ليس بالمدينة دار إلا داران: إحداهما دار الخليفة, والأخرى دار مروان, وقد زعم بعضهم أنها دار الخليفة" انتهى.
وما تقدم من قول س "لم يكن له بد من أن ينصب أحدهما" نص على أنه لا يجوز رفعهما على أن يكونا بدلين؛ لأنه إذا اجتمع صفة وبدل فالصفة أولى بأن تقدم, ويضعف تقديم البدل, هذا في الصفات المتمكنة, وأما في إلا فينبغي ألا يجوز لقلة تمكنها, على ما نبينه إن شاء الله, ولو جاز هذا لكان قول س "لم يكن بد من نصب أحدهما" خطأ.
وأجاز أبو محمد بن السيد في هذا البيت ثلاثة أوجه: أحدهما ما ذكره س] 4: 56/أ [من أن غيرًا صفة, وإلا/ [4: 56/ أ] دار: بدل, والثاني أن تكون غير بدلًا, وإلا دار: صفة, وقد بينا ضعف ذلك, والثالث أن يكونا صفتين.
قال شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع: "ولو قال قائل: لا يجوز أن يكونا صفتين؛ لأنه لا يقال: مررت برجل غير زيد غير عمرو؛ لأن قولك (غير زيد وعمرو) أخصر, مع كراهة تكرير اللفظ الواحد في كلام واحد, وإذا لم يتمكن تكرير غير صفة فهو في إلا أبعد - فكذلك ينبغي ألا تجيء إلا صفة بعد غير.
وزعم السيرافي أن المعنى في الرفع على وجهين:
أحدهما: وهو جعل غير صفة - أن يريد: ما بالمدينة ليست دار بواحدة كدور الخلفاء إلا دار مروان, فدار الخليفة بدل, على معنى: مثل دار الخليفة, فمعنى هذا: ما بالمدينة دار تصلح للخلافة إلا دار مروان؛ لأنها بمنزلة دور الخلافة.
والثاني: أن تكون (غير) استثناء, أي: ما بالمدينة دار إلا واحدة, هي دار الخلافة, و (إلا دار مروان): توكيد, ويعني بدار مروان الواحدة التي هي دار الخلافة, فيكون كقولهم: ما فيها أحد إلا زيد إلا أبو عبد الله, وأبو عبد الله كنية زيد, كرره توكيدًا".
وقوله إن كررت إلى قوله ونصب ما سواه مثال ذلك: ما قام إلا زيد إلا عمرًا إلا بكرًا, والذي يلي العامل من هذه الأسماء أولى أن يفرغ له العامل, ويجوز أن يفرغ للأخير, وتنصب المتقدمين, فتقول: ما قام إلا زيدًا إلا عمرًا إلا بكر, ويجوز أن يفرغ للمتوسط, فتنصب المتقدم والمتأخر, فتقول:] ما [قام إلا زيدًا إلا عمرو إلا بكرًا.
ودل قول المصنف "شغل العامل ببعضها" على أنه لا يتعين ما يشغل به العامل, فيجوز أن تشغله بالمتقدم وبالمتوسط وبالمتأخر ولكن شغله بما يليه أولى.
وهذا الذي ذكره المصنف من أنه إذا كررت إلا, ولم يمكن فيها استثناء ما بعدها مما قبلها, وفرغ العامل لما بعد إلا - فيه تفصيل, ذكره بعض شيوخنا, فقال:
"إن كان المفرغ طالب فاعل أو مفعول لم يسم فاعله كان أحد المستثنيات على حسبه: فإن رفعت الأول جاز فيما بعده على الرفع على البدل بدل البداء, والنصب على الاستثناء, وإن رفعت الآخر نصبت المتقدم على الاستثناء, لأن التابع لا يتقدم على المتبوع.
وإن رفعت المتوسط لم يجز فيما قبله إلا النصب على الاستثناء، ويجوز فيما بعده النصب على الاستثناء والرفع على التبعية بدل البداء, فتقول: ما قام إلا زيدًا إلا عمرو إلا بكرًا, وإن شئت: إلا بكر.
وإن لم يطلب فاعلًا ولا مفعولًا لم يسم فاعله فإن كان المعمول محذوفًا لفهم المعنى لم يجز في الأسماء التي بعد إلا إلا النصب على الاستثناء, نحو: ما ضربت إلا زيدًا إلا عمرًا, أي: ما ضربت أحدًا إلا زيدًا إلا عمرًا, وإن لم يقدر المعمول محذوفًا لفهم المعنى فلا بد من جعل أحد الأسماء الواقعة بعد إلا على حسب العامل, فإن جعلت الأول كان معمولًا لضربت, والباقي منصوب على الاستثناء أو على البدل المتقدم, وإن جعلته الآخر لم يجز فيما قبله إلا النصب على الاستثناء؛ لأن التابع لا يتقدم على المتبوع, وإن جعلته المتوسط كان منصوبًا على الاستثناء, وما بعده إما تابع وإما منصوب على الاستثناء, وكل موضع امتنع فيه البدل في حال انفراد الاستثناء على اللفظ فإنه يمتنع أيضًا ذلك فيه مع التكرار" انتهى.
وتقول على هذا التفصيل: ما مررت إلا يزيد إلا عمرًا إلا خالدًا, وإلا عمرو إلا خالد, وما مررت إلا زيدًا إلا بعمرو إلا خالًا، وإلا خالد، وما مررت إلا زيدًا إلا عمرًا إلا بخالد.
وقوله في هذا التفصيل "فإن كان المعمول محذوفًا لفهم المعنى" إلى آخره لا يجيء هذا التقسيم؛ لأنه فرض ذلك في تفريغ العامل, فإذا كان معموله محذوفًا لفهم المعنى فلا تفريغ إذ ذاك.
ويجوز في نحو ما جاءني إلا زيد إلا عمرًا أن تعطف بالواو داخلة على إلا, فتقول: ما جاءني إلا زيد وإلا عمرو, وتعطف بغير إلا إن شئت, فتقول: ما جاءني إلا زيد وعمرو, وتزيد على الاثنين ما شئت.
قال أبو علي: "ولا يجوز رفعهما جميعًا إلا أن تدخل حرف العطف: فتقول وإلا عمرو" قال: "لأن فعلًا واحدًا لا يرتفع به فاعلان إلا على جهة الاشتراك بالحرف", يعني حرف العطف.
وقد ذكر أبو علي في "التذكرة" رفع الاسمين بغير حرف العطف, ورواه عن جماعة, وقال: إنه موجود", وزعم أنه من إيقاع البعض موقع الكل, فقولك إلا زيد كقولك أحد, وكأنك قلت: ما جاءني أحد لا زيد ولا غيره, فرفعت إلا عمرو كما رفعته بعد أحد, وتنصبه كما تنصبه بعد أحد, قال: "ولو أظهرت أحدًا لم يرفع اثنين؛ لأن فعلًا واحدًا لا يرفع اثنين دون عطف, وإلا زيد هو الفاعل, وليس قبله مضمر ولا محذوف"، وتقدم الكلام على هذه المسألة وذكر مذهب ابن الطراوة فيها.
وقوله وإن لم يكن مفرغًا فلجميعها النصب إن تقدمت مثاله: ما قام إلا زيدًا إلا عمرًا إلا خالدًا أحد, وما لي إلا الله إلا إياك ناصر, وقام إلا زيدًا إلا عمرًا القوم, ويعني المصنف بقوله "فلجميعها النصب" أي: على الاستثناء.
وزعم ابن السيد أنه يجوز في ذلك أربعة أوجه:
أحدهما: النصب على الاستثناء, كما نص عليه النحويون.
والثاني: النصب على الحال فيهما, قال: لأنهما متأخرين يجوز أن يكونا صفتين, تقول: ما في الدار أحد إلا زيد, فيكون إلا زيد صفة لأحد, كما تقول: قام القوم إلا زيد, فإذا تقدم إلا زيد على موصوفه انتصب على الحال, وكذلك: قام إلا زيدًا القوم, يجوز أن يكون منصوبًا على الحال.
الثالث: أن تجعل الأول حالًا والثاني منصوبًا على الاستثناء.
والرابع: عكسه وهو جعل الأول منصوبًا على الاستثناء والثاني حالًا, انتهي.
وهذا الذي ذهب إليه ابن السيد من جواز الحال لا يجوز؛ وذلك أنها غير متمكنة في الوصف بها, فلا تكون إلا تابعة لموصوفها في اللفظ, فلا يجوز تقديمها
عليه أصلًا, كما لا يجوز: قام إلا زيد, تريد: قام غير زيد, وإذا كان من شرط وقوعها صفة وقوعها بعد المستثنى منه امتنع فيها الحال عند التقدم.
وأيضًا فنصبهما على الحال ممتنع من جهة أنه لا ينتصب حالان إلا على جهة التشريك, وأيضًا فإنه تضعف الحال في قوله "إلا الله" من قول الشاعر:
...................... وما لي إلا الله غيرك ناصر
مع نصب غيرك على الاستثناء من جهة المعنى؛ لأنه يكون قد نص على أن المخاطب هو الناصر, وليس ذلك في الله تعالى من جهة اللفظ.
ثم فيه من الضعف عكس ما عليه الأصل في إلا وغير, وهو أنه الأصل في إلا الاستثناء, والأصل في غير الصفة, وقد يمتنع الشيء عند زيادة الضعف.
وينبغي على ابن السيد أن يجوز في قام القوم إلا زيدًا النصب على الحال, بل يكون ذلك أولى بالجواز من الذي قال؛ لأنه واقع بعد المستثنى منه.
ومما يدل على أن إلا لا يجوز أن تكون صفة إلا والعامل فيها تبعها للموصوف من كلام س قوله فيها "لا يجوز فيها ذلك إلا صفة"، فلا يعني هنا بالصفة إلا التابعة بدليل تنظيرها بأجمعين, ونصه على أن أجمعين "لا يجري في الكلام إلا على اسم, ولا يعمل فيه رافع ولا ناصب"، يريد: إلا تبعها لاسم قبلها, وفي ذلك نظرها بأجمعين, وقد قال س في باب تثنية المستثنى: "وأما إلا زيد فلا يكون بمنزلة مثل إلا صفة"، وليس يعني بالصفة هنا إلا التابعة, ولا يريد الصفة المعنوية.
وقوله وإن تأخرت فلأحدها ما له مفردًا وللبواقي النصب مثال ذلك: قام القوم إلا زيدًا إلا عمرًا إلا بكرًا, وما جاء أحد إلا زيدًا إلا عمرًا إلا بكرًا, فيجوز في الإيجاب الرفع في الجميع على النعت, ونصب الجميع على الاستثناء, ورفع أحدها على الصفة ونسب الباقي على الاستثناء, هكذا قال شيخنا الأستاذ أبو الحسن الأبذي, واتبع في جعل إلا المكررة صفة فيهما ابن السيد, وقد تقدم رد شيخنا أبي الحسن بن الضائع على ابن السيد ذلك في قوله:
ما بالمدينة دار............ البيت.
ويجوز في النفي الرفع على البدل فيها, والنصب على الاستثناء فيها, والرفع فيها على النعت, وتقدم رد ابن الضائع لذلك, ورفع أحدها على البدل أو النعت والباقي على الاستثناء.
وقوله وحكمها في المعنى حكم المستثنى الأول يعني أن ما بعد الأول من هذا النوع مساو له في الدخول إن كان الاستثناء من غير موجب, وفي الخروج إن كان من موجب.
-[ص: وإن أمكن استثناء بعضها من بعض استثنى كل من متلوه, وجعل كل وتر خارجًا, وكل شفع داخلًا, وما اجتمع فهو الحاصل, وكذا الحكم في نحو: له عشرة إلا ثلاثة إلا أربعة, خلافًا لمن يخرج الأول والثاني, وإن قدر المستثنى الأول صفة لم يعتد به, وجعل الثاني أولًا.]-
ش: قال المصنف في الشرح: "نحو عندي مئة إلا خمسين [4: 57/ ب] /إلا عشرين إلا عشرة إلا خمسة, أخرج أول وثالث وما أشبهها في الوترية, وأدخل ثان ورابع وما أشبههما في الشفعية, فالباقي بعد الاستثناء بالعمل المذكور خمسة وستون؛ لأنا
أخرجنا من المائة خمسين لأنهما أول المستثنيات, فهي إذً وتر, وأدخلنا عشرين لأنها ثانية المستثنيات, فهي إذا وتر, فصار الباقي ستين, ثم أدخلنا خمسة لأنها ثالثة المستثنيات, فهي إذًا وتر, فصار الباقي ستين, ثم أدخلنا خمسة لأنها رابع المستثنيات, فهي إذا شفع, فصار الباقي خمسة وستين, وما زاد من المستثنيات عومل بهذه المعاملة" انتهى.
ونقول: إذا أمكن استثناء بعضها من بعض فأربعة مذاهب:
أحدها: أنها كلها راجعة إلى الاسم المستثنى منه, فإذا قال: له على مئة درهم إلا عشرة إلا اثنين, لزمه ثمانية وثمانون درهمًا, وإلى هذا ذهب أبو يوسف القاضي.
المذهب الثاني: أن الأخير مستثنى من الذي قبله, والذي قبله مستثنى من الذي قبله, إلى أن تنتهي إلى الأول, ويكون المقر به على هذا اثنين وتسعين درهمًا, وهو مذهب أهل البصرة والكسائي.
والمذهب الثالث: أن الاستثناء الثاني منقطع, ويكون المقر به أيضًا على هذا المذهب اثنين وتسعين؛ لأنه يصير المعني: له عندي مائة غير عشرة سوى الاثنين اللذين له, فإنها عندي, فيتحد مدلول الإقرار في هذا المذهب والمذهب الذي قبله وإن اختلف التخريج, وهذا مذهب الفراء, وإنما ذهب الفراء إلى الانقطاع لأنك إذا رددت المستثنيات إلى الأول, أو رددت بعضها إلى بعض إلى أن تصير إلى الأول - كان في ذلك من عي الطول والإسهاب ما لا يخفى؛ لأن قولك له عندي عشرة إلا أربعة أخصر من قولك: له عندي عشرة إلا ثلاثة إلا واحدًا, وله عندي عشرة إلا اثنين أخصر من قولك: له عندي عشرة إلا ثلاثة إلا واحدًا.
والمذهب الرابع: أنه يجوز فيه الأمران, وهو أن تعود كلها إلى الاسم الأول, وأن يعود بعضها إلى بعض حتى تنتهي إلى الاسم الأول, وصحح بعض أصحابنا هذا المذهب, وقال: "إلا أن الأظهر فيه أن يكون الاستثناء من الاستثناء؛ لأنه يجيء عليه صرف الاستثناء إلى الأقرب" انتهى.
فعلى هذا إذا استثنيت من عدد عددًا يليه, ثم منه عددًا يليه, وهكذا إلى أن تنتهي إلى مبدأ العدد - فلا يخلو أن يكون المستثنى منه شفعًا أو وترًا: فإن كان شفعًا فحكمه حكم الوتر الذي تحته, وإن كان وترًا فحكمه حكم الشفع الذي فوقه, فإذا كان شفعًا فعد الأوتار, وأسقط لكل وتر واحدًا, فما بقي فهو الباقي المستثنى منه, وما سقط فهو المستثنى, وإن كان وترًا فعد الأشفاع, وأسقط لكل شفع, واحدًا, فما بقى فهو الباقي المستثنى منه, وما سقط فهو المستثنى, تمثيل ذلك في الشفع: له عشرة إلا تسعة إلا ثمانية إلا سبعة إلا ستة إلا خمسة إلا أربعة/ [4: 58/أ] إلا ثلاثة إلا اثنين إلا واحدًا, الأوتار تسعة وسبعة وخمسة وثلاثة وواحد، أسقط لكل وتر واحدًا، فيصير امسقط خمسة، ويصيؤ الباقي المقر به خمسة.
وتمثيل ذلك في الوتر: له أحد عشرة إلا عشرة إلا تسعة إلا ثمانية إلا سبعة إلا ستة إلا خمسة إلا أربعة إلا ثلاثة إلا اثنين إلا واحدًا, فالأشفاع عشرة وثمانية وستة وأربعة واثنان، أسقط لكل شفع واحدًا، فيصير المسقط خمسة،, ويصير الباقي المقر به ستة.
وطريقة أخرى, وهي أنك تجمع الأشفاع ضامًا كل شفع إلى ما يليه, وتضبط ما انتهى إليه جميعها من العدد, ثم تخرج مجموع الأوتار من مجموع الأشفاع, فما بقي هو الباقي.
مثال ذلك في التمثيل المتقدم أنك تجمع الأشفاع عشرة وثمانية وستة وأربعة واثنين, فيصير الجميع ثلاثين, ثم تجمع الأوتار تسعة وسبعة وخمسة وثلاثة وواحدًا, فيصير الجميع ثلاثين, ثم تجمع الأوتار تسعة وسبعة وخمسة وثلاثة وواحدًا, فيصير الجميع خمسة وعشرين, ثم تخرجها الأشفاع التي هي ثلاثون, فالباقي خمسة, ومثال ذلك في التمثيل الثاني أنك تجمع الأوتار أحد عشر وتسعة وسبعة وخمسة وثلاثة وواحدًا, فيصير الجميع ستة وثلاثين, ثم تجمع الأشفاع عشرة وثمانية وستة وأربعة واثنين, فيصير الجميع ثلاثين, ثم تخرجها من الأوتار التي هي ستة وثلاثون, فالباقي ستة.
وطريقة أخرى, أنك تأتي إلى آخر العدد, فتسقط واحدًا من اثنين, فيبقى واحدًا, فتسقطه من ثلاثة, فيبقى اثنان, فتسقطهما من الأربعة, فيبقى اثنان,
فتسقطهما من الخمسة, فيبقى ثلاثة, فتسقطهما من الستة فيبقى ثلاثة, فتسقطهما من السبعة, فيبقى أربعة, فتسقطهما من السبعة فيبقى خمسة, فتسقطهما من العشرة, فيبقى خمسة.
وطريقة أخرى, أنك تسقط الاستثناء الأول من المستثنى منه, ثم تضيف ما بقي إلى ما بعد المسقط, ثم تخرج من الجميع ما بعده, ثم تضيف ما يبقى إلى ما بعد المسقط, إلى أن تنتهي إلى الآخر, فما بقي فهو المقر به, تمثيل ذلك المثال السابق, تسقط تسعة من عشرة, فيبقى واحد, تضيفه إلى ما بعد المسقط - وهو ثمانية - يصير تسعة, تخرج منها ما بعده - وهو سبعة - فيبقى اثنان, تضيفه إلى ما بعد المسقط - وهو أربعة - فيبقى سبعة, تسقط منها ما بعده - وهو ثلاثة - فيبقى أربعة, تضيفه إلى ما بعد المسقط - وهو اثنان - فيبقى ستة, تسقط منها ما بعده - وهو واحد - فيبقى خمسة, ولاستخراج ذلك طرق غير هذه الأربعة, وهذا كله مخرج على قول من أجاز استثناء الأكثر.
