التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيلصفحات 102-141

الإغفال/، وحكاه عن أبي عثمان، ورضيه.
قال بعض أصحابنا: "والأولى أن يقال: عاد الضمير على لفظ الغيبة بلفظ الخطاب حملاً على المعنى، وهو الذي تلقيته عن الشيوخ" انتهى.
وفي البسيط: "ومن شأن الصلة أن تعامل معاملة الغائب وإن كان خبراً عن مخاطب، فتقول: أنت الذي يفعل كذا، وأنتم الذين يفعلون كذا، ولا يكون الخطاب إلا في الشعر كقوله: وأنا الذي قتلت بكراً بالقنا وتركت مرة غير ذات سنام والوجه: وأنا الذي قتل.
وقال آخر: يا مر يا بن رافع يا أنتا أنت الذي طلقت عام جعتا وزعم بعض الكوفيين أن "الذي" يصلح أن تكون ملغاة، فتعامل الأول، فتقول: أنت الذي تقوم، وأنت الذي قمت.
ومنعه بعضهم في "من" فلا تقول: أنت من تقوم، لأن "من" لم تلغ بخلاف (الذي) " انتهى.
وقوله ما لم يقصد تشبيهه بالمخبر به، فتتعين الغيبة مثاله: أنا في الفتك الذي قتل عروة الرحال، وأنت في الشجاعة الذي قتل مرحباً، والذي قتل عروة الرحال هو البراض، والذي قتل مرحباً اليهودي هو علي بن أبي طالب، فإنما أردت تشبيه نفسك بقاتل عروة، لا أنك هو، وكذلك أراد تشبيه المخاطب بعلي، لا أنه هو.
فمثل هذا يتعين أن يعود الضمير غائباً، وذلك أنه على حذف "مثل"، فليس الموصول ضمير المتكلم والمخاطب من حيث

المعنى، وأنت لو صرحت بـ "مثل" لزم العود غائباً"، فكذلك إذا أردت معناها.
وقوله ودون التشبيه يجوز الأمران إن وجد ضميران مثاله: أنا الذي قام وضربت خالداً، وأنا الذي قمت وضرب خالداً، وأنت الذي قام وضربت خالداً، وأنت الذي قمت وضرب خالداً، وقال بعض الأنصار: نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد ما بقينا أبداً وقال امرؤ القيس: وأنا الذي عرفت معد فضله ونشدت عن حجر بن أم قطام وقال الآخر: أأنت الهلالي الذي كنت مرة سمعنا به والأرحبي المعلق إلا أنه إذا اجتمع الحملان فالأحسن أن يبدأ بالحمل على لفظ "الذي" قبل الحمل على المعنى.
وقد أطلق المصنف في هذه المسألة، وفيها تفصيل، وذلك أنه إما أن تفصل بين الحملين أو لا تفصل، فإن فصلت جاز ذلك باتفاق، وإن لم

تفصل بين الحملين فلا يجوز الجمع بين الحملين عند الكوفيين، فلا يجوز عندهم: أنا الذي قمت وخرج./ وأجاز البصريون ذلك، ولا يجعلون للفصل تأثيراً والسماع إنما جاء فيما فيه فصل بين الحملين كالأبيات التي استشهدنا بها على مجيء الحملين.

-[ص: ويغني عن الجملة الموصول بها ظرف أو جار ومجرور منوي معه "استقر" أو شبهة، وفاعل هو العائد أو ملابس له، ولا يفعل ذلك بذي حدث خاص ما لم يعمل مثله في الموصول أو موصوف به.
وقد يغني عن عائد الجملة ظاهر.]-

ش: مثاله: عرفت الذي عندك، أو في الدار، تقديره: استقر عندك، أو استقر في الدار.
قال المصنف: "وتقدير الفعل هنا مجمع عليه".
وهذا كما ذكر، لا نعلم خلافاً في تقدير العامل جملة.
وقوله أو شبهه مثل "كان"، فإذا قلت "الذي عندك زيد" فتقديره: الذي استقر أو الذي كان عندك زيد، كما أنك إذا قلت "زيد في الدار" قدرته: مستقر في الدار أو كائن في الدار.
وقوله وفاعل هو العائد يعني العائد على الموصول، ففي "استقر" ضمير يعود على الموصول.
وقوله أو ملابس له مثاله: الذي في الدار أخوه زيد، فـ "أخوه" ملابس للضمير العائد على الموصول، وهو مرفوع بـ "استقر" المنوية".
وقوله ما لم يعمل مثله في الموصول أو موصوف به مثاله: نزلنا الذي البارحة، أي: الذي نزلناه البارحة.
ومثال الموصوف به ما حكي الكسائي: نزلنا المنزل الذي البارحة، يريد: نزلنا البارحة، وذلك أن الحدث الخاص لا

يجوز حذفه وإبقاء الظرف أو المجرور مغنياً عنه، فلو قلنا: زيد الذي ضحك عندك، أو: نام في الدار، لم يجز حذف "ضحك" ولا "نام" لأنها أحداث خاصة.
فإذا كان كوناً مطلقاً جاز ذلك.
وكذلك في خبر المبتدأ، لو قلت: زيد نائم عندك، أو: ضاحك في الدار، لم يجز حذف "نائم" ولا "ضاحك".
وهذا الذي ذكره المصنف من أنه إذا كان العامل في الظروف أو المجرور حدثاً خاصاً هو عامل في الموصول أو في الموصوف بالموصول جاز أن يحذف، فيه إخلال بقيد، وقياس فاسد في موضعين: أما الإخلال بالقيد فإنه كان ينبغي أن يقيد الظرف بكونه قريباً من زمان الإخبار، فإنه إن كان غير قريب لم يجز حذف الصلة، قال الكسائي: "ولا يحذفون الصلة إلا مع ما قرب من الظروف، نحو: نزلنا المنزل الذي أمس، ونزلنا المنزل الذي البارحة، ونزل المنزل الذي آنفاً، ولا يقولون: نزلنا المنزل الذي يوم الخميس، ولا المنزل الذي يوم الجمعة" انتهى كلامه.
فالكسائي حكي ذلك مقيداً فيه الظرف بأن يكون قريباً.
وأما القياس الفاسد في موضعين: فالأول: هو أن المصنف قاس المجرور على الظروف، والظرف يتصور فيه أن يكون/ قريباً وبعيداً، وأما المجرور فلا يتصور فيه ذلك.
والثاني: أن محل السماع إنما هو حذف الصلة في الموصول الموصوف به غيره، نحو: نزلنا المنزل الذي البارحة، لا في الموصول الداخل عليه عامل مثل الصلة المحذوفة.
وهذا الذي حكاه الكسائي هو خارج عن القياس، فلا ينبغي أن يقاس عليه، وإنما يقال منه ما قالته العرب.
وقوله وقد يغني عن الجملة ظاهر مثاله ما حكي الكسائي: "أبو سعيد

الذي رويت عن الخدري"، "والحجاج الذي رأيت ابن يوسف" يريد: رويت عنه، والحجاج الذي رأيته.
وقال الشاعر: إن جمل التي شغفت بجمل ففؤادي - وإن نأت - غير سال وقال الآخر: فيا رب ليلى أنت في كل موطن وأنت الذي في رحمة الله أطمع وقال الآخر: سعاد التي أضناك حب سعادا وإعراضها عنك استمر وزادا يريد: بها، وفي رحمته، وحبها.
وهذا في الصلة نادر.
وأما الاستغناء بالظاهر عن المضمر في خبر المبتدأ فمنه مقيس، ومنه مختلف فيه، وسيأتي ذلك عند ذكر الروابط، إن شاء الله تعالى.

-[ص: فصل و"من" و"ما" في اللفظ مفردان مذكران، فإن عني بهما غير ذلك فمراعاة اللفظ فيما اتصل بهما أو أشبههما أولى، ما لم يعضد المعنى سابق فيختار مراعاته، أو يلزم بمراعاة اللفظ لبس أو قبح، فتجب مراعاة المعنى مطلقاً، خلافاً لابن السراج في نحو "من هي محسنة أمك"، فإن حذف "هي" سهل التذكير.]-

ش: تخصيصه هذا الحكم من الموصلات بـ "من" و"ما" ليس بجيد لأن غيرهما من الموصلات مما يستعمل مفرداً مذكراً يشركهما فيه، فالأحسن أن يقال: وما كان من الموصلات مفرداً مذكراً في اللفظ، وكان معناه مخالفاً للفظه، وذلك هو "من" و"ما" و"ذا" بعد "من" و"ما" في الاستفهام، و"أي" في الأفصح، و "ذو" و"ذات" في الأفصح، و"أل".
وقوله فإن عني بهما غير ذلك أي: غير الإفراد والتذكير من تثنية أو جمع أو تأنيث.
وقوله فمراعاة اللفظ فيما اتصل بهما أو بما أشبههما أولى الذي يتصل بهما هو صلتهما إن كانا موصولين، أو فعل شرط إن كانا شرطين، أو استفهام إن كانا للاستفهام.
وفسر المصنف الذي أشبههما بـ "كم" و"كأين"، ولولا اقتصاره على أن الذي أشبههما هو "كم" و"كأين" لا ندرج

في دلالة اللفظ ما أشبههما من الموصولات التي هي بلفظ واحد مذكر، ويراد به التأنيث والتثنية والجمع، / و"كم" و"كأين" فكان يكون الحكم شاملاً لما استدركناه عليه قبل.
ومثال ما روعي فيه اللفظ قوله تعالى: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ ﴿لِكَيْلا تَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ ولا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ وهو أكثر كلام العرب، ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وصَدَفَ عَنْهَا﴾، ﴿ومَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾.
ومثال ما روعي فيه المعنى قوله تعالى ﴿ومِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾، ﴿ومِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ﴾، وقال امرؤ القيس:

............................ لما نسجتها من جنوب وشمال أي: للتي نسجتها.
وقال الآخر: تعش، فإن عاهدتني لا تخونني نكن مثل من يا ذئب يصطحبان أي: مثل الذين يصطبحان.
وقال الشاعر: ألما بسلمى عنكما إن عرضتما وقولا لها: عوجي على من تخلفوا

وقوله ما لم يعضد المعنى سابق فيختار مراعاته مثاله قول الله تعالى ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صَالِحًا﴾، وقول الشاعر: فمنهن من تسقى بعذب مبرد نقاخ، فتلكم عند ذلك قرت ومنهن من تسقى بأخضر آجن أجاج، ولولا خشية الله فرت وقول الآخر: وإن من النسوان من هي روضة تهيج الرياض قبلها وتصوح فسبق (منكن) مقو لقوله (وتعمل) بالتاء حملاً على المعنى، وإن كان قد سبقه (ومن يقنت) بالياء، كما أن "منهن" مقو لمراعاة المعنى في قوله "تسقى"، و"من النسوان" مقو لمراعاة المعنى في قوله "من هي روضة".
وقوله أو يلزم بمراعاة اللفظ لبس مقاله "أعط من سألتك لا من سألك"، و"أعرض عمن مررت بها لا عمن مررت به"، فهذا ونحوه تجب فيه مراعاة المعنى مخافة اللبس.
وقوله أو قبح مثاله "من هي حمراء أمتك"، تتعين فيه مراعاة المعنى، إذ لو روعي اللفظ، فقيل "من هو أحمر أمتك" لكان في غاية القبح.
قال المصنف في الشرح: "ووافق ابن السراج على منع التذكير في هذا

وأمثاله، وأجاز في نحو "من هي محسنة أمك" أن يقال: من هي محسن أمك، ومن محسن أمك.
أما "من محسن أمك" فغريب، وأما "من هي محسن أمك" ففيه من القبح قريب مما في "من هي أحمر أمتك"، فوجب اجتنابهما.
وحمل ابن السراج على جواز "من هي محسن أمك" شبه "محسن" بـ "مرضع" ونحوه من الصفات الجارية على الإناث بلفظ خال من علامة بخلاف "أحمر"، فإن/ إجراء مثله على مؤنث لم يقع، فلذلك اتفق على منع: من هي أحمر أمتك" انتهى كلامه.
ولأصحابنا طريقة غير هذه الطريقة التي سلكها المصنف في الحمل على اللفظ أو على المعنى، قالوا: تقول إن حملت على اللفظ: من قام هند، ومن قام أخواك، ومن قام إخوتك.
وإن حملت على المعنى قلت: من قامت هند، ومن قاما أخواك، ومن قاموا أخوتك.
ويجوز الجمع بين الحملين، وإذا فعلت ذلك فالأحسن أن تبدأ بالحمل على اللفظ، نحو قوله تعالى ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ شَيْئًا ولا يَسْتَطِيعُونَ﴾، ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صَالِحًا﴾ في قراءة من قرأ (يقنت) بالياء.
ويجوز أن تبدأ بالحمل على المعنى، ثم تحمل على اللفظ باتفاق من النحويين إن وقع بين الحملين فصل، فتقول: من يقومون في غير شيء وينظر في أمورنا قومك، فإن لم تفصل، وقلت: من يقومون وينظر في أمورنا

قومك، لم يجز عند الكوفيين، ويجوز ذلك عند البصريين؛ لأنه لا يجعلون للفصل تأثيرًا.
والسماع في الحمل على اللفظ بعد الحمل على المعنى إنما هو مع الفصل، هذا نقل السيرافي أن البصريين لا يشترطون الفصل، يجيزون: من قام وقعدا، ومن قام وقعدت، والعكس، فتبدأ بالحمل على المعنى، ولا ترجع إلى اللفظ بعد الحمل على المعنى إلا بشرط الفصل.
وزعم الأستاذ أبو علي أن مذهب البصريين هذا يعني اعتبار ذلك بالفصل، والأول مذهب الكوفيين.
وإذا كان الضميرُ المحمولُ على اللفظ مخبرًا عنه بعده، وأخبرت عنه بفعل، لم يجز الحمل إلا على اللفظ أو على المعنى، فتقول: من كان يقوم أخواك، ومن كانا يقومان أخواك، ولا يجوز: من كان يقومان أخواك.
وإن أخبرت عنه باسم وكان مشتقًا باطراد جاز الحمل على اللفظ والحمل على المعنى على الإطلاق، فتقول: من كان محسنًا أخواك، ومن كانا محسنين أخواك، ومن كان محسنين أخواك، ومن كان محسنًا أختك، ومن كان محسنة أختك، ومن كانت محسنة أختك.
وإلى جواز الجمع بين الحملين ذهب الكوفيون وكثير من البصريين، وهو الصحيح.
وذهب ابن السراج إلى منع الجمع بين الحملين.
والحجة عليه قوله تعالى ﴿وقَالُوا لَن يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾، وقال الشاعر:

