بإلى عن حتى، واستغني في التشبيه مع المضمر بـ (مثل) عن الكاف، إلا أن الكاف خالفت أصلها في بعض الكلام لخفتها، فجرت ضمير الغائب المتصل، كقول الشنفرى:
لئن كان من جن لأبرح طارقا... وإن كان إنسا ما كها الإنس تفعل
/أي: ما مثلها الإنس تفعل.
ومثله قول الراجز في وصف حمار وحش وآتن:
ولا ترى بعلا ولا حلائلا... كه ولا كهن إلا حاظلا"
انتهى.
وقد تقدم لنا ذكر الخلاف في جر حتى المضمر وأنه مذهب الكوفيين والمبرد.
ودل كلام المصنف في المتن وفي الشرح أنه يجوز أن تجر الكاف مضمر الغائب على قلة، وأصحابنا يخصونه بالضرورة، ولا يخصون الجر في الضرورة بمضمر الغائب، بل يطلقون المضمر، وأنشدوا:
وأم أوعال كها أو أقربا
وقال آخر:
وإذا الحرب شمرت لم تكن كي... حين تدعو الكماة فيها: نزال
أدخل كاف التشبيه على ضمير المتكلم.
وشذ إدخالها أيضا عليه وعلى ضمير المخاطب في قول الحسن: أنا كك وأنت كي.
وأما ما استدل به هو وبعض أصحابنا من قوله:
كه ولا كهن إلا حاظلا
فلا حجة فيه؛ إذ يحتمل أن يكون الأصل: كهو، فسكن، وحذف، و"هو" ضمير رفع، كما قالوا: ما أنا كأنت ولا أنت كأنا.
وحركة الكاف الفتح إلا مع الياء للمتكلم إذا دخلت عليه في الضرورة فالكسر، وقال س: "كي، وكي خطأ".
وقوله وعلى أنت وإياك وأخواتهما أقل قالت العرب: ما أنا كأنت ولا أنت كأنا، وقال الشاعر:
قلت: إني كأنت، ثمت لما... شبت الحرب خضتها، وكععتا
وأنشد الكسائي:
فأحسن وأجمل في أسيرك إنه... ضعيف، ولم يأسر كإياك آسر
وأخوات أنت هي الضمائر المرفوعة المنفصلة، وأخوات إياك هي الضمائر المنصوبة المنفصلة، ولا يعني بـ"أخوات أنت" ضمير المخاطب المرفوع المنفصل، وبـ"إياك" ضمير المخاطب المنصوب المنفصل.
والحكم بالأقلية على أنت وإياك وأخواتهما، وعلى ضمير الغائب المجرور بالقليلية، ليس كما ذكر.
أما دخولها على إياك وأخواته فهو أقل من دخولها على
ضمير الغائب المجرور، وأما دخولها على أنت وأخواته فليس أقل من دخولها على ضمير الغائب المجرور، ودخولها على أنت إن لم يكن أكثر من دخولها على ضمير الغائب المجرور فلا أقل من أن يكونا سيين.
وفي البسيط: "وقد ورد أيضا في ضمير الرفع أيضا في قولهم: أنت كأنا، وأنت كهو، قال الشاعر:
فلولا المعافاة كنا كهم... ولولا البلية كانوا كنا
وأنكر الكوفيون، وقال الفراء: البيت مولد لا حجة فيه" انتهى.
وعلى تقدير أنه من كلام العرب لا حجة في البيت؛ لأن "هم" و"نا" مشتركة بين ضمير الرفع والنصب والجر، فلا يتعين أن يكون "هم" و"نا" ضميري رفع، بل يجوز أن يكونا ضميري جر.
وقوله وقد توافق على هذا/ مذهب للكوفيين والأخفش، زعموا أن الكاف تجيء بمعنى "على".
وحكى الأخفش عن بعض العرب أنه قيل له: كيف أنت؟ فقال: كخير.
وحكى الفراء: كيف أصبحت؟ فقال: كخير، يريد: على خير.
وعلى هذا خرج الأخفش قولهم: كن كما أنت.
قال: ولا يتصور أن تكون الكاف للتشبيه؛ لأنه لا يشبه بحاله، والتقدير: كن كالحال الذي أنت عليه، والكاف بمعنى على، و (ما) موصولة، و (أنت) مبتدأ محذوف الخبر، والجملة صلة لـ (ما).
ولا حجة في هذا كله.
أما "كخير" فيحتمل أن يكون على حذف مضاف، لما قيل له: كيف أنت؟ قال: كخير، أي: كصاحب خير.
وأما ((كن كما أنت)) فتحتمل "ما" أن تكون زائدة، "وأنت" في موضع خفض بالكاف، ووقع ضمير الرفع المنفصل بعد الكاف، كقولهم: ما أنا كأنت، وتقدم ذلك، ومنه قوله:
..................................... وأكرومة الحيين خلو كما هيا
وقوله:
.................................... فتتركه الأيام، وهي كما هيا
وقد زيدت "ما" بين الكاف ومجرورها، قال الكميت:
يركضن في المهمه اليباب كما... أقرب أرض منها أباعدها
أي: كأقرب أرض لها أبعد أرض منها.
وقال الأعشى:
كما راشد تجدين امرأ... تفكر، ثم ارعوى، أو قدم
وتكون على هذا شبهته فيما يستقبل بنفسه بما قبل ذلك، ولا ينكر تشبيه الشيء بنفسه في حالين مختلفين.
ويحتمل أن تكون"ما"كافة لها عن العمل ومهيأة لها الدخول على الجمل، مثلها في ربما، وأنت مبتدأ، والخبر محذوف، والتقدير: كن كما أنت عليه.
وقدره بعض شيوخنا: كما أنت كائنه، أو كائن إياه.
وقدره بعضهم: كما أنت معلوم، وحذف الخبر، ونظيره قول الشاعر:
وإن بنا - لو تعلمين - لغلة... إليك، كما بالحائمات غليل
والكاف لتشبيه معنى الجملة التى قبلها بمعنى الجملة التى بعدها، وكأنه أمره أن يكون منه فيما يستقبل كون يشبه كونه في الحال، وتكون المسألة نظير قوله: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ فوقع بعد الكاف جملة يفهم منها ما كان يفهم من المنخفض بها من التشبيه.
ويحتمل أن تكون (أنت) مرفوعة بفعل مضمر، التقدير: كن كما كنت، فلما حذف العامل انفصل الضمير، ونحو ذلك ما رواه هشام من قول الشاعر:
وما زرتنا في الدهر إلا تعلة... كما القابس العجلان، ثم يغيب
أي: كما يزور القابس العجلان؛ ألا ترى قوله (ثم يغيب)، معطوف على ذلك الفعل المحذوف.
والكاف في هذا الوجه أيضا على معناها من التشبيه.
وقيل: التقدير: كالذي هو أنت، مثل قراءة من قرأ ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾.
وقوله وقد تزاد إن أمن اللبس مثاله/ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، أي: ليس مثله شيء، ولا يجوز ألا تكون زائدة؛ لأنه يقتضي إثبات مثل الله، ولا مثل له تعالى.
ومن الناس من جعل مثلا في الآية زائدة، وزعم أن مثلا تزاد، ومنه قول العرب: مثلك يفعل هذا، تريد: أنت تفعل هذا.