وأما من لم ينجزه ففي ذلك وجهان:
أحدهما: أن جميع الاستثناء باطل؛ لأن الأول قد بطل؛ لأنه استثناء الأكثر, فيبطل ما تفرع عليه.
والوجه الثاني: أنه يبطل الأكثر إلى أن تصل إلى النصف, فيصح,/ [4: 58/ ب] ثم تنظر في الباقي على هذا السياق.
ومخرج أيضًا على مذهب من أجاز الاستثناء من العدد, وقد تقدم أن فيه ثلاثة مذاهب, يفرق في الثالث بين أن يكون المستثنى عقدًا, فلا يجوز, أو يكون غير عقد, فيجوز, وأن الصحيح أنه لا يجوز إلا فيما كان اسم العدد قد أخرج عن النصية إلى أن كثر به وبولغ, فيجوز.
وعلى أنه يجوز مطلقًا بني الفقهاء مذاهبهم في الأقارير, ولا يلزم من ترتيب الأحكام على الألفاظ أن تكون التراكيب عربية, بل الأحكام تلزم بمقتضى الألفاظ, سواء أكان التركيب على قانون كلام العرب أم لم يكن, فلو قال: أنت طالق إن تدخلي الدار, فدخلت - لزمه الطلاق وإن لم يكن هذا التعليق على قانون كلام العرب؛ لأن العرب لا تحذف جواب الشرط لدلالة ما تقدم عليه إلا إذا كان فعل الشرط ماضيًا, يقولون: أنت ظالم إن فعلت, ولا يقولون: أنت ظالم إن تفعل.
فإن قال قائل: ما المانع من أن تقول: جاءني إخوتك العشرة إلا تسعة منهم, وعندي عشرة إلا وحدًا, على أن يكون المخبر قد توهم أولًا أن العشرة جاءوه, وأن العشرة عنده, ثم تذكر بعد ذلك أن الذي جاءه إنما هو واحد من الأخوة, وأن الذي عنده إنما هو تسعة, فاستثنى من الأخوة الذي تحقق أنه لم يجئه, ومن العشرة الذي تحقق أنه ليس عنده.
فالجواب: أن العرب إنما تستعمل في هذا المعنى بل, فتقول: جاءني إخوتك العشرة بل واحد منهم, وعندي عشرة بل تسعة, ولا يحفظ من كلامهم استعمال إلا في هذا المعنى, فإن وجد من كلامهم استعمالها في هذا المعنى ساغ ذلك.
وقوله وكذا الحكم في نحو: له عشرة إلا ثلاثة إلا أربعة, خلافًا لمن يخرج الأول والثاني قال المصنف في الشرح: "أشرت بذلك إلى قول السيرافي: (فإن كان بعض المستثنيات أكثر من الذي قبله, نحو: له على عشرة إلا ثلاثة إلا أربعة, فالفراء يستثني الثلاثة, ويزيد على السبعة الباقية الأربعة, فيكون المقر به أحد عشر.
وغير الفراء يستثنى من العشرة الأربعة إلا بعد استثناء الثلاثة, فيكون المقر به ثلاثة".
قال المصنف: "وقول الفراء عندي هو الصحيح؛ لأنه جار على القاعدة السابقة, أعني جعل الاستثناء الأول إخراجًا والثاني إدخالًا".
انتهى.
وهذه المسألة من المسائل التي لا يمكن استثناء بعضها من بعض؛ ألا ترى أن قوله "إلا أربعة" لا يمكن استثناؤه نم المستثنى الذي قبله, وهو "إلا ثلاثة", وقد تقدم لنا أنه إذا لم يمكن ذلك, نحو: قام القوم إلا زيدًا إلا عمرًا إلا بكرًا - كانت مستثنيات من الاسم الأول, فينبغي في العدد أن كذلك, وأنه إذا قال: لفلان عندي عشرة إلا واحدًا إلا ثلاثة, تكون مستثناة من الأول, فيكون مقرًا بستة, وإلى هذا ذهب أكثر النحويين.
ولم يبين المصنف مذهب الفراء في كونه جعله مقرًا بأحد عشر, وذلك أنه لما لم يكن له أن يجعل وله/ [4: 59/ أ] "إلا أربعة" مستثنى من قوله "إلا ثلاثة" عدل إلى أنه من الاستثناء المنقطع, فالمعنى عنده: له عنده عشرة إلا ثلاثة سوى الأربعة التي له عندي, فلذلك كان مقرًا بأحد عشر.
وقد رد على الفراء بأن حمله على الاتصال يمكن, فلا يحمل على الانفصال.
وله أن يقول: يتعين الحمل على الانفصال؛ لأنه لو أراد استثناءهما منه لقال: إلا سبعة, فتخصصية الثلاثة بالاستثناء من الأول, ثم جاء بالأربعة - دليل على أن الأربعة تزاد على ما أقر به أولًا, وهي السبعة.
وهذا] يكون [إذا لم يكن المستثنى الثاني بعض المستثنى الأول] كما في مسألة العدد, فأما إن كان بعضه [, نحو: قام القوم إلا إخوتك إلا زيدًا - وزيد بعض الإخوة - فهو مستثنى, ولابد, فيجب أن يكون زيد قد قام, ولا يجوز أن يكون مستثنى مع الإخوة؛ لأن الأخوة تشمله, فلم يحتج لتخصيصه.
وقوله وإن قدر المستثنى الأول صفة لم يعتد به, وجعل الثاني أولًا قال المصنف "إن له عندي مئة إلا عشرين إلا عشرة إلا خمسة, فالعشرون خارجة من المائة, فيصير ثمانين, والعشرة داخلة فيصير تسعين, والخمسة خارجة, فالباقي إذًا خمسة وتسعون" انتهى.
وقوله "فالعشرون خارجة من المائة فيصير ثمانين" إلى آخره ليس بصحيح؛ لأن قوله "إلا عشرين" صفة, فكأنك قلت: إن له مائة تغاير عشرين, فلم تدخل العشرين في المائة فتخرج, ومتى كانت إلا مع ما بعدها صفة فليس فيها معنى الاستثناء, وكذلك "غير" إذا كانت صفة ليس فيها معنى الاستثناء, وهذا هو المفهوم من كلام س, ونص على ذلك ابن السراج, قال: "إذا قلت: لك عندي مائة إلا درهمين, فقد أقررت بثمانية وتسعين" قال: "وإذا قلت: له عندي مائة إلا درهما, فجعلت إلا صفة, فقد أقررت له بمائة؛ لأنك زعمت أن له عندك مائة غير درهمين؛ وذلك أن غيرًا نقيضة مثل, فإذا قلت: له عندي مثل درهمين, فأردت أن تنفي هذا قلت: أي: ليست مثل درهمين" انتهى, وسيأتي الفرق واضحًا بعد هذا - إن شاء الله - بين معنى إلا التي يستثنى بها وبين إلا التي يوصف بها.
-[ص: فصل
تؤول "إلا" بـ"غير" فيوصف بها وبتاليها جمع أو شبهه منكر أو معرف بأداة جنسية, ولا تكون "إلا" كذلك دون متبوع, ولا حيث لا يصلح الاستثناء.
ولا يليها نعت ما قبلها, وما أوهم ذلك فحال أو صفة بدل محذوف, خلافًا لبعضهم.
ويليها في النفي فعل مضارع بلا شرط, وماض مسبوق بفعل, أو مقرون بـ"قد" ومعنى أنشدك إلا فعلت: ما أسألك إلا فعلك.]-
ش: أصل "غير" أن تكون وصفًا, وأصل "إلا" أن تكون استثناء ثم قد تحمل إحداهما على الأخرى فيما هو أصل فيها.
وقد اضطرب كلام النحويين في الوصف بإلا, فالظاهر أنه يراد به/ [4: 59/ ب] الوصف الصناعي, وهذا هو المتفهم من كلام الأكثرين.
وقال بعضهم: "قول النحويين (إنه يوصف بها) يعنون بذلك أنه عطف بيان".
والذين قالوا إنه وصف صناعي اختلفوا: فقال الأخفش في (الأوسط): إلا والاسم الذي بعدها تكون صفة للاسم الذي قبلها إذا كانت في معنى الاستثناء, أو كان الاسم نكرة, أو فيه ألف ولام, نحو: مررت بالقوم إلا أخيك, وجاءني القوم إلا أخوك, قال الشاعر:
................. قليل بها الأصوات إلا بغامها"
انتهى.
وقول الأخفش "إذا كانت في معنى الاستثناء" إن عنى به أنه يوصف بها حيث تصلح أن تكون للاستثناء فهو قريب, وقد ذكروا أن ذلك شرط في الوصف بإلا, وسيأتي ذلك عند ذكر المصنف لذلك, وإن عنى أن إلا تكون صفة للاسم حال كونها في معنى الاستثناء فليس بصحيح, وقد بينا ذلك قبل.
وقال بعض أصحابنا: "إن الوصف بالا يخالف سائر الأوصاف بأنه يجوز أن يوصف بها الظاهر والمضمر والمعرفة والنكرة".
وقال صاحب "الضوابط" أبو عبد الله محمد بن أبي الفضل السلمي ما معناه: "تجري إلا مجرى غير, فيوصف بها, وذلك إذا كان المستثنى منه نكره, نحو: قام كل أحد إلا زيد, فإن قلت: قام إخوتك إلا زيد, لم يجز إلا النصب, ولا يجوز الرفع على الصفة".
وقال بعض أصحابنا: إن كان ما بعد إلا معرفة جرت مجرى غير إذا أضيفت إلى معرفة, فتجري وصفًا على النكرة, نحو قوله:
وكل أخ مفارقة أخوة لعمر أبيك إلا الفرقدان
يريد: وكل أخ غير الفرقدين مفارقة أخوه, وعلى المعرفة, نحو قوله:
................... قليل بها الأصوات إلا بغامها
أي: قليل بها الأصوات غير بغامها.
وإن كان ما بعد إلا نكرة جرت مجرى غير إذا أضيفت إلا نكرة, فتجري وصفًا على النكرة دون المعرفة, فتقول: قام كل أحد إلا غلام من غلمانك, كأنك قلت: قام كل أحد غير غلام من غلمانك, ولا يجوز: قام القوم إلا غلام من غلمانك, كما لا يجوز ذلك مع غير لأنها مضافة إلى نكرة.
وقد تجري إلا مع ما بعدها على المضمر قبلها, غلا أن ذلك لا يكون نعتًا؛ لأن المضمر لا ينعت, بل يكون ذلك عطف ببيان, وعليه قوله:
وبالصريمة منهم منزل خلق عاف تغير إلا النؤي والوتد
فـ"إلا النؤي" عطف بيان من المضمر المستكن في تغير.
وقول من قال "إنه يوصف بها" فيه تجوز؛ لأن الحرف لا يوصف, ولا يوصف به, لكنه مع ما بعده يؤدي معنى الوصف, وهو المغايرة, فالصفة إنما استفيدت من مجموعهما, والشيئان حالة الاجتماع يحدث لهما حكم لا يكون في كل واحد منهما حالة انفراده, وهذا معنى قول المصنف "فيوصف بها وبتاليها".
ولتأصل "غير" في الوصفية يوصف بها جمع, وشبه جمع, وما ليس جمعًا ولا شبه الجمع, نحو: جاء رجال غير زيد":
وكفى بنا فضلًا على من غيرنا............................
ورجل غيرك أحب إلي, وجاز أن يحذف الموصوف بها وتقام مقامة كما يحذف الموصوف بـ"مثل" وتقام مقامه, و"إلا" الموصوف بها لا يعامل بذلك.
وقوله فيوصف بها وبتاليها جمع أو شبهه منكر أو معرف بأداة جنسية قال بان السيد: "الوصف حصل من إلا والاسم بعدها, وكل واحد بالانفراد لا
يعطيه, كما في قولك: دخلت إلى رجل في الدار, فإن كون في الدار صفة لم يكن إلا بالمجموع؛ لأنه يحدث مع المجموع معنى لا يكون في الإفراد, وكقولك: مررت برجل لا قائم ولا قاعد, إذ الصفة للمجموع من الاسمين بواسطة الحروف, ولا يكونان وصفًا إلا بها" انتهى.
ومثال الجمع المنكر: جاءني رجال قرشيون إلا زيد, ومثال شبه الجمع: ما جاءني أحد إلا زيد, إذا أعربت "إلا زيد" صفة, إذا أعربت "إلا زيد" صفة, وقول الشاعر:
لو كان غيري - سليمي - الدهر غيره وقع الحوادث إلا الصارم الذكر
فـ"غيري" شبيه بالجمع المنكر, ووصف بقوله: إلا الصارم الذكر, التقدير: لو كان غيري غير الصارم الذكر غيره.
ومثال المعرف بأداة جنسية قول الشاعر:
ويوم الحزن إذ حشدت معد وكان الناس إلا نحن دينا
أي: وكان الناس المغايرون لنا دينًا, وقول الآخر:
أنيخت, فألقت بلدة فوق بلدة قليل بها الأصوات إلا بغامها
أي: الأصوات غير بغامها, قاله س, وقد أثبت بها أصواتًا قليلة.
وأجاز السيرافي أن يكون "قليل" بمعنى النفي, كأنه قال: ما بها أصوات إلا بغامها, وهو استثناء وبدل صحيح, كما تقول: أقل رجل يقول ذلك إلا زيد.
ورد ذلك عليه الأستاذ أبو علي, وقال: "لا يتصور البدل في هذا؛ لأنه يؤول إلى التفريغ, وذلك فاسد؛ ألا ترى أنه لم يرد أن يقول: ما بها إلا بغامها, وكيف يقول ذلك وبها القائل والراحلة ورحلها وغير ذلك, وإنما أراد: ما بها صوت مغاير لبغامها" انتهى.
وهذا الذي اختاره المصنف من كون "إلا" لا يوصف بها إلا جمع أو شبهه منكر أو معرف بأداة جنسية تبع في ذلك ابن السراج, فإنه قال ما معناه: "إنها لا تكون وصفًا إلا بعد جماعة, أو واحد في معنى الجماعة, إما نكرة, وإما فيه الألف واللام على غير معهود".
وقال الأستاذ أبو علي: "الأصوات - يعني في البيت السابق - جنس, فيجوز أن ينعت بغير, قال: ولا يجوز ذلك في المعهود غير الجنس/ [4: 60/ ب] إلا أن تريد بغير المعرفة".
وقال المبرد في (المقتضب): "لا يوصف بها إلا ما يوصف بغير, وذلك النكرة, والمعرفة التي بالألف واللام على غير معهود, نحو: ما يحسن بالرجل مثلك أن يفعل ذلك, وقد أمر بالرجل غيرك فيكرمني" انتهى.
وقال المصنف في الشرح: "وإنما وصفت الأصوات - وهي معرفة - بما في معنى غير - وغير نكرة - لأن التعريف بالألف واللام الجنسية, وتعريفها كلا تعريف, ولذلك وصف ما هما فيه بالجملة في قوله ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾, فكما وصف ما هما فيه بـ (غير) في قولهم: إني لأمر بالرجل غيرك
فيكرمني, وصف بـ (إلا) الواقعة موقعها وبما بعدها" انتهى, وقد تكلمنا معه في تخرج قوله ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ﴾ في باب المعرف بالأداة.
وقال المصنف في الشرح: "وحاصل هذا الفصل أن إلا الموصوف بها لا يوصف بها مفرد محض, ولا معرفة محضة, فلا يجوز أن يقال: قام رجل إلا زيد, لأن رجلًا مفرد محض, ولا يجوز: جاء الرجال إلا زيد, على أن يكون الرجال معهودين؛ لأن تعريفهم تعريف محض, فلو قصد الجنس لم يمتنع" انتهى.
وفي البسيط: "جمهور النحويين على جواز كون غير تجري على المعرفة, فكذلك إلا"، وفيه أيضًا: والظاهر أنها تقع فيما تقع فيه غير إلا الموضع الذي لا يتقدمها موصوف, سواء أكان في النفي أم الإثبات, أو منفردًا, أو مجموعًا, أو منكرًا, أو معرفًا على قصده في التعريف, ولما كانت غير من أخوات مثل وشبه, وكان يصح فيها قصد التعريف - صح جربها على المعرفة والنكرة, فكذلك إلا بمعناها, تجري على النكرة وعلى المعرفة, ويجوز فيها البدل إذا كانت بمعنى غير كما يجوز في غير.
وهل يجوز فيها الحال كما في غير؟ فيه نظر, وأجازه ابن السيد, وقال: إنها قد تكون صفة للنكرة, وتتقدم, وتنتصب على الحال, فتقول: هذا رجل إلا ضاحك ثم تقول: هذا إلا ضاحكًا رجل, وكذلك أجاز في قوله:
.............. وما لي إلا الله غيرك ناصر
أربعة أوجه: أن يكونا معًا حالين من ناصر, واستثناءين مقدمين, أو أحدهما استثناء والآخر حال, قال: "وأكثر النحويين ينكرون هذا" انتهى.
وتمثيله هذا رجل إلا ضاحك على الصفة منازع فيه؛ لأنهم قالوا: "لا تكون صفة إلا حيث يصح أن تكون استثناء"، ولا يصح أن يكون (إلا ضاحك) استثناء.
وأما س فإنه قال: "وهذا باب ما تكون فيه إلا وما بعدها وصفًا بمنزلة غير ومثل, وذلك] قولك [: لو كان معنا رجل إلا زيد لغلبنا, والدليل على أنه وصف أنك لو قلت: لو كان معنا إلا زيد لهلكنا - وأنت تريد الاستثناء - لكنت قد أحلت" انتهى.
يعني س أن "لو" لا يفرغ معها العامل كما يفرغ مع النفي, وإذا كان كذلك فارتفاع "إلا زيد" على الصفة لا على البدل, فـ"لو" -وإن استلزمت امتناع الفعل - فلم تجرها العرب مجرى النفي؛ ألا ترى أنها لا يعمل الفعل بعدها في مختص بالنفي, كأحد وعريب وكتيع, ولا تزاد في النكرة بعد فعلها, ولا ينتصب الفعل بإضمار أن بعد الفاء جوابًا لها إلا إذا أشربت معنى التمني, و"لو" في اللفظ كالموجب؛ لأنها كان, ولا يجوز: إن قام إلا زيد قمت.
وقال س: "ونظير ذلك قوله عز وجل ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ انتهى, يعني أنه ارتفع (إلا الله) على الوصف.
وهذا الذي قاله س من أن "لو" لا يصح التفريغ معها ولا البدل واقفة عليه المبرد في كتابة "المقتضب", وأبو الحسن الأخفش.
ونقل أبو بكر بن السراج عن المبرد إجازة التفريغ والبدل, قال: "لو كان معنا إلا زيد لغلبنا أجود كلام وأحسنه".
وقيل هذا النقل عن المبرد ابن ولاد, والأستاذ أبو علي وأصحابه.
وأنكر ابن خروف ثبوته عن المبرد.
وعلى تسليم هذا النقل عن المبرد شيوخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع, والأستاذ أبو الحسن الأبذي, ونقله ابن عصفور عنه أيضًا, قال المبرد: "الدليل على ذاك أنك إذا قلت لو كان معنا إلا زيد لغلبنا فزيد معك, كقولك: ما معنا إلا زيد" قال: وكذلك ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾.
وقال السيرافي في قول س "لكنت قد أحلت": "لأنه يصير المعنى: لو كان معنا زيد لهلكنا؛ لأن البدل بعد إلا في الاستثناء موجب, وكذا لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}، لو كان على البدل لكان التقدير, لو كان فيهما الله لفسدتا, وهذا فاسد" انتهى.
قال الأستاذ أبو الحسن بن الضائع: "وفي هذا الذي قاله السيرافي نظر, فإنه لا يلزم أن يكون حكمه هنا في التفريغ حكم النفي, فإذا قلت ما قام القوم
إلا زيد فالمعنى إثبات القيام لزيد، وإذا قلت هل قام أحد إلا زيد فمن أين يلزم أن يكون المعنى: لو قام زيد لقمت، والبدل معناه معنى الاستثناء".
وقد ذكر أبو جعفر بن مضاء في كتابه "المشرق" أن قول السيرافي "معنى ما قام إلا زيد: قام زيد" مسلم أن القيام موجب لزيد، وكذلك لو أسقطت لو وجوابها كان المعنى: كان معنا زيد، فكما تسقط "ما" في النفي تسقط "لو" وجوابها، وأما أن يعامل "لو كان معنا زيد" كـ "قام زيد" فخطأ فاحش؛ لأن لو عنها كان العموم، كما كان العموم في النفي لـ "ما"، فيجوز إذًا في زيد البدل والنعت.
وقال الأستاذ أبو علي: معنى قول س (قد أحلت) أنك إذا قلت: لو كان معنا أحد إلا زيد لغلبنا فمعنى (غير) فيه: لو كان معنا أحد مكان زيٍد لغلبنا، فهذا معنى.
وإذا جعلت إلا استثناء أو بدلًا فمعناه: لو كان معنا أحد ليس فيهم زيد لغلبنا، فأراد س: لو قلت إلا زيدًا أو إلا زيد، تريد البدل مع أنك تريد المعنى الأول، لأحلت، وإنما نزل المسألة على الآية، وذلك أنه لا يصح في الآية الاستثناء ولا البدل؛ لأنه يلزم أن يكون المعنى: لو كان فيهما آلهة ليس الله فيهم لفسدتا، ومقصود الآية: لو كان فيهما / [4: 61/ ب] آلهة لفسدتا، فاشترطا ألا يكون الله فيهم يفسد المعنى.
فإن قلت: إن الوصف أيضًا بهذا المعنى.
فالجواب: أن الوصف قد يكون تأكيدًا، فلا يكون قيدًا وشرطًا فيما قبله، ولا يكون الاستثناء إلا كذلك.
قال: فلا بد أن يكون المعنى في البدل والوصف: ليس الله فيهم، إلا أن الوصف قد يكون توكيدًا، وليس بشرط فيما قبله، ولا يفسد المعنى إلا بجعله شرطًا.
قال: ولا يجوز أن يكون المعنى: آلهة ليسوا الله؛ لأنه لا يصح أن يقال: ليس الجمع الواحد؛ لعدم الفائدة".
قال الأستاذ أبو الحسن بن الضائع: "هذا الذي زعم الأستاذ أبو علي من التفريق بين الوصف والبدل لا يصح على ما قال؛ لأنه إذا كان معنى الوصف: ليس الله فيهم، فهذا هو معنى الاشتراط، ثم هو اشتراط مناقض للمعنى المقصود؛ ألا ترى أن المعنى: لو كان فيهما آلهة مع الله لفسدتا، على الإطلاق، كان الله فيهم ومن جملتهم أو لم يكن، بل المراد: لو كان فيهما آلهة مع الله لفسدتا.
وقولنا ليس الله فيهم نقيض هذا المعنى.
وإذا كان المعنى في الوصف والبدل واحدًا فأي فائدة لمجيء الوصف مؤكدًا في غير هذا الموضع.
ثم لقائل أن يقول: قد يكون البدل أيضًا مؤكدًا، وقد نص عليه س.
فاعلم أنه لا يصح المعنى عندي إلا على أن تكون إلا في معنى غير التي يراد بها البدل، أي: لو كان فيهما آلهة عوض واحد، أي: بدل الواحد الذي هو الله لفسدتا، وهذا المعنى أراد س في المسألة التي جاء بها توطئة، ولذلك زعم أن البدل فيها محال على ذلك المعنى" انتهى كلام الأستاذ أبي الحسن.
ولا يريد الأستاذ أبو علي ما فهمه عنه؛ لأن معنى قول الأستاذ أبي علي "فلا بد أن يكون المعنى في البدل والوصف: ليس الله فيهم" إذا حملنا الوصف على التأسيس لا على التأكيد.
ثم قال الأستاذ أبو علي: "إلا أن الوصف قد يكون توكيدًا"، فهذا فرق ما بين البدل والوصف، وهو أن البدل في باب الاستثناء إذا كان مفيدًا ما يفيده الاستثناء لا يمكن أن يراد به التوكيد؛ وقد بين الأستاذ أبو علي أنه لا يصح في الآية الاستثناء ولا البدل، وقد فال هو: "فاشتراط ألا يكون الله فيهم يفسد المعنى"، فإذا كان قد ذكر اشتراط ذلك يفسد المعنى فكيف يقدر في الآية: ليس الله فيهم، وإنما أشار إلى أن الوصف حقيقته هكذا، ثم قد يكون للتأكيد، فهو في الآية للتأكيد، ولا يريد أنه ليس في الآية للتأكيد كما فهم عنه الأستاذ أبو الحسن؛ لأنه قد ذكر أن تقدير ليس الله فيهم يفسد المعنى.
وأما الذي اختاره الأستاذ أبو الحسن من أن المعنى: لو كان فيهما آلهة عوض الله وبدل الله، فهو قول الأستاذ أبي علي الذي قدمناه من أن قولك: لو كان معنا أحد إلا زيد لغلبنا، أي: مكان زيد.
وقال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: زعم المبرد في المسائل التي ردها على س أن قوله تعالى ﴿إلاَّ اللَّهَ﴾ ينبغي أن يجعل (إل الله) بدلًا من (آلهة)؛ لأن ما بعد لو غير موجب في المعنى، والبدل / [4: 62/ أ] في الكلام غير الموجب أحسن من الوصف.
واستدل على أن ما بعد لو غير موجب من جهة المعنى بأنك إذا قلت لو قام زيد قام عمرو كان قيام زيد غير واقع؛ كما أن القيام من زيد غير واقع إذا قلت: ما قام زيد.
ومما لا يستدل لهذا المعنى أن يقال: الدليل على أن ما بعد لو غير موجب استعمال أحد بعدها، وهي من الأسماء التي تختص بالنفي، قال الشاعر:
لو كنت من أحٍد يهجى هجوتكم يا بن الرقاع، ولكن لست من أحد
فاستعمل أحدًا بعد لو.
ولا حجة له في شيء من ذلك؛ لأن أحدًا في البيت بمعنى ناس، حكي الكسائي أن العرب تقول: ما أنت من الأحد، أي: ما أنت من الناس، وأنشد:
وليس يطلبني في أمر غانيةٍ إلا كعمرٍو، وما عمرو من الأحد
وتعريفها بالألف واللام يدل على أنها ليست المختصة بالنفي؛ لأن تلك لا يجوز تعريفها.
ومما يبين لك ذلك أن أخوات "أحد" التي لا خلاف في اختصاصها بالنفي كعريب وطوري لا يحفظ من كلامهم استعمالها بعد لو.
وما ذكره من أن الفعل بعد لو غير واقع كما أنه بعد أداة النفي كذلك فصحيح، إلا انه - وإن كان غير واقع- فهو مقدر الوقوع، ومفروض الوقوع، وإذا كان كذلك فينبغي أن تكون الأحكام تابعة للفرض والتقدير، كما أن "إلا" إذا كان الفعل واقعًا لم يتبع ما بعدها لما قبلها على البدلية أيضًا.
ومما يبين لك أن إلا وما بعدها وصف لا بدل أنه لم يسمع من كلامهم: لو قام إلا زيد قام عمرو، ولو كان بدلًا لما منع من ذلك مانع، فلما لم يسمع ذلك من كلامهم دل على أن إلا وما بعدها وصف؛ لأنها إذا كانت وصفًا لم يجز حذف الموصوف الذي جرت عليه.
وقال صاحب كتاب "المشرق": "لو كان عندنا رجل إلا زيد لغلبنا، إلا صفة، ولا يجوز أن يكون ما بعد إلا بدلًا مما قبل؛ لأنه لا يصلح أن يقال: لو كان عندنا إلا زيد لغلبنا، هذا مذهب س.
وقال غير س: ذلك جائز.
والدليل على جوازه دخول أحد في هذا الموضع، لو قيل لو كان عندنا أحد غير زيد لغلبنا لساغ، كما يسوغ قولنا: ما قام أحد غير زيد، فكما تقول ما قام إلا زيد كذلك تقول لو كان عندنا إلا زيد، ولو لم يصح الاستثناء لما صح أن تكون صفة؛ لأن إلا لا تكون صفة إلا في الموضع الذي يصلح أن تكون فيه استثناء.
ومما يقوي صحة الاستثناء أن القائل إذا قال لو كان معنا رجل إلا زيد لغلبنا فإنه لو أسقط من كلامه إلا زيد وقعت الغلبة مع كون زيد معهم، فدل ذلك على أن زيدًا وغيره داخل في عموم رجل، فإذا أراد المتكلم أن يخرج زيدًا من هذا العموم، ويعلم أن زيدًا كان معهم، وأن كونه معهم هو الموجب لئلا يغلبوا - قال: إلا زيدًا، فكم زيد غير حكم غيره من الرجال؛ لأن غيره من الرجال / [4: 62/ ب] لو كان معهم لغلبوا، وكون زيد معهم هو الموجب لئلا يغلبوا، فهو إذًا بمنزلة: ما كان معنا رجل إلا زيد، في أن زيدًا لو سكت عنه لكان داخلًا تحت النفي، وباستثنائه خرج من النفي، وليس بمنزلة: معنا رجل إلا زيد، لو قيل؛ لأن رجلًا هو واقع على واحد بعينه، لو اقتصر عليه لاحتمل أن يكون زيدًا وغيره" انتهى.
وما ذكره غير س ليس بصحيح:
أما جواز دخول أحد الذي يختص بالنفي العام في هذا الموضع فليس بجائز، لا يحفظ من كلامهم: لو جاء أحد لكان كذا، وكذلك لا يحفظ من كلامهم ما بناه على الجواز من أنك تقول: لو كان عندنا إلا زيد، من التفريغ للفعل بعد لو.
وأما قوله "ولو لم يصح الاستثناء" إلا آخره فنحن نتكلم على ذلك، وهل من شرط الوصف بـ "إلا" أن تصلح للاستثناء، حيث تعرض له المصنف، إن شاء الله.
وأما قوله "ومما يقوي صحة الاستثناء" إلى آخره فهو مبني على جواز إسقاط رجل وتفريغ الفعل بعد لو لما دخلت عليه إلا؛ وقد ذكرنا أن ذلك لا يحفظ من كلامهم.
وأما التفرقة بين ذكر "إلا زيد" وعدم ذكره فذلك مستفاد من الصفة كما يستفاد من الاستثناء، و "رجل" الواقع في: لو كان معنا رجل إلا زيد لغلبنا، ليس موضوعًا في هذا التركيب للعموم الاستغراقي، إنما هو موضوع لعموم البدل، فالمعنى إذا وصفته بقولك "إلا زيد" أن زيدًا معهم هو من حيث مفهوم الصفة، فيكون وقوع الغلبة على تقدير وجود رجل ليس زيدًا معهم، ومفهومه أنه إذا كان ذلك الرجل زيدًا لم يغلبوا.
أما لو حذفت "إلا زيد" فقلت: لو كان معنا رجل لغلبنا - فمن حيث عموم البدلية صلح أن يدخل تحته زيد، كما صلح أن يدخل تحته غير زيد، فتكون الغلبة تقع على تقدير وجود رجل أي رجل كان على سبيل البدل، و"زيد" صالح لإطلاق رجل عليه، فكانت الغلبة تقع على ذلك التقدير.
وقوله ولا تكون "إلا" كذلك دون متبوع يعني أن موصوفها لا يحذف وتقام هي وما بعدها مقامه، وهذا حكم خالف فيه الوصف بـ "إلا" الوصف بـ "غير"، فلا يجوز أن تقول في قام القوم إلا زيد: قام إلا زيد، وتحذف الموصوف لدلالة المعنى عليه، وتسند الفعل لقولك: إلا زيد، ويجوز ذلك في غير، فتقول في قام القوم غير زيد: قام غير زيد.
وعلة ذلك أن الوصف بها ليس بمتأصل، فلم يكونوا
ليحذفوا الموصوف بها ويقيموها مقامه، وقد نص س على منع ذلك، وشبه إلا هذه التي يوصف بها بأجمعين، في أنها لا تكون إلا تابعة، ولا ينكر أن تكون صفة لا يجوز أن تقام مقام موصوفها؛ ألا ترى أن الجمل والظروف والمجرورات إذا وقعت صفات لا تقام مقام موصوفها.
والوصف بـ "إلا" يجوز فيما يجوز فيه البدل وفيما لا يجوز فيه.
وزعم أبو العباس أن الوصف بـ "إلا" لم يجيء إلا فيما يجوز فيه البدل، ولذلك منع: قام إلا زيد، بحذف الموصوف وجعل إلا صفة؛ لأنه لا يجوز فيه البدل.
وما / [4: 63/ أ] ذهب إليه خلف؛ لأنه قد جاء الوصف بـ "إلا" حيث لا يجوز البدل، نحو قوله:
وكل أخ مفارقه أخوه - لعمر أبيك- إلا الفرقدان
فـ "إلا الفرقدان" صفة، ولا يمكن فيه البدل.
ورد عليه الزجاج بقوله:
................... قليل بها الأصوات إلا بغامها
وقيل: وللمبرد أن يقول: يجوز هنا؛ لأن قليلًا قد تستعمل في النفي.
وقوله ولا حيث لا يصلح الاستثناء هذا أيضًا من الفرق بين الوصف بـ "إلا" والوصف بـ "غير"، فيجوز أن تقول: عندي درهم إلا دانق، فتكون وصفًا؛ لأنك لو قلت إلا دانقًا لصح، ولا يجوز أن تقول: عندي درهم إلا جيد؛ لأنك لو قلت عندي درهم إلا جيدًا لم يجز.
ويجوز ذلك في غير، فتصف بها ما يمكن من الاستثناء فيه وما لا يمكن، فتقول: عندي درهم غير دانق، وعندي درهم غير جيد.
وهذا الفرق الذي بين الوصف بـ "إلا" وبين الوصف بـ "غير" كالمجمع عليه من النحويين.
وفي كلام س ما يقضي ظاهره بخلاف ذلك، وذلك قوله: لو كان معنا رجل إلا زيد لغلبنا، فـ "إلا زيد" عند س وصف لرجل، ولا يجوز أن يستثنى منه فتقول: إلا زيدًا، وقد منع س الاستثناء المفرغ فيه، وكذلك الاستثناء غير المفرغ.
وسبب ذلك أن رجلًا في قولك لو كان معنا رجل ليس عامًا استغراقيًا، وإنما هو مطلق، فعمومه عموم بدل، فلا يصح الاستثناء منه.
وكذلك قوله تعالى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلاَّ اللَّهُ﴾، لا يصح النصب فيه على الاستثناء؛ لأن (آلهة) ليس بعام عموم الاستغراق، فيندرج فيه ما بعد إلا، بل هو عام عموم البدل.
وقد تكلم أهل أصول الفقه في الاستثناء أهو مما لو لم يستثن لوجب أن يدخل في حكم الأول، أو هو مما لو لم يستثن لجاز أن يدخل في حكم الأول، والأصح عندهم القول الأول.
وأما النحويين فكالمجمعين على أن المستثنى المتصل لا بد أن يكون يندرج تحت المستثنى منه لو لم يستثن.
وإذا تقرر هذا فما بعد إلا في تمثيل س وفي الآية ليس مما وجب اندراجه في رجل ولا في آلهة؛ فقولهم "إن الوصف بإلا شرطه صحة الاستثناء" لا يصح.
وقد انفصل بعض أصحابنا عن ذلك بأنه لا يعني بصحة الاستثناء الاستثناء المتصل بل الاستثناء مطلقًا، سواء أكان متصلًا أم منفصلًا، قال:
فإن قال قائل: الدليل على أن إلا مع ما بعدها ليس وصفًا في الآية أنه لا يجوز النصب على الاستثناء لما تقدم من أن الوصف لا يجوز إلا حيث يجوز
الاستثناء؛ وإنما امتنع النصب على الاستثناء لأن معنى الآية يكون إذ ذاك: لو كان فيهما آلهة ولم يكن الله في تلك الآلهة لفسدتا، وهذا المعنى غير مستقيم؛ لأنه يلزم عنه أنه لو كان فيهما آلهة فيها الله لم تفسدا، وذلك باطل.
فالجواب أن تقول: إن الاستثناء إنما يمتنع في الآية إذا قدر متصلًا، وأما إذا قدر منقطعًا فمعنى الاستثناء / [4: 63/ ب] صحيح؛ لأن المعنى إذ ذاك يكون: لو كان فيهما آلهة لفسدتا، لكن فيهما الله، وهو واحد، فلم تفسدا، فلما ساغ الاستثناء المنفصل ساغ الوصف؛ لأن الوصف إنما يكون حيث يتصور الاستثناء على وجه من الوجوه، والاستثناء المنفصل في الآية سائغ، فالوصف أيضًا سائغ، ولذلك قال الجرمي والمبرد في قوله تعالى ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسَادِ فِي الأَرْضِ إلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ﴾: لو رفع القليل على الصفة للمرفوع قبله لكان حسنًا لو قرئ به.
فأجازا الوصف بـ "إلا" وما بعدها مع أن الاستثناء بها في الآية لا يكون إلا منقطعًا.
ومما يدل على أن الوصف بـ "إلا" حيث لا يكون الاستثناء إلا منقطعًا سائغ قول أبي زبيد:
لدم ضائع، تغيب عنه أقربوه إلا الصبا والجبوب
فـ "أقربوه" موصوف بـ "إلا الصبا والجنوب"، والصبا والمعطوف عليه ليس من جنسه، قال أبو الحسن الأخفش: "والقصيدة التي منها هذا البيت مرفوعة" انتهى.
وكما تؤول الآية يمكن أن يؤول المثال الذي ذكره س، وهو: لو كان معنا رجل إلا زيد لغلبنا، أي: لكن معنا زيد فلا نغلب.
وتقول: جاءني رجل غير زيد، ورجلان غير زيد، ورجال غير زيد، ولا تدخل إلا مكان غير.
وما جاءني إخوتك إلا زيد أصلح منهم، وجاءني رجل غير صالح، لا تدخل إلا لأنه لا يصلح فيه الاستثناء.
وما رأيت أحدًا إلا زيد خير منه، ولا أقوم إلا أن تقوم، لا تكون فيهما غير.
وعندي أصحابك غير جلوس، لا يجوز: إلا جلوسًا، جعلوا الحال هنا كالصفة، و ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ من هذا عند بعض المتأخرين، أي: لا يستوي القاعدون أصحاء.
ويدل على ذلك ذكر س الآية في (باب ما تكون فيه إلا وما بعدها صفة)، وذكره فيما لا يكون إلا صفة من الأمثلة، ثم فصل ما يجوز فيه الوجهان، ورجع لباقي الباب.
وقوله ولا يليها نعت ما قبلها، وما أوهم ذلك فحال أو صفة بدل محذوف قال أبو الحسن في (كتاب المسائل): "لا يفصل بين الموصوف والصفة بإلا".
ثم قال: "ونحو ما جاءني رجل غلا راكب تقديره: إلا رجل راكب، وفيه قبح لجعلك الصفة كالاسم".
وقال أبو علي في (التذكرة): "تقول: ما مررت بأحد إلا قائما إلا أخاك، لا يجوز كون قائمًا صفة لأحد؛ لأن إلا لا تعترض بين الصفة والموصوف.
ولا كونه حالًا من التاء؛ لأن معنى ما مررت إلا قائمًا: مررت قائمًا، ولو قلت مررت قائمًا بأحد لم يجز، فكذلك ما في معناه، فإذا بطل هذان ثبت أن قائمًا حال من أحد، وإذا ثبت ذلك تعين أن تنصب أخاك؛ لأنه بعد إيجاب صحيح".
قال المصنف في الشرح: "وما ذهبا إليه هو الصحيح؛ لأن الموصوف والصفة كشيء واحد، وشيئان هما كشيء واحد لا يختلفان بنفي الحكم عن أحدهما وإثباته للآخر، كالمتوسط بينهما إلا، فإن الصفة توضح موصوفها كما توضح الصلة / [4: 64/ أ] الموصول، وكما يوضح المضاف إليه المضاف، فكما لا تقع إلا بين الموصول والصلة، ولا بين المضاف والمضاف إليه - كذا لا تقع بين الموصوف والصفة، ولأن إلا وما بعدها في حكم جملة مستأنفة، والصفة لا تستأنف، ولا تكون في حكم مستأنف".
وقوله خلافًا لبعضهم هو الزمخشري، قال في ما مررت بأحد إلا زيد خير منه: "يكون ما بعد إلا جملة ابتدائية واقعة صفة لأحد"، وزعم في الكشاف في قوله تعالى ﴿ومَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إلاَّ ولَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ أن قوله ﴿ولَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ واقعة صفة لقرية، ووسطت الواو بينهما لتوكيد لصوق الصفة بالموصوف، كما يقال في الحال: جاءني زيد عليه ثوب، وجاءني وعليه ثوب.
وفي البسيط: "ما ضربت أحدًا إلا عمرو خير منه، معناه: إلا مفضلًا عليه عمرو، فهي مفرغة للحال.
وقال الزمخشري: (إن ما بعد إلا صفة لما قبله - وهو أحد- و (إلا) لغو في الكلام، معطية في المعنى فائدتها، جاعلة عمرًا خيرًا ممن ضربت).
وإذا جاز أن تدخل على الجملة التي هي صفة على هذا صح أن تدخل على الصفة المفردة، فتقول: ما مررت برجل إلا صالح، فتكون إلا إيجابًا في العمد وفي
الفضلات وفي التمامات، ولا تدخل في البدل الذي هو عين الأول، ولا في عطف البيان، ولا في كل تابع هو الأول؛ لأن الشيء لا يكون منفيًا موجبًا.
قال: وإنما كانت هذه في موضع الصفة لأنها لو كانت حالًا لدخلت الواو.
وأجيب بأن إلا أغنت عن الواو لأجل الاتصال، ولأنه فيها ضمير الأول، وأنت تقول: مررت بزيد أبوه قائم" انتهى.
وتابعه صاحب البديع وابن هشام.
وقد رد عليه المصنف في قياسه في ذلك الصفة على الحال - وبينهما فروق- بجواز تقديمها على صاحبها، وتخالفها في الإعراب، وبالتنكير والتعريف، وإغناء الواو عن الضمير، وبأنه مذهب لم يعرف لبصري ولا كوفي، فلا يلتفت إليه، وبأنه معلل بما لا يناسب؛ لأن الواو تدل على الجمع بين ما قبلها وما بعدها، وذلك مستلزم لتغايرهما، وهو ضد لما يراد من التوكيد.
ولأن الواو فصلت الأول من الثاني، ولولا هي لتلاصقا، فكيف يقال: إنها أكدت لصوقها.
ولأن الواو لو صلحت لتوكيد لصوق الموصوف بالصفة لكان أولى المواضع بها موضع لا يصلح للحال، نحو: إن رجلا رأيه سديد لسعيد، فـ (رأيه سديد) جملة نعت بها، ولا يجوز اقترانها بالواو لعدم صلاحية موضعها للحال، بخلاف ﴿ولَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾، فإنها جملة تصلح في موضعها الحال؛ لأنها بعد منفي، والمنفي صالح لأن
يجعل صاحب حال، كما هو صالح لأن يجعل مبتدأ، وإذا ساغ في شبه النفي في قوله:
لا يركنن أحد إلى الإحجام يوم الوغى متخوفًا لحمام
فليجز بعد النفي، وهو أولى؛ لأن النهي لا يصحب المبتدأ، والنفي يصحبه.
انتهى رده / [4: 64/ ب] على الزمخشري، وفيه تلخيص وبعض حذف.
وقوله ويليها في النفي فعل مضارع بلا شرط يعني أنه لا يشترط في مجيء المضارع بعد "إلا" إلا وجود النفي، سواء تقدمه فعل أم اسم، نحو: ما كان زيد إلا يضرب عمرًا، وما خرج زيد إلا يجر ثوبه، وما زيد إلا يفعل كذا.
وقوله وماض مسبوق بفعل، أو مقرون بـ "قد" مثال الماضي المسبوق بفعل قوله تعالى ﴿ومَا يَاتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾.
ومثال المقرون بفعل مصحوب بـ "قد" قوله:
ما المجد إلا قد تبين أنه بندى وحكم لا يزال مؤثلا
قال المصنف في الشرح: "وإنما أغنى اقتران الماضي بقد عن تقدم فعل لأن اقترانه بها يقربه من الحال، فيكون بذلك شبيها بالمضارع.
وإنما كان المضارع مستغنيا عن شرط في وقوعه بعد إلا لشبهه بالاسم، والاسم بـ (إلا) أولى؛ لأن المستثني لا يكون إلا اسمًا أو مؤولا بالاسم.
وإنما ساغ بتقديم الفعل وقوع الماضي
بعد إلا لأن تقدم الفعل مقرونا بالنفي يجعل الكلام بمعنى: كلما كان كذا وكذا كان كذا وكذا، فكان فيه فعلان، كما كان مع كلما" انتهى.
وقال أبو بكر بن طاهر: لا يجوز: ما زيد إلا قام، فإن قلت إلا يقوم صح، ولم يقل من تقدم من النحاة أكثر من هذا.
وأجاز المبرد: ما زيد إلا قد قام، قال: لأن قد تقربه من المضارع ومن الأسماء؛ ألا تراه يصلح للحال بها، ولا يصلح دونها.
وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن الأبذي: "لا تدخل (إلا) إلا على الاسم، أو على الجملة الاسمية، أو على الفعل المضارع، فتقول: ما قام إلا زيد، وما زيد إلا أبوه قائم، وما زيد إلا يقوم.
ولو قلت: ما زيد إلا قام، لم يجز، وسبب ذلك أن إلا إنما هي أبدا للاستثناء في اللفظ أو في المعنى، فلما كان الذي يتصور استثناؤه إنما هو الاسم لم تدخل (إلا) إلا عليه، أو على ما أشبهه، وهو المضارع؛ لأنه يشبهه، ولذلك أعرب.
وكذلك الجملة الاسمية؛ لأن إلا إذا دخلت عليها كانت في اللفظ مباشرة للاسم، فأشبه دخولها على الجملة الاسمية دخولها على الاسم، ولما كان الماضي ليس باسم ولا يشبهه لم يجز دخولها عليه" انتهى، وفيه بعض اختصار.
وولاية الفعل المضارع إلا والماضي بشرطه من الفوارق بين إلا وغير، فلا يلي غيرا فعل، وكذلك لا يليها جملة ابتدائية، وتلي إل، فتقول: ما رأيت أحدًا إلا زيد خير منه، ولا تقول: غير زيد خير منه، برفع زيد؛ لأن غيرًا لا تضاف إلى الجمل، فلو خفضت زيدًا بعد غير، ورفعت غيرًا بالابتداء، وخير خبر عنه - جاز
ذلك، واختلف مدلول إلا وغير؛ لأنه في مسألة إلا أن: كل من رأيته زيد خير منه، وفي مسألة غير المعنى: ما رأيت أحدًا متصفًا بأن غير زيد خير منه، ولم تقصد تفضيل زيد على أحد، وإنما نفيت أن يكون غير زيد خيرًا منه، وهذا معنى يخالف المعنى / [4: 65/ أ] الأول.
وإن قلت: قد منع النحويون: ما زيد إلا قام، إلا بدخول قد على قام، فتقول: ما زيد إلا قد قام، وشرطوا في مجيء الماضي بعد إلا أن يتقدم إلا فعل منفي، نحو ﴿ومَا يَاتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾، أو يكون النفي سابقًا على اسم دون فعل، ويكون ذلك الماضي مقرونًا بقد، نحو: ما زيد إلا قد قام.
وإذا كان كذلك فما تصنع بقول الشاعر:
وكلهم حاشاك إلا وجدته كعين الكذوب جريها واحتفالها
قلت: قد زعموا أن كلهم في تأويل الجحد، والمعنى: ما منهم أحد حاشاك إلا وجدته، فهو نظير: أنشدك بالله إلا فعلت.
وفي البديع: "لو قلت: ما زيد إلا قام - لم يجز، فإن أدخلت قد أجازها قوم".
وقوله ومعنى أنشدك إلا فعلت: ما أسألك إلا فعلت: ما أسألك إلا فعلك أنشدك صورته صورة واجب، فكان القياس ألا تجيء بعده إلا، فكما لا يجوز ضربت إلا زيدًا كان ينبغي ألا يجوز: أنشدك إلا فعلك، لكنه كلام محمول على معنى النفي، كما جاء "شر
أهر ذا ناب" صورته صورة المثبت، والمعنى على لنفي المحصور فيه نسبة الحكم إلى المبتدأ، وقدر فعلت هنا بالمصدر وإن لم يكن فيه حرف مصدري لضرورة افتقار المعنى إلى ذلك، فهو كلام يعنون به النفي المحصور فيه المفعول، وقد صرح بـ (ما) المصدرية مع الفعل بعد إلا، قال الشاعر:
عمرتك الله إلا ما ذكرت لنا هل كنت جارتنا أيام ذي سلم
وقال بعض أصحابنا: "قولهم (بالله غلا فعلت) جاؤوا بإلا جوابًا للقسم؛ لأنها في الكلام على معنى الحصر، فدخلت هنا لذلك المعنى، وكأنك قلت: بالله لا تفعل شيئًا إلا كذا، فحذف الجواب، وترك ما يدل عليه؛ لأن الإيجاب لا بد أن يتقدمه نفي: وعمرتك بمعنى ذكرتك وسألتك به، وهو مثبت معناه النفي، أي: ما سألتك بالله إلا ذكرك لنا".
وفي البسيط: "الصحيح أن إلا جواب القسم، والأصل: نشدتك الله لتفعلن كذا، ثم أوقعوا موضع المضارع الماضي، كما قالوا: غفر الله لفلان، ولم يدخلوا لام التوكيد لأنها لا تدخل على الماضي، فجعلوا بدلها إلا، ثم حملوا عليها لما.
أو يقال: إنه لما امتنع دخول اللام بنفسها فصلوا بينهما بـ (ما)، فقالوا: لما فعلت، كما يقولون: ربما يكون كذا، فصارت موطئةً، ثم حملت عليه إلا لأنها في معناها من الإيجاب".
وقال في البديع: "قد أوقعوا الفعل موقع الاسم المستثنى في قولهم: أقسمت عليك إلا فعلت، ونشدتك بالله إلا جئت، وعزمت عليك إلا أجبتني، ومنه قول
ابن عباس للأنصار - وقد نهضوا له- (بالإيواء والنصر إلا جلستم)، التقدير: ما أطلب إلا فعلك، ولا أريد إلا جلوسكم".
-[ص: ولا يعمل ما بعد "إلا" فيما قبلها مطلقًا، ولا ما قبلها فيما بعدها إلا أن يكون مستثنًى، أو مستثنًى منه، أو تابعًا له، وما ظن من غير الثلاثة معمولًا لما قبلها قدر له عامل، خلافًا للكسائي / [4: 65/ ب] في منصوب ومخفوض، وله ولابن الأنباري في مرفوع.]-
ش: قال المصنف في الشرح: "الاستثناء في حكم جملة مستأنفة؛ لأنك إذا قلت: جاء القوم إلا زيدًا، فكأنك قلت: جاء القوم ما منهم زيد، فمقتضى هذا ألا يعمل ما بعد (إلا) فيما قبلها، ولا ما قبلها فيما بعدها على الإطلاق، كما لا يعمل ما بعد (ما) فيما قبلها، ولا ما قبلها فيما بعدها، فاستمر على ما اقتضته هذه المناسبة من هذا المنع فيما تقدمها، نحو: ما زيد إلا أنا ضارب، فلا يجوز إعمال ضارب في زيد، بل تقدر هاء عائدة على زيد، وترفع زيدًا بالابتداء" انتهى.
وقال الرماني: "لا يعمل ما بعد (إلا) فيما قبلها، كقولك: ما قومك زيدًا إلا ضاربون؛ لأن تقدم الاسم الواقع بعد (إلا) عليها غير جائز، فكذلك معمولة؛ لما تقرر أن المعمول لا يقع إلا حيث يقع العامل غذ كان تابعًا له وفرعًا عليه، فإن جاء ذلك في الشعر أضمر له فعل من جنس المذكور".
وقوله ولا ما قبلها فيما بعدها إلا أن يكون مستثنى يعني: مستثنى فرغ له العامل، نحو: ما قام إلا زيد.
وإنما شرط في المستثنى كون العامل فرغ له لأنه إن لم يكن مفرغًا له فنصبه إنما هو بـ (إلا) على مذهبه.
وقوله أو مستثنًى منه نحو: ما قام إلا زيد أحد، أو تابعًا له نحو: ما مررت بأحد إلا زيد خير من عمرو.
وقوله وما ظن من غير الثلاثة هي المستثنى والمستثنى منه وتابعه معمولًا لما قبلها قدر له عامل فإذا وجد مثل: ما ضرب إلا زيد عمرًا، وما ضرب إلا زيدًا عمرو، وما مر إلا زيد بعمرو - قدر له عامل بعد إلا، يفسره ما قبله.
وقوله خلافًا للكسائي في منصوب ومخفوض مثال تأخر المنصوب قوله:
وما كف إلا ماجد ضير بائس أمانيه منه أتيحت بلا من
ومثال تأخر المخفوض قوله تعالى ﴿ومَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ والزُّبُرِ﴾، التقدير: كف ضير بائس، وأرسلناهم بالبينات والزبر.
وقوله وله ولابن الأنباري في مرفوع أي: وخلافًا للكسائي وابن الأنباري، ومثال تأخر المرفوع قوله:
تزودت من ليلى بتكليم ساعة فما زادني إلا غرامًا كلامها
وقول الآخر:
وهل ينبت الخطي إلا وشيجه وتغرس إلا في منابتها النخل
وقول الآخر:
مشائيم، ليسوا مصلحين عشيرةً ولا ناعبًا إلا ببين غرابها
وهذه المسألة والخلاف فيها عن الكسائي في المنصوب والمجرور، وعنه وعن ابن الانباري] في المرفوع [- تكرر ذكرها للمصنف هنا، وقد سبق له ذكرها في آخر الفصل الثاني من فصلي باب / [4: 66/ أ] النائب عن الفاعل، وأمعنا الكلام عليها هناك، واخترنا هناك مذهب الكسائي.
وذكر هنا المصنف في الشرح عن ابن الأنباري فرقًا بين المرفوع وغيره، وقد أشرنا غليه مختصرًا في آخر ذلك الفصل.
قال ابن الأنباري: "الدليل يقتضي ألا يتأخر مرفوع ولا غيره؛ لأن مسائل الاستثناء المفرغ فيها العامل لما بعد إلا حقيقة بأن تختم بالمستثنى.
فإن كان الواقع بعده مرفوعًا نوى تقديمه واتصاله برافعه لأنه كجزء منه، وتأخره لفظًا لا يمنع أن ينوى تقديمه، فإنه الأصل، ويلزم من ذلك تقدير المستثنى مختومًا به.
وإن كان الواقع بعد المستثنى غير مرفوع لم يجز أن ينوى تقديمه؛ لأنه متأخر بالأصالة، وقد وقع في موضعه، فيلزم من تجويزه منع كون المستثنى المفرغ له العامل غير مختوم به لفظًا ولا تقديرًا" انتهى.
وقد وافق الأخفش الكسائي في الظرف، والجار والمجرور، والحال، فأجاز: ما جلس إلا زيد عندك، وما مر إلا عمرو بك، وما جاء إلا زيد راكبًا، والقياس على قوله:
وما كف إلا ماجد ضير بائس................. لا يمنع، بل هذا أولى، لأنه تسامح في الظرف والمجرور بالتقديم والتأخير والفصل ما لا يتسامح بغيره.