التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيلصفحات 194-233

-[ص: فصل من المضمر منفصل في الرفع، منه للمتكلم "أنا "محذوف الألف في وصل غير تميم، وقد يقال: هنا، وآن، وأن.
ويتلوه في الخطاب تاء حرفية كالإسمية لفظًا وتصرفًا.
ولفعل نفعل "نحن "، وللغيبة: هو وهي وهما وهم وهن.
ولميم الجمع في الإنفصال ما لها في الإتصال.
وتسكين هاء هو وهي بعد الواو والفاء واللام وثم جائز، وقد تسكن بعد همزة الإستفهام وكاف الجر.
وتحذف الواو والياء اضطرارًا، وتسكنهما قيس وأسد، وتشددهما همدان.]-

ش: لما ذكر المصنف المتصل من المرفوع والمنصوب أخذ في ذكر المنفصل، فبدأ بالمرفوع، وبدأ منه بالمتكلم، فذكر "أنا ". ومذهب البصريين أن الإسم هو الهمزة والنون، وأما الألف بعدها فزائدة، بدليل حذفها في الوصل إذا قلت: / أنا فعلت، وإنما تزاد للوقف كزيادة هاء السكت، وتعاقبهما الهاء كقول حاتم: "هذا فصدي أنه ". ومذهب الكوفيين أنه كله الإسم، بدليل إثبات الألف في قول حميد ابن ثور:

أنا سيف العشيرة، فاعرفوني حميدًا، قد تذريت السناما واختاره المصنف، قال: "والصحيح أن أنا بثبوت الألف وقفا ووصلا هو الأصل، وهي لغة بني تميم، وبذلك قرأ نافع قبل همزة قطع في نحو: (أنا أحيي)، وابن عامر في (لكنا هو الله)، إذ أصله: لكن أنا، ولمراعاة الأصل كانت نون أنا مفتوحة في لغة من أسقطها، وجعل الفتحة تدل عليها، كقولهم: أم والله، ولم فعلت؟ يريد: أما والله، ولأن ما كان على حرفين، وهو مبني، إنما يبنى على السكون ك "من "و "عن ". انتهى ملخصًا.
وقوله: في وصل غير تميم يعني أن تميمًا في الوصل يثبتون الألف كما يثبتونها في الوقف، وأن غير بني تميم يحذفها في الوصل فقط، ويثبتها في الوقف، وهذه اللغة هي لغة الحجاز، نص عليها الفراء.
وأما "أنا "بإثباته وقفًا ووصلاً فذكر المصنف أنها لغة بني تميم، ونقل الفراء أن من قيس وربيعة من يقول هذه اللغة، قال: وأنشدني بعضهم لأبي النجم:

أنا أبو النجم إذا قل العذر وأما "هنا "فالهاء بدل من الهمزة، كما قالوا في إياك: هياك.
وأما "آن "فقال الفراء: بعض العرب يقول: "آن قلت ذلك "، يطيل الألف الأولى، ويحذف الآخرة.
و "آن قلت ذاك "في قضاعة على وزن عان.
وقوله: "يطيل الألف "يدل على أنه إشباع، والإشباع يكون غالبًا في الضرورة، وجعله المصنف من باب المقلوب كقولهم في رأي: راء.
وأما "أن "فحكاها قطرب.
وقوله: ويتلوه في الخطاب أي: ويتلو أن، وهي اللغة الأخيرة التي ذكرناها في أنا.
وقوله: تاء حرفية كالإسمية لفظًا وتصرفًا تقول: أنت أنت أنتما أنتم أنتن، كما قلت: ضربت ضربت ضربتما ضربتم ضربتن.
وهذا الذي ذهب إليه المصنف من أن المضمر هو "أن "وأن التاء حرف خطاب لا اسم هو مذهب البصريين، فهو عندهم مركب من اسم وحرف، ولذلك غذا سموا به حكوه، فقالوا: قام أنت، ورأيت أنت، ومررت بأنت.
وذهب الفراء إلى أن "أنت "بكماله هو الإسم، قال الفراء: أخذت التاء من قولك: ذهبت، فضمت إليها أن، وجعلا اسمًا واحدًا.
وذهب ابن كيسان إلى أن التاء هي الإسم، وهي التي كانت في

فعلت، وكثرت بـ"أن ". وهذا الذي أختاره لأنه قد ثبتت اسمية التاء في ضربت وفروعه بلا خلاف، وفائدتها هنا في أنت وفروعه فائدة فعلت وفروعه، ولم يثبت في كلام العرب أن التاء للخطاب فيحمل عليه هذا، وقد ثبتت الإسمية، فيحمل هذا عليه، ولا يمكن أن يكون "أن "الضمير هو ضمير الخطاب زيد عليه حرف خطاب للتدافع؛ لأنه من حيث هو موضوع للمتكلم ينافي الخطاب، ومن حيث التاء تدل على الخطاب تنافي التكلم، فالذي نختاره هو أن "أن "المكثر به التاء حتى يصير ضميرًا مستقلاص منفصلاً هو غير/ ضمير المتكلم، وأنه وافقه لفظًا لا مدلولاً، وهذا نظير ما قال بعضهم في "إياك "، وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله.
وذهب بعض المتقدمين إلى أن "أنت "مركبة من ألف أقوم ونون نقوم وتاء قمت، وأن "أنا "مركب من ألف أقوم ومن نون قمنا.
وهذا قول ينبغي أن لا يتشاغل به.
وفي التثنية أنتما زيدت الميم تقوية كما في المتصل، والألف أصلية، وضمت التاء هنا لأنهم لا يحتاجون إلى الفرق لعزمهم على الإشتراك، وكانت الضمة لأنها حركة ما لا يكون في الأصل.
وفي الجمع أنتمو، والواو أصلية، وتحذف كما تحذف في المتصل.
وفي المؤنث أنتن، والنون الأولى زائدة، وضمت التاء هنا وإن كان لا اشتراك في هذا الجمع لأن التفرقة قد حصلت بالنون.
وقوله: ولفاعل نفعل نحن قال الفراء وثعلب: لما تضمن معنى

التثنية والجمع قوي، فأعطي أقوى الحركات كما ضموا "حيث "حيث قالوا: الخضب حيث المطر، فتضمنت محلين.
وكذا قبل وبعد عند الفراء، لما تضمنا معناهما في أنفسهما ومعنى المحذوف بعدهما حملتا أثقل الحركات.
وقال هشام: الأصل نحن، فقلبت حركة الحاء على النون، وأسكنت الحاء.
وقال أبو العباس: نحن مثل قبل وبعد لأنها متعلقة بشيء، وهو الإخبار عن اثنين وأكثر، فأشبهت قبل وبعد.
وقال أبو إسحاق: "نحن لجماعة، ومن علامة الجماعة الواو، والضمة من جنس الواو، فلما اضطروا إلى حركة نحن لإلتقاء الساكنين حركوها بما يكون للجماعة ". قال: "ولهذا ضموا واو الجماعة في: (اشتروا الضلالة) ". وقال علي بن سليمان: "نحن للمرفوع، فحرك بما يشبه الرفع "انتهى ما نقلناه في تعليل بناء "نحن "على الضم، وهو تعليل وضع، وليس فيه كبير فائدة.
وقوله وللغيبة هو وهي هو للمذكر، وهي للمؤنث.
والمعروف عند البصريين أن الإسم هو وهي بجملتهما، وليست الواو والياء زائدة للمد