وهذا ليس بشيء، فر من زيادة الحرف إلى زيادة الاسم، وهو مبني على مذهب الكوفيين من أن العرب قد تزيد
الأسماء، وجميع ما استدلوا به متأول.
وأما مثلك يفعل هذا فكلام صحيح، و"مثلك" فيه باقية على مدلولها؛ لأن المقول له هذا له مثل موجود أو مقدر، بخلافه في الآية.
ويحتمل ألا تكون الكاف في الآية زائدة، ويراد بـ"مثل" الصفة؛ لأن مثلا ومثلا قد يراد بهما الصفة، ولما كان قد تقدمت أشياء من صفاته تعالى قيل: ليس شيء - أي: من الصفات - كصفته ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾، فنفى شبه صفات العالم لصفته تعالى، وهذا معنى صحيح.
فأما قوله تعالى ﴿وَحُورٌ عِينٌ، كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ فزعم المصنف في الشرح أن الكاف زائدة، كهي في قوله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
وكذلك زعم أنها زائدة فيما روي في الحديث (يكفي كالوجه واليدين)، يريد: يكفي الوجه واليدان، وهي الرواية الأخرى.
وزيادتها لا تنقاس، فتارة تزاد خارجة عن معنى التشبيه، قال:
لواحق الأقراب فيها كالمقق
المعنى: فيها مقق، أي: طول؛ لأنه إنما يقال: في الشيء طول، ولا يقال: فيه كالطول.
ومثله ما حكاه الفراء من أنه قيل لبعض العرب: كيف تصنعون الأقط؟ فقال: كهين.
يريد: هينا.
وتارة يراد بها إذا زيدت التأكيد للتشبيه، كقوله:
فصيروا مثل كعصف مأكول
زاد الكاف لتأكيد التشبيه المدلول عليه بمثل، والكاف مع ما جرته في موضع خفض بمثل.
وأما قوله:
وصاليات ككما يؤثفين
فالكاف الثانية زائدة لتأكيد التشبيه.
وذهب بعض شيوخنا إلى أن الزائدة للتأكيد هي الأولى، والثانية هي اسم بمعنى مثل، وزعم أن "ما" موصولة، قال: وذلك أنه يريد أن يشبه أثافي قد قدمت بأثافي مستعملة، فيكون التقدير: وصاليات مثل اللائي يؤثفين الآن، أي: ينصبن، فيوقد عليهن؛ لأن هذه قد انتقل أهلها عنها، وبقيت لا يوقد عليها، إلا أنها مسودات، ومعها رمادها لم يتغير، فصارت بذلك مشبهة لما يوقد عليه منها، والضمير في يؤثفين راجع إلى "ما" على المعنى.
قال: وهذا أحسن من أن تجعل ما مصدرية، فيكون التقدير: كإثفائهن، وفيه تشبيه العين بالمعنى، فيحتاج إلى تأويل في اللفظ وحذف مضاف، وعلى جعل"ما" موصولة اسمية لا تقدير فيه ولا حذف.
وقوله وتكون اسما/ فتجر، ويسند إليها لا خلاف نعلمه في أن كاف التشبيه تكون حرفا إلا ما ذهب إليه صاحب كتاب "المشرق" - وهو أبو جعفر بن
مضاء - من أن الأظهر في الكاف أن تكون اسما أبدا؛ لأنها بمعنى مثل، وما هو بمعنى اسم فهو اسم.
وقد تقدم لنا ذكر الدليل على حرفيتها.
واختلفوا هل تكون اسما في الكلام؟ فأثبت ذلك الأخفش، وهو اختيار المصنف وظاهر قول الفارسي.
وذهب س إلى أنها لا تكون اسما بمنزلة مثل إلا في ضرورة الشعر.
فمما جاءت فيه مجرورة بالحرف قول الشاعر:
بكاللقوة الشغواء جلت، فلم أكن... لأولع إلا بالكمي المقنع
وقول الآخر:
وزعت بكالهراوة أعوجي... إذا ونت الرياح جرى وثابا
وقول الآخر:
ورحنا بكابن الماء، يجنب وسطنا... تصوب فيه العين طورا، وترتقي
وقول الآخر، وهو ذو الرمة:
أبيت على مي كئيبا، وبعلها... على كالنقا من عالج يتبطح وقول الآخر: على كالخنيف السحق، يدعو به الصدى... له قلب عفى الحياض أجون وقول الآخر: قليل غرار العين، حتى تقلصوا... على كالقطا الجوني، أفزعه الزجر وقول الراجز: يبسمن عن كالبرد المنهم ومما جاءت فيه مجرورة بالإضافة قول الشاعر: تيم القلب حب كالبدر، لا بل... فاق حسنا من تيم القلب حبا ومثال كونها يسند إليها فاعلة قول امرئ القيس: وإنك لم يفخر عليك كفاخر... ضعيف، ولم يغلبك مثل مغلب وقول الأعشى:
أتنتهون، ولن ينهى ذوي شطط... كالطعن، يذهب فيه الزيت والفتل وقول الآخر: فيا عجبا! إن الفراق يروعني... به كمناقيش الحلي قصار /وقول الآخر: وما هداك إلى أرض كعالمها... وما أعانك في غرم كغرام وتقع اسم كان، قال: لو كان في قلبي كقدر قلامة... فضلا لغيرك ما أتتك رسائلي ومبتدأة، قال: بنا كالجوى مما نخاف، وقد نرى... شفاء القلوب الصاديات الحوائم وقال امرؤ القيس: متقلدا عضبا مضاربة... في متنه كمدبة النمل وقال بعض شيوخنا: إنها تكون مفعولة، وذلك في قول النابغة:
لا يبرمون إذا ما الأفق جلله... برد الشتا من الأمحال كالأدم
وقوله:
وإني لأقى من ذوي الضغن منهم... وما أصبحت تشكو من الوجد ساهرة
كما لقيت ذات الصفا من حليفها... وما نفكت الأمثال في الناس سائرة
فالكاف في "كالأدم" مفعولة ب"جلله" وفي "كما لقيت" مفعولة بقولة "لألقى".
ومن النحويين من تأول هذا السماع جميعه على حذف الموصوف وإقامة المجرور الذي هو صفته مقامه، وقد أجاز ذلك الفارسي.
فمن نظر إلى كثرة هذا السماع استدل به على اسمية الكاف في الكلام.
ومن نظر إلى أنه لم يقع في النثر خص ذلك بالشعر، أو تأوله، فقدره: بفرس كالقوة، وكالهراوة، وكابن كالقطا، وعن ثغر كالبرد، وحب محبوب كالبدر، وفاخر كفاخر ضعيف، وناه كالطعن، ومروع كمناقيش، وهاد كعالمها، وموضع كقدر قلامة، وبنا حب كالجوى، وأثر كمدبة.
والذي أختاره ذلك في الكلام على قلة؛ لأن هذا تصرف كثير فيها من كونها تكون فاعلة واسم كان ومفعولة ومبتدأة ومجرورة بحرف جر وبإضافة؛ وهكذا شأن الأسماء المتصرفة، تتقلب عليها وجوه الإسناد والإعراب.
