وكان الأستاذ أبو علي لا يرتضي هذا المذهب لكون س إذا ذكر "مما" إنما يريد التكثير، فلا يحسن إذ ذاك استعمال رب إذ كان معناها يناقض المراد.
واحتج الذاهبون إلى ذلك بأنه قد سمع ذلك منهم، قال:/
وإنا لمما نضرب الكبش ضربة... على وجهه، تلقي اللسان من الفم
قالوا: المعنى: لربما.
وخرج الأستاذ أبو علي وأصحابه ذلك على أن "ما" مصدرية، و"من" لابتداء الغاية، وكأنهم خلقوا من الضرب لكثرة ما يقع منهم، كما قال تعالى: (خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ)، جعل كأنه مخلوق من العجل لكثرة وقوع العجل منهم.
فأما قول الشاعر:
نصحت أبا زيد، فأدى نصيحة... إلي، ومما أن تغر النصائح
وقول الآخر: ألا غنيا بالقادسية، إننا... على النأي مما أن ألم بها ذكرا
فلا يمكن أن تكون ما مصدرية لأجل أن، قالوا: فمعناها ربما.
وتأوله من منع ذلك على أن ما نكرة موصوفة بالمنسبك من أن وما بعدها، وهو مصدر، كأنه قال: إننا على النأي من شيء إلمام بها ذكره، فجعلهم من إلمامهم ذكراً لكثرة إلمامهم.
وكذلك النصيحة للإنسان تشق عليه، فكأن النصح مخلوق مما يشق على الإنسان.
وهذا التأويل بعيد، ولا يجوز الوصف بأن والفعل، لا يجوز: مررت برجل أن يصوم، تريد: برجل صوم.
وعلة ذلك أن الوصف بالمصدر هو على سبيل المجاز، ونيابة أن والفعل عنه مجاز، فكثر التجوز، فلذلك امتنع.
والأولى أن ما مصدرية، وجمع بينها وبين أن المصدرية لاختلاف لفظيهما، وذلك في الشعر كما جاء قوله:
فأصبحن لا يسألنني عن بما به...............................................
وإذا جمعوا بين حرفي الجر مع كونهما عاملين فلأن يجمعوا بين م لا عمل له - وهو ما المصدرية - وما له عمل - وهو أن - أولى.
وقوله وتزاد لتنصيص العموم أو لمجرد التوكيد بعد النفي أو شبهه جارة نكرة أما ما تزاد لتنصيص العموم فهي الداخلة على نكرة لا تختص بالنفي، نحو رجل وامرأة وغيرهما، فإذا قلت ما قام رجل احتمل نفي الجنس على سبيل التعميم، أي: لم يقم فرد من أفراد الرجال لا واحد ولا أكثر.
واحتمل أن يكون النفي سلط على رجل بقيد الوحدة، فعلى الأول تقول: ما قام رجل بل امرأة، وعلى الثاني تقول: ما قام رجل بل اثنان، فإذا أدخلت من زال احتمال نفي الوحدة، ولذلك يخطأ من قال: ما قام من رجل بل اثنان، ودل دخولها على أنه أريد النفي العام.
وأما ما تزاد لمجرد التوكيد فهي الداخلة على نكرة لم تستعمل إلا في النفي العام أو ما يشبهه، نحو أحد الموضوع لعاقل، وديار وطوري، وقد تقدمت في باب العدد في آخر الفصل الثاني منه، فدخولها فيه إنما هو لمجرد التوكيد؛ لأن النفي العام لا يفهم بدونها.
وقال المصنف في الشرح: "وأشار س إلى أن من الزائدة قصد بها التبعيض؛ لأنه قال بعد تمثيله بما أتاني من رجل: (أدخلت من لأن هذا موضع تبعيض، فأراد أنه /لم يأت بعض الرجال)، هكذا قال، يريد أن من دلت على شمول الجنس، فلكل بعض منه قسط من المنسوب إلى جميعها، فالتبعيض على هذا التقدير مقصود.
وهذا غير مرضي؛ لأنه يلزم منه أن تكون ألفاظ العموم للتبعيض.
وإنما المقصود بزيادة من في نحو ما أتاني من رجل جعل المجرور بها نصاً في العموم، وإنما تكون للتبعيض إذا لم يقصد عموم، وحسن في موضعها بعض، نحو (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا) الآية، و (مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ)، و (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ)، وقد صرح س بهذا المعنى، فقال: (وتكون للتبعيض، نحو: هذا منهم، كأنك قلت: هذا بعضهم) " انتهى.
وما فهمه الشارح المصنف عن س ليس بصحيح؛ لأن س لم يرد بقوله "لأن هذا موضع تبعيض" أنه حين زيدت كان الكلام بزيادتها استفيد منه التبعيض، وإنما يريد أنها زيدت ناصة على العموم؛ لأن الكلام قبل الزيادة كان يفهم منه التبعيض، ولم يكن نصاً على العموم كما هو بزيادتها.
وقد يمكن إجراء لفظ س على ظاهره، فيكون قوله "لأن" تعليلاً لدخول من الزائدة، وأنها يستفاد من دخولها
التبعيض، فإذا قلت ما قام من رجل كان نفياً لجنس الرجال أن يقوم أو يقوم منه شيء، فكأنك قلت: ما قام بعض الرجال في حال من الأحوال لا وحده ولا مع غيره.
وتقسيم المصنف وغيره "من" هذه الزائدة إلى أنها تكون لاستغراق الجنس ولتأكيد استغراق الجنس ليس مذهب س؛ بل قولك: ما جاءني من أحد، وما جاءني من رجل، من في الموضعين لتأكيد استغراق الجنس.
وهذا هو الصحيح؛ لأن من لم تدخل في قولك ما جاءني من رجل إلا على قولك: ما جاءني رجل، المراد به استغراق الجنس.
وزعم علي بن سليمان أن "من" الزائدة لابتداء الغاية، فإذا قلت ما قام من رجل ابتدأت النفي من هذا النوع دون غيره، ثم عرض لها - وإن كانت لابتداء الغاية - أن يقتصر بها على هذا النوع.
وقال أبو العباس في ما جاءني من رجل: لا ينبغي أن يقال فيها زائدة؛ لأن الزائد لا يفيد معنى، و"من" هنا تفيد استغراق الجنس، فإنك إن حذفتها احتمل الكلام وجوها، ولم يكن نص على استغراق الجنس، فإذا قلت ما جاءني من أحد فهي زائدة؛ لأنك إذا حذفتها لم تخل بمعنى.
قال ابن هشام: وهذا الذي ذكره صحيح، إلا أنها لما كان العامل يطلب موضعها ولم تكن معدية جعلها س بهذا الاعتبار زائدة.
وقوله بعد نفي أو شبهه جارة نكرة مبتدأ وفاعلاً ومفعولاً به يريد بقوله "بعد نفي" سائر أدوات النفي لم ولما وما ولا ولن وإن.
وشبه النفي يريد به النهي، وحرفه كما تقرر لا، والاستفهام، وليس ذلك عاماً في جميع أدواته، إنما يحفظ ذلك مع هل، وفي إلحاق الهمزة بها نظر، ولا أحفظه من /لسان العرب، ولو قلت:
كيف تضرب من رجل؟ أو: أين تضرب من رجل؟ أو: كيف خرج من ضيف أتاك؟ لم يجز.
