التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيلصفحات 127-166

لَقامَ، فهذه اللام جوابٌ لقسمٍ محذوف، التقدير: واللَّه لَيقومَنَّ، ووَاللَّهِ لَقامَ.
ويعني بقوله وامتنع الكسر أي: إذا تقدم على (إنَّ) ما يَطلب موضعها فإنَّها تُفتح إذ ذاك، ولا تُكسَر، نحو: عَلِمتُ أنَّ زيداً لَقامَ، ولا يعني أنه يَمتنع الكسر على الإطلاق.
وإنَّما فُتحت (أنَّ) لأنَّها إذا كانت اللام جواب القسم وقعت موقعها، ولم يُنْوَ بِها التقديم قبل (إنَّ) بخلاف اللام في نحو: عَلَمتُ إنَّ زيداً لَمُنطلقٌ، فإنَّ (إنَّ) تُكسر معها، ويُعَلَّق الفعل عن فتح (أنَّ) لأنها مُقَدَّمة في النية على (أنَّ)، وإنَّما أُخِّرت للعلة التي تقدر ذكرها، وهذه اللام تُزيل شَبهَ عَلِمتُ بأَعطيتُ، وإذا زال الشَّبَهُ حُكم لما بعدها بحكم الجملة لا بحكم المفرد، و (إنَّ) إذا وقعت في موضع هو للجملة كانت مكسورة، ولا يُمكن أن تقدر هذه اللام بعد (إنَّ) لأنَّها لو كانت في التقدير في ذلك الموضع لَلَزِمَ أن يَبطُل عمل (إنَّ) كما بَطَلَ بِها عملُ (عَلِمتُ)، فلَمّا أعملوها دَلَّ ذلك على أنَّ النية بِها أن تكون قبل (إنَّ) لا بعدها.

-[ص: فصل تُرادف (إنَّ) (نَعَمْ)، فلا إعمال، وتُخَفَّف فَيبطل الاختصاص، ويَغلِبُ الإهمال، وتلتزم اللام بعدها فارقةً إنْ خيفَ لَبْسٌ ب (إنِ) النافية، ولم يكن بعدها نفي.
وليست غيرَ الابتدائية، خلافاً لأبي علي، ولا يليها غالباً من الأفعال إلا ماضٍ ناسخٌ للابتداء، ويقاس على نحو (إنْ قَتَلْتَ لَمُسْلِماً) وفاقاً للكوفيين والأخفش، ولا تَعمل عندهم ولا تؤكَّد، بل تُفيد النفي، واللام للإيجاب.
وموقع (لكنَّ) بين مُتنافَيينِ بوجهٍ ما، ويُمنَع إعمالُها مُخففةً، خلافًا ليونس والأخفش.
وتَلي (ما) (ليتَ)، فتُعمَل وتُهمَل.
وَقَلَّ الإعمال في (إنَّما)، وعُدم سماعُه في (كأنَّما) و (لعلَّما) و (لكنَّما)، والقياس سائغ.]-

ش: اختُلف في (إنَّ) هل تأتي بمعنى (نَعَمْ) حرفَ جواب، غلا يكون لها إذ ذاك عمل، أو لا تكون بمعنى (نَعَمْ) البتة؟ فذهب بعضهم إلى إثبات ذلك، وهو قول س والأخفش واختيار المصنف.
وذهب بعضهم إلى إنكار ذلك، وهو قول أبي عبيدة واختيار ابن عصفور.

وزعم المصنف أنَّ الشواهد قاطعة بذلك من لسان العرب، فمِمّا أنشد قولُ حسان: يَقولونَ: أَعْمَى، قُلتُ: إنَّ، ورُبَّما أَكونُ، وإنِّي مِنْ فَتّى لَبَصيرُ وقولُ بعض طيئ: قالوا: أَخِفتَ، فقلتُ: إنَّ، وخِيفتِي ما إنْ تَزالُ مَنُوطةً بِرَجاءِ وما أنشده أحمد بن يحيى: ليتَ شِعْري هل لِلْمُحِبِّ شِفاءٌ مِنْ جَوَى حُبِّهِنَّ؟ إنَّ، اللِّقاءُ وقال ابن الزًّبِير الأسدي لعبدِ اللَّهِ بن الزُّبَير: لَعَنَ اللَّه ناقةً حَمَلَتْنِي إليك.
فقال ابن الزُّبَير إنَّ وراكِبَها.
وأنشد غير المصنف: قالوا: غَدَرتَ، فقلتُ: إنَّ، ورُبَّما نالَ المُنَى وشَفي الغَليلَ الغادرُ وقوله: بَكَرَ العَواذلُ في الصَّبًو... حِ يَلُمْنَنِي وأَلُومُهُنَّهْ ويَقُلْنَ: شَيبٌ قد علا... كَ، وقد كَبِرتَ، فقلتُ: إنَّه

وقال الأخفش في قوله تعالى ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾: إنَّ بِمعنى نَعَمْ.
وما ذكروه لا ينهض أن يكون دليلاً على مرادفة (إنَّ) ل (نَعَمْ) إذ يحتمل أن تكون هي العاملة.
فأمَّا قوله (فقُلتُ إنَّه) فهو من حذف خبر (إنَّ)، وقد تقدم أنه يَجوز لفهم المعنى، التقدير: إنَّه كما قُلْتنَّ.
وأمّا قوله (إنَّ اللِّقاءُ) فهو من حذف الاسم لفهم المعنى، وقد تقدم أنه يَجوز، كما قال: .................................... ولكنَّ زَنْجِيٌّ عَظيمُ المَشافرِ والتقدير: إنَّه اللقاء، أي: إنَّ الشِّفاءَ اللقاءُ.
وأما قوله: يَقولونَ: أَعْمَى، قُلتُ: إنَّ...................................... و: قالوا: أَخِفْتَ؟ فقُلتُ: إنَّ.................................... وقولُ ابن الزُّبَير (إنَّ وصاحِبَها)، و: قالوا: غَدَرْتَ، فقُلتُ: إنَّ.....................................

فهو مِمّا حُذف فيه الاسم والخبر لفهم المعنى, ولا يَجوز حذفهما معاً إلا في (إنَّ), والتقدير: قلتُ إنَّ عَمايَ واقعٌ, وإنَّ خوفي واقعٌ, وإنَّها مَلعونةٌ وصاحبَها, وإنَّ غَدْري نافعٌ.
وهذا المذهب أولَى لأنه قد تقرر فيها أنَّها تنصب الاسم وترفع الخبر, ولم يستقر فيها أن تكون بمعنى (نَعَمْ).
فإن قلت: حَذْفُ الجملة حتى لا يبقى منها إلا حرف واحد-وهو أنَّ-إخلالٌ بِها.
فالجواب: أنّ العرب قد فعلت مثل ذلك, نحوُ قوله: أَفِدَ التَّرَحُّلُ غيرَ أنَّ رِكابَنا... لَمّا تَزُلْ بِرِحاِلنا, وكأنْ قَدِ يريد: وكأنْ قد زالت, فحذف لفهم المعنى.
ومن كلامهم: قارَبتُ المدينةَ ولَمّا, ومثلُه قول الشاعر: قالتْ بَناتُ العَمّ: يا سَلْمَى وأن... كانَ غَبِيّاً مُعْدِماً؟ قالتْ: وأن حَذَفَ فعل الشرط وجوابه لفهم المعنى, وأبقى الأداة وحدها, والتقدير: وإنْ كان غَبِيّاً مُعْدِماً تَمَنَّيتُه.
فأمّا قولُ الشاعر: إذا قالَ صَحْبِي: إنَّك اليومَ رائحٌ... ولم تَقْضِ منها حاجةً قلتُ: إنَّ لا فقيل: إنَّ التقدير: إنه لا تَتِمُّ لي حاجة.
وقيل: (إنَّ) بِمعنى (نَعَمْ).وكذلك ما أنشد الكسائي:

أنَّ لا خَيرَ فيه أَبْعَدَهُ الله... لَيُزْري بِنَفسِهِ ويَرِي قال الكسائي: (أنَّ) فيه بمعنى (نَعَمْ).
وأُوَّلَ على حذف الاسم, ويدل على ذلك وجود اللام في (لَيُزْري).
وقوله وتُخَفَّفُ فيَبْطُلُ الاختصاصُ, ويَغْلِبُ الإهمالُ يعني بِبُطْلِ الاختصاص أنَّها لا تَختص بالجملة الابتدائية كما كانت وهي مشددة, بل تليها الجملة الاسمية والجملة الفعلية على ما سيُبًيَّن إن شاء الله.
فإذا خُفت جاز إعمالها على قلة, وحالها إذا أعملت كحالها وهي مشددة إلا أنَّها لا تعمل في الضمير إلا ضرورة بخلاف المشددة, تقول"إنك قائمٌ" بالتشديد, ولا يَجوز "إنْكَ قائمٌ" بالتخفيف.
وأمّا في دخول اللام وغير ذلك من الأحكام فهي كالمشددة سواء, تقول: إنْ زيداً منطلقٌ, ولَمُنطلقٌ, وإنْ في الدار لَزيداً, إلى غير ذلك من الأحكام.
ومنع الكوفيون إعمال (إنِ) المخففة, وهم محوجون برواية س والأخفش ذلك عن العرب, وعليه قراءة نافع: ﴿وإنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾.
ويدل على أنَّها بمعنى المشددة قراءة ابن كثير وأبى عمرو الكسائي: ﴿وإنَّ كُلاًّ لَّمَّا﴾ بالتشديد.
وقال س:"حدثنا مَن نثق أنه سمع من العرب مَن يقول: إنْ زيداً لَمُنطلقٌ, وهي مثل {إنَّ

كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} يُقرأ بالنصب والرفع".
وملخص مذهب الكوفيين أنَّ (إنَّ) لا يَجوز تخفيفها وإعمالها, ولا يَجوز تخفيفها وإهمالها؛ لأنَّهم زعموا أنَّ (إنِ) المخففة هي (إنِ) النافية, أو بمعني (قد) على ما نبينه, إن شاء اللَّه.
فالمخففة عند البصريين هي ثلاثية الوضع, وهي عند الكوفيين ثنائية الوضع, فلم يرد الخلافِ على (مَحَزِّ) واحد, فلا ينبغي أن يقال: اختلفوا في (إنَّ) إذا خففت هل يَجوز إعمالها أو لا؛ لأنَّ الكوفيين لا يذهبون إلى أنَّها إذا وليتها الجملة الاسمية أو الفعلية ولزمت اللام هي المخففة من الثقيلة, بل هي حرفِ ثنائي الوضع, وهى نافية.
ويعني بِغَلَبة الإهمال أنه يكثر فيها, وإذا غلب الإهمال دل على أنَّ الإعمال قليل.
وقوله وتَلزَمُ اللاُم بعدًها فارقهً إنْ خِيفَ لَبْسٌ بِ (إنِ) النافية, ولم يكن بعدها نفي كان ينبغي أن يبين محل لزوم اللام فيقول "في ثاني الجزأين", فتقول: إنْ زيدٌ في الدار لَزيٌد.
وشَرَطَ في لزوم هذه اللام شرطين: أحدهما: أن يُخاف اللبس بِ (إنِ) النافية, قال المصنف في الشرح: "فلا تلزم مع الإعمال لعدم الالتباس, وكذلك لا تلزم في

الإهمال في موضع لا يصلح للنفي, كقول الطرماح: أنا ابنُ أُباةِ الضَّيمِ مِنْ آل مالكٍ... وإنْ مالكٌ كانت كِرامَ المَعادنِ" انتهى.
فلم يدخلها على (كانت) لأنه يقتضي البيت المدح, فلا تلبس (إنْ) فيه بـ (إنِ) النافية لأنه إذ ذاك يكون هجواً, فيُضادُّ أولُ البيت آخره.
الشرط الثاني: ألا يكون بعدها نفي, نحو: إنْ زيدٌ لن يقوم, وإنْ زيدٌ لم يقم, أو ليس قائماً, أو ما يقوم, فهذا كله لا يَجوز دخول اللام عليه.
وهذا الشرط الثاني غير محتاج إليه البتة لأنه إذا كان الخبر منفياً لم يدخل حرف النفي, فلا تالتبس فيه (إنِ) التي للتوكيد المخففة/ من الثقيلة بِ (إنِ), النافية, فينبغي أن يُكتفي بالشرط الأول, وهو: إن خيف لبس بِ (إنِ) النافية.
ثم قول المصنف"وتلزم" إلى آخره يدل علي إنه إذا خيف لبس أو كان يعدها نفي لا تلزم, وتحت هذا المفهوم شيئان: أحدهما الجواز.
والآخر المنع.
فكان ينبغي أن يبين محل الجواز, ومحل المنع, فمحلُّ المنع إذا كان الخبر منفياً, فلا تدخل اللام عليه أصلاً' ومحل الجواز إذا كانت عاملة, أو كانت في مثل بيت الطر ماح, أو فيما روى"إن كان رسولُ اللَّهِ يُحِبُّ الحَلْواءَ والعَسَلَ", المعنى على الإثبات, ولا يحتمل النفي لأنه قد عُلم من حاله صلى الله عليه وسلم.

وقوله وليستْ غيرَ الابتدائية, خلافاً لأبي علي اختلف النحويون في هذه اللام: فذهب س والأخفش سعيد بن مَسْعَدة والأخفش علىُّ بن سليمان وأكثر نحاة بغداد ومن أئمة بلادنا أبو الحسن بن الأخضر إلى أنَّها لام الابتداء التي كانت مع المشددة, لَزِمت للفرق, وهو اختيار ابن عصفور وهذا المصنف.
وذهب الفارسي ومن أئمة بلادنا أبو عبد اللَّه بن أبي العافية والأستاذ أبو علي, واختاره من شيوخنا أبو الحسين بن أبي الربيع, إلى أنَّها ليست لام (إنَّ) المشددة التي لابتداء, بل هي لام أخرى اجتُلبت للفرق.
واستدل أبو علي علي أنَّها ليست لام (إنَّ) بأنَّ لام (إنَّ) حكمها أن تدخل على (إنَّ) حتى تكون متقدمة على اسم (إنَّ) الذي هو مبتدأ في الأصل, فأُخرت للخبر لئلا يجتمع تأكيدان؛ إذا كان الخبر هو المبتدأ في المعنى أو ما هو واقع موقعة أو راجع إليه, وقد بُيِّنَ ذلك, و (إنْ) هذه تدخل علي الفعل, نحو قوله تعالى: ﴿وإن وجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾, والفعل ليس مبتدأ في الأصل.