وفي
"البديع": "مثل س على اسميتها: كلا كزيد أحدا، بالنصب على أنه بدل من الكاف"
وقوله وإن وقعت صلة فالحرفية راجحة مثال وقوعها صلة قول الراجز:
ما يرتجي وما يخاف جمعا... فهو الذي كالغيث والليث معا
قد تقدم لنا الدليل على حرفيتها كونها تقع صلة في فصيح الكلام، بخلاف مثل؛ لأنها حرف جر، وحرف الجر يقع صلة في فصيح الكلام، وأما مثل فلا تقع صلة لأنها مفردة، فإن/ جاء مثل "جاءني الذي مثل عمرو" فهو على إضمار مبتدأ، ولا تقع إلا شذوذا أو نادرا إذا لم يكن في الكلام طول، ولا وقع في صلة، أي: على ما قرر في الموصولات.
وقوله وتزداد بعها "ما" كافة وغير كافة فإذا كانت كافة وليتها الجمل الاسمية، وتكون من حروف الابتداء، قال الشاعر:
أخ ماجد، لم يخزني يوم مشهد... كما سيف عمرو لم تخنه مضاربه
وقال الآخر:
ألم تر أن البغل يتبع إلفه... كما عامر واللؤم مؤتلفان
وقال الآخر:
وإن بنا- لو تعلمين- لغلة... إليك كما بالحائمات غليل
وقال آخر:
لقد علمت سمراء أن حديثها... نجيع كما ماء السماء نجيع
وقال زياد الأعجم:
لعمرك إنني وأبا حميد... كما النشوان والرجل الحليم
أريد هجاءه، وأخاف ربي... وأعلم أنه عبد لئيم
وكون "ما"تكون كافة إذا وليتها الجملة الاسمية هو مفرع على أن"ما" المصدرية لا توصل إلا بالجملة الفعلية؛ أما إذا فرعنا على أنها توصل بالجمل الاسمية فإن"ما" لا تكون كافة في نحو هذه الأبيات، بل تكون مصدرية ينسبك منها مع الجملة التي بعدها مصدر، يكون في موضع جر بالكاف، وتكون إذ ذاك الكاف غير مكفوفة، وإذا كانت كافة انجر الاسم بكاف التشبيه، وقد تقدم لنا ذكر ذلك في بيتي الأعشى والكميت.
وأنشد أبو علي القالي:
وننصر مولانا، ونعلم أنه... كما الناس مجروم عليه وجارم
قال س: "وسألته عن قولهم: هذا حق كما أنك هاهنا، فزعم أن العامل في (أن) الكاف، و (ما) لغو، إلا أنها لا تحذف كراهة أن يجيء لفظها كلفظ كأن".
وقد كررت «ما» بعدها زائدتين، قال:
كما ما امرئ في معشر غير قومه... ضعيف الكلام، شخصه متضائل
وقوله وكذا بعد رب والباء يعني أن "ما" تزداد بعد رب وبعد الباء كافة وغير كافة، فمثال زيادتها بعد رب وهي كافة قول أبي دواد:
ربما الجامل المؤبل فيهم... وعناجيج، بينهن المهار
وسيأتي الخلاف في هذه المسألة.
ومثالها غير كافة قوله:
ماوي، يا ربتما غارة... شعواء كاللذعة بالميسم
وقوله:
ربما ضربة بسيف صقيل... بين بصري وطعنة نجلاء
وقوله:
لقد رزئت كعب بن عوف، وربما... فتى لم يكن يرضى بشئ يضيمها
وقد اقتصروا بـ"ربما" عن ذكر شيء بعدها، كقوله:
فذلك إن يلق الكريهة يلقها... حميداً، وإن يستغن يوما فربما
وقد اقتفى ذلك أبو تمام، فقال:
عسى وطن يدنو بهم، ولعلها... وإن تعقب الأيام فيهم فربما
ومثال زيادتها كافة بعد الباء قوله:
فلئن صرت لا تحير جواباً... لبما قد ترى وأنت خطيب
ومثال زيادتها غير كافة قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾، ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾.
وقوله وتحدث في الباء المكفوفة معنى التقليل قال المصنف في الشرح: «وتحدث (ما) الكافة في الباء معنى ربما، فمعنى لبما قد ترى وأنت خطيب: ربما قد ترى.
ومثله قول كثير:
مغان بهيجن الحليم إلى الهوى... وهن قديمات العهود دواثر
بما قد أرى تلك الديار وأهلها... وهن جميعات الأنيس عوامر
أراد: ربما أرى، و"قد" مع المضارع تفيد هذا المعنى، ولكن اجتمعتا توكيدا كما اجتمعت عن والباء التي بمعناها في قول الشاعر:
فأصبحن لا يسألنه عن بما به.................................. " انتهى.
وما ذهب إليه من أن «ما» فيما ذكر كافة وأنها أحدثت معنى التقليل غير صحيح، بل «ما» في ذلك مصدرية، والباء للسببية المجازية، والمعنى على التكثير لا على التقليل، ونظيره قول الآخر:
فلئن فلت هذيل شباه... لبما كان هذيلا يفل
والفعل الذي تتعلق به الباء مقدر مما قبلها، والتقدير: لانتفاء إحارتك جوابا برؤيتك وأنت خطيب، وهن قديمات العهود دوائر برؤيتي تلك الديار، لفلته بما كان يفلها.
والسببية ظاهرة في هذا البيت، وأما في البيتين قبله فسبب خرسه بالموت كونه كان خطيبا في الحياة؛ إذ ينشأ عن الحياة الموت؛ إذ مصير كل حي إلى الممات.
وكذلك البيت الثاني، سبب دثور الديار كونها كانت عامرة بأهلها؛ إذ مصير العمران للخراب، ولذلك جاء:
لدوا للموت، وابنوا للخراب................................
وقوله وقد تحدثت في الكاف معنى التعليل/ يعني: وقد تحدثت «ما» الكافة في الكاف معنى التعليل، فتخرج بذلك عن التشبيه.
ومثل ذلك المصنف في الشرح بقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾.
وتقل ذلك عن الأخفش في قوله: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا﴾ الآية، أي: كما أرسلنا فيكم
رسولا فاذكروني، [أي]: لما فعلت هذا فاذكروني.
وعن ابن برهان في ﴿وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ﴾، أي: أعجب لأنه لا يفلح.
ومثل بعضهم بقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، وقوله ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، ومثل: جئني كما جئتك.
وزعم الخليل أن الكاف إذا لحقها إذا "ما" الكافة قد تجعلها العرب بمعنى لعل، وتصيرها"ما" للفعل كما صيرت ربما للفعل، وجعل من ذلك قولهم: انتظرني كما آتيك، قال: "والمعنى: لعلي آتيك".
وجعل من ذلك قول الشاعر:
قلت لشيبان: ادن من لقائه... كما نغدي القوم من شوائه
أي: لعلنا.
وقول الآخر:
لا تشتم الناس كما لا تشتم
أي: لعلك لا تشتم.
وحكى س: "كما أنه لا يعلم فتجاوز الله عنه"، أي: لأنه لا يعلم.