وذكره جارة نكرة هذا مذهب جمهور البصريين، وهو أن لزيادتها شرطين:
أحدهما: أن يكون الكلام غير موجب، ويعنون به النفي والنهي والاستفهام على ما شرحناه.
والثاني: أن يكون المجرور بها نكرة.
ومثال زيادتها في المبتدأ (مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)،:
..................................................... ألا لا من سبيل إلى هند
إلا أن زيادتها بعد لا في المبتدأ قليلة، بخلاف ما.
(هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ).
ومثال زيادتها في الفاعل (مَا يَاتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ)، وهل قام من رجل؟ ولا يقم من أحد.
وحكم اسم كان وأخواتها حكم الفاعل، فتقول: ما كان من أحد قائماً، وليس من رجل قائماً، قال تعالى: (وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ).
ومثال زيادتها في المفعول (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ)، (هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ)، ولا تضرب من أحد.
وشمل قوله المفعول ما سمي فاعله، وما لم يسم فاعله، والمفعول الأول والثاني من باب أعطى، والأول من باب ظن، والأول من باب أعلم.
وفي دخولها على ثاني أعلم نظر، ولا تدخل على ثاني ظن، ولا على ثالث أعلم، ولا على خبر كان وأخواتها.
وتدخل على المتسع فيه من ظرف ومصدر، نحو: ما ضرب من ضرب شديد، وما سير من ميل، وما صيم من يوم.
فرع: إذا قلت: قلما يقول ذلك رجل، وقلما أضرب رجلاً - إن جعلت قلما مقابلة كثر ما لم يجز دخول من على رجل؛ لأن الكلام موجب، وإن جعلت قلما للنفي المحض جاز زيادة من؛ لأن الكلام غير موجب، واستعمال قلما بالوجهين شائع في كلام العرب.
وزعم بعض البصريين أنها تزاد في لشرط، فيجري مجرى النفي والنهي والاستفهام، ويكون ما تدخل عليه نكرة كهي مع تلك، فتقول: إن قام من رجل قام عمرو، وإن ضربت من رجل ضربك.
وحجته أن الضرب غير واقع، كما أنه كذلك في: ما ضربت رجلاً.
والصحيح المنع؛ لأنه وإن لم يكن واقعاً مفروض الوقوع، ولا يمكن أن يفرض إلا ما لا تناقض فيه، فيصير المعنى إن قدر وقوع هذا الخبر: الذي هو قام من رجل قام عمرو، و"قام من رجل" لا يمكن؛ لما قاله بعض أصحابنا من أنه يلزم اجتماع الضدين في الواجب، على ما يتضح عند بيان اشتراط الشرطين عند جمهور أهل البصرة.
فإن كل فعل الشرط منفياً، أو كان قد دخل على النفي ما صيره تقريراً - فيحتاج في دخول من على النكرة - أي في سياق ذلك - إلى نظر، والذي يظهر المنع.
وزعم لكذة - ويقال لغذة - الأصبهاني - واسمه [الحسن بن عبد الله أبو علي]- أن "من" في قول الهذلي: فما العمران من رجلي عدي... وما العمران من رجلي فئام
زائدة، وأن هذا لا يجوز، وأنه منحول، وليس من شعر الهذلي.
قال: لأنه لا يقال: ما زيد من رجل الحرب، ولا: ما زيد من رجلي الحرب.
وعلة منعه لذلك اعتقاده أن من زائدة في خبر المبتدأ/ إن كانت "ما" تميمية، أو في خبر "ما" إن كانت حجازية، و"من" لا تزاد في الخبر.
وما ذهب إليه في البيت لكذة غير صحيح؛ لأنه بناه على أن "ما" نافية، وهو خلاف ما قصد الشاعر؛ لأنه قصد المدح، فكيف تكون نافية؟ فيصير إذ ذاك هجواً، وإنما "ما" هنا استفهامية، معناها التعجب والتعظيم والتفخيم للشأن، كقولك: عبد الله ما عبد الله، تريد: أي رجل عبد الله، وكذلك أراد الشاعر: أي رجلي عدي، وأي رجلي فئام العمران، و"من" هنا نظيرتها في قول الشاعر:
يا سيداً، ما أنت من سيد... موطأ الرحل، رحيب الذراع
فـ"من" داخلة على التمييز؛ إذ يجوز: يا فارساً ما أنت فارساً، و"عدي" في بيت الهذلي في معنى العداة، كما قال الشنفي: له وفضة، فيها ثلاثون سيحفا... إذا ما رأت أولى العدي اقشعرت
وزعم بعض النحويين أن "من" إذا دخلت على قبل وبعد تكون زائدة، وزعم أن المعنى بسقوطها وثبوتها واحد.
وليس كما زعم، بل المعنى مختلف، فإذا
قلت جئت من قبل زيد كان مجيئك مبتدأ من الزمان المتعقبه زمان مجيء زيد، فإذا قلت جئت قبل زيد كان مجيئك سابقاً على مجيء زيد، واحتمل أن يكون تعقبه زمان مجيء زيد، أو كان بينهما مهلة كثيرة أو قليلة؛ لأنه يدل على مطلق السبق.
وإذا قلت جئت من بعد عمرو ابتدأ مجيئك من الزمان المتعقب زمان مجيء عمرو، وإذا قلت جئت بعد عمرو احتمل أن يتعقب وأن يتأخر بمهلة كثيرة أو قليلة، فـ"من" لابتداء الغاية في القبلية والبعدية، فلو جاء شخص ظهراً وآخر عصراً حسن فيه قبل وبعد، ولم يحسن من قبل ولا من بعد؛ إذ لا اعتقاب في الزمانين.
وقوله ولا يمتنع تعريفه ولا خلوه من نفي أو شبهه وفاقاً للأخفش وافق المصنف الأخفش، وذكر جملة ما استدل به لهذا المذهب في شرحه نثراً ونظماً، فمن ذلك قوله تعالى: (وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ)، (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ)، (وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ)، (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ)، (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ)، وفي لابخاري من كلام عائشة (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي جالساً، فيقرأ وهو جالس، فإذا بقي من قراءته نحواً من كذا)، هكذا ضبط بخط من يعتمد.
أي: ولقد جاءك نبأ، ويحلون أساور، ويكفر عنكم سيئاتكم، يغفر لكم ذنوبكم، تجري تحتها، فإذا بقي قراءته نحواً من كذا.
وقال عمر بن أبي ربيعة:
وينمي لها حبها عندنا... فما قال من كاشح لم يضر
وقال جرير: لما بلغت إمام العدل قلت لهم... قد كان من طول إدلاج وتهجير
/وقال آخر: وكنت أرى كالموت من بين ساعة... فكيف ببين كان موعده الحشر
وقال آخر: يظل به الحرباء يمثل قائما... ويكثر فيه من حنين الأباعر
أي: فما قال كاشح، وقد كان طول إدلاج، وكنت أرى بين ساعة، ويكثر فيه حنين [الأباعر].
ورأى زيادة "من" في الإيجاب الكسائي، وخرج عليه "إن من أشد الناس عذاباً المصورون".
وابن جني، وخرج عليه قراءة ابن هرمز (لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ)، تقديره عنده: لمن ما، فأدغمت نون من في ميم ما، فاجتمعت ثلاث ميمات، فحذفت ميم من، وبقيت الثانية التي كان نوناً مدغمة في ما.
انتهى ما لخص من شرح المصنف.
وأما الكوفيون فاختلف النقل عنهم: فقال بعض أصحابنا عنهم: إنها تزاد في الواجب وغيره بشرط أن يكون مجرورها نكرة، وحكوا عن العرب من زيادتها في الواجب: قد كان من مطر، وقد كان من حديث فخل عني، أي: كان مطر، وقد كان حديث.
وقال الكسائي وهشام: من زائدة في قوله (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ)، (وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ)، و (يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ)، (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً)، كما قال الأخفش، فلم يشترطا أن يكون المعمول نكرة.
ووافقهم الفارسي على زيادتها في قوله: (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ)، أي: جبالاً فيها برد.
وجعل أبو عبيدة في "المجاز" له "من" زائدة في قوله: (أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ)، أي: خير من ربكم.
واستدل أيضاً على زيادتها بغير الشرطين بقوله: (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ).
وما احتج به لهم لا حجة فيه:
أما (وَلَقَدْ جَاءَكَ) فالفاعل مضمر، أي: ولقد جاءك هذا النبأ، و (مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ) في موضع الحال، أي: كائناً من نبأ المرسلين؛ لأن قبله: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا)، فأخبره تعالى أن هذا النبأ الذي جاءك هو من نبأ المرسلين، فتأس بما جرى لهم.
وأما (مِنْ أَسَاوِرَ) فـ (مِنْ) للتبعيض.
وأما (وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ)، و (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) - فالذي يكفر بعض السيئات، والذي يغفر بعض الذنوب؛ لأن ما كان فيه تبعة لآدمي لا يكفر، ولأن المغفور بالإيمان ما اكتسبوه من الكفر لا ما يكتسبونه في الإسلام، وذلك بعض الذنوب، فـ (مِنْ) فيهما للتبعيض.
وكذا هي للتبعيض في (أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ)، إذ أصله: أن ينزل الله عليكم من خير، أي: بعضاً من خير، ثم بني للمفعول، وأقيم المجرور مقام الفاعل، وجعل الظاهر بدلاً من الضمير لما حذف الظاهر الذي كان يعود عليه الضمير، وهو اسم الله.
وكذا هي للتبعيض أيضاً في (مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ)؛ لأنه لا يمكن/ أن يأكل كل ما أمسكن؛ إذ منه ما يموت فرقاً، ولم ينفذ مقاتله، ولا أثر فيه بناب ولا ظفر.
وأما (مِنْ تَحْتِهَا) فلابتداء الغاية.
وأما (فإذا بقي من قراءته)، و ((بما قال من كاشح))، و ((قد كان من طول))، و ((يكثر فيه من حنين))، و ((قد كان من مطر))، و ((قد كان من حديث)) - فخرج على أن تكون "من" في ذلك كله مبعضة، ويكون الفاعل مضمراً اسم فاعل يفسره الفعل كما فسر في قوله: (ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ)، أي: هو، أي: البداء، فكذلك يكون التقدير: فإذا بقي هو، أي: باق من قراءته نحواً من كذا، ومما
قال هو، أي: قائل من كاشح، وقد كان هو، أي: كائن من طول، ويكثر فيه هو، أي: كاثر من حنين، وقد كان هو، أي: كائن من مطر، وقد كان هو، أي: كائن من حديث، ومجيء اسم الفاعل فاعلاً يدل عليه الفعل شائع في كلام العرب، قال تعالى: (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ)، وقال يزيد بن عمرو بن الصعف:
ونسب ابن عصفور هذا البيت للنابغة، وهو وهم.
وقال بعض أصحابنا في قولهم: قد كان من مطر، وقد كان من حديث: "فحذف الموصوف، وقامت من مقامه؛ إذ هي في موضع الصفة، وذلك يحسن في الكلام وإن كانت الصفة غير مختصة" انتهى.
وهذا تخريج فاسد؛ لأنه يلزم من ذلك أن يكون المجرور فاعلاً، والمجرور الذي يجر بحرف غير زائد لا يكون فاعلاً.
وأما "من بين ساعة" فـ"من" للسبب، أي: أرى شيئاً عظيماً كالموت من أجل بين ساعة، فكيف يكون حالي ببين موعده الحشر؟ أي: بسبب بين موعده الحشر.
وأما (إن من أشد الناس عذاباً) ففي إن ضمير الشأن محذوف.
وقد خرجه على ذلك المصنف في الشرح في باب "إن".
وأيضاً لا يمكن زيادتها من حيث الشرع لأن ثم من هو أشد عذاباً من المصورين، كقتلة الأنبياء ونحوهم، ولا يمكن أن يكون المصورون هم أشد الناس عذاباً.
وأما تخريج ابن جني قراءة ابن هرمز فتخريج أعجمي، لا يحتمل مثله في القرآن، وكونها على ما استقر في لما ظاهر، إما على الظرف، أي: حين آتيناكم، وإما كونها حرف وجوب لوجوب، و (آتيناكم) التفات من الغيبة إلى الخطاب، ولو جرى على الغيبة لكان: لما آتيناهم.
ولا يظهر معنى لتخريج ابن جني: لمما آتيناكم من كتاب وحكمة.
وأما قوله (وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) فالتقدير: ولهم فيها مطعوم أو فاكهة من كل لثمرات، لما تقدم ذكر المشروب ذكر المطعوم، وحذف المبتدأ لدلالة المعنى عليه جائز، ولاسيما إذا كانت له صفة.
وأما (يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) فـ (مِنْ) للتبعيض؛ لأنهم لم يؤمروا بغض الأبصار، وإنما يغض منها ما كان في النظر بها امتناع شرعي.
وكذلك هي للتبعيض في (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً).
وأما (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ) فتقدم تخريجه.
والشرطان اللذان شرطهما جمهور البصريين إنما ذلك في فصيح الكلام، وأما في ضرورة الشعر فيجيزون زيادتها في الواجب وفي المعرفة والنكرة، نحو قوله:
أمهرت منها جبة وتيسا
وقال بعض أصحابنا: ومما جاءت فيه "مِنْ) زائدة على مذهب الأخفش والكوفيين قول البرج بن مسهر الطائي:
ونعم الحي كلب غير أنا... رزئنا من بنين ومن بنات
وقول عنترة: وكأنما ينأى بجانب دفها الـ... ـوحشي من هزج العشي مؤوم
وقول الآخر: إذا مر من يوم ولم أرج منكم... أوائل أيام رجوت التواليا
وقول تأبط شراً: وإني لمهد من ثنائي فقاصد... به لابن عم الصدق شمس بن مالك
وقول الأسود بن يعفر: هوى بهم من حينهم وسفاههم... من الريح، لا تمري سحاباً ولا قطرا
وقول جزء بن ضرار: أمهرت منها جبة وتيسا أي: رزئنا بنين وبنات، وينأى هزج العشي.
ويدل أنه في موضع رفع الإبدال منه مرفوعاً في قوله: هر جنيب، كلما عطفت له... غضبى اتقاها باليدين وبالفم
وإذا مر يوم، ولمهد ثنائي، وهوى الريح، وأمهرتها.
ويخرج "من بنين ومن بنات" و"من ثنائي" على أنها للتبعيض، أي: بعضاً من بنين، وبعضاً من ثنائي.
وبيت عنترة على أن التقدير: ناء من هزج، وكذا هاو من الريح، ومار من يوم.
والمجرورات بـ"مِنْ" كانت في موضع الصفة، ثم أضمر ذلك الفاعل، وصار المجرور في موضع الحال، وقد تقدم أنه لا يستنكر أن يكون الفاعل اسم فاعل يدل عليه الفعل.
