التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيلصفحات 256-295

تميم.
وحكى الكسائي والفراء أنها لغة أهل نجد.
وقال المصنف: "إنها لغة غير أهل الحجاز"، فيدخل فيه تميم وأهل نجد وغيرهم، وقد تقدم قول الكسائي إن النصب لغة أهل تهامة، وهذا يرد على المصنف.
وقوله بشرط تأخر الخبر فلو قدمته ارتفع، قال الشاعر: وما حسن أن يمدح المرء نفسه ولكن أخلاقًا تذم وتحمد وقال الآخر: وما خذل قومي، فأخضع للعدا ولكن إذا أدعوهم فهم هم وهذا مذهب عامة النحويين، ويأتي ذكر الخلاف فيه عند كلام المصنف على ذلك.
وكان ينبغي للمصنف أن ينبه على أن الخبر إذا كان ظرفًا أو مجرورًا جاز توسيطه، فتقول: ما عندك زيد، فيكون عندك في موضع نصب في مذهب أهل الحجاز، وخالف في ذلك الأخفش، فزعم أنه في موضع رفع، وسنتكلم على المذهبين إن/ شاء الله.
وأما تقديم الباء وولايتها لـ"ما" نحو "ما بقائم زيد" فمنعه مطلقًا الكوفيون على اللغتين.
وقياسه أن الباء لتأكيد النفي، فكأنها للنفي، فلا تجتمع مع "ما" كـ"إنَّ" واللام.
وجوز البصريون ذلك، لكنه يلزم أن يصير

الحجازي في التقديم تميميًا لأنه لا يجوز التقديم في حال النصب، فكذلك إذا كان عارضًا، والسماع كثير، قال: .................................... وما بالحر أنت ولا القمين وقوله وبقاء نفيه إذا انتقض النفي بألا أبطل العمل كقوله تعالى: ﴿ومَا مُحَمَّدٌ إلاَّ رَسُولٌ﴾، وهذا هو المشهور، ويأتي الخلاف فيه عند تعرض المصنف له.
وقوله وفقد "إن" إذا كان بعد "ما" "إن" بطل العمل، نحو قول فروة لن مسيك، وهو حجازي: فما إن طبنا جبن، ولكن منايانا ودولة آخرينا وقال آخر: بني غدانة ما إن أنتم ذهب ولا صريف، ولكن أنتم خزف ولم يذكر المصنف خلافًا في هذا الشرط لا في الفص ولا في الشرح، بل ذكر أن مجيء "إن" بعد "ما" مبطل لعمل "ما"، قال في الشرح -وقد ذكر الشروط الأربعة التي ذكرها- ما نصه: "لما كان عمل ما

استحسانيًا لا قياسيًا اشترط فيه تأخير الخبر، وتأخر معموله، وبقاء النفي، وخلوها من مقارنة "إن"؛ لأن كل وادح من هذه الأربعة حال أصلي، فالبقاء عليها تقوية، والتخلي عنها أو عن بعضها توهين، فأحق الأربعة بلزوم الوهن عند عدمه الخلو من مقارنة "إن"؛ لأن مقارنة "إن" تزيل شبهها بليس؛ لأن ليس لا تليها "إن"، فإذا وليت "ما" تباينا في الاستعمال، وبطل الإعمال دون خلاف، ولا يلزم مثل هذه المباينة بنقض النفي ولا بتوسط الخبر كما سيأتي ذلك مبينًا إن شاء الله" انتهى.
فقد نص على أن مجيء "إن" بعد "ما" مبطل للعمل بلا خلاف، وليس كما ذكر، بل المسألة خلافية: ذهب البصريون إلى إبطال العمل إذا جيء بعد "ما" بـ"إن"، وإنه لا يجوز النصب.
وذهب الكوفيون إلى أنه يجوز النصب، فتقول: ما إن زيد ذاهبًا، وحكي ذلك يعقوب، وأنشد: بني غدانة ما إن أنتم ذهبًا ولا صريفًا، ولكن أنتم الخذف بنصب "ذهب" و"صريف".
وخرج على أن "إن" نافية مثلها في قوله: ﴿ولَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾، وأتى بها بعد "ما" لتأكيد النفي من حيث كانت بمعناها كما أكدت "عن" بالباء لما كانت تستعمل بمعناها في قوله: /فأصبحن لا يسألنني عن بما به أصعد في غاوي الهوى أم تصوبا ويكون العمل في بيت يعقوب لـ"إن" كما أن العمل للباء، و"إن" قد

ترفع الاسم وتنصب الخبر، نحو قوله: إن هو مستوليًا على أحد..................................... انتهى هذا التخريج، وهو عكس التوكيد إذ الأصل أن يؤكد الأول بالثاني لا أن يؤكد الثاني بالأول.
وقوله وعدم تقدم غير ظرف أو شبهه من معمول الخبر مثاله: ما طعامك زيد آكل، وهذا جائز عند الجمهور، وحكي عن الرماني منعه، وهو محجوج بقول الشاعر: وقالوا: تعرفها المنازل من منى وما كل من وافى منى أنا عارف في رواية من نصب "كل".
فإن كان المتقدم ظرفًا أو جارًا ومجرورًا لم يبطل عمل "ما"، نحو: ما اليوم زيد ذاهبًا، وما بسيف زيد ضاربًا، وقال الشاعر: بأهبة حرب كن وإن كنت آمنا فما كل حين من يوالي مواليا ويعني بالتقدم على الاسم.
فإن تقدم معمول الخبر على "ما" نفسها، نحو "طعامك ما زيد آكلًا أو آكل" لم يجز ذلك عند البصريين رفعت آكلًا أو نصبته؛ لأن "ما" لما صدر الكلام.
وأجاز ذلك الكوفيون، وقاسوه على لا ولن ولم.
قال

أبو البقاء العكبري: "وما أصل حروف النفي، فلا يسوى بينهما" انتهى.
ويقتضي هذا الجواز لأنه يتصرف في الأصل ما لا يتصرف فيما ليس بأصل، دليل ذلك همزة الاستفهام و"إن" الشرطية.
وقال أبو بكر: "وقوم يجيزون دخول الباء، فيقولون: ما طعامك زيد بآكل، وما فيك زيد براغب، إلا أنهم يرفعون الخبر إذا لم تدخل الباء، ولا يجيزون النصب".
قال: "ولا يجوز: طعامك ما زيد آكلًا أبوه.
وقد أجازه بعض الكوفيين".
ونقص المصنف من الشروط شرطين: أحدهما: أن لا تؤكد "ما" بـ"ما"، فإن أكدت بطل العمل، تقول: ما ما زيد ذاهب، ولا يجوز ذاهبًا، هذا على مذهب عامة النحويين.
وحكي أبو علي الفارسي عن بعض الكوفيين إجازة النصب.
وفي الغرة: "كفوا "ما" بـ"ما"، فقالوا: ما ما زيد قائم، وأجاز النصب جماعة من الكوفيين، والبصري يأبى ذلك ". الشرط الثاني: أن لا تبدل الخبر بدلًا مصحوبًا بإلا، نحو قولك: ما زيد شيء أو بشيء إلا شيء لا يعبأ به، فهنا تستوي اللغتان الحجازية والتميمية، ذكر ذلك س. وعلة ذلك أن البدل موجب بـ"إلا"، فلا يكون منصوبًا، فهو إذ ذاك واجب الرفع، وحكم البدل والمبدل منه في الإعراب واحد، فيلزم من ذلك رفع المبدل منه، وموضع "بشيء" أيضًا يتعين أن يكون رفعًا لهذه العلة.