وذهب الفراء إلى أن قولهم: "انتظرني كما آتيك"، و «"لا تشتم الناس كما لا تشتم"، الكاف فيهما للتشبيه، والكاف صفة لمصدر محذوف، أي: انتظرني انتظارا
صادقا مثل إتياني لك، أي: ف لي بالانتظار كما أفي لك بالإتيان، وانته عن شتم الناس كانتهائهم عن شتمك، وتشبيه الحدث بالحدث في مجرد كونه حدثا أمر مستبرد، إلا أن س نقل عن العرب أن من معاني «مررت برجل مثلك»: تشبيه بأنه رجل كما أنك رجل، فالتشبيه في مجرد الجنسية، ولو كانت للتشبيه حقيقة لصرحوا بالمصدر؛ إذ "ما" مصدرية، ولم يظهروه قط فيقولوا: انتظرني كإتيانك، فلو كان الفعل هنا مع "ما" بمعنى المصدر لنطق به يوما ما، فهذا حمل س والخليل على أنها بمعنى لعل.
والكاف في قولهم "انتظرني كما آتيك" عند الخليل وس غير جارة وغير متعلقة بشيء لكونها قد جعلت بمنزلة لعلما، وهو مذهب ابن طاهر وتلميذه ابن خروف.
وقال الزجاج: يشير س إلى الكاف غير عاملة، وقال: عي عندي عاملة في الموضع، مثل: مررت برجل يقوم، فـ"يقوم" في موضع جر.
وزعم بعض النحويين أن «كما» تأتي ظرفا، قالوا: ائت المسجد كما يؤذن المؤذن، أي: حين يؤذن، واخرج كما يسلم الإمام، أي: حين يسلم.
وقوله وربما نصبت مضارعا لا لأن الأصل كيما يعني أنها حين إذ حدث فيها معنى التعليل تنصب المضارع، وقد تقدم في "كما آتيك" و "كما لا تشتم" مجيء المضارع بعدها مرفوعا.
وقال المنصف في الشرح: "وإذا حدث فيها معنى التعليل، ووليها مضارع- نصبته لشبهها بكي، كقول الشاعر:
وطرفك إما جئتنا فاصرفنه... كما يحسبوا أن الهوى حيث تنظر
/وزعم الفارسي أن الأصل كيما، فحذفت الباء.
وهذا تكلف لا دليل عليه، ولا حاجة إليه» انتهى.
وكان ينبغي أن يقول «ووليها مضارع نصبته على قله» كما قال في المتن "وربما" عن تقييده في الشرح.
وقوله "وزعم الفارسي» هذا الذي ذهب إليه الفارسي هو مذهب الكوفيين، زعموا أن "كما نغدي" من قوله:
كما نغدي القوم من شوائه
في موضع نصب بـ"كما"، و"كما" محذوفة من كيما، وسكنوا ياء نغدي ضرورة.
واستدلوا بقوله «كما يحسبوا»، يريد: كيما يحسبوا، ولذلك حذف النون.
وقوله "وهذا تكلف لا دليل عليه، ولا حاجة إليه" ليس كما ذكر، بل هو تأويل عليه دليل، وإليه حاجة، وذلك أنه لم يثبت النصب بـ"كما" في موضع خلاف هذا المختلف فيه، فيحمل هذا عليه، والنصب ثابت بـ"كيما".
والعلة في كيما أصل، وفي كاف التشبيه المكفوفة بـ"انتظرني كما آتيك" بين الخليل والفراء، فالأولى أن يعتقد أن أصلها كيما لظهور التعليل فيها، ولثبوت النصب بكيما.
وقوله وإن ولي ربما اسم مرفوع إلى آخر المسألة: هذا الذي ذهب إليه المصنف هو مذهب المبرد، زعم أنه تليها الجملة الاسمية والفعلية نحو إنما، تقول: ربما قام زبد، وربما زيد قائم، كما تقول في إنما.
قال المصنف في الشرح: "زعم- يعني الفارسي- في قول الشاعر:
ربما الجامل المؤبل فيهم... وعناجيج، بينهن المهار
أن «ما» فيه نكرة موصوفة بمبتدأ مضمر وخبر مظهر.
والصحيح أن «ما» فيه زائد كافة، هيأت رب للدخول على الجملة الاسمية كما هيأتها للدخول على الجملة الفعلية في قوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾، وفي قول الشاعر:
لا يضيع الأمين سرا، ولكن... ربما يحسب الخؤون أمينا» انتهى.
وهذا الذي قاله عن الفارسي هو مذهب الجمهور.
وابن عصفور خرج البيت تخريج أبي علي، وهو الصحيح؛ إذا لو كان على ما اختاره المصنف لسمع من كلامهم: ربما زيد قائم، بتصريح المبتدأ والخبر، ولم يسمع ذلك فيما أعلم، فوجب تخريج البيت على ما خرجه الفارسي وابن عصفور.
ومثل قوله: ربما الجامل... البيت قول الآخر:
طالعات ببطن فقرة بدى... ربما ظاعن بها ومقيم
وقول الآخر:
أم الصبيين! ما بدربك أن ربما... عيطاء، قلتها شماء قرواح
العيطاء: الهضبة، وشماء: مرتفعة، وقرواح: جرداء.
ويتأول هذان البيتان تأويل: /ربما الجامل.
ومذهب س أنها إذا كفت بـ «ما» فلا يليها إلا الفعل، ولا تدخل على الجملة الابتدائية.
وظاهر كلامه جواز دخولها على المستقبل، وقاله كثير من النحويين.
وزعم جماعة أن "ربما" لا تكون إلا للماضي، كقول الشاعر:
ربما أوفيت في علم... ترفعن ثوبي شمالات
وقال ابن يسعون في قوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ﴾: "قد تكون (ما) نكرة موصوفة، أي: رب ود يوده الذين كفروا".
قال ابن هشام: وهذا باطل؛ لأن (لو) تحتاج على هذا التقدير إلى جواب، ولا يكون إذا من جنس ما قبلها، ولا يصح هنا، وإنما هي بمنزلة أن معمولة لما قبلها، كقوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ﴾، و ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ﴾، و ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ﴾.
وقال الفراء: هي بمنزلة أن.
وقال بعض شيوخنا: "وأما إذا كانت كافة"، يعني ما إذا جاءت بعد رب، قال: «فإنها حينئذ تصير من الحروف الطالبة بالجمل الفعلية، فلا يقع بعدها إلا الفعل، ولا يكون إلا ماضيا، ولا يكون إلا مقدما، نحو: ربما قام زيد، وربما ضربت زيدا، ولا تقول: ربما عمرا ضربت إلا أن تأتي في الشعر، فيقصر على موضعه، ولا تجد من حروف الجر ما كف عم مجروره إلا رب وكاف التشبيه على أحد الوجهين في قوله: كن كما أنت.
وأكثر ما يكون الكف في الحروف الداخلة على الجمل المؤثرة فيها».
وقال أيضا: "إلا أن العرب تدخلها على المضارع، فيصير ماضيا" انتهى.
وقال الشاعر:
ربما أوفيت في علم... ترفعن ثوبي شمالات
وتلخص من كلام أشياخنا أن رب إذا كفت بـ"ما" فلا تليها الجملة الاسمية، بل الفعلية المصدرة بماض أو مضارع في معنى الماضي.