.............................. وأيقظ من كان منكم نياما هذا إذا كان من الصفات المفصول بين مذكرها ومؤنثها بالتاء.
فإن كان من غيرها فإما أن تكون صفة المذكر والمؤنث من لفظ واحد أو لا، إن كانت من لفظ واحد، وأدى الحمل إلى جعل صفة المذكر للمؤنث أو للعكس، لم يجزه الكسائي، وأجازه/ الفراء، فتقول "من كانت حمراء جاريتك" على المعنى، و"من كان حمراء جاريتك"، الاسم على اللفظ، والخبر على المعنى، ولا يجيز الكسائي "من كانت من النساء أحمر جاريتك"، ولا "من كان أحمر جاريتك"، والفراء يجيزه لاتفاق الصفتين في الحروف الأصول كاتفاق قائم وقائمة في ذلك.
وصحح مذهب الفراء بعض أصحابنا.
وإن لم تكن مشتقة من لفظ واحد، وأدى الحمل إلى جعل صفة المذكر للمؤنث أو العكس، لم يجز ذلك عند الكسائي ولا عند الفراء ولا عند أحد من البصريين فيما علمت، قاله بعض أصحابنا.
وقال بعضهم: "إن كانا لا يرجعان لاشتقاق واحد فالفراء والكسائي منعا الحمل على لفظ التذكير، فيقولان: من كان عجوزًا جاريتك، ولا يجيزان: من كان شيخًا جاريتك، إلا في لغة من يقول شيخ وشيخة، قال: وتضحك مني شيخة عبشمية كأن لم ترى قبلي أسيرًا يمانيا

ولا يجيزان: من كان غلامًا جاريتك، إلا في لغة من يقول غلام وغلامة، قال الشاعر: ومركضة صريحي أبوها تهان لها الغلامة والغلام والأحسن عند الفراء: من كان عجوزًا جاريتك، ومن كان أمة جاريتك، ولا يستحسن: من كان شيخًا جاريتك، ولا: من كان غلامًا جاريتك؛ لأن غلامة وشيخة قليل في كلامهم.
وأصول البصريين تقتضي جواز ذلك كله لأنهم أطلقوا القول، ولم يفصلوا.
فإن لم يكن الضمير المحمول على اللفظ مخبرًا عنه بما بعده، وأردت حمل ما بعده عليه، حملته على لفظه، ولم يجز الحمل على معناه عند الكوفيين، فتقول: من ضربته أجمعون قومك، فتحمل على "من"، ولا يجوز النصب تأكيدًا للضمير على معناه لنه لا يحمل عندهم على المعنى إلا حيث لا يمكن إظهار المعنى في اللفظ، وأنشد الكسائي: إذا ما حاتم وجد ابن عمي مجدنا من تكلم أجمعينا فرد على من، ولا يجوز أن يرد على الضمير الذي في "تكلم" فيرفع؛ لأنه يمكن جمعه.

وأصول البصريين تقتضي جواز ذلك لأنهم لم يفصلوا، وهو الصحيح بدليل قوله تعالى ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ﴾؛ ألا ترى أن (خالدين) حال من الضمير المحمول على معناه، والعامل في الحال الفعل العامل في الضمير، ولا يجوز أن يكون حالًا من "من" لأن العامل في الحال لا يكون إلا العامل في ذي الحال، نحو: جاء زيد ضاحكًا، أو ذا الحال نفسه إن كان فيه معنى فعل، نحو قولك: هذا ضاحكًا زيد.
ولا يجوز أن يكون العامل في الحال (من) لأنها ليس فيها معنى فعل، ولا العامل في (من)؛ لأن العامل فيها إنما هو معنى، والمعنى المجرد دون اللفظ لا يعمل في الحال، وإنما عمله الرفع خاصة" انتهى/ ما قاله بعض أصحابنا.
ومما وقع فيه الحمل على اللفظ خاصة، ولا يجوز الحمل على المعنى، قولك في التعجب: ما أحسن زيدًا! وإن كان الذي أوجب التعجب صفة مؤنثة أو صفات متعددة.
ومما وقع فيه الحمل على المعنى، ولا يجوز الحمل على اللفظ، قولهم "ما جاءت حاجتك" كأنه قال: أية حاجة صارت حاجتك.
فرع: إذا جاء العائد على لفظ الموصول دون معناه، ثم أكدته بلفظة مضافة، فحملت أولها على معنى الموصول وآخرها على لفظه، لم يجز ذلك عند الفراء، وأجازها الكسائي وهشام، ومثاله: جاءني من خرج أنفسه، جعلت العائد أولًا في "خرج" مفردًا على لفظ الموصول، ثم أكدت بـ"أنفس" جمعًا على معنى الموصول، ثم أفردت الضمير المضاف إليه

"أنفس" على لفظ الموصول.

-[ص: ويعتبر المعنى بعد اعتبار اللفظ كثيرًا، وقد يعتبر اللفظ بعد ذلك.]-

ش: مثال ذلك ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿ومِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي ولا تَفْتِنِّي أَلا فِي الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾، ﴿ومِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ ثم قال ﴿فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ﴾.
ومثال اعتبار اللفظ بعد اعتبار المعنى بعد اعتبار اللفظ قوله تعالى ﴿ومَن يُؤْمِنْ بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾، فأفرد الضمير في (يؤمن) و (يعمل) و (ندخله)، ثم جمعه في (خالدين)، ثم أفرده في (له رزقا).
وقوله تعالى ﴿مِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ وإذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا ولَّى مُسْتَكْبِرًا﴾ إلى آخر الآية، أفرد الضمير في (يشتري) و (ليضل) و (يتخذها)، ثم جمع (أولئك) و (لهم)، ثم أفرد في (وإذا تتلى عليه) إلى آخر الآية.
وقال تعالى في "من" الشرطية -وحكمها حكم الموصولة- ﴿ومَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وإنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ ويَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ (37) حَتَّى إذَا جَاءَنَا﴾ في قراءة من أفرد الضمير في (جاءنا) أفرد في

(يعش) وفي (نقيض له) وفي (فهو له)، ثم جمع في (ليصدونهم) و (يحسبون أنهم مهتدون)، ثم أفرد في (جاءنا).
وأما من قرأ (جاءانا) على التثنية فهو ضمير العاشي والقرين، وكانا قد أفردا، قم جمعا، ثم ثنيا، وكل من الضميرين مفرد، فلم يخرج أيضًا عن إفراد الضمير العاشي.
وقال الشاعر: لست ممن يكع أو يستكينو ن إذا كافحته خيل الأعادي أفرد الضمير في "يكع"، ثم جمع في "يستكينون"، ثم أفرد في "كافحته".
وبهذا البيت والآيات السابقة يتبين خطأ صاحب البسيط في ادعائه اتفاق النحويين على أن العرب قد ترجع من الواحد إلى الجمع، ومن المذكر إلى المؤنث من لفظه إلى معناه، ولا ترجع من معناه/ إلى لفظه، قال: "بإجماع من النحويين".
قال: "واستخرج ابن مجاهد عكس هذا من آية سورة الطلاق".
ص: وتقع من وما شرطيين، واستفهاميتين، ونكرتين موصوفتين.
ويوصف بـ"ما" على رأي، ولا تزاد "من" خلافًا للكسائي، ولا تقع على غير من يعقل إلا منزلًا منزلته، أو مجامعًا له شمول أو اقتران، خلافًا لقطرب.
و"ما" في الغالب لما لا يعقل وحده، وله مع من يعقل، ولصفات من يعقل، وللمبهم أمره، وأفردت نكرة، وقد تساويها "من" عند أبي علي.
وقد تقع "الذي" مصدرية، وموصوفة بمعرفة أو شبهها في امتناع لحاق "أل".

ش: مثال "من" و"ما" شرطًا ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا﴾.
ومثالهما استفهامًا ﴿مَّنْ إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾؟ ﴿ومَا رَبُّ العَالَمِينَ﴾؟ ومثال "من" نكرة موصوفة قولك: مررت بمن معجب لك، أي: بإنسان معجب لك، وقال الشاعر: ألا رب من تغتشه لك ناصح ومؤتمن بالغيب غير أمين فوصفك لـ"من" بمعجب وناصح، وهما نكرتان، دليل على أن "من" نكرة.
وشرط بعض أصحابنا فيها أنها لا تستعمل موصوفة إلا في حال تنكير.
وليس كما ذكر؛ ألا ترى أنها توصف وهي معرفة، وذلك إذا كانت موصولة، نحو: قام من في الدار العاقل.
ووقوع "من" نكرة موصوفة سائغ فيها سواء كانت في موضع تسوغ فيه النكرة والمعرفة أم في موضع لا تسوغ فيه إلا النكرة.
وزعم الكسائي أن العرب لا تستعملها نكرة موصوفة إلا بشرط وقوعها في موضع لا تقع فيه إلا النكرة، نحو قولك: رب من عالم أكرمت، ورب من أتاني أحسنت إليه، أي: رب إنسان آتٍ إلى أحسنت إليه، لأن "رب" لا تدخل إلا على نكرة.
ومن ذلك قولُ

الشاعر: رب من أنضجت غيظًا قلبه قد تمنى لي موتًا، لم يطع وأنشد المفضل: ألا يا اسلمي قبل الفراق ظعينا تحية من أمسي إليك حزينا تحية من لا قاطع حبل واصل ولا صارم قبل الفراق قرينا بخفض "قاطع" فأنكر ذلك الكسائي، وقال: إنما هو "لا قاطع" بالرفع، و"من" موصولة، كأنه قال: تحية من لا هو قاطع.
قيل له: فكيف تصنع ببيت الفرزدق: إني وإياك إذ حلت بأرحلنا كمن بواديه بعد المحل ممطور فقال: "من" موصولة، وصلتها "بواديه"، و"ممطور" مكرر على "من"، يعني بدلًا منه، كأنه قال: كممطور بعد المحل.
وهذا الذي ذهب إليه الكسائي باطل؛ لأن رواية المفضل لا تندفع/ بروايته، وجعله ممطورًا بدلًا من "من" ضعيف لأنه مشتق، والبدل بابه أن يكون بالجوامد لأنه في نية تكرار العامل، والصفات التي هي غير مختصة بجنس الموصوف لا تباشرها العوامل إلا في ضرورة شهر، و"ممطور" من الصفات غير المختصة بجنس الموصوف، فحمله على البدل ضعيف، بل هو

غير جائز إلا في ضرورة، ولا داعية إلى ذلك لأن ما ذهب إليه غير صحيح بدليل رواية المفضل، وبدليل قول الشاعر: فكفى بنا فضًا على من غيرنا حب النبي محمد إيانا فإنه روي بخفض "غير" نعتًا لـ"من".
وللكسائي أن يقول: "من" في رواية المفضل وفي هذا البيت زائدة، التقدير: تحية لا قاطع، وعلى غيرنا؛ إذ من مذهبه جواز زيادة "من".
ومثال "ما" نكرة موصوفة قولك "مررت بما معجب لك"، ومن ذلك قول أمية: ربما تكره النفوس من الأمـ ـر له فرجة كحل العقال "ما" بمنزلة "شيء"، و"تكره النفوس": صفة له، والعائد محذوف، كأنه قال: رب شيء تكرهه النفوس من الأمر له فرجة.
لا تكون "ما" هذه هي المهيئة؛ لأن تلك حرف، فلا يعود عليها ضمير.
ومن ذلك أيضًا قول الشاعر:

سالكاتٌ سبيل قفرة بدي ربما ظاعن بها ومقيم فـ"ما" بمنزلة "إنسان"، ووقعت على من يعقل لأن الموضع موضع عموم، وظاعن: خبر ابتداء مضمر، ومقيم: معطوف عليه، والجملة في موضع صفة، كأنه قال: رب إنسان هو ظاعن بقلبه إلى أحبته الذين ظعنوا عن هذه البلدة مقيم بجسده فيها.
ولا تكون "ما" كافة لأمرين: أحدهما أن "رب" التي تلحقها "ما" الزائدة لا تدخل على الجمل الاسمية.
والآخر عود الضمير عليها، ولو كانت "ما" حرفًا لم يعد عليها ضمير.
ومن ذلك قول أبي داود: ربما الجامل المؤبل فيهم وعناجيج بينهم المهار فـ"ما" بمعنى شيء، كأنه قال: رب شيء هو الجامل، والجملة في موضع صفة.
والدليل على أن "ما" اسم عودة الضمير عليها أيضًا.
وقد يمكن أن يكون من ذلك قوله تعالى ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾، فتكون "ما" نكرة بمنزلة "شيء"، وعتيد: صفة له، كأنه قال: هذا شيء لدي عتيد.
وفي البسيط: أنكر بعض النحويين أن تكونا موصوفتين، واستدل بأنهما لا تستقلان بأنفسهما، وما هو كذلك فلا يكون اسمًا تامًا.
وهذا مردود، فإن من الصفات ما يلزم الموصوف، نحو "الجماء الغفير" و"يا أيها الرجل"، و"من" و"ما" من هذا القبيل.
ولا تستقل بوصفها إلا إذا كانت

مفعولة، نحو: مررت بمن صالح، وإذا كانت خبرًا عن مبهم نحو: هذا من أعرف، فلا تكتفي بكونها مع وصفها خبرًا، بل تأتي بشيء آخر يكون حالًا أو خبرًا، نحو: هذا من أعرف منطلق./ وإنما كان كذلك لأن الإخبار بالنكرات لا يفيد حتى تعتمد على معرفة، بخلاف الفعل، لأنه فيه تخصيصًا بسبب الزمان، فكما اشترط في المبتدأ أن يكون كذلك ليقع للتخصيص، كذلك يشترط في الخبر أن يكون فيه أيضًا إيضاح وبيان لتحصل الفائدة، وأنت إذا اعتمدت على مبهم، ثم أخبرت عنه بمبهم، فلم تحافظ على الفائدة، فصار بمنزلة "رجل قائم"، فلذلك احتجت إلى تخصيص إما بحال أو خبر.
وقوله ويوصف بـ"ما" على رأي، قال المصنف في الشرح: "واختلف ما "ما" من قولهم "لأمر ما جدع قصير أنفه"، فالمشهور أنها حرف زائد منبه على وصف مراد لائق بالمحل.
وقال قوم: هي اسم موصوف به.
والأول أولى لأن زيادة "ما" عوضًا من محذوف ثابت في كلامهم، من ذلك قولهم "أما أنت منطلقًا انطلقت"، فزادوا ما عوضًا من "كان".
ومن ذلك قولهم: حيثما تكن أكن، فزادوا ما عوضًا من الإضافة.
وليس في كلامهم نكرة موصوف بها جامدة كجمود "ما" إلا وهي مردفة بمكمل، كقولهم: مررت برجل أي رجل، وأطعمنا شاة كل شاة، وهذا رجل ما شئت من رجل.
فالحكم على "ما" المذكورة بالاسمية واقتضاء الوصفية حكم بما لا نظير له، فوجب اجتنابُه" انتهى.

ولم يذكر أصحابنا خلافًا في أن "ما" تكون صفة.
قال الأستاذ أبو محمد بن السيد: "ومنها "ما" التي تجري مجرى الصفة، وهي تنقسم ثلاثة أقسام: قسم يراد به التعظيم للشيء والتهويل به، كنحو ما أنشد سيبويه: عزمت على إقامة ذي صباح لأمر ما يسود من يسود أي: السيد إنما يسود لأمر عظيم يوجب له ذلك.
ومنه قول امرئ القيس: ................................ وحديث ما على قصرة أي: حديث طويل وإن كان قصيرًا.
وقسم يراد به التحقير كقولك لمن سمعته يفخر بما أعطاه: وهل أعطيت إلا عطية ما.
وقسم لا يراد به تحقير ولا تعظيم، ولكن يراد به التنويع، كقولك: ضربت ضربًا ما، أي: نوعًا من الضرب، وفعل فعلًا ما، أي: نوعًا من الفعل.
ومن هذا قول العرب: افعله آثرًا

ما"، كأنه قال: نوعًا من الإيثار، و"آثرًا" مصدر جاء على فاعل".
وقال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: "مثال كونها صفة كقولك: فعلت هذا لأمر ما، إذا قصدت التعظيم، أي: لأمر عظيم، فـ"ما" لإبهامها ضمنت معنى "عظيم"؛ لأن العرب تستعمل الإبهام في موضع التعظيم، كقوله تعالى ﴿فَغَشِيَهُم مِّنَ اليَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾، وكقوله سبحانه ﴿الْحَاقَّةُ (1) مَا الحَاقَّةُ﴾، ومن كلامهم "لأمر ما جدع قصير أنفه".
ومن ذلك أيضًا قوله: ................................... لأمر ما يسود من يسود أي: لأمر عظيم.
ولا يمكن أن تكون "ما" زائدة لأمرين: أحدهما أن زيادة "ما" قبل الجملة أو آخرًا تقل، بل لا يحفظ من ذلك إلا قولهم: "افعله آثرًا ما"، أي: آثرًا له على غيره، فزادها آخرًا.
وقوله: وقد ما هاجني، فازددت شوقًا بكاء حمامتين تجاوبان وفي إحدى الروايتين، أي: وقد هاجني، ولم يجئ ذلك إلا في الشعر.
ومثل: لأمر ما جدع قصير أنفه" كثير في كلامهم.
والآخر أنها تعطي التعظيم، ولا تستعمل نعتًا إلا إذا قصدته، ولو كانت

"ما" زائدة لم يكن في الكلام ما يعطي التعظيم".
وقوله ولا تزاد من، خلافًا للكسائي.
مذهب البصريين والفراء أنه لا تزاد "من" لأنها اسم، والأسماء لا تزاد، وأجاز ذلك الكسائي، واستشهد على ذلك بقول عنترة: يا شاة من قنص لمن حلت له حرمت على، وليتها لم تحرم وبقول الآخر: آل الزبير سنام المجد قد علمت ذاك القبائل والأثرون من عددا التقدير عنده: يا شاة قنص، والأثرون عددا.
وتأولوا هذا السماع على جعل "من" نكرة موصوفة، التقدير: يا شاة إنسان قنص، أي: مقتنص، أو ذي قنص، وكذلك والأثرون من يعد، وصف "من" بـ"عدد" كما وصفها بـ"قنص".
وقوله إلا منزلًا منزلته أي: منزلة العاقل، كقوله تعالى ﴿ومَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾، فعبر بـ"من" عن الأصنام لتنزلها منزلة

من يعقل.
ومنه قوله: بكيت إلى سرب القطا إذ مررن بي فقلت ومثلي بالبكاء جدير أسرب القطا هل من يعير جناحه لعلي إلى من قد هويت أطير وقال امرؤ القيس: ألا عم صباحًا أيها الطلل البالي وهل يعمن من كان في العصر الخالي وقوله: وهل يعمن من كان أحدث عهده ثلاثين شهرًا في ثلاثة أحوال أوقع "من" على الطلل -وإن كان من قبيل ما لا يعقل- لما ناداه وحياه، فعالمه لذلك معاملة من يعقل.
وكذلك لما بكى إلى سرب القطا، وناداها، وطلب منها إعارة جناح، أطلق "من" على ما لا يعقل إذ عاملها بذلك معاملة من يعقل.
وقوله أو مجامعًا له شمول مثاله قوله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ﴾، وقوله ﴿ومِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ﴾؛ ألا ترى أن الماشي على رجلين منه عاقل كالإنسان وغير عاقل كالطائر، لكن أوقع على الجميع "من" لاختلاطهما، ولذلك لما قال

جرير: /يا حبذا جبل الريان من جبل وحبذا ساكن الريان من كانا قال له الفرزدق: وإن كانوا قرودًا؟ فسوغ أن تقع "من" على ما لا يعقل لأجل الاختلاط، فأجابه جرير بأن قال: إنما قلت "من"، ولم أقل "ما".
ووجه انفصال جرير أن "من" وإن وقعت على ما لا يعقل في حال اختلاطه بمن يعقل، فإنها فيمن يعقل أظهر.
وقال تعالى ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ﴾ و ﴿مَن لاَّ يَخْلُقُ﴾ شمل المعبود من دون الله عاقلًا وغير عاقل.
ومثله ما ذكر الفراء عن بعض العرب "اشتبه على الراكب وجمله، فلا أدري من ذا من ذا".
وقوله أو اقتران مثاله ﴿ومِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾، وقعت هنا على ما لا يعقل لاختلاطه بمن يعقل فيما فصل بـ"من" في قوله ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ﴾؛ ألا ترى أن الدابة تقع على كل ما يدب من عاقل أو غير عاقل، فغلب من يعقل على ما لا يعقل، وعومل الجميع معاملة من يعقل، ففصل بـ"من" لذلك.
ومن كلام العرب "خلق الله الخلق، فمنهم من يتكلم، ومنهم من لا يتكلم"، فأوقع "من" على ما لا يتكلم، وهو غير عاقل، لاقترانه بالعاقل في المفصل بـ"من" وهو الخلق، لأن الخلق يقع على كل مخلوق من عاقل وغير عاقل.

وتقول العرب "أصبحت كمن لم يخلق" تريد: كمن قد مات، فتقع "من" على هذا المعنى على العاقل، فإن أردت بمن لم يخلق المعدوم، فذهب الفراء إلى جواز ذلك، وذهب بشر المريسي إلى منع ذلك، قال بشر: "من": الناس، ومن لم يخلق ليس بشيء، فبأي شيء شبه؟ فأجاب الفراء عن ذلك بأن العرب توقع "ما" على المعدوم، فتقول "ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن"، فكما جاز ذلك في "ما" فكذلك يجوز في "من".
قال بعض أصحابنا: والصحيح ما ذهب إليه الفراء، ولا تخرج "من" بذلك عن معناها، بل تكون واقعة على عاقل موجود أو معدوم متوهم، فإن المعدوم المتوهم تجعله العرب شيئًا، قال عمر بن أبي ربيعة: وهبها كشيء لم يكن أو كنازح به الدار، أو من غيبته المقابر فأوقع شيئًا على ما لم يكن، وهو المعدوم.
ومثل ذلك قول بشار: وأخفت أهل الشرك، حتى إنه لتخافك النطف التي لم تخلق فأوقع النطف على ما لم يخلق.

وقوله خلافًا لقطرب، زعم قطرب وغيره أن "من" تقع على ما لا يعقل عمومًا دون اشتراط ما ذكر، واستدل بقوله تعالى ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ﴾، قال: يعني بذلك الأوثان والأصنام.
ولا حجة في ذلك كما بينا لاشتراك العاقل وغير العاقل في (من لا يخلق) إذ قد عبد من دون الله من يعقل/ ومن لا يعقل، أو لتنزيلها منزلة من يعقل إذ عبدت من دون الله، أو لاعتقاد من عبدها أنها عاقلة فعالة.
فهذه الوجوه كلها يحتمل قوله ﴿كَمَن لاَّ يَخْلُقُ﴾، فلا دليل على أنها تقع على آحاد ما لا يعقل.
وقوله و"ما" في الغالب لما لا يعقل قال المصنف في الشرح: "احترزت بقولي "في الغالب" من نحو قوله تعالى ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، ومن قول بعض العرب: سبحان ما سخركن لنا" انتهى.
ويعني أنها في قليل تطلق على آحاد ذوي العلم كما أطلقت في قوله "لما خلقت" على آدم، وفي "ما سخركن" على الله تعالى.

وإطلاقها على آحاد من يعقل هو مذهب أبو عبيدة وابن درستويه ومكي بن أبي طالب، ومن متأخري أصحابنا الأستاذ أبو الحسن بن خروف، وزعم أنه مذهب س. واستدلوا على ذلك بما تقدم، وبقوله "سبحان ما سبح الرعد بحمده"، وبقوله تعالى ﴿والسَّمَاءِ ومَا بَنَاهَا (5) والأَرْضِ ومَا طَحَاهَا (6) ونَفْسٍ ومَا سَوَّاهَا (7)﴾، ومعلوم أن الذي بني السماء، وطحا الأرض، وسوى النفس، هو الله.
وبقوله ﴿ولا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾، ومعلوم أنه الله.
وأبى أصحابنا ذلك، وتأولوا ما استدل به المخالف.
أما ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فقال السهيلي: "عبر بـ"ما" لأن السجود له لم يكن من حيث هو عاقل، بل من حيث الأمر كالقبلة.
وقد يقال: أنه حين الخلق لم يكن عاقلًا، وإنما نفخ فيه الروح بعده بمدة" انتهى هذا التأويل.
وقوله "وإنما نفخ فيه الروح بعده بمدة" ليس بصحيح بدليل قوله {فَإذَا

سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ}، فالأمر بالسجود إنما كان بعد التسوية ونفخ الروح فيه، وعتب إبليس على امتناعه من السجود إنما كان بعد الأمر وامتثال الملائكة، وقبل هذا كان قد سوي، ونفخ فيه الروح، فقوله تعالى ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ كان بعدما سوي، ونفخ فيه الروح.
وتأولوا "سبحان ما سخركن لنا" و"سبحان ما سبح" على أن جعلوا "ما" مصدرية ظريفة، أي: مدة تسخيركن، ومدة تسبيح الرعد، و"سبحان" علمًا غير مصروف، كما جاء: .............................. سبحان من علقمة الفاخر ولا نقول إنه كان أصله: سبحان الله، فحذف المضاف إليه، وبقي: سبحان؛ لأنهم إذا خذفوا ما أضيفت إليه نونت، نحو قوله: سبحانه، ثم سبحانًا نعوذ به وقبله سبح الجودي والجمد فنون سبحانًا لما حذف المضاف إليه.
وأما (وما بناها) (وما طحاها) (وما سواها) و (لما خلقت بيدي) و (ما أعبد) فتأولوا ذلك على أن "ما" مصدرية، كأنه قيل: وبنائها وطحوها

وتسويتها وخلقي وعبادتي، أي: عبادة مثل عبادتي، وقد أول المصدر في لخلقي وعبادتي تأويل المفعول، أي: لمخلوقي ومعبودي، كما قالوا: درهم ضرب الأمير، وبرد نسج اليمن.
قالوا: والضمير في (بناها) و (طحاها) و (سواها) عائد على الله تعالى، وإن لم يتقدم/ له ذكر؛ لأنه قد علم أن فاعل ذلك هو الله، فعاد على ما يفهم من سياق الكلام.
وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع: "وقيل: يحتمل أن يكون عبر بالمصدر عن المعبود، والأولى أن يكون عبر بـ"ما" لأنه في مقابلة ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾، وقد يجوز عند المقابلة ما لا يجوز ابتداء، وهو كثير في القرآن وكلام العرب، ومنه ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ ". "وزعم أبو زيد السهيلي أنها لا تقع على أولي العلم إلا بقرينة وتلك القرينة هي التعظيم والإبهام.
فوقعت عنده "ما" على الله تعالى فيما تقدم ذكره لأن المراد التعظيم، فأتى بـ"ما" لأنها مبهمة، والإبهام كثيرًا ما يستعمل إذا قصد التعظيم، نحو قوله ﴿الْحَاقَّةُ (1) مَا الحَاقَّةُ (2)﴾، ﴿فَغَشِيَهُم مِّنَ اليَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾، فكأن المعنى: إن الذي بنى السماء وطحا الأرض لعظيم".
وأما ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فتقدم تأويله فيه.
وأما ﴿ولا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ فسوغ وقوع "ما" عنده على الله تعالى شيئان: أحدهما: الإبهام وتعظيم المعبود.
والآخر: أن الحسد منهم يمنعهم من أن يعبدوا معبوده كائنًا ما كان.
وقد تقدم تأويل ما احتج به.