واشتراط هذين الشرطين ليس لمجرد السماع، بل قد أبدى بعض أصحابنا لذلك علة أوجبت ذلك، فقال: "أما التزام التنكير فلأن المفرد الواقع بعد (من) الزائدة في معنى جمع، والمفرد لا يكون في معنى جمع إلا إذا كان نكرة، نحو قول العرب: عندي عشرون رجلاً، ولو كان معرفة لم يجز ذلك إلا في ضرورة، نحو:
في حلقكم عظم وقد شجينا
أي: في حلوقكم.
وأما التزام كون الكلام غير موجب فلأنه ينتفي في قولك: ما جاءني من رجل، مجيء واحد ومجيء أكثر من واحد، فلو قلت: جاءني/ من رجل، لزمك أن يكون قولك من رجل على حده بعد النفي، فتكون كأنك قلت في حين واحد: جاءني رجل وحده ولم يجيء رجل وحده بل أكثر من رجل واحد، وذلك تناقض؛
لأنه يلزمك اجتماع الضدين في الواجبن وهو مجيء الرجل وحده مع غيره، ولا يلزم ذلك في غير الواجب إذ قد يجوز اجتماع الأضداد فيما ليس بواجب؛ ألا ترى أنك تقول: ما زيد أسود ولا أبيض، ولو قلت زيد أسود وأبيض لم يتصور ذلك".
وزعم الأخفش الصغير أن السبب في ذلك أن "من" لا تدخل على النوع، فلم يجز أن تقول: جاءني من رجل؛ لآنه لا يجوز أن يجيئك النوع.
وما ذكره لا يطرد؛ بدليل أن العرب لا تقول: يموت من رجل، مع أن موت النوع كله لابد من وقوعه، وإنما السبب ما ذكرناه.
وقوله وربما دخلت على حال مثاله قراءة زيد بن ثابت وأبي الدرداء وأبي جعفر وزيد بن علي والحسن ومجاهد (مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ)، بفتح الخاء وضم النون، أي: أولياء.
ومحسن ذلك انسحاب النفي عليه من حيث المعنى كما انسحب عليه في قراءة الجماعة حين كان مفعولاً، شبه ذلك بانسحاب النفي على الفعل المتعدي إلى مفعوله، كقوله تعالى: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ).
وقوله وتنفرد من بجر ظروف لا تتصرف كقبل وبعد إلى وعلى اسمين زعم المصنف في الشرح أن من زائدة في نحو: من قبل، ومن بعد، ومن لدن، ومن عن، قال: ((لأن المعنى بثبوتها وسقوطها واحد)).
وقد تقدم لنا الرد على من ذهب إلى أنها زائدة في: من قبل، ومن بعد، وأبدينا فرقاً لثبوتها لا يكون مع
سقوطها، وأنها لابتداء الغاية في قبل وبعد.
وكذلك نقول في: من لدن، ومن عن: إنها فيهما لابتداء الغاية، فإذا قلت قعد زيد عن يمين عمرو فمعناه: ناحية يمين عمرو، واحتمل أن يكون قعوده ملاصقاً لأول ناحية يمينه، واحتمل ألا يكون ملاصقاً لأولها، فإذا قلت من عن يمينه كان ابتداء القعود نشأ ملاصقاً لأول الناحية.
وذكر أن دخول من على عند ولدي ومع وعلى لابتداء الغاية، قال: "وعن بعد دخول من بمعنى جانب، وعلى بمعنى فوق، قال جرير:
وإني لعفت الفقر مشترك الغنى... سريع - إذا لم أرض داري - انتقاليا
جريء الجنان، لا أهال من الردى... إذا ما جعلت السيف من عن شماليا
وقال آخر: من عن يميني مرت الطير سنحا... وكيف سنوح واليمين قطيع
وقال آخر: ولقد أراني للرماح دريئة... من عن يميني تارة وأمامي"
وقال آخر: فقلت للركب لما أن علا بهم... من عن يمين الحبيا نظرة قبل
وقال آخر:
فقلت: اجعلي ضوء الفراقد كلها... يميناً، ومهوى النسر من عن شمالك
وقال الراجز: جرت عليها كل ريح سيهوج... من عن يمين الخط أو سماهيج
وقد تجر "عن" بـ"على"، قال الشاعر: على عن يميني مرت الطير سنحا... وكيف سنوح واليمين قطيع
وقال آخر: وهيف تهيج البين بعد تجاوز... إذا نفحت من عن يمين المشارق
وقال آخر: هوى ابني من على شرف............................................
وقال آخر:
غدت من عليه بعد ما تم ظمؤها... تصل، وعن قيض بزيزاء مجهل
وقال آخر: غدت من عليه تنفض الطل بعد ما... رأت حاجب الشمس استوى، فترفعا
وكان القياس أن يقول: من علاه، كما تقول: فتاه؛ لأن المقصور من الأسماء لا يتغير مع المظهر والمضمر، وإنما روعي أصلها.
وزعم الفراء ومن وافقه من الكوفيين أن عن وعلى إذا دخلت عليهما من حرفان كما كانتا قبل دخولها؛ وزعموا أن "من" تدخل على حروف الجر كلها سوى من واللام والباء وفي.
وجاز ذلك عندهم لأنها تسد مسد الاسم المخفوض، فإذا قلت: نظرت إلى زيد - فـ"إلى" عندهم تسد مسد "وجه زيد" أو ما جرى مجراه من المفعولات الخافضة لما يليها.
وإذا قلت: زيد في الدار - نابت [في] مناب حال الدار، أو ساكن الدار، أو ناحية الدار، أو جانب الدار، وكذلك يفعلون بسائر الحروف.
ولم تدخل على الباء واللام لقلتهما، ولا على "في" لأنها تدل على كل محل أنه موضع وليس باسم، فلما كان دخولها على الحرف يبعدها من مذاهب الأسماء كانت في أجدى أن تبعد من الأسماء.
وقالوا: لو كانت عن وعلى اسمين إذا دخلت عليهما من كما يقوله البصريون لقيل: عندك مرغوب فيه، يعني به: ناحيتك مرغوب فيها.
وهذا لا يلزم
كما لا يلزم في الأسماء؛ إذ فيها /ما لا يتصرف، نحو: ايمن الله، وسبحان الله، ومعاذ الله، ولا يلزم من كون "عن" في معنى ناحية أن يتصرف تصرف ناحية؛ إذ قد يكون الاسمان مترادفين، وأحدهما متصرف، والآخر غير متصرف، مثال ذلك: سبحان، نحو قوله: ....................................... سبحان من علقمة الفاخر
فـ"سبحان" لا يتصرف، ومعناه براءة، وبراءة يتصرف.
ويبطل مذهب الفراء من أن عن وعلى إذا دخلت عليهما "من" باقية على أصلها من الحرفية أن من حرف خفض؛ وحروف الخفض لا يجوز قطعها عن الخفض، وإذا كان ذلك لا يجوز كانت عن وعلى في موضع خفض بها، وإذا كانتا في موضع خفض وجب أن تكونا اسمين؛ لأن الحرف لا موضع له من الإعراب.
وما ذكروه من دخول "من" على حروف الجر كلها سوى ما استثنوا لا يعرفه البصريون، فإن ثبت كان ذلك دليلاً على أن جميع الحروف تكون أسماء سوى ما استثنوا.
واستدل الأخفش على اسمية "على" بقول العرب: سويت علي ثيابي.