لأنها متحركة، ولو كانت للمد لم تحرك كما في ضربة، ولذلك ثبتت في الوقف، وتبين حركتها بالهاء نحو: "هوه "كما يوقف على النون في ضربهن، لكنها قد تشبه بالمتصل المنصوب، فتحذف في الضرورة.
وذهب الكوفيون وابن كيسان والزجاج إلى أن الهاء من هو وهي هي الإسم، والواو والياء مزيدان للتكثير.
وتأوله ابن كيسان على س لأن س أنشد: بيناه في دار صدق، قد أقام بها............................... وأنشد: دار لسعدي إذ هـ من هواكا فحذف الواو والياء، فدل على أنهما زائدان على لغة من قال: هو وهي.
قال ابن كيسان: ويدل على ذلك حذفها في التثنية، تقول: هما قاما.
وبذلك استدل الكوفيون.
وهو ضعيف لأن التثنية والجمع ألفاظ مُرْتَجَلَة،

قالوا: والأصل هو ما، وهو مو، فحركت الواو بالضم، كما فعلوا في تاء أنتما وأنت، فاستثقلوا الضمة عليها، فحذفوها، فسكنت، فحذفت استخفافًا، وحذفت الواو من همو، ولم تحذف الألف من هما.
/ والميم في هما وهمو زائدة.
وحكي عن أبي علي أنه قال: هما وهم ضمير بجملته.
ولم يجعل الميم زائدة.
وجمع المؤنث: هن، وأصله هون، والنون الأولى كالميم، والثانية كالواو، ولم يحذفوا النون كما قالوا هم لأنها ليست بحرف مد.
وقوله: ولميم الجمع في الإنفصال ما لها في الإتصال أي: حكم أنتم في تسكين الميم وإشباعها واختلاس الحركة حكم ضربتم، إلا أن ميم أنتم لا يجيء فيها خلاف يونس في ضربتموه لأنه لا يتصل به الضمير.
وقوله: وتسكين هاء هو وهي بعد الواو والفاء واللام وثم جائز هو وهي بناؤهما على حركة مخالف لما جاء من الأسماء على حرفين، فإنه بني على السكون، وإنما بني على حركة ما بناؤه عارض كاسم "لا "والمنادى وما حذف منه حرف كأنا على مذهب من يجعل الألف من أصل الكلمة.
وتسكين أولهما بعد هذه الحروف مخالف أيضًا لنظائرهما، فأما بناؤهما على حركة فسببه أنهم قصدوا امتيازهما من ضمير الغائب المتصل؛ ألا ترى أنك تقول: ضربه، ومر به، فإذا أشبعت الحركة صار مشبهًا لهو وهي لو بنيا على السكون، فالتبس المنفصل بالمتصل.
وأما تسكين الهاء ففرار من مخالفة النظائر؛ إذ ليس في الكلمات ما هو على حرفين متحركين ثانيهما حرف لين غيرهما، فقصد تسكين أحدهما، فكان ثانيهما أولى، إلا أنه يلبس المنفصل بالمتصل، فعدل إلى تسكين الأول مع الحروف المذكورة لأنها كثيرة الإستعمال وبمنزلة الجزء مما تدخل عليه، أعني

الواو والفاء واللام، وألحقت بها ثم، وقد قرئ بها في السبعة.
هذا تعليل المصنف في الشرح، وفيه بعض تلخيص واختصار، وهو تعليل لا يحتاج إليه.
وتسكين هاء هو وهاء هى لغة أهل نجد، والتثقيل لغة الحجاز، والتخفيف أكثر في كلام العرب، وذلك فيما قبلة الواو والفاء واللام، شبهوا فهو يرحل، وفهي بهرم، فخففوا.
وقوله: وقد تكسن بعد همزة الاستفهام وكاف الجر مثاله قول الشاعر: فقمت للطيف مرتاعا، فأرقني فقلت: أهي سرت أم عادني حلم وقول الآخر: وقد علموا ما هن كهي، فكيف لي سلو، ولا أنفك صبًا متيما وذكر المصنف في الشرح أن السكون مع الهمزة والكاف لم يجئ إلا في الشعر، وقرأ أبو حمدون: (لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي)، وقرئ أيضًا

(أَنْ يُمِلَّ هُوَ) بسكون الهاء وهي قراءة شاذة.
وقوله: وتحذف الواو والياء اضطرارًا مثال ذلك قول الشاعر: بيناه في دار صدق قد أقام بها حينًا يعللنا وما نعلله وقوله الآخر: سالمت من أجل سلمى قومها، وهم عدا، ولولاه كانوا في الفلا رمما وقوله: وتسكنها قيس وأسد لم تبال قيس وأسد بالتباس المنفصل بالمتصل/ لأن ذلك نادر، والغالب أن موضع المنفصل يدل عليه، فيؤمن التباسه بالمتصل.
ومما يلتبس لصلاحية المتصل والمنفصل فيه قولك: من أعطيته زيد، ومن لم أعطه هند، فيجوز أن يراد الاتصال، فتكون الهاءات مفعولين، ويجوز أن يراد بهما الانفصال على لغة قيس وأسد، فيكونان مبتدأين، والعائد محذوف، والأصل: من أعطيته هو زيد، ومن لم أعطها هي هند.
وقال الفراء: بنو أسد يسكنون الياء والواو من هي وهو في الوصل والقطع، سمعتها كثيرًا من بني ذبيان وغيرهم من أسد، كما قال عبيد:

أخلف ما بازلًا سديسها لا حقه هي ولا نسوب ولا يجوز التخفيف في لغة أسد لئلا يجتمع ساكنان.
انتهى.
يغني إذا دخل على الهاء من هو وهي الواو والفاء واللام لا يجوز تسكين الهاء.
وأنشدوا على هذه اللغة قول الشاعر، وهو مرة بن الرواع من بني أسد: لماجد شهد الإمجاد والده... فأوجهوه فهو بالجاه مبتهج وعلى هذه اللغة قول الآخر: أدعوته بالله، ثم قلتلته لو هو دعاك بذمة لم يغدر قول الأخر: وركضك لولا هو لقيت الذي لقو فأصبحت قد جاورت قومًا أعاديًا وقول الآخر: إن سلمى هي التي لو تراءت حبذا هي من خلة لو تخالي وفي الإفصاح: أنكر الزجاج سكون الواو والياء في هو وهي؛ لأن كل مضمر حركته إذا انفرد الفتح نحو أنا، فكما لا يستقيم سكون هذه النون كذلك لا تسكن هذه الواو.
ورد عليه أبو علي بسكون النون في أنت لأن التاء حرف خطاب، وقال: "لا يمتنع سكونها إن وردت بذلك رواية عن ثقة".
وقال: "الوجهات متكافئتان في العمل إلا أن الفتح هو المشهور نقلًا" انتهى.

وقال زهير" وهو غيث لنا في كل عام يلوذ به المخول والعديم وقال آخر: ولكنما هو لا مرئ ذي حفيظة إذا مال لم ترعد إليه خصائله وقوله وتشددهما همدان قال أبو جعفر النحاس: حكي الكوفيون هو وهي بالتشديد، وقال الشاعر: وإن لساني شهدة يشتفي بها وهو على من صبه الله علقم وقال الآخر: تخاطاه الحتوف، فهو جون كناز اللحم فائله رديد وقال آخر: فالنفس إن دعيت بالعنف آبيه وهي ما أمرت باللطف تأتمر ص: ومن المضمرات "إيا" خلافًا للزجاج، وهو في النصب كأنا في

الرفع، لكن يليه دليل ما يراد به من متكلم أو غيره اسمًا مضافًا إليه وفاقًا للخليل والأخفش والمازني، لا حرفًا، خلافًا لسيبويه ومن وافقه، ويقال: إياك وأياك وهياك وهياك.
ش: في المنفصل المنصوب خلاف: فمن النحويين من ذهب إلى أن "إيا" هو الضمير، والمتصل به حروف تبين أحوال الضمير، وهو مذهب س، واختاره الفارسي، وعزاه صاحب البديع إلى الأخفش.
ومنهم من ذهب إلى أنه ضمير، وتلك اللواحق ضمائر، أضيف إليها الضمير الذي هو إيا، وهو اختيار المصنف، وعزاه إلى الخليل والأخفش والمازني.
ومنهم من ذهب إلي أنه بجملته هو الضمير، أعني إيا ولواحقه، ونسب إلى الكوفيين.

ومنهم من ذهب إلى أن اللواحق هي الضمائر، وإيا دعامة زيادة، تعتمد عليها اللواحق لينفصل عن المتصل، وهو مذهب الفراء.
ومنهم من ذهب إلى أن إيا اسم ظاهر، واللواحق ضمائر أضيف إليها إيا، وهن في موضع خفض بالإضافة، ونسبه ابن عصفور إلى الخليل.
فأما المذهب الأول- وهو مذهب س- فهو الذي صححه أصحابنا وشيوخنا.
وأما الثاني- وهو اختيار المصنف- فاستدل على أن إيا هو الضمير بأنه يخلف الضمير المتصل عند تعذره كالتقديم على العامل، كما خلف ضمير الرفع المنفصل ضمير الرفع المتصل عند تعذره، فنسبه المنفصلين من المتصلين نسبة واحدة، ولأن بعض المرفوعات كجزء من رافعه، وقد ثبت لضميره منفصل، فثبوت ذلك لضمير النصب أولى، إذا لا شيء من المنصوبات كجزء من ناصبه، ولأن إيا لا يقع في موضع رفع، وكل اسم لا يقع موضع رفع فهو مضمر أو مصدر أو ظرف أو حال أو منادى، ومباينة إيا لغير المضمر متيقنة، فتعين كونه مضمرًا.
ولأن إيا لو كان ظاهرًا لكان تأخره عن العامل واتصاله به جائزًا بل راجحًا على انفصاله عنه وتقدمه عليه كحال غيره من المنصوبات الظاهرة، والأمر بخلاف ذلك، فامتنع كونه ظاهرًا، ولزم كونه ضميرًا، لكنه وضع بلفظ واحد، فافتقر إلى وصله بما يبين المراد به من الكاف وأخواتها، وهي ضمائر مجرورة بالإضافة لا حروف.

انتهى ما ذكره المصنف في الاستدلال على أن إيا هو ضمير/ لا ظاهر.
وما ذكره لا يدل.
أما أولًا فلا نسلم أن إيا وحده خلف الضمير المتصل عند تعذره، بل مجموع إيا وما بعده من اللواحق هو الذي خلف الضمير المتصل عند تعذره.
وأما قوله: "ولأن المرفوعات كجزء من رافعه" فقد منع المصنف ذلك، ولو سلمنا له ذلك قوله: "وقد ثبت لضميره منفصل فثبرت ذلك لضمير النصب أولى" فنحن نقول بهذا إلا أنه لا يتعين أن يكون ضمير النصب هو إيا وحده.
وأما قوله: "ولأن إيا لا يقع في موضع رفع، وكل اسم إلى آخره، فلا نسلم حصر ما لا يقع في موضع رفع فيما ذكر.
وأما قوله: "ولأن إيا لو كان ظاهرًا لكان إلى آخره" فلا أسلم ملازمة ذلك؛ بل هو ظاهر، لكنه اقترن به ما أوجب له التقدم على العامل وأن لا يتصل به، وهو اللواحق به، ثم لبعض الظواهر خصوصيات تلزمها، ولا تجوز في غيرها.
واستدل المصنف على أن هذه اللواحق مضمرة بأنه يخلفها الاسم المجرور بالإضافة، روى الخليل: " إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب".
وبأنها لو كانت حروفًا، وكانت الكاف في إياك حرفًا لاستعملت على وجهين: مجردة من لام، وتاليه لها، كما استعملت مع ذا وهنا، ولحاقها مع إيا أولى لأنها كانت ترفع توهم الإضافة، فإن ذهاب الوهم إليها مع إيا أمكن منه مع ذا لأن إيا قد يليها غير الكاف، ولذا لم يختلف في حرفية

كاف "ذاك" بخلاف كاف "إياك".
ولأنها لو كانت حرفًا لجاز تجريدها من الميم في الجمع كما جاز في: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ﴾، وفي: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾.
ولأنها لو كانت اللواحق حروفًا لم يحتج إلى الياء في إياي كما لم يحتج إلى التاء المضمومة في أنا، ولأن غير الكاف من لواحق إيا مجمع على اسميتها مع غير إيا، مختلف في اسميتها معها، فلا يترك ما أجمع عليه لما اختلف فيه، ثم تلحق الكاف بأخواتها ليجري الجميع على سنن واحد.
ولأن الأصل عدم اشتراك اسم وحرف في لفظ واحد، وفي القول باسميه اللواحق سلامة من ذلك، فوجب المصير إليه.
انتهى ما استدل به المصنف على اسميه هذه اللواحق.
وما استدل به ولا يدل على ذلك.
أما كونها يخلفها الاسم مجرورًا فذلك من الندور والشذوذ بحيث لا يقاس عليه قال بعض أصحابنا: بل لنا أن نقول: هذه المضافة إلى الظاهر ليست بإيا من إياك وإن اتفقتا في اللفظ، بل هي اسم ظاهر مثلها في قوله: دعني وإيا خالد... فلا قطعن عرا نياطه وأما كون الكاف لا تلحقها اللام كما لحقت مع ذا وهنا فليس بلازم؛ ألا ترى لحاق الكاف في: النجاءك، ورويدك زيدًا، ولا تلحق معها اللام، لا يقال: النجاءلك، ولا رويدلك زيدًا.
وأما قوله: "لو كانت حرفًا لجاز تجريدها من الميم في الجمع كما جاز في (فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ) " فلا يلزم؛ ألا ترى أن الكاف اللاحقة ل "أرأيت" هي حرف خطاب على أصح المذاهب، ولا يكتفي بها وحدها

دون الميم في الجمع، لا تقول: أرأيتك يا زيدون إن كان كذا ما تقولون، بل تقول: أرأيتكم.
وأما/ قوله: "لو كانت حروفًا لم يحتج إلى الياء في إياي كما لم يحتج إلى التاء المضمومة في أنا" فلا يلزم ذلك لأن المنفصل المرفوع مباين بالكلية للمرفوع المتصل، فتميز بنفسه، ولم يحتج إلى التاء.
وأما الياء في إياي فهو الضمير المتصل في الأصل، زيد عليه إيا حتى صار منفصلًا، فلذلك احتيج إلى اجتماعهما حتى يصير منفصلًا.
وأما كون اللواحق مجمعًا على اسميتها مع غير إيا مختلفا في اسميتها معها فهو صحيح، وإلى ذلك نذهب، وهو مذهب الفرء، لأنه قد ثبتت اسميه هذه اللواحق حين كن متصلات، فهي باقية على اسميتها، ولما أرداوا أن يجعلوها منفصلات زادوا عليها إيا، وعمدوها بها، أي: قووها بهذه الزيادة لتستقل بالانفصال، كما بحثناه في أنت وفروعه من أن الضمير هو التاء، وأن "أن" تقويه لها ليعتمد عليه حتى يصير منفصلًا.
وأما قوله: "ولأن الأصل عدم الاشتراك في اسم وحرف" فنحن لا نذهب إلى ذلك، ولا اشتراك فيما ذهبنا إليه.
وقال من رد على هذا المذهب من أن اللواحق هي الضمائر وإيا دعامة بأنه فاسد لأنه لا يسوغ أن يكون الاسم دعامة.
ونحن لا نذهب إلى أن لفظ إيا حين كونه دعامة اسم، بل نقول: إن لفظ زيد على اللواحق، صيرها ضمائر منفصلات، يجوز أن تأتي في أول الكلام، بخلاف حالها إذا لم يكن معها إيا، فإنها لا بد أن تكون متصلة بالعامل، ولا تتقدم أول الكلام، وإيا لفظ إما اسم مضمر أو مظهر، أو لفظ زيد على الضمائر المتصلة لتصير منفصلة على اختلاف المذاهب، ليس مشتقًا من شيء.
وذهب أبو عبيدة وغيره إلى أنه مشتق.
وإذا قيل بالاشتقاق فاشتقاقه من

لفظ: "أو" من قوله: فأو لذكراها إذا ما ذكرتها.................... فيكون من باب قوة.
أو من الآية، فتكون عينها ياء لقوله: لم يبق هذا الدهر من آيائه قولان.
وهل وزنه إفعل وأصله إأوو أو إأوى، أو فعيل وأصله: إويو أو إويي، أو فعول وأصله إووو أو إويي، أو فعلى فأصله إويا أو إووى؟ أقاويل، كلها ضعيفة.
ولمل ذهب المصنف إلى أن إيا مضمر، وأضيف إلى مضمره، وكان النحويون قد ذكروا أن المضمرات وأسماء الإشارة لا تضاف، أورد المصنف سؤالًا، فقال: "فإن قيل: هذه الوجوه مؤدية إلى إضافة إيا، وهي ممتنعة من وجهين: أحدهما: أن إيا لو كان مضافًا لم تخل إضافته من قصد تخفيف أو تخصيص، فقصد التخفيف ممتنع لأنه مخصوص بالأسماء العاملة عمل

الأفعال، وإيا ليس منها.
وقصد التخصيص ممتنع أيضا لأن إيا أحد الضمائر، وهي أعرف المعارف، فلا حاجة بها إلي تخصيص.
الثاني: أن إيا لو كان مضافا لكانت إضافته إضافة الشيء إلي نفسه، وهي ممتنعة.
والجواب أن يقال: أما إضافة التخفيف فمسلم امتناعها من إيا، وأما إضافة التخصيص فغير ممتنعة، فإنها تصير المضاف معرفة إن كان قبلها نكرة، وإلا ازداد بها وضوحا كما يزداد بالصفة، / كقول الشاعر: علا زيدنا يوم النقا رأس زيدكم بأبيض ماضي الشفرتين يمان فإضافة "زيد" هنا أوجبت له من زيادة الوضوح مثل ما يوجب وصفه إذا قيل: علا زيد الذي منا زيدا الذي منكم، فكما قبل زيادة الوضوح بالصفة قبل زيادة الوضوح بالإضافة من غير حاجة إلي انتزاع تعريفه، وقد يضاف علم لا اشتراك فيه علي تقدير وقوع الاشتراك المحوج إلي زادة الوضوح، كقول ورقة بن نوفل: ولوجا في الذي كرهت قريش ولو عجبت بمكتها عجيجا فإذا جازت إضافة مكة ونحوها مما لا اشتراك فيه فإضافة ما فيه الاشتراك أولي بالجواز كإيا، فإنه قبل ذكر ما يليه صالح أن يراد به واحد من اثني عشر معني، فالإضافة إذا له صالحة، وحقيقته بها واضحة، وكان انفرادها بالإضافة دون غيرها من الضمائر كانفراد "أي" بها دون سائر الموصولات، ورفعوا توهم حرفية ما تضاف إليه بإضافتها إلى الظاهر في

قولهم: "فإياه وإيا الشواب"، والاحتجاج بهذا للتخليل علي س شبيه باحتياج س علي يونس بقول الشاعر: دعوت لما نابني مسورا فلبي، فلبي يدي مسور لأن يونس يري أن ياء "لبيك" ليست للتثنية، بل هي كياء "لديك"، فاحتج س بثبوت ياء "لبي" مع الظاهر، ولو كانت كياء "لدي" لم تثبت إلا مع المضمر، كما أن ياء "لدي" لا تثبت إلا مع المضمر.
وأما إلزامهم بإضافة إيا إضافة الشيء إلي نفسه فنلتزمها معتذرين بما اعتذر عنها في نحو: جاء زيد نفسه، وأشباه ذلك".
وقد انتهي سؤال المصنف وجوابه.
والذي يقطع ببطلان ما ذهب إليه من أن "إيا" مضمر أضيف إلي ضمير إجماع النحويين علي أن المضمر مبني علي الإطلاق، فيدخل فيه الضمير المنفصل المنصوب، وسواء أكان الضمير نفس "إيا"، واللواحق بعده حروف، أم اللواحق، وإيا مزيد يصير به المتصل منفصلا، أم هما، أم كلا منهما، فلو كان "إيا" هو الضمير، وقد أضيف إلي الضمير، لزم إعراب "إيا" كما لزم إعراب "أي" لأنها إضافة لازمة، وإعرابه يكون أوضح من إعراب "أي" لأن "أيا" تنفك عن الإضافة لفظا، وإيا لا ينفك عن الإضافة أصلا، ولا ينطق به علي زعم المصنف إلا مضافا لضمير، وقد نص النحويون علي أن سبب إعراب "أي" دون سائر الموصولات إنما هو لزوم الإضافة، وأن نفس لزوم الإضافة موجب للإعراب، ولم يذهب أحد من النحويين إلي أن "إيا" من قولهم "إياك" وأمثاله معربة، فبطل ما ادعاه من أن "إيا" مضمر أضيف إلى

مضمر.
وقد طال بنا الكلام في "إيا" ولواحقه، وليس في ذلك كبير فائدة، وإنما حصل أن "إيا" ولواحقه ضمير نصب منفصل/، وما سوي ذلك مما تكلم فيه تكثير وتطويل قليل الجدوي، لكنها أشياء يؤدي إليها علم الصناعة النحوية، ويقال: إنه لا يوصل إلي حقائق الأشياء إلا بالكلام الذي فيه زيادة علي ما تقتضيه تلك الصناعة مما كنت تستغني عنه.
وأبطل أصحابنا مذهب الخليل بأنه لو كان المضمر ما بعد "إيا" لم يمنع من وقوعه بعد العامل مانع، وكنت تقول: ضربت إياك، وكونهم لا يقولون ذلك، ولا يتكلمون به إلا متصلا، دليل علي أن المضمر إنما هو إيا.
وكأن الخليل لما وجده مضافا إلي الضمير في "إياه وإيا الشواب" قضي بأنه لو كان مضمرا لما أضيف، وهذا غير قادح لأن إيا هذه ليست تلك، وهذه بمعني حقيقة، كأنه قال: فإياه وحقيقة الشواب.
قالوا: ومما يدل علي فساده أنه لم يثبت قط اسم ما لزم إعرابا ما في غير المصادر والظروف، وليس مخصوصا بباب نحو: "ايمن الله" في القسم.
وأبطلوا مذهب الكوفيين بأن الزائد لا يكون جل الاسم، إنما يكون أقل.
وقوله: ويقال: أياك وإياك وهياك وهياك قال المصنف: "أغرب لغاتها تخفيف الياء" انتهي.
فأما "إياك" فهي اللغة المشهورة، وبها قرأ الجمهور، وقرأ الفضل الرقاشي بفتح الهمزة وتشديد الياء: {أَيَّاك

نَعْبُدُ}، وقرأ عمرو بن فائد: (إياك) بكسر الهمزة وتخفيف الياء، وقرأ أبو السوار الغنوي: (هياك) بفتح الهاء وتخفيف الياء، وقرئ: (هياك) بكسر الهاء وتخفيف الياء.

-[ص: فصل يتعين انفصال الضمير إن حصر بإنما، أو رفع بمصدر مضاف إلي المنصوب أو بصفة جرت علي غير صاحبها، أو أضمر العامل، أو أخر، أو كان حرف نفي، أو فصله متبوع، أو ولي واو المصاحبة، أو إلا، أو إما، أو اللام الفارقة، أو نصبه عامل في مضمر قبله غير مرفوع إن اتفقا رتبة، وربما اتصلا غائبين إن لم يشتبها لفظا.]-

ش: ذكر المصنف أنه يتعين انفصال الضمير في اثنتي عشرة صورة، وبدأ أولا بصورة مختلف فيها، وهو قوله: "إن حصر بإنما"، وأنشد: أنا الفارس الحامي الذمار، وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي وهذه صورة اختلف فيها كما ذكرنا: فذهب س إلي أن فصل الضمير بعد "إنما" هو ضرورة، وأن الفصيح اتصاله.
وذهب الزجاج إلي أن فصله ليس بضرورة.
وذهب المصنف إلي أنه متعين الانفصال.
فأما الزجاج فادعي أنه غير ضرورة لما كان عنده في معني المحصور بحرف النفي وإلا، فكما ينفصل بعد إلا فكذلك ينفصل بعد إنما.

وأما س فلم يلفظ ما لحظه الزجاج من مراعاة الحصر، ولعل ذلك عنده إنما كان لأجل أن "إنما" لا تفيد الحصر وضعا، كما أن كأنما وليتما لا تفيدان حصر التشبيه ولا حصر التمني.
قال أصحابنا: "والصحيح أن الفصل ضرورة؛ إذ لو كان هذا الموضع موضع فصل الضمير لوجب أن لا يؤتي/ به إلا منفصلا، كما لا يجوز ذلك مع إلا، فقول العرب "إنما أدافع عن أحسابهم" وأمثاله دليل علي أنه من مواضع الاتصال وأن الانفصال فيه ضرورة".
وقال أبو الفضل القاسم بن علي البطليوسي في شرح كتاب س ما نصه: "وأما الاسم الذي يكون في معني المقرون بإلا فالزجاج يجوز: إنما ضرب زيدا أنا، وس جعله ضرورة، وهو أسد لأنك تقدر علي الاتصال فلا تفصله، بخلاف إلا؛ إذ لا يمكن أن يتصل بها ضمير، وتكون القرائن تبين أن الفاعل هو المحصور، أو تبين أن المحصور هو المفعول علي حسب المواضع، فقياس ذلك علي إلا خطأ، ولأنه لا مانع هنا من الاتصال فالصحيح ما قال س" انتهي.
وقال المصنف في الشرح: "ومن ذلك قول الراجز: كأنا يوم قري إن ما نقتل إيانا"

يعني "ومن ذلك" أي: مما انفصل لكونه محصورا بإنما، قال: "وقد وهم الزمخشري في قوله: "إنما نقتل إيانا" فظن أنه من وقوع المنفصل موقع المتصل، وليس كذلك لأنه لو أوقع هنا المتصل، فقال "إنما نقتلنا" لجمع بين ضميرين متصلين، أحدهما فاعل، والآخر مفعول، مع اتحاد المسمي، وذلك مما تختص به الأفعال القلبية.
وغر الزمخشري ذكر س هذا البيت في باب ما يجوز في الشعر من إيا، ثم قال: "فمن ذلك قول حميد الأرقط: إليك حتي بلغت إياكا فهذا ونحوه مخصوص بالشعر لأنه لولا انكسار الوزن لقال: حتي بلغتك.
ثم ذكر البيت الذي أوله: "كأنا" لا لأن ما فيه لا يجوز إلا في الشعر، بل لأن "إيانا" وقع فيه موقع "أنفسنا"، فبينه وبين الأول مناسبة من قبل أن "إيا" في الموضعين وقعت موقعا غيره به أولي، لكن في الثاني من معني الحصر المستفاد بإنما ما جعله مساويا للمقرون بإلا، فحسن وقوع إيا فيه كما يحسن بعد إلا.
وهذا مطرد، فمن اعتقد شذوذه فقد وهم" انتهي كلامه.
وجعل البيت نظير قوله: ........... وإنما يدافع عن أحسابهم أن أو مثلي وقال أبو بكر يحيي بن عبد الله الجذامي في شرح كتاب س: "قال

الزجاج: يمكن أن لا يكون هذا البيت - يعني قول حميد - من الضرورة، وذلك بأن تريد: بلغتك إياك، ثم حذف المفعول المؤكد بإياك.
وهذا غلط لأنه لا يخرجه ذلك عن الضرورة؛ لأنه لو كان علي ما قال لانبغي أن يجوز في الكلام: رأيت إياك، والعرب لم تقله أصلا في الكلام، بل التزمت أن لا تأتي بالضمير المنفصل بعد الفعل مع القدرة علي المتصل، فدل أنها لم تلحظ شيئا من هذا.
وإنما لم تلحظه لأن حذف الشيء وتأكيده قصدان متناقضان، مع ما في هذا الذي قاله من التكلف.
وأما بيت اللص فهو أقل ضرورة لأنه لا يمكنه أن يأتي بالمتصل فيقول نقتلنا؛ لأنه لا يتعدى الفعل الرافع للمضمر المتصل إلي ضميره المتصل أيضا، فلذلك حسن هنا وقوع الضمير المنفصل، لكن كان حقه أن يقول: نقتل أنفسنا، وستري هذا، فلا يخرج بذلك عن الضرورة.
وقال الزجاج: ليس هذا ضرورة، وإنما فصل هنا لأجل إنما، فحمل علي معني الكلام؛ إذ معناه: ما نقتل إلا / إيانا؛ إذ "إنما" تقتضي حصر القتل فيهم، كالنفي وإلا.
وهذا أيضا فاسد لأن الإمام أقعد بكلام العرب، فلو كان ما قال لانبغي أن يكثر ويرد في الكلام، وهو لم يرد إلا في الشعر، فدل ذلك علي أن العرب لم تحمله علي ما ذكر، وليس حمل الكلام علي ما هو في معناه بمطرد، بل تتبع فيه موارد السماع، ولو كان معمولا به في الكلام لما جعله س من ضرائر الشعر".
وقال أبو الفضل البطليوسي في قوله: "إنما نقتل إيانا": "الزجاج يري الفصل جائزا.
وتقدم الرد عليه، فالصحيح أنه كان يقدر على: نقتلنا.

فإن قلت: لا يجوز "نقتلنا" لأنه يكون فيه تعدى فعل المضمر إلي مضمره المتصل، فالفصل هنا واجب لا ضرورة.
قلت: ليس علي ما زعمت، وذلك أنه إنما يكون فيه تعدى فعل المضمر إلي مضمره المتصل إذا جعلت المفعول هو الفعل المضمر في "نقتل"، فيكون المعني: يقتل كلنا كلنا، وليس المعني علي ذلك، وإنما يرد: يقتل بعضنا بعضا، فالأول ليس بالآخر، فليس فيه ما قلت، فالفصل ضرورة".
وقال الأساذ أبو الحسن بن خروف: ليس يريد في "نقتل إيانا" أنه محل المتصل، لكنه مما استغني فيه بالنفس عنهما، وقد ذكره بعد" انتهي.
فهذا نقل أصحابنا في المسألة، نقلوا فيها الخلاف بين س والزجاج، وردوا قاطبة علي الزجاج.
والمصنف لم يذكر خلافا لا في الفص ولا في الشرح، وناهيك من إهمال خلاف بين سيبويه والزجاج.
ومن نظر في كلام س علم أن انفصال الضمير في نحو: "إنما نقتل إيانا" لا يجوز إلا في الشعر دون الكلام، قال س: "هذا باب ما يجوز في الشعر من إيا ولا يجوز في الكلام، فمن ذلك قول حميد الارقط: إليك حتي بلغت إياكا وقال الآخر: كأنا يوم قري إن ما نقتل إيانا قتلنا منهم كل فتي أبيض حسانا" فهذا واضح الدلالة علي أن "إيا" وقعت في الشعر موقعا لا يقع مثله في الكلام.

وشملت الترجمة مسألتين: إحداهما أنها وقعت موقع الضمير المتصل.
والثانية أنها وقعت موقع النفس؛ إذ هو مكان لا يقع فيه المتصل ولا المنفصل؛ لأن "قتل" من الأفعال التي لا يتصل بها الضمير المتصل ولا المنفصل إذا كان الفاعل ضميرا متصلا، فلا يجوز: أن أضربني، ولا: أنا أضرب إياي، بل هذا مما لا يجوز فيه إلا النفس، فتقول: أنا أضرب نفسي.
وأما كلام المصنف في "نقتل إيانا" وتأويله علي س بأن "إيانا" وقع موقع "أنفسنا" فكلام صحيح، لكن تأويله علي أن انفصال الضمير هنا مطرد غير صحيح، بلا لا يأتي هنا لا الضمير المنفصل ولا المتصل، بل النفس كما تقدم.
وقد أولع أكثر أصحابنا المتأخرين بأن "إنما" فيها معني الحصر، حتي أجروا عليها أحكام حرف النفي وإلا.
والذي تقرر في علم النحو أن "ما" الداخلة علي "إن" وأخواتها هي كافة لهن من العمل.
وقال عبد الوهاب المالكي: / إنها إذا دخلت علي إن للحصر والتحقيق.
وزعم الكوفيون أنها تفيد معني النفي والإثبات، وأنشدوا للفرزدق: أنا الضامن الراعي عليهم، وإنما يقاتل عن أحسابهم أن أو مثلي قالوا: معناه ما يدافع عن أحسابهم إلا أنا أو مثلي.
وسيأتي الكلام

على ذلك ممنعا في باب "إن" إن شاء الله.
وما ذهب إليه المصنف من تعيين انفصال الضمير بعد إنما خطأ فاحش وجعل بلسان العرب؛ قال تعالي: ﴿إِنَّمَآ أشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَي اللهِ﴾، وقال: ﴿إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ﴾، وقال: ﴿إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾، وقال: ﴿وَإِنَّمَآ تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، ولو كان علي ما زعم من تعين انفصال الضمير لكان التركيب: إنما يشكو بثي وحزني إلي الله أنا، وإنما يعظكم بواحدة أنا، وإنما أمر أن أن يعبد رب هذه البلدة أنا، وإنما يوفي أجوركم أنتم.
وقوله: أو رفع - يعني الضمير - بمصدر مضاف إلي المنصوب لا يصح هذا علي ظاهرة؛ لأنه لا يضاف المصدر إلي المنصوب، فإنما تأويله: إلي المنصوب معني لا لفظا، ومثاله: عجبت من ضرب زيد أنت، وزيد عجبت من ضربك هو، وقال: بنصركم نحن كنتم ظافرين، وقد أغري العدا بكم استسلامكم فشلا وقوله: أو بصفة جرت علي غير صاحبها مثاله: زيد هند ضاربها هو، وقال الشاعر:

غيلانُ ميَّة مشغوف بها هو مد بدت له، فحجاه بان أو كربا وهو الصورة أجمل فيها المصنف في مكان التفصيل، وأوهم الوفاق في مكان الخلاف.
فأما الأول فإنه إنما برز لأجل العلامة التي لحقت بالنظر إلي التكلم والغيبة والخطاب، فأبرز الضمير منها إذا جرت علي غير من هي له؛ إذ لو لم يبرز لوقع اللبس؛ ألا ترى أنك لو قلت: "هند ضاربها" لم يدر من الضارب؛ إذ يحتمل أن يكون أنا أو أنت، وكذلك: هند ضارباها، أو ضاربوها، إذ يحتمل أنتما أو نحن، أو أنتم أو نحن، فلما دعت الضرورة إلي إبراز الضمير وتوحيد الصفة في جميع الأحوال لأنها لم تتحمل ضميرا، فقلت: هند ضاربها أنت وأنا وأنتما ونحن، ثم حمل ما لا لبس فيه علي ما فيه اللبس، فقيل: زيد هند ضاربها هو، فأبرز الضمير وإن كنت لو لم تبرزه لم يقع اللبس؛ إذ لا يتصور أن يكون فاعل الصفة إلا ضمير "زيد" لئلا تعرو الجملة الواقعة خبرا من رابط.
ولا يجوز استتاره في هذا الموضع إلا أن يكون ضمير تثنية أو جمع، فإن العرب لا تبرزه إذ ذاك لأن اسم الفاعل تجوز تثنيته وجمعه، وفي ذلك دلالة علي الضمير، تقول: مررت برجل قائم أبواه لا قاعدين، ومررت برجل قائم آباؤه لا قاعدين، فلا يحتاج إلي: لا قاعدان هما، ولا قاعدين هم؛ لأن التثنية والجمع أغنت عن ذلك.
فهذا التفصيل الذي أجمله / المصنف في هذه المسألة.
وأما الخلاف فإن الكوفيين ذهبوا إلي أنه لا يلزم انفصال الضمير إلا إذا خيف لبس أو لم تتكرر الصفة، فإن تكررت أو أمن اللبس لم يلزم انفصال الضمير، فيجيزون في: زيد حسنة أمه عاقله هي، وفي: زيد هند ضاربها

هو، أن لا تأتي بالضمير منفصلا، فتقول: زيد حسنة أمه عاقله، وزيد هند ضاربها؛ لأن الصفة تكررت في المثال الأول، واللبس قد أمن في المثال الثاني.
وسيأتي الكلام علي تمام هذه المسألة والاستدلال للمذهبين في باب الابتداء عند تعرض المصنف لها إن شاء الله.
وقد ناقض المصنف كلامه هنا بكلامه في باب المبتدأ؛ لأنه ذكر هنا أنه يتعين انفصال الضمير إذا جرت الصفة علي غير صاحبها، وفي باب الابتداء ذكر أنه "قد يستكن الضمير إذا لم يلبس وفاقا للكوفيين" انتهي.
فعلي هذا قد استثني حالة لم يستثنها هنا، وهو إذا أمن اللبس.
وقوله: أو أضمر العامل أنشد المصنف شاهدا علي ذلك قول الشاعر: فإن أنت لم ينفعك علمك فانتسب لعلك تهديك القرون الأوائل ولم يبين المصنف الفعل المضمر الذي انفصل الضمير لإضماره، وظاهر كلامه أنه أضمر فعلا يفسره قوله: "لم ينفعك"، ولا يصح ذلك لأنه لو حمل أنت علي الببي المرفوع الذي هو "علمك" لأدى إلي تعدى فعل المضمر المتصل إلي ضميره المتصل؛ ألا ترى أنك لو وضعت "أنت" مكان "علمك" لكان التقدير: فإن لم تنفعك.
ولا يجوز حمله أيضا علي الكاف في "ينفعك" لأنه لو فعل ذلك لنصب، فقال: فإن إياك.
وإذا امتنع أن يحمل "أنت" علي "علمك" وعلي الكاف لما ذكرناه، فاختلف الناس في تخريجه: فذهب الأستاذ أبو الحسن بن عصفور وبعض شيوخنا إلى أنه

فاعل بفعل محذوف يفسره المعني، ويدل عليه، والمسألة خارجة من باب الاشتغال، كأنه قال: فإن ضللت لم ينفعك علمك، فأضمر ضللت لفهم المعني، وبرز الضمير لما حذف الفعل.
وخرجه السهيلي علي وجهين: أحدهما: أن يكون "أنت" مبتدأ، وذلك علي ما أجازه س من جواز الرفع بالابتداء بعد أداة الشرط و "إذا" إذا كان في الجملة التي هي مطلوب الشرط فعل هو خبر، نحو: إن الله أمكنني من فلان.
والذي سهل هذا وجود الفعل في الجملة الشرطية، فكأن حرف الشرط لم يعدم الفعل وإن وليه الاسم المبتدأ.
والوجه الثاني: أن يكون "أنت" في موضع نصب، وهو مما وضع فيه الضمير المرفوع موضع الضمير المنصوب، كما وضعوا المنصوب موضع المرفوع، قالوا: لم يضربني إلا إياه، وفي الحديث: "من خرج إلي الصلاة لا ينهزه إلا إياها"، وفي المحكي من كلام العرب: إذا هو إياها، وإذا هي إياه.
وقوله: أو أخر مثاله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾.

وقوله: أو كان حرف نفي مثاله: ﴿ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ﴾، ﴿وما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾، وقال الشاعر: إن هو مستوليا علي أحد إلا علي أضعف المجانين / وقوله: أو فصله متبوع مثاله: جاء عبد الله وأنت، وقوله تعالي: ﴿لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ﴾، وقوله: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾.
ومثل س أيضا بقوله: كنا وأنتم ذاهبين، وأنشد: مبرأ من عيوب الناس كلهم فالله يرعي أبا حرب وإيانا وأنشد غيره: ولكني خشيت علي عدي سيوف القوم أو إياك حار وقد خالف في ذلك بعض أصحابنا، فقال: "وقال: الانفصال في

وإيانا أو إياك في البيتين لم يجز إلا الضرورة لأجل الوزن؛ لأنه لا يقدر علي الاتصال، فإنما فصل ضرورة، ولو كان في الكلام لم يجز، خلافا لسيبويه" انتهي.
وقد رددنا هذا القول في باب العطف.
وقوله: أو ولي واو المصاحبة مثاله قوله: فآليت لا أنفك أحدو قصيدة تكون وإياها بها مثلا بعدي وقال الآخر: فكان وإياها كحران لم يفق............................. وقوله: أو إلا ﴿أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلَّآ إِيَّاهُ﴾، وقال: قد علمت سلمي وجاراتها... ما قطر الفارس إلا أنا ويأتي الكلام في الضمير الواقع بعد إلا بعيد هذا، إن شاء الله.
وقوله: أو إما مثاله: قام إما أنا وإما أنت، وقال الشاعر:

بك أو بي استعان فليل إما أنا أو أنت ما ابتغي المستعين وقوله: أو اللام الفارقة مثاله: إن ظننت زيدا لإياك، وقال الشاعر: إن وجدت الصديق حقا لإيا ك، فمرني، فلن أزال مطيعا وقال المصنف: "وقال الأخفش في كتاب المعاني بعد أن مثل بإن كان زيد لصالحا: فإن جئت في هذا القياس بفعل لا يحتاج إلي مفعول أوقعت اللام علي اسم الفاعل، فقلت: إن قام لزيد، وإن كان الاسم مضمرا قلت: إن قعد لأنا، إذا لم تصل إلي التاء جعلتها أنا إذا عني المتكلم نفسه، وأنت إذا عني غيره، وكذلك: إن قام لنحن" انتهي.
وكذا قال في النسخة الوسطي من نحوه.
وهذا لا يتم إلا علي مذهب الكوفيين حيث جوزوا ذلك، ووافقهم الأخفش علي ذلك، وتويزهم ذلك هو علي تأويل أن "إن" نافية، واللام بمعني إلا.
وأما علي مذهب جمهور البصريين فلا يجوز ذلك عندهم إلا في الفعل الناسخ للابتداء؛ لأنها عندهم "إن" المخففة من الثقيلة، فلا تدخل إلا علي الابتداء أو ناسخه، وسيأتي الكلام علي ذلك في باب "إن"، إن شاء الله.
وقوله: أو نصبه عامل في مضمر قبله غير مرفوع إن اتفقا ربتة احترز بقوله: "غير/ مرفوع" من قولهم: ظننتني قائما، فإن الضمير الذي هو "ني" نصبه عامل في مضمر، لكن ذلك المضمر مرفوع، وقد اتفقا - أعني التاء

و"ني" - في كونهما ضميري متكلم، ولا يتعين انفصال "ني"، بل ولا يجوز.
وكذلك: زيد ظنه قائما، قد عمل ظن في مضمر مرفوع، وهو الفاعل المستكن في ظن وفي معمول منصوب، وقد اتفقا رتبة، ومع ذلك لا يجوز فصل الضمير المنصوب.
ومثال اتفاق ما ذكر رتبة: علمتني إياي، وعلمتك إياك، وزيد علمته إياه، ومال زيد أعطيته إياه.
ومعني علمتك إياك: أنت في علمي الآن كما كنت من قبل.
فانفصال الضمير في هذه المسائل متعين.
وقوله: وربما اتصلا غائبين إن لم يشتبها لفظا قال المصنف: "فإن غاير الغائب الأول الغائب لفظا جاز اتصاله علي ضعب، فمن ذلك ما روي الكسائي من قول العرب: هم أحسن الناس وجوها وأنضرهموها، ومنه قول مغلس بن لقيط: وقد جعلت نفسي تطيب لضغمة لضغمهماها، يقرع العظم نابها" انتهي ما شرح به المصنف هذه المسألة والتي قبلها.
وفيما قاله المصنف تفصيل وانتقاد.
أما التفصيل فنقول: إذا اتفقا رتبة فإما أن يكونا ضميري متكلم، أو ضميري مخاطب، أو ضميري غائب؛ فإن كانا ضميري متكلم فالانفصال

نحو: مَنَحْتَني إياي، ويقبح أن يقول: منحتنيني.
وإن كانا ضميري مخاطب فالاختيار الانفصال، ويجوز الاتصال علي ضعف، فتقول: أعطيتكما إياكما، وأعطيتكن إياكن.
ويجوز الاتصال، فتقول: أعطيتكما كما، وأعطيتكنكن.
هذا مذهب أصحابنا والكسائي، ومنع الاتصال الفراء.
وإن كانا ضميري غائب فإما أن يتحدا رتبة أو يختلفا.
إن اتحدا رتبة فكضميري المخاطب، فعلي مذهب أصحابنا والكسائي يختار الانفصال، فتقول: زيد الدرهم أعطيته إياه.
ويجوز ضعيفا الاتصال، فتقول: أعطيتهوه.
ومنع الفراء الاتصال، وزعم أنه غير مسموع من كلام العرب.
وإن اختلفا رتبة كأن يكون أحدهما مفردا والآخر مثني أو مجموعا، أو أحدهما مذكرا والآخر مؤنثا، فالفصل هو الكثير، فتقول: هند الدرهم أعطيتها إياه، وأعطيته إياها، ويجوز: أعطيتهوها، وأعطيتهاه.
وقال س: "فإذا ذكرت مفعولين كلاهما غائب قلت: أعطاهوها وأعطاهاه جاز، وهو عربي، ولا عليك بأيهما بدأت من قبل أنهما كلاهما غائب، وهذا أيضا ليس بالكثير في كلامهم، والكثير في كلامهم أعطاه إياه" انتهي كلام س. وفيه حجة لأصحابنا أنه يجوز الانفصال والاتصال في الغائبين مطلقا سواء اتحدت الرتبة أم اختلفت لقوله: "والكثير في كلامهم أعطاه إياه" فمثل أولا بالمتحد ثم ثانيا بالمتخلف.
وأما الانتقاد فإنه استدل علي وصل الثاني من الغائبين إذا اختلفت الرتبة بقول الشاعر ببيت مغلس "لضغمهماها" وبما روى الكسائي،

وأصحابنا ذكروا ذلك في مسألة كون أحد الغائبين مخفوضا، وهو مثله في الغيبة، فإنه لا يجوز عندهم إلا الانفصال، نحو قولك: هند زيد عجبت من ضربه إياها.
قالوا: ولا يجوز "من ضربهيها" إلا في ضرورة، وأنشدوا بيت مغلس، أو في نادر كلام، وذكروا ما روي الكسائي، وغر / المصنف في الاستدلال ببيت مغلس علي جواز الاتصال علي ضعف إنشاد س إياه عقب قوله: "والكثير في كلامهم أعطاه إياه"، قال س بعد هذا: "علي أن الشاعر قد قال" وأنشد البيت.
قال ابن خروف قوله: "علي أن الشاعر قد قال" متعلق بفعل يفسره ما قبله، وكأنه في معني التفات؛ لأنه لمخفوض كثر غيره.
ويأتي الكلام إذا كان أحد الضميرين مخفوضا، إن شاء الله.

-[ص: وإن اختلفا رتبة جاز الأمران، ووجب في غير ندور تقديم الأسبق رتبة مع الاتصال، خلافا للمبرد ولكثير من القدماء، وشذ: إلاك، فلا يقاس عليه.]-

ش: اختلافهما رتبة كأن يكون أحدهما ضمير متكلم والآخر ضمير مخاطب أو غائب، أو يكون ضمير مخاطب والآخر ضمير غائب، فإذا كانا كذلك فيجوز الاتصال والانفصال في الثاني، وأما ما ولي الفعل فلا يكون إلا متصلا، هذا شرح قوله: "وإن اختلفا رتبة جاز الأمران".
ولا يخلو الذي يلي الفعل من أن يكون أقرب من الآخر أو أبعد.
فإن كان أقرب جاز في الثاني الاتصال والانفصال، نحو: زيد ظننتك إياه، والدرهم أعطيتك إياه، وزيد ظننتكه، والدرهم أعطيتكه، وزيد ظننتنيه، وظننتني إياه، والدرهم أعطيتنيه، وأعطيتني إياه، ولم يذكر س في هذا إلا

الاتصال، وذكر غيره الانفصال.
واختلفوا عن س، ففهم السيرافي أن س لا يجيز الانفصال في أعطانيه، وإن كان هو الوجه في: أعطاه إياه.
ويمكن أن يكون هذا الفهم عن لحطه فرقًا بين أعطانيه وبين أعطاه إياه، وهو أن ضمير المتكلم وضعه أن يلي الفعل بعد الفاعل، ولا يُفضل بينه وين الفعل، لا يقال: أعطاهني، فجاء كالفاعل، فكأنه لم يُفضل الفعل عن طلبه للثاني.
ويليه في ذلك ضمير المخاطب، بخلاف الغائب، إلا أن هذا لا يقوى أن يوجب في هذا ما ضعف في ذلك.
وأما الأستاذ أبو علي فلم يتلفت شيئًا من هذا، وارتكب أن الأفصح: أعطاني أياه، مثل ما هو الأفصح: أعطاه إياه، لا فرق، وجعل قول س: "ولم تستحكم العلامات ههنا" الفصل راجعًا إلى جميع ما تقد لا لأعطاه خاصةً.
وإن كان الذي يلي الفعل أبعد من الآخر ففي ذلك أربعة مذاهب: أحدها: مذهب س، وهو أنه لا يجوز إلا الانفصال، نحو: زيدٌ ظننته إياك، والدرهم أعطيته إياك، ولا يجيز: ظننتهوك، ولا أعطيتهوك.
الثاني: مذهب طائفة من قدماء النحويين، وتبعهم أبو العباس، وهو أنه يجوز الانفصال والاتصال، والانفصال أحسن.
الثالث: مذهب الفراء، وهو أنه لا يجوز عنده إلا الانفصال، إلا أن

يكون ضمير مثنى أو ضمير جماعة من المذكرين، فيجيز إذ ذاك الاتصال والانفصال، والانفصال أحسن، نحو: الدرهمان أعطيتهماك، والغلمان أعطيتهموك، والزيدان ظننتهماكما، والزيدون ظنتهموكم.
الرابع: مذهب الكسائي، وهو كمذهب الفراء إلا أن الكسائي يُجيز الاتصال إذا كان الأول ضمير جماعة المؤنثات، نحو قولك: الدراهم أعطيتهنكن، والذي ورد به السماع، وتكلمت به العرب، هو ما ذهب إليه س. وقوله: ووجب/ في غير ندورٍ تقديم الأسبق رتبةً مع الاتصال يعني أنه إذا كان الثاني متصلًا فلا يجوز إلا تقديم الأسبق.
يعني ضمير المتكلم على ضمير المخاطب وعلى ضمير الغائب، وضمير المخاطب على ضمير الغائب، فتقول: يا غلام أعطانيك زيدٌ، والغلام أعطانيه زيدٌ، ويا زيد الغلام أعطاكه زيدٌ، ولا يجوز: أعطاكني، ولا أعطاهوني، ولا أعطاهوك.
وأشار بقوله: "في غير ندور" إلى ما رُوي من قول عثمان رضي الله عنه: "أراهمني الباطل شيطانًا"، فقدم ضمير الغائب على ضمير المتكلم مع الاتصال، والقياس المسموع "أرانيهم"، لكن لتقديمه في كلام عثمان وجهٌ، وهو أن "أراني" هذه هي منقولة من "أي"، والفاعل هو ضمير الجمع الذي صار مفعولًا بدخول همزة النقل، فلو تقدم ضمير المتكلم لأوهم أنه هو الذي كان فاعلًا قبل دخول همزة النقل، لكن كان ينبغي إذ تقدم ضمير الجمع أن ينفصل ضمير المتكلم، فكان يكون: أراهم إياي الباطل شيطانًا.

وقوله: خلافًا لمبرد ولكثيرٍ من القدماء يعني فإنهم يُجيزون الاتصال والانفصال، وقد ذكرنا ما في المسألة من الخلاف.
وقوله: وشذ "إلاك" فلا يُقاس عليه مجيء هذه المسألة هنا غير مناسب، وكان يناسب أن تكون بجنب قوله: "أو إلا" حي ذكر أن الضمير ينفصل إذا ولى إلا.
وأشار بقوله "إلاك" إلى قول الشاعر: وما علينا إذا ما كنت جارتنا أن لا يجاورزنا الاك ديار وأكثر النحويين على أن اتصال الضمير بعد إلا هو ضرورة؛ لأن "إلا" ينفصل بعدها الضمير.
وبهذا استدل على أن إلا غير عاملة؛ إذ لو كانت عاملة النصب في المستثنى لاتصل بها الضمير كما اتصل في إنك وأخواتها، فاتصال الضمير بها ضرورة، وهذا مذهب البصريين، وظاهر كلام غيرهم أنه لا يختص بالشعر.
قال صاحب "الواضح" مستدلًا لقول الفراء إن "إلا" مركبة من "إن" و "لا" فخففت "إن" وأدغمت النون في "لا" التي للعطف، فإذا جاء

جارٍ التحميل