وما ذكره أبو زيد من التعظيم لا يسوغ وضع الاسم الذي هو لما لا يعقل على من يعقل، والإبهام مقصد من مقاصد التعظيم، لكن ما ينبغي أن يكون ذلك الإبهام الذي يقصد به التعظيم مخرجًا للفظ عما وضع له.
وزعم المعري في "اللامع" له أنه إذا كان لا تدرك صفته، ولا تعلم حقيقته يجعل كالشيء المجهول فينطلق عليه "ما".
وحمل على ذلك "سبحان ما سبح الرعد بحمده" أي: سبحان الذي سبح الرعد بحمده، وقد تقدم تأويل هذا.
والذي صححه أصحابنا أن "ما" لا تقع على آحاد أولي العلم إلا في موضعين: أحدهما: الاستثبات عمن يفعل إذا لم تفهم الاسم؛ لأنك في الحقيقة لم تستثبت عن عاقل؛ ألا ترى أنه إذا قال: جاءني زيد، فلم تفهم الاسم، فاستثبته، وقلت: جاء مه؟ ففي الحقيقة لم تستثبت عن زيد لأنك لم تعلم أزيدًا قال أم غير ذلك، وإنما استثبت عن الفاعل من حيث هو فاعل.
والآخر: الاستفهام بها عن صفات من يعقل؛ ألا ترى أنك تقول: ما زيد؟ فيقول لك المسئول: كاتب أو عالم، فهي وإن كانت في الظاهر واقعة على كاتب أو غير ذلك من صفات زيد، و"كاتب" اسم واقع على من يعقل، فليست في الحقيقة واقعة على عاقل؛ لأنك إنما سألت بها عن صفة من يعقل، والصفة ليست من جنس العقلاء؛ ألا ترى أنك إذا قلت: ما زيدٌ؟

فإنما تريد: ما صفة زيد؟ وقول المجيب "كاتب" جواب على المعنى؛ لأنه لو أجاب على اللفظ لقال: صفته كتب، إلا أن كاتبًا يغني عن ذلك، ويقوم مقامه.
وقوله وله مع من يعقل أي: ولما لا يعقل مع من يعقل/، مثاله ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ مِن دَابَّةٍ﴾.
وقوله ولصفات من يعقل هذه عبارة الفارسي، زعم أنها تقع على صفات من يعقل، نحو ﴿والسَّمَاءِ ومَا بَنَاهَا﴾ أي: والسماء وبانيها.
ومثل المصنف بقوله ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾.
وعبر أصحابنا عن هذا المعنى بأن "ما" تقع على أنواع من يعقل، ومثلوا بقوله (ما طاب لكم)، ويريدون الطيب.
وقوله وللمبهم أمره هذا مذهب السهيلي الذي تقدم ذكره والرد عليه.
قال المصنف في الشرح: "مثل أن ترى شبحًا تقدر إنسانيته وعدم إنسانيته، فتقول: أخبرني ما هناك؟ وكذا لو علمت إنسانيته ولم تدر أذكر هو أم أنثى، ومنه ﴿إنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ ". وقوله وأفردت نكرة يعني أنها خلت من صلة وصفة وتضمن شرط أو

استفهام، وذلك في التعجب، نحو: ما أحسن زيدًا! على مذهب س، وفي نعم وبئس، نحو قول العرب "غسلته غسلًا نعمًا"، على مذهب غير س، وسيأتي الكلام على ذلك في التعجب، وفي باب نعم.
وقوله وقد تساويها من عند أبي علي يعني في كونها أفردت نكرة، هذا مما انفرد به أبو علي، وحجته قول الشاعر: وكيف أرهب أمرًا، أو أراع به وقد زكأت إلى بشر بن مروان؟ ونعم مزكأ من ضاقت مذاهبه ونعم من هو في سر وإعلان فـ"من" عنده في موضع نصب، وفاعل "نعم" ضمير مفسر بـ"من" كما فسر بـ"ما" في ﴿فَنِعِمَّا﴾، و"هو" مبتدأ، خبره الجملة التي قبله، و"في سر وإعلان" متعلق بـ"نعم".
قال المصنف في الشرح: "والصحيح غير ما ذهب إليه أبو علي".
وقوله وقد تقع "الذي" مصدرية حكي هذا عن يونس، وتأول عليه ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ﴾ أي: ذلك تبشير الله عباده.
وعلى قول يونس قد

يحمل قوله ﴿وخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ أي: كخوضهم.
وما ذهب إليه يونس ليس بشيء لأنه إثبات للاشتراك بين الاسم والحرف بغير دليل، وقد ثبتت اسمية "الذي" بكونها فاعلة ومفعولة ومجرورة ومبتدأة وتثنى وتجمع وتؤنث ويعود عليها الضمير، فلا نعدل عن هذا الحكم المقطوع به لشيء لا يقوم عليه دليل، بل ولا شبهه، والأحسن في الآية أن يكون التقدير: ذلك الذي يبشره الله عباده، وأصله: يبشر به، فلما صار منصوبًا حذف إذ مجوز الحذف فيه موجود.
وقوله وموصوفة بمعرفة أو شبهها في امتناع لحاق أل مثاله: مررت بالذي أخيك، ومررت بالذي مثلك، وقد تقدم الكلام على هذه المسألة حين الكلام على الصلة في أول الموصولات.
وهذا الذي ذكره المصنف من جواز ذلك ليس مذهب البصريين، لا يجيزون شيئًا من ذلك، وإنما أجازه الكوفيون، وتقدم ذكر ما استدلوا به والرد عليهم.
قال أبو علي: "وقد/ أجاز البغداديون أن تكون "الذي" موصوفة لا موصولة كما في من وما".
وقال المصنف في الشرح: "حاصل كلام أبي علي أن "الذي" موصولة وموصوفة مستغنية بالصفة عن الصلة، ومصدرية محكوم بحرفيتها، وهو مذهب الفراء، وهو صحيح، وبه أقول، وأجاز

الفراء في (تمامًا على الذي أحسن) أن تكون "الذي" مصدرًا، والتقدير: تمامًا على إحسانه، أي: إحسان موسى.
وأن تكون موصوفة بـ"أحسن" على أن "أحسن" أفعل تفضيل، فال: "لأن العرب تقول: مررت بالذي خير منك، ولا تقول: مررت بالذي قائم؛ لأن "خيرًا منك" كالمعرفة إذ لم تدخل فيه الألف واللام.
وكذلك يقولون: مررت بالذي أخيك، وبالذي مثلك، إذا جعلوا صفة "الذي" معرفة أو نكرة لا تدخله الألف واللام جعلوها تابعة للذي، أنشد الكسائي: إن الزبيري الذي مثل الجلم ومثله ما أنشد الأصمعي: حتى إذا كانا هما اللذين مثل الجديلين المحملجين وحكي الفراء عن بعض العرب: أبوك بالجارية الذي يكفل، وبالجارية ما يكفل، والمعنى: أبوك بالجارية كفالته.
وهذا صريح في ورود "الذي" مصدرية.
ومنه قول ابن رواحة: فثبت الله ما آتاك من حسن في المرسلين، ونصرًا كالذي نصروا أي: ونصرًا كنصرهم.
ومثله قول جرير:

يا أم عمرو جزاكِ الله مغفرة ردي على فؤادي كالذي كانا وقول ابن أبي ربيعة: لو أنهم صبروا عنا فنعرفه منهم إذًا لصبرنا كالذي صبروا وقول جرير: دعاني أبو سعد، وأهدى نصيحة إلي، ومما أن تغر النصائح لأجزر لحمي كلب نبهان كالذي دعا القاسطي حتفه، وهو نازح" انتهي كلامه ولا حجة في شيء مما ذكر على أن تكون "الذي" مصدرية، ولا أنها تتبع بمعرفة أو نكرة لا تقبل "أل" دون صلة؛ لأن الكوفيين يقولون: قالت العرب كذا، ويكون ذلك على قياس ما فهموا هم عن العرب، ولما اعتقدوا في قوله: إن الزبيري الذي مثل الجلم أن "مثل" تابع لـ"الذي"، وأنه لا صلة له، بنوا عليه أن العرب تقول: مررت بالذي خير منك، ومررت بالذي مثلك، وبالذي أخيك، وكل هذا قياس منهم على فهمهم في هذا الرجز وشبهه، وقد تقدم من تأويل البصريين/ لمثل هذا أنه مما حذفت منه الصلة، وأبقى معمولها، والمعنى: أن الزبيري الذي صار مثل الجلم.
وكذلك:

حتى إذا كانا هما اللذين مثل الجديلين.......... التقدير: عادا مثل الجديلين.
وأما ما استشهدوا به على أن "الذي" تكون مصدرية فلا حجة في شيء منه.
أما قول بعض العرب "أبوك بالجارية الذي يكفل" فـ"الذي" على حاله موصول، وبالجارية: متعلق بمحذوف، يدل عليه "الذي يكفل"، التقدير: أبوك كفيل بالجارية الذي يكفل، أو على إضمار "أعني"، كما يقدره بعض أصحابنا في كثير من المجرور، وإن كان "أعني" لا يتعدى في أصل الوضع بالباء.
وأما "أبوك بالجارية ما يكفل" فـ"ما" مصدرية، و"بالجارية" متعلق بمصدر محذوف، التقدير: أبوك كفالته بالجارية كفالته، كقول الشاعر: وبعض الحلم عند الجهـ ـل للذلة إذعان قدروه: إذعان للذلة إذعان.
وأما "كالذي نصروا" فيحتمل وجهين: أحدهما أن يكون أصله: كالذين نصروا، فحذف النون، والتقدير: كنصر الذين نصروا.
أو يكون "الذي" صفة لمصدر محذوف، والعائد عليه محذوف من نصروا، والتقدير: كالنصر الذي نصروه.
وأما قوله: ........................ ردي علي فؤادي كالذي كانا فتأويله: كالفؤاد الذي كانا، والشيء يشبه بنفسه باعتبار حالين، تقول:

زيد الآن كهو أمس، والمعنى: إن قلبي كان سليمًا فيما مضى من الزمان، والآن قد شفه الغرام، فرديه إلى الحالة التي كانت سبقت له.
وأما قوله: ................ كالذي دعا القاسطي حتفه....... فإن عندهم في معنى: كما دعا القاسطي حتفه، فـ"القاسطي" مفعول بـ"دعا"، و"حتفه" فاعل بـ"دعا"، ولا عائد على الذي.
وتأويله عندي على أنه قوله "كالذي دعا القاسطي" في موضع نعت لمصدر محذوف، و"الذي" صفة للدعاء، التقدير: دعاني أبو سعد دعاء مثل الدعاء الذي دعا القاسطي، ففي "دعا" ضمير يعود على "الذي"، وجعل الدعاء داعيًا على حد قولهم: شعر شاعر، وارتفاع "حتفه" على أنه خبر مبتدأ محذوف، وهو جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: ما الذي دعاه؟ قال: هو حتفه، أي: الداعي هو الحتف.
ويحتمل أن يكون ارتفاعه على أن يكون بدلًا من الضمير المستكن في "دعا" العائد على "الذي".
وتأويل هذه النوادر أولى من إثبات قاعدة كلية بشيء محتمل مخالف لما استقر في اللسان العربي.

-[ص: فصل

وتقع أي شرطية، واستفهامية، وصفة لنكرة مذكورة غالبًا، وحالًا لمعرفة، ويلزمها في هذين الوجهين الإضافة لفظًا ومعنىً إلى ما يماثل الموصوف لفظًا ومعنىً، أو معنى لا لفظًا.]-

ش: مثال الشرطية قول الشاعر: أي حين تلم بي تلق ما شئـ ـت من الخير، فاتخذني خليلًا والاستفهامية ﴿فَأَيُّ الفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ﴾.
وقوله وصفة لنكرة مذكورة/ مثال ذلك: مررت برجلٍ أي رجل، وبفارسٍ أي فارس، وقال الشاعر: دعوت أمرًا أي أمري، فأجابني وكنت وإياه ملاذًا وموئلًا ولا تكون إلا نكرة: فإن أضيفت إلى مشتق من صفة يمكن المدح بها كانت للمدح بالوصف الذي اشتق منه الاسم الذي أضيفت إليه، فإذا قلت: مررت بفارس أي فارس، فقد أثنيت على الأول بالفروسية خاصة.
وإن أضيفت إلى غير مشتق من صفة يمكن المدح بها فهي للثناء على الأول بكل صفة يمكن أن يثنى عليه بها، فإذا قلت: مررت برجل أي رجل، فقد أثنيت على الرجل ثناءً عامًا في كل ما يُمْدَح به الرجل.

وإنما كانت صفةً للنكرة، ولم تُوصف بها المعرفة، لأنها لو أُضيفت إلى معرفة كانت بعضًا مما تُضاف إليهن وذلك لا يُتصور في الصفة إذ الصفة أبدًا إنما هي الموصوف لا بعضه، و "أيٌ" وإن لم تكن مشتقة فهي في حكم المشتق.
قال أصحابنا: وإنما أُعطيت معنى الاشتقاق لأنها في الأصل استفهام، فإذا قلت: مررت برجلٍ أي رجلٍ، فكأنك قلت: مررت برجلٍ لنباهته وكماله يُتطلع إلى السؤال عنه والعجب من أحواله، فيقال: أي الرجال هو؟ هذا أصله، ولذلك أعطيت "أيٌ" معنى الكمال، وأزيل عنها الاستفهام ليعمل فيها ما قبلها، وبقي فيها إبهام الاستفهام ليفيد معنى المبالغة في الصفة.
وقال بعض أصحابنا: "ولا يعنون بقولهم "صفة" أنها جاريةٌ أبدًا على ما قبلها، بل يُعني بذلك أنها تُستعمل على معنى الوصف، وإلا فقد تُستعمل غير تابعة، نحو قوله: فأومأت إيماءً خفيًا لحبترٍ ولله عينا حبترٍ أيما فتى كأنه قال: أيما فتى هو، أي: هو الممدوح بكل ما مدح به الفتيان" انتهى.
وقوله غالبًا يعني أن الموصوف النكرة قبل "أيً" يكون مذكورًا غالبًا، واحترز بذلك من حذفه في قول الفرزدق: إذا حارب الحجاج أي منافقٍ علاه بسيف كلما هز يقطع

جارٍ التحميل