ومن أجاز أن تدخل رب على ما يكون العامل فيها مستقبلا لم يحتج إلى تأويل في قوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدّ﴾
ومن خصه بالماضي- وهم أكثر النحويين- قالوا: لا تخرجها (ما) عن المضي، كما لم يخرج "لم" إلحاق (ما) الزائد عن الدخول على لفظ المضارع، تقول: لم تقم، ثم تقول: لما تقم، وتأول الآية على أنها حكاية حال تكون، وساغ دخول ربما على يود لصدق الوعد وقرب الدنيا من الآخرة من حيث لا فصل بينهما، فجعل لذلك ودهم بمنزلة الماضي الواقع.
والكوفيون يجعلون ذلك على إضمار كان، أي: ربما كان يود.
وبه قال أبو بكر.
ولا يجوز ذلك على مذهب س.
وقوله وتزداد "ما" غير الكافية بعد «من» و «عن» مثاله بعد من ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾.
ومثاله بعد عن قوله: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾، وقال الشاعر:
وأعلم أنني عما قريب... سأنشب في شبا ظفر وناب
وإذا كانوا قد زادوا "ما" بين المضاف والمضاف إليه مع شدة الاتصال بينهما لأنه كالجزء منه فلأن يزيدوها بين حرف الجر والمجرور أولى؛ ومن ذلك قول سحيم:
مساعير ما حرب وأيسار شتوة... إذا الريح ألوت بالكنيف المستر
وقول الخرنق:
من غير ما فحش يكون بهم... في منتج المهرات والمهر
-[ص: ومنها "مذ" و "منذ"، وقد ذكرا في باب الظروف.
ومنها "رب"،
ويقال: رب ورب ورب وربت وربت وربت ورب ورب وربت.
وليست اسما، خلافا للكوفيين والأخفش في أحد قوليه، بل هي حرف تكثير وفاقا لسيبويه، والتقليل بها نادر.
ولا يلزم تصديرها وتنكير مجرورها.
وقد يعطف على مجرورها وشبهه مضاف إلى ضميريهما.]-
ش: تقدم الكلام على مذ ومنذ كما ذكر المصنف
وقوله ومنها رب أي: من حروف الجر، ويأتي ذكر الخلاف فيها أهي اسم أم حرف.
وذكر المصنف في الشرح أن "في رب عشر لغات: أربع بتشديد الباء، وست بتخفيفها، وقد ذكرت" انتهى.
وضيطها على ما يناسب: رب وربت ورب وربت ورب وربت ورب وربت ورب ورب.
وزاد غيره رب وربتا.
وهذه أوردها من أوردها من النحويين على أنها لغات في رب.
وزعم أبو الحسن علي بن فضال المجاشعي- وهو صاحب كتاب "الهوامل والعوامل"- أن فتح الراء في الجميع شاذ، وأن أبا حاتم نقل فتح الراء وتخفيف الباء مع فتحها ودون التاء ضرورة لا لغة.
واستدل على ذلك بأن كل حرف على حرفين لا يكون إلا ساكن الثاني، نحو هل وبل.
ولا حجة فيما ذكر؛ لأنا لا ندعي أن أصل رب وضع على حرفين، بل هي ثلاثية الوضع، وخففت، بخلاف هل وبل ونحوها، فإنها وضعت في أصل الوضع على حرفين.
وإذا وقفت على ما فيه التاء منها فالوقوف بالتاء، خلافا لمن يقلبها هاء.
وقوله وليست اسما خلافا للكوفيين هكذا نقله عنهم غيره، ووافقهم على ذلك ابن الطراوة، فهي عندهم اسم مبني يحكم على موضعه بالإعراب كسائر الأسماء المبنية.
واستدلوا على ذلك بالإخبار عنها، قال الشاعر:
إن يقتلوك فإن قتلك لم يكن عارا عليك، ورب قتل عار
فـ «رب» عندهم مبتدأ، وعار: خبره.
وفي الإفصاح: زعم الفراء وجماعة من الكوفيين أن رب اسم معمولة لجوابها كـ"إذا" و "حين" في الظروف، وتقدمت عندهم لاقتضائها/ الجواب.
وهي مبنية؛ بدليل أن من العرب من يسكن آخرها.
فقالوا: وقد يبتدأ بها، فيقال: رب رجل أفضل من عمرو، ويقال: رب ضربة ضربت، بتقدير المصدر، ورب يوم سرت، بتقدير الظرف، ورب رجل ضربت، مفعول، ورب رجل قام، مبتدأ، كما يكون ذلك في كم.
وأجيب بأنه لا يمتنع أن يخبر عن مجرورها بخير مفرد، فـ"رب قتل" مبتدأ، دخل عليه حرف الجر، و"عار" خبره، وكذلك أفضل.
ورب ضربة ضربت، منصوب بضربت، وكذا باقيها.
وذهب البصريون إلى أن "رب" حرف.
واستدلوا على بطلان مذهب الكوفيين بأنها لو كانت اسما لتعدى إليها بحرف الجر الفعل المتعدي بالحرف، فكما تقول في المعتدي: رب رجل أكرمت، فتكون رب مفعولا بها على زعمهم، فكان ينبغي أن يجوز: برب رجل عالم مررت؛ إذ ليس في كلامهم اسم يتعدى إليه الفعل بنفسه إلا ويجوز أن يتعدى إليه الفعل المتعدي بحرف الجر به.
وبأنه لو كانت اسما لأخير عنها، وأضيف إليها، وعادت الضمائر عليها، فجميع علامات الأسماء اللفظية منتفية عنها.
وأما ما استدلوا به على اسميتها فلا حجة فيه؛ لأن الرواية المشهورة هي «وبعض قتل عار»، ولئن صحت تلك الرواية فعار خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو عار، والجملة في موضع الصفة لقتل، أي: ورب قتل هو عار أوقعته بهم، وقد أظهر هذا المبتدأ المضمر في قول الشاعر:
يارب هيجا هي خير من دعه
وهذا على تقدير القول بأن معمول رب تلزمه الصفة، وأما على مذهب من لا يلزمه الصفة فـ «عار» خبر عن مجرور رب، إذ هو في موضع مبتدأ.
وكذلك الجملة من قوله "هي خير من دعه" هي: خبر عن هيجا المجرورة برب.
ومثال حذف الضمير المبتدأ الواقع هو وخبره صفة قول الشاعر:
قلت: أجيبي عاشقا... بحبكم مكلف
أي: هو بحبكم مكلف.
وقال الأستاذ أبو علي: ومن الدليل على أنها حرف أنهم وبين المجرور كما فصلوا بين كم وما تعمل فيه في الخبر مع الجر.
وقوله بل هي حرف تكثير وفاقا لسيبويه والتقليل بها نادر هذا خلاف ما يذهب إليه أصحابنا من أنها حرف تقليل.
قال المصنف في الشرح: "وأكثر النحويين يقولون: معنى رب التقليل".
وكذا ذكر غيره أنه مذهب الجمهور.
وقال بعض شيوخنا: هو مذهب البصريين.
وزعم صاحب كتاب العين أنها للتكثير، ولم يذكر أنها تجيء للتقليل.
