التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيلصفحات 247-286

وقال ابن عصفور: "استدل أبو العباس على ذلك بأن قال: لم يوجد اسم مثنى مبني في كلام العرب، وأما (هذان) و (اللذان) وأشباههما فصيغ تثنية، وليست بمثناة على الحقيقة، وأيضًا فإنهما قد طالا بالنون، والاسم المطول في باب (لا) معرب".
ورد عليه بأنه وجد اسم مثنى مبني بدليل قولهم (اثنان) في العدد إذا لم يقصد الإخبار بل مجرد العدد، وبأنه لا طول بالنون لأنها هنا بمنزلة التنوين، فكما لا يطول به كذلك لا يطول بالنون.
انتهى، وفيه بعض تلخيص.
أما قوله في (اثنان) لمجرد العدد (إنه مبني) فينبغي أن يزيد فيه "بلا عطفية"؛ لأنه قد زعم في (القرب) أنه إذا كانت عطفية، وكان لمجرد العدد، معرب، وأنه دخله لقب من ألقاب الإعراب.
وقال المصنف في الشرح: "خالف المبرد س في اسم (لا) المثنى، نحو: لا رجلين فيها، فزعم أنه معرب، واحتج بأمرين: أحدهما: أنه بزيادة الياء والنون أشبه المطول.
والثاني: أن العرب تقول: أعجبني يومَ زرتني، فتفتح، وأعجبني يومُ زرتني، فتعرب.
وعورض في الأول بأن شبه (لا رجلين) بـ (يا رجلان) أقوى من شبهه بـ (لا خيرًا من زيد)، وقد سوي بين (يا رجلان) / و (يا رجل)، فليسو بين (لا رجلين) و (لا رجل).

ورد الثاني بأن بناء (يوم) وشبهه حين أضيف إلى الجملة إنما كان لشبهه بـ (إذ) لفظًا ومعنى، فلما ثني خالفه بلحاق علامة التثنية، وبكون (اليوم) إذا ثني يصير موقتًا، والمحمول على (إذ) إنما يكون مبهمًا، أي: صالحًا للقليل والكثير، فإذا ثني زال الإبهام، فلم يصلح أن يحمل على (إذ) للزوم إبهامها وصلاحيتها لكل زمان ماض".
وفي (البسيط): "قال أبو العباس: هما معربان بوجهين: [أحدهما] أنه لا يوجد مثنى ولا مجموع بني.
والثاني: أنهما في معنى العطف، والعطف يمنع من البناء، ولأنه لو بني.
لكان مركبًا مع (لا)، ولا يوجد في كلامهم مركب من شيئين يثني الآخر منهما ويجمع.
ورد الأول بأن التثنية إذا بنيت إنما تنزل [منزلة] ما ارتجل للتثنية، كـ (هذان) و (اللذان).
وعن الثاني بأن العطف معنى لا لفظ.
وعن الثالث بأن التثنية كانت قبل البناء لا بعده" انتهى، وفيه بعض حذف.
وقال في (الغرة): والمبرد يزعم أنه معرب، ويقول: المثنى لم يجعل مع غيره كالشيء الواحد.
ورأيت أصحابنا يردون على المبرد من غير الوجه الذي قصده، وذلك أنهم يقولون عنه: إن المثنى والمجموع لا يكونان مبنيين؛ لأنه ما فيه النون بمنزلة ما فيه التنوين، وما فيه التنوين لا يكون مبنيًا.
واعترضوا عليه بقولهم "يا زيدان"، وهو مبني، وفيه النون، لأن النون قد تكون بدلًا من الحركة حسب في قولك (الرجلان)، فيجوز أن تكون هنا بدلًا من الحركة حسب.
وليس هذا بلازم للمبرد؛ لأنه قال: المثنى والمجموع لا يكونان مع ما قبلهما بمنزلة شيء واحد، وليس (زيدان) و (زيدون) في النداء كذلك.
ولكن الجواب عما قاله أن العلة الموجبة لبناء المفرد هي موجودة مع

التثنية؛ ألا ترى أنك تقول: هما خيرا اثنين في الناس، تريد: إذا فضل الناس اثنين اثنين.
وقوله وليست الفتحة في نحو (لا أحد) إعرابية، خلافًا للزجاج والسيرافي ذهبا إلى ما ذهب إليه الجرمي من أن حركة مثل (لا رجل) حركة إعراب، وتبعهما الرماني، وحذف التنوين منه تخفيفًا لا لأجل البناء، وزعما أن ذلك مذهب س بدليل قوله" فتنصبه بغير تنوين".
واحتج الزجاج بقولهم: لا رجل وغلامًا لك، ولا رجل ظريفًا عندك، وقال: إنما شبهه س بـ"خمسة عشر"؛ لأنها تلزم ما تعمل فيه كلزوم "خمسة عشر".
وما ذهبوا إليه فاسد؛ لأنه لو كان حذف التنوين تخفيفًا لكان حذفه من النكرة المطولة أولى؛ لأن المطول أولى بالتخفيف مما ليس فيه طول، فلما قالت العرب: ل خيرًا من زيد، ولم تحذف التنوين، دل على أن سبب الحذف البناء لا التخفيف./ وتأويلهم ذلك على س باطل؛ لأنه تجوز في تسمية الفتح نصبًا، وكثيرًا ما تجد ذلك في كلامه من استعمال ألقاب الإعراب لألقاب البناء لما كانت الصورة واحدة، وقد نص على البناء في (باب المنفي بلام الإضافة)، فقال: "وأعلم أن المنفي الواحد إذا لك يل (لك) فإنما يذهب منه التنوين كما أذهب من آخر خمسة عشر، لا كما ذهب من المضاف".
وهذا نص على أن حذف التنوين منه إنما سببه البناء لا التخفيف.

وثمرة هذا الخلاف تظهر فيجمع المؤنث السالم، فمن زعم أن الفتحة إعراب قال "لا ورقات لك" بالكسرة، ومن زعم أنها بناء لزمه أن يفتح لأنه مركب معها، وحركة آخر المركب المبني إنما هي الفتح، نحو: خمسة عشر.
وذهب الكسائي إلى أن السبب في نصب النكرات بعد (لا) أن النكرات يبتدأ بأخبارها قبلها لئلا توهمك أخبارها أنها صلات لها، فلما تقدم الاسم في باب (لا) التي للتبرئة، وتأخر الخبر، أرادوا أن يفصلوا بين ما ابتدئ بخبره وبين ما لا يكون خبره إلا بعده، فغيروه من الرفع إلى النصب، ونصبوه بغير تنوين لأنه ليس بنصب صحيح، إنما هو مغير، كما فعلوا في النداء حين خالفوا به نصب المضاف، فرفعوه بغير تنوين.
وذهب الفراء إلى أن السبب في نصب النكرة بعدها أنها خرجت عن بابها، وذلك أن بابها أن تكون بمعنى (غير) في الخبر، وتقديرها أن تكون هي وما بعدها كالتابعة لضمير قبلها، ويكون بعدها مضمر يحمل عليه الاسم، وذلك عند قولك: زيد لا عالم ولا جاهل، أي: زيد رجل غير عالم وغير جاهل، أو: زيد لا هو عالم ولا هو جاهل.
قال: فلما جاءت في معنى (ليس) أخرجوها من معنى (غير) بالنصب لئلا يتوهم السامع أنها محمولة على شيء قبلها، فجعلوا هذا علمًا لما أرادوا من خروجهم من معنى إلى معنى.
وما ذهب إليه الكسائي والفراء باطل بدليل أن (لا) إذا وقعت بعدها النكرة، ولم يرد بها العموم، لم تنصبها (لا)، بل تكون مرفوعة على الابتداء، ويلزم تكرارها إذ ذاك، فتقول: لا رجل في الدار بل رجلان،

ولا امرأة بل امرأتان، مع أن النكرة مقدمة على خبرها، و (لا) أيضًا غير محمولة على شيء قبلها، ولو كان سبب النصب ما ذكراه للزم نصب النكرة في ذلك، فلما لم تنصب العرب النكرة بعدها إذا لم تكون عامة دل على أن سبب النصب هو ما ذكره البصريون من أنها نصبت لشبهها بـ (إن) من الجهات التي تقدم ذكرها.
وقال المصنف في الشرخ رادًا على الزجاج والسيرافي ما ملخصه: "لو لم يكن في كلام العرب ما يبطله لبطل بكونه مستلزمًا/ مخالفة النظائر، فإن الاستقراء قد أطلعنا على أن حذف التنوين لا يكون إلا لمنع صرف، أو إضافة، أو دخول أل، أو من علم موصوف بـ (ابن) مضاف إلى علم، أو لملاقاة ساكن، أو لوقف، أو لبناء، و (لا رجل) يتعين أن حذف التنوين منه لبناء؛ إذ ليس واحدًا مما قبل البناء، كيف وقد روي عن العرب (جئت بلا شيء) بالفتح وسقوط التنوين، كما قالوا: جئت بخمسة عشر، والجار لا يلغى، ولا يعلق، فثبت البناء بذلك".
ثم قال المصنف: "ومما يدل على أن الفتحة فتحة بناء لا فتحة إعرابها ثبوتها في: ........................................... ولا لذات للشيب في الرواية المشهورة.
وتوجيه رواية الكسر على أن يكون (لذات) منصوبًا لكونه مضافًا أو مشبهًا بالمضاف على نحو ما يوجه به (لا أبا لك)، و (لا يدي لك).

