعل والمصدر من شيئين أحدهما أصل والآخر فرع فإن في الفرع منهما معنى الأصل وزيادة، كالتثنية والجمع بالنسبة إلى الواحد، والعدد المعدول بالنسبة إلى المعدول عنه والفعل فيه معنى المصدر وزيادة تعيين الزمان، فكان فرعاً، والمصدر أصل.
الخامس: أن من المصادر ما لا فعل له لفظاً ولا تقديراً، وذلك ويح وويل وويس /وويب، فلو كان الفعل أصلاً لكانت هذه المصادر فروعاً لا أصول لها، وذلك محال.
وإنما قلنا إن هذه المصادر لا أفعال لها تقديراً لأنها لو صيغ من بعضها فعل لاستحق فاؤه في المضارع من الحذف ما استحق فاء يعد، ولأستحق عينه من السكون ما استحق عين يبيع، فيتوالى إعلال الفاء والعين، وذلك مرفوض في كلامهم، فوجب إهمال ما يؤدي إليه)) انتهى.
وما ذكره من الملازمة في قوله ((وإنما قلنا إن هذه المصادر لا أفعال لها تقديراً إلى آخره)) لا يلزم؛ لأن التقدير لا جود لاه، فيقول لها أفعال في التقدير، ولا يلزم ما ذكر؛ لأنها لم يلفظ بها، إنما كان يلزم ما ذكره لو كانت أفعالاً موضوعة، أما من حيث التقدير فلا يلزم، فكم أص أهمل وفرع استعمل.
قال: ((وليس في

الأفعال ما لا مصدر له مستعمل إلا وتقديره ممكن، كتبارك، وفعل التعجب؛ إذ لا مانع في اللفظ، ويقابل تلك الأفعال مصادر كثيرة، تزيد على الأفعال، كالأبوة والنبوة والخؤولة والعمومة والعبودية واللصوصية، وقعدك الله، وبله زيد وبهله، فبطلت المعارضة بتبارك ونحوه، وخلص الاستدلال بويح وأخواته)) انتهى كلامه.
وقال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: ((استدل أهل البصرة بأن الفعل خاص الزمان والمصدر مبهم الزمان، والمبهم قبل الخاص، فالمصدر قبل الفعل، والبعدي مأخوذ من القبلي، والفعل مأخوذ من المصدر.
وبأن المصدر منتشر الأبنية كثيرها، فلو كان مشتقاً من الفعل لكان يجري على أوزان محصورة لا يتعداها، كاسم الفاعل واسم المفعول المبنيين من الفعل، فلما كثرت أبنية وانتشرت دل ذلك على أنه أصل، وأن الفعل هو الذي اشتق منه.
وبان المصدر من جنس الأسماء والأسماء قبل الأفعال، فالمصدر قبل الفعل، والبعدي مأخوذ من القبلي.
والصحيح أن هذه الأدلة الثلاثة غير كافية في إثبات أن الفعل مشتق من المصدر؛ إذ لا تثبت أكثر من أن المصدر قبل الفعل، وأنه أصل بنفسه، وإذا كان أصلاً في نفسه أو كان قبل الفعل لم يلزم أن يكون الفعل مشتقاً منه؛ ألا ترى أن الحرف بعد الاسم، وليس مأخوذاً منه)) انتهى.
ولا نقول إن الحرف بعد الاسم؛ لأن الواضع وضع الحرف كما وضع الاسم، فلا نقول إنه وضع الأسماء، ثم بعد ذلك وضع الحروف، ولا يلزم من كون الحرف تتوقف مفهوميته على متعلق أن يكون وضع بعد الاسم.... [3: 128/ ب] ثم قال الأستاذ أبو الحسن: ((لكن الدليل القاطع أن يقال: استقريت المشتقات، /فوجدت تدل على ما اشتقت منه وزيادة، وتلك الزيادة معنى فائدة

الاشتقاق، نحو أحمر مشتق من الحمرة، ويزيد على ذلك بالشخص، وكذلك ضارب ومضروب يدلان على الضرب مع زيادة الشخص، والأفعال تدل على المصدر مع زيادة الزمان، فدل على أنها مشتقة منه)) انتهى.
واستدل الكوفيون بأن الفعل عامل في المصدر؛ لأنه به انتصب، والعامل قبل المعمول، والبعدي مأخوذ من القبلي.
وبأن المصدر مؤكد للفعل، والفعل مؤكد، والمؤكد قبل المؤكد.
وبان المصدر يعتل باعتلال الفعل، ويصح بصحته، نحو قيام، اعتل، فقبلت واوه ياء، كما اعتل قام، وصح اجتوار لصحة اجتور، والفروع أبداً هي المحمولة على الأصول.
وبأنه وجدت أفعال لا مصادر لها، فلو كان الفعل مشتقاً من المصدر لوجب ألا يوجد فعل إلا وله مصدر.
ورد الأول بأن العامل إنما هو قبل عمله لا قبل معموله، وعمله إنما هو النصب، وإذا كان الفعل قبل النصب الذي في المصدر لم يلزم أن يكون قبل المصدر.
وأيضاً فالعمل إنما حصل في المصدر بعد التركيب، ونحن إنما ندعي ان الفعل مأخوذ من المصدر قبل التركيب.
وقال المصنف في الشرح: ((الحرف يعمل في الاسم والفعل، ولا حظ له في الأصالة)).
ورد الثاني بان التأكيد إنما طرأ بعد التركيب، وهذه الأفعال إنما اشتقت من المصدر قبل ذلك.
وأيضاً فالمصادر لا يلزمها أن تكن مؤكدة، إنما يكون ذلك فيها إذا انتصبت بعد أفعالها.
وقال المصنف في الشرح: ((الشيء قد يؤكد بنفسه، نحو: زيد زيد قام، فلو دل التوكيد على فرعية المؤكد لزم كون الشيء فرع نفسه، وذلك محال)).
ورد الثالث بأن الأصل قد يُحمل على الفرع فيما هو أصل في الفرع وفرع في الأصل؛ ألا ترى أن الأسماء تحمل على الحروف، فتبنى وإن كانت الأسماء قبلها؛

لأن البناء أصل في الحروف، فكذلك المصادر حُملت على الأفعال وإن كان المصدر قبلها؛ لأن الاعتلال أصل في الفعل.
انتهى.
ويمنع أن الأسماء قبل الحروف، وأن الاعتلال أصل في الفعل؛ إذ لا دليل على ذلك.
وقال المصنف في الشرح: ((قد يُحمل أحدهما على الآخر وليس أحدهما أصلاً للآخر، كيرضيان، حُمل على رضيا، وأعطيا على يعطيان، حُمل ذو الفتحة على ذي الكسرة ليجريا على سنن واحد)).
ورد الرابع بأن العرب قد ترفض الأصول، وتستعمل الفروع، نحو: كاد زيد يقوم، فيقوم في موضع قائم، ولا يستعمل قائم إلا ضرورة.
ومثل ذلك/ كثير.
ويعارضون أيضاً بوجود مصادر لا أفعال لها.... [3: 129/أ] وقال السهيلي: ((في إجماع الكوفيين والبصريين على تسمية الحدث مصدراً دليل على أن الفعل صدر عنه، وهو فرع له، ولو كان الفعل الأصل لكان أولى أن يسمى مصدراً.
فإن قيل: المصدر هو الصادر، وقيل مصدر كما يقال للزائر رزو، ورجل صوم وعدل، أي: صائم وعادل، والحدث صادر عن الفاعل، فسمي المصدر من قولك صدر صدوراً ومصدراً.
قلنا: زيادة الميم تمنع من هذا القياس؛ ألا ترى أنك تقول رجل زور، ولا تقول: رجل مزار، وما أنت إلا سير، ولا تقول مسير.
وقول النحاة: المصدر يكون بالميم، كقولك قتلت مقتلاً، وذهبت مذهباً- تسامح؛ لأن الميم دخلت لمعنى زائد على معنى الحدث، ولذلك تقول: ضربه وقتله، ولا تقول مضربة ولا مقتلة إلا في المكان، ولو كان المقتل بمعنى القتل على الإطلاق لم يمتنع هذا، ولم يمتنع رجل مزار،

وقد بينا سر الميم وما دخلت له، فمصدر ليس بمعنى صادر بوجه، ولا يعطيه سماع ولا قياس)) انتهى كلامه.
واستدل لابن طلحة بوجود مصادر لا أفعال لها، وبوجود أفعال لا مصادر لها، فلو كان أحدهما أصلاً للآخر لتوقف وجود الفرع على وجود الأصل، وقد وجد أحدهما دون الآخر، فبطل بذلك قول البصريين والكوفيين.
وقوله وكذا الصفة، خلافاً لبعض أصحابنا قال المصنف في الشرح: ((بعض ما استدللنا على فرعية الفعل بالنسبة إلى المصدر نستدل على فرعية الصفة بالنسبة إليه؛ لأن كل صفة تضمنت حروف الفعل فيها ما في المصدر من الدلالة على الحدث، وتزيد بالدلالة على ما هل له، كما زاد الفعل بالدلالة على الزمن المعين، فيجب كون الصفة مشتقة من المصدر لا من الفعل؛ إذ ليس فيها ما في الفعل من الدلالة على زمن معين، فبطل اشتقاقها من الفعل، وتعين اشتقاقها من المصدر)).

-[ص: وينصب بمثله، أو فرعه، أو بقائم مقام أحدهما.
فإن ساوى معناه معنى عامله فهو لمجرد التوكيد، ويسمى مبهماً، ولا يثنى ولا يجمع.
وإن زاد عليه فهو لبيان النوع أو العدد، ويسمى مختصاً ومؤقتاً، ويثنى ويجمع.
ويقوم مقام المؤكد مصدر مرادف واسم مصدر غير علم، ومقام المبين نوع أو وصف أو هيئة أو آلة أو كل أو بعض أو ضمير أو اسم إشارة أو وقت أو ما الاستفهامية أو الشرطية.]-

ش: نصبه بمصدر مثله قوله تعالى ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾، وعجبت من ضرب /زيد عمراً ضرباً، فهذا المصدر العامل يعمل في المصدر مؤكداً كان أو غير مؤكد.... [3: 129/ب]

وفي البسيط: ((الظاهر أنه يعمل في المطلق والمتوسع فيه المفعول؛ لأنه بتقدير الفعل الأعم، فإذا قلت عجبت من ضرب زيد عمراً ضرباً فمعناه: من فعل زيد بعمرو ضرباً، وأما التأكيد فلا يكون لوجهين: أحدهما أنه إن عمل فيه عمل المؤكد في المؤكد، وإن لم يعمل فيه فإما مصدر أو فعل، فالأول يتسلسل، والثاني يؤدي إلى تأكيد المصدر بالفعل)) انتهى.
ونصبه بفرع المصدر فباسم الفاعل، قوله تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾، وقول ميمون الأعشى: فأصبحت لا أقرب الغانيا... ت مزدجراً عن هواها ازدجارا

وباسم المفعول: أنت مطلوب طلباً.
وبالفعل ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.
وبالقائم مقام المصدر: عجبت من إيمانك تصديقاً، ومقام فرعه: أنا مؤمن تصديقاً، هذا شرح المصنف لكلامه إلا التمثيل القرآني.
ونقول: والعامل في المصدر إما أن يكون من لفظه أو من غير لفظه: إن كان من لفظه فإما أن يكون جارياً أو غير جارٍ، فإن كان جارياً انتصب به، لا خلاف في ذلك، سواء أكان مبهماً أو مختصاً، هكذا قال بعضهم.
وفي البسيط أنه إذا كان توكيداً وهو من لفظ الفعل فقيل: العامل فيه فعل لا يظهر وهو المؤكد، والمصدر معمول له على غير التوكيد لئلا يتسلسل، ثم حذف، ووضع موضعه، وهو رأس س؛ لأنه قال: ((ومما يجيء توكيداً وينصب قولك: سير عليه سيراً)).

جارٍ التحميل