الكسر، وإن ذلك جائز في الذي والتي.
أما البناء على الكسر فليس يظهر في الرواية التي أنشدها المصنف، وهي قوله "إلا للذي" لأنه يجوز أن تكون الحركة حركة إعراب أحدثتها لام الجر.
وأما في إنشاد غيره "إلا الذي تنال به" على الخطاب بـ"تنال" وبقوله "وتصطفيه" و"أقربيك" فإن فيه دليلًا على البناء.
وقد زعم أبو موسى أن الياء تجري بوجوه الإعراب الثلاثة.
وإن صح هذا عن العرب فلا يكون في إنشاد المصنف دليل على أنها تبنى على الكسر؛ إذ يحتمل أن تكون الكسرة كسرة إعراب.
وذكر بعض أصحابنا أن في "الذي" إذا شددت البناء على الكسر والجري بوجوه الإعراب.
وأما جواز ذلك في الذي والتي فإن التشديد سمع في "الذي"، وأما في "التي" فلا يحفظ ذلك.
وكأن المصنف اعتمد على أبي موسى في "الكراس" له حيث ذكر ذلك.
وأما من تعرض لحصر لغات "التي" كالدينوري في "المهذب"، والهروي في "الأزهية"، والجوهري في "الصحاح"، فلم يذكروا ذلك في كتبهم.
وقوله أو مضمومتين مثاله ما أنشده المصنف من قول الشاعر:
أغض ما اسطعت فالكريم الذي يألف الحلم إن جفاه بذي
وظاهر كلام المصنف أنها تكون مبنية على الضم مشددة.
ولا حجة في هذا البيت على البناء إذ قد يحتمل أن تكون الحركة حركة إعراب، كما ذكروا أنه يجوز في "الذي" مشددة/ الجري بوجود الإعراب.
وقوله أو تحذفان ساكنًا ما قبلهما مثاله:
فلم أر بيتًا كان أحسن بهجة من اللذ به من آل عزة عامر
وقال:
ما اللذ يسومك سوءًا بعد بسط يد بالبر إلا كمتلي البغي عدوانا
وقال:
فما نحن إلا من أناس تخرموا بأدنى من اللذ نحن فيه وأوفرا
وقال آخر:
فكنت والأمر الذي قد كيدا كاللذ تزبى زبية فاصطيدا
وقال آخر:
فقل للت تلومك إن نفسي أراها لا تعوذ بالتميم
وقال آخر:
أرضنا اللت أوت ذوي الفقر والذل فآضوا ذوي غنى واعتزاز
وقوله أو مكسورًا مثاله قول بعض بني تميم:
واللذ لو شاء لكانت برًا أو جبلًا أصم مشمخرًا
وقوله:
لا تعذل اللذ لا ينفك مكتسبًا حمدًا، ولو كان لا يبقى ولا يذر
وقال الفراء: ومن العرب من يقول: "هو اللذ قال ذلك".
ولم ينشدوا على كسر التاء دون ياء شيئًا، لكن ذكر ذلك فيها الدينوري والهروي والجوهري، إلا أن المصنف في بعض نسخ شرح هذا الكتاب أنشد على ذلك قول الشاعر:
شغفت بك اللت تيمتك، فمثل ما بك ما بها من لوعة وغرام
ومن ذهب إلى أن هذا التصرف في ياء الذي والتي من التشديد في الياء، ومن حذفها والاجتزاء بالكسرة عنها، ومن حذفها وتسكين المكسور، مختص بالشعر، فمذهب فاسد، وإنما نقله أئمة العربية على أنها لغات من الذي والتي.
قال الفراء: "ومن العرب من يقول: هو اللذ قال ذلك، ويقول في الواحد: هو اللذ قال ذلك، بجزم الذال، وفي الواحدة: هي اللت قالت ذلك" انتهى.
وقد تقدم من قولنا أن تشديد الياء في "التي" لا نحفظه، لكن أكثر أصحابنا نص عليه كـ"الذي" سواء.
وقوله وتخلفهما أي: تخلف ياء الذي وياء التي في التثنية علامتها أي: الألف رفعًا والياء نصبًا وجرًا، تقول: اللذان/ واللتان، ورأيت الذين، ومررت بالذين، وكذلك "التي".
وقوله مجوزًا تشديد نونها أي: نون التثنية.
وتخفيف النون لغة الحجاز وبني أسد، وتشديدها لغة قيس وتميم.
وظاهر كلام المصنف جواز التشديد مع الألف والياء.
وفي البسيط: "وفيه وجهان: تشديد النون لغة قريش، وتخفيفها".
فأما مع الألف فلا خلاف في تجويز تشديد النون، وقد قرئ في السبعة ﴿والَّلذَانِ يَاتِيَانِهَا مِنكُمْ﴾، وأما مع الياء ففيه خلاف: مذهب البصريين أنه لا يجوز التشديد مع الياء.
وذهب الكوفيون إلى جواز ذلك، وبه قرأ بعضهم في قوله ﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا﴾.
وذكر المصنف أن التشديد قصد به التعويض مما حذف من الاسم المفرد في التثنية؛ لأن القياس كان يقتضي أن لا يحذف منه شيء، فكان يقال: اللذيان كما قالوا: الشجيان، لكنهم حذفوا الياء في التثنية، فناسب أن يعوضوا من ذلك المحذوف التشديد في النون.
ويحتاج من دعوى هذا إلى دليل.
ولمدع أن يدعي أن هذه الزيادة في النون إنما هي للفرق بين تثنية المبني وتثنية المعرب لا للتعويض من المحذوف؛ كما فرقوا بالحركة بين المعرب والمبني في قبل وبعد، فجعلوا الحركة فيهما إذا كان مبنيين ضمة، وكل واحد من القولين دعوى.
وفي البسيط أقوال في تشديد النون لم شددت، لا يقوم لشيء منها دليل.
وقوله وحذفها الحذف لغة بني الحارث بن كعب وبعض ربيعة، يقولون: هما اللذا قالا ذلك، بحذف النون، وهما اللتا قالتا ذلك، وعليه قوله في تثنية الذي:
أبني كليب إن عمي اللذا قتلا الملوك، وفككا الأغلالا
وقال:
وعكرمة الفياض منا وحوشب هما فتيا الناس اللذا لم يعمرا
وقال:
وحوصاء ورألان الـ ـلذي دلا على الحج
وقال في تثنية التي:
هما اللتا لو ولدت تميم لقيل فخر لهم عميم
وقوله وإن عني بـ"الذي" من يعلم أو شبهه يعني بشبهه الأصنام التي عبدت من دون الله إذ نزلوها منزلة من يعلم حتى عبدوها.
فمثال إطلاق "الذين" على من يعلم قوله ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾، وهو كثير جدًا.
ومثال إطلاقه على من يشبه من يعلم قوله تعالى {إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ
عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ} إلى قوله ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بها﴾ إلى آخر الاستفهام.
وقوله فجمعه "الذين" مطلقًا يعني أنه يكون بالياء في موضع الرفع والنصب والجر.
قال المصنف في الشرح: "لما كانت التثنية من خصائص الأسماء المتمكنة، ولحقت الذي والتي، وجل لحاقهما/ معارضًا لشبههما بالحروف، فأعربا في التثنية كما جعلت إضافة "أي" معارضة لشبهها بالحروف، فأعربت.
ولم يعرب أكثر العرب "الذين" وإن كان الجمع من خصائص الأسماء لأن "الذين" مخصوص بأولي العلم و"الذي" عام، فلم يجريا على سنن الجموع المتمكنة؛ بخلاق "اللذين" و"اللتين"، فإنهما يجريا على سنن المثنيات المتمكنة لفظًا ومعنى.
وعلى كل حال ففي "الذي" و"الذين" شبه بالشجي والشجين في اللفظ وبعض المعنى، فلذلك لم يجمع العرب على ترك إعراب الذين" انتهى.
والذي ذهب إليه المحققون أن اللذان واللتان والذين واللذون صيغ تثنية وجمع، وليست بتثنية صحيحة ولا جمع صحيح؛ لأنها لو كانت تثنية صحيحة للزم تنكيرها لأن الاسم لا يثنى حتى ينكر، ولذلك تقول "الزيدان"، والموصلات لا يتصور تنكيرها لأن موجب تعريفها لازم لها، وهو الألف واللام على قول، والصلة على قول آخر، فلما لم يتصور تنكيرها لم يتصور تثنيتها وجمعها.
ويبين أنها ليست بتثنية صحيحة حذف الياء، إذ لو كانت تثنية صحيحة لقيل اللذيان واللتيان، كما تقول في القاضي والغازي
القاضيان والغازيان.
وقوله ويغني عنه "الذي" في غير تخصيص كثيرًا مثاله ﴿والَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾، فلو لم يكن المراد به جمعًا لم يخبر عنه بجمع، وهو "أولئك"، ولا عاد عليه ضمير جمع.
قال المصنف: "ومنه ﴿كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ﴾ انتهى.
وليس مثل ما تقدم لأنه يحتمل أن يكون (الذي) هو مفردًا، بل هو أظهر، بخلاف قوله ﴿والَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾.
وقوله وفيه للضرورة قليلًا أي: وفي التخصيص.
قال المصنف في الشرح: "إذا قصد بـ"الذي" مخصص فلا محيص عن "اللذين" في التثنية و"الذين" في الجمع، ما لم يضطر شاعر، كقوله:
أبني كليب إن عمي اللذا......................................
وقوله:
وإن الذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم كل القوم يا أم خالد"
انتهى.
ولا يعرف أصحابنا هذا التفصيل بين أن يقصد به التخصص أو غيره، بل أنشدوا البيتين على الجواز في فصيح الكلام لا على الضرورة، وعلى
ذلك أنشدوا أيضًا قول الشاعر:
يا رب عبس لا تبارك في أحد في قائم منهم، ولا فيمن قعد
إلا الذي قاموا بأطراف المسد
وقول الآخر:
فبت أساقي القوم إخوتي الذي غوايتهم غيي ورشدهم رشدي
وقول الآخر:
أولئك أشياخي الذي تعرفونهم.................................
قال الأخفش: يكون "الذي" للجمع والواحد بلفظ واحد كـ"من".
قيل: ومنه ﴿والَّذِي/ جَاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ﴾ و ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾.
فعلى مذهب الأخفش لا يكون "الذي" المراد منه الجمع محذوفًا منه النون، بل هو من المشترك بين الواحد والجمع.
ولو كان مثل "من" على ما ذهب إليه الأخفش لجاز أن يكون أيضًا للمثنى، فيعود عليه الضمير مثنى،
فتقول: جاءني الذي ضربا زيدًا، وهذا غير مسموع.
وقوله وربما قيل اللذون رفعًا يعني أنه أجري مجرى ما جمع بالواو والنون رفعًا، والياء والنون جرًا ونصبًا.
قال المصنف: "إعراب الذين في لغة طيئ مشهور، فيقولون: نصر اللذون آمنوا على الذين كفروا".
ونقل غيره من أصحابنا أنها لغةً هذيل.
ونقل غيرهما أنها لغةً عقيل.
وأنشد من ذكر أنها لغةً طييء ومن ذكر أنها لغة هذيل قول الشاعر:
وبنو نوينجيه اللذون كأنهم... معط مخدمة من الخزان
ص: وقد يقال لذي بأذان ولذان ولذين ولاتي.
وبمعنى الذين الألى والألاء واللاء واللائين مطلقًا، أو جرًا ونصبًا، واللاؤون رفعًا.
وجمع التي: اللاتي، واللاتي واللواتي، وبلا ياءات، واللأ واللوا واللواء واللاءات مكسورًا أو معربًا أعراب أولات والألي، وقد ترادف التي واللاتي ذات وذوات مضمومتين مطلقًا.
ش: قال المصنف في الشرح: "والسادسةً - يعني اللغة السادسةً - حذف الألف واللام وتخفيف الياء ساكنةً.
وبهذه اللغة قرأ بعض الأعراب، قال أبو عمرو بن العلاء: سمعت أعرابيًا يقرأ بتخفيف اللام، يعني ﴿صِراطَ لَذِينَ﴾ انتهى.
ولم يذكر المصنف شاهدًا على ما ادعاه من حذف الألف واللام من لذي ولذان ولذين ولتي ولاتي سوى قراءةً هذا الأعرابي، فإن كان مستنده القياس على قراءة هذا الأعرابي، فجوز الحذف من البواقي دون سماع، كان قياسًا فاسدًا لأن ذلك في ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ﴾ في غايةً من الدور والشذوذ، فلا يقاس عليه، وهو شبيه بحذف الألف واللام من قول بعضهم "سلام عليكم"، بحذف التنوين على إرادة الألف واللام، وذلك على رأي من يزعم أن تعريف الذي وما فيه الألف واللام من الموصولات بالألف واللام.
وقوله وبمعنى الذين الألى هي على وزن "العلي"، والمشهود وقوعها بمعنى "الذين" فتكون للعقلاء، نحو قول الشاعر:
رأيت بني عمي الألي يخذلونني على حدثان الدهر إذ يتقلب
وقول الآخر:
وإن يكن من خيار أمته من الألي يحشرهم في زمرته
وقول الآخر انشده بعض البغداديين:
ألا أيها القوم الألي ينبحوني... كما نبح الليث الكلاب الضوارع
ألم ترني بعد الذين تتابعوا... وكانوا الألي أعطى بهم وأمانع
وقول الآخر:
أليسوا بالألي قسطوا جميعا... على النعمان, وابتدروا السطاعا
وقال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: "وأما الألي بمعنى اللذين فغنها تقع على من يعقل وما لا يعقل من المذكرين" انتهى.
ولا تختص بالمذكر, بل تأتي للمؤنث على ما يذكر إن شاء الله.
وقال: "وقولنا الألي بمعنى "اللذين" تحرز منها بمعنى "أصحاب" نحو قوله:
لقد علمت أملى المغيرة أنني... لحقت, فلم أنكل عن الضرب مسمعا
معناه: أصحاب المغيرة" انتهى.
وهذا وهم من الأستاذ، أولى تأنيث أول، ومعنى أولى في البيت متقدمةً الخيل المغيرةً، أو أولى الجماعةً المغيرةً، قال أبو عبد الله بن خالويه: سألت أبا عمر - يعني غلام ثعلب - عن قوله:
لقد علمت أولى المغيرة أنني....................
فقال: أولى كل شيء أوله، وأنشد:
له وفضة قيها ثلاثون سيحفًا... إذا ما رأت أولى العدى اقشعرت
ولو قال ابن عصفور: "احترز من ألي اسم الإشارة"، لكان له وجه لأن النطق بهما واحد، ورسمهما في الخط واحد، بخلاف أولى فإن بعد الهمزة واوًا، تمد الهمزةً لأجلها إذ هي عين الكلمةً، فلفظةً "ألي" مشتركةً بين أن تكون موصولةً وبين أن تكون مشارًا بها، ولا تكون بمعنى "أصحاب" البتة، ولا أيضًا "أولى" تأنيث "أول" بمعنى "أصحاب"، ثم إنه لا يقع اشتراك بين ألَى الموصولةً وألي اسم الإشارةً إلا إذا كانت الموصولةً دون ألف ولام، نحن قول الشاعر:
أأنتم ألي جئتم مع الدبر والدبا... فطرتم، وهذا شركم غير طائر
وقول بشر بن أبي خازم: ونحن ألي ضربنا رأس حجر... بأسياف مهندةً رقاق وقول والألاء مثال ذلك قول الشاعر: أبى الله للشم الألاء كأنهم سيوف أجاد القين يوما صقالها وقوله واللأء مثال قول الشاعر: من النفر اللاء الذين هم إذا يهاب الرجال حلقة الباب قعقعوا وقال كثير: تروق عيون اللاء لا يطعمونها ويروي برياها الضجيع المكافح وأنشد الفراء لرجل من سليم: فما آباؤنا بأمن منه... علينا اللاء هم مهدوا الحجورا
اجتزأ بالكسرةً عن الياء.
وقوله واللائين مطلقًا يعنى انه كـ "الذين", يكون بالياء رفعًا ونصبًا وجرًا، وهذه لغةً هذيل.
وأنشد المصنف في الشرح قول الشاعر:
وإنا من اللائين إن قدروا عفوًا وان اتربوا جادوا, وإن تربوا عفوًا
وأنشد غيره:
ألمًا تعجبني وترى بطيطا من اللائين في الحقب الخوالي
وأنشد المصنف:
من اللاتي يعود الحلم فيهم ويعطون الجزيل بلا حساب
قال: "فقوله "من اللائين" يحمل أن يكون على لغة من يبني، ويحتمل أن يكون على لغة من يعرب".
وقوله واللاؤون هي أيضًا لغة لبعض هذيل، يقولون "اللاؤون، في الرفع، و "اللائين" في الجر والنصب، وأنشدوا:
هم اللاؤون فكوا الغل عني بمرو الشاهجان، وهم جناحي
ويجوز حذف النون من اللائين واللاؤون، قرأ ابن مسعود ﴿لِلَّائي آلَوْا مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ وابن مسعود هذلي.
وسمع الكسائي هذيلًا تقول: "هم اللاؤو صنعوا كذا".
وحكي الفارسي في "الشيرازيات" عن بعض البغداديين أنه حكي: "هم اللائي فعلوا كذا"، فاستعمله بالياء في حالة الرفع محذوف النون كقراءة عبد الله.
ونسب المصنف لهذيل هذه اللغة، أعني "اللاؤون" رفعًا، ولم ينسب "اللائين" مطلقًا، وكلاهما لغة لهذيل.
قال المصنف في الشرح: "والصحيح أن الذين جمع الذي مرادًا به من يعقل، وأن اللائين جمع اللاء مرادفًا للذين" انتهى.
وهذه كما قلنا ليست بجموع حقيقةً.
وقوله وجمع التي اللاتي واللائي واللواتي وبلا ياءات هذه ستة ألفاظ للجمع في "التي".
قال المصنف: "وإثبات الياءات فيهن هو الأصل، وحذفها تخفيف واجتناب للاستطالة، وقد بالغوا في ذلك حتى حذفوا التاء والياء من اللاتي واللواتي، فقالوا: اللأ واللوا، ولم أجد حجةً على ذلك إلا
تصديق الرواة" انتهى.
وعدم وجدانه هو لا يدل على عدم الوجود، وهذا هو من باب نقل اللغةً، وليس من شرط نقل اللغةً أن يجد في ذلك المتأخر نقلًا عن العرب بصريح لفظها، بل يكفي في ذلك قول اللغوي: إن العرب تقول كذا.
وقد أنشد المصنف في نسخةً أخرى من الشرح قول الراجز:
جمعتها من اينق عكار... من اللوا شرفن بالصرار
وقال:
وكانت من اللا لا يعيرها ابنها إذا ما الغلام الأحمق الأم عيرًا
والبيت للكميت، وقال الكميت:
فدومي على العهد الذي كان بيننا أم أنت من اللا ما لهن عهود
قال: "والأظهر عندي أن الأصل في التي: اللوائي، وفي اللَّا:
اللاء".
وأنشد غير المصنف:
اللاء كن مرابعا ومصايفًا... بك, والغصون من الشاب رطاب
وقوله واللاءات مكسورًا أي مبنيًا على الكسر في الأحوال الثلاث، أو معربًا إعراب أولات، أي: يرفع بالضمةً، ويجر وينصب بالكسرةً.
ولم يذكر بعض أصحابنا في "اللاءات" إلا البناء على الكسر.
وأنشد المصنف:
أولئك إخواني الذين عزفتهم... وأخدانك اللاءات زين بالكتم
وزاد "اللائي" بياء محضةً، و "اللاتي" بالسكون.
ولا تثبت لغةً السكون بقوله ﴿اللَّائِي يَئِسْنَ﴾ لإمكانه أن يكون السكون لأجل الإدغام.
وقوله والألي تقدم أن "الألى" أيضًا يكون لجمع المذكر عاقلًا وغير عاقل، ومما جاء فيه لجمع المذكر بمعنى الذين وجمع المؤثنات بمعنى
اللاتي قول الشاعر:
وتفني الألي يستلئمون على الألي... تراهن يوم الروع كالحدأ القبل
ومما جاءت فيه بمعنى "اللاتي" قوله:
فأما الألى يسكن غور تهامة... فكل فتاة تترك الحجل أقصما
وقال يصف كلابًا وبقرةً وحشيةً:
تبذ الألى يأتينها من ورائها... وإذ تتقدمها الطوارد تصطد
وقول وقد ترادف التي واللاتي ذات وذوات مضومتين مطلقًا تقدم أن "ذات" بمعنى صاحبةً تعرب بالضمةً والفتحةً والكسرةً، وأن "ذوات" بمعنى صواحب تعرب، بالضمةً والكسرةً نحو صاحبات.
فأما إذا كانت "ذوات" بمعنى "التي" - أي: لمؤنثةً مفردةً - أو: "ذوات" بمعنى "اللاتي" - أي: لجمع مؤنث - فإنهما مبنيان على الضم أبدًا، ومن كلام العرب "بالفضل ذو فضلكم الله به، وبالكرامةِ ذات أكرمكم الله به، وقال الشاعر:
جمعتها من أينق موارق
ويروى: سوابق.
ذوات ينهضن بغير سائق
وهذا الذي ذكره هو لغة طيئ، وتأتي "ذو" إن شاء الله.
وتثنى ذات: ذواتا في الرفع وذواتي في الجر والنصب، فتعرب كإعراب تثنيةً "ذات" بمعنى صاحبةً.
وقال المصنف في الشرح: "إن تاء ذات وذوات مضمومةً أبدًا، وحكي غيره إعراب "ذات" الموصولةً بالحركات إعراب "ذات" بمعنى "صاحبة".
ونقل لنا شيخنا الإمام بهاء الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن محمد بن أبي نمر الحلبي شهر بابن النحاس أنه حكي إعراب "ذوات" الموصولة إعراب "ذوات" بمعنى "صواحب", فترفع بالضمةً، وتجر وتنصب بالكسرةً، قال: وهذا غريب.
والأفصح في "ذات" أن لا تثنى ولا تجمع، بل تكون "ذات" للمؤنثةً المفردةً ومثناها ومجموعها، وأن تبنى على الضم حالة الرفع والنصب والجر.
-[ص: وبمعنى الذي وفروعه من وما وذا غير ملغي ولا مشار به بعد استفهام بما أو من، وذو الطائيةً مبنية غالبًا، وأي مضافًا إلى معرفةً لفظا أو نيةً.
ولا يلزم استقبال، عامله ولا تقديمه، خلافًا للكوفيين، وقد يؤنث بالتاء موافقًا للتي.
وبمعنى الذي وفروعه الألف واللام، خلافًا للمازني ومن وافقه في حرفيتها، وتوصل بصفة محضة، وقد توصل بمضارع اختيارًا، ومبتدأ وخبر أو ظرف اضطرارًا.]-
ش: يعني بقوله "وفروعه" فروع "الذي"، وفروعه هي "التي" لأن التأنيث فرع التذكير، وتثنيتهما وجمعهما، نحو اللذان واللتان، والذين واللاتي.
فـ "من" و"ما" يجوز أن يراد بكل منهما المفرد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث؛ إلا أن لكل منهما بالنسبةً إلى ثم يعلم وما لا تعلم اعتبارًا يذكر - إن شاء الله.
عند تعرض المصنف له.
وقوله غير ملغي إن عني بالإلغاء الزيادةً كما يفهم من ظاهر اصطلاح النحويين فليس قوله بصحيح لأن الأسماء لا تلغى، أي: لا تزاد، وإذ عني أنها ركبت مع "ما"، وصار المجموع اسم استفهام، فيصح.
وقوله وذا غير مشار به أصل "ذا" أنه اسم إشارةً، ثم جرد من معنى الإشارةً، واستعمل موصولًا بالشرط الذي يذكر، فإذا أقر على أصل موضوعةً من الإشارةً لم يحتج إلى صلةً، وانعقد منه مع "من" أو "ما" كلام، وإذا كان موصولًا كان جزء كلام، واهتم إلى صلة وعائد كغيره من الموصولات، وصار يقع على المفرد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث.
وقوله بعد استفهام بما أو من أما جعل "ذا" موصولةً بعد "ما" الاستفهاميةً فلا نعلم خلافًا في جواز ذلك، وأما بعد "من"الاستفهاميةً ففيه
خلاف، فأكثر أصحابنا أجازوا ذلك، ومن النحويين من لا يجيز ذلك.
واستدل لجواز ذلك بقول الشاعر:
وغريبة تأتي الملوك كريمة... قد قتلها ليقال: من ذا قالها
وقول الآخر:
ألا إن قلبي لدى الظاعنينا... حزين فمن ذا يعزي الحزينا
وفي البسيط: "وقيل: لا تكون "ذا" موصولةً مع "من" لأن "من" تخص من يعقل، فليس فيها إبهام كما في "ما"، وإنما صارت بالرد إلى الاستفهام في غاية الإبهام، فأخرجت "ذا" من التخصيص إلى الإبهام، وجذبتها إلى معناها، ولا كذلك "من"، لتخصيصها، فلذلك لا تستعمل استعمالها، وإنما تستعمل حيث قال س: "وأكثر ما تستعمل في الإنكار على معنى: ما أحد خيرًا منك، كما تقول: من ذا أرفع من الخليفة"، قال
تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾, فوصف "ذا" بـ "الذي"، ولم يرد أن يشير إلى إنسان قد عرف فضله على المسؤول، ولو أردت ذلك لنصبت" انتهى.
ولتعلم أن "ماذا" لها استعمالات:
أحدها: أن تنفي كل واحدةً على أصلها، فتبقى "ما" على استفهاميتها و"ذا" على إشارتها كما ذكرنا.
الثاني: أن تبقى "ما"على استفهاميتها، وتكون "ذا" موصولةً مفردةً هكذا لمذكر ولمؤنث وفروعهما.
الثالث: أن تركب "ذا" مع "ما"، ويصيرا اسمًا واحدًا استفهامًا.
والفرق بين هذا والذي قبله أنك إذا قلث "ماذا صنعت؟ " كانت "ما" مبتدأ، و "ذا" بمعنى "الذي" خبره، و "صنعت" صلة "ذا" والعائد محذوف، والتقدير: ما الذي صنعته؟ هذا على الاستعمال الثاني.
وأما على الاستعمال الثالث فيكون "ماذا" بجملته مفعولًا مقدمًا بـ "صنعت" ولا ضمير في "صنعت"، وكأنك قلت: أي شيء صنعت؟ وجواب هذا في الأفصح "خيرًا" بالنصب حتى يطابق بين السؤال والجواب، وجوابه في الوجه الثاني في الأفصح "خير" بالرفع حتى يطابق بين السؤال والجواب أيضًا، ويظهر الفرق بينهما بالبدل أيضًا، فعلى الاستعمال الثاني رفع البدل لأنه بدل من مرفوع، فتقول: ماذا صنعت أخير أم شر؟ وعليه جاء قوله:
آلا تسألان المرء ماذا يحاول... أنحب فيقضى أم ضلال وباطل
وعلى الاستعمال الثالث، تنصب البدل لأنه بدل من منصوب، فتقول:
ماذا صنعت خيرًا أم شرًا؟
ومما يدل على استعمالها مركبةً مع "ذا" قول العرب: "عماذا تسأل؟ " بإثبات ألف "ما" لكونها توسطت، ولا تصح موصوليةً "ذا" لأن حرف الجر لا يدخل على الجملةً، وبدليل قول الشاعر:
يا خزر تغلب، ماذا بال تسوتكم لا يستفقن إلى الديرين تحنانا
ولا تصح موصوليتها لأن العرب لا تقول إلا "ما بالك؟ " ولا تقول: ما الذي بالك؟ وبقول الشاعر:
وأبلغ آبا سعد إذا ما لقيته نذيرًا، وماذا ينفعن نذير
فدخول نون التوكيد يقضى بأن "ماذا" كلها جاءت استفهامًا.
ولا يجوز أن تكون موصولة لأن الفعل الواقع صلةً لا تدخله نون التوكيد.
وتترجح دعوى التركيب إذا كان "الذي"بعد "ماذا" أو بعد "من ذا" كقوله تعالى ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ وقول الشاعر:
ويحسب آذ النائبات تركنه ومن ذا الذي عمرينه فهو وافر
وقول الشاعر في ماذا
فماذا الذي يشفي من الحب بعدما... تشربه بطن الفؤاد وظاهره
ويحتمل أن تكون "ذا" موصولةً، ويكون فيه جمع بين موصولين نحو قوله:
إن الذين الألي أدخلتهم بقر... لولا بوادر إرعاد وإبرق
ويخرج على التوكيد، أو على أن يكون الموصول الثاني خبر مبتدأ محذوف.
والرابع: أن تركب "ذا" مع "ما" ويصيرا اسمًا واحدًا موصولًا، وتكون ليس فيها شيء من الاستفهام، وعليه بيت الكتاب:
دعي ماذا علمت سأتقيه... ولكن بالمغيب نبئيني
أي: دعي الذي علمت، سأتقيه، والمعنى: دعي ذكر الشيء الذي علمته، فإني سأتقيه واستعمالها في هذا الوجه - وهو أن تكون كلها موصولة - قال بعض أصحابنا فيه: هو قليل.
وقال بعضهم: هذا الاستعمال جاء في الشعر.
وقد خلط في تخريج هذا البيت الأستاذ أبو الحسن بن عصفور، قال: "ومن جعل "ماذا" اسمين قول الشاعر" وأنشد البيت.
ثم قال: "ولا يتصور في "بماذا" أن تكون بتقدير اسم واحد؛ لأنه لو كان كذلك لم يخل من أن يكون منصوبًا بـ "دعي" أو بـ "علمت" أو بفعل مضمر يفسره "سأتقيه".
وباطل أن يكون منصوبًا بـ "ادعي" لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله.
وباطل أن يكون منصوبًا بـ "علمت" لأنه لا يريد أن يشفهم عن معلوم, وباطل أن يكون منصوبًا بفعل مضمر يفسره "سأتقيه" لأنه لا يكون لـ "علمت" إذ ذاك موضع من الإعراب، فلم يبق إلا أن يكون مبتدأ وخبرًا علق عنه "دعي"، كأنه قال: دعي أي شيء الذي علمته فإني سأتقيه.
والضمير الذي في "سأتقيه" عائد على "ذا"، انتهى تخريجه.
وكتب أستاذنا أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير على هذا التخريج ما نصه: "هذا كله نظر خلف، وتعد عن فهم مراد س، ومخالفًا للناس قاطبةً في فهمهم عن س أن "ماذا" لها ثلاثة أحوال: موصوليةً "ذا"، مع كون "ما" استفهامًا، وجعل الاسمين اسمًا واحدًا، إما أن يكون إذ ذاك استفهامًا، وهو الأكثر، أو يكون كله اسمًا موصولًا، ومنه هذا البيت، وهو قليل، وهذا كله ما لم تبق كل واحدة على بابها- وهذا تفسير السيرافي وابن خروف
والأستاذ أبي علي الشلوبين وفهمهم عن س. وقوله "وباطل أن يكون منصوبًا بدعي لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله" هذا لو سلم له أنه استفهام، ولم يقل بذلك أحدهم انتهى كلامه.
وقد رجع الأستاذ أبو الحسن عن هذا التخريج في بعض تصانيفه، فقال: "وقد استعملت في الشعر استعمالًا ثالثًا، وهو جعلها بمنزلة "الذي" أو بمنزلة نكرة موصوفةً، قال: "دعي ماذا علمت سأتقيه".
وإلى أنها نكرةً موصوفةً ذهب أبو علي الفارسي ولا يجوز أن تكون "ذا" موصولةً لأنها تكون جملةً، و "دعي" ليس مما يعلق، فلا يدخل على جملةً الاستفهام.
ولا يصح أن يكونا معًا استفهامًا لأنك إذ أعملت فيه "دعي" لم يجز لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، أو "علمت" لم يجز لأن "دعي" تكون قد دخلت على جملةً استفهاميةً، وهى "علمت" ومفعولها، وليست مما يعلق، فلم يبق إلا أن تكون "ماذا" موصولةً أو نكرةً موصوفةُ" انتهى ما ذكره ملخصًا.
وأنكر أبو علي الفارسي أن يكون "ماذا" في هذا البيت موصولًا بمعنى الذي، قال: "لأنا لم نجد في الموصولات ما هو مركب، ووجدنا في الأجناس ما هو مركب" وقال: "جاز لـ "ذا" أن يتنكر لأنه لما ركب مع "ما" حدث بالتركيب معنى لم يكن".
وقال المصنف في الشرح: "ومثل وماذا" في احتمال معنى "شيء" ومعنى "الذي" في غير استفهام قول جرير:
فالله ماذا هيجت من صبابةٍ على... هالك يهذي بهند ولا يدري"
انتهى.
ولا يجوز عند البصريين أن يستعمل اسم الإشارةً موصولا إلا "ذا"، إما بانفرادها وإما مركبةً مع "ما" وزعم الكوفيون أن أسماء الإشارةً كلها يجوز أن تستعمل موصولات، ومن ذلك عندهم ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ فـ (تلك) عندهم موصول، و (بيمينك) صلته، كأنه قيل: وما التي بيمينك؟ وقال الشاعر:
عدس ما لعباد عليك، إمارة... نجوت، وهذا تحملين طليق
كأنه قال: والذي حملين.
ولا حجةً في هذا لأنه يتخرج على أن يكون (بيمينك) متعلقًا بما في (تلك) من معنى الإشارةً؛ لآن المعنى: وما المشار إليها بيمينك؟ أو حالًا من المشار إليه، أو متعلقًا بفعل مضمر على جهة البيان، كأنه قال: أعني بيمينك.
وعلى أن يكون "تحملين" في موضع الحال، أي: وهذا محمولًا لك طليق، أو في موضع خبر لـ "هذا"، و "طليق" خبر ثان كقولهم: هذا
حلو حامض, و:
.................. فهو يقظان هاجع
وهذه تخاريج ابن عصفور.
والبصريون حملوا (بيمينك) و "تحملين"على الحال.
وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع: "تقديره "أعنى بيمينك" بعيد، ولا يتعدى أعني بالباء، فهو تقدير ضعيف جدًا، فلا ينبغي أن يعول عليه، فالحال أشبه".
وقول وذو الطائيةً مبنيةً غالبًا إنما نسبها لطيئ لأنهم هم الذين يستعملونها موصولةً، أو من تشبه بهم من المولدين، فاستعملها، كأبي نواس وحبيب بن أوس, والحسن بن وهب وغيرهم، ومن كلام بعض
الطائيين: "أرى ذو ترون"، ومن كلامهم "فلا وذو في السماء بيته".
والعجب لهذا المصنف أنه وصف "ذو" بالطائيةً، وقد ذكر "ذات" و"ذوات"، ولم يصفهما بأنهما طائيتان، والجميع مختص باستعمالها طيئ.
وقوله مبنية غالبًا لأن بعض العرب من الطائيين قد أعربها، فقال: جاءني ذو قام، ورأيت ذا قام، ومررت بذي قام، قال الشاعر:
فإما كرام موسرون أتيتهم فحسبي من ذي عندهم ما كفانيا
ومنه في أحد الخريجين "اذهب بذي تسلم"، أي: بالذي تسلم.
وأعربت تشبيهًا لها بـ "ذي" بمعنى "صاحب" لمشابهتها لها في اللفظ، حتى إن بعضهم، حكي أن "ذو" هذه منقولةً من "ذي" بمعنى "صاحب" لاشتراكهما في التوصل إلى الوصف.
والأفصح في "ذو" أن لا تثنى ولا تجمع، بل تكون هكذا للمفرد والمثنى والمجموع من المذكر.
وأنشدوا على "ذو" الطائية قول الشاعر:
ذاك خليلي وذو يعاتبني... يرمي ورائي بامسهم وامسلمةً وقول الآخر: نغادر محض الماء ذو هو محضه... على أثره عن كان للماء من محض يروي العروق الهامدات من البلى... من العرفج النجدي ذو باد والحمض وقول الآخر: لئن لم تغير بعض ما قد صنعتم... لأنتحين العظم ذو أنا عارقه وقول الآخر: فإما كرام موسرون وجدتهم... فحسبي من ذو عندهم ما كفانيا وقوله: قولا لهذا المرء ذو جاء طالبا... هلم, فإن المشرفي الفرائض أظنك دون المال ذو جئت تبتغي... ستلقاك بيض للنفوس قوابض
وحكى الأزهري أن "ذو" في لغة طيئ تستعمل بمعنى الذي والتي وتثنيتهما وجمعهما، فعلى أما حكاه الأزهري تستعمل "ذو" للمؤنث، وتثنيته وجمعه، ومنه قول الشاعر:
فإن الماء ماء أبي وجدي... وبئري ذو حفرت وذو طويت
أي: بئري التي حفرت.
وزعم ابن عصفور أنه ذكر البئر على معنى القليب، ومثله قوله:
يا بئر يا بئر بني عدي... لأنزحن قعرك بالدلي
حتى تعودي أقطع الولي
فخرجه على أنه ذكر على معنى القليب، فأنث على معنى البئر.
وقدره الفارسي: "حتى تعودي قليبًا اقطع الولي"، فهو من حذف الموصوف.
قال شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع: "وعندي أنه لا يجوز
ذلك في "ذو" قياسًا على الصفةً؛ لأن ذلك في الصفةً بالحمل على الفعل، فالصفةً الجاريةً مجرى الفعل يجوز فيها ما لا يجوز في غير الجاريةً؛ ألا ترى أن من قال "جاء الموعظة" لا يقول مشيرًا إليها: هذا الموعظة نفعتني، ولذلك زعم الخليل في قوله تعالى ﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي﴾، أنه إشارةً إلى القطر لا للرحمةً، و "ذو" أقرب لأسماء الإشارةً منها للصفةً الجاريةً.
وأيضًا فلم يذكر "ذات" كل من ذكر "ذو"، فهذا يدل على أن "ذو" أشهر "من ذات"، ولو كان مؤنثها كـ "التي" مع "الذي" لم يكن أحدهما أشهر لأن المذكر ومؤنثه في مرتبةً واحدةً" انتهى.
وحكي الهروي في "الأزهية" أن بعض العرب الطائيين يثنى "ذو" ويجمعها جمع "ذي" بمعنى "صاحب".
وكذا قال ابن السراج: "إن تثنية ذو وجمعه لا يجوز فيهما إلا الإعراب"، فتقول: جاء ذوا قاما، ورأيت ذوي قاما، ومررت بذوي قاما، وجاءني ذوو قاموا، ورأيت ذوي قاموا، ومررت بذوي قاموا.
وقال المصنف في الشرح: "أطلق ابن عصفور القول بتثنيتها وجمعها، وأظن حامله على ذلك قولهم: ذات وذوات بمعنى التي واللاتي، فأضربت عنه لذلك" انتهى.
ولم يفعل ذلك ابن عصفور لما قال
المصنف، بل نقل ذلك الهروي وابن السراج عن العرب.
وقوله وأي أي: تكون موصولةً على مذهب الجمهور، وخالف أحمد بن يحيى، فزعم أنها لا تكون إلا استفهامًا أو جزاء، وهو محجوج بثبوت ذلك في لسن العرب بنقل الثقات من النحويين، ومن ذلك قول الشاعر:
إذا ما أتيت بني مالك... فسلم على أيهم أفضل
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾، وأنشد سلمةً:
أباهل لو أن الرجال تبايعوا... على أينا شر قبيلا وألام
وقال:
فادنوا إلى حقكم يأخذه أيكم... شئتم، وإلا فإياكم وإيانا
وقال:
أما النساء فأهوى أيهن أرى... للحب أهلا, فلا أنفك مشغوفا
قال س: "وحدثنا هارون أن ناسًا - وهم الكوفيون - يقرأونها {ثُمَّ
لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيّاً}, وهي لغةً للعرب جيدةً، نصبوها، كما جروها حين قالوا: امرر على أيهم أفضل، فأجراها هؤلاء مجرى "الذي" إذا قلت: اضرب الذي أفضل" انتهى.
وقوله مضافًا إلى معرفةً هذا هو الأفصح فيها، فإذا قلت "يعجبني أو الرجال عندك" تبين بإضافة "أي" إلى "الرجال" أو إلى ضميرهم أن الذي أعجبك مذكر عاقل، ويحتمل أن يكون مفردًا أو مثنى أو مجموعًا.
وكذلك "يعجبني" أو الماء عندك" و "أيهن عندك"، فيتبين أن التي أعجبك مؤنث عاقلةً.
وقد يضاف إلى النكرة، ولم يذكره المصنف، فيقال: يعجبني أي رجل عندك، وأي رجلين، وأي رجال عندك، وأي امرأةً، وأي امرأتين.
وقول لفظًا أو نيةً مثال إضافتها لفظًا ما مثلناه، ومثال إضافتها نية "يعجبني أي عندك"، ويحتمل أن تكون واقعةً على مفرد أو مثنى أو مجموع من المذكرين أو المؤنثات من عاقل أو غيره.
وقوله ولا يلزم استقبال عامله هذا الذي قاله واختاره ليس مذهب الجمهور، بل الجمهور نهجوا إلى أن أيًا إذا كانت موصولةً لم يعمل فيها الفعل الماضي، لا يجوز أن تقول: أعجبني أيهم
قام.
قالوا: وسبب ذلك أنها وضعت على الإبهام والعموم، فإذا قلت "تعجبني أيهم يقوم" فكأنك قلت: يعجبني الشخص الذي يقع منه القيام كائنًا من كان، فلو جعلت معمولةً للفعل الماضي أخرجها ذلك عما وضعت له من العموم ألا ترى أنك لو قلت "أعجبني أيهم خرج" لم يقع إلا على الشخص الذي خرج؟ وسئل الكسائي في حلقة يونس: هل يجوز: أعجبني أيهم قام؟ فمنع من ذلك، فقيل له: لمَ لم يجز ذلك؟ فلم يلح له الوجه الذي لأجله امتنع ذلك، فقال: أي هكذا خلقت.
وظاهر كلام المصنف في الشرح أن الكوفيين لا يلتزمون استقبال عامل "أي" وهذا رأسهم الكسائي في هذه الحكاية يلتزمه، ويقول: هكذا خلقت، يعني أنها وضعت على أن لا يعمل فيها الماضي - وزعم الأخشف، أنها قد تكون معمولةً للماضي إلا أن ذلك قليل.
وقوله ولا تقديمه مذهبنا أن أيا الموصولةً كغيرها من الأسماء يعمل فيها العامل متقدمًا ومتأخرًا نحو: أحب أيهم قرأ، وأيهم قرأ أحب.
ونقل المصنف عن الكوفيين أنهم يلتزمون تقديم العامل، قال "ولا حجةً لهم إلا كون ما ورد على وفق ما قالوه".
وقوله خلافًا للكوفيين ظاهره أن مذهب البصريين بخلافه، فلا يلتزمون الاستقبال ولا التقديم، أما الاستقبال فجمهور البصريين نصوا على أنه ملتزم، ولم يمثل س إلا بالمستقبل.
وأما التقديم فمذهب البصريين، أنه لا يلتزم تقديم العامل، وقد مثل س به متأخرًا عن الموصول.
قوله وقد يؤنث بالتاء موافقًا لـ "التي" قال ابن كيسان: بعض العرب إذا أراد التأنيث قل "أية" نحو: يجيئني أيتهن في الدار, ولأضربن أيتهن في الدار.
وهذه اللغة ضعيفةً، وأهلها يثنون أيا ويجمعونها إن أرادوا ذلك، تقول في التثنية: يعجبني أياهم عندك، وأيوهم عندك، واضرب أييهم عندك، وأيهم عندك، وللواحدةً أيتهن، وللتثنيةً أيناهن، وأيتيهن، وفي الجمع أياتُهن وأياتِهن.
وكذلك يفعلون في حال الإفراد وفي حال الإضافةً إلى نكرة.
وكان ينبغي للمصنف أن ينبه على أن من أنث أيا يثنيها ويجمعها.
ومن التأنيث قول الشاعر:
إذا اشتبه الرشد في الحادثات... فارض بأيتها قد قدر
وفي البسيط: "وأما أي فلا تكون موصولةً وهي مضافةً إلى نكرةً، فلا تقول: اضرب أي رجل يقوم، على معنى: اضرب الذي يقوم منهم؛ لأنها نكرةً حينئذ، والموصولات معارف.
وتعريف "أي" بالإضافةً، بخلاف
الاستفهام، فإنها تكون فيه نكرةً، وكذلك في الشرط، ولذلك امتنع في قوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُون﴾ أن تكون أي موصولة بـ (يَنْقَلِبُونَ).
وقوله وبمعنى الذي وفروعه الألف واللام يعني أن "أل" اسم موصول تكون بمعنى الذي وفروعه، يعني من المؤنث والمثنى والمجموع بلفظ واحد.
وفي كونها موصولة بخلاف:
ذهب أبو الحسن الأخفش إلى أنها حرف تعريف، وليست موصولةً، فـ "أل" في "الضارب" كـ "أل"في "الغلام".
قيل للاخفش: فإذا لم تكن من قبيل الموصولات فلم لا يقدم المنصوب باسم الفاعل علينا فيقولوا "هذا زيدًا الضارب"، كما يجوز "هذا زيدا ضارب؟ ".
فأجاب بأن اسم الفاعل لا يعمل إذا دخلت عليه "أل" كما لا يعمل إذا وصف أو صغر لأن "أل" خاصة من خواص الاسم كما أن الوصف والتصغير كذلك، والاسم المنتصب بعده ليس على سبيل المفعوليةً، إنما انتصب على التشبيه بالمفعول به، والمنصوب على التشبيه بالمفعول به لا يجوز تقديمه
على الوصف، فكذلك هذا.
وأبطل مذهب الأخفش بأن المشبه بالمفعول، لا يكون إلا سببيًا، ولا يكون في الكلام إلا نكرةً، أو معرفًا بالألف واللام، أو مضافًا إلى ما الألف واللام فيه، أو ضمير ما هما فيه، أو مضافًا إلى ضمير ما هما فيه، و"زيد" من قولك "هذا الضارب زيدًا" ليس سببيًا ولا نكرةً ولا شيئًا من المعارف الني ذكرناها، فثبت أنه ليس منصوبًا على التشبيه بالمفعول به وأن "أل"، من قبيل الموصول.
وذهب أبو بكر بن السراج، وأبو علي الفارسي وأكثر النحويين إلى أن "أل" موصول اسمي، وهو اختيار المصنف.
واستدلوا بعود الضمير إليها، تقول: جاءتني الضاربها زيد، فالضمير عائد على "أل".
فإذ قلت: فلعل الضمير يعود على موصوف محذوف؟
فالجواب: أن ذلك باطل لأن الصفة لا تحذف إلا في مظان حذفها، وليس هذا منه، فإن لم يكن من مظان الحذف لم يجز حذفه إلا في ضرورةً، وجواز "جاءتني الضاربها زيد" في فصيح الكلام دل على أن "أل" بمنزلة "التي"، فكما جاز أجاءتني التي ضربها زيد" فكذلك جاز "جاءتني الضاربها زيد"، ولو كان حذف الموصوف في مثل هذا سائغًا لجاز "جاءتني ضاربها زيد" كما يجوز "جاءتني امرأةً ضاربها زيد" فامتناع ذلك يدل على أنه ليس
على حذف الموصوف.
ومما يدل علي أنه اسم موصول لا حرف موصول أنه لم يوجد في كلامهم حرف موصول إلا وهو مع ما بعده بمنزلة المصدر, وهذا لا يتقدر بمصدر, فدل علي أنه اسم.
واستدل ابن برهان علي موصولية "أل" بدخولها / علي المضارع, وأل المعرفة للاسم في اختصاصها به كحرف التنفيس في اختصاصه بالمضارع, فكما لا يدخل حرف التنفيس علي اسم كذلك لا تدخل "أل" للتعريف علي فعل, فوجب اعتقاد "أل" في نحو:
............. الترضي..............................
اسما بمعني "الذي" لا حرف تعريف.
وقوله خلافا للمازني ومن وافقه في حرفيتها استدل المازني علي أنها حرف موصول لا اسم بتخطي العامل عمله إلي صلتها لا إليها, فإذا قلت "مررت بالضارب" فالعامل الجر في "الضارب" هو الباء, وكذلك "جاء