ووجه الدلالة أنه قد تقرر أن فعل المضمر المتصل لا يتعدى إلى مضمره المتصل لا بنفسه ولا بواسطة؛ فلا تقول: زيد ضربه، تريد: ضرب نفسه، ولا فرحت بي، تريد: فرحت بنفسي، وفي "سويت علي" قد تعدى إلى ضميره المتصل، فوجب أن يعتقد في "على" أنها اسم؛ لأنه يجوز: سويت فوقي ثوبي، وسرت أمامي.
قال بعض أصحابنا: وكذلك ينبغي أن يجعل "على" اسماً في قول الشاعر:
هون عليك، فإن الأمور... بكف الإله مقاديرها
للعلة التي ذكرها الأخفش.
وكذلك في قوله:
دع عنك نهبا صيح في حجراته... ولكن حديثاً ما حديث الرواحل
وهذا الذي ذهب إليه الأخفش وبعض أصحابنا لا يطرد، بل هو أمر غالب، لكنه قد جاء ذلك التعدي، قال تعالى: (وَهُزِّي إِلَيْكِ)، وقال تعالى: (وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ)، ومن كلامهم: ....... فيئي إليك...............................................................
ولم يذهب أحد إلى أن "إلى" اسم، فكذلك نقول في: سويت علي، وفي: هون عليك، وفي: دع عنك: إنها حروف كـ"إلى"، لكن تلك التعدية قليلة، فلا تكون تلك التعدية دلالة على اسمية عن وعلى.
وما ذكره المصنف من أن "على" إنما تكون اسماً إذا داخل عليها "من" هو مشهور قول البصريين.
وذهب ابن الطراوة وابن طاهر وابن خروف وأبو علي الرندي وأبو الحجاج بن معزوز والأستاذ أبو علي في أحد قوليه إلى أنها لا
تكون حرفاً؛ وزعموا أن ذلك مذهب س؛ لقوله في "باب عدة ما يكون عليه الكلم": "وهو اسم، ولا يكون إلا ظرفاً".
وقد صنف ابن معزوز جزءاً في عشرين ورقة استدل فيه على أن "على" لا تكون حرفاً بل اسماً.
وأما من أثبت ذلك فاستدل بحذفها في ضرورة الشعر ونصب ما بعدها /على أنه مفعول به؛ نحو قوله:
تحن، فتبدي ما بها من صبابة... وأخفي الذي لولا الأسا لقضاني
وقال: بخلت فطيمة بالذي يرضيني... إلا الكلام، وقلما يجديني
وقال الأفوه: ألا عللاني، واعلما أنني غرر... وما - خلت - يجديني الشفاق ولا الحذر وما - خلت - يجديني أساتي وقد بدت... مفاصل أوصالي، وقد شخص البصر
وقال:
ما شق جيب، ولا ناحتك نائحة... ولا بكتك جياد عند أسلاب
وقال: كأنها واضح الأقراب في لقح... أسمى بهن، وعزته الأناصيل
أي: لقضى علي، وقلم يجدي علي، ويجدي علي الشفاق، ويجدي علي أساتي، ولا ناحت عليك، وعزت عليه، أي: اشتدت.
وقد أجاز أبو الحسن حذفها في الكلام ونصب ما بعدها مفعولاً به، وجعل من ذلك قوله تعالى: (لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ)، أي: على صراطك.
وهذا الاستدلال يمكن أن تتأول فيه الأفعال على تضمين ما لا يتعدى بعلى، فلا يتم الاستدلال.
واستدل أيضاً من أثبت الحرفية بحذفها مع الضمير في الصلة، نحو: ركبت على الذي ركبت، ونحو قوله:
فأصبح من أسماء قيس كقابض... على الماء، لا يدري بما هو قابض
أي: عليه.
وقوله:
وإن لساني شهدة، يشتفى بها... وهو على من صبه الله علقم
أي: عليه.
ولو كانت اسماً لم يجز ذلك، لو قلت: قعدت وراء الذي قعدت، تريد: وراءه - لم يجز.
وقال شيخنا أبو الحسين بن أبي الربيع: إذا قلت: جلست فوق زيد - لا يقتضي أنك باشرت زيداً؛ إذ قد تكون في ارتفاع وزيد تحتك، وإنما يطلب الفوق
مكاناً له بنسبة، فجئت بذلك لتخصصه، وجلست على زيد، (على) فيه موصلة الفعل إليه كما توصل حروف الجر، نحو: خرجت من الدار إلى المسجد، وكتبت بالقلم، فالقلم متعلق الكتب، والباء موصلته إليه، والعرب كثيراً ما تخرج الأضعف إلى الأقوى إذا لم يكن بينهما قرب، و (على) وإن خالفت (فوق) فهي قريبة منها؛ لأن (على) تدل على الاستعلاء، و (فوق) تدل على مكان لنسبة الاستعلاء، وقد تقول: جلست فوق زيد، كما تقول: على زيد، وإن كان ذلك لا يفهم من فوق، وإنما يفهم من أمر خارج، فلذلك لقرب أدخلوا عليها /من كما أدخلوها على فوق.
وقوله وتختص إلى بالرب تقول: من ربي لأفعلن، ومن ربي إنك لإنسي، ولا يجوز ضم الميم إلا في القسم، ولا تجر غير الرب فيه.
وذكر المصنف في باب القسم أن "من" مثلت الحرفين، يعني أنه بفتح الميم والنون، أو بكسرهما، أو بضمهما، لكن ظاهر كلامه هناك أن "من" هذه المثلثة الحرفين هي بقية من "أيمن" الداخلة على "الله" غالباً؛ فليست "من ربي" تلك، بل هذه حرف مختص بدخولها على الرب، فيكون هذا مذهباً ثالثاً، وفي المضمومة الميم، وهي أنها اسم بقية "أيمن" إذا كانت مثلثة الحرفين، وحرف إذا كانت مكسورة الميم أو مضمومتها.
والنحويون قد ذكروا الخلاف في "مُن" المضمومة الميم، هل هي بقية أيْمُن، فهي اسم أو حرف جر:
فالذي ذهب إلى أنها بقية ايْمُن استدل عل ىذلك بأن هذه الكلمة قد اتسعت فيها العرب بالتغيير والحذف؛ فقالوا: ايمن وايم وايم، فـ"من" بقية "ايمن"، وهذا أولى من جعلها حرف خفض؛ لأنه لم يستقر ذلك في موضع من المواضع.
واستدل من ذهب إلى حرفيتها بدخولها على "الرب"، وهم لا يدخلون ايمن على الرب، فلو كانت بقية ايمن لما دخلت على الرب.
وبأنها لو كانت بقية ايمن لكانت معربة؛ لأن المعرب لا يزيله عن إعرابه حذف شيء منه، فبناؤها على السكون دليل على حرفيتها وأنها ليست بقية ايمن.
وقوله والتاء واللام بـ"الله" أي: مختصان بـ"الله"، فتقول: تالله ليكونن كذا، ولله لا يبقى أحد.
وقوله وشذ فيه: من الله، وتربى أي: شذ في القسم دخول من على "الله"، وشذ دخول التاء على "الرب"، روى ذلك الأخفش.
وما ذكره من شذوذ "من الله" لم يذكره المبرد على سبيل الشذوذ، قال المبرد في "المدخل": "وتقول: لله لأفعلن، ومن الله لأفعلن، ومن ربي لأفعلن".
وقال المبرد أيضاً: "وإنما دخلت اللام ومن - يعني في القسم - لأن حروف الخفض يبدل بعضها من بعض، نحو: فلان بمكة، وفي مكة، (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ)، أي: على جذوع النخل".
وقال ابن عصفور في "الشرح الكبير": "وتاء القسم لا تجر إلا اسم الله تعالى، وذلك أنها لا تجر إلا بحق العوضية؛ لأنها عوض من الواو التي أبدلت من الباء، فلم يتصرف فيها، واقتصر على اسم الله، وقد حكى دخولها على الرب، قالوا: ترب الكعبة لأفعلن، وذلك قليل جداً".
وقال في "المقرب": "إن التاء تجر اسم الله، وقد حكى دخولها على الرب، ولم يتعرض لقلة ولا شذوذ" انتهى.
وقالوا: تالرحمن، وتحياتك.
-[ص: ومنها "إلى" للانتهاء مطلقاً، وللمصاحبة، وللتبيين، ولموافقة اللام، وفي، ومن، ولا تزاد، خلافاً للفراء.]-
ش: قال المصنف في الشرح: "أردت بقولي للانتهاء مطلقاً شيئين: أحدهما عموم الزمان والمكان، كقولك: سرت إلى آخر النهار، وإلى آخر المسافة.
والثاني أن منتهى العمل بها قد يكون آخراً وغير آخر، نحو: سرت إلى نصف النهار، وإلى نصف المسافة" انتهى.
وهذا الذي ذكره من أن "إلى" منتهى لابتداء الغاية هو مذهب س والمحقيين، /وظاهر كلام الفارسي يخالفه؛ لأنه قال: "وإلى معناها الغاية"؛ لأن غاية الشيء في اللغة هي مداه، و"إلى" لا تدخل على ما تكون فيه غاية للفعل، وإنما تدخل على ما يكون منتهى لابتداء غاية الفعل.
وكلام الفارسي راجع إلى ما ذكره النحويون؛ لأنه إذا جعلت للغاية فهم أن جملة الفعل قد وقعت من أجل أن انتهاء الفعل لا يتصور إلا بوقوع الفعل بجملته، ولا يجوز أن يقال فيها: إنها غاية، بمعنى أنها دخلت على ما يقع فيه ابتداء الفعل وانتهاؤه؛ لأن ذلك لم يثبت فيها.
فأما دعوى ابن خروف ذلك، واستدلاله بقوله تعالى: (وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ) قال: "لأن الأمة المعدودة هي الزمان الذي وقع فيه تأخير العذاب لا الزمان الذي وقع فيه نهاية تأخيره؛ ألا ترى أن المعنى: ولئن أخرنا
عنهم العذاب أمة معدودة" - فدعوى غير صحيحة؛ لأنه يجوز فيها أن تكون إلى لانتهاء الغاية على تقدير حذف مضاف، أي: إلى انقضاء أمة معدودة، وحذف المضاف سائغ إذا دل عليه معنى الكلامن ووجب حمل الآية على ذلك لأن الثابت في كلام العرب أن تكون إلى داخلة على ما يكون منتهى لابتداء غاية الفعل؛ وإذا ثبت أن إلى تكون لانتهاء الفعل فجائز أن تقع على أول الحد، فلا يكون الفعل فيما بعدها.
وجائز أن يكون الفعل فيما بعدها، ولكن يمتنع أن يجاوز الفعل ما بعدها؛ لأن النهاية غاية، وما كان بعده شيء لم يسم غاية.
وما ذكره المصنف في الشرح من أن منتهى العمل بها قد يكون آخراً وغير آخر فيه تفصيل واختلاف، فنقول: "إلى" إما أن يقترن بما بعدها قرينة تدل على أنه داخل في حكم ما قبلها أو خارج عنه، إن اقترن بذلك قرينة كان على حسبها، نحو قول الشاعر:
وصرنا إلى الحسنى، ورق كلامنا... ورضت، فذلت صعبة أي إذلال
ألا ترى أنه قد دخل في الحسنى.
ونحو قولهم: اشتريت الشقة إلى طرفها، فالطرف داخل في الشقة؛ إذ لم يعهد أن الإنسان يشتري الشقة دون طرفها.
ونحو و (أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)، واشتريت الفدان إلى الطريق، فالليل غير داخل في الصوم، والطريق غير داخل في الشراء.
وإن لم يقترن به قرينة فالذي عليه أكثر المحققين أنه لا يدخل في حكم ما قبله؛ فإذا قال اشتريت البستان إلى الشجرة الفلانية لم تدخل الشجرة في المشترى.
وذهب بعض النحويين إلى أنها تدخل إذا انتفت القرينة.
وقال عبد الدائم القيرواني: "إذا لم تكن قرينة، وكان ما بعدها من جنس ما قبلها - فيحتمل أن يدخل وألا يدخل، والأظهر أنه لا يدخل".
والصحيح المذهب الأول؛ لأن الأكثر في كلامهم إذا اقترنت قرينة ألا يدخل ما بعدها في حكم ما قبلها، تقول: ذهبت إلى زيد، ودخلت إلى بكر، وقمت إليك، فلا يكون ما بعدها داخلاً في الفعل الذي قبلها في شيء من ذلك ولا في أمثاله، وقد يكون بخلاف ذلك، فإذا عري عن القرينة وجب الحمل على الأكثر.
وأيضاً فإن ما بعدها منتهى/ لما قبلها، والشيء لا ينتهي ما بقي منه شيء، إلا أن يتجوز فيجعل القريب من الانتهاء انتهاء، وإذا كان ذلك مجازاً وجب أن يحمل على أنه غير داخل؛ لأنه لا يحمل على المجاز ما أمكنت الحقيقة، إلا أنه تقترن قرينة ترجح المجاز عليها، فيحمل عليه.
وقوله وللمصاحبة هذا مذهب الكوفيين، نقله ابن عصفور عنهم وابن هشام، وزاد: "وكثير من البصريين".
وقاله المفسرون في قوله تعالى (مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ).
قال الفراء: "وهو وجه حسن".
قال الفراء: "وإنما تجعل (إلى) كـ (مع) إذا ضممت شيئاً إلى شيء، كقول العرب: الذود إلى الذود إبل، فإن لم يكن ضم لم يكن الجمع، فلا يقال في: مع فلان مال كثير: إلى فلان مال كثير".
وأنشد المصنف على مجيئها بمعنى مع قول الشاعر:
برى الحب جسمي ليلة بعد ليلة... ويوماً إلى يوم، وشهراً إلى شهر
وقال آخر: ولقد لهوت إلى كواعب كالدمى... بيض الوجوه، حديثهن رخيم
وقال آخر: وإن امرأً قد عاش تسعين حجة... إلى مئة لم يسأم العيش جاهل
وقال آخر: فلم أر عذراً بعد عشرين حجة... مضت لي، وعشر قد مضين إلى عشر
وقد استدل على ذلك أيضاً بقوله: (وَلَا تَاكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ)، وبقول امرئ القيس: له كفل كالدعص، لبده الندى... إلى حارك مثل الغبيط المذأب
وبقول ابن مفرغ: شدخت غرة السوابق فيهم... في وجوه إلى اللمام الجعاد
أي: مع اللمام.
قال بعض شيوخنا: "ذهب البصريون في هذا إلى التضمين، وهو الصحيح".