وقال س: (واعلم أن التنوين يقع من المنفي في هذا الموضع إذا قلت (لا غلام لك) كما يقع من المضاف إلى اسم، وذلك إذا قلت: لا مثل زيد).
فعلم بهذا أن فتحة ميم (لا غلام لك) كفتحة لام (لا مثل زيد) لأنهما عنده سيان في الإضافة، فعلى هذا تكون كسرة (لا لذات) كسرة إعراب لكونه مضافًا، واللام مقحمة".
وقوله ودخول الباء على (لا) يمنع التركيب غالبًا مثال ذلك: جئت بلا زاد، وجئت بلا شيء.
واحترز بقوله (غالبًا) مما روي عن العرب من البناء في قولهم "جئت بلا شيء" بالفتح.
وفي (البسيط): وهذا الخبر هل تدخل عليه الباء للتأكيد كما تدخل في (ما)؟ فجوزه أبو علي في (التذكرة)، ومنعه بعضهم لأنها إنما دخلت في الخبر المنصوب، فلا يقاس عليه، وأما قولهم "لا خير بخير بعده النار، ولا شر بشر بعده الجمة" فمن جوزه جعله الخبر، و (بعده النار) صفة للخبر، ومن لم يجوزه تكون الباء في معنى (في)، وهو جائز، ومجرور (في) موضع الخبر، و (بعده النار) صفة للاسم، والتقدير: لا خير بعده النار خير.
وقوله وربما ركبت النكرة مع (لا) الزائدة قال المصنف في الشرح: "وندر تركيب النكرة مع (لا) الزائدة، كقول الشاعر:

لو لم تكن غطفان لا ذنوب لها إذا للام ذوو أحسابها عمرا وهذا من التشبيه الملحوظ فيه بمجرد اللفظ، وهو نظير تشبيه (ما) الموصولة بـ (ما) النافية في قوله: يرجى المرء ما إن يراه وتعرض دون أدناه الخطوب" /ص: وقد يعامل غير المضاف معاملته في الإعراب ونزع التنوين والنون إن وليه مجرور بلام معلقة بمحذوف غير خبر، فإن فصلها جار آخر أو ظرف امتنعت المسألة في الاختيار، خلافًا ليونس.
وقد يقال في الشعر: لا أباك.
وقد يحمل على المضاف مشابهه بالعمل، فينزع تنوينه.
ش: قال المصنف في الشرح: "المشهور الوارد على القياس أن يقال في اسم (لا) إذا كان أبًا أو أخًا: لا أب له، ولا أخ لك، كما قال نهار اليشكري: أبي الإسلام لا أب لي سواء إذا افتخروا بقيس أو تميم وأن يقال فيه إذا كان مثنى أو شبهه كما قال الشاعر:

تأمل، فلا عينين للمرء صارفًا عنايته عن مظهر العبرات وكما قال: أرى الربع لا أهلين في عرصاته ومن قبل عن أهليه كان يضيق وقد كثر في الكلام مع مخالفة القياس نحو: لا أبا لك، ولا أخا له، ولا غلامي لك، نحو قول الراجز: أهدموا بيتك لا أبا لكا وزعموا أنك لا أخا لكا وأنا أمشي الدألى حوالكا ومثال (لا غلامي لك) قول الشاعر: لا تعنين بما أسبابه عسرت فلا يدي لامرئ إلا بما قدرا ولم يرد هذا الاستعمال في غير ضرورة إلا مع اللام".
وقوله غير المضاف يشمل أبا وأخا، والمثنى، وكل ما وليه لام جر في: لا غلام لك، ولا بني لك، ولا بنات لك، ولا عشري لك، كذا قال المصنف.
وهذه المسألة فيها ثلاثة مذاهب: أحدها: ما ذهب إليه هشام وابن كيسان، واختاره المصنف، من أن هذه أسماء مفردة ليست بمضافة، والمجرور باللام في موضع الصفة لها، فيتعلق بمحذوف، وشبه غير المضاف بالمضاف في نزع التنوين من المفرد، والنون من المثنى والمجموع على حده.

المذهب الثاني: ما ذهب إليه الجمهور من أنها أسماء مضافة إلى المجرور باللام، وأن اللام مقحمة لا اعتداد بها، وليست اللام متعلقة بشيء، لا بمحذوف ولا بغير محذوف، بل هي كاللام في قوله: يا بؤس للحرب التي وضعت أراهط، فاستراحوا /والخبر على هذين المذهبين محذوف.
والمذهب الثالث: ما ذهب إليه أبو علي الفارسي في أحد قوليه، وأبو الحجاج بن يسعون وأبو الحسين بن الطراوة ومن أخذ بمذهبهما في "لا أبا لك" و"لا أخا لك"، وشبههما من أنها أسماء مفردة، والمجرور باللام هو في موضع الخبر، وأن قولهم: لا أبا لك، ولا أخا لك، جاء على لغة من قصر الأب والأخ في الأحوال كلها، فقال: جاء أباك وأخاك، ورأيت أباك وأخاك، ومررت بأباك وأخاك.
واستدل ابن يسعون على امتناع الإضافة بما وقع في (الكتاب) من قولهم "لا أخا -فاعلم- لك" من جهة أنه لا يسوغ عنده الفصل بين

المضاف والمضاف إليه، وزعم أن قولهم "لا يدي لك" إنما قاله النحويون بالقياس، وليس من كلام العرب.
واستدل ابن الطراوة بأن قال: لو كانا مضافين لكان الخبر محذوفًا وذلك الخبر المحذوف لا يكون إلا زمانًا أو مكانًا، وذلك باطل لأنك لم ترد أن تنفي الأب والأخ في مكان أو وقت فيكونا واجبين في غير ذلك المكان والوقت.
قال: ويدل على أن ذلك خبر على كل حال قول سليمان بن عبد الملك وقد سمع أعرابيًا يقول: رب العباد ما لنا وما لكا قد كنت تسقينا، فما بدا لكا أمطر علينا الغيث، لا أبا لكا فأخرجها سليمان أحسن مخرج، فقال: "أشهد أنه لا أب له ولا صاحبة ولا ولد"، فبين في هذا ما قصد الأعرابي.
واستدل المصنف لمذهب هشام وابن كيسان -وهو الذي أختاره- بأن الإضافة المدعاة إن كانت محضة لزم كون اسم (لا) معرفة، وهو غير جائز، ولا عذر في الانفصال باللام؛ لأن نية الإضافة المحضة كافية في التعريف مع كون المضاف غير مهيأ للإضافة، نحو ﴿وكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ﴾، و ﴿لله الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾، وما نحن بسبيله مهيأ للإضافة، فهو أحق بتأثير نية الإضافة فيه.