وفي كتاب أبي الفضل الصفار: "إن كان المنصوب/ خبر "ما" فلا يجوز فيه النصب على البدل، ولا تقول: ما أحد صديقًا لك إلى عمرًا، فإنما يجوز نصبه على الاستثناء وعلى الصفة، كأنك قلت: ما أحد صديقًا لك غير عمرو، ويجوز البدل على الموضوع، فتقول؛ ما أحد صديقًا لك إلى زيد" انتهى.
وهذا وهم فاحش، وأي موضع لقوله: "صديقًا لك"؟ بل لفظه هو موضعه، ولو كان البدل من خبر "ليس" لزم أيضًا أن يكون نصبًا لأن "ليس" ينتصب خبرها بعد "إلا"، فيكون مثل قوله: يا بني لبيني لستما بيد إلا يدًا ليست لها عضد وقوله و"إن" المشار إليها زائدة كافة لا نافية، خلافًا للكوفيين قال المصنف في الشرح: "الذي دعموه مردود بوجهين: أحدهما أنها لو كانت نافية مؤكدة لم تغير العمل كما لا يتغير بتكرير "ما" إذا قيل: ما ما زيد قائمًا، كما قال الراجز: لا ينسك الأسى تأسيًا، فما ما من حمام أحد معتصما فكرر "ما" النافية توكيدًا، وأبقى عملها" انتهى هذا الوجه.
ودل هذا على أن المصنف لم يكن له شعور بأن من شرط إعمال "ما" أن لا تكرر؛ ألا تراه ذكر ذلك على سبيل الاستدلال على الكوفيين، وقد ذكرنا أن عامة النحويين شرطوا ذلك، وأن أبا علي حكي فيه خلافًا عن بعض الكوفيين.

فإن قلت: فما تصنع بهذا البيت، وظاهره يدل على جواز إعمال "ما" إذا أكدت بـ"ما" كما ذهب إليه بعض الكوفيين؟ قلت: يحمل ذلك على الشذوذ، أو يتأول على أن الكلام تم عند قوله "فما"، ويكون قد حذف لعد "ما" فعل يدل عليه المعنى السابق، أي: فما يجدي الحزن، ثم ابتدأ، فقال: ما من حمام أحد معتصما، فعلى هذا لا تكون "ما" توكيدًا لـ"ما".
قال المصنف: "الثاني أن العرب قد استعملت إن زائدة بعد "ما" التي بمعنى "الذي"، وبعد "ما" المصدرية، وبعد "ما" التوقيتية، لشبهها في اللفظ بـ"ما" النافية، فلو لم تكن زائدة المقترنة بـ"ما" النافية لم يكن لزيادتها بعد الموصولتين مسوغ".
وقوله وقد تزاد قبل صلة "ما" الاسمية إلى قوله الإنكار مثل ذلك قوله: يرجى المرء ما إن لا يراه وتعرض دون أدناه الخطوب أي: الذي لا يراه.
وقوله: ورج الفتى للخير ما إن رأيته على السن خيرًا لا يزال يزيد فـ"ما" مصدرية توقيتية.
وقوله: ألا إن سرى ليلي، فبت كئيبا أحاذر أن تنأى النوى بغضوبا /وقال بعض العرب: "أأنا إنية"، فزاد "غن" قبل مدة الإنكار،

وذكرنا هذا في آخر باب الحكاية موضحًا مبينًا في كتاب التكميل.
وذكر زيادة "إن" في هذه المواضع استطراد، وليس من مسائل "ما" النافية، وذلك على عادة المصنف.
وقوله وليس النصب بعدها لسقوط باء الجر، خلافًا للكوفيين قال الكسائي وهشام/ تنصب الاسم بطرح الباء، وترفع عبد الله بقائم إذا قلت: ما عبد الله قائمًا.
وقال الفراء: "لما حذفوا اختاروا أن يكون لها أثر فيما خرجت منه، فنصبوا" لأن الصفة إذا خلفت من الفعل نصب، فتقول: أتيتك مستهل الشهر، والمعنى: في مستهله.
وقد رد المصنف هذا المذهب في الشرح "بأن الباء قد تدخل بعد "هل" وبعد "ما" المكفوفة بإن، فإذا سقطت الباء تعين الرفع بإجماع، فلو كان سقوط الباء ناصبًا لنصب في هذين الموضعين.
ومثل تعين الرفع في هذين الموضعين عند سقوط الباء تعينه عند سقوطها في نحو: كفى بزيد رجلًا، وبحسب عمرو درهم، وتعينه عند سقوط من في نحو: ما فيها من أحدٍ" انتهى.
وقال ابن عصفور: "زعم الكسائي والفراء أن "ما" لا تعمل شيئا في اللغة الحجازية لكونها غير مختصة بما تدخل عليه، وذلك أنهم يقولون كثيرًا: ما زيد بقائم، فلما أسقطوا الباء نصبوا ليفرقوا بذلك بين الخبر إذا قدر أن الباء سقطت منه وبينه إذا قدر أن الباء لم تدخل عليه في الأصل، فإذا قدم الخبر عندهم لم ينتصب لأنه لا ينبغي أن يقدر محذوفًا منه الباءُ؛

لأن الباء لا تدخل على الخبر وهو متقدم إلا قليلًا جدًا، أنشد الفراء: أما والله أن لو كنت حرًا وما بالحر أنت ولا الصديق وكذلك أيضًا إذا دخلت "إلا" على الخبر لم يجز نصبه لأن النصب عندهم إنما هو لإسقاط الباء، والباء لا تدخل إذا ذاك على الخبر.
وكذلك أيضًا لم ينتصب الخبر إذا كانت "إن" بعد "ما"، لا يقال: ما زيد إلا بقائم، ولا: ما إن زيد قائم.
قال: وما ذهبوا إليه باطل بدليل أن حرف الجر الزائد إذا حذف من الاسم كان إعرابه على حسب ما يطلبه الكلام، إن كان في موضع نصب نصبته، أو في موضع رفع رفعته، فكان ينبغي أن يقال في ما زيد بقائم إذا سقطت الباء: ما زيد قائم؛ لأنه في موضع رفع؛ إذ هو خبر المبتدأ" انتهى.
وقد أجاز الكسائي والفراء: ما إليك بقاصد زيد، وما فيك براغب عمرو، وإذا طرحت الباء رفعت.
وهذا تناقض.
وأجاز الفراء أيضًا: ما بقائم زيد.
فيلزمه أن يقول: ما قائمًا زيد.
ورد الفراء على س بقول العرب: ما أنت إلا أخونا، وما قائم أخوك.
ولا يلزم هذا س، وقد بينه بقوله: "ليست بفعل".
وقوله ولا يغني عن/ اسمها بدل موجب، خلافًا للأخفش مثال ذلك: ما قائمًا إلا زيد، التقدير: ما أحد قائمًا إلا زيد، فـ"إلا زيد" بدل من "أحد"

المحذوف، وأغنى عن اسم "ما".
قال المصنف: "ومثل هذا لو سمع من العرب لكان جديرًا بالرد؛ لأن المراد فيه مجهول؛ لاحتمال أن يكون أصله: ما أحد قائمًا إلا زيد، وأن يكون أصله: ما كان أحد قائمًا إلا زيد، وما كان هكذا فالحكم بمنعه أولى من الحكم بجوازه، ولأن شرط جواز الحذف أن يكون المحذوف متعينًا لا محتملًا، ولذلك لا يجوز لمن قال: تمرون الديار.............................................. أن يقول: رغبت زيدًا؛ لأن المراد مجهول؛ لاحتمال أن يكون أراد: رغبت في زيد، وأن يكون أراد: رغبت عن زيد" انتهى.
وهكذا صور المصنف هذه المسألة، وأن "إلا زيد" بدل موجب أغنى عن اسمها.
وصورها غيره على خلاف هذا، قال: مسألة: إن قدمت الخبر منصوبًا، وأدخلت "إلا" على الاسم، أجازها الأخفش، ومنعها البصريون، فـ"إلا زيد" هو الاسم، والمنصوب المتقدم هو الخبر، وليس الاسم محذوفًا و"إلا زيد" بدل منه.
وفي تصوير المصنف يكون الاسم محذوفًا، والخبر واقع موقعه من التأخر.
والصحيح منع التصويرين، أما تصوير المصنف فلأن فيه حذف اسم "ما"، وهو لا يجوز حذفه لأنها عملت تشبيهًا بليس، واسم "ليس" لا