وأيضاً فإنَّها يعمل ما قبلها فيما بعدها؛ ألا ترى أنَّ (وَجَدَ) نصب (فاسقين), ولام (إنَّ) لا يعمل ما قبلها فيما بعدها, لو قلت"إنَّك قَتَلتَ لَمُسلِماً"لم يَجز.
وأيضاً فإنَّها تدخل علي ما ليس مبتدأ ولا خبراً في الأصل ولا راجعاً إلى الخبر؛ ألا ترى أنَّها قد دخلت علي الفاعل في "إنْ يَشينُك لَنَفسُك", وعلي المفعول في قوله: .... إنْ قَتَلتَ لَمُسلِماً................... ولام (إنَّ) لا تدخل علي شيء من ذلك.
فإذا لم تكن لامَ الابتداء, ولا هي لام القسم, لأنَها لا تدخل على الاسم إلا إن كان مبتدأ, نحو: لَزيدٌ قائمٌ, فلم يبق إلا أن تكون لاماً اجتُلبت للفرق, وإذا كانت مُجتلَبة للفرق, ولم تكن اللام التي توجب التعليق, لم يمنع مانع من فتح (إنْ) إذا وقعت بعد (علمت).
قال: "وإذا فُتحت لم تَحتج إلي اللام لأنَّها إذ ذاك لا تالتبس بـ (إنِ) النافية فتحتاج إلى الفرق".قال:"وإن شئت أَثبتَّ اللام على طريق التأكيد".
واستدل ابن أبي/ العافية أيضًا بدخولها على الماضي، نحو: إن

زيداً لَقامَ.
وسيأتي في ذكر دليل القول الآخر إنكار: إنْ زيدٌ لَقامَ, وأنه غير مسموع من العرب.
وحكي ابن جني أنَّ أبا علي قال: ظننت فالناً انه نحوي مُحسِن حتى سمعتُه يقول: اللام التي تصحب (إنِ) الخفيفة هي لام الابتداء.
قال: فقلت له: أكثرُ نَحْوِيِّي بغداد علي هذا.
وقد استُدل للمذهب الأول بأنَّها لا تدخل في فصيح الكلام إلا علي ما هو خبر مبتدأ في الأصل؛ ألا ترى دخولها علي خبر (كان) وثاني معمولي (ظَنَّ), ولا يوجد من كلامهم: إنْ نظن زيداً رجلاً لَعاقلاً؛ لأنَّ عاقلاً ليس بخبر مبتدأ في الأصل, ولذلك منع النحويون"إنْ ظننتُ زيداً لَفي الدار قائماً" إن جعلت"في الدار" من صلة (قائم), فإن جعلته في موضع المفعول الثاني, وجعلت قائماً حالاً, جاز.
وكذلك أيضاً منع الأخفش: إن زيدٌ ذهبَ, أدخلتَ اللام علي (ذَهَبَ) أو لم تدخلها؛ لأنك إن لم تدخلها التبس بـ (إنِ) النافية, وإن أدخلتها لزم أن تدخل لام (إنَّ) علي الخبر, وهو فعل ماضٍ متصرف, وذلك لا يَجوز, ولو كانت فارقة ولم تكن لام (إنَّ) لم يَمتنع دخولها على (ذهب), فعدم وجود مثل"إنْ زيدٌ لَذَهَبَ" في كلامهم دليل علي ما ذكرناه من أنَّها لام (إنَّ) ألزمت الكلام للفرق, ولزم تثقيل (إنَّ) في: إنَّ زيداً ذَهب, وإعمالها.
وعوملت معمولات النواسخ التي هي أخبار للمبتدأ في الأصل معاملة أخبار (إنَّ), كما عوملت النواسخ في دخول (إنَّ) عليها معاملة المبتدأ والخبر.
وإذا ثَبَتَ بِما ذكرناه أنَّها لام (إنَّ) لزم تعليقها الفعل عن (إنَّ) فإذا عَلَّقَتْه بقيت على كسرها بعده.

ومن دخول (علمت) علي (إنِ) المخففة من الثقيلة ما جاء في الحديث المشهور من قوله صلى الله عليه وسلم "قد عَلِمْنا إنْ كُنتَ لَمُؤْمِناً" بكسر (إنْ) علي مذهب أبي الحسن, وبفتحها علي مذهب أبي علي, والصحيح الكسر لِما ذكرناه.
وقال س في باب عِدّه ما يكون عليه الكلم: "و (إنَّ) توكيد لقوله: زيدٌ منطلقٌ, فإذا خففت فهي كذلك تؤكد ما تكلم به, وتثبت الكلام, غير أنَّ لام التوكيد تلزمها عوضاً مما حذف منها" انتهى كلامه.
ولام التوكيد عنده عبارة عن لام الابتداء.
وقال الأخفش في كتاب (المسائل الكبير) نصاً: "إنَّ اللام الواقعة بعد المخففة هي الواقعة بعد المشددة".
واستدل ابن الأخضر: بأنَّ لام الابتداء في الأصل لا تدخل إلا على المبتدأ, فلما أن صَحِبَت (إنَّ) جاز فيها ما لم يَجز مع الابتداء المحض من دخولها علي الخبر وعلي الفضلة المتوسطة وعلي الاسم مؤخراً, ولو قلت"في الدار لَزيدٌ"لو يَجز, فكذلك لا ينكر هنا دخولها علي الجملة الفعلية بحكم التتبع لـ (إنَّ),ولأنَّ ضرورة/ الفرق تفعل هنا أكثر مما تفعل مع (إنَّ) لذهاب الاسم.
وثمرة الخلاف دخولُ (علمت) وأخواتِها, فإن كانت للفرق لم

تُعَلِّق, وإن كان للابتداء عَلَّقَت, ولهذا اختلف ابن الأخضر وبن أبي العافية في الحديث المشهور"قد عَلِمْنا إنْ كُنتَ لَمُؤْمِناً",كما اختلف فيه الأخفش الصغير والفارسي.
فقال الأخفش: لا يَجوز إلا الكسر.
وقال الفارسي: لا يَجوز إلا الفتح, كما قال ابن أبي العافية.
وقال ابن الأخضر: قد ثبتت اللام في الرواية بلا شك, وهي لا تكون مع (أنَّ) المفتوحة أصلاً كما لا تكون مع (إنْ) إذا عملت لأنه لا احتياج للفرق.
وقال ابن أبي العافية: كسر (إنْ) هو الأصل, فلما فُتحت بسبب (علمت) أبقيت اللام إشعاراً بأصلها.
ورُدَّ عليه بأنَّ هذا بعيد لأنَّ (علمت) لا تدخل إلا علي ما كان قبلها في موضع الابتداء, فإذا دخلت غَيَّرَت ذلك, ولم يُشعروا علي الأصل بشيء, ونظير ما قال دخول اللام في: ظننت إنَّ زيداً لَقائٌم, ولا قائل به.
قال بعض أصحابنا: وهذا لا يلزمه لأنَّ (ظَننتُ) لا تدخل علي اللام إلا مُعلّقة, ولا يقال أذهبت اللام بعد ما دخلت.
وقد نوقض بأنَّ كل مفتوحة من مشددة أو مخففة أصلها الكسر, وإنما يفتحها العامل, وكان ينبغي أن تكون اللام مع كلِّ مفتوحة, ولم توجد مع المفتوحة.
وهذا لا أراه يلزمه, يعتقد خلاص هذا المذهب, ولا حجة تقطع به.
واحتج بن أبي العافية أيضاً: بأنَّها إذا خُففت فهي حرف ابتداء بلا خلاف, بمنزلة إنَّما وكأنَّما ولعلَّما وسائر حروف الابتداء الداخلة علي الجملتين؛ ولا شيء هنا تدخل عليه لام الابتداء, فكذلك (إنْ) هاهنا.
وهذا لا يلزم عندي لأنَّ اللام من حروف الصدور, وتكون جواب القسم, فلا يتقدمها شيء كحرف النفي والجزاء والاستفهام والشرط في الصدر.

والمذهبان متكافئان لأنَّا إذا قلنا هي لام الابتداء كان ثباتُها واجباً.
وإذا قلنا ليست لام الابتداء كان ثباتُها نوعا من المجاز والتوسع.
والقول بالحقيقة أولىَ.
وإذا قلنا إنَّها لام الابتداء قلنا دخلت علي الجمل الفعلية لوجهِ كذا, وهذا يَجوز.
والقول إنَّها لم تدخل هو الحقيقة لأنَّ أصلها ألا تدخل هنا, وإنما قلنا بأنَّها خرجت عن أصلها في المشددة للسمع المقطوع به, فليس لنا أن نقول بخروج آخر لا دليل علية.
وقال الأستاذ أبوعلي: الوجه عندي ما قال ابن أبي العافية لِما ذكر من الحجج.
ثم قال: إذا قلت: "إنْ كنت لَقائماً" أشبه النفي, ولم يمكن سوق لام الابتداء/لأنَّ هذا ليس من مواضعها, فأتوا بلام فارقة, انتهى.
وهذا وجهه انه قول ثالث يؤول إلى التفريق, فيقال: إذا دخلت علي جمله ابتدائية لزمت اللام الابتدائية للفرق, وإذا دخلت علي جملة فعليه أدخلوا لاماً للفرق, لأنَّ لام الابتداء لا تدخل علي الجملة الفعلية, فعلى هذا يكون في اللام ثلاثة مذاهب: لام ابتداء لزمت سواء أدخلت علي الاسم أم علي الفعل.
ولام فارقة ليست لام ابتداء سواء أدخلت على الاسم أم علي الفعل.
والتفصيل بين أن تدخل علي الاسم فتكون لام الابتداء أُلزمت للفرق, أو على الفعل فتكون اللام الفارقة.
وقوله ولا يليها غالباً من الأفعال إلا ماض ناسخ للابتداء احترز بقوله"غالباً" من نحو: ........ إنْ قَتَلتَ لَمُسلِماً.................. واشترط المضي ليس بصحيح, بل قد يكون ماضياً, وقد يكون مضارعاً, فالماضي كقوله: ﴿وإن كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ {وإن وجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ

لَفَاسِقِينَ}, والمضارع كقوله ﴿وَإِن نَّظُنُّكَ لأَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ﴿وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ﴾ وفي قراءة أبي ﴿وإنْ إخالُكَ يا فِرْعَوْنُ لَمَثْبُورًا﴾.
وقال المصنف: ((ولا يكون ذلك الفعل إلا بلفظ الماضي, فإن كان مضارعا حفظ, ولم يقس عليه)).
ولا أعلم أحدا من أصحابنا وافقه, بل أجازوا ذلك مع الماضي ومع المضارع.
وأطلق المصنف في قوله ((ناسخ للابتداء)), وكان ينبغي أن يقيد ذلك بالمثبت غير الواقع صلة, فلا تدخل علي (ليس), ولا علي ما زال, وما انفك, وما فتئ, وما برح, ولا علي دام.
وقوله ويقاس علي نحو (إن قتلت لمسلما) وفاقا للكوفيين والأخفش أشار بقوله ((إن قتلت لمسلما)) إلي قول الشاعر: شلت يمينك إن قتلت لمسلما وجبت عليك عقوبة المتعمد ونحو ما روي الكوفيون من قول العرب: إن قنعت كاتبك لسوطا, وإن يزينك لنفسك, وإن يشينك لهيه, وقرأ ابن مسعود: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ لَقَليلاً﴾, أدخل اللام علي مفعول (قتلت), ومفعول (قنعت),

وفاعل (يزين) وفاعل (يشين), وعلي ﴿لَقَليلاً﴾ معمول ﴿لَبِثْتُمْ﴾ وليست من نواسخ الابتداء.
وقال المصنف: ((في (إن يزينك لنفسك) شذوذان: أحدهما أن الفعل مضارع.
والثاني أنه من غير النواسخ, وهذا عند البصريين غير الأخفش من القلة بحيث لا يقاس عليه)).
وجمعه بين الكوفيين والأخفش في قوله: ((وفاقا للكوفيين والأخفش)) ليس بجيد لأن المذكورين مختلفان, الأخفش يجيز ذلك علي أن (إن) هي المخففة من الثقيلة, واللام لام (إن), والكوفيون يجيزون ذلك علي أن (إن) هي النافية, واللام كان صالحا لزيد, وإن ضرب زيدا لعمرو, وإن ظننت عمرا لصالحا.
وقوله ولا تعمل عندهم ولا تؤكد, بل تفيد النفي, واللام للإيجاب ظاهر قوله (عندهم) أن يعود للمذكورين, وهم الكوفيون والأخفش, وليس كذلك, بل الأخفش يري إعمالها وإن كان الأكثر إهمالها, ويري أنها (إن) المخففة من الثقيلة, وأن اللام لام التوكيد علي ما نقل هذا المصنف يرون (إن) هي النافية, واللام بمعني (إلا).
وأما غير هذا المصنف من أصحابنا وغيرهم فنقلوا أن الفراء زعم

أن (إن) بمنزلة (قد), إلا أن (قد) تختص بالأفعال, و (إن) تدخل علي الأسماء والأفعال.
وهذا باطل بدليل نصبها الاسم ورفعها الخبر في إحدى اللغتين, ولو كانت بمنزلة (قد) لم تعمل شيئا.
ونقلوا أن الكسائي زعم أنها إن دخلت علي الأسماء كانت مخففة من الثقيلة, كما ذهب إليه البصريون, بسبب إعمالها في إحدى اللغتين, وإن دخلت علي الفعل كانت (إن) عنده للنفي, واللام بمعني (إلا).
وهذا باطل لأن اللام لا تعرف في كلامهم بمعني (إلا), فأما ما أنشدناه قبل: ......................... وما أبان لمن أعلاج سودان وروي: لمن أعلاج سوداء, فلا يعرف قائله, وإنما ثبت في كتاب (العين), وكثير مما وقع فيه غير صحيح, وبتقدير ثبوته فقد ذكرنا تأويل المصنف فيه علي أن اللام زائدة.
وتأولناه نحن علي أن (ما) استفهامية علي سبيل التحقير, و (لمن) علي إضمار مبتدأ, أي: لهو من أعلاج سوداء, علي حد ما ذهب إليه الزجاج في قوله: ﴿لَسَاحِرَانِ﴾ أي: لهما ساحران.
وليس ما ذكره الفارسي من أن ذلك لا يجوز بشيء؛ لأنه زعم أن التأكيد بابه الإطالة والإسهاب, فهو من أجل ذلك مناقض للحذف فلا يجوز الحذف معه لأن هذا الذي ذكره إنما هو في التأكيد التابع, وأما الحروف التي وضعتها العرب للتأكيد فلا ينكر معها الحذف,

دليل ذلك قول العرب: إن مالا وإن ولدا, أي: إن لنا مالا وإن لنا ولدا, فحذفوا خبر (إن) مع أنها للتأكيد, فثبت إذا صحة مذهب أهل البصرة.
وقال المصنف في الشرح: ((ومذهب الكوفيين أن (إن) المشار إليها لا عمل لها, ولا هي مخففة من (إن), بل هي النافية, واللام بعدها بمعني (إلا), ويجعلون النصب في ﴿وَإِنَّ كُلاًّ لَّمَّا﴾ بفعل يفسره (ليوفينهم) أو بـ (ليوفينهم) بنفسه.
وبه قال الفراء.
وكلا القولين محكوم علي أصولهم بمنعه في هذا المحل أو بضعفه؛ ولا يفسر عاملا فيما قبلها, ولذلك قال الفراء في كتاب (المعاني):/ (وأما الذين خففوا (إن) فإنهم نصبوا (كلا) بـ (ليوفينهم), وهو وجه لا أشتهيه لأن اللام لا يقع الفعل الذي بعدها علي شيء قبله, فلو رفعت (كلا) لصلح ذلك كما يصلح: إن زيد لقائم, ولا يصلح أن تقول: إن زيدا لأضرب؛ لأن تأويله كقولك: ما زيدا لا أضرب, وهذا خطأ في اللام وإلا) هذا نصه.
فقد أقرأ بأن حمل القراءة علي جعل (إن) نافية واللام بمعني (إلا) خطأ, ولا شك في صحة القراءة, فإنها قراءة المدنيين والمكيين, ولا توجيه لها إلا توجيه البصريين)) انتهي.
يعني من أنها عملت وهي مخففة من الثقيلة.
قال المصنف: ((وأما قولهم إن اللام بمعني (إلا) فدعوي لا دليل عليها, ولو كانت بمعني (إلا) لكان استعمالها بعد غير (إن) من حروف

النفي أولَى؛ لأنها أنص علي النفي من (إن), فكان يقال: لم يقم لزيد, ولن يقعد لعمرو, بمعني: لم يقم إلا زيد, ولن يقعد إلا عمرو, وفي عدم استعمال ذلك دليل علي أن اللام لم يقصد بها إيجاب, وإنما قصد بها التوكيد كما قصد مع التشديد)) انتهي.
ومنع أبو علي أن يضمر في (إن) المخففة من الثقيلة ضمير الأمر والشأن؛ لأنه إذا ضعف في المشددة فأحرى في المخففة.
وهو ظاهر قول س لما حكي أنهم قالوا في الدعاء: ((أما إن جزاك الله خيرا)) علي معني: ألا إنه جزاك الله خيرا.
قال: إذا كان هذا جائزا ههنا فالمفتوحة أجوز لأنها التي تحذف في الكلام, وتعوض, ولم يجئ ذلك في المكسورة إلا في هذا الموضع.
وهو قول المبرد.
وقد قال بعضهم: إذا دخلت علي الفعل فهي يضمر فيها.
وهذا فاسد لأن اللام لا تدخل علي خبر (كان), بل علي خبر (إن), وقد صار خبرها (كان) وما بعدها, فتدخل عليه.
وقد يقال في الجواب: كان الأصل هذا, لكن لما ولي (إن) فلو كان فيه اللام لاجتمع مع (إن), ولا يجتمعان, فأخر إلي معموله كما في الخبر.
انتهي من البسيط.
وقوله وموقع (لكن) بين متنافيين بوجه ما قد تقدم من قولنا أن (لكن) إن كان ما بعدها يوافق ما قبلها لم يكن ذلك من كلام العرب, نحو: قام زيد لكن عمرو, وإن كان نقيضا أو ضدا جاز, وهو من كلام العرب, وإن كان خلافا نحو ((ما قام زيد لكن شرب عمرو)) فهي مسألة خلاف: من النحويين من أجاز ذلك, ومنهم من منع, وقال تعال: {وَمَا

كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ لشَّيَاطِينَ كَفَرُوا}, وقال: ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ﴾.
وقوله ويمنع إعمالها مخففة, خلافا ليونس والأخفش لم يسمع إعمالها مخففة عن العرب.
قيل: وذلك لمبانية لفظها لفظ الفعل.
علل بذلك المصنف.
وقال أصحابنا: ألغيت لأنه زال/ موجب عملها - وهو الاختصاص - فصارت تليها الجملة الاسمية والفعلية.
وحكي أبو القاسم بن الرمالك رواية عن يونس أنه يجيز إعمالها, وحكاه المصنف عن يونس والأخفش, وذلك قياس علي (أن) و (إن).
وهو ضعيف.
وحكي بعضهم عن يونس أنه حكي فيها العمل.
وهذه الرواية لا تعرف عن يونس.
وقوله وتلي (ما) (ليت), فتهمل, وتعمل.
وقل الإعمال في (إنما).
وعدم سماعه في (كأنما) و (لعلما) و (لكنما), والقياس سائغ.
إذا اتصلت (ما) غير الموصولة بهذه الحروف, نحو: إنما زيد قائم, ففي ذلك أربعة مذاهب: أحدها: أنها تكفها عن العمل, ويرتفع ما بعدها بالابتداء والخبر, إلا (ليت), فيجوز أن تتصل بها كافة, فلا تعمل كأخواتها, ويجوز أن

تتصل بها زائدة, فتعمل, وهذا منقول عن س والفراء, وهو مذهب الأخفش, وصححه أصحابنا.
المذهب الثاني: أنه يجوز فيها كلها أن تكون (ما) معها كافة, فلا تعمل, وزائدة فتعمل, وهذا مذهب الزجاجي والزمخشري, ونقل عن ابن السراج.
المذهب الثالث: أن (ليت) و (لعل) و (كأن) يجوز فيها الإلغاء والإعمال, نحو: ليتما زيدا قائم, ولعلما عمرا منطلق, وكأنما زيدا أسد.
ولا يجوز في (إن) و (أن) و (لكن) إلا الإلغاء, وهو مذهب الزجاج, ونقل عن ابن السراج, وهو اختيار أبي الحسين بن أبي الربيع, ونسب في (البسيط) إلي الأخفش.
والمذهب الرابع: أنه لا يجوز كف (ليت) و (لعل) بـ (ما), بل يجب الإعمال.
وهو منسوب إلي الفراء.
والسماع بالوجهين الإهمال والإعمال إنما ورد في (ليت), قال المصنف ما معناه: ((وهما جائزان فيها بالإجماع)) انتهى.
وليس كما

ذكر؛ ألا ترى أن المذهب الرابع مذهب الفراء أنه لا يجوز في (ليتما) و (لعلما) إلا الإعمال, فليس جوازهما بالإجماع.
وزعم ابن درستويه في قوله: .................. لعلما أضاءت.................... أن (ما) اسم بمنزلة المضمر المجهول, والجملة تفسره.
ويظهر إلحاق (إنما) وأخواتها في ذلك بـ (لعلما), فتكون (ما) عنده بمنزلة المضمر المجهول.
قال ابن هشام: ((ولم يتنزل من الأسماء شيء بمنزلة هذا المضمر فيكون مثله, وقد عد النحويون وجوه (ما) في الاسمية, ولم يذكروا هذا, ولا وجدوا له نظيرا, فالقول به باطل, ولا حجة بمحل النزاع)) انتهي.
وعادة أصحابنا المتأخرين أن يجعلوا (ما) في هذه الحروف إذا دخلت علي الفعل مهيئة وموطئة؛ لأنها هيأت هذه الحروف للدخول علي الفعل, وإذا دخلت علي المبتدأ والخبر جعلوها كافة؛ لأنها منعتها من العمل.
وأما جعل (ما) في: إنما زيد قائم, وإنما قام زيد, نافية, و (إن) للإثبات/ دخلت علي النفي, فقول من لم يقرأ النحو, ولم يطالع قول أئمته.

وروي بيت النابغة: قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا....................... بنصب (الحمام) علي الإعمال, ورفعه علي الإهمال.
وأجاز س في هذا البيت أن تكون (ما) موصولة اسم ليت, وهذا: خبر مبتدأ محذوف, أي: ليت الذي هو هذا الحمام.
وهو تأويل متكلف.
وروي الأخفش والكسائي عن العرب ((إنما زيدا قائم)) بالإعمال علي زيادة (ما).
وفي (العزة): ((بعضهم ينصب بليت ولعل و (ما) موجودة, وجوز الأخفش ذلك في كأن وإن وأن)) انتهي.
فيكون للأخفش قولان: اختصاص ذلك بليت, والقول الثاني إلحاق كأن وإن وأن بهما.
وقال أبو القاسم الزجاجي في باب حروف الابتداء من (كتاب الجمل): ((من العرب من يقول: إنما زيدا قائم, ولعلما بكرا قائم, فيلغي (ما), وينصب بـ (إن), وكذلك سائر أخواتها)) انتهي.
وينبغي أن يحمل قوله ذلك علي أنه لما اقتضي القياس عنده ذلك نسبه إلي العرب؛ ألا تري أنه يجوز لك أن تقول: ((العرب ترفع كل فاعل)) وإن كنت إنما سمعت الرفع في بعض الفاعلين, لما اقتضي القياس عندك ذلك.
واستدل للمذهب الأول بأن (ليت) لما لحقتها (ما) بقي اختصاصها

بالجملة الاسمية, بخلاف أخواتها, فإنها يجوز أن تليها الجملة الاسمية والجملة الفعلية, نحو قوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَآؤُا﴾, ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾, ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ﴾, وقال الشاعر: ولكنما أسعي لمجد مؤث....................... في أحد الاحتمالات, وقول الشاعر: أعد نظرا يا عبد قيس, لعلما أضاءت لك النار الحمار المقيدا قالوا: فلما بقيت علي الاختصاص بالجملة الاسمية لم يقو فيها أن تلغي البتة, بل جوزت العرب فيها الإعمال رعيا لقوة اختصاصها, والإلغاء اعتبارا لدخول (ما) وإلحاقا لها بأخواتها.
هكذا علل أصحابنا والمصنف, أعني باختصاص (ليتما) بالجملة الاسمية.
ووقفت علي كتاب تأليف طاهر القزويني في النحو, فذكر فيه أن (ليتما) تليها الجملة الفعلية.

وقال الفراء: لعل وليت لم يجعلا حرفا واحدا بترك حمل معناهما إلي غيره, لا يجوز: ليتما ذهبت, ولعلما قمت.
وتأول قوله: أعد نظرا.
البيت علي أن المعني: لعل الذي أضاءت به لك النار الحمار المقيدا, فجعل (ما) ومصولة.
قال أبو جعفر الصفار: ((وهذا خطأ عند البصريين, لو كانت (ما) بمعني (الذي) لوجب أن يقول: الحمار المقيد)) انتهي.
وليس بخطأ؛ إذ يحتمل أن يكون/ خبر (لعل) محذوفا لفهم المعني.
ويحتمل أن يكون خبر (لعل) منصوبا علي لغة بعض بني تميم, فيكون ((الحمار المقيدا)) خبر (لعل), والبيت للفرزدق, وهو تميمي, فيحتمل أن سلك به لغة بعض قومه.
وممن ذكر أن ذلك لغة بعض تميم أبو البركات عبد الرحمن الأنباري في كتابه المسمي بـ (لمع الأدلة).
قال أبو جعفر: ((وقد أجاز البصريون الذي زعم الفراء أنه لا يجوز, أجازوا: ليتما ذهبت, ولعلما قمت, علي أن تكون (ما) كافة كما كانت في إنما)) انتهي كلامه.
فهذا أبو جعفر ينقل عن البصريين أن ليتما ولعلما تليهما الأفعال, وتكون (ما) معهما كافة كـ (إنما).
وأصحابنا والمصنف يزعمون أن (ليتما) تختص بالجملة الاسمة, ولا تليها الفعلية.
وزعم الأخفش علي سعة حفظه أنه لم يسمع قط: ليتما يقوم زيد.
وقال المصنف: ((وهذا النقل - يعني: إنما زيدا قائم, بالنصب - عن العرب يؤيد ما ذهب إليه ابن السراج من إجراء عوامل هذا الباب على

سنن واحد قياسا وإن لم يثبت سماع في إعمال جميعها.
وبقوله أقول في هذه المسألة, ومن أجل ذلك قلت: والقياس سائغ)) انتهي.
ووجه المذهب الثالث هو أنه لما جاز الوجهان في (ليتما), وهي مغيرة معني الجملة, جاز ذلك في (لعلما) و (كأنما) لاشتراكهما معها في تغيير معني جملة الابتداء, بخلاف (إنما) و (أنما) و (لكنما), فإنهن لا يغيرن معني الابتداء, فلم يقسن علي (ليت).
و (ما) اللاحقة لهذه الحروف حرف, فإذا لم يكن عمل كان حرفا كافا عن العمل, كما كف (إن) (ما) عن العمل, فإن وليه فعل كان حرفا مهيئا, وإذا كان ثم عمل كان حرفا زائدا, لا يعتمد به كما لا يعتد به بين حرف الجر والمجرور في نحو قوله ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾, و ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم﴾.
وزعم أبو محمد بن درستويه وبعض الكوفيين أن (ما) مع هذه الحروف نكرة مبهمة بمنزلة الضمير المجهول لما فيها من التفخيم, والجملة التي بعدها في موضع الخبر ومفسرة له, كما أن الجملة التي في موضع الخبر للضمير المجهول مفسرة له, ولم يحتج إلي رابط يربط الجملة بـ (ما) لأن الجملة هي (ما) في المعني, كما لم يحتج في الجملة الواقعة خبرا للضمير المجهول إلي رابط يربطها بالضمير لما كانت هي الضمير في المعني.
ورد هذا المذهب بأنه لو كان الأمر علي ما زعموا لجاز استعمال (ما) معمولة لجميع نواسخ الابتداء, كما يجوز ذلك في ضمير الشأن.
وفي (البسيط): دخول (ما) علي هذه الحروف لا يغير معناها عما كان إلا في (إن) المكسورة والمفتوحة, فإن الكلام ينتقل فيها إلى معنى

التأكيد والحصر, وقد قال أبو علي الفارسي: إنها نفي.
واستدل بقوله: ................. وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي ولذلك صح أن يكون/ الفاعل ضميرا منفصلا, وضمير المتكلم يكون مستترا.
وكل واحدة جارية علي ما كانت عليه, فالمكسورة المركبة تقع حيث يكون المفرد من الابتداء, كقولك: وجدتك إنما أنت صاحب كل حي, والمفتوحة المركبة تكون داخلة تحت فعل سابكة لما بعدها, وإنما يمتنع فيها العمل خاصة, كقوله تعالي: ﴿إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إلَيَّ أَنَّمَا إلَهُكُمْ إلَهٌ واحِدٌ﴾.
انتهي وفيه بعض تلخيص.
وما ذكره من انفصال الضمير في (إنما) ليس مذهب س, وقد أمعنا الكلام علي هذه المسألة في (باب المضمر) حين تعرض المصنف لانفصال الضمير وكونها تفيد الحصر.

-[ص: فصل لتأول (أن) ومعموليها بمصدر قد تقع اسما لعوامل هذا الباب مفصولا بالخبر, وقد تتصل بـ (ليت) سادة مسد معموليها, ويمنع ذلك في (لعل), خلافا للأخفش.
وتخفف (أن), فينوي معها اسم لا يبرز إلا اضطرارا, والخبر جملة اسمية مجردة, أو مصدرة بـ (لا), أو بأداة شرط, أو بـ (رب), أو بفعل يقترن غالبا إن تصرف ولم يكن دعاء بـ (قد), أو بـ (لو), أو بحرف تنفيس, أو نفي.]-

ش: مثال وقوعها اسما لهذه العوامل قولك: إن عندي أنك فاضل, وكأن في نفسك أنك فاضل.
وذكر المصنف في الشرح أنه يلزم الفصل بالخبر بين أحد هذه العوامل و (أن).
وهذا مذهب س, قال س: ((ألا تري أنك لا تقول: إن أنك ذاهب في الكتاب, ولا تقول: قد عرفت أن إنك منطلق في الكتاب؛ وذلك أن (أن) لا يبتدأ بها)).
وذهب الأخفش إلي أنه يجوز: لعل أنك منطلق, ولكن أنك منطلق, وكأن أنك منطلق.
قال الجرمي: وهذا كله رديء في القياس لأن هذه الحروف إنما تعمل في المبتدأ, و (أن) لا يبتدأ بها.

وأجاز هشام: إن أن زيدا منطلق حق, بمعني: إن انطلاق زيد حق.
وأجاز الكسائي والفراء إدخال (أن), وأنشد الكسائي: وخبرتما أن إنما بين بيشة ونجران أحوي, والجناب رطيب قال الفراء: ((أدخل أن علي إنما)).
وقال الفراء: ((لو قال قائل (أنك قائم يعجبني) جاز أن تقول: إن أنك قائم يعجبني)).
وهذا بناء من الفراء علي أن (أن) يجوز الابتداء بها, وقد تقدم ذلك من مذهبه ومذهب الأخفش وغيرهما في (باب الابتداء).
وقوله وقد تتصل بـ (ليت) سادة مسد معموليها مثاله قول الراجز: يا ليت أنا ضمنا سفينة حتى يعود الوصل كينونه وقول الآخر: / فيا ليت أن الظاعنين تلفتوا... فيعلم ما بي من جوي وغرام وقول الآخر, أنشده أبو علي الهجري: ألا ليت أني قبل بينك خيض لي ببعض أكف الشامتين سمام

وقول الآخر: صغيرين, نرعي إليهم, يا ليت أننا إلي اليوم لم نكبر, ولم تكبر إليهم وجاء بزيادة الباء في (أن), قال: ندمت علي لسان كان مني فليت بأنه في جوف عكم ودخول (ليت) علي (أن) شاذ في القياس, لكنه كثير في السماع, قال الفراء: جاز ذلك لأن معناها: وددت.
وسدت (أن) وصلتها مسد اسم (ليت) وخبرها, كما سدت مسد مفعولي (ظن), كقوله تعالي: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُوا رَبِّهِمْ﴾, وكما سدت مسد المبتدأ والخبر في نحو: ﴿ولَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ علي مذهب س. وفي (البسيط): وفيه الخلاف الذي في: ظننت أن زيدا قائم, فرأي الأخفش أن الخبر محذوف, كما أن المفعول الثاني محذوف, ورأي س أنها سدت مسد المفعولين في (ظننت), فكذلك هنا.
وفي (الغرة): تكتفي (ليت) بـ (أن) مع الاسم, ولا تكتفي بـ (أن) مع الفعل عند المحققين, كذا نص ابن السراج, وهما مصدران, وذلك لظهور الخبر مع (أن).
وقوله ويمنع ذلك في (لعل), خلافا للأخفش أجاز: لعل أن زيدا

قائم, بغير فصل بين (لعل) و (أن), وقد تقدم أنه أجاز ذلك أيضا في (لعل) و (كأن).
وقال المصنف وغيره: عامل الأخفش لعل معاملة ليت, ومباشرة ليت لـ (أن) شاذة, والقياس يقتضي المنع, لكنه جاء به السماع, فقبل, فلا يقاس عليه.
وقد أدخل بعضهم (أن) علي المضارع مفي خبر لعل, فقال: لعل زيدا أن يقوم, قال الشاعر: لعلك يوما أن تلم ملمة عليك من اللائي تركنك أجدعا فقيل: شبهت لعل بـ (عسي), كما شبه ليت بـ (وددت).
وقيل: في الكلام محذوف, تقديره: لعلك صاحب الإلمام.
وقيل: جعل الجثة الحدث علي سبيل الاتساع, كما قال: ................. فإنما هي إقبال وإدبار وقيل: الخبر محذوف, تقديره: لعلك تهلك لأن تلم ملمة, فحذف, و (أن) مفعول له.
وهذه الأقوال ليست بشيء, ولو كان لم يرد في ذلك إلا هذا البيت لتؤول, ولكن جاءت منه أبيات كثيرة جدا حتى يكاد ينقاس زيادة (أن) في المضارع الواقع خبرا لـ (لعل), قال الشاعر:

/ فعلك أن تنجو من النار إن نجا مصر علي صهباء طيبة النشر وقال: علك أن تذهب بعض الذي بقلبها من طول هذا التحير وقال الفرزدق: لعلك يوما أن يساعفك الهوي ويجمع شعبي طية لك جامع وقال آخر: لعلك يوما أن تود لو انني قريب, ودوني من حصي الأرض مخفق وقال: لعلك أن تلوم النفس يوما وتذكرنا وقد علن الصخاب وقد تعرض المصنف في الفص وشرحه لهذه المسألة في أثناء هذا الباب.
وقوله وتخفف أن كان المناسب أن يذكر تخفيف أن وكأن عند ذكره تخفيف إن ولكن.
وقوله فينوي معها اسم قال المصنف في الشرح: ((وتخفف (أن) فلا تلغي كما تلغي (إن) المخففة)) انتهي.
ويوجد في بعض كتب النحو أن (أن) إذا خففت ألغيت, ولا يعنون بذلك إلا أنها لا يظهر لها عمل لا في

مظهر ولا في مضمر مثبت, بل في مضمر محذوف علي ما سيبين.
فإن قلت: ما الذي أحوج إلي تقدير اسم لها محذوف وجعل الجملة بعدها في موضع خبرها؟ وهلا ادعيتم أنها ملغاة, ولم تتكلفوا حذفا؟ فالجواب: أن سبب عملها الاختصاص بالاسم, فما دام لها الاختصاص ينبغي أن يعتقد أنها عاملة, وكون العرب تستقبح وقوع الأفعال بعدها حتى تفصل لأجل ذلك بينها وبين الأفعال بالحروف التي يأتي ذكرها إلا أن تكون تلك الأفعال مشبهة بالأسماء لعدم تصرفها دليل علي أنها عندهم باقية علي اختصاصها, ولذلك لما حذفوا الضمير استقبحوا مباشرة الأفعال لها, ففصلوا بينهما إلا في ضرورة أو في قليل من الكلام لا يلتفت إليه.
قال بعض أصحابنا: فإن قلت: لعل سبب الفصل جعل تلك الحروف عوضا من الضمير المحذوف.
فالجواب: أنه لو كان ذلك السبب لزم الفصل بينها وبين الجمل الاسمية, وهم لا يفعلون ذلك.
وقال ابن هشام: ((فتراهم إذا ذكروا الجملة الابتدائية لم يعوضوا من المحذوف, نحو: علمت أن زيد قائم.
قيل: قد تكلم علي هذا س, وقال: (لأنهم لم يخلوا به ههنا؛ لأنهم ذكروا بعده المبتدأ والخبر, كما كانوا يفعلون لو شددوا, فأما/ إذا حذفوا وأولها الفعل الذي لم يكن يليها فكرهوا أن يجمعوا عليها الحذف ودخول ما لم يكن

يدخل عليها مثقلة, فجعلوا هذه الحروف عوضا).
وبهذا استدل س علي أنها إذا خففت لم تدخل في حروف الابتداء لأن هذا التعويض إنما كان لحذف اسمها, فلو كانت ابتدائية لم يحذف لها اسم, فلم يكن تعويض كما لم يكن في (إن) المكسورة ولا في (لكن) ولا في سائر حروف الابتداء)) انتهي.
ومما يبين لك أنها عاملة ظهور عملها في ضرورة الشعر علي ما سيأتي.
وأجاز س أن تلغي لفظا وتقديرا كما ألغيت (إن) إذا خففت, وتكون حرفا مصدريا, ولا تعمل شيئا كبعض الحروف المصدرية, قال س: ((ولو خففوا (أن), وأبطلوا عملها في المظهر والمضمر, وجعلوها كـ (إن) إذا خففت, لكان وجها قويا)) انتهي.
وقوله لا يبرز إلا اضطرارا مثال ذلك قول الشاعر: فلو أنك في يوم الرخاء سألتني طلاقك لم أبخل وأنت صديق وقول الآخر:

لقد علم الضيف والمرملون إذا اغبر أفق, وهبت شمالا بأنك ربيع وغيث مريع وأنك هناك تكون الثمالا وقال بعض شيوخنا: يجوز أن يظهر عملها إذا خففت على ضعف, نحو: علمت أن زيدًا قائم, قال: وأكثر ما يكون هذا في الشعر, وأطلق بعض أصحابنا جواز إعمالها مخففة في الاسم الظاهر من غير اضطرار ولا ضعف.
ونقل صاحب (رؤوس المسائل) منع إعمالها عن الكوفيين, قال: وأجازة البصريون, وينبغي أن يخصص هذا الجواز بما ذكروه من العمل في مضمر محذوف, ولا يلزم أن يكون ذلك الضمير المحذوف ضمير الشأن كما زعم بعض أصحابنا, بل إذا أمكن عوده على حاضر أو غائب معلوم كان أولى, ولذلك قدره س في قوله:} وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} كأنه قال: أنك قد صدقت, وفي قولهم: أرسل إليه أن ما أنت وذا؟ أي: بأنك ما أنت وذا؟ وفي قولك: كتبت إليه أن لا تقول ذلك, بالرفع, أي: أنك لا تقول ذلك.
وفي (البسيط): "وأما عملها في غير المضمر فلم يسمع, وأظن أنه قد قرئ في الشاذ:} وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا} حملًا على كأن", وقال أيضًا: "وإذا كان اسمها غير ضمير الشأن فهل يكون الخبر معرفًا؟

فيه نظر" انتهى, يعني إذا حذف وكان غير ضمير الشأن.
وقوله والخبر جملة اسمية مجردة مثاله: علمت أن زيد قائم, وهذه الجملة الاسمية المجردة قد تصدر بالمبتدأ كما مثلنا به, قال المصنف: "نحو} وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين ﴿, أو بخبر كقول الشاعر: في فتية كسيوف الهند قد علموا أن هالك كل من يخفي وينتعل" انتهى.
وقد نص س على أن قولك "قد علمت أن زيد منطلق" لا يكادون يتكلمون به بغير الهاء, بخلاف: قد علمت أن لا يقول, لأن (لا) عوض من الهاء, فعلى هذا يكون تمثيل أصحابنا "علمت أن زيد قائم" قليلًا جدًا.
وقوله أو مصدرة بـ (لا) أو بأداة شرط, أو بـ (رب) أمثلة ذلك قوله تعالى:﴾ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ ﴿, وقوله تعالى:﴾ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ {, وقول الشاعر:

فعلمت أن من تثقفوه فإنه... جزر لخامعة وفرخ عقاب وقوله: تيقنت أن رب امرئ خيل خائنًا أمين وخوان يخال أمينا وقوله أو بفعل يقترن غالبًا إن تصرف ولم يكن دعاًء بـ (قد) مثاله:} وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا ﴿, و﴾ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} في أحد التأويلين, وقال زهير: دار لسلمى إذ هم لك جيرة وإخال أن قد أخلقتني موعدي وقول الشاعر: ألم تعلمي أن قد تجشمت في الهوى من أجلك أمرًا لم يكن يتجشم وقوله أو بـ (لو) مثاله} تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ﴿,﴾ أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ}, وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَة},} أَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ﴿. وقوله أو بحرف تنفيس مثاله:﴾ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى} وقوله أو نفي مثاله} أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ ﴿,﴾ أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ

عِظَامَهُ ﴿,﴾ أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7) {. وقد أطلق المصنف في قوله "أو بحرف نفي", وقد مثلنا بورود ذلك في (لا) و (لن) و (لم), ولا يحفظ ذلك جاء في (ما) ولا في (إن) ولا في (لما), فينبغي ألا يقدم على جواز ذلك حتى يسمع, على أن بعض شيوخنا مثل جواز ذلك بـ (ما), نحو: علمت أن ما يقوم زيد, وفي (الغرة): وقياس الماضي أن تنفيه بـ (ما) كيلا يلتبس بالدعاء, فتقول: علمت أن ما قام.
واحترز بقوله غالبًا مما ورد بغير فصل, وقد اختلف النحويون في ذلك: فذهب بعضهم إلى أنه لا يرد بغير فصل إلا في ضرورة الشعر, وقال بعضهم: الأحسن الفصل, وقال بعض شيوخنا: إنه يجوز في ضعيف من الكلام حذف قد والسين وسوف في الإيجاب, وقال س: "واعلم أنه ضعيف في الكلام أن تقول: علمت أن تفعل ذلك, أو: علمت أن فعل ذلك, حتى تقول: ستفعل, وقد فعل" انتهى.
قال بعض أصحابنا: "تضعيف س إنما هو ضعف قياس, ولم يجئ في كلامهم إلا ضرورة" انتهى.
وقال بعض أصحابنا: لا يجوز ترك الفصل إلا في ضرورة الشعر أو

قليل من الكلام ينبغي ألا يقاس عليه, ومن شواهد "علمت أن فعل" قوله: وحدث بأن زالت بليل حمولهم كنخل من الأعراض غير منبق وحكي المبرد عن البغداديين: أردت أن يقوم زيد, بلا عوض, وأما قوله تعالى:} لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّه عَلَيْنَا} فهي مصدرية, وقاله المازني, وزعم أبو علي الفارسي أنها مخففة من الثقيلة, استغنوا بـ (لا) قبلها عن العوض.
ومما جاء بغير فصل قوله: علموا أن يؤملون, فجادوا... قبل أن يسألوا بأعظم سول وقول الآخر: يحسب حاديهم إذ ابترعوا... أن لا يجوزون وهم قد أسرعوا وقول الآخر: إني زعيم يا نويـ ـقة إن أمنت من الرزاح

ونجوت من عرض المنون... من الغدو إلى الرواح أن تهبطن بلاد قوم,... يرتعون من الطلاح وقول الآخر: يا صاحبي, فدت نفسي نفوسكما... وحيثما كنتما لاقيتما رشدا أن تحملا حاجة لي, خف محملها وتصنعا نعمة عندي بها ويدا أن تقرآن على أسماء, ويحكما مني السلام وأن لا تشعرا أحدا وقول الآخر: أبينا, ويأبى الناس أن يشترونها ومن يشتري ذا علة بصحيح وقول الآخر: ونحن منعنا بين مر ورابغ من الناس أن يغزى, وأن يتكنف وقول الآخر: وإني لأختار القوا طاوي الحشا محاذرة من أن يقال: لئيم روي بنصب (يقال) ورفعه, حكي الروايتين فيه أبو بكر بن الأنباري

جارٍ التحميل