وإن كانت الإضافة المدعاة غير محضة لزم من ذلك مخالفة النظائر؛ لأن ذلك لا بد أن يكون فيما عمل عمل الفعل لشبهه به لفظًا ومعنى، نحو: هذا ضارب زيد، وحسن الوجه، أو معطوفًا على ما لا يكون إلا نكرة، نحو "رب رجل وأخيه"، والأسماء المشار إليها بخلاف ذلك.
وأيضًا لو كانت إضافتها غير محضة لم يلق/ أن يؤكد معناها إقحام اللام لأن المؤكد معتنى بع، وما ليس محضًا لا يعتني به فيؤكد، ولذلك قبح توكيد الفعل الملغى لأنه مذكور في حكم المسكوت عنه، وقول من قال: يا بؤس الحرب.............................................. وهو يريد "يا بؤس الحرب" سهله كون إضافته محضة.
على أن لقائل أن يجعل أصله "يا بؤسا للحرب"، ثم حذف الألف للضرورة، وهي مرادة، فلا إضافة، ولا إقحام.
وأيضًا فلو كانت إضافة الأسماء المشار إليها غير محضة مع (لا) لكانت كذلك مع غيرها؛ إذ لا شيء مما يضاف إضافة غير محضة إلا وهو كذلك مع كل عامل، ومعلوم أن إضافتها في غير هذا الباب محضة، فيجب أن يكون في هذا الباب، وإلا لزم عدم النظير.
ومما يدل على ضعف القول بكون الأسماء المشار إليها مضافة قولهم: لا أبا لي، ولا أخا لي، فلو كانوا قاصدين الإضافة لقالوا: لا أب لي، ولا أخ لي، فيكسرون الباء والخاء إشعارًا بأنها متصلة بالياء تقديرًا، فإن اللام لا اعتداد بها على ذلك التقدير، وإذ لم يفعلوا ذلك فلا

ارتياب في كونهم لم يقصدوا الإضافة، ولكنهم قصدوا إعطاء الأسماء المذكورة حكم المضاف إذا كانت موصوفة بلام الجر ومجرورها، ولم يفصل بينهما، وذلك أن الصفة يتكمل بها الموصوف كما يتكمل المضاف بالمضاف إليه، فإذا انضم إلى ذلك كون الموصوف معلوم الافتقار إلى مضاف إليه، وكون الصفة متصلة بالموصوف، وكونها باللام التي تلازم معناها الإضافة غالبًا، وكون المجرور صالحًا لأن يضاف إليه الأول، تأكد شبه الموصوف بالمضاف، فجاز أن يجري مجراه فيما ذكر من الحذف والإثبات، فمن ثم لم يبالوا بـ (فيها) أن يجري هذا المجرى، كقول الشاعر: وداهية من دواهي المنو ن، يرهبها الناس، لا فا لها فنصبه بالألف كما ينصبه في الإضافة.
انتهى ما ذكره المصنف من الاستدلال لما اختاره في هذه المسألة.
فأما ما ذهب إليه الفارسي في أحد قوليه وابن يسعون وابن الطراوة من أن "لا أبا لك" و"لا أخا لك" جاء على لغة القصر، و (لك) في موضع الخبر، فيحتاج إلى إثبات أن قائل "لا أبا لك" و"لا أخا لك" إذا استعملوهما مفردين لم يحذفوا لاميهما، وذلك شيء لا يعرف أحد نقله عن أرباب هذه اللغة.
وأما استدلال ابن يسعون على امتناع الإضافة بقولهم "لا أخا -فاعلم- لك" من جهة الفصل بالجملة فلا دليل/ في ذلك؛ لأن الفصل بين المتضايفين بجملة الاعتراض سائغ، ومن ذلك ما حكاه أبو عبيدة من أنه سمع أبا سعيد -وهو أعرابي لقبه أو الدقيش- يقول: "إن الشاة

لتسمع صوت -علم الله- صاحبها، فتقبل إليه، وتثغو".
بل الفصل في "لا أخا -فاعلم- لك" أسهل منه في قول أبي الدقيش لفصل اللام فيه بين الضمير وما أضيف إليه، فصار لذلك كأنه غير مضاف في اللفظ، وإذا ثبت ما حكاه الكسائي من قول بعضهم "أخذته بأري ألف درهم"، ففصل بين الباء والمجرور بجملة الاعتراض، فالفصل بين المتضايفين بها أسهل بكثير.
وأما ما زعم من أن "لا يدي لك" قاله النحويون بالقياس ولي من كلام العرب فباطل، بل نقلوه من العرب، وحكى ذلك سماعًا الدينوري والسيرافي، ومن ذلك قول الكميت: وظاهر الكاشح الأقصى ليجعلني ردءًا له، لا يدي للصقر بالخرب وقول الفرزدق: فلو كنت مولى العز أو في ظلاله ظلمت، ولكن لا يدي لك بالظلم وتقدم ما أنشده المصنف من البيت الذي عجزه: ................................... فلا يدي لامرئ إلا بما قدرا وأما ما استدل به ابن الطراوة فليس التقدير كما ذكر، بل التقدير: لا أبا لك في الوجود، وإذا نفي أن يكون للمخاطب أب في الوجود كان معناه ومعنى "لا أبا لك" -إذا جعلت (لك) خبرًا- واحدًا.
وأما تفسير سليمان قول الأعرابي على معنى الإخبار بالمجرور فلا يمنع من إجازة الوجه الآخر، بل حمل الكلام على أحد محتمليه.

وأما ما استدل به المصنف وترديده في الإضافة بين أن تكون إضافة محضة أو غير محضة فلا حاجة إلى هذا الترديد؛ لأن الذاهبين إلى أنها أسماء مضافة لم يذهب أحد منهم إلى أنها إضافة محضة، بل ذكروا أنها إضافة غير محضة، فكان ينبغي أن يرد عليهم مدعاهم أنها إضافة غير محضة.
وأما رده كونها غير محضة بأنه يلزم من ذلك مخالفة النظائر فمخالفة النظائر كثيرة في لسان العرب، ولا يبالى بلزوم مخالفة النظائر، ومخالفة النظائر لازمة له في مذهبه لأنه يزعم أن التنوين يسقط [من] الصفة المشبهة للإضافة، وقد قرر هو في رده على الزجاج والسيرافي في دعواهما أن حركة "لا رجل" حركة إعراب بأن التنوين لا يحذف إلا لمنع صرف، أو إضافة، أو دخول أل، أو من علم موصوف بـ (ابن) مضاف إلى علم، أو لملاقاة ساكن، أو لوقف، أو لبناء، وسقوطه لما ذكر ليس واحدًا من هذه التي عدها، فقد/ لزم من ذلك مخالفة النظائر.
ويزعم أيضًا أن نون المثنى والمجموع على حده لا تسقط إلا للإضافة، أو تقصير صلة، أو للضرورة، وهنا قد أسقطها في "لا يدي لك" و"لا بني لك" لغير ما ذكر، فقد لزم من قوله مخالفة النظائر.
وأما حصره الإضافة غير المحضة فيما ذكر فليس كما ذكر؛ لأن لنا إضافة محضة غير ما ذكر، وهي إضافة (غيرك) و (مثلك) وأخواتها، وليست مما عمل عمل الفعل ولا معطوفًا على ما لا يكون إلا نكرة.

وأما قوله "لو كانت إضافتها غير محضة لم يلق أن يؤكد معناها بإقحام اللام؛ لأن المؤكد معتنى به، وما ليس محضًا لا يُعتني به فيؤكد" فممنوع قوله "وما ليس محضًا لا يُعتني به"، بل الإضافة غير المحضة يُعتني بها كما يُعتني بالإضافة المحضة، وكيف لا وهي قسيمة المحضة؟ وأما قوله "ومما يدل على ضعف القول بكون الأسماء المشار إليها مضافةً قولهم: لا أبالي، ولا أخالي" إلى آخره فلا يلزم ما ذكره من أنهم كانوا يقولون: لا أب لي، ولا أخ لي، بكسر الباء والخاء؛ لأن العامل في الضمير من نحو "لا أبا لك" الجر هو اللام لا الإضافة.
وإنما كان عامل الجر هو اللام لا الإضافة لأمرين: أحدهما: أنها مُجاورة له، فهي أحق بالعمل فيه.
والآخر: أنك إذا فعلت ذلك كان حرف الجر عاملًا في الضمير والمضاف عاملًا في موضع المجرور، كما عمل في موضع المجرور في قراءة الأعمش ﴿وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ﴾، أي: وما هم بضاري أحدٍ به، وإذا جعلته مجرورًا بالمضاف بقي حرف الجر لا معمول له، وحرف الجر لا يُقطع عن المجرور إلا في الضرورة، نحو قوله: فخير نحن عند الناس منكم إذا الداعي المُثوب قال: يا لا أي: يا لفلان، فحذف المجرور، وأبقى حرف الجر، وسهل ذلك