وذهب الفارسي في "كتاب الحروف" له إلى أنها تكون تقليلا وتكثيرا.
وهو مذهب الكوفيين.
وذهب بعض النحويين إلى أنها حرف إثبات، ولم توضع لتقليل ولا تكثير، بل ذلك مستفاد/ من سياق الكلام.
وأصحابنا يزعمون أنها للتقليل في جنس الشيء أو لتقليل نظيره.
وزعم بعضهم أنها تكون للتكثير في مواضع المباهاة والافتخار.
فتلخص فيها أقوال: للتقليل، للتكثير مطلقا.
للتكثير في مواضع الافتخار، لهما، لم توضع لهما، بل حرف إثبات.
والذي نختاره هذا المذهب، وهو أنه لا دلالة لها على تكثير ولا تقليل، وإنما يفهم ذلك من خارج.
فمثال ما فهم من السياق التقليل قوله:
ألا رب مولود، وليس له أب... وذي ولد لم يلده أبوان
وذي شامة غراء في حر وجهه... مجللة، لا تنقضي لأوان
يعني عيسى وآدم- عليهما السلام- والقمر.
وقول الآخر، وهو زهير:
وأبيض فياض، يداه غمامة... على معتفيه، ما تغب فواضله
يعني حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري؛ بدليل قوله:
حذيفة ينميه وبدر كلاهما... إلى باذخ، يعلو على من يطاوله
وقول خوات بن جبير:
وذات عيال واثقين بعقلها... خلجت لها جار استها خلجات
يعني ذات النحيين وحدها.
وقول صخر بن الشريد:
وذي أخوة قطعت أقران بينهم... كما تركوني واحدا لا أخا ليا
يريد بيذي الأخوة دريد بن حرملة المري، وهو الذي قتل أخاه معاوية، فلما قتله بأخيه قال هذا الشعر، وقوله "كما تركوني واحدا لا أخا ليا" يبطل توهم الكثرة هنا؛ لأن الذين تركوه بلا أخ هم بنو حرملة، ولم يكن أخ قتل غير معاوية وحده.
ونسبه المصنف في الشرح لعمرو بن الشريد أخي الخنساء، كذا قال.
ونسبه ابن عصفور لصخر بن الشريد كما نسبناه نحن.
وقول الآخر:
ونار قد حضأت بعيد وهن... بدار، ما أريد بها مقاما
يصف قصة جرت له وحده مع الجن على زعمه.
وقول الآخر:
ويوم على البلقاء، لم يك مثله... على الأرض يوم في بعيد ولا دان
يريد يوما كانت وقعة بين غسان ومذحج في يوم يعرف بالبلقاء.
وقال أبو طالب يمدح رسول الله - صل الله عليه وسلم:
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه... ثمال اليتامى، عصمة للأرامل
/ ومما جاء فيه رب لتقليل النظير قول امريء القيس:
وإن أمس مكروبا فيا رب قينة... منعمة أعملتها بكران
وقول أبي كبير الهذلي:
أزهير! إن يشب القذال فإنه... رب هيضل مرس لففت بهيضل
ومما ظاهره استعمال رب في التكثير قول عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير ابن الخطفي:
فإن تكن الأيام شبين مفرقي... وأكثرن أشجاني، وفللن من غربي
فيا رب يوم قد شربت بمشرب... شفيت به عني الصدى، بارد عذب
وكم ليلة قد بتها غير آثم... بساجية الحجلين مفعمة القلب
ومن تأول ذلك جعل رب لتقليل النظير، وراعى في كم التكثير.
وقال المصنف في الشرح: "الصحيح أن معنى رب التكثير، ولذا تصلح كم في كل موضع وقعت فيه رب غير نادر".
وأنشد عدة أبيات، يصلح وضع كم فيها موضع رب.
ونسب هو وابن خروف هذا المذهب إلى س، واستدلا على ذلك بقوله في "باب كم ": "أعلم أن لكم موضعين: أحدهما
الاستفهام، والآخر الخبر.
ومعناها معنى رب".
بقوله في الباب:"واعلم أن كم في الخبر لا تعمل إلا فيما تعمل فيه رب؛ لأن المعنى واحد، إلا أن كم اسم، ورب غير اسم".
قال المصنف في الشرح: "وهذا نص س، ولا معارض له في كتابه، فعلم أن مذهبه كون رب مساوية ل"كم"الخبرية في المعنى، ولا خلاف في أن معنى كم الخبرية التكثير.
والذي دل عليه كلام س من أن معنى رب التكثير هو الواقع في غير النادر من كلام العرب نثره ونظمه، فمن النظم الأبيات التي تقدم ذكرها، ومن النثر قوله- عليه السلام- "يارب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة"، وقوله- عليه السلام: "رب أشعث أغبر، لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره"،ومنه قول الأعرابي الذي سمعه الكسائي يقول بعد الفطر: رب صائمه لن يصومه، وقائمه لن يقومه.
وقال الفراء: يقول القائل إذا أمر فعصى: أما والله لرب ندامة لك تذكر قولي فيها"
انتهى.
أما قول المصنف "وهذا نص س، ولا معارض له في كتابه" فقال صاحب "البسيط": "س يصرح في مواضع من كتابه بأن كم بمنزلة رب، وكذلك في كائن، فيحتمل أن يريد في الجر، أو في جميع أحوالها معنى ولفظا" انتهى.
وإذا كان كلام س محتملا فكيف يقول المصنف: إنه نص.
وقال في "البسيط": ذهب/ البصريون إلى أنها للتقليل، كالخليل وسيبويه وعيسى بن عمر ويونس وأبي زيد وأبي عمرو بن العلاء وأبي الحسن الأخفش والمازني وابن السراج والجرمي والمبرد والزجاج والزجاجي والفارسي والرماني وابن جني والسيرافي، وجملة الكوفيين كالكسائي والفراء وابن سعدان وهشام، ولا مخالف لهؤلاء إلا صاحب العين، فإنه صرح بكونها للتكثير دون التقليل، ولا ذكره لغيره.
وذكر الأعلم أنها للتقليل، إلا أن التقليل يكون للذات تارة وللوجود أخرى وإن كثرت ذاته وعظمت، كقوله مفتخرا: رب غارة أغرت، ورب ناقة كوماء نحرت.
وقال ابن السيد: الشيء الذي له نقيض مستعمل في التقليل، [نحو]: ربه رجلا- على أصله، وهو كثير في كلامهم.
وأما موضوع التفخيم والتعظيم، نحو: رب يوم سرور شهدت- فهو للتكثير، ومنه:
ألا رب يوم صالح لك منهما.................................................
وفي "الإفصاح": مذهب أبي عثمان وأبي العباس وأبي بكر وأبي إسحاق والرماني وابن جني والصيمري والسيرافي وأبي على أنها للتقليل، وهو قول عيسى بن عمر ويونس وأبي زيد الأنصاري وأبي عمرو بن العلاء والأخفش والجرمي، وجلة الكوفيين، كالكسائي والفراء ومعاذ الهراء وهشام وابن سعدان.
وبه قال من المتأخرين الزمخشري.
وقيل: أنها للتكثير.
وبه قال جماعة، منهم صاحب العين وابن درستويه، ويروى عن الخليل، وقال به كثير من المتأخرين.