يجوز حذفه لا اقتصارًا ولا اختصارًا، فكذلك اسم "ما"، ولو أجزنا ذلك في "ما" لأدى إلى تصرف الفرع أكثر من تصرف الأصل، وهو لا يجوز.
وأما تصويره غيره فلأنه أدى إلى توسط الخبر، وهو لا يجوز، مع أن هذا التركيب غير مسموع، وإنما قيل بالقياس، وهو قياس فاسد.
وقوله وقد تعمل متوسطًا خبرها هذا الذي قاله وأجازه هو مذهب الفراء، أجاز الفراء أن تقول: ما قائمًا زيد، وحكي الجرمي أن ذلك لغية، وحكي: "ما مسيئًا من أعتب"، ولم يحفظ ذلك س إلا في قول الفرزدق: فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم إذ هم قريش، وإذ ما مثلهم بشر وقال آخر: نجران إذ ما مثلها نجران ولم يحفظ منه إلا هذا الذي أنشدناه، وقد اختلف النحاة في توجيهه، ولو كان ثابتًا في الكلام لما تكلفوا توجيهه.
وقال س: "وزعموا أن بعضهم قال"، وأنشد بيت الفرزدق.
وأنكر عليه هذا أصحابه، ولم يجيزوا نصب خبر "ما" إذا تقدم، قالوا: والفرزدق نم بني تميم، وبنو تميم يرفعون الخبر إذا تأخر، فكيف إذا تقدم.

وخرجه المازني والمبرد على الحال، نحو: فيها قائمًا رجل، والخبر محذوف تقديره: وإذ ما مثلهم في الوجود بشر/، والخبر المحذوف هو العامل في الحال.
وكذا قال المبرد في: يا ليت أيام الصبا رواجعا إن تقديره: يا ليت لنا، ورواجعًا حال.
وضعف ذلك من جهة أن حذف خبر "ما" لا يحفظ من كلامهم، وكأن المانع من ذلك أنها محمولة في العمل على "ليس"، وحذف الخبر في باب "ليس" فبيح، فهو قبيح أيضًا في باب "ما"، وبأن معاني الأفعال لا تعمل مضمرة.
وقال الفراء وقد أنشد بيت الفرزدق: في هذه المسألة وجهان: إن شئت نصبت مثلًا لأنها خبر، وإن شئت نصبتها كنعت النكرة إذا تقدم، وإن شئت رفعتها.
وقيل: استعمل الفرزدق لغة غيره، فغلط لأنه قاس النصب مع التقديم على النصب مع التأخير.
وإلى هذا ذهب أبو علي الرندي.
ورد عليه بأن العربي إذا جاز له القياس على لغة غيره جاز له القياس في لغته، فيؤدي ذلك إلى فساد لغته.

وقال الأعلم: نصب ضرورة لئلا يختلط المد بالذم؛ لأنك إذا قلت: ما مثلك أحدًا، فنفيت الأحدية، احتمل أن يكون مدحًا وذمًا، فإذا نصبت مثلك، ورفعت أحدًا، كان الكلام مدحًا، فلذلك نصب مثلهم في البيت.
ورد هذا الوجه بأن ما قبله وما بعده يدل على أنه قصد المدح.
وذهب الكوفيون إلى أن "مثل" هنا ظرف بمنزلة "بدل"، وحكي القالي في أماليه: هو نحوك، بالنصب، أي: مثلك، ونصبه على الظرف.
وذهب بعض النحويين إلى أنها ظرف، وأصله صفة لظرف، التقدير: وإذ ما مكانًا مثل مكانهم، وحذف الموصوف، وحذف المضاف، وأقيمت الصفة والمضاف إليه مقامهما.
ورد بأن "مثل" ليس من الصفات المختصة، فيحذف معها الموصوف، ولا تقدم ما يدل عليه.
وقيل: "ما" لم تعمل شيئًا، و"مثلهم" في موضع رفع، وهو مبني لإضافته إلى مبني كيومئذ وحينئذ.
وصححه ابن عصفور.
وهذا لم يذكره س إلا في الإضافة للفعل أو "أنَّ" أو "أنْ".
والصحيح الذي عليه عامة النحويين أنه لا يجوز نصب خبر "ما" إذا توسط، بل يجب الرفع، فإن لم يطابق ما بعده كان مبتدأ، وكان ما بعده مرفوعًا به أغنى عن الخبر، وإن طابق فيجوز هذا الوجه، ويجوز أن يكون خبرًا مقدمًا.

فإن كان الخبر ظرفًا أو مجرورًا فقد ذكرنا الخلاف في جواز تقديمه على لغة الحجاز، فذهب الأخفش إلى أن ذلك لا يجوز، وأنك إذا قلت "ما في الدار زيد" لم تعمل "ما"، وكان "في الدار" في موضع رفع.
وحمله على ذلك أن "ما" أضعف في العمل من "إن" لعدم اختصاصها، ولذلك لم يجمع العرب على إعمالها، ولا يعملها من أعملها في كل موضع بل بشروط، قال: فلما ضعفت عنها لم يجز فيها ما جاز في "إن".
قالوا: والصحيح أن ذلك جائز فيها بدليل/ قوله تعالى: ﴿فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾، فـ"ما" حجازية، وقد فصل بمعمول الخبر - وهو منكم- بين "ما" واسمها، والفصل بين "إن" واسمها بالظرف والمجرور إذا كانا معمولين لخبرها أضعف من تقديم الظرف والمجرور إذا كان خبرًا، فإذا جاز في "ما" ما يضعف في باب "إن" فالأحرى أن يجوز فيها ما يقوى في باب "إن".
وقوله وموجبًا بإلا الذي عليه الاتفاق بين النحويين أنك إذا أدخلت "إلا" على الخبر ارتفع، وحكي المصنف جواز النصب عن يونس من غير تفصيل.
وقال صاحب "رؤوس المسائل": "إن أدخلت "إلا" على الخبر مؤخرًا، وكان اسمًا هو الأول في المعنى أو منزلًا منزلته لا وصفًا، لم يجز فيه إلا الرفع عند الجمهور، وأجاز الكوفيون النصب فيما كان فيه الثاني منزلًا منزلة الأول.
وإن كان الواقع بعد "إلا" صفة أجاز الفراء فيه النصب،

ومنعه البصريون" انتهى.
فمثال أن يكون اسمها هو الأول قولك: ما زيد إلا أخوك، ومثال المنزل: ما زيد إلا زهير، ومثال الوصف: ما زيد إلا قائم.
وقال أبو جعفر الصفار: "لا اختلاف بين النحويين في قولك: "ما زيد إلا أخوك" أنه لا يجوز إلا الرفع، وهو عند البصريين على الابتداء والخبر، وعند الكوفيين أحدهما مرفوع بصاحبه".
فتقييد صاحب "رؤوس المسائل" وحكاية الإجماع من "الصفار" يدلان على مخالفة ما حكاه المصنف عن يونس من جواز النصب على الإطلاق من غير تفصيل.
وقال الصفار: "فإن قلت: ما أنت إلا لحيتك فالبصريون يرفعون، والمعنى عندهم: ما فيك إلا لحيتك، وكذا ما أنت إلا عيناك، وجاء بهذا الكوفيون بالنصب، ولا يجوز النصب عند البصريين في غير المصادر إلا أن يعرف المعنى فتضمر ناصبًا، نحو: ما أنت إلا لحيتك مرة وعينك أخرى، وما أنت إلا عمامتك تحسينًا ورداءك تزيينًا.
ويقول البصريون أيضًا بالرفع في قولك: ما أنت غير قائم، وما أنت غير لحيتك.
وأجاز الفراء النصب، وأجاز الفراء: ما أنت إلا راكبًا فأما ماشيًا فلست بشيء، قال: تضمر إنك جميل في حال ركوبك، وإنك شيء إذا ركبت، وإذا مشيت فلست بشيء.
قال: وزعم الكسائي أنه سمع بعضهم يقول: إنما أنت راكبًا، يريد: إنما أنت إذا ركبت، وذا خطأ عند البصريين؛ لأن الحال لا تكون إلا بعد تمام الكلام، وليس هذا موضع إضمار" انتهى.
فلو كان الخبر مصحوبًا بحرف التنفيس أو بـ"قد" أو بـ"لم" جاز دخول "إلا" عليه، فتقول: ما زيد إلا سوف يقوم، وما بشر إلا قد يقوم، وما بكر إلا لم يخرج/.
ومنع من جواز ذلك الفراء، وزعم أن "إلا لا يكون بعدها شيئان.