كون ألف الإطلاق قد صارت عوضًا منه.
فإذا تقرر أن عامل الجر في الضمير إنما هو اللام لم يلزم كسر ما قبل اللام لأجل الياء لأن العمل إنما هو للام، فلم تُباشر آخر الأب والأخ بالإضافة حتى يلزم كسره.
وأما قوله "وذلك أن الصفة يتكمل بها الموصوف كما يكمل المضاف بالمضاف إليه"/ فليس بصحيح، وأين أحدهما من الآخر، المضاف إليه يقع من المضاف موقع التنوين أو النون، والصفة ليست كذلك.
وأما ما استدل به الجمهور، وهو أن قالوا: قالت العرب "لا يدي لك بكذا"، فلا وجه لحذف هذه النون إلا الإضافة، وقالت العرب: " لا فا لزيدٍ" حكاه ابن كيسان، فلولا أنه مضاف لعوض من العين الميم، والإضافة عندهم في "لا أبا لك" ونحوه إضافة غير محضة؛ ألا ترى أنك لا تَنفي في الحقيقة أباه، وإنما تُريد بذلك الذم، قاله أبو علي في (التذكرة).
وقال ابن التياني في (الموعب) له: زعم بعضهم أن قولهم (لا أبا لك) مدح، و (لا أم لك) ذم.
وقيل: يكونان جميعًا في المدح والذم.
وقال أبو فيدٍ السدوسي: (لا أم لك) [دم]، أي: أنت لقيط لا تعرف أمك، و (لا أبا لك) مدح، أي: لا كافي لك.
وقال ابن جني: "يخرج مخرج الدعاء عليه، فإذا قلت (لا أبا

لك) فكأنك قلت: [أنت] أهل للدعاء عليك، وليس دعاء صريحًا؛ إذ لو كان دعاء صريحًا لما جاز أن يُقال لمن ليس له أب: لا أبا لك، كما لا يُقال للأعمى: أعماه الله، وقوله: يا تيم تيم عدي، لا أبا لكم لا يُلقينكم في سوأةٍ عمر أقوى دليل على ما ذكرناه؛ لأنه ليس لتيم كلها أب أحد، ولكن معناه: كلهم أهل للدعاء عليه".
وكذلك أيضًا "لا أخا لك" لم يُرد به نفي الأخ حقيقة، قال: "ويؤكد ذلك قول الشاعر: أفي كل عامٍ بيضةٌ تفقؤونها وتترك أخرى فردةً لا أخا لها ولم يقل: لا أخت لها".
فثبت إذًا بما ذكرناه أن المعنى ليس على ما يعطيه ظاهر اللفظ من نفي أب وأخ معينين؛ لأن المعنى ليس على ذلك، وإذا لم يُرد أبًا وأخًا مُعينين كانت الإضافة غير معرفة، فلم يزل من ذلك إعمال (لا) في اسم معرفة.
وزعم ابن السراج أن الأب إنما لم يتعرف بالإضافة لأن إضافته في نية الانفصال، وأن الأصل قبل الإضافة: لا أبًا لك، والمجرور الذي هو (لك) من تمام الأب، ولذلك نون لطوله به، والخبر مضمر، إلا أنهم حذفوا التنوين استخفافًا، وأضافوا، وألزموا اللام لتدل على هذا المعنى،

قال: "وإنما فعل هذا في هذا الباب، وخص به".
قال بعض أصحابنا: "وهذا الذي ذهب إليه ابن السراج باطل؛ إذ لو كان (لك) معمولًا لـ (أب) ومن تمامه، كما زعم، لم تسغ إضافته إليه؛/ ألا ترى أنه لا يجوز لك أن تقول: لا ناصح لزيدٍ في القوم" انتهى.
وأقول: إن قول ابن السراج "إن المجرور الذي هو (لك) من تمام الأول" ليس بصحيح؛ لأن (لك) من تمام الأول" ليس بصحيح؛ لأن (لك) لا يكون من تمام الأول إلا لو كان الأول مما يُمكن أن يتعلق به حرف الجر، و (الأب) ليس من هذا القبيل، وإن عنى بالتمام أنه صفة للأول فهو يتعلق بمحذوف، فليس من تمامه، ولا يكون الأول مطولًا بالصفة، وإلا كان يجوز أن تقول: لا رجلًا ظريفًا، وتقول طال (لا رجلًا) بالصفة، فنصب، وهذا لا يجوز.
فإن قلت: إذا كان الاسم نكرة، وإضافته غير محضة كما ذكرتم، فهلا قالت العرب (لا أباك) في فصيح كما يقولون: لا ضارب زيدٍ؟ فالجواب: أن الأب لما كان إذا أُضيف إلى عرفة في غير هذا الباب تعرف بها استقبحوا دخول (لا) النافية عليه، فلم يُدخلوها إلا بعد إقحام اللام بين المضاف والمضاف إليه إصلاحًا للفظ، وأعني بذلك أنه يجيء في اللفظ على صورة غير المضاف وإن كان مضافًا في التقدير، فهي معتدٌ بها من جهة أنها هيأت الاسم لعمل (لا) فيه، وغير معتد بها من جهة أنها لم تمنع الإضافة بدليل إثبات الألف التي لا تلحق الأب في حال نصبه في فصيح الكلام إلا في حال الإضافة، ولا يُقحمون بين المتضايفين في هذا الباب النداء نحو قوله: ................ يا بؤس للجهل ضرارًا لأقوام

من حروف الجر إلا اللام خاصة؛ لأنها مؤكدة لمعنى الإضافة في البابين على معنى اللام، فأقحموها لذلك.
وأما قول الشاعر: وقد علمت أن لا أخا بعشوزنٍ ولا جار إذا أرهقتها بالحوافر فالأخ غير مضاف، وإنما جاء على لغة من يجعل أخاك بمنزلة عصاك، فلا يحذف لأمه أضيف أو لم يُضف.
فإن قلت: إذا كان (الأب) من قولهم (لا أبا لك) مضافًا إلى ما بعده فكيف ساغ للعرب أن تقول (لا أبا لي) بإثبات الألف، و (لا أخا لي) قال الأعشى: فأنت أبي ما لم تكن لي حاجةٌ وإن عرضت أيقنت أن لا أبا ليا وقال آخر: وما راعني إلا زهاء معانقي فأي عنيق بات لي، لا أبا ليا / وقال آخر: وذي إخوةٍ قطعت أسباب بينهم كما تركوني مُفردًا لا أخا ليا والأب والأخ إذا أُضيفا إلى ياء المتكلم لم تُرد فيه اللام المحذوفة.
فالجواب: أن الذي منع من رد اللام المحذوفة إذا قلت (أبي) إنما

هو ما يلزم في ذلك من ثقل التضعيف لأجل الإدغام في ياء المتكلم، إلا أنك لو رددتها -وهي الواو- لكسرته لأجل ياء المتكلم، وللزم أن تتبع حركة العين حركة اللام، فتقول (أبوي)، ثم تسكن الواو، وتقلبها ياء لانكسار ما قبلها، وتدغم الياء في الياء، فتقول (أبي)، فلما فصلت بين الألف وياء المتكلم اللام أمن التضعيف المستثقل، فأعادوا اللام المحذوفة كما يُعيدونها في حال الإضافة إلى غير ياء المتكلم.
انتهى ما نُقل من كلام من ذهب إلى أن (لا أبا لك) وشبهه من الأسماء المضافة.
وفي (الغرة): "لم يفعلوا ذلك مع غير اللام من حروف الجر، فأما قوله: وقد علمت أن لا أخا بعشرزنٍ..................... فجاء بالباء، وهي شاذة" انتهى.
فرع: من قال (لا أبا لزيدٍ) لم يقل (لا أبا لزيدٍ وأخا لعمرٍو)، فيُقحم اللام بين المعطوف على اسم (لا) وبين ما أُضيف إليه، نص على ذلك الفارسي في (البصريات).
والسبب في امتناعه أن إقحامها بين المتضايفين خارج عن القياس، ولولا السماع لما قيل به، فلا ينبغي أن يُتعدى به موضع السماع، والأول في هذا الباب قد يختص بما لا يجوز في الثاني؛ ألا ترى أن اسم قد يُبنى معها، ولا يجوز ذلك في الاسم المعطوف عليه.
وقد قال أبو جعفر بن مضاء مؤلف كتاب (المشرق): "شذت مسألة، وذلك قولهم: لا أخا لك، ولا أبا لك، ولا يدي لفلان، وتقدم أن (لا) لا تعمل إلا في النكرات العامة، وهذه الألف لا تلحق الأسماء الستة المعتلة إلا في حال الإضافة، فإن جعلت هذه الأسماء مضافة إلى الضمير