وقال بعض المتأخرين: هو من الأضداد، يكون للتقليل والتكثير.
وقال ابن الباذش: هي لمبهم العدد، تكون تقليلا وتكثيرا.
وبه قال ابن طاهر.
وقال بعض أصحابنا: أكثر ما تقع للتقليل.
وبنحو هذا قال أبو نصر الفارابي في "كتاب الحروف" له.
وقوله ولا يلزم وصف مجر ورها، خلافا للمبرد ومن وافقه من وافقه هم ابن السراج والفارسي والعبدي وأكثر المتأخرين، منهم الأستاذ أبو علي.
وفي "البسيط" أنه رأي البصريين.
وذهب الأخفش والفراء والزجاج وأبو الوليد الوقشي وابن طاهر وابن خروف إلى أنه لا يلزم الوصف.
قيل: وتضمين رب القلة والكثرة يقوم مقام الوصف.
ووافقهم هذا المصنف.
وهو ظاهر مذهب س، ونص الأخفش والمبرد فيما نقل ابن هشام، واختيار ابن عصفور.
واحتج من قام بلزوم الوصف بأن رب أجريت مجرى حرف النفي، وحكم حرف النفي أن يدخل على جملة، فالأقيس في المجرور أن يوصف بجملة لذلك، وقد يوصف بما يجري مجراها من ظرف أو مجرور أو اسم فاعل أو مفعول.
ويدل على جريانها مجرى حرف النفي أنها لا تقع إلا صدرا، ولا يتقدم عليها ما يعمل في الاسم المجرور/ بعدها، بخلاف سائر حروف الجر، وأن المفرد الذي يجوز جمعه إذا وقع بعدها قد يدل على أكثر من واحد كما يكون ذلك في النفي.
وقالو أيضا: رب للتقليل، والنكرة بلا صفة فيها تكثير بالشياع والعموم، ووصفها يحدث فيها التقليل بإخراج الخالي منه، فلزم الوصف لذلك.
وأيضا فقولك رب رجل عالم لقيت رد على من قال: ما لقيت رجل عالما، فلو لم تذكر الصفة لم يكن الرد موافقا.
وقال العبدي: "إنما وجب الوصف على طريق العوض من العامل المحذوف".
يعني أن العامل الذي يتعلق به مجرور رب محذوف في الغالب، فلزمه الوصف ليكون عوضا منه متى حذف.
وما استدلوا به لا حجة فيه، أما قولهم "إنما جرت مجرى حرف النفي لكونها لا تقع إلا صدرا" فليس بصحيح، وقد وقعت خبرا ل"إن"، وخبرا ل"أن" المخففة من الثقيلة، قال الشاعر:
أماوي إنى رب واحد أمه... أخذت، فلا قتل لدى ولا أسر
وقال الآخر:
تيقنت أن رب امريء، خيل خائنا،... أمين وخوان يخال أمينا
وأما قولهم "إنه لا يتقدم عليها ما يعمل في الاسم المجرور" فهو تفريغ على أن ل"رب" ما تتعلق به؛ وهو شيء مختلف فيه، وسيأتي، وعلى تقدير أنها لها ما تتعلق به فلا يدل عدم تقدمه عليها على أنها مشبهة بحرف النفي؛ لأن لنا ما لا يتقدم على المجرور الذي يتعلق به، ولا يلزم أن يكون جاريا مجرى حرف النفي، نحو قولك: بكم درهم تصدقت، تريد الخبرية.
وأيضا فحرت النفي على قسمين: منه"ما"، وهو الذي امتنع أن يتقدم عليها ما يعمل في الاسم المجرور.
ومنه ما ذلك فيه هو الوجه، نحو: لم ولما ولن ولا وإن، نحو: لم أمر بزيد.
وأما قولهم "إن المفرد إذا وقع بعد رب قد يدل على أكثر من واحد كما يكون ذلك في النفي" فالقلة والكثرة لا تدل عليهما رب بالوضع؛ وإنما ذلك يفهم من سياق الكلام، كما يراد العموم من النكرة في المثبت في نحو قوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾، وليس ذلك من مدلول النكرة في الإثبات، كذلك النكرة في رب.
وأما قولهم "رب للتقليل" إلى آخر الاستدلال بذلك فقد تقدم النزاع في أنها وضعت للتقليل.
وأما قول العبدي ودعواه أن العامل الذي تتعلق به رب محذوف في الغالب، والوصف عوض عنه- فليس ذلك بصحيح، بل الغالب ذكره لا حذفه، ولو كانت الصفة عوضا من المحذوف ما اجتمعا، وقد اجتمعا، فدل على أنه ليس بعوض.
وأما قولهم: "إنها جواب لمن قال: ما لقيت رجلا عالما"- قال المصنف في الشرح: "والصحيح أن تكون جوابا وغير جواب، وإذا كانت/ جوابا فقد تكون جواب موصوف، وجواب غير موصوف، فيكون لمجرورها من الوصف وعدمه ما للمجاب، فيقال لمن قال: ما رأيت رجلا: رب رجل رأيت، ولمن قال: ما رأيت رجلا عاما: رب رجل عالم رأيت.
وإذا لم تكن جوابا فللمتكلم بها أن يصف مجرورها وألا يصفه.
ومن وقوعه غير موصوف قول أم معاوية:
يارب قائلة غدا... يالهف أم معاوية
ومثله:
ألا رب مأخوذ بإجرام غيره... فلا تسأمن هجران من كان مجرما
ومثله:
رب مستغن، ولا مال له... وعظيم الفقر وهو ذو نشب"
انتهى.
وهذه الأبيات التي أنشدها دلالة على أن مجرور رب لا يحتاج إلى صفة لمدع أن يقول: إن الموصوف محذوف لفهم المعنى؛ ألا ترى أن جميع ذلك صفات، وهي: قائلة، ومأخوذ، ومستغن، فالتقدير: يارب امرأة قائلة، ورب إنسان مأخوذ، ورب إنسان مستغن.
واستدل ابن طاهر على أنه لا يلزمه الوصف بقوله:
ألا رب مولود، وليس له أب
ألا ترى أن مولودا لم يوصف.
قال ابن عصفور: ومما يبين أنه لا يلزمه الوصف أنك تجد أماكن إن جعلت ما بعد المخفوض صفة لم يبق للمخفوض ما يعمل فيه لا في اللفظ ولا في التقدير؛ لأن معنى الكلام لا يقتضي عاملا محذوفا، بل تجد المعنى مستقلا من غير حذف، نحو قول امريء القيس:
فيارب يوم قد لهوت وليلة... بآنسة، كأنها خط تمثال
ألا ترى أن المعنى مستقل بما في اللفظ خاصة، وإن رمت أن تتكلف حذف عامل، فقدرت: ظفرت بهما، أو تمتعت بهما- كانت زائدة غير مفيدة؛ لأن ذلك المعنى حاصل من غير حذف؛ لأن لهوك بالآنسة في ذلك اليوم وتلك الليلة ظفر بهما وتمتع.
ومما يدل على ذلك أيضا أنك متى وصفت المخفوض برب.
