التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيلصفحات 136-175

الحدث.
وهذا أحد الوجوه العشرة التي رد بها المؤلف على من قال إنها لا تدل على الحدث، وهو أقواها إذ هو دليل سمعي ثابت من لسان العرب.
والثاني: أنها أفعال، والفعل يستلزم الدلالة على الحدث والزمان معًا؛ إذ الدال على الحدث وحده مصدر، وعلى الزمان وحده اسم زمان، وهذه ليست مصادر ولا أسماء زمان، فبطل كونها دالة على أحد المعنيين دون الآخر.
الثالث: أن الأصل في كل فعل الدلالة على المعنيين، فالحكم على العوامل المذكورة بما زعم إخراج لها عن الأصل، فلا يقبل إلا بدليل.
الرابع: أنها لو كانت دلالتها مخصوصة بالزمان لجاز أن تنعقد جملة تامة من بعضها ومن اسم معنى، كما تنعقد منه ومن اسم زمان، وفي عدم ذلك دليل على إبطالها هذه الدعوى.
الخامس: أن الأفعال لا تمتاز إلا بالحدث، فهي وإن تساوت في الزمان فقد افترقت بالنسبة إلى الحدث، فإذا زال ما به الافتراق، وبقي ما به التساوي، فلا فرق بين: كان زيد غنيًا، وصار زيد غنيًا، والفرث حاصل، فبطل ما يوجب خلافه، وأيضًا فيلزم تناقض أصبح زيد ظاعنًا، وأمسى مقيمًا، إذ يكون معناه: زيد قبل وقتنا ظاعن مقيم، وإنما يزول التناقض بمراعاة دلالة الفعلين على الإصباح والإمساء.
السادس: أن من جملتها "انفك"، ولابد معها من ناف، فلو كانت لا تدل على الحدث للزم أن يكون معنى ما انفك زيد غنيًا: ما زيد غنيًا في وقت من الأوقات الماضية، وذلك نقيض المراد.

السابع: أن منها "دام"، ومن شرط عملها عمل "كان" كونها صلة لـ"ما" المصدرية، ومن لوازم ذلك صحة تقدير المصدر في موضعها، فلو جردت من الحدث لم يقم مقامها اسم الحدث.
الثامن: أن دلالته على الحدث أقولا من دلالته على الزمان؛ لأن دلالته على الحدث لا تتغير، ودلالته على الزمان تتغير بالقرائن، فدلالته على الحدث أولى/ بالبقاء من دلالته على الزمان.
التاسع: لو كانت لمجرد الزمان لم يغن عنها اسم الفاعل، كما جاء في الحديث: "إن هذا القرآن كائن لكم أجرًا، وكائن عليكم وزرًا"، وقال س: "قال الخليل: هو كائن أخيط، على الاستخفاف، والمعنى: كائن أخاك"، قال: وما كل من يبدي البشاشة كائنًا أخاك إذا لم تلفه لك منجدا لأن اسم الفاعل لا دلالة فيه على الزمان، بل هو دال على الحدث وما هو به قائم أو ما هو عنه صادر، ومثله: قضى الله يا أسماء أن لست زائلًا أحبك حتى يغمض العين مغمض أراد: أن لست أزال أحبك، فأعمل اسم الفاعل عمل الفعل.
العاشر: لو كانت مجردة من الحدث مخلصة للزمان لم يبن منها أمر كقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾؛ لأن الأمر لا يبنى مما لا دلالة فيه على الحدث.
انتهى كلام المصنف، وفيه بعض تلخيص.

وقال المصنف في الشرح: "وما ذهبت إليه من كونها دالة على مصادرها هو الظاهر من قول س والمبرد والسيرافي.
وسبب تسميتها نواقص إنما هو لعدم اكتفائها بالمرفوع، وإنما لم تكتف به لأن حدثها مقصود إسناده إلى النسبة التي بين معموليها، فمعنى كان زيد عالمًا: وجد اتصاف زيد بالعلم، والاقتصار على المرفوع غير كاف بذلك، فلذلك لم يستغن به عن الجزء الثاني، وقد أشار س إلى هذا المعنى بقوله: "تقول كان عبد الله أخاك، فإنما أردت أن تخبر عن الأخوة"، فبين أن "كان" مسندة إلى النسبة، فمن ثم نشأ عدم الاكتفاء بالمرفوع".
وقوله: وإن أريد بكان ثبت قال المصنف في الشرح: "ثبوت كل شيء بحسبه، فتارة يعبر عنه بالأزلية نحو: كان الله ولا شيء معه، وبـ"حدث": إذا كان الشتاء فأدفئوني................................. وبـ"حضر" ﴿وإن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾، وبـ"قدر" أو "وقع": ما شاء الله كان" انتهى.
وهي في هذه المعاني لازمة.

وقال بعض أصحابنا: " وبمعنى خلق، يقال: كان عبد الله، أي: خلق، وبمعنى "أقام"، ومن ذلك قول الشاعر: كانوا، وكنا، فما ندري على وهل أنحن فيما لبثنا أم هم عجل" انتهى.
فأما قوله: " بمعنى خلق" فهي التي بمعنى حدث، وكان قد ذكر أنها تأتي بمعنى حدث، فجعلهما معنيين، وهما معنى واحد.
وقوله أو كقل أو غزل يقال: كنت الصبي: كفلته، ومصدرها كيانة، وكنت الصوف: غزلته.
وودن كان فعل بفتح العين.
وذكر صاحب الكتاب المحلي -وهو أبو غانم المظفر بن أحمد النحوي- أن الكسائي زعم أن أصل كان فعل كقولك ظرف وكرم، قال: "ولو كان كما زعم لما قالوا: هو كائن؛/ لأن فعل الاسم منه فعيل كقولك كريم وظريف، وخالفه جميع النحويين من أهل الكوفة والبصرة" انتهى.
وقوله وبتواليها الثلاث دخل في الضحى والصباح والمساء مثاله قوله: ومن فعلاتي أنني حسن القرى إذا الليلة الشهباء أضحى جليدها وقوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾، وقال الشاعر:

وتشكو بعين ما أكل ركابها وقيل المنادي أصبح القوم أدلجي أي: دخلوا في الصباح.
فأما قوله: فأصبحوا والنوى عالي معرسهم.................................... فالواو عند الأخفش زائدة، وعند غيره أنها واو الحال، وأصبحوا تامة.
وقال آخر: حتى إذا الهيق أمسى شام أفرخه وهن لا مؤنس نأيا ولا كثب أي: دخل في المساء.
وتكون الثلاثة أيضًا للدلالة على إقامة الفاعل في الأوقات التي تشاركها في الحروف، تقول: أمسى زيد وأضحى وأصبح، أي: أقام في المساء والضحى والصباح، ومن ذلك قولهم: "إذا سمعت بسرى القين فاعلم أنه مصبح" أي: مقيم في الصباح.
وقوله وبظل دام أو طال وزاد غيره ظل بمعنى: أقام نهارًا.
وقوله وببات نزل ليلًا قال في الشرح: "بات بالقوم، وبات القوم إذا نزل بهم ليلًا، فتستعمل متعدية بنفسها وبالباء".
وقال غيره: وبات