واللام زائدة لم يجز نصبها بـ (لا)، وإن قدرنا اللام ثابتة والأسماء نكرات فلم دخلت الألف وسقطت النون، لكن هكذا سُمعت من العرب" انتهى.
واطرد إقحام اللام بين المتضايفين إذا كان المضاف إليه معرفة لكثرة ما جاء منه، فتقول: لا أبا لك، ولا حما لك، ولا يدي/ لك، ولا غلامي لك، ولا مُسلمي لك، ولا زيدي لك.
ويجوز في قولك (لا غلام لك) و (لا جارية لزيد) أن يكون من هذا الباب، ويكون الخبر محذوفًا.
ويجوز أن يكونا غير مضافين، والمجرور في موضع الخبر، ويكون حذف التنوين إذ ذاك لأجل بنائه مع (لا).
قالوا: وتكون التثنية في هذا الباب من قبيل التثنية التي يُراد بها شفع الواحد، نحو (لبيك) و (حنانيك)؛ ألا ترى أن المراد بقولهم (لا غلامي لك) نفي ما قل وكثر من الغلمان؛ لأن (لا) النافية لا تعمل إلا إذا نُفي بها نفيٌ عامٍ، كما أن معنى (حنانيك) تحنن علينا حنانًا بعد حنان، و (لبيك) لزومًا لطاعتك بعد لزوم، وليس المراد حقيقة التثنية.
وإقحام اللام في هذا الباب لازم، فلا يجوز حذف اللام وإبقاء الإضافة فيه لا في الكلام ولا في الشعر، ولا جاء شيء من ذلك في كلامهم إلا مع الأب في ضرورة الشعر.
وقوله إن وليه مجرورٌ بلامٍ مُعلقةٍ بمحذوفٍ غير خبرٍ تقدم أن المُقحم لا يكون إلا اللام، وقال المصنف في الشرح: "بشرط كون اللام ومجرورها غير خبر، فإن كان هو الخبر تعين إثبات النون وحذف الألف بإجماع، وكذا إن لم تل اللام ومجرورها النكرة، أو كان في موضع اللام حرف غيرها".
مثال ذلك (لا يدين لك) إذا كان (لك) هو الخبر،

و (لا أبا لك) و (لا غلامين ظريفين لك)، فلم تل (لك) (غلامين) إذ قد فُصل بينهما بالصفة، و (لا يدين بزيدٍ)، فالباء قد دخلت على المجرور، فهي في موضع اللام.
فهذه المسائل كلها لا يجوز فيها إلا إثبات التنوين وبناء الاسم المفرد، نحو (لا غلام لك) على الفتح.
وقوله فإن فصلها - أي اللام - جار آخر - نحو: لا يدي بها لك - أو ظرفٌ - نحو: لا يدي اليوم لك، ولا غلامي عندك لزيدٍ - امتنعت المسألة في الاختيار، خلافًا ليونس، فإنه أجاز ذلك في الاختيار، وأشار س إلى جوازه في الضرورة، هكذا قال المصنف.
وفي كتاب س أن يونس يفرق في الفصل بين الظرف الناقص والتام، فالناقص يُجيز الفصل به في فصيح الكلام، وكأنه عنده لما لم يستقل الكلام به لم يذكر، والتام لا يُجيز الفصل به.
ورد عليه س أنك لم تفرق بين الناقص والتام في الفصل بين (إن) واسمها، ولا في باب (كان)؛ ألا ترى أنك تقول: إن عندك زيدًا مقيمٌ، وإن اليوم زيدًا مسافرٌ، وكان عندك زيدٌ مقيمًا، على جعل/ (عندك) معمولًا للخبر، وكان اليوم زيدٌ مسافرًا، فإذا لا فرق بين الناقص والتام.
وأجاز س الفصل بجملة الاعتراض، فقال: لا أبا - فاعلم - لك.
وقوله وقد يقال في الشعر (لا أباك) قال أبو علي في (الإيضاح): "وربما حذف الشاعر هذه اللام للحاجة، والتقدير بها الثبات، قال الشاعر:

أبالموت الذي لا بد أني ملاقٍ لا أباك تُخوفيني" فظاهر كلام أبي علي هذا يدل على أن الشاعر قد يحذف هذه اللام المُقحمة بين المضاف والمضاف إليه إذا اضطر إلى ذلك.
والصحيح أن ذلك لم يجئ في ضرورة ولا في غيرها إلا في (الأب) خاصة، وكذا قال المصنف في الشرح، قال: "ولا يُستغنى عن اللام بعدما أعطي حكم المضاف من الأسماء المذكورة إلا بعد الضرورة، كقول الشاعر: وقد مات شماخٌ، ومات مُزودٌ وأي كريمٍ لا أباك يُخلدُ وقول الآخر: أبالموت الذي لا بد أني ملاقٍ لا أباك تخوفيني أراد: لا أبا لك، ولا أبا لك، كذا زعموا.
وهو عندي بعيد؛ لأنه إن كان الأمر كذلك لم يخل من أن يكون (أب) مضافًا إلى الكاف عاملًا فيها، أو يكون مقدر الانفصال باللام، وهي العاملة في الكاف مع حذفها.
فالأول ممنوع لاستلزامه تعريف اسم (لا)، أو تقدير عدم تمحض الإضافة فيما إضافته محضة.
والثاني ممنوع لاستلزامه وجود ضمير متصل معمول

لعامل غير منطوق به، وهو شيء لا يُعلم له نظير، فوجب الإعراض عنه والتبرؤ منه.
والوجه عندي في (لا أبا لك) أن يكون دعاء على المخاطب لئلا يأباه الموت.
وهذا توجيه ليس فيه من التكلف شيء" انتهى ما ذكره في (لا أباك) وتوجيهه إياه على أنه فعل ماض دخلت عليه (لا) للدعاء، وفاعله ضمير الموت المذكور في قوله: أبالموت الذي لا بد أني............................. وضمير المصدر المفهوم من قوله: وقد مات شماخٌ................................... والذي ذكر النحويون أن اللام المحذوفة مقدرة، وإن كانت إذا أتى بها مقحمة زائدة؛ لأنهم لما استعملوها في حال الإضافة إصلاحًا للفظ، ورفضوا ترك الإتيان بها - وإن كان الأصل - صار الإتيان بها كأنه الأصل، فلما اضطر الشاعر إلى إسقاطها قدرها، ونواها لذلك،/ وإذا كانت مقدرة وجب أن يكون خفض الضمير بها لا بالإضافة؛ لأن المنوي المقدر بمنزلة الثابت الملفوظ به، وأنت إذا لفظت باللام كان الخفض بها.
ومما يبين أيضًا أن اللام منوية مقدرة قولهم (لا أباي)، حكي ذلك الأستاذ أبو بكر بن طاهر؛ ألا ترى أن اللام لو لم تكن مقدرة لقالوا (لا أبي) كما قالوا (لطمت في)، فلما لم تُكسر الباء في (لا أباي) دل ذلك على أن الكسرة التي توجبها ياء المتكلم ليست في اللام المردودة، وإنما هي في اللام المحذوفة المقدرة.

وأما تأويل المصنف (لا أباك) على أنه فعل ماضٍ، و (لا) للدعاء، والفاعل مضمر كما قرره، ففي غاية الفساد من وجوه: أحدها: أن العرب قالت (لا أباك) حيث لم تذكر موتًا، فلا يكون دعاء بالموت، قال: أمن أجل حبل - لا أباك - ضربته بمنسأةٍ، قد جر حبلك أحبلا وقال ابن الدمينة: فقلت لها: لا باك، هلا عذرتني لديها، فقد حانت علي ذنونب فليست هنا للدعاء بالموت.
الثاني: أن العرب حذفت من الكلمة الهمزة في بيت ابن الدمينة، وحذفت مع الهمزة أيضًا الألف، فقالوا (لا ب شانيك)، يريدون: لا أبا لشانيك، ولو كان هذا فعلًا ماضيًا لم يجز حذف ذلك منه.
وإنما جاز كثرة الحذف في (لا أبا لك) لكثرة دوره على ألسنتهم في هذا الباب.
الثالث: يدل على أن (أباي)، فو كان فعلًا ماضيًا لقال (لا أباني)، فتلحقه نون الوقاية، وهذا قاطع ببطلان تأويل المصنف.
وقوله وقد يحمل على المضاف مُشابهه بالعمل، فينزع تنوينه قال المصنف في الشرح: "لو تعلقت اللام بالاسم تعين الإعراب وتوابعه

غالبًا، نحو: لا واهبًا لك درهمًا.
واحترزت بـ (غالبًا) من قول الشاعر: أراني -ولا كفران لله أيةً لنفسي - قد طالبت غير مُنيل أنشده أبو علي في (التذكرة)، وقال: إن أيةً منصوب بـ (كفران)، أي: لا أكفر لله رحمةً لنفسي.
ولا يجوز نصب (أية) بـ (أويت) مضمرًا لئلا يلزم من ذلك اعتراض بين مفعولي (أرى) (أية) بـ (أويت) مضمرًا لئلا يلزم من ذلك اعتراض بين مفعولي (أرى) بجملتين، إحداهما (لا) واسمها وخبرها، والثانية (أويت)، ومعناه: رققت.
وإلى (ولا كفران لله أيةً) أشرت بقولي "وقد/ يُحمل على المضاف مُشابهه بالعمل".
ويُمكن أن يكون من هذا قول النبي - عليه السلام - "لا صمت يومٌ إلى الليل" على رفع (يوم) بالمصدر على تقديره بـ (أن) وفعل ما لم يُسم فاعله" انتهى.
ويعني بـ (مشابهه بالعمل) المُطول، نحو: لا خيرًا من زيدٍ عندك، ولا ضاربًا بكرًا في الدار، ولا حسنًا وجهه لك، ولا عشرين درهمًا عندك.
ولم يذكر المصنف في هذه المسألة في الفص ولا في الشرح خلافًا، أعني في جواز نزع التنوين من هذه المُثل ونحوها، وهذا مسألة خلاف: ذهب الجمهور إلى أن الاسم الواقع بعد (لا) إذا كان عاملًا فيما بعده لزم تنوينه.

وذهب ابن كيسان إلى أنه يجوز فيه التنوين وترك التنوين، قال: "فإذا قلت (لا ضاربًا زيدًا) جاز أن تنون ضاربًا وألا تنونه".
وترك التنوين عنده أحسن.
ووجه التنوين عنده أن زيدًا من تمام ضارب، فصار التنوين كأنه في وسط الاسم، فلم يُحذف لأن التنوين في هذا الباب إنما يُحذف من آخر الاسم المبني مع (لا).
ووجه ترك التنوين عنده أن المفعول لو أمسكت عنه لجاز الكلام بضارب وحده، فلم يعتد لذلك بالمفعول، فعومل لذلك معاملة الاسم المفرد، فبني مع (لا)، وحذف منه التنوين.
وكذلك أجاز في (لا خيرًا منك) التنوين وترك التنوين على التقديرين المذكورين، لكن التنوين في هذا أمثل منه في ضارب لأن تمام معناه إنما يحصل بـ (من).
وهذا الذي ذهب إليه باطل من جهة أن الاسم العامل فيما بعده لم يُجعل مع غيره كاسمٍ واحد في غير هذا الباب، فيُحمل هذا الباب عليه، بل يجب إذا سُمع من ذلك شيء قد تُرك منه التنوين ألا يُجعل مع ما بعده معمولًا له، فإذا قلت "لا آمر يوم الجمعة لك"، ولم تنون، انتصب (يوم الجمعة) بالخبر الذي هو (لك)، أو بفعل محذوف يفسره قولك (لا آمر لك بالمعروف، فقدمت، وأضمرت عاملًا، أي: يأمر بالمعروف.
والمصنف لم يأخذ بمذهب الجمهور ولا بمذهب ابن كيسان.
أما مذهب الجمهور فلا يجوز نزع التنوين من المُطول تشبيهًا بالمضاف، وهو قد أجاز ذلك.
وأما مذهب ابن كيسان فإن ترك التنوين عنده أحسن من

إثباته، والمصنف قال "وقد يُحمل على المضاف مُشابهُه بالعمل"،/ فدل لفظه على القلة في ذلك.
وابن كيسان جعل نزع التنوين لأجل البناء وتركيب الاسم مع (لا)، والمصنف يدل ظاهر كلامه على أن الاسم معرب، فإن نزع التنوين منه إنما هو لمشابهته بالعمل للمضاف.
وأما ما أنشده أبو علي من قوله: أراني ولا كُفران لله أيةً........................... وزعمه واحتجاج المصنف أن (أيةٍ) منصوب بـ (كفران)، وأنه نُزع منه تنوينه مع بقائه عاملًا في المفعول له، فتخريجه على غير ما ذكراه، إذ يجوز أن يكون منصوبًا بمحذوف يدل عليه (لا كفران لله)، أي: لا أكفر أيةً لنفسي، ودل على هذا المحذوف ما قبله، كما خرجوا قوله تعالى ﴿لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي: لا عاصم يعصم اليوم.
وأما منع أبي علي انتصاب (أيةً) على (أويت) مضمرة لأن ذلك يؤدي إلى الفصل بين مفعولي (أوي) بجملتين للاعتراض فهو شيء بناه أبو علي على مذهبه من أنه لا تعترض جملتان بين مقتضٍ ومقتضي.
وقد رده المصنف عليه في آخر (باب الحال)، فقال: "وقد يعترض جُملتان، خلافًا لأبي علي).
وسيأتي الدليل على صحة مذهب غير أبي علي - إن شاء الله - حيث يعرض له المصنف.
وفي (البسيط): "معمولها -يعني معمول لا - إن كان عاملًا فيما بعده فيظهر العمل، ولا يصح البناء سواء كان مفردًا أم مثنى أم مجموعًا أم مشبهًا بالمجموع، نحو، لا عشرين درهمًا لك، والعاملُ عاملُ

خفضٍ كالمضاف، نحو: لا حسن وجهٍ، ولا مثل زيدٍ، ولا غلامي رجلٍ، ولا ضاربي قوم، وعاملُ نصب، نحو: لا ضاربًا زيدًا، ولا ضاربين عمرًا، ولا حسنًا وجهه، ولا مارًا بزيدٍ، وسواء أكان مفعولًا صريحًا أم ظرفًا أم مجرورًا أم فاعلًا.
وجوز البغداديون بناءها وإن كانت عاملةً في ظرف بعدها أو مجرور، كقوله ﴿وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾.
والأول قول الخليل وس.
وإن كان غير عامل سواء أكان مفردًا أم مثنى أو مجموعًا فالجمهور على أن (لا) عاملة في الاسم على أنه مبني، وهو مذهب س. وقالت طائفة: هو معرب.
ويُنسب إلى الزجاج والسيرافي وأهل الكوفة.
والقائلون بالبناء على طريقين: أحدهما: أنه جوابٌ رُكب على السؤال، والسؤال مُستغرق بـ (من)، فالجواب مثله.
والثاني: أن ما بعد (لا) مُفتقر إلى (لا) في أنه لا يكون إلا بعد نفي متقدم، فصار كالحرف، والحرف مفتقر إليه، فبُنيا لذلك.
والقائلون بأنها لا تعمل/ على وجهين: أحدهما: أن (لا) وما بعدها مركب، صارا كشيء واحد، وبعض الشيء لا يعمل في بعضه.
والثاني: أن الأصل (لا من كذا)، فموضعه رفع بمنزلة: هل من رجلٍ؟ وما من رجلٍ، فلما حذف (من)، وتضمنها الاسم، بقي مرفوعًا كحاله الأولى" انتهى، وفيه تلخيص.

وفي كتاب أبي الفضل الصفار: "وأجازوا - يعني الكوفيين - لا قائل قولًا حسنًا، ولا ضارب ضربًا كثيرًا، يبنون الاسم المُطول.
وخرج هذا على إضمار: يقول قولًا حسنًا، ويضرب ضربًا كثيرًا، والإضمار للدلالة كثير".
فرع: الاسم المركب من قبيل المُشبه بالمضاف من جهة أنه لا يجوز تركيبه مع (لا) وجعلهما كاسمٍ واحد لما يلزم من جعل ثلاثة أشياء كشيء واحد، وذلك لا نظير له في المركب، كما لا خمسة عشر لك) فـ (خمسة عشر) في موضع نصب بـ (لا)، وليست مركبة مع (لا)، والفتحة التي في راء (عشر) هي الفتحة التي كانت فيها قبل دخول (لا) عليها، وليست حادثة بسبب (لا).
ومما يبين ذلك أنك لو أدخلت (لا) على (عمرويه) على حد دخولها على (هيثم) في قوله: لا هيثم الليلة للمطي لقلت: لا عمرويه، فأبقيت الاسم على كسره، ولم تفتح الآخر بسبب (لا).

-[ص: فصل إذا انفصل مصحوب (لا)، أو كان معرفةً، بطل العمل بإجماع، ويلزم حينئذٍ التكرار في غير ضرورة، خلافًا للمبرد وابن كيسان، وكذا التاليها خبرٌ مفردٌ أو شبهه.
وأفردت في (لا نولك أن تفعل) لتأوله بـ (لا ينبغي).
قد يؤول غير (عبد الله) و (عبد الرحمن) من الأعلام بنكرة، فيُعامل معاملتها بعد نزع ما فيه أو فيما أضيف إليه من ألفٍ ولام، ولا يُعامل بهذه المعاملة ضميرٌ ولا اسم إشارة، خلافًا للقراء.]-

ش: (لا) هذه أضعف في العمل من (ما) الحجازية؛ لأن (ما) جوزوا الفصل بينها وبين اسمها بالخبر إذا كان ظرفًا أو مجرورًا على خلاف فيه، وبمعمول الخبر إذا كان أحدهما، نحو: ما اليوم زيدٌ سائرًا، و (لا) لا يجوز فيها ذلك.
وإنما كان ذلك لأن شبه (ما) بـ (ليس) أقوى من شبه (لا) بـ (إن).
ومثال الانفصال قوله تعالى ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ﴾.
وكذلك لو عملت عمل (ليس) أيضًا لم يجز الفصل بينها وبين اسمها، نص على ذلك س. وقوله أو كان معرفةً إنما لم تعمل في المعرفة من قبل أن موضوع (لا) العاملة أنها/ تنفي نفيًا عامًا على سبيل النصية، و (لا) التي لا تنفي نفيًا عامًا لا خصوصية لها بالأسماء، وإذا لم تختص بالأسماء لم تعمل فيها؛ لأن الحرف إذا لم يختص فبابه ألا يعمل، ولهذه العلة لم تعمل

(لا) إذا دخلت على النكرة التي فيها معنى الفعل، نحو قولك: لا سلامٌ على زيدٍ، ومن ذلك قوله: ونُبئت جوابًا وسكنًا يسبني وعمرو بن عفرا، لا سلامٌ على عمرو يريد: لا سلم الله على عمرو.
فإن قلت: هلا عملت (لا) في المعرفة إذا كانت بـ (أل) الاستغراقية.
فقال المصنف: "لأنها بلفظ العهدية، فليس التنصيص بها على العموم كالتنصيص عليه بـ (من) الجنسية مذكورةً أو منوية".
وقوله بطل العمل بإجماع إن رجع قوله (بإجماع) إلى قوله (أو كان معرفة) صح عند البصريين إذ أجمعوا على ذلك.
وأجاز الكوفيون بناء الاسم العلم سواء أكان مفردًا، نحو: لا زيد ولا عمرو، أو مضافًا إليه، نحو: لا أبا محمد، ولا أبا زيد.
وإن كان مضافًا إلى (الله) و (الرحمن) و (العزيز) أجازوا أن تعمل (لا) فيه، فيقولون: لا عبد الرحمن، ولا عبد الله، ولا عبد العزيز، وسيأتي الكلام في هذا.
وإن عاد إلى هذه المسألة والتي قبلها من انفصال مصحوب (لا) فليس بصحيح؛ إذ قدم تقدم لنا النقل عن الرماني أنه إذا فُصل بطل البناء، وجاز النصب.

وفي (البسيط): قال س: ولا تعمل إذا فُصل بينها وبين اسمها ناصبةً ولا رافعة، وذلك لضعفها عن درجة (إن) و (ما)، وذلك أبين في المبنى لأنه فصل بين الشيء وجزئه.
وأما الفصل فيما عداه فظاهر إطلاق س أنه لا يجوز، ولذلك قدر قوله: ................. لا كالعشية زائرًا................... على: لا أرى، ولم يُقدره على: لا زائرًا كالعشية.
وأما الفصل في (لا ضاربًا لك) - أعني بين العامل والمعمول - فيظهر أنه جائز وإن كان س قد شبه ذلك بـ (أفعل من كذا)، لكن من أجل اشتراط تعلق الثاني بالأول لا في جميع أحكامه، وسواء انفصل بالخبر وبالأجنبي.
فأما (لا أبا لك) فلا يجوز الفصل إلا في ضرورة؛ إذ يكون من باب الفصل بين المضاف والمضاف إليه، فلا تقول (لا أبا فيها لك) إلا على قوله: كأن أصوات من إيغالهن بنا أواخر الميس أصوات الفراريج وقوله ويلزم حينئذ - أي: حين إذ بطل العمل إما لأجل الفصل وإما لكون الاسم/ معرفة - التكرار في غير ضرورة هذا مذهب س

والجمهور.
وعلة ذلك قال المصنف: "ليكون التكرار عوضًا مما فاتها من مصاحبة ذي العموم، إن في التكرار زيادة كما في العموم زيادة، ثم حُمل في لزوم التكرار المفصولة على التي تليها معرفة لتساويهما في وجوب الإهمال".
وقال غيره: يلزم تكرار (لا) غير العاملة إذا لم يكن الاسم الذي بعدها في معنى الفعل معرفةً كان أو نكرة؛ ولا يجوز أن تقول (لا زيدٌ عندك) حتى تكرر (لا)، فتقول (ولا عمروٌ).
وسبب ذلك أن العرب جعلتها في جواب من سأل بالهمزة وأم، فكما أن السؤال بهما لابد فيه من العطف، فكذلك ما هو جواب له.
فإن قلت: ما المانع من أن يقال (لا زيدٌ في الدار) من غير تكرار في جواب من قال: هل زيدٌ في الدار؟ فالجواب: أن العرب جعلت في جواب من قال (هل زيدٌ في الدار) (ما زيدٌ في الدار) و (ليس زيدٌ في الدار)، واستغنوا بذلك عن (لا).
فإن كان الاسم في معنى الفعل لم يلزم تكرارها، نحو قولك (لا سلامٌ على زيد)؛ لأن معناه: لا سلم الله زيدًا، و (لا نولك أن تفعل)؛ لأنه صار بمنزلة: لا ينبغي لك أن تفعل، و (لا بك السوء)؛ لأنه في معنى: لا يسؤك الله، فحكموا لذلك بحكم ما هو في معناه، فلم يكرروها كما لم يكرروها في الفعل، كما حكموا لـ (يذر) بحكم (يدع) لما كان في معناه.

فإن قلت: لأي شيء لم تُكرر مع الفعل مع أنها غير عاملة فيه كما كُررت مع الاسم إذا لم تكن عاملة فيه؟ فذكر في الجواب: أنه إنما لم تُكرر مع الفعل لأنها تقع في جواب اليمين، واليمينُ قد تقع على فعل واحد.
وأيضًا فإن (لا أفعل) نقيض (لأفعلن)، فمن حيث لم يجب ضم فعل آخر إلى (لأفعلن) لم يجب ذلك في نقيضه.
وزعم أبو العباس أن السبب في عدم لزوم تكرارها مع الفعل أن الأفعال بعدها وقعت موقع الأسماء النكرات التي بُنيت مع (لا)، فكما لا يلزم تكرار (لا) معها فكذلك لا يلزم تكرارها مع الفعل.
قال: "ولو قدرتها تقدير (لا رجل في الدار ولا غلام) لقلت: لا يقعد زيدٌ ولا يقوم، ولصارت جوابًا لقوله: أيقوم زيدٌ أم يقعد".
وهذا الذي ذهب إليه باطل لأمرين: أحدهما: أن (لا) الداخلة على الفعل لا تنفي نفيًا عامً، فلا يجوز أن تُقدر تقدير التي بُني معها الاسم.
وأيضًا فإن (لا) التي تنفي نفيًا عامًا لو جاز/ دخولها على الفعل لكانت غير مختصة، والحروف غير المختصة بابُها ألا تعمل.
وكذلك أيضًا لم تُكرر العرب (لا) - وإن كانت غير عاملة - في قولهم "لا سواءٌ" في جواب من قال "هذان سواءٌ" لأنها جُعلت عوضًا