بما لا يحتمل غير الوصف تعلقت النفس بزيادة بيان؛ ولم تكتف بالصفة؛ ألا ترى أنك إذا قلت رب رجل قائل ذلك لم يجز الاكتفاء، بل لا بد من عامل مقدر، به يتم الكلام.
وإذا قلت رب رجل يقول ذلك وجدت اللفظ مستقلا غير مفتقر إلى حذف.
وكون رب قد عوملت معاملة حرف الفنفي لا يلزم عنه لزوم الوصف للمخفوض بها؛ لأن العامل في الاسم المجرور بها يتنزل منها منزلة الجملة المنفية من حرف النفي.
وهذا الذي ذكرناه من/ أن المخفوض برب لا يلزمه الوصف هو الذي يعطيه كلام س؛ ألا ترى أنه قال في "باب الجر": "وإذا قلت رب يقول ذلك فقد
أضفت القول إلى الرجل برب"، فدل ذلك من كلام س على أنه لم يجعل "يقول ذلك" صفة ل"رجل"؛ لأن اتصال الصفة بالموصوف يغني عن ذلك.
وقال المصنف في الشرح: "والذي يدل على أن وصف مجرورها لا يلزم عند س تسويته إياها ب"كم"الخبرية، ووصف مجرور كم الخبرية لا يلزم، فكذا وصف ما سوي بها، وتصريحه بكون "يقول" مضافا إلى الرجل برب مانع كونه صفة؛ لأن الصفة لا تضاف إلى الموصوف، وإنما يضاف العامل إلى المعمول، ف"يقول"إذا عامل في "رجل" بواسطة رب، كما كان مررت من مررت بزيد عاملا في زيد بواسطة البادء، وكما كان أخذت من أخذته من عبد الله عاملا في عبد الله بواسطة من، وهما من أمثلة س في باب الجر" انتهى.
وكان الأستاذ أبو علي يتأول كلام س بأن يقول: لا يصح أن يكون إلا صفة لرجل، لأن فعل المضمر لا يتعدى إلى ظاهرة؛ ألا ترى أنك لا تقول: بزيد افتخر، تريد: بنفسه افتخر زيد؛ لأن فاعل افتخر ضمير يعود إلى زيد، فكذلك فاعل "يقول"ضمير يعود إلى رجل، فكيف يتعدى إلى رجل بحرف الجر، فلا بد من متعلق محذوف إلا أنه لم يظهر، ونابت الصفة منابه، فلما كان كذلك قال س: إن رب وصلت يقول إلى رجل وإن كانت إنما وصلت وجدت المحذوفة، ونابت يقول منابها.
ومن النحويين من خطأ س في تمثيله: رب رجل يقول ذلك.
وقال ابن خروف: قول س"فقد أضفت القول إلى الرجل برب" كلام حسن، وهو كقوله: "فقد أضفت الكينونة إلى الدار بفي"، وكقوله:"فقد إليه الرداءة بفي"، يعني قوله: أنت في الدار، وفيك خصلة سوء، فرب أوصلت القول إلى قليل الرجال وكثيرهم كما أوصلت في الكينونة إلى الدار، واستقرار الرداءة إلى المخاطب.
وموضع المخفوض برب مبتدأ، ويقول: خبره، فكأنه على تقديره: كثير من الرجال يقول ذلك.
وقال المصنف في الشرح: "وقد يسر لي- بحمد الله- تخريجه بوجه لا تخطئة فيه ولا تكلف، وذلك بأن يجعل يقول مضارع قال، بمعنى: فاق في المقاولة، ويجعل ذلك فاعلا أشير به إلى مرئي أو مذكور، كأنه قال: رب رجل تفوق ذلك الرجل في المقاولة.
فيهذا التخريج يؤمن الخطأ والتكلف، ويثبت استغناء مجرور رب عن الوصف" انتهى.
وإنما أمن من الخطأ لأنه يكون إذ ذاك الفاعل غير ضمير رجل، فيكون رب رجل يقول ذلك كقوله: رب رجل ضرب زيد، فلم يتعد فعل فاعل الضمير المتصل إلى ظاهره.
لكن هذا التخريج بعيد إرادته من قول/ س: "رب رجل يقول ذلك"، بل المتبدر إلى الذهن أن "ذلك"منصوب لا مرفوع، وأن الفاعل ب"يقول" هو ضمير عائد على رجل، ولما كانت رب حرفا محكوما له بحكم الزيادة لم يتنزل منزلة الحرف الذي لم يحكم له بحكم الزيادة، لم يتنزل منزلة الحرف الذي لم يحكم له بحكم الزيادة، فاحتمل أن عاد الضمير فاعلا على مجرورها، فليس نظير: بزيد افتخر؛ لأن بزيد في موضع نصب، وهذا ليس في موضع نصب، بل في موضع رفع بالابتداء، ورب كأنها حرف زائد.
وقال ابن خروف أيضا: "لا يفتقر إلى الصفة كما زعموا؛ لأن معنى التقليل والتكثير الذي دلت عليه يقوم مقام وصف مخفوضها كما كان ذلك في كم؛ ولذلك قلت: كم غلام عندك، فابتدأت بنكرة".
يعني أن ما دلت عليه كم من التكثير سوغ الابتداء بها مع أنها نكرة.
وقوله ولا مضى ما تتعلق به اختلفوا في زمان ما تتعلق به رب: فالمشهور أنه ماضي المعني، وهو مذهب المبرد والفارسي، واختاره ابن عصفور، وتأول قوله ﴿رُبَمَا يَوَدُّ﴾، وسيأتي الكلام عليه.
وذهب بعض النحويين إلى أنه يجوز أن يكون مستقبلا وحالا، والمضي أكثر.
وهو اختيار المصنف، قال في الشرح: "وأما كونه- يعني المضى- لازما لا يوجد غيره فليس بصحيح، بل قد يكون مستقبلا، كقول جحدر اللص:
فإن أهلك فرب فتي سيبكي... على مذهب اللص رخص البنان
وكقول هند أم معاوية:
يارب قائلة غدا... يالهف أم معاويه
وكقول سليم القشيري:
ومعتصم بالحي من خشية الردى... سيردى، وغاز مشفق سيؤوب
وقال الراجز:
يارب يوم لي، لا أظللله... أرمض من تحت، وأضحى من عله
وقال آخر:
يارب غابطنا لو كان يطلبكم... لاقى مباعدة منكم وحرمانا
قال: "وقد يكون ما وقعت عليه رب حالا، كقولك لمن قال: ما في وقتنا امرؤ مستريح: رب امريء في وقتنا مستريح، ومنه قول ابن أبي ربيعة:
فقمت ولم تعلم على خيانة... ألا رب باغي الربح ليس برابح
/ ومثله:
ألا رب من تغتشه لك ناصح... ومؤتمن بالغيب غير أمين"
وقد تأول بيت جحدر من ذهب إلى التزام مضيه بأن يكون على حكاية المستقبل بالنظر إلى المضى؛ قال: "وكأنه قال: فإن أهلك فرب فتى بكي علي فيما مضى وإن كنت لم أهلك، فكيف يكون بكاؤه على إذا هلكت؟ فأوقع سيبكي موقع بكى لأجل الحكاية، وحذف ما يتم به الكلام لفهم المعنى.
والدليل على أن