قال الفراء: فإن قلت "ما زيد إلا عمرًا يضرب" فهذه فاسدة في التقدير لأن "إلا" لا يكون بعدها حرفان، ثم أجازها على قبح.
وهذا كلام جيد على مذهب البصريين.
وقال صاحب "رؤوس المسائل": "إن قدمت مفعول الخبر الذي هو صفة مشتقة عليه بعد "إلا" لم يجز النصب عند البصريين" يعني مثل: ما زيد إلا عمرًا ضارب، لا يجوز النصب في ضارب.
قال: "وأجازه الكسائي والفراء إلا أنهما اختلفا في التوجيه" انتهى.
فوجهه الكسائي على أنه كأنه استثناء، وليس هذا موضع استثناء، ووجهه الفراء على أن المعنى: ما زيد إلا ضاربًا إلا عمرًا، وهذا بعيد لأن الأولى أن يكن ما بعد "إلا" داخلًا في الإيجاب.
قال الصفار: ولا يجيز الفراء: ما عبد الله إلا بالجارية كفيل، وما بالجارية إلا عبد الله كفيل؛ لئلا يصير بعد "إلا" حرفان، وكذا لا يجيز: ما كان إلا عبد الله قائمًا، ولا يكون، كذا حسبت وظننت، وذلك جائز عند البصريين والكسائي إلا أن الكسائي يجعل "إلا" بمعنى غير، يريد: ما كان غير عبد الله قائمًا، فيجعل "إلا" في موضع "غير" في الجحود، وفي كل موضع صلحت فيه "أحد".
وقوله وفاقًا لسيبويه في الأول يعني في نصب خبر "ما" متوسطًا، فتقول ما منطلقًا زيد.
وهذا الذي ذكره عن س من جواز إعمال "ما" ونصب ما توسط من الخبر ليس مذهب س، قال س: "وإذا قلت: ما منطلق عبد الله، وما مسيء من أعتب، رفعت، ولا يجوز أن يكون مقدمًا مثله مؤخرًا، كما أنه

لا يجوز أن تقول: إن أخوك عبد الله، على حد قولك: إن عبد الله أخوك؛ لأنها ليست بفعل".
فهذا نص من س على منع النصب في الخبر متقدمًا، ولم يكفه حتى شبهه بشيء لا يجوز البتة، ولا خلاف فيه، وهو "إن أخوك عبد الله".
ثم قال س بعد ذلك: "وزعموا أن بعضهم قال، وهو الفرزدق: فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم إذ هم قريش، وإذ ما مثلهم بشر وهذا لا يكاد يعرف".
فهذا لم يسمعه س من العرب، وإنما قال: "وزعموا أن بعضهم قال".
ثم قال: "وهذا لا يكاد يعرف"، نفى المقاربة، والمقصود نفي العرفات كقوله ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾، فإذا كان قوله هذا فكيف ينسب إليه أنه أجاز نصب الخبر مقدمًا، وقد نص النص الذي لا يحتمل التأويل أنه يرفعه، وأن مثل "وإذ ما مثلهم بشر" لا يكاد يعرف، فكيف يبنى على ما لا يكاد يعرف قانون، فيسوغ نصب الخبر تسويغًا جائزًا؟ هذا تحميل لكلامه ما لا يحتمله.
واستشهد الفارسي على نصب خبر "ما" مقدمًا/ بقول الشاعر: أما والله عالم كل غيب ورب الحجر والبيت العتيق لو أنك يا حسين خلقت حرًا وما بالحر أنت ولا الخليق وقول نصيب:

والحلم رشد، ورأي الجهل مرجعه غي، وما بالسواء الغي والرشد بناء على أن الباء لا تدخل على الخبر إلا وهو مستحق للنصب، ويأتي الكلام على هذه المسألة إن شاء الله، ويتبين أنه لا حجة فيه للفارسي.
وقوله وليونس في الثاني قال المصنف في الشرح: "روي عن يونس من غير طريق س إعمال "ما" في الخبر الموجب بإلا" انتهى.
وإلى جواز ذلك ذهب الأستاذ أبو علي في تنكيته على المفصل.
واستدل له بقول المغلس: وما حق الذي يعثو نهارًا ويسرق ليله إلا نكالا وبقول الآخر: وما الدهر إلا منجنونا بأهله وما صاحب الحاجات إلا معذبا وتأول ذلك على أن ينصب نكالًا ومعذبًا على المصدر، أي: إلا ينكل نكالًا، وإلا يعذب تعذيبًا، وصار نظير: وما زيد إلا سيرًا، أي: يسير سيرًا، كذلك يكون التقدير: إلا ينكل نكالًا، وإلا يعذب معذبًا، أي: تعذيبًا.
وأول "إلا منجنونا" على أن المعنى: إلا يدور دوران منجنون، أي: دولاب، فعلى هذا يكون منجنون اسمًا أضيف إليه مصدر تشبيهي حذف منه "مثل" الذي هو صفة لمصدر وضع موضع الفعل الواقع خبرًا، والتقدير: وما الدهر إلا يدور دورانًا مثل دوران منجنون.

وقيل: منجنون اسم وضع موضع مصدر وضع موضع الفعل الذي هو خبر "ما"، تقديره: وما الدهر إلا يجن جنونًا، ثم حذف "يجن"، فقيل: وما الدهر إلا جنونا، على حد: ما أنت إلا شربًا، ثم أوقع "منجنون" موقع "جنون".
وقيل: منجنون اسم في موضع الحال، وخبر "ما" محذوف، التقدير: وما الدهر موجودًا إلا على هذه الصفة، أي: مثل المنجنون، وهي السانية، يريد: لا يستقر على حالة.
وزعم طاهر بن بابشاذ أن منجنونًا منصوب على إسقاط حرف الجر، أصله: وما الدهر إلا كمنجنون.
وهذا فاسد لأن المجرور الذي يحذف منه حرف الجر فينتصب هو المجرور الذي هو من موضع نصب، وهذا هنا هو في موضع رفع، فلو حذف حرف الجر منه لارتفع على أنه الخبر.
وقوله والمعطوف/ على خبرها ببل ولكن موجب، فيتعين رفعه مثال: ما زيد قائمًا بل قاعد، وما زيد قائمًا لكن قاعد، وارتفاعه على انه خبر مبتدأ محذوف.
وقوله "والمعطوف على خبرها ببل ولكن" ليس بجيد لأنه لا يسمى ما بعدهما معطوفًا على خبر "ما"؛ إذ ليس بل ولكن والحالة هذه حرفي عطف، بل هما حرفا ابتداء لأنهما جاءت بعدهما الجملة؛ ألا ترى أن التقدير: بل هو قاعد، ولكن هو قاعد، هكذا نصوا على أنهما لا يعطفان إلا المفرد، وهذا على خلاف أيضًا في "لكن"، سنذكره في "باب العطف" إن شاء الله، وقد أشار المصنف إلى على امتناع النصب بقوله "موجب".

