التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيلصفحات 99-138

أريت إن جاءت به أملودا وإذا كانت بمعنى أبصرت لم تحذف همزتها، هذا نص عليه الأخفش عن العرب، وكذلك قال الفراء: أريت زيدًا ما صنع، بترك همزتها من رؤية القلب، وما كان من رؤية العين أبقوا فيها الهمزة؛ لأن رأيت القلب مستعملة في الكلام.
وقال النحاس: "هما عند البصريين واحد، فإن قلت أرأيت زيدًا ما صنع فهو أجود لأنه الأصل" يعني بالهمز.
ومنها أنها تلزم الخطاب، فلا يقال: أرأى زيد عمرًا ما صنع، ويجوز ذلك على معنى: أعلم.
وقد جاءت أرأيت ليس بعدها منصوب ولا استفهام بل جملة مصدرة بإذ، نحو قوله تعالى ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾، فزعم أبو الحسن أن (أرأيت) أُخرِجت عن بابها بالكلية، وضمنت معنى أما أو تنبه، فالتأويل: أما إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسبت الحوت، أو: تنبه إذ أوينا، والفاء في (فإني) جواب (أرأيت) على تضمين ما ذكرناه، ولا يجوز أن يكون جوابًا لـ (إذ)؛ لأن إذ لا يصح أن يجازى بها إلا مقرونة بـ (ما) بلا خلاف.
وعلى هذا خرج أبو الحسن قوله تعالى (أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ)، قال: وقد يخرج لمعنى أما، ويكون أبدًا بعدها الشرط وظروف الزمان، والتقدير: أما إن أتاكم عذابه، والاستفهام جواب أرأيت لا جواب الشرط؛ إذ

لو كان جواب الشرط لما جاز دخول الهمزة على الفاء؛ ألا ترى أن العرب لا تقول: إن قام زيد أفتكرمه، بل إذا جاء الاستفهام جوابًا للشرط لم تأت إلا بما يصح وقوعه بعد الفاء لا قبلها، نحو: إن قام زيد فهل تكرمه، فقولهم: أرأيت إن جاء زيد أفتكرمه، فيدخلون الفاء على الهمزة - دل على أن الجواب لـ (رأيت) لا للشرط.
وهذا الذي ذهب إليه أبو الحسن إخراج لـ (أرأيت) عن بابها بالكلية، ويمكن إقرارها على معنى أخبرني فيما ذكر.
أما قوله تعالى ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ﴾ فقد تقدم تخريجه.
وأما ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ فيمكن أن يكون مما حُذف منه المفعولان لدلالة المعنى اختصارًا وإيجازًا، والتقدير: أرأيت أمرنا إذ أوينا إلى الصخرة ما عاقبته، فإني نسيت الحوت، وكان يوشع استخبر موسى عن أمرهما وما عاقبته؛ إذ كان قد جعل فقدان الحوت علامة للقي موسى الخضر، عليهما السلام، وحذف مفعولي ظننت وأخواتها اختصارًا جائز، وهو في أرأيت أجوز إذ قد أخرجت عن مدلولها إلى مدلول إلى مدلول أخبرني.
وزعم أبو الحسن أن العرب لا تحذف معمول أرأيتك التي بمعنى أخبرني حتى تؤكد التاء في أرأيتك، فتقول: أرأيتك أنت ما صنعت، وأرأيتك أنت وزيدًا ما صنعتما.
وزعم أن هذا التأكيد يقوم مقام المفعول بدليل أنهم يعطفون عليه المنصوب، وزعم أنهم لا يقولون: أرأيتك أنت وزيد، قال: "لأن

المعطوف على الفاعل فاعل، ولا تقول: أرأى زيد؛ لأن فاعلها لا يكون إلا مخاطبا وهذا كله سماع من العرب".
وما ذهب إليه خارج جدا عن القواعد.
والأسهل في تخريج هذا أن أنت في قولك" أرأيتك أنت ما صنعت" هوالمفعول الأول، واستعير ضمير الرفع لضمير النصب؛ إذ كان القياس أن تكون الضمائر كلها بصيغة واحدة، ولو أتيت بضمير النصب فإما أن تأتي به متصلاً أو منفصلاً: فإن أتيت به متصلاً قلت أرأيتك، ولا يخفى ما في هذا من اجتماع كلمتي خطاب/ بصورة واحدة.
وإن أتيت به منفصلاً قلت: أرأيتك إياك ما صنعت، فيلزم من ذلك بحيء الضمير منفصلاً بعد الفعل، وهو لا يجوز، فلو قلت ضربت إياك لم يصح، فلما كان في مجيئه منصوبًا ما ذكرناه عدلوا إلى وقوع ضمير الرفع موقع ضمير النصب؛ إذ كانوا يؤكدون به المضمر المنصوب والمجرور، فيقولون: ضربتك أنت، ومررت بك أنت، كما يؤكدون به المرفوع، فيقولون: قمت أنت، فلما كان لهم فيه هذا التصرف أوقعوه موقع المفعول ٍالأول.
والذي يدل على ذلك عطف المنصوب عليه في قولهم: أرأيتك أنت وزيدًا ما صنعتما، فلو كان توكيدًا للتاء لكان ضرورة في موضع رفع لا في موضع نصب، وجعله كذلك لا يمكن أن يعطف عليه منصوب البتة؛ لأن المنصوب لا يعطف على المرفوع، ولأنه على ما زعم أبو الحسن تأكيد للتاء، فيصير العطف في الحقيقة على التاء لأن التأكيد إنما جيء به تابعًا للأول.
وأما في تأويلنا فهو - وإن كان بصيغة المرفوع - في موضع نصب على أنه المفعول الأول، فيصح العطف

عليه، ولهذه العلة امتنع أن تعطف عليه بالرفع، فتقول: أرأيتك أنت وزيد ما صنعتما، لأنه في موضع نصب، فلا يعطف عليه مرفوع، لا لما ذكر أبو الحسن من أنه يلزم أن يكون مرفوع أرأيتك اسمًا ظاهراً، وهو لا يكون إلا مخاطبًا.
وأيضًا تأويل أبي الحسن يؤدي إلى ما ذكرناه من مخالفة القواعد، وإلى حذف المفعول، وتأويلنا لا يؤدى إلى حذف المفعول، مع الجريان على أكثر القواعد.
وزعم ابو الحسن أن أرأيتك إذا كانت بمعنى أخبرني فلا بد بعدها من الأسم المستخبر عنه، ويلزم الجملة التي بعده الأستفهام؛ لأن أخبرنى موافق لمعنى الأستفهام.
ولا يلزم ما قاله أبو الحسن، بل يجوز حذف المفعولين معًا وحذف أحدهما اختصارًا، كما ذكرناه في الآيات السابقة، وهو أسهل من آدعائه إخراجها بالكلية إلى معنى أمّا أو تنبه.
ولا يلزم ما ذكر من مجيء الجملة الأستفهامية بعد المفعول الأول، بل يجوز مثل قولك: أرأيت زيدًا لئن جاءني لأكرمنه؛ بدليل قوله ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.
وقد قال الأستاذ أبو على: " يمكن أن يكون مراد س بقوله (لأن فيه معنى أخبرني) أنها قد دخلها هذا المعنى بالإنجرار، ولم تخرج عن أصلها، لأن قولك أعلمت زيدًا أبو من هو بمنعى: أعلمني وأخبرني، لكن راعت العرب هذا المقدار الذي دخل الكلام بالانجرار، ولم تعلقه، وتخرج الآيات/ كلها على

هذا ولا تخرج أرأيت عن موضوعها" انتهى كلام أبي علي، وهو شاهد لما ذكرناه في الآيات، وما تأولناه في قول العرب: أرأيتك أنت وزيدًا ما صنعتما، وأرأيتك أنت ما صنعت وقوله وللاسم المستفهم به والمضاف إليه مما بعدهما ما لهما دون الأفعال المذكورة يعني أن اسم الاستفهام لا يؤثر فبه ظننت وأخواته، بل يبقى على حاله من الإعراب، فإن كان مرفوعًا بالابتداء بقي كذلك، وإن كان مفعولاً به بقي مفعولاً به، وإن كان مصدرًا بقي مصدرًا، وإن كان ظرفًا بقي ظرفًا، وإن كان حالاً بقي حالاً.
مثال المبتدأ والمفعول: علمت أي الناس صديقك، وعلمت أيهم ضربت.
ومثال المصدر: علمت أي قيام قمت، ومنه قوله تعالى ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾.
وأجازوا أن تكون (أي) في الآية موصولة، أي: وسيعلم الذين ظلموا المنقلب الذي ينقلبونه، و (سيعلم) متعدية إذ ذاك غلى واحد.
والأقوى من جهة المعنى واللفظ التعليق؛ لأنه ليس في الآية على هذا التقدير الأخير إبهام لفظي، والإبهام أوقع من جهة المعنى وأعظم عليهم، مع أنه لا يحتاج إلى حذف مفعول، ولأن إضافة أي الموصولة إلى النكرة قليل جدا.
ومثال الظرف: علمت أين خالد، وعلمت متى قيام زيد، وعلمت اين ضربت زيدًا، وعلمت متى ضربت عمراً.
ومثال الحال: علمت كيف ضربت زيدًا.
وكذلك المضاف إلى اسم الاستفهام لا تؤثر فيه علمت، فتقول: علمت غلام أيهم ضربت، فـ (غلام) منصوب بضربت لا بعلمت.

-[ص: والجملة بعد المعلق في موضع نصب بإسقاط حرف الجر إن تعدى به، وفي موضع مفعوله إن تعدى إلى واحد، وسادة مسد مفعولين أن تعدى إلى اثنين، وبل من المتوسط بينه وبينها إن تعدى إلى واحد، وفي موضع الثاني إن تعدى إلى اثنين ووجد الأول.]-

ش: أصل التعليق عن العمل أن يكون في ظننت وأخواتها لأنها داخلة على المبتدأ والخبر، ولهذا جاز فيها الإلغاء حيث جاز إبفاء لها على الأصل، فلما كان التعليق كالإلغاء فى عمل الفعل في معنى الجملة لا في لفظها لم يجيزوه إلا فيما كان من الأفعال معناه مسلط على الجمل، غير أنهم قد شبهوا بظننت الأفعال القلبية، فحملوا على الظن الفكر، والنظر بمعناه، والخاطر، ولم يجيزوا ذلك في الأفعال المؤثرة، ولذلك رد س قول يونس في اضرب أيهم أفضل إن الفعل معلق.
وقول المصنف والجملة بعد المعلق في موضع نصب بإسقاط حرف / الجر إن تعدى به مثاله: فكرت أهذا صحيح أم لا، وقد مثل المصنف هذا بقوله تعالى ﴿فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً﴾، وتقدم لنا أن نظر البصرية لا تعلق، فهي هنا بمعنى الفكر، كما تقول: نظرت في العلم، ولا ينبغي أن تُجعل البصرية كما ذهب إليه المصنف، فيكون حرف الجر المحذوف (إلى).
والذي قاله المصنف من أن الجملة في موضع نصب هو المختار.
وذهب بعض النحويين إلى أنها في موضع جر بذلك الحرف المحذوف.

وقوله وفي موضع مفعوله إن تعدى إلى واحد مثاله: عرفت أيهم زيد، فـ (أيهم زيد) في موضع نصب، وهو مفعول عرفت، فهو متعد إلى واحد كحاله لو لم يعلق، فإنه يتعدى إلى واحد.
وذهب بعض النحويين إلى أن الفعل المعلق لا يكون إلا متعديًا إلى مفعولين بحق الأصل، نحو علمت، أو على جهة التضمين، فإذا قلت: فكرت أبو من زيد، وانظر أبو من زيد، وعرفت أبو من زيد - فجميعها متعد إلى اثنين لتضمينها معنى علمت.
قال ابن عصفور: وهو الصحيح عندي؛ لأن الفعل المعلق متسلط على معنى الجملة، وإذا كان معمول الفعل معنى الجملة وجب أن يتعدى إلى مفعولين، كما أن علمت وأخواتها متسلطة على الجملة من جهة المعنى بدليل دخولها على ما اصله المبتدأ والخبر.
وقد مثل المصنف في الشرح ما تعدى إلى واحد وعلق عنه بقول العرب: أما ترى أيُّ برقٍ ههنا.
وقد قدمنا أن رأي البصرية لا تُعلق عند الجمهور، ولم يذهب إلى تعليقها إلا المازني، وتبعه هذا المصنف، ولم يحفظ الخلاف فيها فيذكره.
وقوله وسادة مسد مفعولين إن تعدى إلى اثنين مثاله: علمت أزيد قائم أم عمرو.

وقوله وبدل من المتوسط [بينه وبينها] إن تعدى إلى واحد مثاله: عرفت زيدًا أبو من هو.
واختلفوا ما موضع البدل، ولم يذكر المصنف في الفص ولا في الشرح غير هذا القول.
واختاره ابن عصفور، وقال: "هو بدل شيء من شيء على حذف مضاف، التقدير، عرفت قصة زيد - أو أمر زيد - أبو من هو، واحتيج إلى هذا التقدير لتكون الجملة هي المبدل منه في المعنى؛ ألا ترى أن (أبو من زيد) هو في المعنى: قصة زيد".
وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع: "يلزمه أن يجعل (عرفت زيدًا خبره) من هذا القسم لا من بدل الاشتمال، ويلزمه أن يجعل البدل كله قسمًا واحدًا؛ لأنك إذا قلت أكلت الرغيف نصفه فالمعنى على حذف المضاف؛ لأن المراد: أكلت بعض الرغيف نصفه، فإن كان أراد / أنه بالنظر إلى المعنى كذا فقد كان ينبغي أن ينبه عليه، كما فعله الأستاذ أبو علي، رحمه الله، ولم يُرِد هذا، بل هو غلط منه، والصحيح [أنه] من قسم: عرفت أخاك خبره" انتهى، يعني أنه من قسم بدل الاشتمال لا من بدل الشيء من الشيء، وهو هو.
وذهب المبرد والأعلم وابن خروف وغيرهم إلى أن الجملة في موضع نصب على الحال.
ورد هذا المذهب بأن الجملة التي في موضع الحال من المبتدأ والخبر يجوز دخول الواو عليها، ولو قلت عرفت زيدًا وأبو من هو لم يكن معناه ومعنى عرفت

زيدًا أبو من هو واحدًا.
ويمكن أن يقال: لما كانت جملة الاستفهام في بعض المواضع تؤخر الواو عن أداته - وذلك مع الهمزة - كانت غير ضرورية في جملة الحال المرتبطة بما قبلها، فامتنع من المجئ بها.
والذي يظهر أن المعنى ليس على الحال؛ إذ ليس المعنى على: عرفت زيدًا في هذه الحال، بل المعروف منه تلك الحال لا أنها هيئة للمعروف، ثم إنه إن صح في عرفت زيدًأ أبو من هو أن تقدره عرفته مكنيًا كما قدره ابن خروف فليس يصح تقدير الحال في جميع جمل الاستفهام الواقعة هنا، بل يصير تقدير الحال في كثير منها كالتسوية وغيرها، نحو: عرفت زيدًا أقائم هو أم قاعد.
وذهب أبو علي - فيما حكاه ابن جني - وأبو عبد الله بن أبي العافية إلى أنه في موضع المفعول الثاني لعرفت على أنها ضمنت معنى علمت.
وقد رد ذلك بأن التضمين بابه الشعر، وما جاء منه في الكلام يحفظ، ولا يقاس عليه.
والذي اختاره هو هذا المذهب.
والدليل على ذلك وأنه ضمن معنى علمت، فتعدت إلى مفعولين - جواز رفع الاسم بعد عرفت، وانعقاد جملة من مبتدأ وخبر بعد عرفت، فتكون إذ ذاك معلقة عنه لأنه مستفهم عنه في المعنى، فتقول: عرفت زيد أبو من هو، كما كان ذلك في علمت زيد أبو من هو، فزيد مبتدأ، و (أبو من هو) جملة في موضع الخبر، فإذا انتصب كان على هذا المعنى من أن أصله مبتدأ وخبر، وكان المنصوب مفعولاً أول، والجملة موضع المفعول الثاني، كما كان خبرًا حين ارتفع الاسم الأول.
وقال س: "وإن شئت قلت: قد علمت زيد أبو من هو، كما تقول ذلك

فيما لا يتعدى إلى مفعول، وذلك قولهم: اذهب فانظر زيد أبو من هو، ولا تقول: نظرت زيدًا.
واذهب فسل زيد أبو من هو، وإنما المعنى: اذهب فاسأل عن زيد، لو قلت اسأل زيدًا على هذا الحد لم يجز" انتهى.
ويعني س أن ما أصله أن يتعدى إليه الفعل المعلق بحرف الجر لا يجوز أن يحذف الحرف وينتصب ذلك الاسم على أنه مفعول لذلك الفعل، فلا تقول: فكرت زيدًا أبو من هو؛ لأن فكرت لا يصل بنفسه إلى مفعول، وليس حذف / حرف الجر قياسًا، بل يرتفع على الابتداء، والجملة بعده في موضع الخبر، ولا يمكن أن يرتفع على الابتداء والجملة بعده في موضع الخبر إلا أن يعتقد أن الفعل هو مما يصلح أن يدخل على المبتدأ والخبر، و"نظر" الفكرية و"سأل" ليسا مما يدخلان على المبتدأ والخبر بأصل الوضع، فوجب أن يُعتقد فيهما أنهما ضمنا معنى ما يدخل على المبتدأ والخبر، وإذا كان قد جاز الابتداء والخبر بعد الفعل الذي لا يتعدى إلا بحرف جر فهو في الفعل الذي يتعدى إلى واحد بأصل الوضع أجوز أن يقع.
وتحصل من هذا أن المنصوب بعد عرفت هو على معناه إذا كان مرفوعًا، وإذا كان مرفوعًا فالجملة الاستفهامية في موضع الخبر، فكذلك إذا كان منصوبًا تكون تلك الجملة في موضع المفعول الثاني، ولا تكون عرفت كذلك إلا بعد اعتقاد تضمينها معنى ما يتعدى إلى اثنين.
وقوله وفي موضع الثاني إن تعدى إلى اثنين ووجد الأول مثاله: علمت زيدًا أبو من هو.
وإنما قال "ووجد الأول" لأنه إن لم يوجد الأول كانت الجملة في موضع المفعولين، نحو: علمت أبو من زيد.

-[ص: وتختص القلبية المتصرفة و"رأى" الحلمية والبصرية بجواز كون فاعلها ومفعولها ضميرين متصلين متحدي المعنى، وقد يُعامل بذلك "عدم" و"فقد"، ويمنع الاتحاد عمومًا إن أضمر الفاعل متصلاً مفسرًا بالمفعول.]-

ش: قوله المتصرفة احتراز من هب وتعلم، فلا يقال: تعلمك منطلقًا، أي: اعلمك منطلقًا، ولا: هبك صنعت كذا.
قال المصنف: "مما تختص به أفعال القلوب غير هب وتعلم إعمالها في ضميرين متصلين لمسمى واحد" انتهى.
وفي منع "هبك محسنًا، نظر، وما أظنه إلا مستعملاً في لسانهم.
ومثال ذلك في ظننت وأخواتها: ظننتني خارجًا، وأنت ظننتك خارجًا، وزيد ظنه خارجًا، قال ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَأَىهُ اسْتَغْنَى﴾، ففي (رأى) ضمير الفاعل عائدًا على الإنسان، والهاء ضمير المفعول الأول، و (استغنى) في موضع المفعول الثاني، وقال الشاعر: على مثلها أمضي إذا قال صاحبي ألا ليتني أفديك منها، وأفتدي وجاشت إليه النفس خوفًا، وخاله مصابًا، ولو أمسى على غير مرصد ففي "خال" ضمير فاعل، يعود على الصاحب، والهاء هي المفعول الأول، و"مصابًا" هو الثاني" وقال الآخر: هم أكرموني في الجوار، وخلتني إذا كنت مولى نعمة لا أضيعها

/ وقال مويلك المزموم: فحملتها، وحفرت عندك قبرها جزعًا، وكنت إخالنى لا أجزع وقال الآخر: وكائن رأيت من كريم مززًا أخي ثقة طلق اليدين وهوب شهدت وفاتوني، وكنت حسبتني فقيرًا إلى أن يشهدوا وتغيبي وقال الآخر: قد كنت أحسبني كأغنى واجد نزل المدينة عن زراعة فوم فهذا في الغائبين والمتكلمين، وأما في المخاطبين نحو ظننتك منطلقًأ فلا يحضرني شاهد من لسانهم عليه إلا ما يحتمله قول الشاعر: لسان السوء تهديها إلينا وحنت، وما حسبتك أن تحينا

فهذا البيت يحتمل ما ذكرنا، وتكون أن زائدة، و ((تحين)) في موضع المفعول الثاني، وقيل: الكاف هي المفعول الأول، و ((أن تحين)) في موضع البدل من الكاف، واكتفى به، ولم يحتج إلى الثاني لأن البدل هو المعتمد عليه.
وقيل: الكاف حرف خطاب، و ((أن تحين)) سد مسد المفعولين.
ولو وضعت مكان الضمير الثاني النفس، فقلت: ظننت نفسي عالمة- ففيها خلاف: ذهب أكثر النحويين إلى أنه لا يجوز ذلك.
وذهب ابن كيسان إلى جواز ذلك، قال: وذلك قليل شاذ.
وقد اعتل أبو الحسن لجواز ذلك في باب ظننت بأنك إنما تعتمد في الأخبار والفائدة على المفعول الثاني، فصارت كاللغو، ولم تكن كضربت التي يعتمد عليها في الإخبار، فضارعت غيرها من غير الأفعال، كقولك: إنني وليتي؛ إلا ترى أنك تقول: ما ظننت أحدًا يقول ذلك إلا زيدًا، وتقول: ما ضربت أحدًا يقول ذلك إلا زيدًا، لا غير؛ لأن المعنى الأول: ما أحد يقول ذلك إلا زيد في ظني، فكذا معي معنى حسبتي عالمًا: أنا عالم فيما أحسب.
انتهى كلام أبي الحسن، وهو حسن.
وحكي محمد بن الوليد عن أبي العباس الفرق بين باب ظن وضرب أن باب ظن الفاعل فيه بمنزلة المفعول؛ لأنك إنما رأيت شيًا فأظنك، فكأنك لم تجعل الفاعل مفعولًا في الحال.
وإنما قال المصنف ((وتختص)) لأنه لا يجوز ذلك في غيرها، لا يجوز:

ضربتني، ولا: ضربتك، ولا: زيد ضربه، تريد: ضرب نفسه، عند س ولا أحد البصريين، بل تأتي في مثل هذا بالنفس، فتقول: ضربت نفسي، وضربت نفسك، وزيد ضرب نفسه، قال تعالى (قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي).
واختلفوا في علة المنع: فقال/س: استغنوا عنه بالنفس.
وقال أبو العباس: لئلا يكون الفاعل مفعولًا.
حكاه عنه الأخفش الصغير.
وحكى ابن كيسان عن أبي العباس انه كره ذلك ليكون المضمر قبل المظهر؛ لأنه إذا أضمر فاعلًا أو مفعولًا فلا بد من تقديمه إلى الفعل، فلما امتنع ذلك في المظهر والمضمر امتنع في المضمرين، فلم يجيزوا: ضربتني، ولا: ضرب زيد زيدًا؛ لئلا يوهمك غيره.
وقال بعضهم: لم أقل ضربتني لئلا يجتمع ضميران يرجعان إلى شيء واحد، أحدهما رفع، والآخر نصب، وهما لشيء واحد، فصار الفاعل كالمفعول.
قال: ولو قلت ضربت إياي كان أقرب من ضربتي، وضربتني لازمة في القياس.
وقال الفراء: لما كان الأغلب المتعارف أن يفعل الفاعل بغيره لم يوقع فعلت على اسمه إلا لأن بفصل اسمه من اسمه.
وقوله ورأي الحلمية مثاله قول الله تعالي (إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا)، (إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَاسِي خُبْزًا).
وقوله والبصرية قال المصنف: هذا في رؤية البصر شاذ.
ومثاله قول

عائشة- رضي الله عنها-: "لقد رأيتنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وما لنا من طعام إلا الأسودان"، ومنه قول قطري: لا يركنن أحد إلى الإحجام يوم الوغي متخوفًا لحمام فلقد أراني للرماح دريئة من عن يميني تارة وأمامي وقال عنتره: فرأيتنا ما بيننا من حاجز إلا المجن ونصل أبيض مقصل وقال عنتره: فرأينا ما بيننا من حاجز إلا المجن ونصل أبيض مقصل.
وحسن رأيتنا كونه لم يتحد الفاعل والمفعول من كل وجه؛ لأن الفعل مفرد والمفعول ضمير جمعٍ وإن كانا معًا متكلمين.
وقوله وقد يعامل بذلك عدم وفقد يعني بـ (ذلك) أنه يتعدى إلى ضميرين متصلين متحدي المعنى، حكي الفراء: فقدتني، ووجدتني، وعدمتني.
قال بعضهم: وهذا على سبيل التمثيل، ولو كان ذلك على سبيل الحقيقة لكانت فاسدة؛ لأنك إذا قلت عدمت زيدًا فالذي تعدمه شيء لا يكون بحضرتك، ولا يجوز إلا أن يكون غيرك؛ لأنك لا تكون فاقدًا وأنت المفقود، ولا واجدًا وأنت الموجود، فصار معنى فقدتني: فقدني فيري، فلم يكن على حقيقته، فيكون مثل ضربتني.

قال المصنف: وأشذ منه- يعني رؤية البصر- قولهم: عدمتني وفقدتني، قال جران العود: لقد كان لي عن ضرتين- عدمتني وعما ألاقي منها متزحزح وقال الآخر: ندمت على ما كان مني- فقدتني- كما يندم المغبون حين يبيع ولم يحك المصنف وجدتني، وحكاها الفراء، وهي مسموعة من كلامهم، وكان المصنف أدرجها في باب ظننت لأن وجدت تكون بمعنى علمت، وقد ذكرها المصنف في أفعال هذا الباب، والفراء إنما أوردها فيما يتعدى إلى واحد.
بمعنى وجدان الضالة، وكأنه فقد نفسه، ثم وجدها.
وقال الشاعر: تلفت نحو الحي حت وجدتني وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا ويحتمل هذا البيت الوجهين.
فأما قول الشاعر:

قد بت أحرسني وحدي، ويمنعني صوت السباع بع يصبحن والهام واحترز بقوله (متصلً) ومن أن يكون أحدهما منفصلًا، فإن ذلك لا يختص بظننت، بل يجيء ذلك فيها وفي غيرها من الأفعال، فتقول: إياك ظننت منطلقًا، وما ظننت منطلقًا إلا إياك، وإياك ضربت، وما ضربت إلا إياك.
وفي البسيط: وأما قلت فالقياس يقتضي أن يكون كظننت في هذا، فتقول: قلتني منطلقًا، على معنى: (قلت إياي منطلقًا)، و (قلتك منطلقًا) على معني: قلت إياك منطلقًا، وأصل الابتداء: أنت منطلق، وأنا منطلق، لكن فيه نظر.
وقوله ويمتنع الاتحاد عمومًا- يعني في باب ظن وغيره- إن أضمر الفاعل متصلًا مفسرًا بالمفعول مثاله في باب ظن: زيدًا ظن قائمًا، ومثاله في باب غير ظن: زيدًا ضرب، تريد: ظن نفسه، وضرب نفسه.
وأحترز بقوله "متصلًا" من أن يكون منفصلًا، فأنه يجوز الاتحاد، نحو: ما ظن زيدًا قائمًا إلا هو، وما ظن زيد قائمًا إلا إياه، وما ضرب زيدًا إلا هو، وما ضرب زيد إلا إياه.

ذكر مسائل من هذا الباب المسألة الأولى: أجاز س وأصحابه والفراء: أظن أنك قائم، ولم يجيزوا: أظن قيامك.
وأجاز ذلك الكسائي، قال: كما أقول: أظن ذلك.
ورد عليه بأن "ذلك" يشار به إلى أثنين، قال تعالى: (عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ)، أي: الفارض والبكر.
الثانية: إذا قلت ظننت أنك قائم فمذهب س أنه لا حذف فيه، وأنه لما جرى ذكر المسند والمسند إليه اكتفى به، واستغنى عن الحذف.
وذهب أبو الحسن وأبو العباس إلى أن الخبر محذوف، والتقدير عندهما: يقتضي إحالة على قيام معهود، و"زيد قائم" ليس بينك وبين مخاطبك/ عهد في القيام، فإذا تقرر هذا علمت أن ظننت أن زيدًا قائم معناه عندهم على القطع: ظننت زيدًا قائمًا: فهذا القيام المظنون غير معهود، والذي يقدر مستقرًا أو ثابتًا

إنما يكون هذا القيام معهودًا (عنده)، وذلك تحريف لمقصود اللفظ، وهو أن القيام غير معهود، وأيضًا فيؤدي إلى حذف في الكلام لا دليل عليه.
وحكي الفراء: أظن أنك قائم خيرًا لك، وأظن خيرًا لك أنك قائم، بمعنى: أظن خيرًا لك قيامك.
وإنما احتيج إلى تصريح بالمفعول الثاني هنا لأنه ليس كونًا مطلقًا، أما إذا كان كونًا مطلقًا فلا يحتاج إليه ولا إلى تقديره؛ لأن "أنك قائم" وقد أنطوى على مسند ومسند إليه.
الثالثة: أجاز الكسائي والفراء: أظن أن يذهب زيد.
ولا يجوز ذلك عند البصريين إلا أن تأتي بعوض، نحو قد والسين وسوف ولا.
الرابعة: أظن يذهب زيد، لا يجوز إلا على مذهب من مذاهب الفراء في قراءة من قرأ (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا) بمعنى: أن سبقوا، وحذف (أن) لما عاد الذكر على الفاعلين، و (الذين) في موضع رفع، وشبهه بقوله: يريد يقوم، بمعنى: يريد أن يقوم: وهذا الذي قاله مخالف لأقوله؛ لأنه قال: إذا حذفت أن لم يكتف بشيء واحد حتى يستبين، و (سبقوا) شيء واحد.

الخامسة: ظننت زيدًا إنه قائم، بكسر إن في مذهب البصريين لا غير؛ لأنها في موضع الابتداء.
وقال ابن كيسان: يجب فتح أن على البدل، قال الشاعر: ........ وجنت، وما حسبتك أن تحينا جعل أن بدلًا من الكاف على أحد ما وجه عليه.

السادسة: أجاز الفراء حذف حرف الاستفهام مع الشك، قال الفراء: وتضمره العرب في حروف الشك خاصة، فيقولون: تراك منطلقًا؟ يريدون: أتراك؟ وكذلك: تظنك تخرج؟ لأن الاستفهام شك، وهذه شك، فاكتفى بواجد من صاحبه، وامتنع في ضربت وقتلت وسائر الأفعال لأنها إخبار، لا شك فيها.
وتابعة قطرب على هذا القول، وزاد عليه أنه أجاز ذلك في غير هذه الأفعال.
وذهب س إلى أن ذلك لا يجوز، قال س: إذا حذفت حرف الاستفهام انقلب المعنى، وهذا أقبح ما يقع فيه الغلط لأنه ذهاب البيان، وهو اللحن الحقيقي.
وقد قيل: لم يؤخذ على ابن أبي ربيعة لحن إلا قوله:

ثم قالوا: تحبها؟ قلت: بهرًا عدد الرمل والحصى والتراب أي: تحبها؟ وقال أبو العباس: ليس الأمر عندي كذلك إنما هو إلزام، أي: ثم/ قالوا: أنت تحبها.
وزعم الأخفش الصغير أن ما ذهب إليه الفراء إنما أخذه من كلامه العامة؛ لأنهم يقولون: ترى ذلك؟ فأما عن العرب فلا يعرف.
السابعة: لزيد ظننت ظنًا قائم، المسألة ممتنعة لا بالرفع ولا بالنصب؛ لأنك إذا رفعت جمعت بين متعاقبين، وإن نصبت أدخلت لام الابتداء على الجملة الفعلية.
ذكر هذه المسألة صاحب (الملخص).
الثامنة: تقول: أظن زيد ذاهبًا بحقي باطلة، بنصب الباطل، والتقدير: أظن زيد باطلة ذاهبًا بحقي.
وأجاز الفراء رفع الباطل، وأنشد لذي الرمة: أظن ابن طوثوت عتيبة ذاهبًا بعادتي تكذابه وجعائله

برفع التكذاب والجعائل، ونصبه بظن، ورغم أن المعنى: أظن ابن طرثوث أن يذهب بعاديتي، وجعل ذاهبًا بمعنى أن يذهب، كما قال "عسى الغوير أبؤسًا"، أردا: أن ييأس، فلما حذف أن تنصب أبؤسًا.
وقال: لا يجوز أن تقول: أظن زيد قائمًا، وأنت تريد: أن يقوم؛ لأن (أن) تكفي من شيئين، فلا بد من شيئين إذا حذفتها، فتقول: ظننت قائمًا أنا، وأظن زيد قائم هو.
قال ابن كيسان: ويجوز أن تنصب تكذابه بظن، وترفع جعائله إن كانت القافية مرفوعة على المعنى، أي: ويذهب بها جعائله.
وشبهه بقول الشاعر: وجدنا الصالحين لهم جزاء وجناتٍ وعينًا سلسبيلًا لما تم الكلام على قوله "لهم جزاء" أضمر فعلًا للثاني، فكأنه قال: وجدنا لهم جنات وعينًا سلسبيلًا.
وقد تقدم لنا الكلام على شيء من هذه المسألة في باب إن، وأمعنا هنا فيها.
التاسعة: عبد الله ما علمت عالم، أجمعوا على جوازها.
واختلفوا في: عبد الله ما رأيت عالم، أو ما ظننت، فمنع من ذلك الفراء وابن كيسان، وأجاز ذلك غيرهما.
وقدر الفراء ذلك: عبد الله فيما أعلم.
قيل له: وكذلك يقدر في الظن والحسبان.
وقال ابن كيسان: المعنى: عبد الله مدة علمي عالم، وليس للظن هنا مشاركة للعلم؛ لأن الظن شيء يقع في النفس، يجوز أن يبطل وأن يحق، فلا تكون له مدة توجب الظن بثبات علم عبد الله.

العاشرة: أزيد زعمت أنه منطلق؟ هذا لا خلاف في جوازه.
فإن نصبت زيدًا فهو خطأ عند البصريين، وأجاز ذلك الكسائي لأنه وجد (أن) تدخل وتخرج والكلام على معناه، فالمعنى عنده: أزيدًا زعمته آخاك؟ وحكي عن العرب دليلًا على صحة ذلك: كم زعمت أنك سائر؟ على أن كم/ في موضع نصب، وحكي أيضًا: من زعمت أنك ضارب؟ ولا حجة فيما ذكر لأنه يحمل على أن كم في موضع رفع على أن تريد: سائرة، وكذا: من زعمت أنك ضارب، أي: ضاربه، كما أنشد س" على ذنبًا كله لم أصنع أي: لم أصنعه.
وقال البصريون: ((أن)) لا تعمل في شيء قبلها، فلا تفسر عاملًا.
الحادية عشرة: كم زعمت أن الحرورية رجلًا، حكاه الكسائي على أن كم في موضع رفع.
فقياسها: أبو من زعمت أن عمرًا؛ لأنك هنا يمكنك: أزعمت أن زيدًا قائم، ولا يمكنك في من وما وكم أن تجعل مثلها.
وتابعة الأخفش، فقال: ومن قال هذا- يعني من قال: ................. ولكن زنجيًا- أضمر الخبر.
قال: وإن شئت رفعت زنجيًا، فأضمرت الهاء.
قال: ومن قال هذا قال: كم زعمت أن الحرورية رجلًا، ينصب الحرورية، ويضمر الخبر، كأنك قلت: أن الحرورية هو، ويكون ضمير كم، وكل ذلك قبيح.

وقال ابن كيسان: وهذا بعيد جدًا في القياس والحكم؛ لأنك إذا دخلت وجب أن يكون ما بعدها صلتها، وأن يكون حكمها وما بعدها حكم أسم واحد، وإذا قدمت شيئًا مما حكمه أن يكون بعدها فقد قدمت بعض الاسم، وأخرت بعضه، ولعل الذي سمع هذا سمعه بغير أن، وتورهم غير ما سمع، أو يكون المتكلم بها تكلم على الغلط.
قال: ولو اعتذرنا لهذا لوجدنا له وجيهًا على أنه لم يعتد بـ (أن)، وأجراها مجرى أن التي في قوله عز وجل (وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا)، أو يكون على أن يحذف أسم أن، ويرفع الحرورية على خبر أن، وتكون زعمت وما بعدها في موضع خبر كم، فتكون كم رفعًا بالابتداء، يريد: كم زعمت أنهم الحرروية رجلًا، قال: ............... ولكن زلنجي عظيم المشافر أي: ولكنك زنجي.
وينشد: ولكن زنجيًا، على حذف الخبر، أي: ولكن زنجيًا لا يعرف قرابتي.
ولو قلت: كم زعمت أنهم الحرورية، وأظهر ضمير كم لجازت المسألة، وكانت كم رفعًا.
وكذا (لو) قلت: كم زعمت أن الحرورية هم، وأنهم الحرورية.
وحسن الابتداء بالنكرة لأن فيها معنى الاستفهام.
ولا يجوز أن تقول: كم زعمت أنهم رجلًا الحرورية، ولا: كم زعمت أن الحرورية رجلًا هم، ولا: كم زعمت رجلًا أن الحرورية، لا يكون المفسر إلا بعد الجملة أو قبل زعمت.

وتقول: كم رجلًا زعمت أن الحرورية هم، وكم زعمت أنهم الحرورية رجلًا.
فإن قلت رجالًا كان توسيطه بين أسم أن وخيرها، وهو قبيح إلا مع الأفعال، نحو قولك: كم زعمت أن الحرورية رجالًا يخرجون هم، فيكون رجالًا حالًأ مما في يخرجون، ويكون يخرجون خبرًا/ للحرورية، ويكون هم مبتدأ، وهي مكني من كم، ويكون من زعمت التي موضع هم جملة، وكم خبر مقدم على هم، كأنك قلت: كم هي زعمت أن الحرورية يخرجون.
وتقول: كم زعمت أن الحرورية خرجوا رجلًا، فاسدة على التقدير؛ لأنه ليس في قولك ((ن الحرورية خرجوا)) عائد على كم، ورجلًا مفسر على كم، و ((كم)) ابتداء لا خبر له.
فإن قلت رجالًا جازت المسألة، وصارت ((كم)) سؤالًا عن الزعم، كأنه قال: كم مرة زعمت أن الحرورية، فإن جعلت رجالًا مفسرين كم فسدت المسألة.
المسألة الثانية عشرة: ظننته زيد منطلق، لا خلاف في جوازها.
فإن قدمت منطلقًا على زيد، فقلت: ظننته منطلق زيد، فالبصريون يرفعون على التقديم والتأخير، والكوفيون ينصبون منطلقًا، وهو خطأ عند البصريين لأن الهاء إذا كانت كناية عن الأمر لم يفسره إلا جملة، وقد تقدمت هذه المسألة في وسط الفصل الرابع من باب المضمر في أوائل الكتاب، وشرحناها هناك.
الثالثة عشرة: ظننت زيدًا قائمًا حسنًا، لا خلاف في جوازها.
فلو قلت ظننت زيدًا ظنًا حسنًا قائمًا أجاز البصريون، وقالوا: لو قلت زيد ظننت قائم جاز أن يعترض بالظن، فإذا كان الفعل بنفسه يقع هذا الموقع لم يمتنع أن يقع مصدره.
ومنع ذلك الكوفيون، وقالوا: المفعول الأول والثاني بمنزلة مفعول واحد، فلا يقع مصدر الظن إلا قبلهما أو بعدهما.

الرابعة عشرة: ظننت زيدًا يوم الجمعة قائمًا، وظننت زيدًا خلفك قائمًا، إن جعلت الظرف ظرفُا للمفعول جازت بلا خلاف، وإن جعلته ظرفًا للظن أجاز ذلك البصريون، ومنعه الكوفيون، وحجتهم ما تقدم في المسألة قبلها.
الخامسة عشرة: ظننت أن زيدًا ظنا حسنًا قائم، لا خلاف في منعها لأن ((أن)) جازت الاسم والخبر، فصارت كشيء واحد.
السادسة عشر: طعامك ظننت أن عبد الله أكل، اختلفوا في جوازها: فمنعها الجمهور، وأجازها الكسائي، وحجته أن دخول ((أن)) وخروجها هنا سواء.
وغلطوه في ذلك لأنك قدمت بعض الصلة.
السابعة عشرة: ظننت زيدًا إنه منطلق، أوجب البصريون كسر إن، أجازه الكوفيون مع الفتح، فتقول: ظننت زيدًا أنه منطلق.
واستدلوا بقراءة حمزة بن حبيب (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ).
وقد لحن البصريون هذه القراءة إلا بعض متأخريهم، فإنه تأولها، واحتج لها.
وأجاز ابن كيسان النصب على أن يجعل "أنه" بدلًا من زيد، كقوله: ......................... وما حسبتك أن تحينا قال: كأنه قال: وما حسبت أن تحين، فجعل/ أن بدلًا من الكاف.
وتقدم قبل أن ابن كيسان اوجب الفتح.
الثامنة عشرة: ظننته إن زيد قائم، لا يجوز إلا كسر إن عند البصريين.

وأجاز ابن كيسان الفتح، قال: تجعلها بدلًا من الهاء، وتجعل الهاء كناية عن الخبر، كأنك قلت: ظننت ذلك أن زيدًا قائم، فـ ((أن زيد قائم)) هو ((ذلك)).
وقال البصريون: وقع الظن على الهاء، والجملة الخبر، كما أنهم قد أجمعوا على أظنه زيد منطبق، فإذا جئت بـ ""إن"" وجب أن تكسرها.
التاسعة عشرة: أظن عبد الله مختصًا وزيد، قال الفراء وأكثر النحويين: لا يجوز في زيد النصب.
وأجازه بعض النحويين على أن يكون مفعولًا معه، أي: مع زيد، كما تقول: استوي الماء والخشبة.
العشرون: أظن عبد الله مختصًا فزيدًا، وثم زيدًا، أو زيدًا، لا يجوز شيء من هذا عند الفراء والبصريين لأن هذا موضع الاجتماع، فلا يكون إلا بالواو.
وأجاز الكسائي: أظن عبد الله ثم زيدًا مختصين، وكذلك الفاء وأو.
وأنكر الفراء عليه، وقال: يلزمه أن يقول: اختصم زيد فبكر، بالفاء وبأو.
الحادية والعشرون: أظن عبد الله وأظن زيدًا مختصين، أجاز الفراء على أن تلغي أظن الثانية، قال: فإن توهمت التكرار كان محالًا.
والقول عند البصريين أنهما واحد.
الثانية والعشرون: أنا ظان أن يقوم زيد، وإن شئت حذفت التنوين وأضفت.
فإن قلت ((أنا ظان انك تقوم)) كان حذف التنوين قبيحًا ((أن)) التي تعمل في الأسماء لا تتمكن تمكن الخفيفة التي تعمل في الأفعال.
قال الفراء: وإن جاءتك في شعر أجزتها.
الثالثة والعشرون: أنا ظان إنك لقائم، لم تجز الإضافة، فإن قلت: أنا قائل إنك لقائم، ولتقومن، وما زيد بقائم، جاز حذف التنوين والإضافة.

الرابعة والعشرون: أخواك مظنونان أن يذهبا، قال الفراء: هي خطأ لأن الظن لا يقع على ثلاثة أشياء، وإذا وقع على أن فكأنه وقع على شيئين، فلا يجوز أن يقع على ثالث؛ ألا ترى أن المرفوع في مظنون قد ارتفع بوقوع الظن عليه.
وهذا جائز على مذهب البصريين، كما تقول: أخواك يظنان أن يذهبا، غير أن الأجود أن تقول: أخوك يظن أن يذهبا، وأخوك مظنون أن يذهبا، أي: مظنون ذهابهما، فإن قلت "مظنونان" كانت أن بدلًا من الألف، كما قال: ....................... وحنت وما حسبتك أن تحيا الخامسة والعشرون: قول العرب: عرفت أيهم في الدار، فـ "عرفت" يقضي حصول المعرفة، و"أيهم في الدار" استعلام من الدار، وهذا الكلام يدافع أوله آخره؛ لأن حصول المعرفة ينافي طلبها، لأن الحاصل/ لا يطلب تحصيله، بخلاف قولك: عرفت ما زيد قائم، ولعمرو منطلق، فالعرفان معلق بالنسبة من إثبات أو نفس إذ هي خبرية، بخلاف النسبة الإسنادية في الاستفهام.
والجواب عن هذا أنه في الصورة استفهام، وليس باستفهام في الحقيقة.
وقال س في علمت أزيد ثم أم عمرو: "أردت أن تخبر أنك قد علمت أيهما ثم، وأردت أن تسوي علم المخاطب فيها كما استوى عملك في المسألة حين قلت: أزيد ثم أم عمرو" انتهى.
فهذا نص على أنه لا يراد معنى الاستفهام.
وقول س: "وأردت أن تسوي علم المخاطب فيها" معناه أنك إذا أخبرت أنك قد علمت أيهما ثم استوي عنده أن أحدهما ثم وإن لم يتعين له.
ثم قال: "كما استوى علمك في المسألة" أي: حين كنت مستفهمًا حقيقة، ولم تدخل عملت لأنك لا تسأل هذا السؤال إلا وأنت قد علمت أن أحدهما ثم،

وإنما سألت عن تعيين من ثم.
وجميع المثل التي أوردها س الاستفهامية في الصورة ليس المعنى على الاستفهام، نحو: قد علمت أعبد الله ثم أم زيد، وقد عرفت أبو من زبد، وقد عرفت أيهم أبوك، وأما ترى أي برق هنا، وليت شعري أعبد الله ثم أم زيد، وليت شعري هل رأيته، و (لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى)، (فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى)، إلى غير ذلك، المعنى: قد علمت من ثم زيد ومن عمرو، وقد عرفت الشخص الذي هو زيد أبوه، وقد عرفت الشخص الذي هو أبوك، وأما ترى البرق الذي هنا، وليتني أشعر بمن ثم من عبد الله ومن زيد، وليتني أشعر برؤيتك ذلك، ولنعلم الحزب الذي هو أحصى، وفلينظر الطعام الذي هو أزكى، وكذلك ما ورد من نحو ذلك، وكثير في لسان العرب ما يكون لفظ الكلام مخالفًا للمعنى الذي قصد به، كالأمر بصورة الخبر وعكسه.
وكلام العرب على ثلاثة أقسام: أكثره وأعلاه أن يطابق اللفظ على المعنى، نحو: أظن أن تقوم، اتفقت.
والقسم الثاني: أن يغلب اللفظ على المعنى، نحو: أظن أن تقوم، اتفقت العرب والنحاة على صحتها، وأبطل أكثر النحويين "أظن قيامك، ومعنى أن تقوم: قيامك، وإنما جاز ذلك لأن الظن لا يكتفي بكلمة واحدة، و"أن تقوم" كلمتان، فكأنك أتيت بما أصله المبتدأ والخبر الذي يكتفي بهما الظن، بخلاف "قيامك"، فإنه كلمة واحدة في اللفظ.

والقسم الثالث: تغليب المعنى على اللفظ، ومن ذلك مسألتنا في الاستفهام وإذا كانوا قد أتوا بصورة الاستفهام والمعنى غيره، ولم يدخلوا عليه ما يغيره من العوامل اللفظية- فأحرى وأولى أن يغير المعنى معها، وذلك نحو: أي رجل أنت؟ المعنى: ما أكملك رجلًا! فهو بصيغة الاستفهام، ومعناه/ التعجب؛ ولذلك لا يجاب مثل هذا الاستفهام.
وكذلك "شر أهر ذا ناب" هو من تغليب المعنى على اللفظ.
وقد نص الأستاذ أبو الحسن بن الباذش على ما يدل على قلناه، فقال: علمت أزيد عندك أم عمرو، و (لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ) ليس حرف الاستفهام هنا لمعنى الاستفهام لأنه يستحيل أن يستفهم عما أخبر انه يعلمه، وإنما معناه التسوية عند المخاطب لأنك لم تبين له من ثم، وأبهمت عليه، فنقلت بـ "علمت" معنى التسوية من نفسك إلى المخاطب؛ لأنك حين قلت "أزيد عندك أم عمرو" هما مستويان عندك، وإنما تطلب بالاستفهام العلم بأحدهما، فالتسوية أملك بالألف من الاستفهام وأخص؛ لأن الاستفهام لا يخلو من التسوية، والتسوية تخلو من الاستفهام، ويبين أن المراد به التسوية المجردة قوله تعالى (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ)، (سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ).

وكان الأستاذ أبو بكر علي يحكي عن بعض المتأخرين أن هذا الكلام على حذف مضاف، أي: قد علمت جواب هذا الكلام، وكان يراه في بعض أقراءاته.
وقال أبو عثمان المازني: "سأل مروان أبا الحسن الأخفش، فقال: إذا قلت "أزيد عندك أم عمرو" ألست قد علمت أن ثم كونًا ثابتًا، ولكن لا تدري من أيهما هو؟ قال: بلي.
قال: فإذا قلت: "قد علمت أزيد عندك أم عمرو" أليس قد علمت ما جهلك؟ قال: بلي.
قال: فلم جئت بالاستفهام؟ قال: جئت به لألبس على المخبر من علمت.
فقال له مروان: وإذا قلت "قد علمت أنت" أردت أن تلبس عليه لأنه لا يعرف نفسه؟ قال: فسكت.
يعني الأخفش.
قال أبو عثمان: لا يزيد أن يلبس عليه لأنه يعرف نفسه، ولكنه أردا: قد علمت من أنت أخير أمرك أم شر، كما تقول: قد علمت أمرك، وكقولك: ما أعرفني بك، أي: قد علمت ما تذكر به، أو ما تثلب به".
انتهى.
فكأنه راجع إلى حذف مضاف، أي: علمت أحوال من أنت، ولذلك أبدل من "أخير أمرك أم شر".
وهذه المسألة - أعني مسألة دخول العلم على ما صورته الاستفهام- كان سألني عنها قاضي القضاة أبو الفتح أبو الفتح محمد بن علي بن مطيع القشيري بديار مصر، فأجبته بما ذكرت، وقد أمعنت الكلام فيها في كتابي المسمى بـ "التذكرة" بأشبع من الكلام هنا.

ص: فصل يحكى بالقول وفروعه الجمل، وينصب به المفرد المؤدي معناها والمراد به مجرد اللفظ.
وإلحاقه في العمل بالظن مطلقًا لغة سليم، ويخص أكثر العرب هذا الإلحاق بمضارع المخاطب الحاضر بعد استفهام متصل، أو منفصل بظرف، أو جار ومجرور، أو أحد المفعولين، فإن عدم/ شرط رجع إلى الحكاية، ويجوز إن لم يعدم.
ش" "القول" مصدر "قال"، ومعناه النطق اللساني/ وينطلق على ما هو موضوع من مفرد وغيره، ولا ينطلق على المهل، فلا يرادف اللفظ، فينطلق على دير مقلوب زيد، ولا رفعج مقلوب جعفر، خلافًا لبعضهم إذا زعم أن "اللفظ" و"القول" مترادفان.
وينطلق أيضًا على الاعتقاد والرأي، تقول: فلان يقول بقول الشافعي، تريد الرأي والاعتقاد؛ لأنه يحكي قوله.
وينطلق أيضًا على حديث النفس، قال تعالى (وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ)، وقول الشاعر: قالت له النفس: إني لا أرى طمعًا وإن مولاك لم يسلم، ولم يصد ومثال الحكاية بالقول (وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا).
وقوله وفروعه هي الماضي، نحو (وَقَالُوا سَمِعْنَا).
والمضارع، نحو (يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا).
والأمر (قُولُوا آَمَنَّا).
واسم الفاعل (وَالْقَائِلِينَ

لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا).
وأسم المفعول، نحو قول الشاعر: تواصوا بحكم الجود حتى عبيدهم مقول لديهم: لا زكاة مال ذبي بخل وأسم المصدر، نحو: مقالك الله ربنا إقرار بالربوبية.
وقوله وينصب به المفرد المؤدي معناها أي: معنى الجملة، كالحديث والقصة والشعر والخطبة، فتقول: قلت حديثًا، وأقول قصة، وهذا قائل شعرًا وخطبة، هكذا مثل المصنف المفرد المؤدي معنى الجملة.
وقسم أصحابنا المفرد إلى مفرد في اللفظ لا في التقدير، وكفرد في اللفظ والتقدير، فإن كان مفردًا في اللفظ لا في التقدير حكي؛ إذا هو جملة في الأصل، فحكمه حكم الجملة المصرح بجزأيها، قال: إذا ذقت فاها قلت: طعم مدامة معتقة مما تجئ به التجر وروى بنصب طعم، فيكون من حكاية الجملة الفعلية، (التقدير) قلت: ذقت طعم مدامة، وروى برفعه، فيكون من حكاية الجملة الاسمية، التقدير: طعمه طعم مدامة.
وإن كان مفردًا في اللفظ والتقدير: فإن كان مصدرًا عمل فيه النصب، وإن كان أسمًا للجملة عمل فيه، قالوا: كالحق والباطل، فتقول: قال فلان حقًا، وقال فلان باطلًا.

واختلف على ماذا ينتصب هذا: فقيل: إنه نعت لمصدر محذوف، أي: قولًا لاحقًا.
وقيل: ينتصب على أنه مفعول به.
وهو اختيار ابن عصفور وأبن الضائع، فالا: لأن "الحق" اسم جامد، والوصف بالجامد لا ينقاس، نحو: مررت برجل حجر الرأس.
قال ابن الضائع: "والأولى أن يكون مفعولًا صحيحًا؛ لأن الحق هو المقول، فهو مفعول به صحيح".
انتهى.
فإن قلت: إذا قلت:/ قال فلان شعرًا، وقال خطبة، ونحوها، أيجوز أن ينتصب انتصاب المصادر النوعية، نحو: رجع القهقري، وقعد القرفصاء، أم يتعين نصبه على أن يكون مفعولًا به؟ قلت: يظهر الثاني لأنه اسم للجملة، فكما أن الجملة الواقعة بعد القول- وإن كانت محكية- هي في موضع المفعول به، فكذلك الاسم الذي بمعناه- وإن كان مفردًا- أريد به مجرد اللفظ، وهو الذي أراد المصنف بالقول خلاف: منهم من أجازه، ومنهم من منعه.
واختار المصنف أن ينصب بالقول، قال: "كقولك: قلت كلمة".
وسلفه في هذا القول الزجاجي والزمخشري وابن خروف، وجعلوا من ذلك قوله تعالى (يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ)، لو كان مبنيًا للفاعل لقيل: يقول له الناس إبراهيم، أي: يطلقون عليه هذا الاسم.

وقال الزجاجي في الجمل: "وإنما قلنا البعض والكل مجازًا".
قال ابن خروف: "نصب البعض والكل على تقدير: وإنما قلنا هاتين الكلمتين؛ لأنك تقول: قلت كلمة، كما تقول قولًا، و"القول" يقع على ما يفيد وما لا يفيد" انتهى.
فعلى قول هؤلاء ينصب اللفظ بالقول ولا يحكي.
وقال ابن عصفور: "والصحيح أنه يحكي، ولا يجوز فيه غير الحكاية".
قال: "لأن الحكاية إما أن ترجع إلى اللفظ أو إلى المعنى.
باطل أن ترجع في مثل (قال زيدًا عمرًا) إلى المعنى؛ لأن عمرًا اسم شخص، والأشخاص ليست من جنس المقول، فلم يبق إلا أن ترجع الحكاية فيه إلى اللفظ.
وإذا كان كذلك فينبغي أن يحافظ على لفظ المتكلم- يريد من رفع أو نصب أو خفض- ولا يغير.
وأيضًا فإن هذه المفردات إنما تحكي من كلام المتكلم بها، وباطل أن يتكلم بالمفردات من غير أن يتلفظ بها في جملة، فإذا ثبت أنها مقتطعات من جمل فينبغي أن تعامل معاملة الجمل، وبذلك ورد السماع، قال: إذا ذقت فاها قلت: طعم مدامةٍ............... وعلى هذا ينبغي أن يحمل قوله تعالى (يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ) على تقدير: يقال له إبراهيم، فحكي.
ومن رأى الإعراب في المفرد يحمل إبراهيم على أنه مرفوع بيقال" انتهى.

وقال ابن عصفور أيضًا: "يحتمل أن يكون منادي محذوفًا منه حرف النداء، وأن يكون خبر مبتدأ مضمر، تقديره: أنت إبراهيم.
وذهب بعضهم إلى أنه يكون مفعولًا للقول كحق وباطل.
وزعم بعضهم انه مرفوع بالإهمال؛ لأنه لم يتقدمه عامل يؤثر في لفظه، إذ القول لا يؤثر فيه قي مهملًا، والمهمل إذ ضم إلى غيره أرتفع، نحو قولهم: واحد، اثنان، برفع (واحد) إذا عدوا، ولم يدخلوا عاملًا في اللفظ ولا في التقدير، وعطفوا بعض أسماء العدد على بعض، وهذا مذهب الأعلم.
والصحيح إن المفرد الذي لا يقع من جهة المعنى على الجملة لا يقع بعد القول إلا على إضمار حتى يكون جملة" انتهى.
والذي يقتضيه النظر أنه لا يقع بعد القول اللفظ المفرد الذي لا يؤدي معنى الجملة، ولا يكون مصدرًا، ولا يكون مقتطعًا من جملة، ولا يوجد في كلامهم: قال زيدًا عمرًا، ولا: قال فلان ضرب، من غير إسناد، ولا: قال فلان ليست، وإنما يقع القول في كلامهم لحكاية الجمل، وأما (يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ) فقد ذكر تأويله، فليس من قبيل: قال فلان عمرًا.
وإذا حكيت الجمل فالأصل أن تحكي كما سمعت لفظ الجملة، فإذا قال زيد: عمرو منطلق، أو: انطلقت، قلت: قال زيد عمرو منطلق/ أو: قال زيد انطلق.
ويجوز أن تحكي على المعنى بإجماع، فتقول: قال زيد منطلق عمرو، أو المنطلق عمرو.
فإن كانت الجملة ملحونة حكيتها على المعنى بإجماع، فتقول قول زيد: "عمرو قائم، وقام عمرو"، بخفض عمرو: "قال زيد: عمرو قائم،

وقال عمرو، بالرفع" واختلفوا في الحكاية على اللفظ أتجوز أم لا، وصحح أبن عصفور أنها لا تجوز، قال: " لأنهم إذا كانوا يحكمون الجملة المعربة على المعنى فينبغي أن يلتزموا حكاية الجملة الملحونة على المعنى" انتهى.
وإذا حكيت كلام متكلم عن نفسه بنحو "انطلقت" فلك أن تحكيه بلفظه من غير تغيير، فتقول: قال فلان انطلقت، ويجوز أن تقول: قال فلان انطلق، أو إنه انطلق، كل هذا جائز.
وقوله والحاقة في العمل بالظن مطلقًا لغة سليم هذه اللغة حكاية أبو الخطاب، قال س" "وزعم أبو الخطاب- وسألته عنه غير مرة- أن ناسا يوثق بعربيتهم- وهم بنو سليم- يجعلون باب قلت أجمع مثل ظننت".
وعلى هذه اللغة يروي قول آمري القيس: إذا ما جرى شأوين، وابتل عطفه تقول هزيز الريح مرت بأثاب وقوله ويخص أكثر العرب هذا الإلحاق يعني بالإلحاق في العمل بالظن.
وقوله بمضارع احتراز من الماضي، نحو: أقلت زيد منطلق، فلا يجوز فيه إلا الحكاية.
وذهب السيرافي إلى جواز إعمال الماضي بباقي شروط المضارع،

فأجاز: أقلت زيدًا منطلقًا.
و"س" لم يستثن إلا أتقول، فيظهر منه اختصاصه بالمضارع، وعلى كونه شرطًا أخذه النحويين، فإن سمع من/ كلامهم ذلك في الماضي كان حجه للسيرافي، وإلا فلا يجوز.
واحتراز أيضًا من الأمر، فإذا قلت "قل زيد منطلق" فلا يجوز فيه عند البصريين إلا الحكاية.
وزعم الكوفيون أن الأمر من القول للمخاطب يجري مجرى الظن في غير لغة بني سليم، كما يجرون المضارع منه مجرى الظن إذا اجتمعت الشروط التي تكون في المضارع، وأنشدوا: إن سليمي من تنازع لبه ومن ينازعها فقله وقد خلج أي: فظنه قد خلع، فإذا استقبلوه بـ "إن" كسروها كما يكسرونها بعد القول، وهذا لا يعرفه الصريون.
وقال الفراء: لم أر العرب أوقعت القول بالنصب في شيء من الفعل إلا في التاء، خاطبت بها أو أمرت، فإنهم يقولون: أتقول زيدًا ذاهبًا.
وقال صاحب اللباب: "للعرب فيه ثلاثة مذاهب: إعماله مطلقًا، إعماله بشرط الخطاب، إعماله بالشروط المذكورة".
وقد تأول بعض أصحابنا قوله "فقله قد خلج".
على أنه يحتمل أن يكون الضمير في "فقله" مرفوعًا، والأصل: هو، فسكنت الواو، فإما أن تكون بقيت ساكنة إن كان روي بالسكون، فيكون نظير قوله:

وهو غيث لنا في كل عام يلوذ به المخول والعديم أو حذفت بعد السكون إن كان روى كذلك، فيكون مثل قوله: فبيناه بشرى رحله قال قائل............ وقوله المخاطب احترازًا من أن يكون المضارع مسندًا لغائب ظاهر أو مضمر، أو متكلم، نحو: أيقول زيد عمرو منطلق، وزيد أيقول عمرو منطلق، وأأقول زيد منطلق، فهذا ليس فيه على لغة غير سليم إلا الحكاية.
وقوله الحاضر يعني أن يكون مقصودًا به الحال، هكذا فسر المصنف هذا الشرط، ولم يذكره غيره فيما أعلم، إنما قالوا: يشترط فيه المضارع- والمضارع يكون للحال وللمستقبل- ولم يقولوا: شرط المضارع أن يكون للحال، بل الظاهر من حيث شرط الاستفهام أنه يكون مستقبلًا؛ ألا ترى إلى قوله: أما الرحيل فدون بعد غد فمتى تقول الدار تجمعنا فليس المعنى على الاستفهام عن ظنه في الحال أن الدار تجمعه وأحبابه، وإنما هو استفهام عن وقوع ظنه لا استفهام على الظن في الحال.
وقوله بعد استفهام هو اعم من أن يكون بالهمزة أو بغيرها من أدوات الاستفهام، نحو: أتقول زيدًا منطلقًا، حكي الكسائي أنه سمع أعرابيًا يقول: أتقول

للعميان عقلًا، يقول: أتظن لهم عقلًا، ومنه قول عمرو بن معدي كرب: علام تقول الرمح عاتقي إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرت وفي رواية من نصب الرمح، وقال لآخر: متى تقول القلص الرواسما يدنين أم قاسم وقاسمًا وقوله متصل يعني أداة الاستفهام تتصل بـ "تقول".
وقوله أو منفصل بظرف أو جار ومجرورـ أو أحد المفعولين مثال انفصاله بظرف قول الشاعر: أبعد بعد تقول الدار جامعة شملي بهم أم دوام البعد محتومًا ومثال الفصل بالجار والمجرور قولك: أفي الدار تقول زيدًا قائمًا.
ومثاله بأحد المفعولين قول الشاعر: أجهالًا تقول بني لؤي لعمرو أبيك أم متجاهلينا وظاهر قول المصنف أنه لا يجوز الفصل إلا بأحد ما ذكر، وذكر غيره أنه يشترط ألا يفصل بين أداة الاستفهام وبين الفعل بأجني، قال: "وأعني بالأجنبي

جارٍ التحميل