من المبتدأ المحذوف، ولذلك لم يقولوا "هذان لا سواءٌ" فيجمعوا بين العوض والمعوض منه، فلما جعلوا (لا) عوضًا من المبتدأ المحذوف أجروها مُجرى المبتدأ، فكما أنه لا يلزم التكرار في قولك "هذان سواءٌ" فكذلك لم يكرروا (لا) في قولهم "لا سواءٌ".
وأما التي فُصل بينها وبين الاسم بخبر فامتنع إعمالها فيه من جهة أن (لا) العاملة تنزلت من الاسم الذي عملت فيه منزلة (من) الزائدة من الاسم الذي دخلت عليه في الجملة الاستفهامية التي وقعت (لا) جوابًا لها؛ فكما لا يجوز الفصل بين (من) الزائدة وما عملت فيه فكذلك لا يجوز الفصل بين (لا) وبين الاسم الذي عملت فيه، فوجب لذلك إذا فُصل بينهما ألا تعمل فيه، ويجب فيها أيضًا أن تُكرر لأن (لا) غير العاملة في الاسم إنما جعلتها العرب في جواب من سأل بالهمزة و (أم)، وقد تدخل على المعرفة، فيغني عن تكرارها حرف نفي غيرها، وهو قليل، قال الشاعر: وكان طوى كشحًا على مُستكنةٍ فلا هو أبداها، ولم يتجمجم وقوله في غير ضرورة مثال ما لم تُكرر فيه مع المعرفة قوله: بكت أسفًا واسترجعت، ثم آذنت ركائبها أن لا إلينا رجوعها ويروي: بكت جزعًا، وقوله: أشاء ما شئت حتى لا أزال لما لما أنت شائيةٌ من شأننا شاني ومثال ما لم تُكرر فيه مع الفصل قول الشاعر:

وقوله خلافًا للمبرد وابن كيسان أجاز المبرد وابن كيسان إذا فُصل بين (لا) وبين الاسم، أو جاء بعدها معرفة، ألا تُكرر، وذلك في السعة، ولا يختص ذلك بالضرورة، فأجازا: لا في الدار رجلٌ، وأجازا: لا زيدٌ عندك.
فإن قلت: إذا قال القائل: أزيدٌ في الدار؟ فقلت: نعم، أليس يجوز أن يقال: نعم في الدار؟ فما المانع من أن يقال في الجواب: لا زيدٌ في الدار، كما قيل: نعم زيدٌ في الدار؟ فالجواب: أن الجملة في قولك (نعم زيدٌ في الدار) تأكيد لما تضمنته (نعم)، وكأنك قلت: نعم نعم، ولا يكون/ ذلك في (لا لأن قولك (زيدٌ في الدار) إيجاب؛ لأن (لا) قد استقلت بالجواب، فليست داخلة على هذه الجملة بعدها فتنفيها، وإذا كانت إيجابًا فلا يؤكد بها النفي.
ولا حجة لهما في قول العرب (لا نولك أن تفعل) و (لا بك السوء) لما ذكرناه من أن معنى الاسم فيه الفعل.
وقال السيرافي رادًا على المبرد ما نصه: فإن هذا الذي أورده: أغلامٌ عندك؟ جوابه: نعم، أو: لا، وأما أحد الاسمين فلا، إنما يُجاب بالاسم من سأل بالهمزة و (أم)، فحينئذٍ تقول: عندي غلامٌ، أو تقول: عندي جاريةٌ، أو تنفيهما، فتقول: لا هذا ولا هذا، فالتكرار لازم لـ (هذا)؛ ألا ترى أن الجواب بالاسم إنما يُرتب على من سأل بالهمزة و (أم).

قال بعض أصحابنا: وهذا الذي قاله السيرافي إذا حققته اضمحل، وذلك أن جواب من سأل بالهمزة خاصة إنما يكون بـ (نعم) أو بـ (لا) إذا كان السؤال ملفوظًا به، نحو: أغلامٌ عندك؟ فعندما تُجيب هذا تقول: نعم، أو: لا، وأما إذا قدرت سؤالًا فإنما يكون الجواب بالاسم؛ لأنه لا يدري أحد ما يُعني بـ (نعم) أو (لا)، فيتعين هنا الجواب بالاسم.
فهذا الذي ذكرناه للمبرد أن يقوله، وهو حق، وإنما يُرد عليه بأن العرب لم تقل قط (لا غلامٌ) وتلغي (لا) دون تكرار إلا شذوذًا، نحو: ................................. أن لا إلينا رُجوعها فكونهم لا يقولون (لا زيدٌ) دليلٌ على أنهم قد عزموا على أن تكون هذه الملغاة جوابًا لمن سأل بالهمزة وأم، وإذا أرادوا جواب من سأل بالهمزة قالوا: ما زيدٌ عندي، أو: ما عمروٌ.
فهذا الذي أراد س، فهو تعليل بعد السماع.
فما ذهب إليه المبرد ساقط إذ لا سماع يعضده، ولا يُحفظ من كلامهم.
انتهى.
وقوله وكذا التاليها خبرٌ مفردٌ أو شبهه مثال ما وليها خبر مفرد قولك: زيدٌ لا قائمٌ ولا قاعدٌ.
وأفهم قوله (مفرد) أنه إذا وليها الخبر وهو جُملة فلا يلزم تكرارها، وليس كذلك، بل إن كانت فعلية كان ذلك، نحو: زيدٌ لا يقوم، وإن كانت اسمية فيلزم تكرارها إلا في ضرورة.
وشبه الخبر المفرد الحال والنعت، نحو: نظرت إليه لا قائمًا ولا قاعدًا، ومررت برجلٍ لا قائمٍ ولا قاعدٍ، فيلزم تكرار (لا) في هذه المواضع إلا في ضرورة، نحو قول الشاعر:

وأنت امرؤٌ منا، خلقت لغيرنا حياتك لا نفعٌ، وموتك فاجع وسهل هذا هنا أن (وموتك فاجع) في معنى: ولا موتك يسر، وقول الآخر: / قهرت العدا لا مُستعينًا بعصبةٍ ولكن بأنواع الخدائع والمكر وقول الآخر: إني تركتك لا ذا عُسرةٍ تربًا فاستعففن، واكف من وافاك ذا أمل وقوله وأفردت في (لا نولك أن تفعل) لتأوله بـ (لا ينبغي) النول من التنويل والنوال، وهو العطية، ضمن (لا نولك) معنى: لا ينبغي لك أن تفعل، فكما لا يلزم تكرار الفعل بعد (لا) كذلك لم يلزم تكريرها بعد ما هو في معنى الفعل.
قال ابن هشام: "وأن تفعل: فاعلٌ بـ (نولك)، سد مسد الخبر لما كان في معنى الفعل، ونظيره (أقائمٌ الزيدان)، و (ما قائمٌ الزيدان)، فاعل سد مسد الخبر لما كان المعنى: أيقوم الزيدان؟ وما يقوم الزيدان" انتهى.
والذي أذهب إليه أن (نولك) مبتدأ، و (أن تفعل) خبره، وليس مرفوعًا به رفع الفاعل؛ لأنه ليس اسم فاعل ولا اسم مفعول، وتقدم الكلام عليه في أوائل (باب الأفعال الرافعة الاسم الناصبة الخبر).
وقوله وقد يؤول إلى قوله من ألفٍ ولام ذكر المصنف أن العلم غير الاسمين اللذين ذكرهما - وهما عبد الله وعبد الرحمن - قد يؤول بنكرة، فيُبنى مع (لا)، أو يُنصب إن كان مضافًا، فإن كانت فيه ألف ولام نحو

(العزى) نُزعت منه، نحو قول الراجز: إن لنا عزى، ولا عُزى لكم أو فيما أضيف إليه نُزعت أيضًا منه، نحو قول عمر (قضيةٌ ولا أبا حسنٍ لها).
وأفهم قول المصنف "غير عبد الله وعبد الرحمن" أن هذين الاسمين لا يؤولا بنكرة، فيعاملان معاملتها، قال في الشرح: "للزوم الألف واللام في عبد الله، وكذا عبد الرحمن على الأصح؛ لأن الألف واللام لا يُنزعان منه إلا في النداء" انتهى.
وقال الفراء: "إنما أجزنا (لا عبدالله لك) لأنه حرف مستعمل، يقال لكل أحد عبد الله، ولا نجيز: لا عبد الرحمن، ولا عبد الرحيم، لان الاستعمال لم يلزم هذين كما لزم عبد الله" انتهي.
وكذلك سُمع: نعم عبد الله خالدٌ، وبئس عبد الله أنا إن كان كذا.
ولا يجوز: نعم غلامٌ زيدٌ؛ لأن (عبد الله) ينطلق على كل أحد، فكأنه قال: نعم المرء خالدٌ.
وكان الكسائي يقيس على (لا عبد الله لك) لا عبد الرحمن، ولا عبد العزيز.
وقد حكي الفراء عن العرب: قُتل عبد العزيز وعرقل، فلا عبد عزيز ولا عرقل/ ليه، بحذف الألف واللام من (العزيز)، كما حُذفت في (قضيةٌ ولا أبا حسنٍ).

جارٍ التحميل