ومن النحويين من جعل "بل" بعد النفي على وجهين: أحدهما: ما ذكرته من أن "بل" توجب لما بعدها ما نفى عما قبلها، فلا يكون ما بعدها منصوبًا.
الثاني: أن تكون "بل" بعد النفي على حالها بعد الواجب لزوال الغلط، فهذه ينتصب الخبر بعدها لأن التقدير: بل ما هو قاعدًا.
وقال بعض شيوخنا: "الذي يظهر أنك متى أردت هذا المعنى جئت بالثاني بدلًا" انتهى.
يعني أن ذكر الخبر أولًا كان على جهة الغلط، فأتيت بالثاني لتستدرك الغلط أن قصدك أولًا إنما كان للاسم الثاني، فيصير نظير: مررت برجل بل امرأة، قصدت أن تقول: مررت بامرأة، فسبق لسانك غلطًا إلى قولك، رجل، فأضربت عن ذلك، وقلت: بل امرأة.
ورفع الاسم بعد "بل" في قولهم "ما زيد قائمًا بل قاعد" أورده س سماعًا عن العرب، وعلل رفعه بنقض النفي.
وقال الفارسي: "قياس لكن أن تكون مثل بل" انتهى.
وقد جاء ذلك نصًا في "ليس"، قال: ولست الشاعر السفساف فيهم ولكن مدره الحرب العوان وقياس "ما" على "ليس" يقتضي جواز: ما زيد قائمًا لكن قاعد.
وقال

المصنف في الشرح: "قياس مذهب يونس أن لا يمتنع نصب المعطوف ببل ولكن" انتهى.
ومفهوم كلام المصنف أنك إذا عطفت بغير "بل" و"لكن" لا يلزم الرفع في المعطوف بعد منصوب، بل يجوز فيه الرفع وغيره، وهذا على قسمين: منه ما يجوز فيه النصب، ويكون أولى لكونه من عطف المفردات، ويجوز فيه الرفع على ضعف لكونه يصير من عطف الجمل، نحو: ما زيد قائمًا ولا قاعدًا، والرفع على إضمار هو.
وقد منع قوم النصب في" ليس"، فلم يجيزوا: ليس زيد قائمًا ولا قاعدًا، بالنصب، وقالوا: يجب الرفع على إضمار "هو"، أي: ولا هو قاعد.
وعللوا ذلك بأنه لا يجوز: ولا ليس قاعدًا./ وإذا منعوا ذلك في ليس فلأن يمنعوه في "ما" أحرى وأولى.
وحكي س الخفض على توهم الباء.
وسيأتي حكمه.

-[ص: وتلحق بـ"ما" "إن" النافية قليلًا، و"لا" كثيرًا، ورفعها معرفة نادر، وتكسع بالتاء، فتختص بالحين أو مرادفه، مقتصرًا على منصوبها بكثرة، وعلى مرفوعها بقلة، وقد يضاف إليها "حين" لفظًا أو تقديرًا، وربما استغنى مع التقدير عن "لا" بالتاء.
وتهمل "لات" على الأصح إن وليها "هنا".
ورفع ما بعد "إلا" في نحو "ليس الطيب إلا المسك" لغة تميم، ولا ضمير في "ليس" خلافًا لأبي علي.
ولا تلزم حالية المنفي بـ"ليس" و"ما" على الأصح.]-

ش: "إن" النافية حرف لا يختص، فهو يلي الجملة الفعلية، نحو

قوله تعالى: ﴿ولَئِن زَالَتَا إنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾، والجملة الاسمية نحو قوله تعالى: ﴿إنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾، وما كان هكذا فقياسه أن لا يعمل.
واختلفوا في جواز إعماله إعمال "ما"، فيرفع به المبتدأ، وينصب خبره، فذهب إلى إجازة ذلك الكسائي وأكثر الكوفيين وابن السراج والفارسي وأبو الفتح، ومنع من إعماله الفراء وأكثر البصريين، واختلف على س والمبرد: فنقل السهيلي أن س أجاز إعمالها، وأن المبرد منع من ذلك، ونقل أبو جعفر النحاس عكس ذلك، قال: "س والفراء يرفعان، والكسائي ينصب، وهو مذهب أبي العباس" انتهى.
وأكثر أصحابنا يذهب إلى أن "إن" لا تعمل".
قال ابن عصفور: "ويعطيه كلام س لأنه لم يذكرها في نواسخ الابتداء والخبر" انتهى كلامه.
والصحيح الإعمال، والدليل على ذلك القياس والسماع: أما القياس فإنها شاركت "ما" في النفي، وفي دخولها على المعرفة والنكرة، وفي نفي الحال.

وأما السماع فقول العرب في نثرها وسعة كلامها: "إن ذلك نافعك ولا ضارك"، و"إن أحد خيرًا من أحد إلا بالعافية"، بنصب نافعك وضارك وخيرًا، حكي ذلك الكسائي عن أهل العالية، وأنه سمعهم يقولون ذلك، وسمع أعرابيًا يقول: "إن قائمًا"، فأنكرها عليه، وظن الكسائي أنها "إن" المشددة وقعت على "قائم"، قال: فاستثبته، فإذا هو يريد: إن أنا قائمًا، فترك الهمز، ثم أدخل النون في النون، كما قال جل وعز ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾، وقرأ سعيد بن جبير ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾.
وخرجه أبو الفتح على أنها "إن" النافية، وقال: "معناه: ما الذين تدعون من دون الله عبادًا أمثالكم، يعني في الإنسانية، وإنما هي حجارة ونحوها مما لا حياة له ولا عقل، فضلالكم بعبادتهم أشد من ضلالكم لو عبدتم أمثالكم".
/ولا يتعين هذا التخريج، بل تحتمل هذه القراءة الشاذة أن تكون "إن" هي المخففة من الثقيلة، ويكون قد أعملها، ونصب الخبر بها على حد ما جاء ذلك في "إن" المشددة في قول عمر بن أبي ربيعة: إذا اسود جنح الليل فلتأت، ولتكن خطاك حثاثًا، إن حراسنا أسدا وهذا التخريج أحسن، بل يتعين لتوافق القراءتين، وأما تخريج أبي الفتح ففيه تنافي القراءتين، ولا يناسب هذا التنافي في القرآن، بل يستحيل

ذلك إذ قراءة التشديد تقتضي أن يكونوا عبادًا أمثالهم، وقراءة التخفيف على تخريج أبي الفتح تقتضي أن لا يكونوا عبادًا أمثالهم، وهو محال في كلام الله تعالى.
وقال الشاعر في إعمال "إن": إن هو مستوليًا على أحد إلا على أضعف المجانين وقال آخر: إن المرء ميتًا بانقضاء حياته ولكن بأن يبغى عليه، فيخذلا وبهذا السماع يتبين بطلان قول من ذهب إلى أنه لم يأت منه إلا قوله" إن هو مستوليًا على أحد"، وتخصيصه إياه بالضرورة، وأنه إذا دخلت على الاسم فلابد أن تكون بعدها إلا، نحو ﴿إنِ الكَافِرُونَ إلاَّ فِي غُرُورٍ﴾، وإذا كان ذلك لغة لبعض العرب فلا يصح قول المصنف "إنه تلحق بما قليلًا".
والحامل على هذا كله هو عدم الاستقراء والاطلاع على كلام العرب.
وقال المصنف في الشرح: "أكثر النحويين يزعمون أن مذهب س في "إن" النافية الإهمال، وكلامه مشعر بأن مذهبه فيها الإعمال، وذلك أنه قال في باب عدة ما يكون عليه الكلم: "فأما إن مع ما في لغة أهل الحجاز فهي بمنزلة ما مع إن الثقيلة، تجعلها من حروف الابتداء، وتمنعها أن تكون حروف ليس".
فعلم بهذه العبارة أن في الكلام حروفًا مناسبة

لليس من جملتها ما، ولا شيء من الحروف يصلح لمشاركة ما في هذه المناسبة إلا إن ولا، فتعين كونهما مقصودين" انتهى.
ولا تؤخذ القواعد الكلية من مثل قوله "وتمنعها أن تكون من حروف ليس"، فيقضى على أن إن تعمل عمل ما؛ إذ المتبادر إليه الذهن أن قوله "تمنعها أن تكون من حروف ليس" أي: تمنعها من أن ترفع الاسم وتنصب الخبر كخروف ليس، أي: أخوات ليس التي هي كان وأخواتها، فعني بجروف ليس "كان" وأخواته، وإطلاق الحروف على الأفعال وعلى الأسماء إطلاق سائغ عند النحويين، وذلك بمعنى الكلمات لا حقيقة الحرف الذي هو قسيم الاسم والفعل، ومع هذا الاحتمال فليس في كلام س إشعار بأن "إن" تعمل.
وقال المصنف في الشرح: "مقتضى النظر أن يكون/ إلحاق "إن" النافية بـ"ليس" راجحًا على إلحاق "لا" لمشابهتها لها في الدخول على المعرفة، وعلى الظرف والجار والمجرور، وعلى المخبر عنه بمحصور، فيقال: إن زيد فيها، وإن زيد إلا فيها، و ﴿إنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ﴾، و ﴿إنْ أَنتَ إلاَّ نَذِيرٌ﴾ كما يقال بـ"ما"، ولو استعملت "لا" هذا الاستعمال لم يجز" انتهى.
وقال س: "وتكون إن كـ"ما" في معنى ليس".
قال الأستاذ أبو بكر بن طاهر: "هذا نص على أن "إن" كـ"ما" تعمل عمل ليس كقوله: إن هو مستوليًا على أحد.....................

وقال الأستاذ أبو علي: هذا الكلام ليس بنص على ذلك؛ لأنه يحتمل أن يريد أن "إن" تكون ك"ما" في النفي، فيكون قد عبر بقوله "في معنى ليس" عن النفي، وهذا أولى أن يحمل عليه كلامه لأن العمل في "إن" شاذ.
وقوله و"لا" كثيراً يعني أن عمل "إن" قليل، وعمل "لا" كثير، والعكس هو الصواب لأن "إن" قد عملت نثراً ونظماً، و"لا" إعمالها قليل جداً، حتى إن أبا الحسن زعم أنها يرفع ما بعدها بالابتداء، ومنع النصب، وتبعه أبو العباس، فهي عندهم لا تعمل عمل "ليس"، و: .......................................... لا براح و: ............... لا مستصرخ مبتدأ، والخبر مضمر، ولم يشترطوا تكريراً، ولم يجمعوا قول س "وإن شئت قلت: لا أحد أفضل منك" في قول من جعلها كليس إلا قياساً منه، فلذلك صاغ الخلاف، وظاهر كلامه أنه مسموع، وحتى إن بعض النحويين زعم أن "لا" أجريت مجرى "ليس" في رفع الاسم خاصة لا في

نصب الخبر، وهو مذهب الزجاج، ذهب إلى أنها ترفع الاسم، ولا تعمل في الخبر شيئاً، وهي مع الاسم الذي عملت فيه الرفع في موضع رفع بالابتداء، حكي ذلك عنه ابن ولآد.
وهذا فاسد إذ لا عامل له، وقد نصب.
وزعم بعضهم أنه لم يسمع النصب في خبر "لا" ملفوظاً به.
وليس كذلك، بل سمع إعمالها عمل "ليس" ونصب الخبر، لكنه في غاية الشذوذ والقلة، قال: تعز، فلا شيء على الأرض باقيا... ولا وزر مما قضى الله واقيا وقال آخر: نضرتك إذ لا صاحب غير خاذل... فبوئت حصناً بالكماة حصنا وأورد المصنف في الشرح دليلاً على إعمالها إعمال "ليس" قول الشاعر، وهو سواد بن قارب: وكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة... بمغن فتيلاً عن سواد بن قارب وقول الآخر: فرطن، فلا رد لما بت، وانقضى... ولكن بغوض أن يقال: عديم

وقول الآخر: من صد عن نيرانها... فأنا ابن قيس لا براح قال: "فحذف الخبر ومثله قول الآخر: والله لولا أن تحش الطبخ... بي الجحيم حين لا مستصرخ" قال: "فهذا وأمثاله مشهور، أعني إعمال "لا" في نكرة عمل ليس" انتهى.
ولا حجة في هذه الأبيات الثلاثة إذ يحتمل أن تكون: ذو شفاعة، وبراح، ومستصرخ مبتدآت إذ ليس فيها خبر يظهر نصبه؛ إذ قوله "بمغن" مشغول بحرف الجر، فيحتمل أن يكون في موضع رفع، و"براح" و"مستصرخ" لم يذكر لهما خبر البتة، فيحتمل أن يكون المحذوف مرفوعاً، فلم يبق ما يدل على أنها تعمل عمل "ليس" إلا البيتان السابقان، وهما من القلة بحيث لا تبنى عليه القواعد.
لا يقال: الذي يدل على أن "لا" في الأبيات السابقة عملت عمل "ليس" كونها لم تتكرر؛ لأنها إذا كان بعدها المبتدأ تكررت، وإذا عملت عمل "ليس" لم يلزم تكرارها؛ لأن تكرارها على مذهب أبي العباس لا يلزم، وقد جاءت غير مكررة وبعدها المبتدأ في قوله: بكت جزعاً، واسترجعت، ثم آذنت... ركائبها أن لا إلينا رجوعها

وعلى هذا حمل أبو العباس الشواهد المتقدمة.
ولو ذهب ذاهب إلى أنه لا يجوز أن تعمل "لا" هذا العمل لذهب مذهباً حسناً؛ إذ لا يحفظ ذلك في نثر أصلاً، ولا في نظم إلا في ذلك البيتين النادرين، ولا ينبغي أن تبنى القواعد على ذلك، وليس في كتاب س ما يدل على أن إعمالها عمل "ليس" مسموع من العرب لا قتيلاً ولا كثيراً، فيكون مقياس مطرداً، بل قال س: "وزعموا أن بعضهم قرأ (ولات حين مناص)، وهي قليلة، كما قال بعضهم في قول سعد بن مالك: من صد عن نيرانها... فأنا ابن قيس لا براح فجعلها بمنزلة ليس" انتهى كلام س. فظاهر كلام س أن جعلها بمنزلة "ليس" في هذا البيت تأويل من ذلك البعض الذي قال عنه س "كما قال بعضهم في قول سعد بن مالك"، ولو كان التأويل ل"س" لم يكن مثل هذا البيت تبنى عليه قاعدة؛ ألا ترى أن س شبه رفع الحين بعد "لات" برفع براح بعد "لا"، ولا ترفع "لات" غير الحين، فكذلك لا ترفع "لا" غير "براح"، وأما ما تقدم من كلامه السابق فتقدم قول الأخفش / والمبرد فيه.
ومن وقفنا على كلامه ممن ذكر أن "لا" تعمل عمل "ليس" لم ينص على أن ذلك بالنسبة إلى لغة مخصوصة، إلا ما في كتاب "المغرب" لأبي الفتح ناصر بن أبي المكارم ألمطرزي الخوارزمي، فإنه ذكر فيه ما نصه: "ما ولا

بمعنى ليس ترفعان الاسم، وتنصبان الخبر، نحو: ما زيد منطلقاً، ولا رجل أفضل منك، وعند بني تميم لا تعملان".
فظاهر هذا أن غير تميم يعملونها.
وفي البسيط: "وأما بنو تميم فالقياس عندهم عدم الحمل على ليس، وكذلك في الثاني" يعني في نحو: لا رجل قائم.
قال: "لأنهم إذا امتنعوا من الحمل الموافق فالمخالف أولى، وهو ظاهر كلام الزمخشري؛ لأنه قال: "هي في قول أهل الحجاز: لا رجل أفضل منك، وأما قول حاتم: ....................... ولا كريم من الولدان مصبوح فيحتمل أن يترك طائيته إلى الحجازية، ويحتمل أن لا يكون خبراً، لكنه صفة على موضع لا وما بعدها" انتهى.
ويحتمل أن يقال: وافق بنو تميم أهل الحجاز على هذا النحو من العمل، لكن القياس يقتضي أن يكون الحمل فيها على إن وأخواتها، شبهوها بنقيضها" انتهى.
وأكثر من أجاز إعمالها إعمال "ليس" اشتراط أن تعمل في النكرات، نحو: لا رجل قائماً، ولم يجيزوا: لا زيد أخاك، وأن لا يتقدم خبرها على اسمها، وأن لا ينتقض النفي، فلو قلت: لا قائم رجل، ولا رجل إلا أفضل منك، وجب الرفع.
ونصوا أيضاً على أنه لا يجوز الفصل بين "لا"وما عملت فيه.
وقال في البسيط: "وهل يكون الفصل مبطلاً للعمل؟ والظاهر أنه يبطل لأن "لا" أضعف من "ما" وفيهما الخلاف، ولأنهم يرجعون إلى

التكرار في "لا رجل"، فهذا أولى" انتهى.
يعني أنه إذا كان الفصل بين "لا" العاملة عمل "إن" ومعمولها مع كثرة ذلك مانعاً من إعمالها، فلأن يكون مانعاً من عمل "لا" العاملة عمل "ليس" مع قلة عملها أولى وأحرى، فيبطل إذ ذاك العمل، ويلزم التكرار.
وقوله ورفعها معرفة نادر قال المصنف في الشرح: "وشذ إعمالها في معرفة في قول النابغة الجعدي: بدت فعل ذي رحب، فلما تبعتها... تولت، وردت حاجتي في فاديا وحلت سواد القلب، لا أنا باغياً... سواها، ولا في حبها متراخيا وقد حذا المتنبئ حذو النابغ، فقال: إذا الجود لم يرزق خلاصاً من الأذى... فلا الحمد مكسوباً، ولا المال باقيا والقياس على هذا سائغ عندي، وقد أجاز ابن جني إعمال "لا" في المعرفة، ذكر ذلك / في كتاب التمام " انتهى.
وقد تأولوا بيت النابغة على أن الأصل: ولا أرى باغياً، فلما حذف الفعل انفصل الضمير، ف"أنا" مفعول لم يسم فاعله، و"باغياً" حال.
وهذا الذي ذكره المصنف من أن "لا" عملت في معرفة ذكره

هبة الله بن الشجري، وأنشد بيت النابغة.
ومثال بيت المتنبي قول الشاعر: أنكرتها بعد أعوام مضين لها... لا الدار داراً، ولا الجيران جيران وقوله وتكسع بالتاء، فتختص بالحين أو مرادفه مقتصراً على منصوبها بكثرة، وعلى مرفوعها بقلة الكسع هو ضرب الرجل مؤخر الرجل بظهر قدمه، قال الفرزدق: كسعة ابن المراغة حين ولى... إلى شر القبائل والديار وفي الأفعال لابن القطاع: "كسع القوم كسعاً: ضرب أدبارهم بالسيف، والإنسان: ضربت دبره بظهر قدمك، والرجل: تكلمت بأثر كلامه بما ساءه، والناقة: أبقيت في ضرعها لبناً يستدعي غيره، وأيضاً نضج على ظهرها الماء البارد، وضربه بظاهر كفه ليرتفع لبنها، وكسع الطائر كسعاً: ابيض ذنبه والفرس: ابيضت أطراف ثنته " واختلف النحويون في لات: فذهب س إلى أنها مركبة من "لا" والتاء، وعلى هذا لو سميت بها حكيته كما تحكي لو سميت بـ"إنما".

وذهب الأخفش والجمهور إلى أنها "لا" زيدت عليها التاء كما زيدت على "ثم"، فقيل: ثمت.
وذهب الأستاذ أبو الحسين بن الطراوة وغيره إلى أنها ليست للتأنيث، وإنما هي زائدة على الحين، واستدل على ذلك بقول الشاعر: العاطفون تحين ما من عاطف....................... أي: حين ما من عاطف.
وقد سبقه إلى ذلك أبو عبيد، وسيأتي الكلام في هذا البيت وذهب الأستاذ أبو الحسين بن أبي الربيع إلى أن الأصل في "لات" "ليس"، قال: ويظهر لي أن الأصل في "لات" "ليس"، فأبدل من السين التاء، كما فعل ذلك في ست، ثم قبلت الياء ألفاً لأنه كان الأصل في ليس لاس لأنها فعل، وكأنهم كرهوا أن يقولوا ليت، فيصير لفظها لفظ التمني، ولم يفعل هذا إلا مع الحين، كما أن "لدن" لم تشبه نونها بالتنوين إلا مع غدوة، ويجب على هذا أن يوقف عليها بالتاء، وكذا وقف جميع القراء إلا

الكسائي، فروي عنه الوجهان، فمن وقف بالهاء فهي "لا" التي للنفي لحقتها تاء التأنيث، نحو ثمت، وجاء الحين بعدها مرفوعاً، حكاه س، فهو اسمها، والخبر محذوف" انتهى.
وفي البسيط: ويحتمل أن تكون التاء بدلاً من سين ليس كما في ست/، وانقلبت الياء ألفاً على القياس فتكون "ليس" نفسها ضعفت بالتغيير، فعملت في لغة أهل الحجاز عملها في موضعها، وهو الحال.
واختلفوا هل لها عمل أم لا؟ والذين قالوا إنها تعمل اختلفوا: فذهب س والجمهور إلى أنها تعمل عمل "ليس"، قال س وقد تكلم في عمل "ما" عمل "ليس" ما نصه: "كما شبهوا بليس لات في بعض المواضع، وذلك مع الحين خاصة، لا تكون لات إلا مع الحين، تضمر فيها مرفوعاً، وتنصب الحين لأنه مفعول به، ولم تمكن تمكنها، ولم تستعمل إلا مضمراً فيها".
فقول س "كما شبهوا بليس لات في بعض المواضع" ظاهر في أنها لا يلزمها الإعمال دائماً، بل إعمالها إنما جاء في بعض المواضع، وكأنه يشير إلى أنها جاء بعدها غير ما ذكر.
وقوله "وذلك مع الحين خاصة، لا تكون لات إلا مع الحين" نص على أنها لا تعمل عمل "ليس" في غير الحين، وظاهر في اختصاصها بلفظه.
وفي البسيط: "اختصت بأن جعلت عاملة في الظرف المخبر به عن الظرف، وخصصوا من أنواع الظروف الحين كما تقول: اليوم يوم السبت، وكذلك في الحين، ورب شيء يختص في العمل بنوع ما لا لسبب، كما أعملوا لدن مع غدوة ليس إلا، والتاء في القسم، ثم التزموا في إعمالها

حذف الاسم، شبهوها بليس ولا يكون في الاستثناء، فإنه لابد هنا من اسم لازم التقدير، قال تعالى ﴿فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾، معناه: فنادوا ولات حين تناديهم حين مناص لهم، أي: خلاص، لكنه في "لات" محذوف لا يصح إضماره لكونه حرفاً.
وقيل: قد ورد شاذاً إظهار المرفوع، وقد قرئ (ولات حين مناص) وحذف الخبر" انتهى.
وقول س "تضمر فيها مرفوعاً" لا يريد الإضمار حقيقة لأن الحرف لا يضمر فيه، وإنما يريد: يحذف المرفوع معها، وسماء إضماراً بجامع ما اشتركا فيه من أن كل واحد منهما لا يكون ملفوظاً به، ويبين أن مراده بالإضمار الحذف قوله بعد ذلك: "وليست لات كليس في المخاطبة والإخبار عن غائب، تقول: لست وليسوا، وعبد الله ليس ذاهباً، فتبني على المبتدأ، وتضمر فيه، ولا يكون هذا في لات، لا تقول: عبد الله لات منطلقاً، ولا: قومك لأتوا منطلقين".
فهذا كله نص على أنه يريد بالإضمار الحذف.
وقوله "وتنصب الحين لأنه مفعول به" أي: مشبه بما شبه بالمفعول به؛ لأن لات شبهت بليس، وليس شبهت بضرب، ومنصوب ضرب هو المفعول به حقيقة.
والذين ذهبوا إلى أنها تعمل عمل "ليس" اختلفوا: فمنهم من قصر إعمالها على لفظ الحين خاصة، وهو ظاهر كلام س ومذهب الفراء.

ومنهم من أجاز ذلك في الحين/ وما رادفه وسواء أكان معرفة أم نكرة, وهو اختيار ابن عصفور, قال:" ومن إعماله فيه معرفة قول الأعشى: لات هنا ذكرى جبيرة أو من جاء منها بطائف الأهوال فـ "هنا" اسم زمان مرفوع بـ"لات" وذكرى جبيرة: في موضع نصب على أنه خبر "لات" والتقدير: لات هنا حين ذكرى جبيرة أي: لات هذا الحين حين ذكرى جبيرة" انتهى.
وقال ابن الأعرابي: لات أني أنسى ذكرها.
وقال الأصمعي: ليس ذكرى جبيرة.
وجعل الفارسي من إعمالها فيما رادف الحين قول الشاعر: حنت نوار, ولات هنا حنت... وبدا الذي كانت نوار أجنت أي: ليس هذا أوان حنين.
وقال الأصمعي في لات هنا: تأويله ليس الأمر حيث ذهبت أي: ليس حين ذلك, وهو في قوله, أنشده الأصمعي: أفي أثر الإظعان قلبك يلمح... نعم, لات هنا إن قلبك متيح

أي: يذهب ويجيء في ضيقه, والمتيح والتيجان: الذي يتعرض في كل شيء.
ومثال عملها في الحين مقتصراً على منصوبها قوله تعالى: ﴿فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ وقول الشاعر: غافلا تعرض المنية للمرء, فيدعى ولات حين إباء ومثال عملها فر مرادف الحين مقتصراً على منصوبها قوله: ندم البغاة ولات ساعة مندم... والبغي مرتع مبتغيه وخيم ومثال عملها في الحين مقتصراً على مرفوعها قراءة من قرأ " ولات حين مناص" بالرفع.
فأما ورد من رفع غير الحين بعدها فشاذ نحو قوله: .................... يبغي جوارك حين لات مجبر وتؤول على حذف كأنه قال: حين لات حين مجير فهو على الرفع, فحذف وأقام المضاف إليه مقامه.
ولا يحفظ من كلام العرب مجيء الاسم بعدها مرفوعاً والخبر منصوباً مثبتين معاً, بل إن ذكر المنصوب لم يذكر المرفوع وإن ذكر المرفوع لم يذكر المنصوب.

وذهب الأخفش في قوله ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ إلى أنها لا تعمل عمل ليس بل جعل ﴿حِينَ﴾ اسم ﴿لاتَ﴾ وهي للنفي العام نحو, لا غلام سفر, والخبر محذوف تقديره.
ولات حين مناص لهم.
وجوز أيضا فيه وجهاً آخران وهو أن يكون ﴿حِينَ مَنَاصٍ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي: ولات الحين حين مناص ووجها /آخر وهو أن يكون مفعولاً بفعل محذوف أي: ولات أرى حين مناص.
وهذا كله محتمل.
ونقل ابن عصفور أن مذهب الأخفش أنها لا تعمل شيئاً بل الاسم الذب بعدها إن كان مرفوعاً مبتدأ, وخبره محذوف, أو خبر ابتدأ مضمر.
وإن كان منصوباً فنصبه بإضمار فعل.
انتهى.
وما ذهب إليه الأخفش من النصب على إضمار الفعل ليس بشيء لأن "لات" لا يحفظ في الفعل بها في موضع من المواضع, وإنما نقول إن الحين إذا كان منصوباً كان في موضع خبر مبتدأ محذوف, إذ الأولى عندي أن لات لا تعمل شيئاً, وإن كان معناها معنى "لا", لأنها كما ذكرنا لا يحفظ الإتيان بعدها باسم وخبر مثبتين.
ونحن نقول في قراءة ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ على قول من ادعى أن اسمها لم يلفظ به, وإن ﴿وحِينَ مَنَاصٍ﴾ انتصب خبراً: لا يخلو هذا

الاسم المُدَّعى أنه مرفوع بها ولم يلفظ به من أمرين: إما أن يكون مضمراً, أو يكون محذوفاً لا جائز أن يكون مضمراً في "لات" لأن الحروف لا يضمر فيها, ولا جائز محذوفاً لأنها عندهم أجريت مجرى "ليس" في العمل و"ليس" هي الأصل, واسم "ليس" لا يجوز حذفه, فكذلك اسم "لات" لا يجوز حذفه إذ لو جاز حذف اسم "لات" لكانوا قد تصرفوا في الفرع ما لم يتصرفوا في الأصل, و"لات" على زعم من أعملها مقصورة في إعمالها على الحين, بخلاف "ليس" فإنها تعمل في المعارف والنكرات.
وإنما لم يجز حذف اسم"ليس" لأنها مشبهة في عملها بالفعل المتعدى إلى واحد في رفع أحد الاسمين ونصب الآخر, كما أن الفعل المتعدي كذلك, فمرفوعها مشبه بالفاعل, ومنصوبها مشبه بالمفعول, فكما أن الفاعل لا يحذف وحده, فكذلك اسمها لا يحذف.
وهذا الذي اخترناه من أن "لات" لا تعمل شيئاً هو مروي عن الأخفش, ونقل صاحب البسيط عن السيرافي أنه قال في ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾: هو على الفعل, أي: ولات أراه حين مناص, ونحوه.
ورد لأنه يخرج عن الاختصاص بالحين المتفق عليه, ولأن حذف الفعل ومفعوله من غير دلالة عليه لا يكون.
انتهى.
وزعم الفراء أن"لات" قد يخفض بها أسماء الزمان وأنشد قول الشاعر: طلبوا صلحنا ولات أوان... فأجبنا أن ليس حين بقاء وقول الآخر:

فلتعرفن شمائلاً محمودة... ولتندمن ولات ساعة مندم ولا يعرف ذلك البصريون.
وقد قرئ ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ بالخفض ووجه على وجهين: أحدهما: أن "لات" بمعنى "غير" وصف لمحذوف كأنه قيل: فنادوا حيناً غير حين مناص.
ورد هذا التأويل بلزوم زيادة الواو, فلا فائدة لهل حينئذ وبأنه لو كانت بمعنى "لا" صفة لزم تكرارها, نحو: مررت رجل لا قائم ولا قاعد.
الثاني: أن الكسرة كسرة بناء مقطوعة عن مضاف, وما بعد"لات" يقطع عن الإضافة فيبنى والتقدير: ولات حين مناصهم, والإضافة إلى المناص كأنها إضافة إلى الحين لأنه معه كشيء واحد, فكأنه قال: ولات حينهم, ثم حذف الضمير من "مناص" فكأنه حذفه من الحين, فتضمنه الحين.
وهذا بعيد جداً وقد علل به الزمخشري.
وتأولوا ما ورد من ذلك في الشعر.
وتأولوا "ولات أوان" على أن الأصل فيه: ولات أوان صلح, فقطع أواناً عن الإضافة ونواها وبني أواناً على الكسر بفعال, وهذا تأويل أبي العباس, والتنوين عنده ليس للتمكين بل هو في أوان كهو في "إذا" لأن أواناً يضاف إلى الجمل, نحو قولك: جئت أوان زيد قائم, وأوان قام زيد فحذف المضاف وعوض منه التنوين والنون ساكنة كسكون ذال"إذ" وكسرت لالتقائها مع التنوين.

جارٍ التحميل