بمعنى أقام ليلًا.
ومثال تمامها قوله: نحن أدلجنا، وهم باتوا ليت شعري ما أنامهم؟ ومثال نقصها: ................................. باتت طرابًا، وبات الليل لم ينم وقوله: باتوا نيامًا، وابن هند لم ينم وقوله وبصار رجع أو ضم أو قطع قال في الشرح: "يراد بها معنى رجع فتتعدى بإلى".
وقال غيره: بمعنى انتقل، فتتعدى بإلى، ومن ذلك قوله: وصرنا إلى الحسنى، ورق كلامنا....................................... وقال ابن هشام: ومعنى صار الانتقال، وذلك على وجهين: انتقال بالذات كقولك: صار الماء بخارًا، والميت ترابًا، والطعام عذرة.
وانتقال

بالعرض كقولك: صار الغني فقيرًا، والجواد شحيحًا، ومنه: صار هذا الفرس إلى عمرو، وكل حي صائر إلى الزوال.
وقال ابن الدهان في الغرة ما معناه: صار تامة، فتتعدى إلى المفعول بحرف الجر، ولابد، نحو: صرت إلى البلد الفلاني.
وناقصة، وفيها اتساع من وجهين: سلبها الدلالة على المصدر وإلزامها الخبر.
والثاني جعلها تدل على زمن الوجود دون الزمن الماضي، نحو: كان فقيهًا فصار نحويًا.
ولم تستعمل زائدة فيما علمت، وقد زعم قوم أنه لا يمتنع.
وقد حذف خبرها في قول عمرو بن الأهتم: /فإن قصدوا لمر الحق فاقصد وإن جاروا فجر حتى يصيروا أي: حتى يصيروا تبعًا لك.
وقوله وبدام بقى أو سكن وذلك نحو ﴿مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ والأَرْضُ﴾، أي: ما بقيت، و"لا يبولن أحدكم في الماء الدائم" أي: الساكن.
وقوله وببرح ذهب أو ظهر فسر قولهم: "برح الخفاء" بذهب وبظهر.
وقوله وبوني فتر استعمالها بمعنى فتر أشهر من استعمالها بمعنى زال الناقصة، قاله المصنف، وقد ذكرنا ما استدل به على أنها ناقصة، وتأولناه.

وقوله وبرام ذهل أو فارق يقال: ما رام، أي: ما فارق، والذهاب والمفارقة معنى واحد، وليسا معنيين.
وقوله وبأنفك خلص أو انفصل يكون مطاوع فك الخاتم وغيره: فصله، والأسير؛ خلصه، وهما متقاربان.
وقوله وبفتأ كسر أو أطفأ قال المصنف في الشرح: "وتتم فتأ بأن يراد بها معنى كسر أو أطفأ، حكى الفراء: فتأته عن الأمر: كسرته، والنار: أطفأتها" انتهى.
وهذا الذي ذكر المصنف من أن "فتأ" تتم، فتكون بمعنى كسر أو أطفأ وهم وتصحيف، والله أعلم، نبه عليه الأمير العالم علاء الدين علي بن الفارسي، وكشف مادة "فتأ" في الصحاح والمحكم والصاغاني،

فلم يجد أحدًا منهم ذكر أن "فتأ" تكون تامة بمعنى سكن أو كسر أو أطفأ، وإنما ذكر ذلك في مادة "فثأ" بالثاء المثلثة، قال في الصحاح: "فثأت القدر: سكن غليانها، وفثأت الرجل فثئًا: كسرته عنه وسكنت غضبه".
وقال في المحكم: فثأ غضبه يفثؤه فثئًا: كسره وسكنه، والشيء: سكن برده بالتسخين، والشمس الماء فثوءًا: كسرت برده، وفثأ القدر يفثؤها فثئًا وفثوًا: سكن غليانها، كثفأها، وفثأ الشيء عنه: كفه.
وقوله سميت تامة، وعملت عمل ما رادفت بمعنى أنها لا تكون نواقص في شيء من هذه المعاني، فتحتاج إلى خبر.
وبقي من الأفعال ما لزم النقص ولم يتم مما دل عليه مفهوم كلام المصنف هنا ومنطوقه في الشرح: ليس وزال وفتئ، أما "ليس" فقد ذهب الكوفيون إلى أنها يعطف بها في المفردات، فتقول: قام القوم ليس زيد، ورأيت القوم ليس زيدًا، ومررت بالقوم ليس زيد.
ولا يحوز هذا عند البصريين.
وأما إذا دخلت إلا في خبرها فلا تعمل البتة في لغة تميم، غلبوا عليها شبه "ما"، فإذ ذاك لا توصف بنقص ولا بتمام.
وأما "زال" التي مضارعها "يزال" فذهب أبو علي في الحلبيات إلى إجازة أن تكون تامة، ولم يحفظ ذلك، إلا أنه أجازه بالقياس، فقال: "لا يمتنع عندي أن يجوز الاقتصار على الفاعل، كما يجوز في كان إذا أريد

به وقع".
قال: "ويدل على هذا ما حكي في تصاريف هذه الكلمة من قولهم زيلت وزايلت، و: ...................................... تزيل بين الجيرة الخلط ثم نقل إلى الأفعال/ التي تدل على الزمان مجردة من الحدث ككان وبابه، فلزما الخبر".
يعني أنه كما استعملت تصاريف "زال"، وهي زايل وزيل وتزيل، غير مفتقرة إلى خبر، فكذلك يجوز أن تستعمل "زال" غير مفتقرة إلى خبر.
قال بعض أصحابنا: ويقوى ما ذهب إليه أبو علي من استعمال زال يزال تامة قول الشاعر: وما إن يزال رسم دار قد اخلقت وعهد لميت بالفناء جديد ألا ترى أن قوله: "قد أخلقت" صفة لدار، ولم يأت لاسم يزال بخبر، وكذلك "عهد" معطوف على "رسم"، و"لميت" متعلق به، و"بالفناء" صفة لميت، وجديد صفة لعهد، ولم يأت بعد ذلك خبر.
ولا يجوز أن يكون "وعهد" مبتدأ"، و"جديد" خبره؛ لأنه ليس المعنى على ذلك، بل المعنى: ولا يزال عهد لميت بالفناء جديد، فيلزم أن يكون عهد معطوفًا على رسم.
وقال المصنف في الشرح: "وقد يعضد رأيه -أي: رأي أبي علي في ذلك- أي- في إجازة أن تكون زال التي مضارعها يزال تامة-

بقول الشاعر: وفي حميا بغيه تفجس ولا يزال وهو ألوى أليس فاستغنى بالجملة الحالية عن الخبر".
قال: "ولنا أن نقول: الخبر محذوف، والتقدير: ولا يزال متفجسًا وهو ألوى أليس، والتفجس: التكبر، والأليس: الشجاع" انتهى.
وأما "فتئ" بكسر التاء فلا أعلم أحدًا ذكر أنها تكون تامة إلا الصاغاني، فإنه ذكر أن من نوادر الأعراب: "فتئت عن الأمر فتئًا إذا نسيته"، فتكون على هذا "فتئ" تامة بمعنى نسي.
وذكر المصنف في الشرح أن فتأ وأفتأ أيضًا ناقصتان فقط، ولا تكونان تامتين، وعدهما مع فتئ وزال ماضي يزال وليس، ثم ذكر فيه أن فتأ تكون بمعنى كسر وأطفأ، فتتم.
فقد اضطرب قوله في "فتأ"، وقد بينا وهمه في فتأ وتصحيفه فيه، والله أعلم.
وزعم المهاباذي وأبو الحكم بن رختاط أن "ظل" لا تستعمل تامة، ولا تستعمل إلا ناقصة، زاد المهاباذي: في فعل النهار.
وما ذهبا إليه مخالف لما نقل أئمة اللغة والنحو أنها تكون تامة.
وأما قول المهاباذي "إنها لا تستعمل إلا في فعل النهار" فسيأتي رده إن شاء الله.
وقوله وكلها تتصرف إلا ليس ودام تصرفها هو أن يستعمل منها ماضٍ

ومضارع وأمر واسم فاعل ومصدر، إلا أن الأمر لا يتأتى صوغه من المستعمل منفيًا.
فأما "ليس" فمجمع على أنها لا تتصرف.
وأما "دام" ففي بعض كتب المتأخرين أنها إذا كانت ناقصة لا تتصرف، وهذا هو مذهب الفراء، زعم الفراء أن ما دام لا يبنى منها المضارع، فلا يقال: لا أفعل هذا ما يدوم زيد قائمًا، وذكر أن السبب في ذلك أنه إذا قلت "أفعل هذا ما دام زيد قائمًا" كان مشبهًا للشرط الذي تقدم/ جوابه؛ ألا ترى أن معنى ذلك معنى قولك: أفعل هذا إن دام زيد قائمًا، والشرط الذي تقدم جوابه عليه لا يكون فعله إلا ماضيًا؛ ألا ترى أن العرب تقول: "أنت ظالم إن فعلت"، ولا تقول: أنت ظالم إن تفعل.
وهذا الذي ذكره الفراء أنه لا يجوز أن تقول: "أفعل هذا ما يدوم زيد قائمًا" لم يذكره البصريون، قال بعض أصحابنا: "فإن صح أن العرب لا تقول ذلك فوجهه ما ذكره الفراء" انتهى.
وهذا التعليل الذي ذكره الفراء لا يصح لأن ما المصدرية الظرفية توصل بالمضارع كما قال: أطوف ما أطوف، ثم آوي إلى بيت قعيدته لكاع فلو كانت هذه "ما" لحظ فيها هذه العلة لما جاز أن توصل بالمضارع، ولا فرق في الوصل بين أن يكون الفعل تامًا أو ناقصًا.
قال ابن الدهان: ولا يستعمل في موضع دام "يدوم" لأنه جرى كالمثل عندهم.
ص: ولا تدخل "صار" وما بعدها على ما خبره فعل ماض، وقد تدخل عليه "ليس" إن كان ضمير الشأن، ويجوز دخول البواقي عليه مطلقًا،

خلافًا لمن اشترط في الجواز اقتران الماضي بـ"قد".
ويجوز في نحو "أين زيد"؟ توسيط ما نفي بغير "ما" من زال وأخواتها، ولا توسيط "ليس"، خلافًا للشلوبين.
وترد الخمسة الأوائل بمعنى صار، ويلحق بها ما رادفها من آض وعلا وآل ورجع وحار واستحال وتحول وارتد، وندر الإلحاق بصار في "ما جاءت حاجتك" و"قعدت كأنها حربة".
والأصح أن لا يلحق بها "آل" ولا "قعد" مطلقًا، وأن لا يجعل من هذا الباب "غدا" و"راح"، ولا "أسحر وأفجر وأظهر".
ش: الذي بعد "صار" هو: ليس ودام وزال وأخواتها، ومعناها مناف للماضي، وذلك أن صار وما دام وما زال وأخواتها تعطي الدوام على الفعل واتصاله بزمان الإخبار، والأفعال الماضية تعطي الانقطاع، فتدافعا.
وقوله وقد تدخل عليه "ليس" إن كان ضمير الشأن معناه: إن كان ما خبره فعل ماض ضمير الشأن.
وظاهر كلام المصنف أنه لا يجوز أن يقع خبر "ليس" فعلًا ماضيًا إلا إن كان اسمعا ضمير الأمر والشأن، ولهذا قال في الشرح ما نصه: "حكي س من قول بعض العرب: ليس خلق الله أشعر منه، وليس قالها زيد، والوجه في هذا أن يكون في "ليس" ضمير الشأن، والجملة بعده خبر" انتهى.
وقال الأستاذ أبو علي الشلوبين في قول س "ليس خلق الله مثله": "يحتمل ثلاثة أشياء؛ أحدها أن تكون ليس مشبهة بما، فلا تحتاج إلى اسم

وخبر، ولا يكون فيها ضمير أمر وشأن بدليل قوله في باب حروف أجريت مجرى حروف الاستفهام: "وقد زعم/ بعضهم أن ليس كـ"ما"، وذلك قليل لا يكاد يعرف" فلا ينبغي أن يحمل عليه ما وجدت مندوحة.
فلم يبق إلا الوجهان الباقيان، عدل إلى أحدهما لأن هذا موضع تعظيم وتشريف، وضمير الشأن والقصة على هذا وضعه لا يقال إلا في موضع الإبهام والتعظيم.
فإن قلت: إنما فر إلى ذلك لأن خبر "ليس" لا يكون بالماضي فرارًا من التناقض لأنها لنفس الحال، فبعدت نسبته من الماضي.
فهذا ليس بشيء، وإنما ذلك مختص بكان؛ ألا ترى لما ذكر في باب اسم الفاعل "كان ضاربًا أباك" قدره: كان يضر أبا، ولم يقدره بضرب لئلا يقع الماضي خبرًا عن كان.
والدليل على جواز ذلك في "ليس" أن س قد ذكر في أبواب الاشتغال: ما زيد ضربته، وجعلها حجازيو، وهي كليس، فقد وقع الماضي في خبرها.
وأيضًا قد قال في باب حروف أجريت مجرى حروف الاستفهام: "كأنك قلت: ليس زيد ضربته"، فهذا نص على أن ليس قد يقع في خبرها الماضي.
وتحقيق القول فيها أنه إذا وقع النفي بها مطلقًا لم تنف إلا الحال وحده، وذلك إذا دخلت على جملة غير مقيدة بزمان، نحو: زيد قائم، وإذا وقع النفي بها مقيدًا نفت جميع أنواع الفعل، نحو: زيد قام، وزيد يقوم" انتهى.

وتحصل من ذلك أن الماضي يقع خبرًا لـ"ليس" على الإطلاق، وقد حكي ابن عصفور اتفاق النحويين على ذلك من غير تقييد لا بضمير أمر ولا غيره، فتخصيص ذلك بما كان اسمها ضمير الشأن ليس بصحيح.
وما ذكره الأستاذ أبو علي من أن تقدير س كان زيد ضاربًا أباك: كان يضرب أباك، ولم يقدره بضرب لئلا يقع الماضي خبرًا لكان ليس بصحيح، وإنما قدره بالمضارع لا الماضي لأن ضاربًا قد عمل في أباك النصب، فلو قدره بضرب كان يكون قد أعمل اسم الفاعل، وهو ماض، وليس مذهبه.
وما ذكره الأستاذ أيضًا من كون "ليس" لنفي الحال في الجملة غير المقيدة بزمان، وأما المقيدة بزمان فإنها تنفيه على حسب القيد، هو الصحيح.
وإلى أنها قد تنفي في الاستقبال ذهب ابن السراج، وتابعه الصيمري، قال: "لأن لفظ الحال والاستقبال واحد".
ومنعه الزمخشري، فقال: "ولا تقول: ليس زيد قائمًا غدًا".
وقال بعضهم: هي للنفي مطلقًا.
وفي "الغرة": وقد منعوا من قولهم: ليس زيد قد ذهب، ولا: قد يذهب، لتضاد الحكم بين "قد" و"ليس".

وقوله ويجوز دخول البواقي عليه مطلقًا، خلافًا لمن اشترط في الجواز اقتران الماضي بـ"قد" هذا مذهب الكوفيين.
وحجة المنع أن "كان" وأخواتها إنما دخلت على الجمل لتدل على الزمان، فإذا كان الخبر يعطي الزمان لم يحتج إليها، وكان ذكرها /فضلًا؛ ألا ترى أنك إذا قلت: "زيد قام" كان المفهوم منه ومن "كان زيد قام" واحدًا، فإن جاء شيء من ذلك فهو عنده على إضمار "قد" لأنه يقرب الماضي من الحال.
والصحيح جواز ذلك دون اشتراط قد، وذلك أنك إذا قلت "أصبح زيد خرج" دل على أن الخروج الماضي كان في وقت الصباح، وكذلك أمسى وأضحى وظل وبات، فأما في "كان" فإنها تفيد التوكيد، والتأكيد أولى من إضمار حروف المعاني لكثرة ذلك وقلة هذا.
وأيضًا فقد كثر ذلك في كلامهم نظمًا ونثرًا كثرة توجب القياس.
قال تعالى: ﴿إن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ﴾، ﴿وَإن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ﴾، ﴿إن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾، ﴿إن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي﴾، ﴿إن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ﴾، ولا يعتذر عن هذا بأن الذي سوغ ذلك دخول أداة الشرط على "كان" لأنها مخلصة للاستقبال، وكأنه قال: إن يكن قميصه قد من قبل؛ لأنه اعتذار لا يطرد لنقضه بقوله تعالى: ﴿ولَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ﴾، وبقوله ﴿أَوَ لَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم﴾، وبقول الشاعر:

وكان طوى كشحًا على مستكنة فلا هو أبداها، ولم يتجمجم وقول الآخر: وكنا حسبناهم فوارس كهمس حيوا بعدما ماتوا من الدهر أعصرا وقول الآخر: وكنا ورثناه على عهد تبع طويلًا سواريه شديدًا دعائمه وقول الآخر: وكنا حسبنا كل بيضاء شحمة عشية لا قينا جذام وحميرا وقول الآخر: وأصبحت ودعت الصبا غير أنني أراقب خلات من العيش أربعا وقول الآخر:

ورأوا عقابهم المدله أصبحت نبذت بأغلب ذي مخالب جهضم وحكي الكسائي عن العرب: "أصبحت نظرت إلى ذات التنانير" يعني ناقته، وقال الشاعر: أمست خلاء، وأمسى أهلها احتملوا أخنى عليها الذي أخنى على لبد وقال الآخر: فأمسى مقفرًا لا حي فيه وقد كانوا، فأمسى الحي ساروا كانوا ناقصة، والخبر محذوف.
أي: وقد كانوا فيه، وقال الآخر: ثم أضحوا لعب الدهر بهم وكذاك الدهر حالًا بعد حال وينبغي أن يقيد كونها يقع الماضي خبرًا لها بأن لا تكون بمعنى "صار"، فإنها إذا كانت بمعنى "صار" فلا يقع الماضي خبرًا لها، ويمتنع ذلك من حيث امتنع في "صار".
وقوله ويجوز في نحو "أين زيد" توسيط ما نفي بغير "ما" من "زال" وأخواتها فتقول: أين لم يزل زيد؟ وأين لا يزال زيد؟ وأين لن يزال زيد؟ فلو كان النفي بـ"ما" لم يجز ذلك لأن "ما" لها صدر الكلام، فلا يتقدم ما في حيزها عليها، وقد تقدم نحو من هذا قبل في أوائل الباب في قوله: "وتختص دام والمنفي بما بعدم الدخول على ذي خبر مفرد طلبي"، فدل

ذلك على أن المنفي بـ"ما" لا يكون خبره مفردًا طلبيًا، فلا يجوز: أين ما كان زيد؟ ولا: أين ما زال زيد؟ وينبغي أن يجري فيه خلاف ابن كيسان في إجازته: قائمًا ما زال زيد، بل ينبغي أن يوجب هنا التقديم لأجل الاستفهام.
وقوله لا توسيط "ليس" خلافًا للشلوبين قال المصنف في الشرح: "أجاز أبو علي الشلوبين أن يقال: أين ليس زيد؟ بناء على اعتقاد جواز تقديم خبر ليس، وقد تقدمت الدلائل على أن الصحيح منع تقديم خبرها، فالحق أحق أن يتبع، ولا مبالاة بمن منع" انتهى.
فقوله: "وقد تقدمت الدلائل" إلى آخره لم يتقدم له دليل على ذلك، ولا ذكر المسألة إلا بعد ذلك بأسطار كثيرة، قال: "ولا يتقدم خبر ما دام اتفاقًا، ولا خبر ليس على الأصح".
وحين شرح هذا الكلام ذكر الأدلة، فقوله: "وقد تقدمت" ذهول منه.
ولا ينبغي أن يرد على أبي علي الشلوبين بما رد به المصنف، إنما يرد عليه بأن "ليس" إنما موضوعها نفي الأخبار لا نفي الذوات، ومتعلق النفي إنما هو الخبر، وهو الذي يحتمل الصدق والكذب، فيحتمل أن ينفى، ويحتمل أن يثبت، وإذا كان كذلك فالاستفهام ليس هو إذا وقع خبرًا لـ"ليس"، وذلك بخلاف ما زال"، فغن "ما زال" صورتها النفي، ومعناها الإيجاب، فكما يجوز: أين كان زيد؟ يجوز: أين لم يزل زيد؟

والشلوبين هذا هو أبو علي عمر بن محمد بن عمر الأزدي، من أهل إشبيلية، رئيس النحاة وشيخهم، أخذ العربية عن أبي إسحاق بن ملكون، وأبي الحسن نجبة بن يحيى بن نجبة وغيرهما، وسمع من أبي بكر بن الجد كتاب سيبويه وغيره، وكان في وقته علمًا في العربية، إليه يرحل الناس من بلاد المغرب، لا يجاري، ولا يباري، قيامًا عليها واستبحارًا، وهو شيخ شيوخنا أبي الحسن الأبذي وأبي الحسن بن الضائع وأبي الحسين بن أبي الربيع وأبي جعفر اللبلي وغيرهم من شيوخنا، وشيخ شرف الدين أبي عبد الله محمد بن أبي الفضل المرسي، والأستاذ أبي الحسن بن عصفور، والأستاذ أبي العباس بن الحاج، والأستاذ أبي

زكريا بن ذي النون، والأستاذ أبي جعفر بن أبي رقيقة، وغيرهم من مشاهير النحاة، ولم ينجب أحد فيما علمناه من أهل النحو إنجابه، وقد جمعت من تلاميذه نحوًا من ثلاثين تلميذًا ليس منهم أحد إلا مشهورًا بالعلم والنحو.
مولده سنة اثنتين وستين وخمسمائة، وتوفي منتصف صفر سنة خمس وأربعين وستمائة بإشبيلية.
/والشلوبين لقب لأبيه، ثم غلب على الأستاذ أبي علي.
وقوله وترد الخمسة الأوائل بمعنى صار يعني: كان وأضحى وأصبح وأمسى وظل، شواهد على ذلك قوله تعالى: ﴿وبُسَّتِ الجِبَالُ بَسًّا (5) فَكَانَتْ هَبَاءً مُّنْبَثًا (6) وكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً (7)﴾، وقال: بتيهاء قفر، والمطي كأنها قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها وقال: حتى إذا حل بك القتير والرأس قد كان به شكير وقال:

أضحى يمزق أثوابي، ويضربني أبعد ستين عندي تبتغي الأدبا وقال: ثم أضحوا كأنهم ورق جـ ـف فألوت به الصبا والدبور وقال تعالى: ﴿فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إخْوَانًا﴾، وقال: أصبحت لا أحمل السلاح، ولا أملك رأس البعير إن نفرا وقال: وأصبحت ودعت الصبا غير أنني............................... وأنشد المصنف: أمست خلاء، وأمسى أهلها احتملوا........................... فإن كان الشاهد في "أمست خلاء" فصحيح، وإن كان في "أمسى أهلها احتملوا" أو في مجموعهما فليس بصحيح لأنه لا يتأتى تقدير ذلك في "وأمسى أهلها احتملوا" لوقوع الماضي خبرًا لها، وهي إذا كانت بمعنى "صار" لا يقع الماضي خبرًا لها، كما لا يقع خبرًا لـ"صار"، وقد نبهنا قبل على ذلك.
وقال تعالى: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ أي: صارت، وقال:

﴿ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًا﴾ أي: صار.
وذهب لكذة الأصبهاني والمهاباذي شارح "اللمع" إلى أن "ظل" لا تكون بمعنى "صار"، بل لا تستعمل إلا في فعل النهار.
وقال نحوه السيرافي، قال: ظل لما يستعمله الإنسان نهارًا، ولا تستعمل إلا ناقصة.
وقال أبو بكر: هو مشتق من الظل، وإنما يستعمل في الوقت الذي للشمس فيه ظل، وهو من طلوع الشمس إلى غروبها، وقال الأعشى: يعل منه فو قتيلة بالـ إسفنط لما بات فيه وظل ساوى بينهما، و"بات" لليل، و"ظل" للنهار.
وقال هشام: هو بين الصباح والمساء، وعاب لكذة على الأعشى قوله: /يظل رجيمًا لريب المنو ن والهم في أهلها والحزن فزعم أن "يظل" خطأ، قال: لأن الظلول لا يكون إلا نهارًا.
وقال: افتراه يظل نهاره رجيمًا لريب المنون، فإذا كان الليل أمن.
وقال: لا يقال: ظل فلان عمره سفيهًا؛ لأن الظلول إنما خص به يوم واحد.
ثم قال: لا يقال: ظل فلان شهره سائرًا إلا أن يكون إنما كان سيره نهارًا خاصة.
فناقض.

وهذا الذي ذهب إليه لكذة والمهاباذي والسيرافي وأبو بكر وهشام خطأ، بل نقل الناس أن "ظل" تكون بمعنى "صار"، وقد رد أبو حنيفة الدينوري على لكذة قوله، وقال: إنا نقول: أفترى أنت أن السامري الذي ظل على العجل عاكفًا إنما كان يعبده نهارًا، فإذا جاء الليل كفر به، وما قالوا: ﴿لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْنَا مُوسَى﴾، وكانت غيبته فيما يقال أربعين يومًا.
وينبغي على هذا القياس في قول الله جل ثناؤه: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَّظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ أن يكون كفرهم بالنهار خاصة وأن لا يكفروا بالليل.
وينبغي أيضًا في قول الشاعر: وإخوان صدق لست أطلع بعضهم على سر بعض غير أني جماعها يظلون شتى في البلاد، وسرهم... إلى صخرة أعيا الرجال انصداعها أن يكون هؤلاء القوم بالنهار شتى دون الليل، أفتراهم بالليل يجتمعون جميعًا وواحد بالغور وآخر بنجد؟ وكذلك قول الآخر يذكر سبعًا أقام معه في مغارة يردان قلتا: ظللنا به جارين نحترس الثأى يسائرنا من نطفة ونسائره أي: أقمنا يشرب سؤري، وأشرب سؤره، ويحترس كل واحد منا من فساد صاحبه، وهو الثأى، أفتراه كان يحترس منه بالنهار دون الليل، والخوف بالليل أشد، والعدوة فيه أمكن؟ وإنما هذا كله على معنى المكث، وقد نعلم أنهم إذا نصوا على النهار لم يقولوا إلا ظللنا، ولم ينصوه على

الليل، فإذا أبهم ولم ينص قالوا: ظللنا مقامنا هنالك في تعاد وتباغض، فغلب ما يكون على النص بالنهار، قال ذو الرمة: حتى إذا يبست بهمي لوى لبن واصفر بعد سواد الخضرة العود ظللت تخفق أحشائي على كبدي كأنني من حذار البين مورود أفتراه كان يحاذر بالنهار ويأمن بالليل، فيكون بالنهار على يقين من أنهم سيتفرقون/، وبالليل على علم أنهم لا يتفرقون؟ انتهى كلام أبي حنيفة، وفيه بعض اقتصار، وفي هذه الشواهد كلها رد على لكذة حيث زعم أن الظلول يخص به يوم واحد، وقد ذكرنا تناقضه في كلامه.
وزعم الزمخشري أن "بات" قد تستعمل بمعنى "صار".
وقال المصنف في الشرح: "وليس بصحيح لعدم شاهد على ذلك مع التتبع والاستقراء، وحمل بعض المتأخرين على ذلك قول النبي صلي الله عليه وسلم: "فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده"، ولا حاجة إلى ذلك لإمكان حمل "بات" على المعنى المجمع عليه، وهو الدلالة على ثبوت مضمون الجملة ليلًا، كما أن "ظل" غير المرادفة لـ"صار" لثبوت مضمون الجملة نهارًا، كما قال الراجز: أظل أرعى، وأبيت أطحن الموت من بعض الحياة أهون

ومن أصلح ما يتمسك به جاعل "بات" بمعنى "صار" قول الشاعر: أجني كلما ذكرت كليب أبيت كأنني أطوي بجمر لأن "كلما" تدل على عموم الأوقات، و"أبيت" إذا كانت على أصلها مختصة بالليل" انتهى.
وقوله ويلحق بها ما رادفها من: آض وعاد وآل ورجع وحار واستحال وتحول وارتد الضمير في "بها" عائد على "صار"، وشواهد ذلك: ربيته حتى إذا تمعددا وآض نهدًا كالحصان أجردا وصار مضلي من هديت برشده فلله مغو عاد بالرشد آمرًا وتقول: عاد الطين خزفًا، ومن ذلك قوله: تعد فيكم جزر الجزور رماحنا ويرجعن بالأكباد منكسرات فـ"جزر الجزور" خبر "تعد" لأنه معرفة، هذا هو الوجه فيه.
قال ابن عصفور: "وقد يجوز فيه أن يكون حالًا لأن المعنى: مثل جزر الجزور،

وما كان على معنى "مثل" من الأسماء فقد تجعله العرب نكرة، وتنصبه على الحال، وإن كان بلفظ المعرفة" انتهى.
وممن ذكر أن "عاد" قد تكون من أخوات "كان" أبو الحجاج الأعلم.
ومن النحويين من لم يلحق "آض" ولا "عاد" بأفعال هذا الباب، فنصب ما يأتي بعدها على الحال، ولأنها تعدي بحرف الجر، تقول عاد زيد إلى كذا، وآض إليه، أي: رجع، و"أيضًا" مصدرها.
وأنشد المصنف على أن "آل" بمعنى "صار" قول الشاعر: وعروب غير فاحشة ملكتني ودها حقبا ثم آلت لا تكلمنا كل حي معقب عقبا /ولا حجة في هذا لأنه يحتمل أن يكون "آلت" بمعنى: حلفت، و"لا تكلمنا" جواب القسم كقوله: .............................................. وآلت حلفة لم تحلل "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض"، وقال: قد يرجع المرء بعد المقت ذا مقة بالحلم، فادرأ به بغضاء ذي إحن وما المرء إلا كالشهاب وضوئه يحور رمادا بعد إذ هو ساطع

"فاستحالت غَرْبًا".
وقال: إن العداوة تستحيل مودة بتدارك الهنوات بالحسنات وبدلت قزحا داميا بعد صحة لعل منايانا تحولن أبؤسا لا يوئسنك سؤال عيق عنك فكم بؤس تحول نعمى أنست النقما ﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾، وارتد مطاوع رد، ورد تكون بمعنى صير، وستأتي إن شاء الله.
وقوله وندر الإلحاق بـ"صار" في "ما جاءت حاجتك" و"قعدت كأنها حربة" أما "ما جاءت حاجتك" فقيل: أول من قالها الخوارج، قالوها لابن عباس حين أرسله علي كرم الله وجهه إليهم.
ويروى برفع "حاجتك" على أن "ما" خبر "جاءت"، قدم لأنه اسم استفهام، التقدير: اية حاجة صارت حاجتك؟ ويروى بالنصب على أن تكون خبر "جاءت"، واسمها مستتر فيها عائد على معنى "ما"، والتقدير: أية حاجة صارت حاجتك؟ وما: مبتدأ، والجملة بعده خبر، ويقتصر بها على هذا المثل.

وطرد استعمالها بعضهم لقوة الشبه بينها وبين "صار"، فجعل من ذلك قولهم: جاء البر قفيزين وصاعين، والصحيح أن هذا حال.
وأما "قعدت كأنها حربة" فقالوا: شحذ شفرته، ويروى: أرهف شفرته، حتى قعدت كأنها حربة، أي: صارت كأنها حربة، فـ"كأنها حربة" خبر "قعدت".
وقوله والأصح أن لا يلحق بها "آل" كأنه ذهب إلى أن البيت الذي أنشده لا حجة فيه لاحتمال ما ذكرناه من كون "آلت" فيه بمعنى "حلفت".
وقوله ولا "قعد" مطلقًا يعني أنه إنما تستعمل "قعد" بمعنى "صار" حيث وردت، ولا تقاس.
وذهب الفراء إلى أنه يطرد جعل قعد بمعنى صار، وجعل من ذلك قول الراجز: لا يقنع الجارية الخضاب ولا الوشاحان ولا الجلباب من دون أن تلتقي الأركاب ويقعد الأير له لعاب وحكي الكسائي: "قعد لا يسأل حاجة إلا قضاها" بمعنى صار.
وجعل الزمخشري من ذلك قوله تعالى: ﴿فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولاً﴾.
قال

المصنف: "ويمكن أن يكون /منه قول الشاعر: ما يقسم الله أقبل غير مبتئس منه، وأقعد كريما ناعم البال" انتهى.
وأما قولهم: "فلان قعد يتهكم بعرض فلان" فزعموا أن "قعد" زائدة؛ إذ المعنى: فلان يتهكم بعرض فلان، ولا معنى لقعد هنا إلا الزيادة.
وقوله وأن لا يجعل من هذا الباب غدا وراح قال المصنف في الشرح: "ألحق قوم منهم الزمخشري وأبو البقاء بأفعال هذا الباب "غدا" و"راح"، وقد يستشهد على ذلك بقول ابن مسعود رضي الله عنه "اغد عالما أو متعلما، ولا تكن إمعة"، وبقول النبي عليه السلام: "لو توكلتم على الله حق توكله لرزقتم كما ترزق الطير، تغدو خماصا، وتروح بطانا".
والصحيح أنهما ليسا من الباب، وإنما المنصوب بعدهما حال إذ لا يوجد إلا نكرة" انتهى.
وقد أدخلهما في هذا الباب أبو موسى الجزولي والأستاذ أبو

الحسن بن عصفور، وقال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: "وأما غدا وراح فيستعملان تامين وناقصين، فإذا استعملا تامين دلا على دخول الفاعل في الوقت الذي اشتقا من اسمه على حسب ما تقتضيه الصيغة من مضي أو غيره، فتقول: غدا زيد وراح، أي: دخل في الغدو والرواح.
وقد يدلان على إيقاع الفاعل شيئا في الوقت الذي اشتقا منه، يقال: غدا زيد وراح، أي: مشى في الغدو والرواح.
وإذا استعملا ناقصين جاز أن يكون فيهما ضمير الأمر والشأن وأن لا يكون، ويكونان إذ ذاك للدلالة على اقتران مضمون الجملة بالزمان الذي اشتقا منه، وذلك نحو: غدا زيد قائما، أي: وقع قيامه في وقت الغدو، وراح عبد الله منطلقا، أي: وقع انطلاقه في وقت الرواح.
وقد يكونان بمعنى صار، فتقول: غدا زيد ضاحكا، وراح عبد الله منطلقا، أي: صار في حال ضحك أو انطلاق" انتهى.
ويحتاج تقرير كونهما ناقصين إلى سماع من العرب.
وكان الأستاذ أبو الوليد بن أبي أيوب ينكر قول من يقول إن غدا وراح من أفعال هذا الباب إنكارا شديدا، ويقول: غدا بمعنى خرج غدوة، وراح بمعنى خرج بالعشي، وهذا مستغن عن الخبر.
قال الأستاذ أبو علي: الذي ذكر أنه غدا وراح من هذا الباب لم

يذكرهما فيه بالمعنى الذي ذكره الأستاذ أبو الوليد، إنما ذكرهما في هذا الباب على أنهما بمعنى صار، فإن صح ذلك قبل، وإلا فلا.
وقوله ولا أسحر وأفجر وأظهر ذكر هذه الثلاثة الفراء في "كتاب الحد"، ولم يذكر شاهدا على ذلك.
وذهب الكوفيون إلى أن "هذا" و"هذه" إذا أريد /بهما التقريب كانا من أخوات "كان" في احتياجهما إلى اسم مرفوع وخبر منصوب، وذلك نحو: كيف أخاف الظلم وهذا الخليفة قادما؟ وكيف أخاف البرد وهذه الشمس طالعة؟ وكذلك كل ما كان فيه الاسم الواقع بعد أسماء الإشارة لا ثاني له في الوجود؛ لأن المعنى إنما هو على الإخبار عن الخليفة بالقدوم، وعن الشمس بالطلوع، وأتي باسم الإشارة تقريبا للقدوم والطلوع، ألا ترى أنك لم تشر إليهما وهما حاضران، وأيضا فالخليفة والشمس معلومان، فلا يحتاج إلى تبيينهما بالإشارة إليهما، ويبين أن المرفوع بعد اسم الإشارة مخبر عنه بالمنصوب أنك لو أسقطت اسم الإشارة، فقلت: الخليفة قادم، والشمس طالعة، لم يختل المعنى، كما أنك إذا أسقطت كان من: كان زيد قائما، فقلت: زيد قائم، لم يختل المعنى.
ولو قلت "هذا الصياد أشقى الناس" كان تقريبا، وكذلك ما أشبهه مما الاسم الواقع فيه بعد اسم الإشارة معبرا به عن جنسه لا عن واحد بعينه، نحو قولك: ما كان من السباع غير مخوف فهذا الأسد مخوفا؛ لأنك لم تقصد إلى شخص بعينه، ولو أسقطت اسم الإشارة صح الكلام.
وما ذهبوا إليه من أن المعنى على الإخبار عن المرفوع بالمنصوب صحيح، إلا أن الإعراب على غير ما ذكروه، بل المرفوع بعد اسم الإشارة

خبر، والمنصوب حال، والمعنى قد يكون على خلاف اللفظ، ومنع من مطابقة اللفظ للمعنى هنا كون اسم الإشارة لا يكون له موضع من الإعراب، ولا يوجد اسم لا موضع له من الإعراب.
فإن قلت: يكون لا موضع له من الإعراب على مذهب من يرى أن الفصل اسم، ولا موضع له من الإعراب.
قلت: يدل على أنه يرتفع على الابتداء دخول النواسخ عليه، حكي الكسائي عن العرب: أو ليس هذان الليل والنهار يختلفان علينا؟ بنصب الليل والنهار، فدل هذا على أن اسم الإشارة قبل دخول "ليس" كان مبتدأ، والليل والنهار خبرا لاسم الإشارة وإن كان تقريبا؛ لأن الليل والنهار يراد بهما الجنس.
ويدل على أنه حال التزام التنكير فيه، فلو كان خبرا لجاء معرفة، وإجازتهم التعريف فيه هو بالقياس، وإن حفظ شيء منه دخلت عليه "أل" جعلت زائدة كهي في: الجماء الغفير.
وقد انتهى ذكر الكلمات التي ترفع الاسم وتنصب الخبر، وهي إحدى وثلاثون كلمة بالمتفق عليه والمختلف فيه، وحصرها بالعد طريقة المتأخرين، وهي طريقة ضعيفة، ولذلك زاد بعضهم فيها ونقص، وأما س فإنه ذكر منها ألفاظا، ثم قال: "وما كان نحوهن من الفعل مما لا يستغنى بمرفوعة عن الخبر"، فأعطى قانونا كليا يعرف به ما كان من هذا الباب، وه كون مرفوعها لا يستغنى عن الخبر، ولذلك ألحق النحويون بها أفعال المقاربة، وهذه هي طريقة النحاة الذين هم على/ سنن النحو، وهو عذق الباب بقانون كلي يختبر في شخصيات

المسائل، فما وافق كان من الباب، وما خالف لم يكن منه.
وفي البسيط: قال بعض النحويين: إن كل فعل يجوز فيه أن يدخل في باب "كان" إذا جعلت الحال غير مستغنى عنها، تقول: قام زيد كريما؛ لأنك هنا لا تريد أنه قام في حال كرم، فإن الحال منتقلة، فلا تريدها هنا لأنها لا تفيد تخصيصًا، فالفعل هنا داخل على المبتدأ والخبر، وقد تكون منتقلة لكنك لا تريد أن تجعلها مستغنى عنها، نحو: ذهب زيد متحدثا، فالأفعال هنا ناقصة، قال الشاعر: عاش الفتى مجاهدا في قومه فإن جعلتها تامة نصبت على الحال.

-[ص: وتوسيط أخبارها كلها جائز ما لم يمنع مانع أو موجب.
وكذا تقديم خبر "صار" وما قبلها جوازا ومنعا ووجوبا.
وقد يقدم خبر "زال" وما بعدها منفية بغير "ما"، ولا يطلق المنع، خلافا للفراء، ولا الجواز، خلافا لغيره من الكوفيين.
ولا يقدم خبر "دام" اتفاقا، ولا خبر "ليس" على الأصح.
ولا يلزم تأخير الخبر إن كان جملة، خلافا لقوم.
ويمنع تقديم الخبر الجائز التقدم تأخر مرفوعة، ويقبحه تأخر منصوبة، ما لم يكن ظرفا أو شبهه.
ولا يمتنع هنا تقديم خبر مشارك في التعريف وعدمه إن ظهر الإعراب.
وقد يخبر هنا وفي باب "إن" بمعرفة عن نكرة اختيارا.]-

ش: مثال ذلك: "كان قائما زيد".
وهذا الذي ذكره المصنف من جواز توسيط أخبارها سواء أكان الخبر جامدا أو مشتقا هو مذهب البصريين.
ولا يجيز الكوفيون "كان قائمًا زيد" على أن يكون في قائم ضمير يعود على اسم كان المؤخر، ويكون قائما خبرا مقدما على الاسم

لأن ضمير الرفع عندهم لا يتقدم على ما يعود عليه أصلا.
وجاز ذلك عند أهل البصرة لأن المضمر مرفوع بما النية به التأخير، والضمير إذا كانت النية به التأخير عن الظاهر جاز تقديمه عليه.
وأجاز الكسائي "كان قائما زيد" على أن يكون في كان ضمير الأمر والشأن، و"قائما" خبر "كان"، و"زيد" مرفوع بـ"قائم"، ولا يثني قائما ولا يجمعه لرفعه الظاهر.
وهذا باطل عندنا لأن ضمير الشأن لا يفسر إلا بجملة.
وأجاز الفراء ذلك على أن يكون "قائم" خبر "كان"، و"زيد" مرفوع بـ"كان" وبـ"قائم"، ولا يثني عنده ولا يجمع لرفعه الظاهر مع أنه يتقدر بالفعل؛ ألا ترى أنك تقول: كان يقوم زيد، وكان قام زيد، فيكون بمعنى: كان قائما زيد.
وهذا باطل لأنه لا يجوز إعمال عاملين في معمول واحد.
وأجاز هشام: كان قائما الزيدان والزيدون، على أن تجعل قائما خبرا، والزيدان والزيدون اسما.
ولا يجيز ذلك البصريون إلا مع تثنية الخبر وجمعه.
وقوله كلها دخل فيها ليس /وما دام، أما "ليس" فخالف في جواز توسيط خبرها بعض النحاة، ذكره ابن درستويه، وشبهها في ذلك بـ"ما".
وهو محجوج بالسماع الثابت، ففي السبعة ﴿لَيْسَ البِرَّ أَن تُوَلُّوا﴾ بنصب ﴿البِرَّ﴾، وقال الشاعر: سلي -إن جهلت- الناس عنا وعنهم وليس سواء عالم وجهول

وقال الآخر: أليس عجيبًا بأن الفتى يُصاب ببعض الذي في يديه وقد وهم المصنف في الشرح، فزعم أن خبر "ليس" جائز توسيطه بالإجماع، واتبع في ذلك أبا علي الفارسي، فإنه قال: "لم يختلفوا في جواز تقديم خبرها على اسمها".
وكذلك قال ابن الدهان: "جواز تقديم خبرها على اسمها إجماع".
وكذلك قال ابن عصفور: لم يختلفوا في جواز تقديم خبرها على اسمها.
وأما "ما دام" فقد وهم ابن مُعط في منع توسيط خبرها، وخالف النص والقياس والإجماع، أما النص فقول الشاعر: لا طيب للعيش ما دامت منغصة لذاته بادكار الموت والهرم وقول الآخر: ما دام حافظ سري من وثقت به فهو الذي لست عنه راغبًا أبدا وأما القياس فكما جاز توسيط أخبار أخواتها كذلك يجوزُ مع "دام".

وقال المصنف في الشرح: " فيها ما في "دام" من عدم التصرف، وتوفقها ضعفًا بأن منع تصرفها لازمٌ ومنع تصرف "دام" عارضٌ، ولأن "ليس" تشبه "ما" النافية معنى، وتُشبه "ليت" لفظًا؛ لأن وسطها ياء ساكنة سالمة، ومثل ذلك مفقود في الأفعال، فثبت بها زيادة ضعف "ليس" على ضعف "دام"، وتوسيط خبر ليس لم يمتنع، فإن لا يمتنع توسيط خبر دام لنقصان ضعفها أحق" انتهى.
قوله "فيها ما في دام من عدم التصرف" قد تقدم أن عدم تصرفها في هذا الباب هو مذهب الفراء، والبصريون لا يشترطون ذلك.
وقوله ما لم يعرض مانع يعني من التوسط، مثال ذلك: ما يوجب التقديم نحو: كم كان مالك؟ وأين زيد؟ وما يوجب التأخير نحو: كان فتاك مولاك، وما كان زيد في الدار.
وقوله أو موجب أي للتوسط، مثاله ما قُصد فيه حصر الاسم، نحو ﴿مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا﴾، ونحو: كأنك زيد، وكان في الدار رجلٌ.
قال المصنف: "وقد يحمل المُوجب على موجب التقديم أو توسيط على سبيل التخيير، وذلك إذا اشتمل الاسم على ضمير ما اشتمل عليه الخبر، نحو: كان شريك هند أخوها،/ ووليها كان أبوها، فواجب في هذه المسألة تقديم الخبر أو توسيطه، وممتنع تأخيره لئلا يتقدم الضمير على مُفسر مؤخر رتبة ولفظًا، فلو كان في مثل هذه قبل الفعل ما له صدر الكلام تعين التوسط، نحو قولك: هل كان شريك هند أخوها؟ ". وقوله وكذا تقديم خبر "صار" وما قبلها جواز ومنعًا ووجوبًا يعني أن

تقديم خبر "صار" وما قبلها عليها ينقسم انقسام الخبر من ثلاثة الأقسام: قسم يجوز فيه، وقسم يمتنع، وقسم يجب: فالجائز نحو: قائمًا كان زيد، وسواء أكان الخبر جامدًا أم مشتقًا، هذا مذهب البصريين.
وذهب الكوفيون إلى أنه لا يجوز: قائمًا كان زيد، على أن يكون "قائمًا" خبر "كان" مقدمًا، و"زيد" اسم "كان"، للعلة التي ذُكرت عنهم في منع توسطه.
وأجاز ذلك الكسائي على أن يكون "قائمًا" خبر "كان" مقدمًا مرفوعًا به "زيد" وفي "كان" ضمير الشأن، ولا يُثنى "قائم" ولا يُجمع لرفعه الظاهر، كما يُفعل ذلك مع التوسط.
وأما الفراء فحكمه عنده مع التقدم حكمه مع التوسط، إلا أنه يُثني "قائمًا" ويجمعه لأنه لا يسوغ في محله الفعل، فلا تقول: قائم كان زيد، ولا: يقوم كان زيد.
ومذهبها فاسد بما أفسدنا به مذهبهما في التوسط.
فإن جعلت قائمًا وأشباهه خالفًا لموصوف جاز عندهم أن يكون خبرًا مُقدمًا وموسطًا، ويكون فيه إذ ذاك ضمير يعود على الموصوف المحذوف، ويُثنى ويُجمع.
وأجاز البصريون والكسائي تقديم الخبر في نحو: كنت حسنًا وجهك، فتقول: حسنًا وجهك كنت.
ومنعه الفراء إلا أن تجعل مكان الكاف الهاء، فتقول: حسنًا وجهه كنت.
ويحتاج جواز تقديم خبر "كان" إلى "صار" عليها إلى سماع من العرب، ولم نجدهم ذكروا سماعًا في ذلك، لا يكاد يوجد: قائمًا كان زيد.

وقد استدل بعضهم على جواز ذلك بقوله تعالى: ﴿أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾، فـ "إياكم" معمول لقوله: "يعبدون"، وهو خبر وتقدم المعمول يُؤذن بتقديم العامل، فلو لم يكن ﴿يَعْبُدُونَ﴾ جائزًا تقدمه على ﴿كَانُوا﴾ لم يجز تقديم معموله.
وكذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ﴾.
وأما قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ﴾ فقيل: ﴿كَذَلِكَ﴾ خبر مقدم.
وقيل: ﴿كُنتُم﴾ تامة.
وإذا كان الخبر اسمًا فيه معنى الاستفهام وجب تقديمه، نحو قولهم: ما جاءت حاجتك؟ فيمن رفع حاجتك، فـ "ما" خبر تقدم، كأنه قال: أية حاجة صارت حاجتك؟ على أنه يحتمل أن تكون "ما" مبتدأ، وخبر "جاءت ضمير محذوف.
وقد مثل بعضهم ذلك بقوله: أيًا كان أبوك؟ فإن كان الخبر ظرفًا فيه معنى الاستفهام فقد تقدم أنه يجب تقديمه، وكذلك "كم".
قال المصنف: "ومن عُروض المانع خوف اللبس نحو: كان فتاك مولاك، وصار/ عدوي صديقي.
وحصر الخبر نحو: إنما كان زيد في المسجد.
واشتمال الخبر على ضمير ما اشتمل عليه الاسم، نحو: كان بعل هند حبيبها، فيجب تأخير الخبر في مثل هذا؛ لأنه لو وُسط أو قُدم لزم عود الضمير على متأخر لا يتعلق به العامل.
وبعض النحويين لا يلزم تأخير الخبر في مثل هذا لأن المضاف والمضاف إليه كشيء واحد، فلو وسط الخبر، فقيل: "كان حبيبها بعل هند" لم يضر لأن الضمير عائد على ما هو كجزئه مقدر التقديم معه؛ إذ لا يتم معناه إلا به.
ويلزم من جواز

هذا جواز: كان حبيبها الذي خطب هندًا؛ لأن ما يتم به المضاف بمنزلة ما يتم به الموصول، وهذا لا يجوز، فكذلك ما أشبهه.
وأما عروض مُوجَب التقديم فإذا كان فيه معنى استفهام، نحو: كم كان مالُك؟ أو أُضيف إلى ما هو فيه، نحو: غلامَ من كان زيد؟ " انتهى، وفيه بعض تلخيص.
وقوله وقد يُقدم خبر "زال" وما بعدها منفية بغير "ما" مثاله: في الدار لم يبرح زيد، وقائمًا لن يزال عمرو، فإذا كان حرف النفي لا أو لن أو إنْ أو لم أو لمَّا جاز تقديم الخبر، هذا مذهب البصريين، ويُحتاج في إثبات ذلك إلى سماع من العرب.
ومما استُدل به لذلك قول الشاعر: ورج الفتى للخير ما إن رأيته على الشر خيرًا لا يزال يزيد ووجه الدلالة من هذا أن "خيرًا" منصوب بـ "يزيد"، و"يزيد" خبر لـ"يزال"، وتقدم المعمول مُؤذن بتقدم العامل، فكما جاز تقديم "خيرًا" جاز تقديم "يزيد"، وهو خبر "زال".
وأجاز الأستاذ أبو بكر بن طاهر نصب "خيرًا" برأيته على حذف مضاف، أي: ذا خير، وأن يكون منصوبًا بيزيد لاتساعهم في "لا" كـ "لن" و"لم" قال: ولا يصلح مع "ما".
ومما يقع التخيير فيه بين التقديم أو التوسط: في الدار لم يبرح صاحبها، ولا ينفك مع هند أخوها.

جارٍ التحميل