التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيلصفحات 96-135

وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ} أي: فيقال أكفرتم.
وقد كرر المسألة في آخر الفصل الخامس من "باب تتميم الكلام على كلمات مفتقرة إلى ذلك"، فقال: "ولا تحذف في السعة إلا مع قول يغني عنه محكيه".
وقوله وجوازًا بعد مبتدأ يعني بالجواز أنه يجوز أن تراعى أن الخبر مستحق بالصلة أو الصفة، فتدخل الفاء ولا بد، أو لا تراعي هذا المعنى، فيمكن أن يكون مستحقًا به أو بغيره، فلا تدخل، فما معنيان مقصودان يترتب عليهما دخول الفاء وعدم دخولها.
وقوله واقع من الشرطية أو ما/ أختها يعني أن الموصول أو الموصوف يكون فيه عموم، فلو كان الموصول خاصُا، أو يعني بالنكرة الموصوفة خاص، لم تدخل الفاء، نحو: الذي يزورنا فهو مكرم، وتريد به شخصًا بعينه.
وفي هذا خلاف: من النحويين من أجاز دخول الفاء وإن لم يكن الموصول عامًا، ولكونه عامًا زعم هشام أن الموصول إذا وصف أو أكد لم يجز دخول الفاء في خبره مع استيفاء الشروط، فلا يجوز عنده أن تقول: الذي يأتيك نفسه فله ردهم، قال: لأنك لا تريد أن تريد أن تخص رجلًا بعينه، وإنما تريد: كل من كان منه إتيان فله درهم، فإذا قلت: "نفسه" ذهب معنى الجزاء.
وكذلك "الذي يأتيك الظريف فأكرمه" لا يجوز عنده.
وهذا الذي ذهب إليه يعضده أنه لا يحفظ دخول الفاء مع التأكيد أو النعت من كلام العرب.
وقوله وهو آل الموصولة بمستقبل عام مثل المصنف ذلك بقوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)، وقال: "فلو قصد به

مضي أو عهد أل شبه من وما".
ويعنى فلم تدخل الفاء.
وفي كلام المصنف نفذ من جهات: أحدهما: أنه قال" بعد مبتدأ واقع موقع من الشرطية أو ما أختها، وهو أل الموصولة" وليس "أل" وهو المبتدأ، بل هو وصلته هو المبتدأ، لذلك ظهر الإعراب في الصلة.
الثاني: أنه قال "بمستقبل عام"، والعموم في الوصف إنما استفيد من "أل"، فقد وصف "أل" بقوله "الموصولة بمستقبل عام"، فتوقفت معرفة "أل" على وصفها بما ذكر، وتوقفت معرفة وصف "مستقبل" بالعموم على قوله: "عام"، فلا يعرف المستقبل إلا بدخول "أل"، ولا يعرف "أل" إلا بوصفة بالمستقبل العام، وهو المستفاد عمومه من "أل"، فلزم مكلًا منهما أن تتوقف معرفته على معرفة ما يتعرف به، وذلك لا يصح البتة.
الثالث: أنه بدأ من المبتدأ الذي ادعى أن الفاء تدخل في خبرة بشيء مختلف فيه، ولم بذكر الخلاف لا في فص الكتاب ولا في شرحه، فدل علة أنه لم يطلع على الخلاف، وذلك أن النحويين اختلفوا في دخول الفاء في خبر المبتدأ الذي دخلت عليه "أل": فذهب جمهور البصريين إلى أن ذلك لا يجوز لأن السبب المسوغ لدخول الفاء في خبر "الذي" و"التي" ونحوهما غير موجود فيما دخلت عليه "أل" بمعناها، وهو أن تكون الصلة ظرفًا أو مجرورًا أو جملة فعلية غير شرطية، فهذا ما شرط في الصلة.
وأما ما شرط في الخبر فهو أن يكون مستحقًا بالصلة، وسيأتي توضيح هذا كله إن شاء الله.

وذهب الكوفيون -وقيل: الفراء والمبرد والزجاج- إلى أن ذلك يجوز، وحملًا عليه قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ لأن ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ في معنى الذي يزني والتي تزني.
ولا حجة لهما في/ ذلك لأن خبر الزاني والزانية محذوف، تقديره: فيما فرض عليكم الزانية والزاني، أي: حكمها، ودل على ذلك قوله تعالى قبل: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾.
ويدل على أن التقدير كذلك رفع أكثر القراء لهما مع أن المختار في نحو "زيدًا فاضربه" النصب، فلولا أن التقدير ما ذكرناه لكان المختار نصيب.
فأما ما اعتل به الفراء من أن مثل هذا لا ينصب لأن تأويله الجزاء فتعليل غير صحيح؛ لأن تعليل الجزاء لا وجه له لمنعة النصب؛ لأن الاسم في الجزاء ينتصب، تقول: أيًا تضرب أضربه، فلما رفعهما أكثر القراء، والعامل في الضمير أمر، دل ذلك على أن قوله ﴿فَاجْلِدُوا﴾ ليس في موضع الخبر، بل الخبر محذوف.
وقرأ ناس من القراء منهم عيس بن عمر ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ بالنصب، فيكون نحو: زيدًا فاضربه.
وقوله وغيرهما موصولًا بظرف أي: وغير "أل" موصولًا بظرف،

مثاله قول الشاعر: ما لدى الحازم اللبيب معارًا فمصون، وماله قد يضيع وقوله أو شبهه هو الحار والمجرور، ومثله المصنف وغيره بقوله تعالى ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾.
فإن قلت: قد ذكرت أن الفاء لا تدخل في الخبر حتى يكون مستحقًا بالصلة، وكون النعم من الله غير مستحق باستقرار نعمة بنا.
فالجواب أن العرب قد تقيم السبب مقام المسبب، وتستغني به عن ذكره، فالمعنى: وما بكم من نعمة فاشكروا الله عليها لأنها منه، فأقيم سبب شكره تعالى على النعم، وهو كونها منه، مقام الشكر، واستغنى به عنه.
وقوله أو بفعل صالح للشرطية احترز بقوله "أو بفعل" وبما قبله من أن تكون الصلة جملة اسمية، فإنه إذ ذاك لا تدخل الفاء، نحو: الذي هو محسن فهو مكرم.
واحترز بقوله: "صالح للشرطية" من أن يكون غير صالح لأداء الشرط، وذلك صور: إحداها أن تكون أداة الشرط قد باشرته، نحو: الذي إن يكرمني أكرمه فهو مكرم، فلا يجوز دخول الفاء هنا لأن الشرط قد استوفى جزاءه في الصلة، فلا يكون له جزءان؛ إذ الفاء إنما تكون داخلة على الخبر لاستحقاقه بالصلة وكوبه جوابًا لها في المعنى، والصلة قد أخذت جوابها،

فلو دخلت للزم أن يكون للشرط جوابان، وذلك غير جائز.
وأيضًا فإذا دخل خبر "الذي" الفاء كان منزلًا منزلة اسم الشرط، واسم الشرط لا يجوز دخوله على أداة الشرط، فكذلك ما كان منزلًا منزلته.
وأجاز بعضهم ذلك، نحو: الذي إن تطلع الشمس ينظر إليها فهو صحيح النظر، نظرًا إلى أن الشرط والجزاء مستقبلان، ولا يلزم ما قال أبو علي من أنه يكون للشرط جزءان لأن السبب يختلف والمسبب يختلف، فيدخل أحدهما على الآخر؛ لأنه لا يبعد أن يكون ارتباطًا سبب لمسبب سببًا لمسبب آخر كالمثال/ الذي سبق، وارتباط الرؤية بطلوع الشمس دال على حدة البصر، قاله صاحب البسيط عن بعض شيوخه.
وقد أجاز الفراء وغيره كون الشرط جوابًا للشرط، وعليه حمل ﴿فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ﴾.
وحمله بعضهم على حذف الجواب، أي: فاتبعوه، فمن تبع.
وفي البسيط أيضًا: "وأما إن دخلت على جملة شرط، وبها تمت صلتها، فهو جائز عند النحويين س والمبرد وغيرهما، فتقول: الذين إن يأتني أحسن إليه فله درهم، وأي من يأتني أكرمه فله درهم، وكذلك سائر أخواتها" انتهى.
يعني أخوات "إن" من أدوات الشرط.
الصورة الثانية: أن يكون الفعل ماضي المعنى، نحو قولك: الذي

زارنا أمس فله دينار، فلا يجوز ذلك لأن "زارنا" لا يصلح لأداة الشرط لمضي الفعل معنى.
وأجاز ذلك بعضهم واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وبقوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾، ومعلوم أن هذا ماض لفظًا ومعنى مقطوع بوقعه صلة وخبرًا.
وقد تأولناه على معنى التبين، كأنه قيل: وما يتبين إصابته إياكم، وما يتبين إفاءة الله على رسوله منهم، ويكون نظير قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ أي: إن تبين كون قميصه قد من قبل.
الصورة الثالثة: أن يكون مستقبلًا مصحوبًا بالسين أو سوف أو لن أو قد أو ما، نحو: الذي سيأتيني أو سوف يأتيني أو لن يأتيني أو قد يأتيني أو ما يأتيني له درهم، فلا يجوز دخول الفاء على هذا الخبر لأنه لا تصلح هذه الصلات لدخول أداة الشرط على شيء منها.
وكذلك لو كان داخلًا عليه لما، نحو: الذي يأتني له درهم، بخلاف لم؛ لأن أداة الشرط لا يصلح دخولها على لما، ويصلح دخولها على لم.
وهذا الذي ذكر المصنف من اشتراط صلاح الصلة إذا كانت فعلًا لأداة الشرط فيه خلاف: قال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور ما نصبه: ومن الناس من اشتراط في الفعل الواقع صلة إذا دخلت الفاء في الخبر أن

يكون الفعل مما يحسن وقوعه بعد أداة الجزاء، فلو قال: "الذي ما يؤذيني فله درهم" لم يجز ذلك عنده لأن أداة الشرط لا تدخل على "ما" النافية.
ومن الناس من أجاز ذلك مع الموصولـ وإن لم يجزه مع أداة الشرط، لأنه ليس بشرط صحيح، وإنما هو مشبه به.
قال: والصحيح عندي أن الامتناع من إجازة ذلك لأنه غير محظوظ من كلام العرب، وإذا لم يسمع من كلامها أمكن أن تكون امتنعت من إجازته لما ذكرتاه من أن الصلة إذا ذاك لا تشبه فعل الشرط.
وقوله أو نكره عامة موصوفة بأحد الثلاث يعني الظرف أو مشبهه أو الفعل الصالح للشرطية، مثال ذلك: رجل عند حزم فهو سعيد، وعبد لكريم/ فما يضيع، ونفس تسعى في نجاتها فلن تخيب، وشرط بعضهم في فاعل الفعل الذي صلة أو صفة أن يكون عامًا، قال: فلو كان معينًا لم يجز لأنه يخصص به الفعل، فيخرج عن الإبهام، ولذلك كانت النكرة ولا بد عامة.
ولم يشترط ذلك بعضهم، وما حكى الكسائي من قولهم: "الدار التي أسكنها فمعطاة" فشاذ من وجهين: تعيين الفاعل، ومعهودية الذكر، ويخرج على زيادة الفاء أو الندور.
وقوله أو ضاف إليها مشعر بمجازاة مثاله: كل رجل عنده حزن فهو سعيد، وكل عبد لكريم فما يضيع، وكل نفس تسعى في نجاتها فلن تخيب، قال الشاعر: نرجو فواصل رب سيبه حسن وكل خير لديه فهو مسؤول وروي: فهو مبذول.
قال بعض أصحابنا: ولا يلزم أن تكون النكرة العامة لفظ "كل"،

خلافًا لبعضهم، بل كل نكرة يراد بها العموم من جهة المعنى حكمها وحكم "كل" في ذلك سواء، ولو قلت: "رجل يأتيني فله درهم" جاز دخول الفاء لأن معناه ومعنى "كل رجل يأتيني" واحد وأجاز الفراء: ضارب عمرًا فله دينار؛ لأن معناه ومعنى قولك" "كل رجل ضارب عمرًا" سواء.
والصحيح أم ذلك لا يجوز الشبه المسوغ لدخول الفاء في الخبر مفقود؛ لأن ضاربًا ليس موصوفًا بجملة تشله الشرط.
واختر بقوله: "مشعر بمجازاة: وقوله أو موصوف بالموصول المذكور مثاله قوله تعالى: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ)، وقول الشاعر: صوا الحزم، فالخطب الذي تحسوبنه يسيرًا فقد تلقونه متعسرًا وهذا الذي ذكره فيه خلاف، قال بعض أصحابنا: "الصحيح عندي أن ذلك لا يجوز لأن الاسم المخبر عنه- وهو الموصوف ب"الذي"- ليس بمشبه لاسم شرط؛ لأن اسم الشرط لا يقع بعده إلا الفعل ظاهرًا أو مضمرًا، والاسم الموصوف بـ "الذي" ليس كذلك" انتهى.
ويمكن تأويل الآية على أن يكون (الْقَوَاعِدُ) مبتدأ، و (اللَّاتِي) خبره، كأنه قال: والقواعد من النساء هن اللاتي لا يرجون نكاحًا، والجملة من قوله: (فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ) جملة مرتبطة بالفاء بالجملة التي قبلها من المبتدأ والخبر.

ويحتمل أن يكون (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ) مبتدأ، و (اللَّاتِي) مبتدأ ثانيًا، والرابط فيه محذوف، أي: اللاتي لا يرجون نكاحًا منهن فليس عليهن جناح، ودخلت الفاء لأن الجملة وقعت خبرًا عن (اللَّاتِي)، وهو موصول فيه شرط جواز دخول الفاء معبرة في خبره، وكأنه قسم من النساء إلى قسمين: أحدهما لا يرجون نكاحًا، فحكم عليهن أنه ليس عليهن جناح.
والثاني ما يرجون نكاحًا، فعليهن الجناح.
وأما البيت فيتخرج على زيادة الفاء، أي: قد/ لا تلقونه، كما قال: ................................ والصغير فيكبر وقوله أو مضاف إليه: أي: إلى الموصول، مثاله قول زينب بنت الطثرية ترثي أخاها: يسرك مظلومًا، ويرضيك ظالمًا وكل الذي حملته فهو حامل

-[ص: وقد تدخل على خبر "كل" مضافًا إلى غير موصوف، أو إلى موصوف بغير ما ذكر، وعلى خبر موصول غير واقع موقع "من" الشرطية، ولا "ما" أختها، ولا تدخل على خبر ذلك، خلافًا للأخفش.
وتزيلها نواسخ الابتداء إلى إن وأن ولكن على الأصح.]-

ش: مثاله ما روى عن بعض السلف: "كل نعمة فمن الله"،

وقال الأفوه: وكل قرينة فإلى افتراق ولكن فرقة تنفي الملاما ومثاله موصوف بغير ما ذكر قول الشاعر: كل أمر مباعد أو مدان فمنوط بحكمه المتعالي ومثال ما ذكر بعده قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وهكذا مثله المصنف في الشرح، وقد تقدم أن بعض النحويين أجاز ذلك، وإن كانت الصلة ماضية في المعنى، فالمصنف موافق له، وقد ذكرناه تأويل ذلك.
وقوله لا تدخل على خبر غير ذلك قال المصنف في الشرح: "أجاز الأخفش دخول الفاء على خبر المبتدأ الذي لا يشبه أداة الشرط، نحو: زيد فمنطلق، وزعم أنهم يقولون: أخوك فوجد، ومثل ما زعم قول الشاعر: ................. ويحدث ناس، والصغير فيكبر

ولا حُجَّة له في قول الشاعر: وقائله: خولان فأنكح فتاتهم وأكرومه الحين خلو كما هيا ولا قول الآخر: أرواح مودع أن بكور أنت فانظر لأي ذاك تصير لأن معنى الأول: هذه خولان، فخولان خبر مبتدأ محذوف.
ومعنى الثاني: أنظر أنت، فأنت فاعل محذوف، على أن زيادة الفاء قد سهلها كون الخبر أمرًا، كما يسهلها كون الفاعل أمرًا، مفرغًا في نحو: زيدًا فاضرب، ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾؛ لأن الأمر تطرق إلى ما تعلق به معنى المجازاة، فالقائل: زيدًا فاضرب، أو زيد فاضربه، كأنه قال: ما يكن من شيء فزيدًا اضرب، وما يكن من شيء فزيد اضربه، فلا يلزم من جواز هذا جواز: زيد فمنطلق؛ إذ ليس الخبر أمرًا، فيطرق إلى ما تعلق به معنى المجازاة" انتهي.
وأجاز الفراء وجماعة منهم الأعلم دخولها في الخبر إذا كان أمرًا أو نهيًا، نحو: زيد فلا تضربه، وزبد فاضربه، وزيد فليقم، سواء أكان المبتدأ موصولًا أو موصوفًا بالشرط الذي/ ذكر أو كان غير ذلك، واستدل بقوله: يا رب موسى أظلمني وأظلمه فاصبب عليه ملكًا لا يرحمه

وفي الإفصاح ما ملخصه: ذكر أبو علي أن زيدًا ونحوه كان مبتدأ لم تدخل الفاء في خبره؛ لأن الفاء تؤذن باستحقاق ما بعدها بما قبلها.
وأجاز الأخفش على زيادة الفاء، وحكي عنهم: زيد فوجد، وزيد فقائم، وهذا لم يسمعه س إلا فيما يحتمل نحو: وقائلة: خولان فانكح فتاتهم.................... وأول على: هذه خولان: فتعطف الفاء جملة علة جملة وإن لم يتناسب المتعاطفتان؛ إذ الصحيح جواز ذلك.
ومنهم من يقول: أصله مهما يكن من شيء فزيد اضربه، وعوض مهما وفعلها "أما"، فتقول" أما زيد فاضربه، ثم تحذف "أما" اختصارًا ويبقى اللفظ على حاله.
ومنهم من قال: التقدير تنبه فزيدًا اضربه، فلما حذف "تنبه" أو ما في معناها قدموا الاسم دليلًا على ذلك المعنى، والأكثر نصبه بسبب الأمر.
وأجاز الفراء: زيد فاضربه، قال: ولا يجوز: زيد فمنطلق.
قال ابن طاهر: لأنه على زيادة الفاء عنده أو للتنبيه.
وقد أجاز أبو علي وابن جني زيادة الفاء في الأمر والنهي، وعليه حملًا ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾.

وقال أبو إسحاق: ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ خبر ﴿هَذَا﴾.
وشبهه بقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾.
وخطأه أبو علي، وقال: "هذا ليس فيه معنى الفعل شيء، وفي ﴿السَّارِقُ﴾ ما استحق به العقاب".
فعلى قول أبي على (هذا) مفعول بفعل مضمر، كقولك: زيدًا فاضربه، و ﴿وَحَمِيمٍ﴾ خبر مبتدأ، أي: هو حميم.
وفي قول ذي فائش الحميري لعلبة "الله درك! مثلك فليصف أسرته" ما يشهد لما حكي عن أبي الحسن في زيادة الفاء.
وتؤول على نية: مثلك فليكلف.
وقال الأعلم: إن هذا رفع على الإهمال.
وزعم في البيت أنه يرفع على الإهمال.
وذكر أن كلامهم: زيد فاضربه، وهو غالب، وأنه يجوز: الله فاعبده.
ولا وجه لقوله لأن الإهمال عدم العامل، وكيف يكون عاملًا، وقد وجدنا الأعداد المتناسقة وحروف الهجاء المتناسبة وحروف فواتح السرور غير معربة لإهمالها، وكذلك كل مهمل.
وقوله وتزيلها نواسخ الابتداء إلا إن وأن ولكن على الأصح قال

المصنف في الشرح: "إذا دخل بعض النواسخ على مبتدأ دخلت الفاء في خبره أزال شبهه بأداة الشرط، فامتنع دخول الفاء على الخبر" انتهى.
فقوله: "إذا دخل بعض النواسخ على مبتدأ دخلت الفاء على خبره" إلى آخره يدل على أن الناسخ يدخل على مبتدأ دخلت الفاء في خبره، وليس كذلك، بل إذا دخل الناسخ فلا يدخل إلا على مبتدأ لا تكون الفاء في خبره، وليس المعنى أنه إذا دخل الناسخ أزال الفاء.
وقال في الشرح: "ما لم يكن الناسخ إن وأن ولكن، فإنها ضعيفة العمل إذ/ لم يتغير بدخولها المعنى الذي كان مع الابتداء، ولذلك جاز العطف معها على معنى الابتداء، ولم تعمل في الحال، بخلاف كأن وليت ولعل، فإنها قوية العمل، مغيرة بدخولها المعنى الذي كان مع الابتداء، مانعة بدخولها من العطف على معنى الابتداء، صالحة للعمل في الحال، فقوى شبهها بالأفعال، وساوتها في المنع من الفاء المذكورة" انتهى.
وقوله "ولذلك جاز العطف معها على معنى الابتداء، مذهب س والمحققين أنه لا يجوز، والعجب للمصنف أنه ذكر جواز ذلك لإجماع في باب إن وأخواتها، وجهل الخلاف في ذلك، ولاسيما خلاف س، وسيأتي بيان ذلك في بابه إن شاء الله.
وقوله "مانعة بدخولها من العطف على معنى الابتداء، قد ذكر هو- أعني المصنف- الخلاف في ذلك في "باب إن"، وستقف عليه.
وقوله على الأصح وهو راجع إلى الثلاثة، وهو ظاهر كلام المصنف.

وقال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: الموصول الذي يجوز دخول الفاء في خبره إذا دخلت عليه ليت أو لعل أو ما أشبههما من نواسخ الابتداء لم يجز دخول الفاء في خبره؛ لأن الموصول إذ ذاك لا يشبه اسم الشرط؛ لأن اسم الشرط لا يعمل فيه ما قبله، وإذا زال الشبه باسم الشرط لم يكن لدخول الفاء وجه إلا أن تكون زائدة، وزيادة الفاء لا تنقاس ما لم يكن الناسخ إن، فإن كان "إن" جاز دخول الفاء في الخبر، ومنه ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾، وجاز ذلك معها وحدها من بين سائر أخواتها لأن العرب تعامل "إن زيد قائم" معاملة "زيد قائم" لما كانا في معنى واحد، بدليل قولهم: إن زيدًا قائم وعمرو، ولا كذلك النواسخ، فعاملوا: "إن الذين يأتيك فله درهم" معاملة "الذين يأتيك فله ردهم" انتهى.
فظهر من هذا النقل أن دخول الفاء مخصوص بإن وحدها خاصة ومن منع ذلك في خبر إن احتج بأن "إن" تحقق الخبر، والشرط فيه توقف وإخراج عن صريح الخبر، فلا يجتمعان، وهو رأي الأخفش.
وقد قيل: إدخال "إن" في الموانع من الفاء هو رأي س، وإخراجها رأي الأخفش.
والعجب للمصنف أن ذكر الخلاف في إن وأن ولكن خاصة، فأفهم كلامه أن باقي النواسخ لا خلاف في أنه لا تدخل الفاء معها، وفي ذلك تفصيل وخلاف، فنقول"

إن دخل على المبتدأ المستوفي الشروط ناسخ فإن كان ليت أو لعل أو كأن فلا تدخل الفاء، وفي لعل خلاف: منهم من ألحقها بما لا يغير معنى الابتداء، فأجاز دخول الفاء لأنها قد وصلت بها الموصولات في قوله: وإني لرام نظرةً قبل التي لعلي -وإن شطت نواها- أزورها /وقد تؤول هذا البيت.
وكونها وصل بها الموصول على تسليم ذلك شيء مشترك بينها وبين كأن، فكان ينبغي أن تدخل في خبر كأن كما تدخل في خبر لعل أو إن أو أن أو لكن، دخلت خلافًا لأبي الحسن في أحد قوليه.
وهو محجوج بسماع ذلك، قال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ومَاتُوا وهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم﴾، ﴿إنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾، ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (34)﴾، وقال تعالى: ﴿واعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾، وقال الشاعر: علمت يقينًا أن ما حم كونه فسعي امرئ في صرفه غير نافع وقال آخر: بكل داهيةٍ ألقى العداة وقد يظن أني في مكري بهم فزع كلا، ولكن ما أبديه من فرقٍ فكي يغروا فيغريهم بي الطمع

وقال الأفوه: فوالله ما فارقتكم قاليًا لكم ولكن ما يقضى فسوف يكون أو ما فيه تحقيق مما ينصب المفعولين من نحو "علمت"، فظاهر قول ابن السراج الجواز، فتقول: علمت الذي يأتيني فله درهم.
والظاهر أنه لا يجوز لأن الفاء إذا دخلت في الخبر فهو إنشاء للشرط والسبب والإخبار بأنه معلوم أو مظنون إخراج له عن الإنشاء؛ لأن القصد بدخول هذه تعريف كيفية الخبر عندك وفي اعتقادك، فليس إنشاء حينئذ.
أو لا تحقيق فيه نحو "ظننت" فالمنع، فلا يجوز: ظننت الذي يأتيني فله درهم، والأخفش يجيزه على زيادة الفاء.
أو "كان"، فإن كان بلفظ الماضي فلا يجوز، أو بلفظ "يكون" فظاهر قول ابن السراج الجواز.
ومذهب أبي الحسن أن المبتدأ الموصول إذا ضمن معنى الشرط لا يعمل فيه ما قبله.
ومذهب الجمهور جواز دخول الناسخ على ما فصل.
وذهب الفراء إلى جواز دخول الفاء في خبر الاسم الموصوف بالموصول إذا دخلت عليه إن، نحو: إن الرجل الذي يأتيك فله درهم، وحمل عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾.
والصحيح أن ذلك لا يجوز، وقد تقدم تعليل منع ذلك عند

قول المصنف: "أو موصوف بالموصول المذكور".
وخرجت الآية على أن يكون ﴿المَوْتَ﴾ اسم ﴿إن﴾، و ﴿الَّذِي﴾ خبرها، و ﴿فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ جملة مرتبطة بالفاء بالجملة التي قبلها، ووجه ارتباطها أن العرب تعتقد أن من فر من شيء وخاف منه كان سببًا في لقائه، ومنه قولهم: إن الجبان حتفه من فوقه جعل الجبن سببًا في قرب الحتف.
وقال زهير.
ومن هاب أسباب المنية يلقها ولو رام أسباب السماء بسلم جعل هيبة أسباب المنية شرطًا في لقائها.
وقيل: ﴿الَّذِي﴾ بدل من ﴿المَوْتَ﴾، فالنية به أن يلي /"إن"، وكأنه قال: قل إن الذين يفرون.
مسألة: إن أعملت هذه العوامل في اسٍم آخر جاز دخول الفاء،

نحو: إنه الذي يأتيني فله درهم، وإن زيدًا كل رجٍل يأتيه فله درهم.
مسألة: إذا جئت بالفاء في خبر ما فيه معنى الجزاء لم يجز العطف عليه قبلها عند الكوفيين، وأجازه ابن السراج.

-[ص:

باب الأفعال الرافعة الاسم الناصبة الخبر

فبلا شرط: كان وأضحى وأصبح وأمسى وظل وبات وصار وليس، وصلة لـ"ما" الظرفية: دام، ومنفية بثابت النفي مذكور غالبًا متصل لفظًا أو تقديرًا أو مطلوبة النفي: زال ماضي يزال، وانفك، وبرح، وفتئ، وفتأ، وأفتأ، وونى ورام مرادفتاها.
وكلها تدخل على المبتدأ إن لم يخبر عنه بجملة طلبيه، ولم يلزم التصدير أو الحذف أو عدم التصرف، أو الابتدائية لنفسه أو مصحوب لفظي أو معنوي، وندر: وكوني بالمكارم ذكريني.]- ش: قوله "الرافعة الاسم" هذه المسألة فيها خلاف: ذهب البصريون إلى أنها ترفع الاسم، وتنصب الخبر.
وذهب الكوفيون إلى أنها نصبت الخبر، وبقي المبتدأ على رفعه.
والصحيح الأول، ويدل على ذلك اتصال الضمائر بها، فلو كان غير معمول لها لم يتصل بها لأن الضمير لا يتصل إلا بعامله.
وأيضًا فيلزم في قول الكوفيين أن يفصل بين العامل والمعمول بما ليس معمولًا للعامل، وهو أجنبي.
وكان القياس في هذه الأفعال أن لا تعمل لأنها ليست بأفعال صحيحة؛ إذ دخلت للدلالة على تقييد الخبر بالزمان الذي بنيت له، فقولك: "كان زيد قائمًا" بمنزلة "أمس زيد قائم"، و"يكون زيد قائمًا" بمنزلة "غدًا زيد قائم".
وإنما عملت، فرفعت الاسم، ونصبت الخبر، تشبيهًا بما يطلب من الأفعال الصحيحة اسمين، نحو ضرب، من حيث إنها تطلب

اسمين أو اسمًا وما هو في تقديره، فرفع اسمها تشبيهًا بالفاعل من حيث هو محدث عنه، ونصب الخبر تشبيهًا بالمفعول، هذا مذهب س وأصحابه.
وزعم الفراء أن الاسم ارتفع لشبهه بالفاعل، وأن الخبر انتصب لشبهه بالحال، فـ"كان زيد ضاحكًا" مشبه عنده بـ"جاء زيد ضاحكًا".
واستدل بمجيء الجمل الاسمية والفعلية والظرف والمجرور في موضع الخبر كما تجيء في الحال، ولا يجوز شيء من ذلك في موضع المفعول به.
وبدليل أن الماضي لا يحسن وقوعه خبرًا لـ"كان" إلا مع "قد" كما لا يحسن وقوعه حالًا إلا مع "قد".
وبدليل أنك لا تكني عنه كما لا تكني عن المفعول به؛ ألا ترى أنك تكني عن قولك ضربت زيدًا، فتقول: فعلت به، ولا يسوغ ذلك في "كان" وأخواتها، بل إن كنيت في باب "كان" قلت: كان زيد كذا، كما تكني عن الحال: جاء زيد كذا.
ورد على الفراء بأن الجمل تقع في موضع المفعول وفي موضع الحال، نحو: قال زيد /عمرو منطلق، وقال زيد يقوم عمرو، والمجرور في موضع المفعول نحو: مررت بزيٍد، والظرف في موضع المفعول إذا اتسعت فيه.
وأما قبح وقوع الماضي خبرًا لـ"كان" بغير "قد" لشبهه بالحال فليس كما زعم، بل جاء وقوع الماضي خبرًا لـ"كان" في القرآن وفي كلام العرب ما لا يحصى كثرةً.
ولئن سلمنا ما قال فليس سببه شبهه بالحال، بل من حيث إن "كان" يدل على المضي، فإذا كان الخبر ماضيًا لم يكن للإتيان بـ"كان" كبير فائدة؛ لأن المضي قد فهم من الخبر، فإن أتيت بـ"قد" حسن ذلك لتقريبها له من الحال.
وأما الكناية فإنه يكنى عن

المفعول في باب القول بقولك كذاك، يقول القائل: قال زيد عمرو منطلق، فتسأل عن قول زيد: كيف كان؟ فتقول: قال زيد كذا.
ومما يدل على صحة مذهب س أنه مشبه بالمفعول مجيء الخبر مضمرًا كما يجيء المفعول، والحال لا تضمر، ومجيئه معرفة كالمفعول، والحال بابها أن لا تكون إلا نكرةً، ومجيئه جامدًا، والحال بابها الاشتقاق، وكونه لا يستغنى عنه، والحال بابها أن يستغنى عنها.
وقوله فبلا شرط يعني أنها تعمل موجبة ومنفية وصلة لـ"ما" الظرفية وغير صلة لها، إلا ما كان منها موضوعًا للنفي -وهو ليس- فلا يكون للإيجاب، ولا يقع صلة لـ"ما" الظرفية.
وكلها أفعال بلا خلاف إلا ليس، فمذهب أبي بكر بن شقير وأبي علي الفارسي في أحد قوليه، وجماعة من أصحابه، أنها حرف، ولم يجعلا اتصال الضمائر المرفوعة بها وتاء التأنيث دليلًا على فعليتها لأن حد الفعل لا ينطبق عليها.
ومذهب الجمهور أنها فعل، ووزنه فعل بكسر العين، وخفف، ولزم التخفيف لثقل الكسرة في الياء، ولا جائز أن يكون فعل بفتح العين لصيرورته إلى لاس، ولا فعل بضم العين لصيرورته باتصال

ضمير المتكلم أو المخاطب إلى لست بضم اللام، على أنه قد سمع فيها لست بضم اللام، فدل على أنها بنيت مرة على فعل ومرة على فعل.
قال ابن هشام: "ولا تكون مضمومة لتعديها، ولأن هذا المثال لا يكون في المعتل العين بالياء" انتهى.
وقد وجد في المعتل العين بالياء، قالوا: هيؤ الرجل.
فإن قلت: لو كان على فعل لقلت لست بكسر اللام كما قلت نلت، وإذا كانوا يكسرونها في فعل نحو بعت فلأن يكسروها في فعل أولى.
فالجواب انه لو كانت فعل لزم شذوذان: أحدهما تخفيف عينها بلا موجب وتصحيحها.
والثاني عدم كسر فائها.
وعلى أنها فعل يلزم الشذوذ الثاني لا الأول؛ لأن تخفيف فعل إلى فعل قياس مطرد، نحو علم في علم، فكان ادعاء أن وزنها فعل أولى.
وقد نقل الفراء أن بعضهم قال لست بكسر اللام.
ولـ"ليس" حالة لا يرفع فيها الاسم، ولا ينصب الخبر، وذلك إذا دخل على الخبر "إلا" في لغة تميم، وسيأتي ذكر ذلك والخلاف فيه.
/وقوله وصلة لـ"ما" الظرفية "دام" "ما" الظرفية هي المصدرية المراد بها وبصلتها التوقيت، فإذا قلت: "لا أكلمك ما دام زيد قائمًا" فكأنك قلت: لا أكلمك زمان دوام زيد قائمًا، ولا يستعمل الدوام مكانها لأنه لا يدل على تخصيص كما يدل "دام".
وقوله ومنفية قال المصنف في الشرح: "وقد تناول قولي:

"ومنفية" المنفي بليس، قال الشاعر: ليس ينفك ذا غنى واعتزاز كل ذي عفة بقل قنوع" والمنفي بـ"غير" كقوله: غير منفك أسير هوى كل وان ليس يعتبر والمنفي بـ"قل" نحو: قلما يزال عبد الله يذكرك؛ لأن "قلما يزال" بمعنى "ما يزال".
وما يقع بعد "أبيت" نحو: أبيت أزال مستغفرًا لله، بمعنى: لا أزال.
وقول العرب: لا ينشأ أحد ببلد فيزال يذكره؛ لأن معناه: إذا نشأ أحد ببلد لم يزل يذكره.
ذكر ذلك كله الفراء في "كتاب الحد"، ومن أمثلته فيه: ما يعترينا أحد فنزال نعينه، وقال: ألا ترى أن المعنى: إذا اعترانا أحد لم نزل نعينه.
وقوله بثابت النفي احتراز من أن تدخل عليه همزة التقرير، نحو: ألست تزال تفعل، وألم تزل تفعل، فإنه لا يجوز لأن التقرير إثبات، فإن أريد مجرد الاستفهام عن النفي جاز.
وقوله مذكور غالبًا إشارة إلى أن نافيها قد يحذف، قال تعالى: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ أي: لا تفتأ، وقال: تنفك تسمع ما حييـ ـت بهالك حتى تكونه

أي: لا تنفك، وقال: تزال حبال مبرمات أعدها لها ما مشى يوما على خفه الجمل قال بعض أصحابنا: لا تحذف منها أداة النفي وتراد إلا بشرطين: أحدهما أن يكون الفعل مضارعًا.
والآخر أن يكون جواب قسم، وقد حذفت منها أداة النفي في حال المضي في جواب القسم شاذًا، قال: لعمر أبي دهماء زالت عزيزة.......................... أي: لا زالت عزيزة.
وقد استعملت "أبرح" بغير أداة نفي في غير جواب القسم، وذلك ضرورة، قال: وأبرح ما أدام الله قومي بحمد الله منتطقًا مجيدًا وفيه قولان: أحدهما أن "لا" محذوفة، أي: لا أبرح.
والثاني

أنه غير منفي لا لفظًا ولا تقديرًا، والمعنى: أزول عن أن أكون منتطقًا مجيدًا، أي: صاحب نطاق وجواد ما أدام الله قومي، فإنهم يكفونني ذلك.
وقوله أو تقديرًا مثاله/ قوله: ما خلتني زلت بعدكم ضمنًا أشكو إليكم حموة الألم أراد: خلتني ما زلت، وحلت هنا بمعنى أيقنت، وهو أيضًا غريب.
وقال: ولا أراها تزال ظالمة تحدث لي قرحة وتنكؤها أي: وأراها لا تزال ظالمة.
وقال الفراء في "كتاب الحد": يجوز أن يقدم نفي "زال" على "ظن" وأخواتها، فيقال: لا أظنك تزال تقول ذلك.
قال: وكذلك: ما أظنك تبالي بشدة، معناه أظنك لا تبالي.
قال المصنف في الشرح: والنفي المفصول الفعل ومعمولاه خبره كقولك: ما عبد الله يزال محسنًا؛ لأن المعنى: عبد الله ما يزال محسنًا، فالنفي متصل بيزال تقديرًا.
وكذلك المنفصل بقسم نحو قوله: فلا -وأبي دهماء- زالت عزيزة على أهلاه ما فتل الزند قادح وقوله أو مطلوبة النفي إشارة إلى النهي والدعاء، نحو قوله:

صاح شمر، ولا تزال ذاكر المو ت، فنسيانه ضلال مبين وقال: ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى ولا زال منهلًا بجرعائك القطر وأنشد الفراء: لن يزالوا كذلكم، ثم لا زلـ ـت لهم خالدًا خلود الجبال وقوله زال ماضي يزال احتراز من التي مضارعها يزول، بمعنى تحول، فإنها تامة.
قال المصنف: "ومن زال الشيء بمعنى عزله، فمضارعه يزيل" انتهى.
قلت: وحكي الكسائي أيضًا في مضارع زال الناقصة يزيل على وزن يبيع.
وحكي أحمد بن يحيي عن الفراء "لا أزيل أقول ذلك"، فتكون زال الناقصة مما جاءت على فعل يفعل وفعل يفعل كنقم ينقم ونقم ينقم.
وزعم الفراء أن "زال" التي هي ناقصة مغيرة من "زال" التامة، بنوها على فعل بكسر العين بعد أن كانت مفتوحة فرقًا بين التمام والنقصان، فعينها واو.
وأجاز ابن خروف أن تكون "زال" الناقصة من زاله يزيله إذا مازه منه، فعينها ياء.

وما ذهبا إليه باطل لأنه لم يوجد فعل من باب "كان" وأخواتها إلا ووزنه في حال نقصانه كوزنه في حال تمامه، فتبين أن "زال" الناقصة ليست من زال يزول، ولا من زال يزيل؛ لأن مضارعها ليس كمضارع أحد منهما.
والصحيح أنها قسم ثالث، وأن معناها معنى برح، وعينها ياء لقولهم: زايلته، أي باينته، وقالوا أيضًا: زيلته، قال: سائل مجاور جرم هل جنيت لها حربًا تزيل بين الجيرة الخلط /وزيل فعل بدليل مصدره، قالوا: تزييلًا، وزايل وزيل من زال الناقصة كجالسه من جلس، وإلى هذا ذهب س. وقوله وانفك وبرح وفتئ وفتأ وأفتأ قال أبو زيد: ما أفتأت أذكره، وما فتئت أذكره، وما فتأت أذكره، أي: ما زلت أذكره.
وذكر الصاغاني فتؤ يفتؤ على وزن ظرف لغة في فتأ يفتأ.
وقال في المحكم: ما فتئت أفعل، وما فتأت أفتأ فتئًا وفتوءًا، وما أفتأت، الأخيرة تميمية، أي: ما برحت.
و"ما زال" وأخواتها تدل على ملازمة الصفة للموصوف مذ كان قابلًا لها على حسب ما قبلها، فإن كان الموصوف قبلها متصلة الزمان دامت له كذلك، نحو: ما زال زيد عالمًا، وإن كان قبلها في أوقات متفرقة دامت له كذلك، نحو: ما زال زيد يعطي الدنانير، ألا ترى أن إعطاء للدنانير كان في أوقات متفرقة، وأن ذلك دام له، وكذلك اتصافه بالعلم كان متصل الزمان، ودام له أيضًا كذلك.
ومثل "ما زال يعطي

الدنانير" قول الفرزدق: ما زال مذ عقدت يداه إزاره فسما، فأدرك خمسة الأشبار يدني خوافق من خوافق تلتطي في ظل معترك العجاج مثار فإدناؤه الخوافق ليس متصلًا في الزمان، وإنما يكون في أوقات مختلفة، وبهذا يظهر فساد من نقد على ذي الرمة قوله: ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى ولا زال منهلًا بجرعائك القطر وقال: إن الجيد قول طرفة: فسقى بلادك غير مفسدها صوب الربيع وديمة تهمي قال: إذ بيت ذي الرمة يقتضي طمي رسومها وعفاء آثارها بملازمة المطر إياها، ولا يقتضي ذلك بيت طرفة، وذلك أن ذا الرمة عهد دار مي في خصب لسقي المطر لها في أوقات الحاجة إلى ذلك، فدعا لها بأن لا تزال على ما عهدها عليه من انهلال القطر بجرعائها في وقت الحاجة إليها.
ولا خلاف بين النحويين في أن معاني هذه الأفعال الأربعة متفقة إلا شيء ذكره أبو علي عن بعض أهل النظر أنه فصل بين ما زال وما برح بأن قال: "إن برح لا تستعمل في الكلام إلا أن يراد بها البراح من المكان، فتذكر المكان أو تحذفه للدلالة".
قال أبو علي: "وهذا لا يصح، قال تعالى: ﴿لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾، فلا يجوز أن يراد بها

البراح من المكان بدلالة ﴿حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾، ومحال أن يبلغ هذا الموضع وهو لم يبرح من مكانه، فثبت أن ما برح بمعنى ما زال من غير فرق".
وقوله ووني ورام مرادفتاها قال المصنف: "قيد وني/ ورام الملحقان بهن بمرادفتها احترازًا من وني بمعنى فتر، ورام بمعنى حاول وبمعنى تحول، ومضارع التي بمعنى حاول: يروم، ومضارع التي بمعنى تحول: يريم، وهكذا مضارع المرادفة زال، وهي ووني بمعنى زال غريبتان، ولا يكاد النحويون يعرفونهما إلا من عني باستقراء الغريب، ومن شواهد استعمالهما قوله: لا يني الخب شيمة الخب ما دا م، فلا تحسبنه ذا ارعواء وقال: إذا رمت ممن لا يريم متيمًا سلوًا، فقد أبعدت في رومك المرمى" انتهى.
أما قوله "ولا يكاد النحويون يعرفونهما إلا من عني باستقراء الغريب" فإن أصحابنا ذكروا "وني" وأن بعض البغداديين زادها في أفعال هذا الباب لأن معناها معنى "ما زال"، وذلك: ما وني زيد قائمًا، أي: ما فتر عن القيام، ولذلك ألحقها بها.
ورد هذا المذهب بأنه لا يلزم لأن الفعل قد يكون بمعنى فعل

آخر، ولا يكون حكمه كحكمه؛ ألا ترى أن "ظل زيد قائمًا" معناه: أقام زيد قائمًا النهار كله، ولم يجعل العرب لـ"أقام" اسمًا ولا خبرًا كما فعلت بـ"ظل".
قالوا: ومما يدل على أنها ليست من أخوات "كام" أنه لا يقال: ما وني زيد القائم، فالتزام التنكير في قائم وأشباهه دليل على انتصابه على الحال.
انتهى ما ردوا به هذا المذهب.
فأما ما استدل به المصنف على أن "وني" بمعنى "زال" من قوله: لا يني الخب شيمة الخب............................................ فـ"شيمة" قد أضيف إلى معرفة، فهو معرفة، فقد جاء خبر "وني" معرفة.
والجواب عن هذا أن الذي يظهر أن "شيمة" ليس خبرًا لـ"خب"، بل هو منصوب على إسقاط حرف الجر، أي: لا يني الخب عن شيمة الخب وطبيعته، أي: لا يفتر عن التحلي بها؛ ألا ترى أن "شيمة الخب" لا ينعقد منه مع المرفوع بـ"يني" الذي هو "الخب" مبتدأ وخبر، لو قلت الخب شيمة الهب لم يكن كلامًا.
وأما ما استدل به على أن "رام" ناقصة بمعنى "زال" من قول الشاعر: إذا رمت ممن لا يريم متيمًا.................................... فلا حجة فيه لتنكير "متيمًا" واحتماله أن يكن حالًا، وهو أظهر؛ إذ "رام" لم يستقر فيها أن تكون ناقصة في غير هذا البيت المتنازع فيه فيحمل هذا البيت عليه، بل الثابت من لسان العرب أنها تامة كما قال: لمن طلل برامة لا يريم عفا، وخلا له حقب، قديم

وهذه الأفعال التي النفي أو ما يشبهه شرط في كونها من هذا الباب بطل حكم النفي فيها، يدل على صحة ذلك أنهم لا يجيزون النصب بعد الفاء في الفعل في الجواب، لا يقولون: ما زال زيد زائرك فيكرمك، كما لا يقولون ذلك في الإيجاب المحقق إلا/ في الشعر.
واختلفوا في تلقي القسم بها، فمنعه بعضهم، فلا يقولون: والله ما زال زيد قائمًا.
والصحيح جوازه، قال تعالى: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ أي: لا تفتأ، وقال الشاعر: فآليت لا أنفك أحدو قصيدة........................ وقال: فلا -وأبي دهماء- زالت عزيزة.............................. أي: ما زالت عزيزة، روعي لفظ الحرف النافي صورة، فتلقي به القسم.
ولكونها موجبة المعنى لا تدخل "إلا" في خبرها، وسيأتي ذكر ذلك.
ومن منع أن يتلقى بها القسم جعل الفعل تامًا لا ناقصًا، والمنصوب حال.
وقوله بجملة طلبية مثاله: زيد اضربه، وبكر لا تصحبه، وبشر هل رأيته؟ وقوله لم يلزم التصدير كأسماء الشرط وأسماء الاستفهام وكم الخبرية والمقرون بلام الابتداء.
وخالف الأخفش في "كم" الخبرية، فأجاز جعلها

اسمًا لـ"كان" لأنها بمنزلة "كثير"، فلا تلزم الصدر.
والصحيح أن ذلك لا يجوز لأنها للمباهاة والافتخار، والحرف الموضوع لهذا المعنى له الصدر، وهو "رب"، فكذلك "كم"، مع أن السماع لم يرد بما ذكر.
وقوله أو الحذف كالمبتدأ في النعت المقطوع.
وقوله أو عدم، التصرف مثاله: طوبى للمؤمن، وسلام عليك، وويل للكافر.
وقوله أو الابتدائية لنفسه مثال قول ذي الرمة: هاجت، ومثلي نوله أن يربعا حمامة هاجت حمامًا سجعا أن يربع أي: يكف، يقال: أربع على نفسك، وتقول: نولك أن تفعل، أقاموه مقام: ينبغي لك أن تفعل، وأقل رجل يقول ذلك إلا زيد، أقاموه مقام: ما يقول ذلك رجل إلا زيد.
وما ذهب إليه من أن نولك يلزم الابتدائية لنفسه ليس بصحيح، بل قد أدخلت عليه العرب "كان" قال الشاعر، وهو النابغة -ونسبه ابن هشام لعلقمة غلطًا-: فلم يك نولكم أن تشقذوني ودوني عازب وبلاد حجر فأدخل عليه "يك"، وأنشط الزمخشري في كتاب "أساس البلاغة": أأن حن أجمال، وفارق جيرة عنيت بنا ما كان نولك تفعل يريد: أن تفعل، فحذف أن، فارتفع الفعل.

وقال ابن هشام: " وتدخل "كان" على هذا، فيقال: ما كان نولك أن تفعل، برفع "نولك" اسمًا لكان، ونصبه خبرًا لها مقدمًا، ونولك بمعنى الواجب، أي: ما كان الواجب أن تفعل.
ويجوز فيمن رفع "نولك" أن يضمر الأمر، ويكون "أن تفعل" فاعل "نولك"، وينوب الرافع والمرفوع مناب الجملة الفعلية التي يفسر بها الأمر والشأن.
ويجوز فيمن رفع أن يكون اسم كان، والفاعل/ يسد مسد الخبر لكان، كما يسد مسد خبر المبتدأ" انتهى.
وفي تجويز إضمار الشأن في كان، والخبر "نولك" رافعًا "أن تفعل" فاعلًا نظر؛ لأن شرط الواقع خبرًا بعد ضمير الأمر أن يكون جملة مصرحًا بجزأيها عند البصريين، وإنما يجوز هذا عند الكوفيين.
وقوله أو مصحوب لفظي هو المبتدأ الواقع بعد "لولا" الامتناعية، والواقع بعد "إذا" الفجائية.
وقوله أو معنوي مثاله "ما" التعجبية، والمبتدأ في نحو " لله درك"، وما جرى مثلًا، نحو "الكلاب على البقر"، و"العاشية تهيج الآبية" و"الإيناس قبل الإبساس"، فهذه مبتدآت لا تدخل عليها "كان" وأخواتها، وتمثيلها ملخص من شرح المصنف.

وقولُه ونَدَرَ: وكوني بالمكارم ذكريني وجه ندوره أنه وقع موقع الخبر جملة طلبية، وعجز هذا البيت قوله: ..................................... ودلي دل ماجدة صناع وقبله: ألا يا أم فارع لا تلومي على شيء رفعت به سماعي وتأويل البيت: وكوني بالمكارم تذكرينني، فوضع الأمر موضع الخبر كقوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًا﴾ أي: فيمد.

-[ص: فترفعه اسمًا وفاعلًا، وتنصب خبره، ويسمى خبرًا ومفعولًا، ويجوز تعدده، خلافًا لابن درستويه.
وتختص "دام" والمنفي بـ"ما" بعدم الدخول على ذي خبر مفرد طلبي، وتسمى نواقص لعدم اكتفائها بمرفوع، لا لأنها تدل على زمان دون حدث، فالأصح دلالتها عليهما إلا "ليس".
وإن أريد بـ"كان" ثبت أو كفل أو غزل، وبتواليها الثلاث دخل في الضحى والصباح والمساء، وبظل دا أو طال، وببات نزل ليلًا، وبصار رجع أو ضم أو قطع، وبدام بقي أو سكن، وببرح ذهب أو ظهر، وبوني فتر، وبرام ذهب أو فارق، وبانفك خلص أو انفصل، وبفتأ سكن أو أطفأ، سميت تامة، وعملت عمل ما رادفت.
وكلها تتصرف إلا ليس ودام، ولتصاريفها ما لها، وكذا سائر الأفعال.]-

ش: المشهور في الاصطلاح أن المرفوع يسمى اسم "كان" أو اسم

"صار" على حسب الرافع له منها، والمنصوب يسمى خبره، وعبر عنهما س باسم الفاعل واسم المفعول، والمبرد بالفاعل والمفعول.
وهو مشبه بالمفعول عند البصريين، شبهت "كان" بضرب.
وأما الكوفيون فزعموا أنه منصوب على الحال.
وكذلك ثاني "ظننت" لأنه فعل لا يتعدى، فلا ينصب وإنما لم يكن متعديًا لأنه لا يقع على الواحد أو الجمع من الواحد والجمع، لا تقول: كانا قائمًا، ولا: كانوا قائمًا، كما تقول: ضربًا رجلًا، ولأنا لم نجد فعلًا يعمل في مفعولين أحدهما هو الفاعل إلا الحال، فليحمل على النظائر الأكثرية، ولأنك تقول: ضربت بزيد، أي: فعلت به، ولا تقول: كنت بقائم.
واستدل البصريون على أنه/ ليس حالًا بجواز جموده وتعريفه وإضماره وعدم انتقاله، وبوجوب كونه لا يستغنى عنه، فروعي الخواص الأكثرية، فحمل على التشبيه بالمفعول به، وألغيت قلة خواص الحال.
وقوله ويجوز تعدد خبره قد تقدم الكلام في تعدد الخبر إذا كان لمبتدأ واحد والخلاف فيه، وذكرنا ما اختاره أصحابنا من أن الخبرين أو الأخبار إذا كانت في معنى خبر واحد جاز ذلك.
وإذا كان يصح تعدد الأخبار على الخلاف الذي تقدم والعامل غير "كان" فلأن يصح معها بطريق الأولى؛ إذ كانت أقوى من ذلك العامل إذ نسخت حكمه، فكما جاز ذلك مع العامل الأضعف فجوازه مع الأقوى أولى.
وقوله خلافًا لابن درستويه قال الأستاذ أبو الحسين بن أبي

الربيع: "منهم من لم يجز أن يكون لها إلا خبر واحد، ويظهر هذا من كلام س. وهذا القول عندي أقوى لأن ضرب لا يكون له إلا مفعول واحد، ولا يكون له مفعولان إلا بحكم التبعية، فما شبه به يجري مجراه.
وزعم بعضهم أنه يجوز أن يكون لها خبران وأكثر، وأجرى ذلك مجرى المبتدأ، والمبتدأ تكون له أخبار عدة" انتهى.
وقوله وتختص إلى طلبي يقول: "دام" وما نفى بـ"ما" من "زال" وأخواتها و"كان" وأخواتها لا يكون خبرها طلبيًا، أي: تختص بأن لا تدخل على مبتدأ ذي خبر مفرد طلبي، نحو أين وكيف ومتى.
وقال: "مفرد" لأنه قد قدم أن الجملة الطلبية لا تقع خبرًا لهذه الأفعال، فلذلك قيد هذا الخبر بقوله: "مفرد"، فلا يجوز أن تقول: لا أصحبك أين ما دام زيد، ولا تقول: أين ما كان زيد، ولا: متى ما صار القتال، ولا: كيف ما أصبح زيد.
وكذلك باقي ما نفي بـ"ما" من "كان"، ولا تقول: أين ما زال زيد.
ويقابل المنفي بـ"ما" قسمان: أحدهما أن ينفى بغير "ما".
والقسم الآخر أن لا يكون منفيًا البتة.
وكلاهما يجوز أن يقع المفرد الطلبي خبرًا فيه، نحو: أين لم يكن زيد؟ وأين كان زيد؟ ومتى لم يصر القتال؟ ومتى صار القتال؟ وقوله وتسمى نواقص لعدم اكتفائها بمرفوع وذلك أن فائدتها لا تتم بذكر المرفوع فقط، بل تفتقر إلى المنصوب لأن الكلام منعقد مما أصله المبتدأ والخبر، ولا يفيد ذكر المبتدأ دون ذكر خبره.
وقوله لا لأنها تدل على زمان دون حدث، فالأصح دلالتها عليهما إلا

ليس هذا هو القول الثاني في تسميتها ناقصة لأنها لا دلالة لها على الحدث.
وذهب إلى هذا المبرد وابن السراج والفارسي وابن جني والجرجاني وابن برهان، وهو ظاهر مذهب س، قال: "واعلم أنه لا يجوز لك أن تقول: "عبد الله المقتول" وأنت تريد: كن عبد الله المقتول؛ لأنه ليس فعلًا يصل من شيء إلى شيء لأنك لست تشير له/ إلى أحد" أي ليس كالضرب والقيل الذي يتكلم به أو تدل عليه قرينة، فيغرى عليه المخاطب، ويكتفي بإشارة في فهم ما تريد.
وزعموا أن الخبر هو الحدث الذي قصد الإخبار به عن اسم كان، وقد علمناه وكونه محمولًا على الاسم، وإنما استفدنا بكان أن ذلك فيما مضى من الزمان، أو فيما يستقبل إذا قلت: يكون زيد قائمًا.
وإلى أنها ليس لها حدث ولا أنها اشتقت منه كان يذهب الأستاذ أبو علي الشلوبين.
قال ابن هشام: "والعجب منه يقول: ليس لها حدث ولا اشتقت منه، وهو يملأ تعاليقه من هذا التقدير، يعني تقدير مصدرها في نحو: سرني أن زيدًا في الدار، أي: سرني كون زيد في الدار، وأن زيدًا أخوك، أي: كون زيد أخاك" انتهى.
والمشهور والمنصور أنها تدل على الحدث والزمان، وأن الحدث مسند إلى الجملة، كما كان "ظننت" مسندة إلى الجملة.

والذين قالوا إنها تدل على الحدث اختلفوا: هل تنصبه فتقول: كان زيد قائمًا كونًا؟ فأجازه بعضهم، وبه قال السيرافي، والجمهور على المنع وأنهم عرضوا عن النطق بمصدرها الخبر إذ هو المسند في الحقيقة لاسمها.
ولما ذهب الفارسي إلى أنها خلعت الدلالة على الحدث قال: "لا يتعلق بها حرف جر، وفي عملها في ظرف الزمان نظر" انتهى قوله.
ومن قال إنها تدل على الحدث أجاز لها العمل في ذلك كله، ولذلك علق بعضهم المجرور في قوله: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا﴾ بـ ﴿كَانَ﴾، وقد فعل ذلك أبو علي.
وقيل: يتعلق بـ ﴿عَجَبًا﴾ لأنه ليس في تقدير أن والفعل.
وقيل: ﴿عَجَبًا﴾ بمنزلة عادل، تقول العرب: هو فيهم عدل وجور وخصم.
وقيل: اللام للتبيين تتعلق بما يفهم من معنى الكلام، أي: بين للناس، ولا يلفظ به.
وقال ابن هشام: يجوز عندي أن يكون ﴿لِلنَّاسِ﴾ صفة لـ"عجب" أي: عجبًا كائنًا لهم ومستقرًا، ثم قدم، فيصير في موضع الحال.
وزعم الأستاذ أبو الحسن بن خروف، وتبعه ابن عصفور، أنها مشتقة من أحداث لم ينطق بها، قال: "وقد تقرر من كلام العرب أنهم قد يستعملون الفروع، ويهملون الأصول.
والذي حمل على ادعاء مصادر لهذه الأفعال قد رفض النطق بها أنها أفعال، فينبغي أن تكون بمنزلة سائر الأفعال في أنها مأخوذة من حدث.
ومما يدل على أن في هذه الأفعال معنى الحدث أمرهم بها وبناء اسم الفاعل منها، نحو: كن قائمًا، وأنا كائن

منطلقًا، والأمر لا يتصور بالزمان، وكذلك لا يبنى اسم الفاعل من الزمان".
وكذلك النهي، قال تعالى: ﴿ولا تَكُن كَصَاحِبِ الحُوتِ﴾، ونصب الفعل بعد الفاء جوابًا، نحو: كن خيرًا فتدخل الجنة.
وما ذهب إليه ابن خروف وابن عصفور من أنها مشتقة من أحداث لم ينطق بها ليس بصحيح، وقد جاء المصدر منها صريحًا، حكى أبو زيد في كتاب الهمز مصدر "فتئ"/ مستعملًا، وحكى غيره: ظللت أفعل كذا ظلولًا، وبت أفعل كذا بيتوتة، وجاؤوا بمصدر "كاد" في قولهم: لا أفعل ذلك ولا كيدًا، أي: ولا أكاد كيدًا، و"كاد" فعل ناقص من باب "كان".
وقد جاء المصدر معملًا إعمال فعله في قول العرب: كونك مطيعًا مع الفقر خير من كونك عاصيًا مع الغنى، وقول الشاعر: ببذل وحلم ساد في قومه الفتى وكونك إياه عليك يسير وقد جاءت في صلة "أن"، قال تعالى: ﴿إلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾، وهي وما وصلت به في تأويل المصدر.
وبهذا يرد على من زعم أن المنصوب في قولك: "عجبت من كونك قائمًا" حال، وأن المصدر هو لـ"كان" التامة، وعلى من زعم أنها لا مصدر لها وأنها لا تدل على

جارٍ التحميل