يعني: فتبقى "إلى" على حكمها من انتهاء الغاية، أي: لا تضموا أموالهم إلى أموالكم، فيكون سبباً لأكلها، لما كان المراد ألا يخلط مال اليتيم بماله، وأن يبرزه، محافظة على أن ينمى ولا يتعدى فيه - أتى بـ"إلى" ليدل على هذا المعنى، وهذه فائدة لا تكون مع "مع".
و (مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ) المعنى: من يضيف نصرته لي إلى نصرة الله، ولو قلت من ينصرني مع فلان لم يدل على أن فلاناً وحده ينصرك ولابد، بخلاف إلى، فإن نصرة ما دخلت عليه محققة واقعة مجزوم بها؛ إذ المعنى على التضمين: من يضيف نصرته إلى نصرة فلان.
وأما "له كفل" البيت.
أي: كفل مضاف إلى حارك؛ لأنه بإضافة حارك على هذه الصفة إلى الكفل حسن الحارك - فلو كان الحارك منخفضاً /والكفل هكذا لكان الفرس قبيحاً، وهذا المعنى لا تحرززه مع؛ لأنه لو قال: له كفل مع حارك - لم يكن فيه إلا أن له عضوين حسنين ليس أحدهما شرطاً في زينة صاحبه.
وقال ابن عصفور: أي: ولا تضيفوا أكل أموالهم إلى أموالكم، ومن ينضاف في نصرتي إلى الله.
وفي قوله تعالى (إِلَى نِسَائِكُمْ): الإفضاء إلى نسائكم؛ إذ لو لم يكن مضمناً لكان: الرفث بنسائكم، أو: مع نسائكم؛ لأنه إنما يقال: رفث بالمرأة، أو مع المرأة.
والذود مضافاً إلى الذود إبل.
(وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ)، أي: ساروا إلى شياطينهم.
وأما بيت ابن مفرغ فالمعنى: شدخت غرة السوابق في وجوههم إلى اللمام، أي: ملأت اللمام، أي: ملأت الوجه حتى انتهت إلى اللمم.
وقولهم: إن فلاناً لظريف عاقل إلى حسب ثاقب، تقديره: إن فلاناً ينضاف ظرفه وعقله إلى حسب ثاقب.
قال: "ولو كانت إلى بمعنى مع لساغ أن تقول: زيد إلى عمرو، تريد: مع عمرو، فلما لم تقل العرب ذلك وأمثاله دل على أنها ليست بمعنى مع، فوجب أن يتأول جميع ذلك".
وقوله وللتبيين قال المصنف في الشرح: "نبهت بقولي وللتبيين على المتعلقة في تعجب أو تفضيل بحب أو بغض مبينة لفاعلية مصحوبها، كقوله تعالى: (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ)، وكقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وايم الله، لقد كان خليفاً للإمارة، وإن كان من أحب الناس إلي) " انتهى.
وتقدم له ذكر ذلك في "باب التعجب".
وقوله ولموافقة اللام قال المصنف في الشرح: "أشرت بموفقة اللام إلى نحو (وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ)، واللام في هذا هو الأصل، كقوله تعالى (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ)، (وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ)، و (هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ).
ومثل "إلى" من (وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ) فيم وافقة اللام "إلى" المعدية بعد الهدى، كقوله تعالى: (يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)، فإنها موافقة للام (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا)، وللام (قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ)، و (إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) " انتهى.
ولا يتعين في قوله (وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ) أن تكون بمعنى اللام، بل هي باقية على معناها من الغاية، أي: الأمر مضاف إليك ومنته إلى رأيك، لما استفتتهم في أمر سليمان عليه السلام، وجعلتهم أهل شورى، وأجابوا بأنهم أولو قوة وأولو بأس شديد، فلنا مقاومة بمن عاداك - أضافوا الأمر إليها أدباً مع ملكتهم، فقالوا (وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ) لما قالت (أَفْتُونِي فِي أَمْرِي).
قال ابن عصفور: "وقد تكون إلى لانتهاء الغاية في الأسماء كما تكون لانتهاء الغاية في الأفعال، في نحو قولك: إنما أنا إليك، أي: أنت غايتي".
ومن ذلك قوله تعالى: (فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ)، المعنى: فأيمانهم إلى الأذقان، أي: مضمومة إلى الأذقان، وعاد الضمير على الأيمان، ولم تذكر من جهة أن الغل لا يكون إلا في /اليمين والعنق جميعاً، فكفى ذكر أحدهما من صاحبه، كما قال (فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ)، فضم الورثة إلى الوصي، ولم يذكروا لأن الصلح إنما يقع بين الوصي والورثة.
ويدل
على أن الضمير ضمير الأيمان قراءة عبد الله: (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ)، فكفت الأيمان من ذكر الأعناق في قراءة عبد الله كما كفت الأعناق عن ذكر الإيمان في قراءة العامة.
وقوله وفي أنشد المصنف شاهداً على أن "إلى" تكون بمعنى "في" قول النابغة:
فلا تتركني بالوعيد كأنني... إلى الناس مطلي به القار أجرب
وقول النمر: إذا جئت دعداً لا أبين كأنني... إلى آل دعد من سلامان أو نهد
سلامان: من طيئ، ونهد: من قضاعة.
وأنشد غيره لطرفة:
وإن يلتق الحي الجميع تلاقني... إلى ذروة البيت الرفيع المصمد
واستدلوا أيضاً بقوله تعالى (هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى)، وبقول العرب: جلست إلى القوم، أي: فيهم.
قال ابن عصفور: "لو كانت إلى بمعنى في لساغ أن تقول: أدخلت الخاتم إلى إصبعي، وزيد إلى الكوفة، أي: في إصبعي، وفي الكوفة، فلما لم تقل العرب ذلك
وجب أن يتأول جميع ذلك.
فأما الآية فإنه لما كان قوله (هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى) دعاء منه - عليه السلام - لفرعون صار تقديره: أدعوك إلى أن تزكى.
وضمن مطلياً معنى مبغض؛ لأن الجمل الأجرب المطلي بالقطران يبغضه الناس، ويطردونه خوفاً من عدواه، فأجراه في التعدي مجراه.
وكذلك التقدير: وجدتني آوياً إلى ذروة.
وجلست مضافاً إلى القوم.
وكونها بمعنى في مذهب كوفي" انتهى.
وقوله "من سلامان أو نهد" هما عدوان لآل دعد، فالمعنى: كأنني بغيض إلى آل دعد، كما قال:
لقد زادني حباً لنفسي أنني... بغيض إلى كل امرئ غير طائل
قيل: ومنه (لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)، قالوا: التقدير في الناس، وفي آل دعد، وفي ذروة، وفي يوم القيامة.
وهذا الذي ذهب إليه المصنف هو قول القتبي، واستدل بيتي النابغة وطرفة.
وقال بعض شيوخنا: هي لانتهاء الغاية، كأنه قال: وجدتني مضافاً إلى ذروة المجد.
وكذلك: كأنني إلى الناس، أي: إنني أشبه الجمل المطلي إذا أخذت مضافاً إلى الناس، ولا أشبهه في غير تلك الحالة، فـ (إلى) متعلق بـ (مضاف)، وحذف لدلالة الكلام عليه بمنزلة قوله تعالى (إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ)، ويكون المضاف المحذوف منصوباً على الحال، /والعامل ما في كأن من التشبيه.
وقوله ومن هذا أيضاً قول الكوفيين والقتبي، زعم أن "إلى" تكون بمعنى "من"، وأنشد هو والمصنف في الشرح وغيرهما شاهداً على ذلك قول ابن أحمر: تقول وقد عاليت بالكور فوقها... أيسقى، فلا يروى إلى ابن أحمرا
أي: فلا يروى مني.
ويتخرج على التضمين، أي: فلا يأتي إلي للرواء؛ لأنه إذا كان لا يروى ولا يشفى غلته لم يأت إليه.
وخرجه ابن عصفور على أنه أراد: يسقى فلا يروى ظمؤه إلي، فحذف المضاف، وأقام الضمير مقامه، فاستتر في الفعل.
والعامل في "إلي" ظمأ المحذوف، كقولهم: البر أرخص ما يكون قفيزان بدرهم، أي: ملء قفيزين، فالعامل في أرخص ملء المحذوف، ولا يمكن أن يعمل البر ولا القفيزان لجمودهما، ويكون من عمل ظمأ وهو مصدر محذوف، وذلك يجوز في الضرورة.
وقوله ولا تزاد خلافاً للفراء زعم الفراء أنها زائدة في قراءة بعضهم (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) بفتح الواو، ونظرها باللام في قوله تعالى (رَدِفَ لَكُمْ).
قال المصنف في الشرح: "وأولى من الحكم بزيادتها أن يكون الأصل تهوي، فجعل موضع الكسرة فتحة، كما يقال في رضي: رضا، وفي ناصية: ناصاة، وهي لغة طائية، وعليها قول الشاعر: نستوقد النبل في الحضيض، ونصـ... ـطاد نفوساً بنت على الكرم"
انتهى.
وهذا تخريج لا يجوز؛ لأنه ليس كل ما آخره ياء قبلها كسرة يجوز إبدالها ألفاً وفتح ما قبلها، فليس من لغة طيئ أن تقول في يجري: يجرى، ولا في يرمي: يرمى، ولا في يشتري: يشترى، وقد نقدنا عليه ذاك في قوله في آخر فصل من فصول التصريف، في قوله: "وفتح ما قبل الياء الكائنة لاماً مكسوراً ما قبلها وجعلها ألفاً لغة طائية"، وبينا أن ذلك ليس على إطلاقه، وإنما هو مخصوص بنحو رضي وبنحو الناصية فقط.
وتتخرج هذه القراءة على تضمين تهوى معنى تميل؛ لأن من هوي شيئاً مال إليهه، فكأنه قيل: تميل إليهم بالمحبة والهوى.
وزعم الكوفيون والقتبى أن "إلى" تكون بمعنى "عند"، تقول: هو أشهى إلي من كذا، أي: عندي، قال أبو كبير الهذلي:
أم لا سبيل إلى الشباب، وذكره... أشهى إلي من الرحيق السلسل
قال: أراد: أشهى عندي.
وأنشد غيره قوله:
لعمرك إن المس من أم خالد... إلي - وإن أوقعته - لبغيض
وقال: ثقال إذا راد النساء، خريدة... صناع، فقد سادت إلى الغوانيا
وقال حميد بن ثور الهلالي: ذكرتك لما أتلعت من كناسها... وذكرك سبات إلي عجيب
لما أتلعت: رفعت رأسها، يعني غزالة، والسبات: الأوقات، واحدها سبة.
وقال آخر:
فكان إليها كالذي اصطاد بكرها... شقاقاً وبغضاً، أو أطم وأهجرا
أي: فكان عندها.
وخرج قوله "أشهى إلي" على التضمين بمعنى: أقرب إلى اشتهاء.
وخرج أيضاً على التضمين، ضمن أشهى معنى أحب.
و"سادت" معنى: صارت أحب الغواني إلي.
و"بغيض" تعدى إلى قوله "إلي".
وأما "فكان إليها" فمتعلق بمضمر تقديره: فكان كرهها إلي؛ لأنه يصف بقرة وحشية أكل السبع ولدها، فتعرض لها ثور كرهته لحزنها على ولدها ككراهية السبع الذي اصطاده، أو أعظم من كراهتها له.
وزعم الأخفش أن "إلى" تأتي بمعنى الباء، وخرج على ذلك قوله تعالى (وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ)، (وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ)، أي: بشياطينهم،
وببعض.
وتقول: خلوت إلى فلان في حاجة، أي: بفلان.
ويتخرج ذلك على التضمين أيضاً، أي: وإذا انتهوا إلى شياطينهم في الخلوة.
-[ص: ومنها اللام للملك وشبهه، وللتمليك وشبهه، وللاستحقاق، وللنسب، وللتعليل، وللتبليغ، وللتعجب، وللتبيين، وللصيرورة، ولموافقة "في" و"عند" و"إلى" و"بعد" و"على" و"من".
وتزاد مع مفعول ذي الواحد قياساً في نحو: (لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ)، و (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ)، وسماعاً في نحو: (رَدِفَ لَكُمْ).
وفتح اللام مع المضمر لغة غير خزاعة، ومع الفعل لغة عكل وبلعنبر.]-
ش: مثال اللام للملك: المال لزيد.
ومثالها لشبه الملك: أدوم لك ما تدوم لي، وقال الشاعر:
ما لمولاك كنت كان لك المو... لى، ومثل الذي تدين تدان
ومن هذا النوع المفهمة ما يحب مقابلة لـ"علي"، كقوله تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا)، وكقول الشاعر: فيوم علينا، ويوم لنا... ويوم نساء، ويوم نسر
ومثال لام التمليك: وهبت لزيد ديناراً.
ومثال شبه التمليك (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً).
ومثال لام الاستحقاق: الجلباب للجارية، والجل للفرس.
ومثال لام النسب: لزيد عم هو
لعمرو خال، ولعبد الله ابن هو لجعفر حم.
ومثال لام التعليل (لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ)، و (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)، وقول لشاعر:
ولو سألت للناس يوماً بوجهها... سحاب الثريا لاستهلت مواطره
والجارة اسم من غاب حقيقة أو حكماً عن قائل قول يتعلق به، نحو (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ)، أي: من أجل، (وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ)، (الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا)، (وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ)، (وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ)، وقول لشاعر: وقولك للشيء الذي لا تناله... إذا ما هو احلولى: ألا ليت ذا ليا
وقال آخر: كضرائر الحسناء، قلن لوجهها... حسداً وبغياً: إنه لدميم
ومثال التبليغ وهي الجارة اسم سامع قول أو ما في معناه نحو: قلت له، وبينت له، وفسرت له، وأذنت له، واستجبت له، وشكرت له، ونصحت له، إلا
أن هذين قد يستغنيان عن اللام، فيقال: شكرته ونصحته، والمختار تعديتهما باللام، وبه نزل القرآن.
ومثال التعجب قول الشاعر:
شباب وشيب وافتقار وثروة... فلله هذا الدهر كيف ترددا
ومثله: فلله عينا من رأى من تفرق... أشت وأنأى من فراق المحصب
واللام في القسم بابها التعجب، وقد استعملها بعض العرب مع غير التعجب فيه، حكاه س في آخر "باب الإضافة إلى المحلوف به"، قال س: "ويقول بعض العرب: لله لأفعلن".
ومثال التبيين - وهي الواقعة بعد أسماء الأفعال والمصادر التي تشبهها مبينة لصاحب معناها، والمتعلقة بحب في تعجب أو تفضيل مبينة لمفعولية مصحوبها - نحو (هَيْتَ لَكَ)، و (هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ)، وما أحب زيداً لعمرو! (وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ).
ومثال لام الصيرورة (فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا)، وقول الشاعر: