ثم قال: ((وينصب على وجهين: أحدهما أنه حال))، يريد مؤكدة، ولم يذكر فيها إضمار فعل.
ثم قال ((وإن شئت نصبت على إضمار فعل، كأنه قال: يسيرون سيراً))، فيظهر أن المؤكد غير الحال، وأن نصبه بإضمار فعل.
وقيل: إنما كان العامل فعلاً مقدراً لأن المؤكد لا يعمل في المؤكد؛ لأن التابع لا يعمل فيه المتبوع.
قال: ((ولا يبعد عندي أن يكون مصدراً مؤكداً للفعل كما تؤكد الحال، ويكون العامل فيه الفعل نفسه، ولا يلزم ما ذكروه من عمل المؤكد في المؤكد، كما لا يلزم في الحال المؤكدة على ما ذكره س)) انتهى.
وقال أيضاً: ((إذا كان جارياً على الفعل، نحو: ضربت ضرباً، أو ما اشتق للمصدر كالمفعل من فعل- فلا خلاف في هذا لا يقدر له عامل غير الأول إلا ما قيل في التأكيد انتهى.
وفي الإفصاح: لا خلاف في قعد قعوداً وبابه أنه منصوب بالفعل، إلا ما قاله ابن الطراوة من أنه مفعول به، وأن قولهم قعد قعوداً /بمعنى: قعد فعل قعوداً، هو منصوب عنده بفعل مضمر، لا يجوز إظهاره على هذا الوجه؛ لأن المؤكد عنده لا يعمل في تأكيده.
وقال السهيلي كذلك، إلا أنه قال: أنصبه بقعد أخرى، لا يجوز إظهارها.
وهذا كله تكلف بارد، وخروج عن الظاهر وقول الأئمة بلا دليل.
وإن كان غير جار كقوله: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا﴾، وقول القطامي: وخير الأمر ما استقبلت منه... وليس بأن تتبعه اتباعا
فثلاثة مذاهب:
أحدها: أنه منصوب بذلك الفعل الظاهر، وهو مذهب المازني.
والثاني: أنه منصوب بفعل ذلك المصدر الجاري عليه مضمراً، والفعل الظاهر دليل على ذلك الفعل المضمر.
وإلى هذا ذهب المبرد، وابن خروف، وزعم أنه مذهب س. قال ابن هشام: ونص س على أن أنبت نباتاً بإضمار فعل تقديره نبت.
وأجاز أبو الحسن الوجهين.
والثالث: التفصيل بين ما يكون معناه مغايراً لمعنى ذلك الفعل الظاهر، فننصبه بفعل مضمر يدل عليه الظاهر، فتقدر فنبتم نباتاً، وساغ إضماره لدلالة أنبت عليه؛ لأنه إذا أنبت فقد نبت.
وإنما لم ينتصب عنده بالأول لأن الغرض به تأكيد الفعل الذي نصبه أو تبين معناه، والنبات ليس بمعناه، فكيف يؤكده أو يبينه.
أو غير، مغاير فتنصبه بذلك الفعل الظاهر، نحو قوله:
يلوح بجانب الجبلين منه... رباب تحفر الترب احتفارا
وقول الآخر:
وقد تطويت انطواء الحضب
إذ الاحتفار والحفر بمعنى واحد، وكذلك التطوي والانطواء.
اختار الأستاذ أبو الحسن بن عصفور أنه إن كان معناه مغايراً فنصبه بإضمار فعل، أو غير مغاير فيجوز نصبه بالفعل السابق، ويجوز نصبه بإضمار فعل، قال: وهو الذي يعطيه كلام س، فترجح نصبه بالسابق إذ ليس فيه تكلف إضمار، وترجح نصبه بالمضمر إذ يكون ذلك المصدر جارياً عليه.
وإن كان المصدر من غير لفظ الفعل فثلاثة مذاهب:
ذهب الجمهور إلى أن منصوب بفعل مضمر من لفظه.
وحجته أن الأكثر مجيء المصدر من لفظ الفعل، والقليل ما جاء من غير لفظه، فحمل القليل على الكثير في كونه ينتصب بفعل من لفظه، ومن السماع قول الشاعر:... [3: 130/ب]
السالك الثغرة اليقظان كالئها... مشي الهلوك، عليها الخيعل الفضل
فـ ((مشي)) منصوب بمضمر دل عليه السالك؛ لأن السلوك والمشي بمعنى واحد، فلا جائز أن ينتصب بالسالك لأنه قد وصف باليقظان، فيلزم من عمله فيه وصف الموصول قبل استيفاء صلته، وذلك لا يجوز.
وذهب المازني إلى أنه منصوب بالفعل الظاهر وإن لم يكن من لفظه وحجته أنه لما كان في معناه تعدى إليه كما يتعدى إلى ما هو من لفظه.
وذهب أبو الفتح إلى التفصيل: فإن كان يراد به التأكيد عمل فيه الفعل المضمر الذي هو من لفظه، نحو: قعدت جلوساً، وقمت وقوفاً.
إن كان يراد
به بيان النوع عمل فيه الفعل الظاهر.
وإنما عمل فيه لما كان بمعناه، فعمل فيه كما يعمل فيما هو من لفظه، ولم يجز أن يعمل فيه إذا كان للتأكيد لأن تأكيد الفعل بالمصدر هو من قبيل التأكيد اللفظي؛ ألا ترى أن معنى قمت قياماً: قمت قمت، والاختلاف الذي بين المصدر والفعل في اللفظ غير مانع من أن يكون من قبيل التأكيد اللفظي؛ بدليل قوله تعالى ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ﴾، فأمهل تأكيد لفظي لمهل، وليس لفظهما على صيغة واحدة، لكنهما اشتركا في كون الحروف الأصول واحدة، فلما كان تأكيد الفعل بالمصدر من قبيل التأكيد اللفظي لم يجز أن يكون منصوباً بالفعل الظاهر؛ بل بفعل مضمر من لفظه.
وظاهر كلام الفارسي مثل مذهب أبي الفتح.
وقد نوزع أبو الفتح في دعواه أن المصدر المؤكد من قبيل التأكيد اللفظي، قال شيخنا الأستاذ أبو الحسن الأبذي: ((ليس التوكيد هنا بمزلة إعادة الفعل؛ لأنه ليس من التأكيد اللفظي، وإنما التوكيد هنا يعني به البيان؛ لأنه يرفع المجاز، ويثبت الحقيقة، وكذلك التوكيد في المجاز، وعلى قوله تعالى ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، أي: حقيقة من غير واسطة)) انتهى.
وقال ابن عصفور: الصحيح أنه إذا كان للتأكيد عمل فيه مضمر من لفظه للدليل الذي تقدم؛ وغن لم يكن للتأكيد فإما أن يكون وضع له فعل من لفظه، أو لم يوضع له فعل:
فإن كان وضع فيجوز الوجهان، كقوله:
......................................، وآلت حلفة لم تحلل
يجوز ان ينتصب بآلت، ويجوز أن ينتصب بحلفت مضمرة، فترجح الأول لعدم تكلف الإضمار، وترجح الثاني لجريان المصدر على الأكثر في كونه ينتصب بفعل من لفظه.
وإن لم يوضع له فعل انتصب بالفعل الظاهر.
قال: ((ولا يمكن أن ينتصب بفعل من لفظه لأنه لم يوضع)) انتهى.
وهذا مذهب طائفة من /الكوفيين، يقدرون العامل في رجع القهقري: رجع يقهقر القهقرى، وفي يمشي الخطرى: يمشي يخطر الخطرى، ويسوغ ذلك فيما سمع له فعل.
قال ابن عصفور: ((ولا يمكن أن يكون التقدير في مثل قعد القرفصاء، واشتمل الصماء: قعد القعدة القرفصاء، ولا اشتمل الاشتمالة الصماء؛ لأن لا يحفظ من كلامهم استعمال القرفصاء والصماء صفتين)) انتهى معنى كلامه.
ومن النحويين من ذهب إلى أن ذلك على حذف الموصوف كما ذكر، قال: إلا أن الموصوف لم يستعمل مع هذه الأشياء لأنه يدل عليه دليلان: دليل الفعل، ودليل الصفة؛ إذ لا صفة إلا لموصوف، ولا فعل متصرف إلا ويدل على حدثه، وهو مذهب المبرد.
وهذا ليس بجيد لأنه يلزم منه حذف الموصوف وجوباً، ولا يوجد في لسان العرب موصوف يجب حذفه.
والظاهر من كلام المصنف أن المصدر الجاري وغير الجاري، والذي من لفظ الفعل ومن غير لفظه- ينتصب بنفس الفعل الظاهر؛ لقوله أو ((بقائم مقام أحدهما))،
وتمثيله في الشرح بقوله: ((عجبت من إيمانك تصديقاً، وأنا مؤمن تصديقاً، ولقاء الله مؤمن به تصديقاً))، ولقوله: ((وإن زاد معناه على معنى عامله فهو لبيان النوع، نحو: سرت خبباً وعدواً، ورجعت القهقري، وقعد القرفصاء))، بل قد نص على ذلك في الشرح.
والصحيح في المصدر الموافق معنى لا لفظاً كونه معمولاً لموافقه معنى، فحلفة منصوبة بآلت لا بحلفت مضمرة؛ لقولهم: حلفت يميناً، و ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾، و ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾، ﴿وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾، ولا يمكن أن يقدر لها عامل من لفظها، فتعين أن يكون ما قبلها.
ووجب اطراد هذا الحكم فيما له فعل من لفظه ليجري الباب على سنن واحد.
وهذا الذي اخترته اختيار المبرد والسيرافي ومذهب المازني، ومن شواهد ذلك قراءة محمد بن السميفع ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾، ذكرها ابن جني في المحتسب.
انتهى.
ولا شاهد في ذلك؛ إذ المخالف يقول: انتصب ضحكاً بإضمار فعل من لفظه، أي: ضحك ضحكاً.
وقوله فإن ساوى معناه معنى عامله فهو لمجرد التوكيد، ويسمى مبهماً، ولا يثنى ولا يجمع قال المصنف في الشرح: ((لأنه بمنزلة تكرير الفعل، فعومل معاملته في عدم التثنية والجمع؛ إذ هو صالح للقليل والكثير)) انتهى.
وقد تقدم من
قول شيخنا أبي الحسن الأبذي أنه ليس التوكيد بمنزلة إعادة الفعل، وأنه يراد به البيان ورفع المجاز، قال: ((فإن قيل: قال الشاعر:... [3: 131/ب] /بكى الخز من روح، وأنكر جلده... وعجت عجيجاً من جذام المطارف
والمطارف لا تعج حقيقة، فنراه قد أكد المجاز.
فالجواب: أن هذا نادر لا يقاس عليه، لكنه أجرى المجاز مجرى الحقيقة مبالغة فيه)) انتهى.
وقسم أصحابنا التوكيد إلى لفظي ومعنوي، فاللفظي يفيد تثبيت المعنى في النفس، والمعنوي إما لإزالة الشك عن الحديث- وهو التأكيد بالمصدر- أو عن المحدث عنه، وهو بالنفس والعين.
وفي البسيط: يكون من لفظ الفعل أو ما في معناه من اسم فاعل، نحو: ضربت ضرباً، كأنك قلت: ضربت ضربت ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾، وكأنه قال: والذاريات الذاريات.
ومن غير لفظه كقوله:
نظارة حين تعلو الشمس راكبها... طرحاً بعيني لياحٍ، فيه تحديد
أكد نظارة بـ ((طرحاً)) لأنها إذا نظرت علم أنها تطرح بصرها.
ومنه: قعدت جلوساً.
وحكى س: ((هو يدعه تركاً))، ومنه قوله تعالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾.
وقيل: منه قول الشاعر:
يعجبه السخون والبرود... والتمر حبّاً، ما له مزيد
أكد بـ ((حبّاً)) يعجبه لأنه في معنى يحبه.
وقوله وإن زاد عليه فهو لبيان النوع أو العدد، ويسمى مختصاً ومؤقتاً هذا التقسيم في المصدر إلى المبهم والمختص هو الصحيح، وتقسيمه إلى مبهم وعدد ومختص كما قسمه أبو موسى الجزولي من تبعه تقسيم غير صحيح؛ لأنه متداخل؛ إذ المعدود قسم من المختص، فلا يكون قسيماً له، إنه يدل على عدد المرات، هذا اختصاص.
فالذي هو مختص يكن مختصاً بأل، وبالإضافة، وبالصفة، تقول في المختص بأل: ضربت الضرب، تريد ضرباً معهوداً بينك وبين المخاطب، كأنك قلت: الضرب الذي تعلم، قال الشاعر:
لعمري لقد أحييتك الحب كله... وزدتك حباً لم يكن قط يعرف
وقال بشر بن أبي خازم: فدع عنك ليلى، عن ليلى وشأنها... وإن وعدتك الوعد لا يتيسر
وقال مضري بن قرط المزني: فلو تعلمين العلم أيقنت أنني... ورب الهدايا المشعرات- صدوق
فقد اختص المصدر بالتعريف، والفعل لا يدل إلا على مصدر مبهم، والمختص لا يؤكد به المبهم لأنه ليس في معناه، ولا يتصور أن تكون أل في الأبيات جنسية؛ /لأن الجنس لا يمكن وقوعه، وإنما أريد بالحب أصناف الحب المعهودة من الناس، وبالوعد الوعد الذي كان يرجوه منا، وبالعلم العلم الذي يتوصل به إلى صدقه.
ولكون المصدر المخصص المعرف لا يجوز أن يقع تأكيداً للفعل منه النحاة: ضربته أن أضربه، وزعموا أن قول الناس: لعنه الله أن يلعنه، لحن.... [3: 132/أ]
قال أبو إسحاق: امتنع في مثل هذا أن يؤكد به الفعل لأن أن تخلص الفعل لاستقبال، والتأكيد إنما يكون بالمصدر المبهم، وقد حُكي عن الأخفش إجازة ذلك، والذي ذكره في الكتاب الكبير إنما منعه.
وقال بعض أصحابنا: الذي منع من وقوع أن والفعل مصدراً للفعل إنما هو كون أن يفعل يعطي محاوله الفعل، ومحاوله المصدر ليست بالمصدر، فلذلك لم يسغ لها أن تقع مع صلتها موقع المصدر.
وتقول في المختص بالإضافة: قمت قيام زيد، أصله: قياماً مثل قيام زيد، حُذف المصدر، ثم حذفت صفته، وقام مقامها المصدر، فأعرب بإعرابه.
فإن قلت: يلزم أن يكون انتصاب قيام زيد على الحال لا على المصدر؛ لأنه قائم مقام مثل، ومثل المحذوفة حال من جهة أن المصدر إذا حُذف أُبقيت صفته انتصب على الحال لا على المصدر.
فالجواب: أنه لا ينتصب على الحال إلا إذا لم يكن [صفة] خاصة بجنس الموصوف، نحو: ساروا شديداً؛ إذ شديد يكون صفة للسير وغيره، وليس كذلك: مثل قيام زيد؛ لأنه صفة خاصة بجنس الموصوف المحذوف، وهو قيام؛ ألا ترى أن مثل قيام زيد لا يكون إلا قياماً، فجاز أن يُقام مقام المصدر، وأن يعرب بإعرابه.
وتقول في المختص بالوصف: قمت قياماً طويلاً، فبالصفة خرج من الإلهام كما خرج بالإضافة وبالألف واللام.
قوله ويثنى ويجمع يعني المختص، فأما ما كان معدوداً فإنه يثنى ويجمع، فتقول: ضربت ضربتين، وضربات، لا خلاف في ذلك.
وقال السهيلي: المحدود بالتاء يثنى ويجمع؛ لأنك إذا أردت المرة الواحدة لم تدل على القليل والكثير كما دل الضرب والقتل، لكن هنا تنبيه على أمر مغفول عنه، وهو أن المصادر لا يدخلها التحديد على الإطلاق في جميع أنواعها، وإنما يطرد إدخال هذه التاء إذا أردت المرة الواحدة في المصادر الظاهرة الصادرة عن الجوارح المدركة بالحس، نحو قومة وضربة وقعدة، وإذا كان من الأفعال الباطنة والخصال النفسية الثابتة كالظرف والحسن والجبن والعلم والجهل فلا يقال في شيء
من ذلك فعلة, /لا تقول علمت علمة، ولا فهمت فهمة, ولا صبرت صبرة, وكذلك الظن، لا يقال فيه ظنة، كما لا يقال من اليقين فعلة، وما أجازه بعض النحويين من قوله زيد ظننتها منطلق فغير مسموع من العرب, ولكنه قياس يبطله الأصل الذي قدمناه، فقياس الظن على العلم أولى من قياسه على الضرب والقتل.
وأما غير المعدود من المختص فاختلفوا في تثنيته وجمعه عند اختلاف أنواعه, فمنهم من أجاز ذلك قياساً على ما سمع منه.
ومنهم من قال: لا يثنى ولا يجمع لاختلاف أنواعه, كما لا يثنى ولا يجمع لاختلاف آحاده؛ لأنه كما يقع على الآحاد كذلك يقع على الأنواع، وكذلك أسماء الأجناس وإن لم تكن مصادر، فلو جاء العقول لم يقس عليه.
وإلى هذا كان الأستاذ أبو علي يذهب، وهو ظاهر كلام س، قال س: «واعلم أنه ليس كل جمع يجمع، كما أنه ليس كل مصدر يجمع، كالأشغال والعقول والألباب والحلوم؛ ألا ترى أنك لا تجمع الفكر والنظر والعلم».
قال أبو محمد بن الخشاب: نص س على المنع من قياس جمع الجمع، ولم يعتد في الاستعمال بالأفكار والعلوم حتى نفى أن يكونا جمعين لفكر وعلم؛ إذ كان الاعتداد عنده باستعمال العرب لا استعمال المولد من الكلام.
وقال أبو زيد السهيلي: أما اختلاف أنواعه فإنه لا يختلف على الحقيقة؛ لأن الأفعال حركات الفاعلين، والحركات متماثلة لذواتها, لكن الاختلاف راجع إلى ما تعلقت به الأفعال المتعدية إلى أنفس المصادر، فإذا قلت العلوم والأشغال والحلوم فإنما هن المعلومات والأمور المشتغل بها والمرئيات في النوم, فأما الأمراض فعلل, فلذلك جمعت, وأما الحب من قول الشاعر:
ثلاثة أحباب: فحب علاقة وحب تملاق، وحب هو القتل فإنما جمع لأن الحب شغل القلب, ولذلك جاء على وزنه حتى تركوا القياس بالمصدر, فلم يقولوا: أحبته إحبابا, ولكن حبا, قال تعالى ﴿أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾، ولذلك عداه بعن، وجمع أهواء مرادا بها المذاهب.
وقال صاحب البديع: ((المصدر لا يثنى ولا يجمع لأنه جنس، والجنس لا حصر له، إلا إذا اختلفت أنواعه جاز تثنيته وجمعه مبهما ومؤقتا:
أما المؤقت - وهو المختص - فتقول فيه: ضربت ضربتين، وضربات، إلا أن الجمع أنقص توقيتا من المفرد والمثنى؛ لأن ضربات يصلح لعقود الفلة كلها، ولكنه لا يخرج عن حد التوقيت من حيث دلالته على عدد، بخلاف قولك: ضربت ضربا، فإنه / لا يدل على عدد، فإن قلت: ضربت ثلاث ضربات، كان مثل ضربة وضربتين في كمال التوقيت، إلا أن الفعل فيه واقع على ما هو مصدر من جهة المعنى؛ لأن العدد عبارة عن المعدود، وليس باسم له.
وأما المبهم فلا يجوز جمعه، فلا تقول: قتلت قتولا، وضربت ضروبا، إلا على إرادة تفريق الجنس، واختلاف أنواعه، كقوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾، وكقوله: ﴿أَضْغاثُ أَحْلامٍ﴾, وكقول الشاعر:
هل من حلوم لأقوام، فتنذرهم... ما جرب الدهر من عضي وتضريسي
وكقولك: فلان ينظر في علوم كثيرة.
وهذا النوع لم يطرد، فلم يقولوا السلوب والنهوب، وإنما يكون ذلك غالبا فيما ينجذب إلى الاسمية، نحو العلم والحلم والظن وأشباه ذلك.
فإن قصدك بالمبهم الحدث فالأكثر الأعرف أن يقال: ضروبا من القتل، وضروبا من العلم.
وأما التثنية فأصلح قليلا من الجمع، تقول: قمت قيامين، وقعدت قعودين، والأحسن فيهما أن يقال: قمت نوعين من القيام، وقعدت نوعين من القعود)).
وقوله ويقوم مقام المؤكد مصدر مرادف مثاله: جلست قعوداَ، نحو قوله:
ويوما على ظهرالكثيب تعذرت... على، وآلت حلفة لم تحلل
وقول رؤبة:
لوحها من بعد بدن وسنق... تضميرك السابق، يطوى للسبق
وقوله واسم مصدر غير علم مثاله: اغتسلت غسلا، وتوضأت وضوءا.
واحترز بقوله ((غير علم)) من اسم المصدر العلم، نحو حماد، فلا يستعمل مؤكدا ولا مبيَنَا، لا تقول: حمدت حماد، ونحو ذلك؛ لأن العلم زائد معناه على معنى العامل، فلا ينزل منزلة تكرار الفعل، ولأنه كاسم الفعل، فلا يجمع بينه وبين الفعل، قاله المصنف.
وقوله ومقام المبين نوع مثاله القهقرى والقرفصاء، وقوله تعالى: ﴿وَالنَّازِعَات غَرْقًا﴾, وقول الشاعر:
على كل موار أفانين سيرة... شؤو لأبواع الجمال الرواتك
وقوله أو وصف قال المصنف ((نحو: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾، وقول ليلى الأخيلية:
نظرت- ودونى من عماية منكب... وبطن الركاء - أى نظرة ناظر
ومثله (6):
وضابع إن جرى أيا أردت به... لا الشد شد, ولا التقريب تقريب))
/انتهى.
ومذهب س أن انتصاب هذا الوصف هو على الحال؛ لأنه صفة غير خاصة بالموصوف، وإذا حذف الموصوف خرج الوصف عن أن يكون وصفَا لعدم التبعية، فكان على الحال؛ إذ شأنها عدم الإتباع، فإذَا لم يقم مقام الموصوف على هذا المذهب.
وقوله أو هيئة قال المصنف: ((نحو: يموت الكافرون ميتة سوء، ويعيش المؤمنون عيشة مرضية)).
وهذا يعمل فيه الفعل المذكور.
وقوله أو آلة مثاله: ضربته سوطا، ورشقته سهما، الأصل: ضربة سوطا، ورشقة سهم، حذف المضاف، وأقيمت الآلة مقامه، فأعرب بإعرابه.
ويطرد في جميع أسماء آلات الفعل، فلو قلت: ضربته خشبة، ورميته آجرة - لم يجز؛ لأن الآجرة ليست آلة للرمي، ولا الخشبة آلة للضرب.
وقوله أو كل مثاله:: ﴿فلا تميلوا كل الميل﴾.
أو بعض مثاله: ﴿وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئً﴾.
أوضمير مثاله: ﴿لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾.
أو اسم إشارة مثاله: لأجدن ذلك الجد.
والعامل هو المذكور أولا؛ لأن كلا وما ذكر محض اسم لا يشتق منه.
قال المصنف: ((ولا بد من جعل المصدر تابعا لاسم الإشارة المقصود به المصدر، ولذلك خطئ من حمل قول المتنبى:
هذي برزت لنا، فهجت رسيسا.................................
على أنه أراد: هذه البرزة؛ لأن مثل ذلك لا تستعمله العرب)) انتهى.
وهذا خطأ، فمن كلام العرب: ظننت ذاك، يشيرون به إلى المصدر، ولذلك اقتصروا عليه؛ إذ ليس مفعولأ أول، ولم يذكروا بعده المصدر تابعا له، وعلى هذا خرجه س.
وقوله أو وقت مثاله ما أنشده المصنف:
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا....................................................
أراد: اغتماض ليلة أرمد.
قال: ((حذف المصدر، وأقام الزمان مقامه، كما عكس من قال: كان ذلك طلوع الشمس، إلا أن ذلك قليل، وهذا كثير)).
وقوله أو ما الاستفهامية مثاله ما أنشده المصنف:
ماذا يغير ابنتى ربع عويلهما... لاترقدان, ولا بؤسى لمن رقدا
قال الجوهري: ((غاره يغوره ويغيره، أي: نفعه)), بغين معجمة، يقول: لا يغير بكاؤهما علي أبيهما من طلب ثأره.
ومثله: ما تضرب زيدَا؟ كأنك قلت: أي ضرب تضرب زيدَا؟
وقوله أو الشرطية مثاله ما أنشده المصنف في الشرح لجرير:
نعب الغراب, فقلت: بين عاجل... ما شئت إذ ظعنوا لبين فانعب
ومثله: ماشئت فقم, كأنك قلت: أي قيام شئت فقم
وكان ينبغي للمصنف أن ينص على أنه يقوم مقام المصدر اسم العدد، فإنه واقع موقع المبين، وليس شيئاَ مما ذكر، تقول: ضربت ثلاثين ضربة، فتعرب ثلاثين مصدرا، وليس بمصدر لكونه عددا لما هو مصدر.
وقد جاء إقامة أعيان وليست بآلات مقام المصدر، وهي على حذف مضاف، وذلك نحو قول الشاعر:
حتى إذا اصطفوا لنا جدارا
وقول الآخر:
ولم يضع ما بيننا لحم وضم
الأصل: اصطفاف جدار، وإضاعة لحم وضم، فحذف المصدر، وأقيم الاسم الذي كان مضافا إليه مقامه، فأعرب بإعرابه.
وقال بعض أصحابنا: وغير التأكيدي ما أفاد معنى لا يستفاد من الفعل، وهو على سبعة وجوه:
المحدود، نحو: ضربته ضربة، وضربتين، وضربات.
والذي في معناه: ضربته سوطا، وسوطين، وثلاثة أسواط.
والنوعي: قعد القرفصاء.
والمصدر المعرف، وهو المعرف تعريف الجنس: زيد يجلس الجلوس، تريد الجنس، ويعنى به التكثير، ويجلس لا يفهم منه الكثرة، إذ يكون للقليل والكثير، وتعريف العهد: جلست الجلوس الذي تعلم.
ويكون علما، نحو بره برة، وفجر به فجار، وهو معلق على الجنس.
والخامس الموصوف: قعد قعودا حسنا.
والجاري مجراه: ضربت أي ضرب، تريد: شديدا، ويسير ضرب، وبعض ضرب، وكل ضرب، وهو السادس.
والسابع: التشبيهي: ضربت ضرب الأمير اللص، وقد يرجع إلى معنى الموصوف، /كقوله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ المعنى: أخذا شديدًا، وقوله ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيهَا وَهُوَ مُؤْمِن﴾، وقوله:
طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائر لها نفذ، لولا الشعاع أضاءها
وهو الثائر نفسه، فالمعنى: وسعى لها سعيا يصلح للآخرة، وطعنت طعنة صالحة لأخذ الثأر، وقد يريد: مثل ما يطعن الثائر غيري.
وإذا قلت: ضربت ضرباً مثل ضرب الأمير فضرب مصدر لضربت، لا خلاف في ذلك إلا خلافا لا يعباً به، فإذا قلت ضربت مثل ضرب الأمير فمذهب س أنه حال.
وينبغي في القياس ألا يحذف مثل؛ لأنك إذا حذفت المضاف وأقمت المضاف إليه مقامه أعرب إعرابه، والمعرفة لا تكون حالا، والصفة في هذا المعنى لا ينصبها س إلا على الحال، والعامل عندي فيه الفعل، وقد رأيته لجماعة.
وقال قوم: العامل فيه فعل أخر، أي: أوقع حسنا.
وسار زيد شديدًا، تقديره عندهم: سار السير أوقعه شديدًا.
وهو عندي تكلف.
فإن قلنا في ضربته شديدًا: نعت لمصدر محذوف، صح في ضربته مثل ضرب الأمير ذلك.
وتحقيق ((نعت لمصدر محذوف)) أنه مصدر، كما تقول: رأيت النجار، فيكون مفعولا لأنه في الأصل نعت لمفعول.
والنحويون يقولون: حذف الموصوف، وأقيمت الصفة مقامه، يعنون: يليه عامله، ويعرب بإعرابه، ف ((مثل)) مصدر، وإذا حذفت المضاف وأقمت المضاف إليه مقامه كان ذلك أيضًا، فيكون ضرب الأمير مصدرًا، والمصدر يكون معرفة ونكرة، فاستقامت المسألة.
وأما س فلا يجعل ضرب الأمير حالا، ولذلك نجده يذكر هذا النوع في أمثلة المصادر، وقد قال في باب ما ينتصب به المصدر المشبه [به [: ((فإذا قلت: مررت به فإذا هو يصوت صوت الحمار، فعلى الفعل غير الحال)).
وقال في قوله:
إذا رأتني سقطت أبصارها... دأب بكار، شايحت بكارها
: يكون حالآ وغير حال.
وقال في قول رؤبة:
لوحها من بعد بدن وسنق تضميرك السابق، يطوى للسبق
: يكون على الفعل.
نفى عن تضميرك أن يكون حالا لتعريفه.
فإن قلت: على ما قدمت يجب أن يكون حالا، فكيف هذا التناقض؟
قلت: المخلص منه أن يكون التقدير: ضمرها تضميًرا مثل تضميرك، فحذف ((تضميرا مثل)) حذفا /واحدًا لا بتدريج، ويقوم تضميرك مقامهما، فينتصب انتصاب تضمير، فيكون مصدرا لا حالا، كما كان تضميًرا، فلا يحذف أولا ((ضربا)) لما تقدم، ولا تحذف أيضا ((مثل)) وحدها؛ لأنه يصير التقدير: ضربًا ضرب الأمير، على حذف مثل، وقد كان مثل صفة، فيكون المضاف قائما مقامه، فصار صفة، كما أن ﴿وسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾، القرية: مفعول؛ لأنك أقمتها مقام أهل، وكان مفعولا، فتصف النكرة بالمعرفة، وهذا أصعب، وهذا يتوجه على قول الخليل إذ أجاز: ((له صوت صوت الحمار))، على أن يكون صفة لصوت؛ لأنه على تقدير مثل، ومثل نكرة لا تتعرف بالاضافة، وقد خطأه س في هذا.
انتهى، وفيه بعض تلخيص.
-[ص: وبحذف عامل المصدر جوازا لقرينة لفظية أو معنوية، ووجوبًا لكونه بدلا من اللفظ بفعل مهمل، /أو لكونه بدلآ من للفظ بفعل مستعمل في طلب، أو خبر إنشائي، أو غير إنشائى، أو في توبيخ مع استفهام، ودونه للنفس أو لمخاطب، أو غائب في حكم حاضر، أو لكونه تفصيل عاقبة طلب أو خبر، أونائبا عن خبر اسم عين بتكرير أو حصر، أو مؤكد جملة ناصة على معناه، وهو مؤكد نفسه، أو صائر به نصًا، وهو مؤكد غيره، والأصح منع تقديمها.]-
ش: مثال ما حذف لقرينة لفظية قولك: حثيثا، لمن قال: أي سير سرت؟
وبلى، قياما طويلا، لمن قال: ما قمت.
ولقرينة معنوية قولك: ئأهبا مأموناً، لمن
رأيته تأهب لسفر، وحجا مبرورا، لمن قدم من حج، وسعيًا مشكورًا، لمن سعى في مثوبة.
وقوله ووجوبا أي: ويحذف العامل على طريقة الوجوب؛ لكونه - أي:
لكون المصدر - بدلًا من اللفظ بفعل مهمل، أي: ليس بموضوع في لسان العرب، بل أتت بالمصدر، ولم تستعمل منه وتشتق فعلا.
وقسمه المصنف إلى مفرد، وإلى مضاف، وإلى ما يستعمل مفردًا ومضافًا، فذكر من المفرد أفة له وتفة، ودفرا بمعنى نتنا، وبهراً بمعنى تبا، كقول الشاعر:
تفاقد قومي إذ يبيعون مهجتي... بحارية، بهرًا لهم بعدها بهرا
وبمعني: عجبا، قال عمر بن أبي ربيعة
ثم قالوا: تحبها؟ قلت: بهرا... عدد الرمل والحصي والتراب
فأما أفة وتفة ودفرا فلم يستعمل منها فعل كما ذكر.
والتفة في الأصل: ريح الأذن، والتفة: وسخ الأظفار (0) وأما بهرا بمعنى تبا فهكذا فسره س في البيت، بهراً لهم بهراً، أي: تبا لهم، فجعله لفظًا غريبًا؛ لأن بهرة في معنى خيبة غير معروف، فيحتمل أن تكون كلمة نادرة بمعنى التب، لا فعل لها على ما فسر.
وقال أبو بكر بن طاهر في البيت: يعني بهراً: قهرا، أي: غلبوا غلبًا،
كقولك: بهرني الشيء: غلبني، ومنه القمر الباهر: إذا تم ضوءه وغلب (0)
وقال غيره بهرت فلانًا: غلبته، وبهرها بكذا: قذفها.
وقال ابن الأعرابي: يقال للقوم إذا دعوت عليهم: بهرهم الله، والمبهور: المكروب، وأنشد بيت عمر بن أبي ربيعة:
ثم قالوا: تحبها؟ قلت: بهراً 00000000000000000000000000
انتهى.
فعلى ما حكاه هؤلاء الأئمة لا يكون بهراً منصوبا بفعل مهمل، بل بفعل مستعمل، ويكون بهراً في بيت عمر ليس معناه عجباً كما زعم المصنف، بل معناه: غلبة، أ
ي: بهرني حبها بهراً
وقال ابن عصفور: ((هوبمعنى غلب، يستعمل في الخبر لا في الدعاء، فلذلك كان الأحسن /أن ينتصب بهرا بفعل من المعنى، تقديره: ألزمه الله)) انتهى.
وليس بصحيح بدليل ما حكيناه عن ابن الأعرابي أنه يقال للقوم إذا دعي عليهم: بهرهم الله.
وذكر المصنف من المضاف بله، وأنشد:
تذر الجماجم ضاحيا هاماتها... بلة الأكف، كأنها لم تخلق
أي: تترك الأكف تركا، ويقال بهل مقلوبا.
وقد ذكر المصنف أنها تنصب،
فتكون اسم فعل بمعنى دع، وقد تكلمنا عليها في باب أسماء الأفعال والأصوات.
وذكر أيضًا قولهم في القسم الاسعطافي قعدك الله إلا ما ذكرت كذا، أي:
تثبيتك الله، ومثله: عمرك الله، في لزوم الإضافة والاستعطاف، قال: ((إلا أن هذا مختصر من التعمير مصدر عمرتك الله، بممعنى: نشدتك الله، ومنه قول الشاعر
عمرتك الله إلا ما ذكرت لنا... هل كنت جارتنا أيام ذي سلم
وأصله من العمر، وهو البقاء، والمتكلم به متوسل باعتقاد البقاء لله))
انتهى، وسيأتي الكلام على قعدك وعمرك في باب القسم، إن شاء الله.
وإذا كان عمرك الله على ما ذكر المصنف مختصراَ من التعمير مصدر عمرتك الله فلا يكون منصوباَ بفعل مهمل؛ إذ عمرتك الله فعل مستعمل، فكان ينبغي للمصنف ألا يعده فيما ينتصب بفعل مهمل.
وذكر المصنف مما يستعمل مفردا ويستعمل مضافا، قال: ((قولهم للمصاب المرحوم: ويحه، وويح فلان، وويح له، وفي الحديث: (ويح عمار، تقتله الفئة الباغية).
وللمتعجب منه: ويبا له، وويبك، وويب غيرك، قال الشاعر:
فلا تجبهيه، ويب غيرك, إنه... فتى عن دنيات الخلائق نازح
وكذا يقال: ويح غيرك، وويسه مثله أوقريب منه)) انتهى.
قال الجزولي: ((ومنه مضافا ويحك - أي: ألزمك الله - وويسك كذلك، وهو استصغار واحتقار)).
وقال ابن طاهر: وبح كلمة تقال رحمة، وويس كلمة تقال في معنى رأفة، وهي مضافة إلى المفعول، يدل على ذلك تفسيرها، وعليه كلام س وتفسيره، ومتى أضفتها ألزمتها النصب، ولا يجوز فيها الرفع؛ لأنه مبتدأ لا خبر له، فإذا فصلته من
الإضافة جاز فيه الرفع والنصب, تقول: ويح له وويحا له، وويل له, وويلا له، ولايقوى النصب فى هذا قوته فى غيره؛ لأن هذا مصدر لا فعل له, وإنما يقوى النصب فى المصدر الذى له فعل, نحو حمدا وشكرا, فالرفع فى ويح وويل قوى وقد استعمل منه لفظ /الفعل, أنشد ابن جنى:
فما وال, ولا واس... ولا واح أبو هند
وتقول: ويح له وتب, وتبا له وويحا, فهذا ونحوه من الدعاء، إذا جمعوا بينهما غلبوا المتقدم، فالغالب على تب النصب، وعلى ويح الرفع إذا أفردوا، وس يختار أن يحمل كل واحد منهما على وجهه إذا أفرد، فاذا قالوا تبا له وويحا فلم يأتوا بخبر الآخر وافقهم س على النصب لعدم الخبر؛ لأن العرب لا تقول ويح ولا ويل إلا مع خبريهما.
وقال أبو الحسين بن أبي الربيع ما ملخصه: ((تبا لك التزم نصبه، وويح لك التزم رفعه، وويل لك الوجهان، ولو قسنا لساوياه، لكن لا يتعدى السماع، فإن عطفت ويحا على تب نصبته للعطف، ولا يجوز رفعه لأنه لا خبر له، وإن عطفت تبا على ويح فكحاله قبل العطف، ويكون [عطف جملة] فعلية على اسمية لتساويهما في المعنى.
وقول تبا له وويح له، فلا يكون في ويح إلا الرفع كحاله قبل العطف)) انتهى.
وقد رد المازني هذه الأمثلة، وقال: ((كيف يتصور أن يكون يدعو له وعليه في حين واحد؛ ألا ترى أن معنى تبا له: خسران له، ومعنى ويح له: رحمة له، فلا يصح هذا الكلام)) انتهى.
وخرج هذا الكلام على وجهين:
أحدهما: أن يكون ويح له لا يراد به الدعاء له، بل أخرج مخرج الدعاء، وليس معناه الدعاء، كما كان قوله ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾، فالمعنى: خسران له، وهو لكونه ذا خسران ممن يجب أن يقال فيه: رحمة له.
والوجه الثاني: أن يكون تبا له دعاء له على حد: قاتله الله ما أشعره! فلا يكون فيه تناقض، وهذا إذا فرض أن المثال من كلام العرب، ولعله مثال من أمثلة النحويين.
وحكي عن أبي عمر منع هذا الباب جملة؛ لأنه يؤدي إلى أن يرفع ما شأنه النصب، وينصب ما شأنه الرفع؛ لأن ويح مناجاة فرفع، والثاني دعاء فنصب، كذا نقل عنه.
وإذا قلت ويح له وتبا فالواو جامعة لأن الكلام جملتان، وويح وتب له الواو عاطفة لأنه كلام واحد.
وقال س: ((وقولك: ويح لك وتب، وتبا له وويحا، جعل النحويون التب بمنزلة ويح، وجعلوا الويح بمنزلة التب، فوضعوا كل واحد منهما على غير الموضع الذي وضعته العرب.
ولا بد لويح مع قبحها من أن تجعل على تب، فإذا قلت ويح له ثم ألحقتها التب فالنصب فيه أحسن، وإذا
قلت تباً له وويح له فالرفع ليس فيه كلام، ولا يختلف النحويون في نصب التب إذا قلت ويح له وتب له)).
وتقول: ويل له ويل كثير، برفع الويلين وبنصبهما، وبرفع أحدهما ونصب الآخر.
وذكر المصنف المصاب المغضوب عليه، قال: / ((ويله وويل له، وويل له ويل طويل، وويل له ويلاَ طويلاَ، وويل له ويلا كيلا, وويل له وعول, وويلك وعولك، ولا يفرد عول، ويفرد ويل منصوبا، قال (4):
كسا اللؤم تيما خضرة في جلودها... فويلا لتيم من سرابيلها الخضر
وهذه الأسماء إذا أضيفت لزمها النصب، وإذا أفردت جاز رفعها ونصبها))
انتهى.
والويل: الفضيحة والحسرة، وويب في معناها.
ويقال: ويبا لك، أي: عجبا لك.
وذهب بعض البغداديين إلى أن ويحه وويله وويسه منصوبة بأفعال من لفظها؛ وتقديره: واح ويحهه، ووال ويله، وواس ويسه، وأنشد البيت المتقدم، وهذا البيت مصنوع، ولا يعلم له قائل.
وقال ابن عصفور: ويله وأخواته تستعمل مضافة فصيحا، وبابها اللزوم، ومضافها للتبيين، ك ((لك)) في: سقيا لك.
وناصبها من غير لفظها، أو منه ملتزما إضماره.
ويجب نصبها ما دامت مضافة.
وفي البسيط: ((وأما المضاف فما كان منه أضيف إلى ما وقع عليه الدعاء فلا يجوز رفعه، قال المبرد: لأنه لا خبر له.
وهذا على من يجعل الخبر في المجرور، فإن
كان محذوفاً فلا مانع منه إلا أن يكون في الكلام ما يدل عليه.
وما كان منه أضيف إلى غير ذلك مع بقاء المجرور الذي يكون خبرا، كقولك: رحمة الله عليه ورضوانه وسلامه، ولعنة الله على الظالمين - فلا يكون فيه النصب على قول س,
وأجازه المبرد)) انتهى.
قال ابن عصفور: فإن فصل - يعني ويلا- وأخواته فالرفع، والمجرور خبر، قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾، وقد نصبوا ويلا، قال:
..................................... فويلا لتيم من سرابيلها الخضر
وأما ويح له فترفعه، إلا إن عطفته على ما له النصب فتنصب، نحو: تبا له وويحا، إتباعا، ولا ترفعه مبتدأ لأنه لا خبر له، ولا تقدره: ويح له، وتحذف ((له)) لدلالة ((له)) عليه في: تبا له؛ لأنها ليست في معناها فتدل عليه؛ لأن الأولى للتبيين والثانية في موضع الخبر، ولو قدمت ويحا لأتبعت تبا فرفعته، نحو: ويح له وتب.
ومعنى ويحه وويبه: رحمة له، ومعنى ويسه وويله: حسرة له.
وأماعولة فإتباع لويلة، ولا يستعمل بغير ويلة، فكأنه مشتق من العويل، وهو صوت الباكي.
وفي البسيط: ((وتقول ويل له ويل طويل، على البدل أو صفة موطئة، وويل له ويلا طويلا، على الحال الموطئة، كأنه قال: ويل له دائما، أي: ثبت له الويل، وإنما هو حال من الويل وإن كان نكرة لأنه صار في حكم المعرفة، ولذلك ابتدئ به.
وأجاز بعضهم في ويل له ويلا طويلا أن يكون جملتين، كأنك قلت: ويل له ألزمه الله ويلا طويلا، فيكون جملتي دعاء)) انتهى.
وقال في البسيط: وكذلك إذا قال القائل: يا ويلاه! / فقال له السامع: نعم ويلا كيلا فويلا كيلا على الحال؛ لأن نعم جواب وتصديق لقوله، فتضمن كلاما،
فكأنه أضمر الجملة، فقال: ويل لك ويلا كيلا.
وكذلك لو لم يذكر نعم، أي: لك ما دعوت به ويلا كيلا، أي: كثيرًا.
قال س: ((وإن شاء حمله على قوله: جدعًا وعقرًا))، يريد فتنصب بالنيابة عن الفعل.
وإذا اختلط ما يجب فيه الرفع مع ما يجب فيه النصب، وذكرت لكل ما يتم به - بقي كل منهما على قياسه، وكان عطف جملة على جملة، نحو: ويل له وتبا له، وبالعكس.
ومع ذكر ما يتم به أحدهما دون الآخر فبدأت بما ينصب أتبعته الآخر، فقلت: تبا له وويلا، أو بما يرفع قلت: ويل له وتبً، على رأي النحوبين.
ورأي س نصب تبا هنا، وهو أولى من الرفع؛ لأنه لا ضرورة تجعله مشار كا للأول؛ لأن المنصوب قد يستغني عن لك، وهذا قياس من النحويين لم يسمع من العرب شيء منه.
وكذلك لو قيل: تبا وويح لك، لا يلزم رفعه ولا نصب الويح، وينتصب الويح على قول النحوين.
ولو قلت: ويح وتبا لك، رفعت بناء على مذهب الجميع.
وأما المعرف بأل فالرفع فيه أحسن من النصب للتعريف، قال س: ((وإنما استحبوا الرفع فيه لأنه صار معرفة، وهو خبر، فقوي في الابتداء، بمنزلة عبد الله والرجل)).
وهو في رفعه بمنزلة رفع النكرة من معنى الفعل، وما بعده خبره، وهو قياس فيما يعرب، تقول: الويل لك، والخيبة لك، لكن إدخال أل ليس مطردًا في جميعها، وإنما هو سماع.
قال س: ((ليس كل حرف تدخل فيه أل من هذا الباب، لو قلت: السقي لك، والرعي لك - لم يجز)).
وقال الفراء والجرمي بجواز رفعهما وأخواتهما، وكأنهما رأياه قياسًا في هذه (0).
وفيه نظر؛ لأن الموضع للفعل، فإخراجه عنه ليس أصلاً، فلا يكون قياسًا.
وقد قاسه بعضهم على: الحمد لله، وليس بشيء؛ لأنه ليس من مواضع الفعل؛ لأنه خبر، بخلاف الدعاء.
وقال المصنف في الشرح: ((ومن المهمل الفعل اللازم للإضافة: سبحان الله، أي: براءة له من السوء، ولبس بمصدر لسبح، بل سبح مشتق منه كاشتقاق حاشيت من حاشى إذا نطق بلفظها، وكاشتقاق لوليت وصهصيت وأففت وسوفت وبأبأت ولبيت من لولا وصة وأف وسوف وبأبي ولبيك.
وقالوا أيضا سبحل: إذا قال سبحان الله.
وقد تفرد في الشعر سبحان منونة إن لم تنو الإضافة، كقول الشاعر:
سبحانة، ثم سبحانا، نعوذ بة... وقبلنا سبح جودي والجمد / وغير منونة إن نويت الإضافة، كقول الآخر:
وأقول لما جاءني فخره... سبحان من علقمة الفاخر
أراد: سبحان الله، فحذف المضاف إليه، وترك المضاف بهيئته التي كان عليها قبل الحذف، كما قال الراجز:
خالط من سلمي خياشيم وفا
يريد: وفاها.
وهذا التوجيه أولى من جعل سبحان علما.
ومثل سبحانك في المعنى وإهمال الفعل ((سلامك)) في قول الشاعر:
سلامك ربنا في كل فجر بريئا ما تغنثك الذموم
أي: براءتك ربنا من كل سوء، وبريئا: حال مؤكدة، وثغنتك أي: ما
تعلق بك الذموم: جمع ذم)) انتهى.
ولا يقال سبح مخففا، فيكون سبحان مصدرا له، ولا راح ريحانا بمعنى استرزق استرزاقا، بل سبحان الله، وريحان الله بمعنى استرزاق الله: مصدران وضعا موضع الفعل في الخبر، ولا يتصرفان، فإن أردت ب ((ريحان الله))، رزقه تصرف، وخرج عن أن تنتصب بفعل مضمر وجوبا، قال الشاعر
سلام الإله، وريحانه... ورحمته، وسماء درر
وقال تعال: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾
وما ذكره المصنف من أن سبحانا المنون لم تنو فيه الاضافة، فصرف لجعله نكرة - مذهب لبعضهم وقيل: تنوينه ضرورة.
وما ذهب إليه المصنف من أنه إذا لم ينون كقوله ((سبحان من علقمه)) هو مضاف، ترك بهبئته - هو قول بعض النحويين
وذهب بعضهم إلى آنه إذا نون كان مقطوعا عن الإضافة، فلما قطع عنها عاد إليه التنوين، ومن لم ينونه جعله بمنزلة قبل وبعد.
ورد هذا المذهب بأن الأسماء المقطوعة عن الإضافة لا يترك تنوينها إلا إن كانت ظروفًا مبنية لقطعها عن الإضافة، نحو قبل وبعد، فإن كانت غير ظروف لم يكن بد من تنوينها، نحو كل وبعض.
وفي البسيط: وأما ما لا يتصرف منها فضربان: مفردة، ومثناة، فالمفرد نحو:
سبحان الله، ومعاذ الله وريحانه، وسلاما، وحجرا، فسبحان ليس بمصدر، بل اسم وضع موضعه، فجرى مجراه ومعناه التنزيه، وهو قول الليث والزجاج وغيرهما، مأخوذ من التسبيح، وهو التنزيه، وهو تبعيد الله - تعالى - في الاعتقاد عن الصفات غير اللائقة، وكأنه مغير من التسبيح بحذف زوائده، ثم زيدت عليه ألف ونون، ووضع بدل التسبيح، /فصار بمنزلة مصدر سبح الكائن على غير صدره، بمنزلة تكلم كلامًا، وليس مثله، قال س: ((لأنه لو كان مصدرًا يتصرف تصرفه كالسلام والكلام لعدم فعله وهو رأي س والجماعة، وجاء على فعلان كالطغيان ونحوه من المصادر.
واختلف فيه: فقيل: وضع نكرة جاريا مجرى المصادر يعرف بأل، كقوله:
سبحانك ــــــ اللهم ــــــ ذا السبحان
وبالإضافة، نحو: سبحان الله، وبقي نكرة، كقوله:
.. ثم سبحانا، نعوذ به..................
وقد يتأول فيه التعريف، فيمنع من الصرف للزيادة والتعريف، إما معدولا
عن أل أو الإضافة، كأجمع، وباب سحر، كقوله:
.................................. سبحان من علقمة الفاخر
وقال س: أصله الإضافة إلى اسم الله، واستعمل مقطوعا عنها، إما منونا
في الشعر، وإما غير منون على تقدير التعريف والزيادة.
وقيل: هو اسم للتسبيح يعنون علما ــــــ فلم ينصرف للزيادة والتعريف وهو
رأي المازني والمبرد ــــــ وتنوينه في الشعر ضرورة، وإضافته على تأويل التنكير، كما
تقول: زيدكم.
وكذا دخول اللام عليه، وهو قليل، وهو موضوع موضع المصدر.
وعلى المذهبين هو منصوب بسبح ونائب عنه، ولم يستعمل معه مظهرا.
ويحتمل أن يقال: هو مصدر على غير الصدر.
وقال يونس: ((معناه: براءة الله من السوء))، والبراءة والتنزيه بمعنى واحد،
وهر التبعيد، ولفظ السبح فيه هذا المعنى، يقال سبح في الأرض سبحا: أبعد فيها،
ومنه: ﴿والسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾، يعني النجوم، تذهب في الفلك كما يذهب السابح
في الماء.
وإذا كان بمعنى البراءة فأما على معنى التنزيه فينتصب في المعنى بسبح، وإن
كان بمعنى البراءة في نفسه، أي: برئ براءة من السوء ــــــ فيكون سبح على هذا ليس
عاملآ؛ لأنه في المعنى من وصف الله بالبراءة والنزاهة، فيكون سبح أي: قال سبحان
الله فهو بمنزلة حوقل وهلل.
وقد نبه س على أن سبح ولبي وأفف لمن قال
ذلك.
وإنما نزله منزلة تسبيحا في النصب خاصة، والعامل حينئذ فعل مما يصلح له،
أي: أعتقد براءة الله وأومن بها، أو من معناه، أي: برئ براءة، كما يقول:
..................................... ألت حلفة............
أي: برئ سبحانا
وقد يستعمل في قصد التعجب، كما تقول: سبحان الله أهذا يكون! وأما
((سُبْحَانَ الَّذِي يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ)) فقيل: مضاف إلى ((ما))، و ((ما)) لمن يعقل.
وقيل: سبحان مقطوعة، وما مصدرية ظرفية، أي: مدة تسخير كن.
وقد يوضع موضع فعل الأمر، قال الفراء في قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَنَ الله حِينَ تُمْسُونَ﴾ ((أى: فصلوا))، فكأنه قال: فسبحوا سبحانا عبر بها عن الصلاة.
وأما ((معاذ الله)) فهو مفعل للمصدر مرادف للعياذ، كأنهم قالوا: عياذا بالله،
لكنه استعمل بدل فعله.
وفيه /أمران: أحدهما: أنه لا يتصرف.
والثاني: أنه مضاف بغير حرف الجر، والأصل: معاذا بالله.
وأما ((ريحانه)) فقيل: ريحانه معناه الاسترزاق.
وقيل: الطيب.
والريحان
في كلام العرب على هذين الوجهين، ومنه: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحَانٌ﴾، وقوله:
سلام الاله وريحانه......................
لأن السلام كثيرا يكون بالطيب والعبق.
وإذا كان بهذا المعنى تصرف وارتفع
ودخلت أل.
وبمعنى الاسترزاق لا يتصرف، ولم يخرج عن النصب والبدل من
الفعل، ولا يكون إلا مضافا، ومعناه استرزاقا، ولم ينطق له بفعل من لفظه، فكأنه
ناب عن فعل، إما من معناه: نحو: أسترزقه، وإما بتقدير فعل يصح به المعنى، أي: وأسأله استرزاقه.
قيل: ولا يستعمل مفردا، بل مقترنا مع سبحان الله.
وقيل: يستعمل وحده؛
لأن س لم يذكره مقترنا مع سبحان، ولا نبه على ذلك.
ويحتمل أن يكون خبيرا،
وهو الإقرار بالنعمة، كشكرا لك.
ويحتمل ما احتمل سبحان من كونه مصدرا لا
فعل له، أو اسما منزلآ منزلة المصدر علما أو غير علم، لكن للزوم بالإضافة لم يظهر
فيه ما يوجب العلمية على رأي المبرد.
وأصله فيعلان؛ لأنه من الروح، فحكمه حكم سيد من القلب والإدغام والتخفيف، وصار لازما للتخفيف بسبب الزيادة، بخلاف سيد، وحكى
الأزهري الإجماع على ذلك.
وذكر ابن خروف أن أصله روحان على فعلان،
وقلبت ياؤه على غير قياس.
وأما ((سلامًا)) نقال أبو الخطاب: موضوع موضع تسلما، أي: براءة
منكم، لا خير بيننا ولا شر.
فإما أن يكون كسبحان الله اسما، وإما أن يكون بمنزلة الكلام والتكلم، وفعله تسلمنا تسلما.
وقال: إذا لقيت فلانا فقل سلاما، فسره
له [أبو [ربيعة بالبراءة منه.
و ((السَّلامُ)) بمعنى التحية يصرف، ومعنى:
سلامك- ربنا- في كل فجر.....................................
سلامتك، أي: براءتك من كل سوء، كما تقول: سلم سلامة من هذا الأمر، أي: لم يتشبث منه بشيء، فيكون على هذا مصدرا لكنه لا يتصرف؛ لأنه حذفت منه الهاء، فلزم النصب.
وقال س: ((إن من العرب من يرفع سلاما، وهر يريد معنى المبارأة،
كما رفعوا حنان، على تقدير الخبر، سمع من العرب من يقول: لا يكونن مني إلا
سلام فسلام ــ وهو استثناء منقطع ــــ أي: إلا أن تكون متاركة ومبارأة))، كأنه قال:
إنما أمرنا سلام فسلام، أي: مبارأة فأخرى، يريد: مني ومنك، وكأنه قال: لا
تكونن مني إلا مجانبا ومسالما، و ((كان)) هنا تامة؛ لأن النهي لا يكون في الناقصة
كما لا يكون الأمر.
وقد حمل على الناقصة، وهو للمبرد، فيكون ((مني)) متعلقا
بمحذوف، هو الخبر لها، على معنى: لا تكن منسوبا إلي إلا بالمجانبة./ وقد يقال: إنها
تامة، وهو في موضع الحال، كأنه قال: لا تكونن إلا وأنت مجانب لي.
وأما ((حِجْرًا)) فكانه من الحجر، وهو المنع، فاستعمل مكسورا كاستعمال العمر في القسم مفتوحا، وهو من العمر.
وقيل: هو الاسم، وأوقع موقع المصدر،
فيكون على فعل من لفظه، كأنه قال: أحجر حجرا، أي: أمنعه عن نفسي وأبعده
وأبرأ منه، ويقول الرجل للرجل: أتفعل هذا؟ فيقول: حجرا، أي: منعا.
وقال
س: ((أي سترا وبراءة من هذا))، والحجر يراد به الستر، ومنه ﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا
مَّحْجُورًا﴾، أي: حراما، أي: الحرام ممنوع منه، ومحجور تأكيد، يريد به حجرا
حجرا، لكنه أتى بصيغة المفعول، وهذا لا يتصرف إذا كان بمعنى المبارأة والتعوذ.
فإن كان على أصله من المنع أو الستر من غير أن يشاب هذا المعنى تصرف، كقوله
﴿لِّذِي حِجْرٍ﴾، يريد: لصاحب مانع يمنعه عن الباطل، أي: صاحب عقل، ولذلك فسر هنا بالعقل.
فاما ﴿بَرْزَخًا وحِجْرًا مَّحْجُورًا﴾ فمعناه سترا، فلم يجعله موضع الفعل على ذلك
المعنى.
وقيل: هو هنا على الأصل المذكور نائبا عن فعل، كأنه لما جعل بينها
البرزخ وقدر ذلك بينهما تنافرا، فصار كل واحد منهما كأنه يكون للاخر
حجرا محجورا متعوذا مبالغة في الحجر والانقياد، وكان المعنى على ما ذكرنا من الحذف.
وذهب المبرد إلى أن حجرا يتصرف بما ذكرناه، والفرق ما أثبتناه.
ومذهب س أن سبحان علم ممنوع من الصرف.
وقيل: هو مبني،
وكونه لا يتصرف ولا ينتقل عن هذا الموضع فأشبه الحرف.
قال المصنف في الشرح: ((ومن المهمل الفعل اللازم للإضافة قولهم في
إجابة الداعي: لبيك وسعديك، ومعناه: لزوما لطاعتك بعد لزوم.
قال س: ((أراد
بقوله لبيك وسعديك: إجابة بعد إجابة، كأنه قال: كلما أجبتك في أمر فأنا في
الآخر مجيب))) انتهى.
وهذان اللفظان من ألفاظ ذكرها النحاة مثناة، وأوردوها إيرادا واحدا، إلا
أن المصنف ذكر منها لبيك وسعديك؛ إذ هما عنده مصدران، ينتصبان على إضمار
الفعل المهمل، وباقيها ينتصب على إضمار الفعل المستعمل.
ونحن نتكلم على
جميعها كما تكلم النحاة، فنقول:
هذه الألفاظ هي: حنانيك، لبيك وسعديك، ودواليك، هذاديك،
وحجازيك، حذاريك وهي مصادر لا تتصرف، بمنزلة سبحان الله وأخواته في
كونها لا تتصرف، وهي ملتزم فيها الاضافة والتثنية، فإن افرد منها شئ كان
متصرفا، نحو قوله:
/فقالت: حنان، ما أتى بك هاهنا... أذو نسب أم أنت للحي عارف
وزعم ابن الطراوة أن ارفع في حنان أقيس، وأن قولك: الواجب علينا-
آنس من: حننا عليك؛ لأن هذا علاج.
ورد بأنه يمكن أن يكون حننا عليك واقعا، وليس بعلاج، فيكون على حد:
الواجب علينا حنان، فهذا الباب لما كان مناجاة لا يستقل أحد فيه بالإخبار
قوي فيه النصب؛ لأن الجامع بينه وبين الدعاء أن فعله ليس ماضيا، وهو مناجاة.
واختلفوا في ((لبيك)) أهو مفرد أم مثنى:
فذهب الخليل وس والجمهور إلى أنه تثنية لب، كما أن حنانيك تثنية
حنان.
وذهب يونس إلى أنه اسم مفرد، وأصله قبل الإضافة لبي مقصورا،
وقلبت ألفه ياء لإضافته إلى المضمر، كما قلبوا في عليك ولديك.
ورد مذهب يونس بأنه لو كان انقلاب الألف لأجل الضمير ما انقلبت
مع الظاهر في قول الشاعر:
دعوت لما نابني مسورا... فلبي فلبي يدي مسور
وزعم الفارسي أنه لا حجة في هذا البيت؛ لأنه يجوز في نحو هذه الألف
التي تطرفت أن تقلب ياء في الوقف، فتقول: هذه أفعي، ومنهم من يجري الوصل
مجرى الوقف، فيمكن أن يكون ((لبي يدي مسور)) من ذلك، ومثل ذلك قول
زهير:
قفرا بمندفع النحائت من... ضفوي أولات الضال والسدر
قال الأصمعي: هو على لغة من يقول في أفعى أفعي.
وزعم غيره أنها تثنية
ضفا، وهو بمعنى الجانب، وهو مضاف.
لما بعد.
وهذا الذي ذهب إليه أبو علي كان يمكن لو سمع من كلامهم لبي زيد.
واستدل أيضا على أن لبيك تثنية بأنه قد سمع في المفرد لب، ولم يسمع لبي،
قال الشاعر:
دعوني، فيا لبي إذا هدرت لهم؛ شقائق أقوام، فأسكتها هدري
فقال: لبي، ولو كان أصله لبي لقال على الأكثر لباي، وعلى لغة هذيل لبي.
وقال س بعد ما حكى عن بعض لب علي أنه مفرد لبيك غير أنه مبني كأمس لقلة تمكنه: ((وليس يحتاج إلى أن يفرد؛ لأنك إذا أظهرت الاسم تبين أنه ليس بمنزلة عليك ولديك؛ لأنك [لا] تقول: لبي زيد وسعدى زيد))
وفي كلام س هذا رد علي المصنف إذ زعم في الشرح أن إضافة لبي إلي الظاهر شاذة كإضافتها إلي المضمر الغائب، نحو قوله:
إنك لو دعوتني، ودوني... زوراء ذات منزع بيون
لقلت: لبيه لمن يدعوني
ألا ترى إلى سياقه س ذلك مساق المنقاس المطرد في قوله ((لأنك [لا] تقول
لبي زيد وسعدى زيد)).
والناصب لهذه المصادر أفعال من لفظها، وفي بعضها من معناها، وهي واجبة
الإضمار، فكان التقدير: تحنن حنانيك، أي: تحننا بعد تحنن، وقد /نطق بفعله،
قال:
تحنن علي - هداك المليك -... فإن لكل مقام مقالا... وقد أفرد في قوله تعالى: ﴿وحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا﴾، وقال الشاعر:
ويمنحها بنو شمجي بن جرم... معيزهم، حنانك، ذا الحنان
أي: رحمتك يا ذا الرحمة.
وقوله: