التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيلصفحات 94-133

تقولُ عِرْسِي وَهْيَ لِي في عَوْمَرَهْ... بِئْسَ امْرأً، وإنَّنِي بئِسَ الَمرَهْ» انتهي.
وليس بنادر كما قال، لقوله تعالى ﴿بئس للظلمين بدلا﴾، فهذا كقوله: بئسَ امرأً.
ولم يبيِّن المصنف ما موضع الجملة الفعلية بعد «ما» إذا كانت ما معرفةً تامَّة؛ ولا استوفى الخلاف في المسألة.
وجماع القول فيها أنه إذا جاءت بعد نِعمَ وبئسَ «ما» فإمَّا أن يجيء بعدها اسم أوفعل: إن جاء بعدها اسم نحو: نِعِمَّا زيدٌ، وبئسَما عمرٌو، كانت تمييزًا نكرة غير موصوفة، وتكون نعمَ وبئسَ قد أُضمر فيها ما كانت «ما» تمييزًا له، والمرفوع بعدها هو المخصوص بالمدح أو الذمّ، والتقدير: بئسَ شيئًا عمرٌو، ونِعمَ شيئًا زيدٌ.
وإن جاء بعدها فعلُ، نحو قوله تعالى ﴿بئسما اشتروا به أنفسهم﴾ كانت «ما» أيضًا تمييزًا نكرة موصوفة بالفعل الذي بعدها، وفيها ضمير مفسَّر بـ «ما»، والمخصصوص بعدها مذكور أو محذوف لدلالة المعنى عليه.
هذا مذهب البصريين في نقل بعض أصحابنا.
وقد قال س في قولهم «غَسَلتُه غَسلاً نِعِمَّا»: «أي: نِعْمَ الغَسلُ، وكقولهم: إني ممَّا أنْ أَصنعَ، أي: مِن الأمرِ أنْ أصنعَ»، فحَمل ما على أن تكون معرفةً كالموصول، ويكون قوله تعالى ﴿فنعما هىَ﴾ من هذا، أي: فِنعمَ الشيءُ هي، أي: بذلك الوصف من الإبداء.
ويُروى جواز ذلك عن الكسائي في قوله «بِئسَما

تَزويجُ ولا مَهرَ»، أي: بئسَ التزويجُ تزويجُ عَرِيَ عن المهر، كما تقول: نِعمَ الرجلُ زيدُ.
وكذلك: ساءَ ما صَنعتَ، أي: ساءَ الصنعُ صنعُك.
وكذلك قدَّره المبرد في: دَقَقْتُه دَقَّا نِعِمَّا، أي: نِعْمَ الدَّقُّ.
وكونها معرفةً تامَّة هو مذهب ابن السراج والفارسي وأحد قولي الفراء.
وإذا كان النقل عن س والمبرد 1 وابن السراج والفارسي أنهما معرفة تامَّة فلا ينبغي أن يُطلق أنَّ مذهب البصريين أنها تكون نكرة منصوبة؛ إذ قول هؤلاء ــ وهم جِلَّة البصريين ـــ يخالف هذا القول.
وقد أجاز الجرميُّ في نِعمَ ما صنعتَ أن تكون ما اسمًا تامَّا، كأنك قلت: نِعمَ الشيءُ صنعتَ، وأن يكون نكرة منصوبة، أي: نِعمَ شيئًا صنعتَه.
قال صاحب «البسيط» فيه: «ورَدَّه بعض البصريين؛ لأنَّ ما لا تكون معرفة إلا موصولةً، وحملوا هذه على أنها نكرة منصوبة.
وجوزه الكسائي أيضًا.
والمعنى: ساءَ شيئًا صنعُك، وبئس شيئًا تزويجُ ولا مهرَ، كما تقول: نِعمَ رجلاً زيدٌ.
وهذا أيضًا ضعيف؛ لأنها لا تكون نكرةً في كلامهم غير موصوفة، وإنما يجوز تأويلها بذلك في قوله تعالى ﴿بئسما اشتروا به أنفسهم﴾، وكقوله تعالى ﴿قل بئسما يأمركم به إيمنكم﴾ انتهى.
وقد أجاز /هذين الوجهين في «ما» ابن كيسان، أجاز أن تكون اسمًا تامًا مرفوعًا، وأجاز أن يكون منصوبًا، فيجرى مجرى المعرفة مرة ومجرى النكرة مرةً.

وقد ضُعَّفَ النصبُ على التمييز بأنَّ التمييز لا بُدَّ أن يكون قابلاً للألف واللام؛ وهذا معلوم بالاستقراء، وبأن التمييز إنما يجاء به لتبيين جنس المميَّز إذا أبهم، و «ما» في غاية الإبهام، فلا تكون تمييزًا، وقد قال س: «فأمَّا ما فإنها مُبهَمة تقع على كل شيء» وقد نص أصحابنا على أنه لا يُميَّز بالأسماء المتوغلة في البناء ولا بالأسماء المتوغلة في الإبهام كشيء وموجود وشبههما، ولا اسمَ أدخلُ في البناء والإبهام من «ما»، فلا يجوز التمييز بها.
وقد ردَّ أبو ذَرَّ مُصعب بن أبي بكر الُخشَنِيّ على أبي علي الفارسيّ تخريجه قوله تعالى ﴿فنعما هي﴾ على أن تكون «ما» تامَّة في موضع نصب على التمييز، وكان يقول: هي كالمضمر المجهول الذي في نِعمَ، لا يُدرى ما يُعنَى به، وكذلك ما، ولا يُفَسَّر الشيء بما هو مثله في الإبهام، وإنما ينبغي أن تكون «ما» فاعلة نِعمَ، أي: فنِعمَ الشيء هي.
وهذا الذي قاله أبو ذَرَّ مخالف لقول ابن مُلكون، قال: «(ما) هنا أشدُّ إبهامًا من (شيء)، وموقعها هنا أحسن موقع؛ لأنَّ القصد في المدح والذم تعميم جنس الممدوح والمذموم، فكأنه هنا مدح كل شيء لأجل الذي ذكر، أو ذم كل شيء» انتهى.
وذهب قوم إلى أنَّ ما مع نِعمَ وبئسَ كالشيء الواحد، لا موضع لها من الإعراب، قالوا: والاسم الواقع بعدها مرفوع بِنعمَ وبئسَ، ومَن قال: بَئسَت المرأةُ هندٌ لم يقل: بِئسَتْ ما هندٌ، ومَن أجاز: نِعمَت المنْزلُ مكةُ لم يلزمه أن يقول: نِعمَتْ ما جاريتُك.

فإذا جئت بعدَ «ما» بالفعل، نحو: نِعمَ ما صنعتَ ــ فـ «ما» محذوفة، والتقدير: نِعْمَ ما ما صَنعتَ، فـ «ما» الأولى مبهمة، والثانية يفسِّرها ما في صلتها، وكفَت إحداهما عن الأخرى.
واختلفوا في المحذوفة: فقال الكسائي: المحذوفة هي الثانية.
وقال الفراء: المحذوفة هي الأولى.
ولا يَحسُن في الكلام «بئسَ صنعُك» حتى تقول: بئسَ الصنعُ صنعُك، وهذا كما تقول: أظنُّ أن تقوم، لايَحسُن: أظنُّ قيامَك، وإن كان بمعناه، حتى تقول: أظنُّ قيامَك سريعًا، أو نحوه مما تريد من المعنى.
وإنما حسُن: نِعمَ ما صنعتَ، وأظنُّ أن تقوم، حين صار الكلام على قسمين، وكفى من الاسمين اللذين بعد الظنّ ونعمَ.
قالوا: فإن قدَّرت (ما) تقدير (الذي)، و (الذي) لا يجوز أن يلي نِعمَ وبئسَ، وليس الآن قبله ما تعتمد نِعمَ عليه من المفسر، فهناك (ما) محذوفة مكتفًى منها بالذي وصلت بالفعل، وتقديرها لو جيء بها تقدير المنصوب.
وإن جعلتَ ما في معنَى ما فيه أل اكتفيتَ بها من التي في معنى الذي، فصارت كقول العرب: نِعمَ الرجلُ عندك، ونِعمَ الرجلُ أكرمت.
انتهى نقل هذا المذهب.
وهذا الذي ذُكرأنه من كلام العرب فيه خلاف، ذكره ابن أصبغ، قال: «أجاز الكسائي: نِعمَ الرجلُ يقوم، ونِعمَ الرجلُ عندي، ومنعه أكثر النحويين» انتهى.
/وقد جاء في الشعر ما يدل على جواز: نِعمَ الرجلُ يقوم، قال الأخطل: إلى خالدٍ، حتي أُنِخْنَ بخالدٍ... فنِعْمَ الفَتى يُرجَى، ونِعْمَ المُؤَمَّلُ

وقال الآخر: لَبِئسَ المَرءُ قد مُلِئَ ارْتِياعًا... ويَأبَى أنْ يُراعي ما يُراعَى التقدير: فَتًى يُرجَى، ومَرءُ قد مُلئ، حَذف المبتدأ، وأقام الصفة التي هي فعل مقامه، كما قال: وما الدهرُ إلا تارتانِ: فمِنهما... أَمُوتُ، وأُخرى أَبَتغي العَيشَ أَكْدَحُ أي: فمنهما تارةٌ أَموت فيها.
وهذا الذي روي عن الكسائي من حذف الموصوف هو مع المرفوع، ومَنع من ذلك مع المنصوب، فيقول: نِعمَ الرجلُ يقوم، ولا يجيز: نِعمَ رجلاً يقوم.
ويعني أنه يُجيز الحذف بعد الاسم الظاهر المرفوع بِنعمَ، ولا يُجيز الحذف بعد الاسم المنصوب بعد نِعمَ.
وعلَّة ذلك عنده بعد النكرة أنَّ الاسم فاعل بنِعمَ، والفاعلُ لا يجوز حذفه وإقامة الفعل مقامه، وأمَّا بعد المرفوع فإنه مبتدأ.
وتلخص من هذه النقول أنّ في [ما في] مثل «بِئْسمَا تَزويجُ ولا مَهْرَ» ثلاثة أقوال: فاعل، أو تمييز، أو تركيب مع بئسَ، وتزويج فاعل.
وفي مثل «نِعِمَّا صنعتَ» سبعة أقوال: أن تكون ما فاعلاً اسمًا معرفة تامَّا، والمخصوص محذوف، والفعل صفة له، والتقدير: نِعمَ الشيءُ شيءُ صنعتَ، وهذا مذهب المحققين من أصحاب س، يجعلون التقدير: نعمَ الشيءُ شيءُ صنعتَ.
أو تكون منصوبة على

التمييز موصوفة بالفعل، والمخصوص محذوف.
أو منصوبةً على التمييز، والفعل صفة لمخصوص محذوف، التقدير: نعمَ شيئًا شيءٌ صنعته.
أو موصولةً، والفعل صلتها، والمخصوص محذوف.
أو موصولةً، وهي المخصوص، و (ما) أخرى تمييز محذوف، التقدير: نِعمَ شيئًا الذي صنعته.
أو تمييزًا، والمخصوص (ما) أخرى موصولة، والفعل صلة لها.
أو مصدرية، وينسبك منها مصدر تقديرًا، وهو فاعل نِعمَ.
وقوله ولا يؤكّد توكيدًا معنويَّا قال المصنف في الشرح: «لا يؤكَّد فاعل نِعمَ وبئسَ توكيدًا معنويَّا باتَّفاق؛ لأنَّ القصد به رفعُ توهُّم إرادة الخصوص بما ظاهرُه العموم، أو رفعُ توهُّم المجاز بما ظاهرُه الحقيقية، وفاعلُ نِعمَ وبئسَ في الغالب بخلاف ذلك؛ لأنه قائم مقام الجنس إن كان ذا جنس، أو مؤوَّل بالجامع لأكمل خصال المدح اللائقة، أو لأكمل خصال الذمّ، والتوكيد المعنوي منافٍ للقصدين، فاتُّفق على منعه» انتهى.
ومَن ذهب إلى أنَّ أل عهدية وأنَّ الرجل هو نفس المخصوص فلا تجيء هذه العلة على مذهبه؛ بل يمكن أن يُجيز أن يؤكَّد توكيدًا معنويَّا؛ لأنه لا يراد به الجنس، بل يصير نظير: جاءني رجلُ فأكرمتُ الرجلَ نفسهَ.
وقال المصنف في الشرح: «وأمَّا التوكيد اللفظي فلا يمتنع لك أن تقول: نِعمَ /الرجلُ الرجلُ زيدٌ» انتهى.
وينبغي ألا يُقدمَ على جواز ذلك إلا بسماع من العرب؛ لأنَّ فاعل نِعمَ وبئسَ له أحكام مغايرة لكثير من أحكام فاعلِ غيرها من الأفعال.

وقوله وقد يُوصَف، خلافًا لابن السراج والفارسي أمَّا مَن منعَ وصفه فهو قول الجمهور، وأجازه قوم، وقال أبو عبد الله النُّميَري: لا يجوز وصف نِعمَ وبئسَ عند البصريين لما في ذلك من التخصيص الذي ينافي الشياع المقتضى منه عموم المدح والذم.
ومما استُدِلَّ به على جواز النعت قول الشاعر: نِعْمَ الفَتَى المري أَنتَ إذا هُمُ... حَضَرُوا لَدَى الحُجُراتِ نارَ المُوقِدِ ومَن مَنع ذلك تأوَّله على البدل، فالتقدير عنده: نِعْمَ الفَتى نِعْمَ المُرَّيُّ أنت.
وتخصيص المصنف من التوابع التوكيد المعنوي والوصف بالذكر دليل على جواز العطف والبدل، وينبغي ألا يجوز منهما إلا ما جاز أن تباشره نعمَ وبئسَ.
وقال صاحب «البسيط» فيه: «والاسم المرتفع بهما الأحسن فيه أن يكون جامدًا؛ لأن المراد بيان الجنس على قول الأكثرين، وهو بيان ُ لذات، ولأنَّ الوصف يُشعر بأنه هو الممدوح به، وبابُ نعمَ وبئسَ عامّ، لا يذكر فيه الممدوح به» انتهى.
وينبغي ألا يُفصل بين نعمَ وبئسَ وفاعلهما بظرف ولا مجرور ولا غيرهما إلا بسماع من العرب؛ وقد قال ابن أبي الربيع: «ولا يجوز أن يُفصل بين نعمَ وفاعلها بشيء ولا بالظرف ولا بالمجرور، ولا تقول: نعمَ في الدار الرجلُ زيدٌ، وتقول: نِعمَ الرجلُ في الدار زيدٌ».

وقال في البسيط: «ويصحُّ الفصل بين الفعل والفاعل لتصرُّفه في رفعه الظاهر والمضمر وعدم التركيب» انتهى.
فإن كان معمولاً للفاعل، نحو: نعمَ فيك الراغبُ زيدٌ ــ فمنعَ ذلك عامَّة النحويين، وأجازه الكسائي.
ورُدَّ لأجل الفصل، ولأنَّ فيه تقدم معمول صلة أل عليها، وقد جاء في الشعر ما يدلُّ علي الجواز، قال رِفاعةُ الفَقعَسِيُّ: يبادرن... الدِّيارَ... يَزِفْنَ... فيها... وبِئْسَ... مِنَ الَملِيحاتِ البَدِيلُ ووجدتُ في شعر العرب الفصل بين بئسَ ومرفوعها بـ «إذًا»، قال الشاعر: أَرُوحُ، ولم أُحْدِثْ لِلَيلَى زِيارةً... لَبِئسَ إذًا راعي الَموَدَّة... والوَصْلِ وقوله وقد يُنَكَّر مفردًا أو مضافًا المشهور أنه لا يجوز في فاعلهما إذا كان ظاهرًا إلا كونه ذا أل أو مضافًا إلى ما هما فيه، فلا يجوز: نعمَ رجلٌ زيدٌ، ولا: نعمَ ابنُ رجل زيدُ، ولا: بئسَ غلامُ سفرٍ زيدٌ، وهو مذهب س؛ لأنَّ فاعل نعمَ وبئسَ عنده لا يكون واقعًا إلا على الجنس، لو قلت: أهلكَ الناسَ شاةُ وبغيرُ، على حد: الشاةُ والبعيرُ ــــ لم يَحسن.
وحكى الكسائي أنه يقال: له بعيرٌ كثيرٌ وشاةٌ كثيرٌ، وهناك رغيفٌ كثيرٌ ولَبُونٌ كثيرٌ، في ألفاظ غير هذا، /فعلى هذا يمكن أن يكون فاعل نعمَ وبئسَ نكرة،

ويراد به الجنس، وقد ورد ذلك قليلاً جدَّا، فمن ذلك في النثر قول الحارث بن عباد: «نعمَ قتيلُ أصلحَ الله به بين ابْنَي وائل»، وقد روي: «نعمَ القتيلُ قتيلاً أصلحَ الله به» وأمَّا في الشعر فقوله: أَتَحْسِبُنِي شُغِفتُ بَغَيرِ سَلْمَى... وسَلْمَى بِي مُتَيَّمةٌ تَهيمُ وسَلمَى أَكمَلُ الثَّقَلَينِ حُسْنًا... وفي أَثوابِها قَمَرٌ ورِيمُ نِيافُ القُرْطِ، غَرَّاءُ الثَّنايا... ورِئْدٌ لِلنِّساءِ، ونِعْمَ نِيْمُ ونُقل عن الأخفش أن ناسًا من العرب يرفعون بهما النكرة المفردة، نحو: نعمَ خليلُ زيدٌ.
فأمَّا رفعهما النكرة المفردة وما أضيف إلى نكرة فأجاز ذلك الكوفيون والأخفش وابن السراج، ومنعه عامة النحويين إلا في الضرورة، وتقدَّم رفعهما النكرة المفردة.

ومما جاء في الشعر من رفعهما ما أُضيف إلى نكرة ما أنشده الَهجَرِيّ في نوادره، وأبو موسى الجزولي في «شرح الإيضاح» له من قول الشاعر: فَنِعْمَ مُناخُ أَزْفَلةٍ عِجافٍ... ومُلْقَى نِسْعَتَينِ على رُحَيْل رِجالٌ مِنْ خُوَيْلِدَ آل عَوفٍ... حِيالَ الشَّمسِ أو مَجْرَى سُهَيْلِ حِيال الشمس: جانب الشمس، يقال: قَعَدتُ حِيالَه أي: جانبه، وقولِ الآخر: مالَ قَتيلاً بينَ أَسيافِكُمْ... شُلَّتْ يَدَا وَحْشِيَّ مِنْ قَاتِل غَداةَ جِبْريلُ وَزِيرٌ لَهُ... نِعْمَ وَزِيرُ فارسٍ... حامِلِ وقول الآخر: بِئْسَ قرينا يَفَنٍ هالِكٍ... أُمُّ حُبَيْشٍ وأبو مالِكِ لعله: أمَّ حُبَيْن، ويروى: أُمُّ عُبَيْد، وقولِ الآخر: فَنِعْمَ صاحِبُ قَومٍ، لا سِلاحَ لهمْ... وصاحِبُ الرَّكبِ عُثمانُ بنُ عَفَّانا

وقد كان يمكن تأويل هذه الأبيات على حذف التمييز عند من يجيز ذلك؛ وجعل المرفوع هو المخصوص، ورفعُ ما بعده على البدل حيث جاء بعده مرفوع لولا أن الأخفش حكى أنَّ ذلك لغة للعرب، قال الأخفش في «الأوسط»: «اعلم أنَّ ناسًا من العرب يرفعون النكرة إذا أضافوها إلى نكرة في باب نعمَ وبئسَ، فيقولون: نعمَ أخو قومٍ أنت، فمن قال ذا قال: نعمَ أخو قومٍ وصاحبُهم أنت، إذا جعلتَ الثاني نكرة، فإن جعلتَه معرفةً لم يَجز هاهنا؛ لأنَّ نعمَ لا تقع على معرفة إلا أن تكون بالألف واللآم، وتكون النكرة مفردةً ومضافة.
ومنهم من يرفعها إذا كانت مضافة».
وقال الأخفش أيضًا: «مَن قال: هذا رجلُ وأخوه ذاهبان، فرفع ــ أجاز: نعمَ غلامُ /قومٍ وصاحبُهم أنت، ومَن قال (ذاهبَين) على تعريف الأخ لم يُجز العطف هنا؛ لأنَّ نعمَ لا ترفع معرفةً إلا بالألف واللام، أو بإضافةٍ إلى ما فيه الألف واللام».
وقال الفراء: «يجوز رفع النكرة المضافة إلى نكرة ونصبها، فتقول: نعمَ غلامُ سفرٍ غلامُك، ونعمَ غلامَ سفرٍ غلامُك».
وما ذهب إليه صاحب «البسيط» من أنه لم يَرد نكرةً غيرَ مضافة ــ وإن كان المعنى واحدًا في النكرة المفردة وفي النكرة المضافة ـــ ليس بصحيح؛ وقد حكينا وروده نكرة مفردةً فيما تقدَّم.
ويظَهر من كلام المصنف في قوله وقد يُنكَّر مفردًا أو مضافًا تساويهما في القلَّة، وليس كذلك، بل الوارد منه مفردًا قليل جدَّا، والنكرة المضافة أكثر من المفردة.

قيل: و «قد تأتي النكرة المفردة واقعة على الجنس، كقوله: فقَتْلاً... بِتَقتِيلٍ، وعَقْرًا بِعَقْرِكُمْ... جَزاءَ العُطاسِ،... لا ينَامُ مَنِ اتَّأَرْ جعل قَتلاً للجنس، وعادَلَ به تَقتيلاً الذي هو للتكثير، فدلَّ على أنه يَسوغ وقوعه موقع الكثير، وهو معنى الجنس» انتهى.
وأجاز بعض النحويين أن يكون فاعل نعمَ وبئسَ مضافا إلى ضمير ما فيه الألف واللام، فأجاز: القومُ نعمَ صاحبهم أنت، إجراءً للمضاف إلى ضمير ما فيه الألف واللام مجرى ما أضيف إلى ما هما فيه، وأنشد: فَنِعْمَ أخو الَهْيجا، ونِعْمَ شِهابُها.............................. وقال بعض أصحابنا: والصحيح المنع، وهذا يُحفظ، ولا يقاس عليه؛ إذ لا يكون إلا مما يجوز تنكيره، ومع إضافته للضمير لا يجوز تنكيره.
ص: ويُضمر ممنوعَ الإتباع مفسَّرًا بتمييزٍ مؤخَّرٍ مطابقٍ قابل أل لازمٍ غالبًا، وقد يَرد بعد الفاعل الظاهر مؤكِّدًا وفاقًا للمبرد والفارسيّ، ولا يمنع عندهما إسناد نعمَ وبئسَ إلى «الذي» الجنسية، وندر: نعمَ زيدٌ رجلاً، ومرَّ

بقومٍ نِعْمُوا قومًا، ونِعْمَ بهم قومًا، ونِعمَ عبدُ الله خالدُ، وبئسَ عبدُ الله أنا إن كان كذا، وشهدتُ صِفِّينَ وبِئسَتْ صِفُّون.
ش: لَّما فرغ من الكلام على فاعل نعمَ وبئسَ إذا كان ظاهرًا أخذ يتكلم فيه إذا كان مضمرًا، وينبغي أن يؤخذ قوله ويُضمَر على أنه ابتداء كلام، لا أنه معطوف على قوله وقد يُنَكَّر مفردًا أو مضافًا، وإن كان يوهم العطف عليه؛ لأنَّ ذلك قليل ومختلف فيه، وهذا عند البصريين كالمجمع عليه.
ومثال رفعهما المضمر قولُه تعالى ﴿بئس للظلمين بدلا﴾، وقول الشاعر: نِعْمَ امْرَأً هَرِمٌ، لَمْ تَعْرُ نائبةٌ... إلا وكانَ لِمُرْتاعٍ بها... وَزرَا وقولُ الآخر: لَنِعْمَ مَوئلاً الَمولَى إذا حُذِرَتْ... بَاساُء ذي البَغْيِ واستِيلاءُ ذي الإحَنِ وعلى أنَّ في نِعمَ وبئسَ مضمرًا هو فاعلُ بهما في نحو «نِعمَ رجلاً زيدٌ» معظم البصريين: /س وغيره.
وذهب الكسائي والفراء إلى أنَّ الفاعل هو زيد، والنكرة المنصوبه بعد نعمَ وبئسَ حالٌ عند الكسائي، وتمييز عند الفراء، وهو عنده من التمييز الذي هو من قبيل المنقول، والأصل عنده: رجلٌ نعمَ الرجلُ زيدُ فحُذف رجل، وقامت صفته مقامه، ثم نُقل الفعل إلى اسم الممدوح، فقيل نعمَ رجلاً زيدٌ.

ويقبح عنده تأخره؛ لأنه تمييز وقع موقع المرفوع، وأفاد إفادته؛ لأنَّ كلاً منهما بَّين الجنس الذي مدحتَ به زيدًا.
ولا يجوز تقدُّمه على نِعمَ كما لا يجوز تقديم ما وقع موقعة.
وأمَّا الكسائيُّ فيجيز تأخير النكرة عن زيد، فيقول: نعمَ زيدٌ رجلاً، ولا يجوّز تقديمها على نعمَ، كمذهب الفراء، وإن اختلفا في التوجيه، فعلى رأي الكسائي لا يجوز لأنَّ العامل في الحال عامل غير متصرف.
قالوا: والصحيح مذهب س ومعظم البصريين لقولهم: نعمَ رجلاً أنتَ، وزيدٌ بئسَ رجلاً هو، ولو كان الضميرـ وهما أنت وهو ــ فاعلين لاتَّصلا بالفعل، ولم ينفصلا.
ولقولهم: إخوتُك نعمَ رجالاً، فيقدمون الممدوح، ولا يضمرون في نعمَ ضميرًا يطابق المخصوص، فدلَّ على أنَّ في نعمَ ضميرًا مستترًا؛ إذ لا يخلو الفعل من الفاعل.
ولقولهم: نعمَ رجلاً كان زيدٌ، فيُعملون فيه ناسخ الابتداء، ولو كان فاعلاً لم يعمل فيه ناسخ الابتداء.
ونسب صاحب «البسيط» إلى الكوفيين أنَّ انتصاب رجلاً هو على التفسير للممدوح، ولا يحتاجون إلى تقدير فاعل، فكأنك قلت: زيدٌ الممدوحُ رجلاً، كما تقول: امتلاَ الإناءُ ماءً، والإناءُ ممتلئٌ ماءً.
وذهب ابن الطراوة إلى أنه لا إضمار في الفعل، وأنَّ الفاعل محذوف؛ لأنه لا يَبرُز في التثنية ولا الجمع، ولأنه موضع إبهام لأجل استغراق المدح، ومواضع الإبهام يحسُن فيها الحذف، كقوله:

.............................. فسَوفَ تُصادفُهُ أيَنَما حذف لإبهام المحل، كذلك هنا، وصار التفسير بدلاً من اللفظ به، وهو مركَّب مع الفعل على ما كان لو ظهر.
ورُدَّ عليه بأنَّ الفاعل لا يُحذف إلا حيث يراد الفعل، على خلاف فيه، إلا على مذهب الكسائي.
وأمَّا احتجاجه بعدم بروزه فِلعِلَّة تُذكَر، ويأتي الكلام على كونه حُكي إبرازه إن شاء الله.
وما نقله صاحب «البسيط» من قوله: «وقال س: حذفوه لكثرة استعمالهم إياه لزومهًا كما ألزموا نِعم الإسكان، واكتفوا في ذلك بالذي يفسره» فظاهره حجة لابن الطراوة في الحذف، لكن عبارةُ س ليست كهذه التي نقل صاحب «البسيط»، قال س بعد أن قرر أنَّ في نِعم ضميرًا في عدة مواضع من كلامه، قال: «واعلم أنك لا تُظهر علامة المضمرين في نعمَ، لا يقولون: نعمُوا رجالاً، يكتفون بالذي يفسره، كما قالوا: مررتُ بكلِّ، وقال جل وعز ﴿وكل أتوه دخرين﴾، فحذفوا علامة الإضمار، والتزموا الحذف كما ألزموا نِعْمَ وبئْسَ الإسكان» انتهى.
يُفهم من هذا أنَّ المعنى أنهم لم يُبرزوا علامة الإضمار في الجمع، /لا أنَّ الفاعل محذوف.
واختلف القائلون بالإضمار هل ذلك المضمر جنس أو شخص: فمن قال في نعمَ الرجلُ زيدٌ بالشخص يقول به هنا، وما بعده تمييز لذاته.
ومن قال بالجنس اختلفوا هنا: فقال بعضهم: هو شخص، كأنك قلت: زيدٌ نعمَ هو رجلاً.
وقيل: هو جنس.

احتجَّ من قال بالشخص في الموضعين بالتفسير بالمثنى والمجموع في نحو: نعمَ رجلَين الزيدان، ونعمَ رجالاً الزيدون، والجنس لا يُجمع ولا يثنى، فلا يفسَّر به، فدلَّ على أنه شخص.
ومَن قال بأنه هناك على المجاز في الجنس كان كذلك هنا، كأنك أضمرت نوعين، ثم فسَّرت.
وأجاب أصحاب الجنس بأنَّ التثنية هي على نحو: هما خيرُ اثنينِ في الناس، فيُضمر على ما أظهر.
وقالوا: الذي يدلُّ على أنه ليس شخصًا كونه لا يَبرز في تثنية ولا جمع، فلولا أنه جنس ــ وهو لا يثنى ولا يجمع ـــ لَبَرز في التثنية والجمع.
وأجيبوا بأنه كالمثل، نحو: أكرِمْ بزيدٍ! وأحسِنْ بعمرٍو! ولأنهم استغنَوا عن ذلك بتثنية المفسَّر وجمعه.
واحتجُّوا أيضًا بالحمل على الظاهر، والأصل الظاهر، كما يكون في البدل في الشخص، نحو: مررتُ به زيدٍ، لكنه هنا امتنع التمييز لأنه شخص.
قال صاحب «البسيط»: «وقد فرق بعض النحويين الظاهر والمضمر؛ لأنَّ المضمر على التفسير لا يكون في كلام العرب إلا شخصًا، نحو: لله درُّه فارسًا، وويحَه رجلاً، ورُبَّه رجلاً؛ ألا ترى أنَّ رُبَّ لَّما عملت في الظاهر كان نكرةً، ولَّما كانت مع المضمر كان شحصًا، ولو كان نكرةً لكان المعنى: رُبَّ رجلٍ، ولا يفيد المقصود من المدح، وهذا كذلك» انتهى.
وقوله ممنوعَ الإتباع قال المصنف في الشرح: «هذا الضمير المجعول فاعلاً في هذا الباب سبيه بضمير الشأن في أنه قُصد إبهامُه تعظيمًا لمعناه، فاستَويَا لذلك في عدم الإتباع بتوكيد أو غيره» انتهى.
فلا يجوز أن يؤكَّد بضمير، نحو: نعمَ هو رجلاً زيدٌ، ولا بغيره، ولا يُعطَف عليه، ولا يُبدل منه، فأمَّا ما رُوي من نحو «نعمَ

هم قومًا أنتم» فشاذُّ لا يُعَرَّج عليه، «وهم» تأكيد للضمير المستكنِّ في نعمَ على المعنى.
وقوله مفسَّرًا بتمييز تقدَّم خلاف الكسائي في أنه حال؛ إذ مذهبه أنه لا إضمار في الفعل، بل هو رافع للمخصوص بالمدح أو الذم.
وقوله مؤخَّرٍ يعني عن نعمَ وبئسَ، فلا يجوز له أن يتقدم عليهما، لا يجوز: رجلاً نعمَ زيدٌ، ولا: رجلاً بئسَ عمرُو.
وأمَّا تأخيره عن نعمَ والمخصوص، نحو: نعمَ زيدُ رجلاً ــ فسيأتي الكلام عليه إن شاء الله.
وقوله مُطابِقٍ يعني للمخصوص، فتقول: نعمَ رجلَين الزيدانِ، ونعمَ رجالاً الزيدون، وكذلك في التأنيث.
وقوله قابلِ أل يشمل أن يكون مضافًا إلى نكرة، نحو: نعمَ غلامُ سفرٍ غلاُمك، وموصوفًا نحو: نعمَ رجلاً شجاعًا زيدُ، ومفردًا غير ذلك، نعمَ رجلاً زيدُ.
وفي «البسيط»: «ويجوز وصف هذا المفسَّر، فتقول: نعمَ رجلاً صالحًا، وقالوا: حَسُنَ إيمانًا نَفِعَك، ورَجُحَ عقلاً رَدَعَك».
وقال المصنف في الشرح: / «ونَّبهت على أنَّ ممِّيزة لا يكون إلا صالحًا للألف واللام، مع أنَّ كل تمييز لا يكون إلا كذلك بالاستقراء؛ لأنَّ أبا عليَّ والزمخشريَّ يُجيزان التمييز في هذا الباب بـ (ما)».
«ونبهت بقول أل على أنه لا يجوز أن يكون بلفظ (مثل) ولا (غير) ولا (أي) ولا (أفعل من)؛ لأنه خَلَف عن فاعل مقرون بالألف واللام، فاشترط

صلاحيته لهما، وما ذكرته لا يصلح لهما، فلم يجز أن يخلف مقترنًا بهما» انتهى.
ويَرِدُ على ما قاله ما كان مفردًا في الوجود؛ فانه يقبل أل، ولا يجوز أن يقع تمييزًا لهذا المضمر.
ونقول: شرطَ أصحابنا في هذا التمييز شروطًا ثلاثه: أحدها: أن يكون مبينًا للنوع الذي قُصد فيه المدح أو الذم، فلو قلت: نعمَ غيرَك زيدُ ـــ لم يجز؛ لأنَّ «غيرك» لا يُبين النوع الذي قصدتَ مدح زيد فيه، فيندرج في هذا الشرط «مثلك» ونحوه مما هو متوغَّل في الإبهام.
الثاني: ألا يكون فيه معنى المفاضلة، نحو أفعل التفضيل، لو قيل: نعمَ أفضل من زيد أنتَ، ونعمَ أفضلَ رجلٍ أنتَ ــ لم يجز؛ لأنَّ نعمَ لم تزد فيه شيئًا لم يكن قبل دخولها.
الثالث: أن يكون عامَّا في الوجود، لو قلت: نعمَ شمسًا هذه الشمسُ، أو: نعمَ قمرًا هذا القمرُ ــ لم يجز؛ لأنَّ شمسًا وقمرًا مفردان في الوجود، فلو قلت: نعمَ شمسًا شمسُ هذا اليوم، ونعمَ قمرًا قمرُ هذه الليلة ــ جاز؛ لأنك أردت أن تمدح شمس اليوم المشار إليه في سائر الشموس التي تكون في الأيام.
ولا يجوز أن يقع تمييزًا الأسماء المختصة بالنفي، ولا «أيّما رجل» ونحوه؛ لأنها ثناء فلا بدَّ من ذكر المُثْنَى عليه، وتقع صفة لأن الموصوف مذكور قبلها، وحالاً لأنَّ صاحب الحال مذكور، ولا تقع فاعلةً ولا مفعولةً لأنَّ المُثْنَى عليه لا يكون معها، وتقع في الابتداء، فتقول: أيُّما رجلٍ زيدٌ، وزيدٌ أيُّما رجلٍ؛ لأنَّ صاحب الصفة ـــ وهو زيد ــ مذكور معها.

وقوله لازمٍ غالبًا قال المصنف في الشرح: «وقلتُ غالبًا بعد التقييد بـ (لازم) احترازًا من حذف المميز في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (من توَضَّأ يومَ الجمعةِ فَبِها ونِعْمَتْ)، أي: فبالسُنَّة، ونِعْمَت السُّنَّةُ سُنَّةً، فأضمر الفاعل على شريطة التمييز، وحذف المميَّز للعلم به» انتهى.
ولفظ «لازم» و «غالبًا» متنافيان؛ لأنَّ اللزوم يدلُّ على الوجوب، والغلبة تدلُّ على الجواز، فتَنافَيا، وكان الأَولَى أن يقول: مذكورٍ غالبًا، أو: مُثبَتٍ غالبًا.
وتقديره «ونِعْمَتِ السُّنَّةُ سُنَّةً» ليس بجيد؛ لأنه قدّم في التقدير المخصوص على التمييز، وصحة التقدير: ونعْمَتْ سُنَّة السُّنَّةُ.
وهذا الذي ذكره من جواز حذف التمييز ذكره ابن عصفور، قال: «ولا بدَّ من ذكر اسم الممدوح أو المذموم، ومِن ذكر التمييز إذا كان الفاعل مضمرًا، وقد يجوز حذف ذلك لفهم المعنى، ومن كلامهم: إن فَعَلتَ كذا وكذا فَبِها ونِعْمِتْ، أي: ونِعْمَتْ فَعْلةً فَعْلُتك، فحذف التمييز واسم الممدوح» انتهى.
وفي البسيط: «ولا يجوز حذف التمييز من المضمَر فاعلُه؛ لأنه كالعوض منه، إلا بعوض، كالتاء في نِعْمِتْ، /كقولك: إن تزوجتَ هذه فنِعْمَتْ هي.
وقيل: يجوز لأنه تمييز، فيجوز حذفه، وقوله عليه السلام: (مَن توضَّأ فَبِها ونِعْمَت) حذف التمييز للعوض، وإنما منع في المفسَّر للمضمر لبقاء الإبهام، ولعدم عَوده على شيء» انتهى كلامه.

والصحيح أنه لا يجوز ذلك وإن فُهم المعنى، وقد نص بعض أصحابنا على شذوذ (فَبِها ونِعْمتْ)، فقال: «والتفسير واجب إن أُضمر الفاعل؛ لأنه إضمارُ قبل الذكر على شريطة التفسير، وقد شذّ (فَبِها ونِعْمَتْ) في قولهم: إن فعلتَ كذا فَبِها ونِعْمَتْ، أي: ونِعْمتِ الحاجةُ حاجتُك، فأضمر، ولم يأت بالتفسير» انتهى.
وقد نصَّ س على وجوب ذكر هذا التمييز ولزومه، قال س بعد ما ذكر: نِعمَ رجلاً عبد الله، وبعد ما قال: ومثلُه: رُبَّه رجلاً، قال: «ولا يجوز لك أن تقول: نِعمَ، ولا: رُبَّه، وتسكت؛ لأنهم إنما بدأوا بالإضمار على شريطة التفسير، وإنما هو إضمارُ مقدَّم قبل الاسم، والإضمار الذي يجوز السكوت عليه إضمار بعد ما ذكر الاسم مظهرًا، فالذي تقدَّم من الإضمار لازم له التفسير حتى يبيِّنه» انتهى.
والذي ورد في الحديث من قوله (مَنْ توضَّأَ يوم الجمعةِ فَبِها ونِعْمَتْ) جاء على سبيل ما ورد من قولهم: إنْ فَعلتَ كذا وكذا فَبِها ونِعْمَتْ، وقد اختُلف في تخريجه، فخرَّجه ابن عصفور على أنَّ التقدير: فبالرُّخصةِ أَخَذَ ونِعْمَتْ رخصةً الوضوءُ، فحذف التمييز والمخصوص.
وخرْجه المصنف على ما حكيناه عنه، وقدَّره: ونِعْمَتِ السُّنَّة سُنَّةً.
ونَّبهنا على أنه كان ينبغي أن يقدَّر على تخريجه: ونِعْمَتْ سُنَّةً السُّنَّةُ.
وخرّجه ابن هشام على أنَّ القدير: نِعْمَتِ الفَعْلةُ الأخذُ بالسُّنَّة، قال: «فالفَعْلة فاعلُ نِعم، والأخذُ بالسُّنَّة مبتدأ، والخبر في الجملة المتقدمة».
قال: «وجائز أن يكون خبر مبتدأ مضمر، حذف مع المبتدأ أيضًا لدلالة الكلام عليه».
قال: «وكونه مبتدأ أقوى» انتهى.
وهذا التخريج ليس جاريًا على قواعد البصريين؛ لأنه زعم فيه أنَّ الفَعلة فاعل نِعم، وهو محذوف، والفاعلُ لا يُحذف.

فرع: إذا كان المضمر مؤنثًا، وأتيت بتفسيره ـــ فهل تلحق نعمَ وبئسَ تاء التأنيث اعتبارًا بالتفسير أم لا تلحق، نصَّ المصنف في تمثيله في الشرح على لحوقها، فقال: «ويقع فاعل هذا الباب ضميرًا مستترًا مفسًّرًا بعده بتمييز مطابق للمخصوص بالمدح أو الذم، نحو: نِعمَ رجلاً زيدٌ، ونِعمَتِ امرأةً هندٌ، ونِعمَ رجلينِ الزيدان، ونِعْمَتِ امرأتين الهندانِ، ونِعْمَ رجالاً الزيدون، ونِعْمَ نساءً الهنداتُ».
ونصَّ أبو الحسين بن أبي الربيع على أنه لا تلحق تاء التأنيث، وإن كان المفسَّر مؤنثًا، قال: «لا تقول: نِعْمَتِ امرأةً هندُ، إنما يقال: نِعْمَ امرأةً هندُ استَغنَوا بتأنيث المفسَّر» انتهى.
فيكون لحاق التاء في قولهم إنْ فعلتَ كذا وكذا فَبِها ونِعْمَتْ على سبيل الشذوذ كما شَذُّوا في حذف التمييز.
ونصَّ أبو غانم المظهر بن أحمد بن حمدان في كتابه «المحلى» على تأنيث /الضمير المستكنّ، وإلحاق العلامة في الفعل لتأنيث المفسرِّ، فقال: «وإن شئت قلت: بئْسَتْ جاريةً جاريتُك، ونِعمَتْ جاريةً جاريتُك».
ونصَّ خطّاب المارديُّ على جواز إلحاق العلامة وعدم إلحاقها، فقال: «نِعْمَ جاريةَ هندُ، وإن شئت: نِعْمَتْ جاريةً هندُ، بنصب النكرة [على] الحال والتمييز، والفاعل مضمر» انتهى.
فأجرى الضمير مجرى الظاهر المؤنث، فكما تقول: نِعْمَ المرأةُ هندُ ونِعْمَت المرأةُ هندُ ــــ فكذلك الفعل مع المضمر.
ولا يجوز الفصل بين نِعْمَ ومفسرَّ المضمر، لا تقول: نِعمَ في الدار رجلاً زيدٌ، قاله ابن أبى الربيع.
والصحيح أنه يجوز، قال تعالى ﴿بئس للظلمين بدلا﴾، ففصَل بين (بئس) وتفسير المضمر بقوله (للظالمين).

وقوله وقد يَرِدُ بعد الفاعل الظاهر مؤكَّدًا وفاقًا للمرد والفارسي قال المصنف في الشرح: «منع س الجمع بين التمييز وإظهار الفاعل، وأجاز ذلك أبو العباس والفارسي، وقولهما هذا هو الصحيح، وحامل ُ س على المنع كون التمييز في الأصل مسوقًا لرفع الإبهام، والإبهامُ إذا ظهر الفاعل زائل، فلا حاجة إلى التمييز، وهذا الاعتبار يلزم منه منع التمييز في كل ما لا إبهام فيه، كقولك: له من الدراهم عشرون درهمًا، ومثل هذا جائز بلا خلاف، ومنه قوله تعالى ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا﴾ ، ﴿واختار موسي قومه سبعين رجلا﴾، ﴿فتم ميقت ربه أربعين ليلة﴾ ﴿فهي كاحجارة أو أشد قسوة﴾، فكم حُكم بالجواز في مثل هذا، وجُعل سبب الجواز التوكيد لا رفع الإبهام ـ فكذلك يفُعل في نحو: نِعمَ الرجلُ زيدُ، ولا يُمنع؛ لأنَّ تخصيصه بالمنع تحكُّم بلا دليل، هذا لو لم تستعمله العرب، فكيف وقد استعملته، كقول جرير يهجو الأخطل: والتَّغِلبِيُّونَ نِعمَ الفحلُ فحلُهمُ... فَحلاً، وأُمُّهمُ زلاًء مِنْطِيقُ

ومثله لجرير يمدح عمر بن عبد العزير: فما كَعْب بْنُ مامةَ وابْنُ سُعْدَى... بأجْوَدَ منكَ... يا... عُمَرُ الَجوادَا ومثله: نعْمَ الفَتاةُ فتاةً هندُ لو بَذَلَتْ... رَدَّ التَّحيَّة... نُطْقًا... أو بإيْماءِ ومثله على الأظهر الأبعد من التكليف: تَزَوَّدْ مِثلَ زادِ... أبيكَ فينا... فَنِعْمَ الزَّادُ زادُ... أَبيكَ زادَا ومن ورود التمييز للتوكيد لا لرفع الإبهام قول أبي طالب: ولقد علمتُ بأن دينَ محمدٍ... مِن خير أَديانِ البَريَّةِ دِينا ومثله قول الآخر: / فأمَّا التي خَيُرها... يُرتَجَى... فَأَجْوَدُ... جُودًا مِنَ اللاَّفِظَهْ» انتهي.
وفي الأمالي أنَّ بُجير بن الحارث بن عُبَاد قتله مهلهل، فقال أبوه حين بلغه الخبر: «نِعْمَ القَتيلُ قَتيلاً أصلَحَ بين بَكر وتَغلب».
هكذا جاء «قتيلاً» بالفتح، وهو شاهد لأبي العباس ومن قال بقوله؛ لأنه كلام غير شعر.

وبجواز الجمع بينهما قال ابن السراج.
وما نسبه المصنف إلى س من المنع هو ظاهر كلامه، وبه قال السيرافي وجماعة، واختاره ابن عصفور، قال س: «فالذي تقدَّم من الإضمار لازمُ له التفسير حتى يبَّنه، ولا يكون في موضع الإضمار في هذا الباب مظهر».
فظاهر هذا الكلام أنَّ الظاهر الفاعل والتمييز لا يجتمعان.
وتأوَّل الفارسيُّ كلام س على أنَّ معناه: لا يكون الفاعل ظاهرًا حيث يلزم التمييز، بل الفاعل في حال لزوم التمييز مضمر لا غير؛ ألا ترى أنك تقول: نِعمَ الرجلُ رجلاً زيدُ، فلا يكون التمييز لازمًا.
وأمَّا ما ذكره المصنف من أنَّ الحامل لـ «س» على المنع ما ذَكر فليس ذلك مذكورًا في كتاب س. وأمَّا تسوية جواز ذلك بجوازه فيما ذُكر من الآيات وأبيات الشعر التي ليست من هذا الباب فليس بجيد؛ للأنَّ الفرق ظاهر، وذلك أنَّ التمييز مبناه على التبيين، ثم يَعرض له في بعض المواضع أن يقترن بالكلام ما يُغني عنه، فيصير مؤكِّدًا؛ ألا ترى أنَّ عشرين وأربعين وأمثال ذلك محتاجة في أصل وضعها إلى التفسير، فإن اقَترن بها في بعض المواضع ما يبينها كان التمييز حينئٍذ مؤكِّدًا، وليس كذلك:

نِعمَ الرجل زيدٌ، فإنَّ الرجل غير محتاج إلى أن يبيَّن أنه رجل في موضع من المواضع، فبانَ الفرق بينهما، وهذا على تسليم أنَّ المضمر هو جنس كالرجل، فحينئذ يكون توكيدًا له لأنه قد تقدَّم لنا الخلاف في الضمير أهو جنس أم لا، وأنَّ القائلين بأن الألف واللام في الرجل في نِعمَ الرجلُ زيدٌ هي للجنس اختلفوا في هذا الضمير أهو جنس أم لا، وعلى تقدير التسليم أنه جنس لا يلزم أن تساوي حالة إضماره في البيان حالة إظهاره.
وأمَّا السماع الوارد في نِعمَ وبئسَ فقد تأوَّله المانعون لذلك، وتأوَّلوا فحلاً وفتاةً على الحال المؤكَّدة لا على التمييز، وتأوَّلوا زادًا على أنه منصوب بـ «تَزَوَّدْ» على أنه مصدر محذوف الزوائد ـــ وقد حكى الفراء استعماله مصدرًا ـــ أو على أنه مفعول به، و «مثل» منصوب على الحال؛ لأنه لو تأخر لكان صفة، ولَّما تقدم انتصب على الحال، وفُصل بجملة الاعتراض التي هي «فنِعمَ الزادُ زادُ أبيك» بين تَزَوَّد ومعموله، أو على أنه بدل من «مثل»، كأنه أوقعه على الخصوص، أي: تَزَوَّدْ مثلَ زاد أبيك زادًا حسنًا ودلً على الصفة قوله: فِنعمَ الزادُ زادُ أبيك.
وعندي تأويل غير ما ذكروه، وهو أقرب، وذلك أن يُدَّعى أنَّ في نِعمَ وبئسَ ضميرًا، وفَحلاً وفتاةً وزادًا تمييز لذلك الضمير، وتأخرَّ عن المخصوص على جهة الندور، كما روي نادرًا: نِعمَ /زيدٌ رجلاً، على نية التقديم، أي: نِعمَ رجلاً زيدٌ، والفحل والفتاة والزاد هي المخصوصة، وفَحلُهم وهندُ وزادُ

أبيك أبدال من المرفوع قبلها، والتقدير: والتَّغِلبِيُّون بئسَ فحلاً الفحلُ فَحلُهم، أي: بئسَ فحلاً فحلُهم، ونِعمَ فتاةً هندُ، أي: نِعمَ فتاةً هندُ، وفنعمَ زادًا الزوادُ زادُ أبيك، أي: فنِعمَ زادًا زادُ أبيك، كما تأوَّلنا نِعمَ زيدٌ رجلاً على التقديم والتأخير، أي: نِعمَ رجلاً زيدُ.
وهذا تأويل سائغ سهل، وفيه إبقاءُ نِعمَ على ما فيها من الإضمار وتفسير ذلك المضمر بالاسم المنصوب.
وفصَّل بعض أصحابنا، فقال: إن أفاد التمييز معنًى لا يفيده الفاعل جاز، نحو: نِعمَ الرجلُ رجلاً فارسًا زيدُ، لمًّا وصف التمييز بقوله فارسًا أفاد ما لم يُفده الفاعل.
واستدلَّ هذا المفصَّل على ما اختاره بقول أبي بكر بن الأسود: ذَرِينِي أَصْطَبِحْ، يا هندُ، إنِّي... رأيتُ الموتَ نَقَّبَ عن هِشام تَخَيَّرَهُ، ولَمْ يَعْدِلْ سِواهُ... فَنِعْمَ الحيُّ مِنْ حَيِّ تَهامِي ويروى: فَنِعْمَ الَمرءُ مِنْ رَجُلٍ تَهامي، وبقول الكَرَوَّس بن حصْن: وقائلةٍ: نِعْمَ الفَتَى أنتَ مِنْ فَتًى... إذا الُمرْضِعُ الهوجاءُ جالَ بَريمُها وصف حيَّا بتَهامٍ، فأفاد ما لم يُفده الفاعل.
وأراد بفتًى مُتَفَتَّ، وأعمله في الظرف، فأفاد ما لم يُفده الفتى.

وقد تُؤُوَّلَ «مِن حَيِّ تَهام» على أنَّ «مِن» فيه مبعَّضة، فليس بتمييز، فكأنه قال: نِعمَ الحيُّ كائنًا مِن بعضِ الحيِّ التِّهاميّ، أي: فَخِذًا منه.
وأمَّا «إذا» فالعامل فيها نِعمَ.
ويحتمل أن يكون في نِعمَ ضمير، ومِن فتًى: تفسير لذلك الضمير، والفتي هو المخصوص، وأنتَ بدل منه، وليس هو الفاعل، والتقدير: نِعمَ مِن فًتى الفتى أنتَ، أي: نِعمَ مِن فًتى أنتَ.
وقال بعض شيوخنا: «يجوز قليلاً على جهة التوكيد، حكي: نِعْمَ القتيلُ قتيلاً أصلحَ الله به بين فئتين».
وتلخَّص لنا في هذه المسألة ثلاثة مذاهب: المنع، والجواز، والتفصيل بين أن يزيد معنًى على الفاعل فيجوز، أوْ لا فلا.
ومِن أحكام هذا التمييز أنه لا تدخل عليه «مِن» إلا في ضرورة شعر، نحو: مِن حَيُّ تَهام، ومِن فتًى، فلا يجوز في الكلام: نِعمَ من رجلٍ زيدٌ.
وقوله ولا يمتنع عندهما إسناد نِعمَ وبئسَ إلى «الذي» الجنسية ذكر المصنف في الشرح أنَّ ظاهر قول الأخفش أنه [لا] يجيز: نِعمَ الذي يفعل زيدٌ، ولا يجيز: نِعمَ مَن يفعلُ زيدٌ، قال: «ولا بنبغي أن يُمنع؛ لأنَّ (الذي يفعل) بمْنزلة (الفاعل)، ولذلك اطَّرد الوصف به، ومقتضى النظر الصحيح ألاَّ يجوز مطلقًا، ولا يُمنع مطلقًا، بل إذا قُصد به الجنس جاز، وإذا قُصد به العهد مُنِع» انتهى.
فأجاز أبو العباس والفارسي أن تقول: نِعمَ الذي بُعث بالرسالة محمدُ - صلى الله عليه وسلم -، كما يقال: نِعمَ المبعوثُ بالرسالة محمدُ - صلى الله عليه وسلم -

ومنع ذلك الكوفيون، وجماعة من البصريين، منهم ابن السراج، وأبو عمر في «الفرخ»، قال: لا تكون الأسماء الموصولة فاعل نِعمَ على كل وجه، ولم يَرد /به سماع، والقياس المنع؛ لأنَّ كل ما كان فاعلاً لِنعمَ، وكان فيه أل ـــ كان مفسِّرًا للضمير المستتر فيها إذا نُزعت منه، و (الذي) ليس كذلك.
وأمَّا مَنْ وما الموصولتان إذا أريدَ بهما الجنس فذهب قوم من النحويين إلى أنه يجوز أن تكونا فاعلَين لِنعمَ وبئسَ، واستدلُّوا على ذلك بالقياس والسماع ــ وهو اختيار المصنف، ذكر ذلك في شرحه ـــ قال صاحب «البسيط»: «أمَّا القياس فلأنهما بمعنى الذي والتي، وهما فاعلان لهما لوجود الألف واللام باتَّفاق لصحة معنى الجنس» انتهى.
وهذا وهم من صاحب «البسيط» وعدم اطِّلاع في قوله «إنَّ الذي والتي يكونان فاعلَين لِنعمَ وبئسَ باتَّفاق»، وقد ذكرنا أنَّ المنع مذهب الكوفيين وجماعة من البصريين، وذكرنا أنه لم يَرد به سماع، ولا يقتضيه قياس.
وأمَّا السماع فاستدلُّوا بقوله تعالي ﴿فَنِعِمَّا هِىَ﴾، وتقدم الكلام على «ما» إذا اتصلت بنِعمَ وبئسَ، وفيه عدة أقول، وبقول الشاعر: وكيفَ أرهَبُ أمرًا، أو أُراعُ لَهُ... وقد زَكَأتُ إلى بِشرِ بنِ مَرْوانِ؟

فَنِعْمَ مَزْكأُ مَنْ ضاقَتْ مَذاهِبُهُ... ونِعْمَ مَنْ... هُوَ في سِرِّ وإغْلانِ فظاهر «مَن» أنها موصولة، وقد وقعت فاعلة لنِعمَ، ووقع مَزكأ ــــ وهو مضاف لِمَنْ، وهي موصولة ــــ فاعلاً لنِعمَ.
والصحيح المنع، ولا حجة في البيت لا حتمال أن تكون «من» مِن قوله «فنِعمَ مَزكأُ مَن ضاقت» نكرة موصوفة، كما قال: رُبَّ مَنْ أنْضَجْتُ غَيظًا صَدرَهُ.............................................. وتكون نِعمَ قد رفعت النكرة المضافة إلى نكرة على ما ثبت بنقل الأخفش وغيره أنَّ ذلك لغة للعرب.
وأمّا «ونِعمَ مَن هو» فتأوَّله أبو عليّ على أنه تمييز، وفي نِعمَ ضمير، ومَن تفسير له، فهو في موضوع نصب.
وقال المصنف في الشرح رادَّا على أبي عليّ: «لا يصحُّ لوجهين: أحدهما: أنَّ التمييز لا يقع في الكلام بالاستقراء إلا بنكرة صالحة للألف واللام، ومَن بخلاف ذلك، فلا يجوز كونها تمييزًا.
الثاني: أنَّ الحكم عليها بالتمييز عند القائل به مرتب على كون من نكرة غير موصوفة، وذلك منتفٍ بإجماع في غير محل النِّزاع، فلا يصار إليه بلا دليل عليه» انتهى.

ولأبي عليّ أن يقول: مَن هنا نكرة غير موصوفة، وليس الجملة التي بعد مَن ـ وهي: هو في سِرِّ وإعلان ـــ في موضع الصفة لَمنْ، بل مَن تمييز، و «هو» هو المخصوص بالمدح، وهو عائد على بشر بن مروان، وهو الممدوح.
وقوله ونَدَرَ نِعْمَ زيدُ رجلاً قال المصنف في الشرح: «وأمَّا ما رُوي من قول بعضهم نِعمَ زيدُ رجلاً فُيحمل على أنَّ الأصل فيه: نِعمَ رجلاً زيدُ، على أن الفاعل مضمر، ورجلاً مفسِّره، وزيدُ مبتدأ، خبره نِعمَ وفاعلها، وليس فيه شذوذ إلا بكون التمييز مسبوقًا بالمبتدأ، فيكون في ذلك نظير قول الشاعر: والتَّغْلِبِيُّونَ نِعْمَ... الفَحْلُ فَحْلُهُمُ فَحْلاً.................................» البيت» انتهى وهذه المسألة فيها خلاف: /ذهب البصريون إلى أنه يجب تقديم التمييز على المخصوص، فلا يجوز: نِعمَ زيدُ رجلاً، وقد منعَ من ذلك س في كتابه.
وذهب الكوفيون إلى جواز ذلك، وهو قبيح عند الفراء.
وتقدَّم مذهبهم في ذلك، وهو أنه ليس في نِعمَ وبئسَ ضمير، وإنما هما رافعان لزيد، وانتصب رجلاً علي الحال عند الكسائي، وعلى التمييز عند الفراء.
وقوله ومرَّ بقومٍ نِعْمُوا قومًا هذه أيضًا مسألة خلاف: ذهب س والبصريون إلى أنَّ الضمير الذي في نِعمَ رجلاً زيدُ شرطه أن يكون مفردًا، سواء أكان تمييزه مفردًا أم مثَّنى أم مجموعًا.
وأجاز قوم من الكوفيين تثبية هذا الضمير وجمعه،

فتقول: قومُك نِعْمُوا رجالاً، وأخواك نِعْما رجلَين.
وروى ذلك الكسائي عن العرب، وحكى الأخفش في كتابه «الكبير» عن أبي محمد وأبي صالح الأسديين: نِعْما رجلَين الزيدان، ونعْمُوا رجالاً الزيدون، ونِعِمْتُم رجالاً الزيدون، ونِعِمْتُم رجالاً، ونِعِمْنَ نساءً الهنداتُ، ثم قال: «إني لا آمن أن يكونا قد فُهِّما التلقين» انتهى.
وقال س: «واعلم أنك لا تُظهر علامة المضمرين في نِعمَ، لا يقولون: نِعْمُوا رجالاً، يكتفون بالذي يفسَّره» انتهى.
وقوله ونِعْمَ بهم قومًا قال المصنف في الشرح 6: «ومَن قال نِعمَ بهم فمراده نِعْمُوا، ولكن زاد باء الجر في الفاعل كما زيدت في كفى بالله» انتهى.
وقوله ونِعمَ عبدُ الله خالدُ، وبئسَ عبدُ الله أنا إن كان كذا، وشهدتُ صفِّينَ وبئسَتْ صفُّون قال المصنف في الشرح: «وإذا ثبت أنَّ مميِّز هذا الباب قد يُحذف للعلم به أَمكنَ أن يُحمل عليه ما أَوهمَ بظاهره أنَّ الفاعل فيه عَلَمُ أو مضاف إلى عَلَم، كقول ابن مسعود ـــ - رضي الله عنه - ـــ أو غيره من العبادلة: (بئسَ عبدُ الله أنا إن كان كذا)، وكقول النبي ـــ - صلى الله عليه وسلم - ــ: (نِعمَ عبدُ اللهِ خالدُ بنُ الوليد)، فيكون

بئسَ ونِعمَ مُسنَدَين إلى ضميرين حُذف مفسراهما، وعبد الله مبتدأ، وأنا وخالد بدلان.
ومن هذا النوع أيضًا قول سهل بن حُنيَف - رضي الله عنه -: (شَهدتُ صِفِّين وبئسَتْ صفُّونَ)» انتهى.
يعني أن يكون التقدير: نِعمَ رجلاً عبدُ الله خالدُ، وبئسَ رجلاً عبدُ الله أنا، وبئستْ بقعةً صفُّون» انتهى.
وهذا التخرج الذي خرَّجه مبنيّ على جواز حذف التمييز، وتقدم الكلام فيه، والصحيح منع حذفه.
وما روي من نحو (نِعمَ عبدُ الله خالد) أجاز الجرمي القياس عليه، فأجاز: نِعمَ عبدُ الله زيدُ.
ومنعَه عامة النحويين، وهو الصحيح؛ لأنه إن كان عَلَمًا فلا يجوز من حيث لم يجز: نِعمَ زيدٌ، وإن كان عبد الله واحدًا من العبيد أضيف إلى الله تعالى فلا يجوز أيضًا؛ لأنَّ اسم الله تعالى عَلَمُ وإن كانت فيه أل، فكما لا يجوز نِعمَ غلامُ زيدٍ عمرُو فكذلك لا يجوز: نِعمَ عبدُ الله هذا، وقد جاء في الشعر، قال: بِئْسَ... قَومُ... الله... قَومُ... طُرقُوا... فَقَرَوْا... جارَهم... لَحْمًا... وَحِرْ وسهَّل هذا كون «قوم الله» يقع على ما يقع عليه القوم إذا أدخلتَ عليه أل، وهو مع ذلك /مضاف في اللفظ إلى ما فيه أل.
وإن لم تكن أل معرفة، ولا ينبغي أن يقاس على هذا؛ لأنَّ فاعل نِعمَ وبئسَ إذا كان مضافًا إلى ما فيه أل فإنه يجوز نزع أل وتنكيره وجعله تفسيرًا للضمير المستكنّ في نعمَ وبئسَ؛ فتقول في نعمَ أخو العشيرة زيدُ: نعمَ أخا عشيرٍة زيدُ، ولا يجوز مثل هذا في «بئسَ قومُ الله قومُ طُرقوا».

وأمَّا ما جاء من قولهم نِعمَ العُمَرُ عمرُ بن الخطاب فهو من تنكير العلم، كقولهم: لا هَيْثَمَ الليلةَ لِلْمَطِيَّ فكأنه قال: نِعمَ المتسمّون بهذا الاسم.
وقد جاء اسم الإشارة معمولاً لبئسَ في الشعر، قال: بئسَ هذا الحيُّ حَيَّا ناصرًا... ليتَ أَحياءَهُمُ فِيمَنْ هَلَكْ وهذا البيت فيه شذوذ من حيث رَفعت بئسَ اسم الإشارة، ومن حيث الجمع بين الفاعل الضاهر والتمييز.
وهو محتمل التأويل على أنَّ في بئسَ ضميرًا، وحيَّا ناصرًا تفسيره، تأخر في الشعر، و «هذا الحيّ» هو المخصوص بالذم، والتقدير: بئسَ حيَّا ناصرًا هذا الحيُّ.
ص: ويُدَلُّ على المخصوص بمفهومَي نِعمَ وبئسَ، أو يُذكَرُ قبلهما معمولاً للابتداء أو لبعض نواسخه، أو بعدَ فاعلِهما مبتدأً، أو خبرَ مبتدأ لا يظهر، أو أَوَّلَ معمولَي فعلٍ ناسخ.
ومن حَقّه أن يختصّ ويصلح للإخبار به عن الفاعل موصوفًا بالممدوح بعد نِعمَ وبالمذموم بعد بئسَ، فإن بايَنَه أُوِّل.
وقد يُحذف، وتَخلُفه صفتُه اسمًا وفعلاً.
وقد يغني متعلِّقُ بهما.
وإن كان المخصوص مؤنثًا جاز أن يقال: نِعْمَتْ وبِئسَتْ مع تذكير الفاعل.

ش: المخصوص هو المقصود بالمدح أو الذم.
ومعنى يُدَلُّ عليه أي: يُحذف للدلالة عليه بما قبله، كقوله تعالى (إنا وجدنه صابرا نعم العبد)،أي: نِعمَ العبدُ أَيُّوبُ، وقال الشاعر: إنِّي اعْتَمَدتُكَ يا يَزيـ... دُ، فَنِعْمَ مُعْتَمَدُ الوَسائلْ أي: أنتَ.
وفي «البسيط» ما نصه: ولا بُدَّ من ذكر الممدوح أو المذموم المقصود باسمه الخاصِّ به في جملة المدح أو الذمِّ إمَّا لقظًا أو نِيَّة، أمَّا النيَّة فكقوله تعالى (فنعم المهدون) أي: نحن، وقوله تعالى ﴿نعم العبد﴾ يريد: أَيُّوب.
وذهب بعض المتأخرين إلى أنه لا يجوز نِيَّة إلا إذا تقدَّم ذكره؛ لأنه محتاج له ذكرًا لِما تذكره، ولا يُحذف نِيَّة لأنها لا تستقلّ، فهو كالعوض لها من التصرف، ولأنهم لَمَّا مدحوا الجنس، وأعرضوا عن المقصود ـــ وهو الشخص ـ كان ذكره بدلاً من الإعراض في الفاعل، فلو حُذف لَمَا عُلم الممدوح رأسًا، ولا يكون، وأمَّا الآيتان فقد فيهما ذكر المحذوف، لقوله (إنا وجدنه)، وقوله (والأرض فرشنها)، فلو لم يتقدم لم يجز، فكأنه قال: والأرضَ فرشناها فنحن 5 الماهدون).
والأكثرون لم يشترطوا التقدم؛ لأنه خبر ابتداء، وهو يُحذف للعلم والاختصار.
وقوله أو يُذكَرُ قبلَهما معمولاً للابتداء /مثاله: زيدُ نِعمَ الرجلُ، وعمرُو وبئسَ الغلامُ، وزيدُ نِعمَ رجلاً، وعمرُو بئسَ رجلاً، ولا خلاف أنَّ الجملة بعد المبتدأ

في موضع الخبر، سواء أقيل بفاعليَّة نِعمَ وبئسَ أم باسميَّتهما.
وجَوَّزوا في قول من قال باسميَّة نِعمَ وبئسَ إعرابَهما مبتدأ، والمخصوص الخبر، والعكس.
وفي الرابط لهذه الجملة بالمبتدأ أربعة مذاهب: أحدها: ما ذهب إليه الجمهور، وهو أنَّ الربط حصل بالعموم الذي في مرفوع نِعمَ وبئسَ؛ لأنَّ أل للجنس، والجنس انتظم زيدًا.
قالوا: ومن الربط بالعموم قولُه تعالى ﴿والذين يمسكون بالكتب وأقاموا الصلوة إنا لا نضيع أجر المصلحين﴾،، وقول الشاعر: فأمَّا الصُّدورُ لا صُدُورَ لِجَعْفَرٍ... ولكنَّ... أَعْجازًا شَديدًا... ضَريرُها وقولُ الآخر: فأمَّا القتال لا قِتالَ... لَدَيكُمُ... ولكنَّ... سَيرًا في عِراضِ الَمواكِبِ وتُؤُؤِّل هذا كله على أنَّ الرابط فيه ليس العموم، وإنما الرابط وضع الظاهر موضع المضمر، أي: فأمَّا الصدورُ فلا هي لجعفر، وأمَّا القتال فلا هو لديكم.
وزعموا أنَّ الشاهد على الربط بالعموم قول الشاعر: ألا ليتَ شِعري هل إلى أُمِّ مالكٍ... سبَيلُ، فأمَّا الصبَّرُ عنها فلا صَبْرَا وقال أبو زيد السهيلي: «لو صحَّ ذلك لجاز أن تقول: زيدُ لا رجلَ في الدار».
وقال غيره: «وكذلك كان يصحُّ: ما زيدُ قائمًا أحدُ، وما زيدُ قائمًا ولا

ذاهبًا أحدُ، ونحو».
وأُجيبَ عن هذا بأنه لم يوضع ما بعد هذه أن يكون للجنس كما وُضع في المدح والذم.
وذهب أبو محمد بن السيِّيْد البَطَلْيَوْسي إلى أنَّ الرابط محذوف، والتقدير: زيدُ هو نِعمَ الرجلُ، فزيدُ: مبتدأ، وهو: مبتدأ ثانٍ، ونِعمَ الرجلُ جملة في موضع خبر هو، والجملة من قوله هو نِعمَ الرجلُ في موضع خبر زيد، والرابط هو، وهو المبتدأ الثاني.
ورُد عليه بأنَّ «هو» هذا المقدَّر المعرب مبتدأ قد أخبرتَ عنه بقولك: نِعمَ الرجلُ، فيحتاج إلى تقدير هو أخرى، والقول في هو هذه الأخرى يحتاج إلى تقدير هو أخرى، فيؤدي إلى تقدير مبتدآت لا نهاية لها، وذلك لا يجوز.
قال بعض أصحابنا: ولابنِ السِّيد أن يقول: لا يلزم هذا؛ لأنَّ الجملة إذا كانت خبرًا عن الاسم المصمر هي من جهة المعنى خبر عن الظاهر الذي المضمرُ كنايةُ عنه؛ وإذا كان كذلك لم يحتج الضمير إلى ضمير، وهذا صحيح، والربط معنوي، فلا يلزمه ذلك.
وذهب ابن الطّراوة إلى أنه لا يحتاج إلى تقدير «هو» قبل الجملة، بل «نِعمَ الرجلُ» تحمَّل الضمير؛ لأنَّ مذهبه أنَّ التركيب أصاره اسمًا بمعنى الممدوح أو المذموم، فتحمَّل الضمير الذي يتحمَّله الممدوح أو المذموم.
وذهب القائلون بأنَّ أل للعهد إلى أنَّ الربط حصل بتكرير المبتدأ باسمٍ هو المبتدأ من /حيث المعنى؛ وذلك جارٍ على مذهب أبي الحسن في إجازته: زيدُ قام أبو عمرو، إذا كان أبو عمرو كنيةً لزيدٍ، وكما جاز أن يربط بالظاهر الذي

ليس بالموصول جملة الصلة في نحو قولهم: أبو سعيدٍ الذي رويتُ عن الخدري، يريدون: رويتُ عنه ـ جاز ذلك هنا.
وإذا قلت زيدُ نِعمَ رجلاً فتجيْ هذه المذاهب إلا على مذهب ابن الطراوة، فالرابط هو الضمير الذي رَفَعَتْه نِعمَ وبئسَ، لكنه حُذف.
وقوله أو لبعضِ نَواسخه يعني أنَّ المخصوص يكون معمولاً لبعض نواسخ الابتداء، مثاله في باب كان قوله: إذا... أَرسَلُوني عندَ... تَقديرِ حاجةٍ... أُمارِسُ فيها، كُنتُ نِعْمَ المُمارسُ ومثاله في باب إنَّ قوله: إنَّ ابنَ عبدِ الله نِعْـ... مَ أَخُو النَّدى وابنُ العَشيرَهْ وقولُه: إنِّي إذا أُغْلِقَ بابُ الصَّيْدَن... نِعْمَ شَفيعُ الزائرِ المُسْتأذِنِ ومثاله في باب ظنَّ: ظننت زيدًا نِعمَ الرجلُ، وقولُ زهير: يَمينًا لَنِعْمَ السِّيِّدانِ وُجِدتُما... على كُلِّ حالٍ من سَحيلٍ... ومُبْرَمِ

وقوله أو بعدَ فاعلِهما مبتدأً مثاله: نِعمَ الرجلُ زيدُ، وبئسَ الغلامُ عمرُو، والجملة قبلهما خبر عنهما، وذلك كما كانت خبرًا حالة تقدُّم المخصوص، وتقدَّمت الجملة كما تقدَّمت حين وقعتْ خبرًا للمبتدأ المتأخر في قول الشاعر: قد ثَكِلَتْ أُمُّه مَنْ كُنْتَ واحِدَهُ... وصار مُنْتَشِبًا في بُرْثُنِ الأسَدِ ولذلك ساغ عود الضمير من الجملة على مَن، وإن كان متأخرًا في اللفظ؛ لأنَّ النية بالجملة التأخير.
وإعرابه مبتدأ مع التأخر ـــ ولا يجوز غيره ـــ هو مذهب س، على ما نبيِّنه إن شاء الله، وهو اختيار ابن خروف وهذا المصنف.
وقوله أو خبرَ مبتدأ لا يظهر هذا الإعراب نُسب إلى س، وممن نسبه إلى س هذا المصنف في الشرح، قال فيه: «وأجاز س كون المخصوص خبر مبتدأ واجب الإضمار».
ثم أخذ في ردِّ هذا القول ناقلاً كلام ابن خروف من حيث المعنى.
وأجاز هذا الإعرابَ فيه جماعة، منهم السيرافي وأبو علي والصَّيْمَريُّ وأجاز جماعة أن يكون مبتدأ حُذف خبره.
وذكر ابن عصفور أنَّ هذين الإعرابين مذهب الجمهور.

وأبطل المتأخرون الأمرين بوجهين: أحدهما: أنه إمَّا أن تقدر مرفوعًا، هو الممدوح، وهو محذوف، أو لا، فإن لم تقدر كان الممدوح محذوفًا من جملة المدح لأنَّ ما بعده مستقلّ، وقد تقدَّم أنه لا بدَّ منه، ولا تستقلُّ بنفسها، وإن أضمر فيكون التقدير في قولك نِعمَ الرجلُ زيدٌ: زيد هو نِعمَ الرجلُ، ويقع الكلام في هو، فيؤدي إلى التسلسل، وقد أبطلنا ذلك في قولك: زيدٌ نِعمَ الرجلُ، في تقدير /ابن السِّيد: زيدٌ هو نِعمَ الرجلُ.
والوجه الثاني: إمَّا أن يكون الضمير الكائن في الجملة الابتدائية يعود على شيء من جملة المدح أو لا، فإن عاد فليس فيها ما يعود عليه إلا الفاعل، وهو جنس، فلا يخبر عنه بالشخص، وإن لم يكن عائدًا على شيء من الجملة كان على غير متقدم ولا متأخر، وذلك لا يجوز.
وقال ابن خروف: «ثبت باتفاق كونه مبتدأ بدليل جواز دخول ناسخ الابتداء عليه، ولا دليل على جواز الوجهين الآخرين مع تكلف الإضمار، فينبغي ألا يقال به» انتهى.
ولو كان يجوز فيه أن يكون خبرًا لمبتدأ لانتصب في قولك: نِعمَ الرجلُ كان زيدُ؛ لأنَّ ذلك المضمر يصير اسمًا لكان، فيلزم نصب زيد، ولا تَّصل منصوبًا أو انقصل بكان في قولك: نِعمَ الرجلُ أنتَ، إذا أَدخلتَ كان، فكنت تقول: نِعمَ الرجلُ كانك أو كان إياك، ولا يقال، إنما يقال: نِعمَ الرجلُ كنتَ.
ولو كان خبر مبتدأ محذوف للزمَ حذف الجملة رأسًا في نحو ﴿نِعْمَ العَبدُ﴾؛ إذ يصير التقدير: أيُّوبُ الممدوح، ولا يجوز حذف الجملة رأسًا، إلا إن كان في الكلام ما ينوب عنها، نحو: نَعَمْ، وبِلِى، ولا، ونحوها من حروف الجواب.

وللزم أيضا كون هذه الجملة لا تكون متعلقة بالأولي؛ لأنها لا موضع لها من الإعراب، وليست مفسِّرة؛ إذ المفسِّرة يجوز أن يُستغنَى عنها بالجملة التي قبلها، ولا يجب ذكرها، وهذه ليست كذلك، ولا هي جملة اعتراض.
وللزمَ أيضًا حذف جملتين لا دليل على حذفهما، وهي جملة السؤال وجملة الجواب.
وأيضا فالمفهوم من قولك: نِعمَ الرجلُ زيدٌ، وزيدٌ نِعمَ الرجلُ ــ واحد، فكما لا يُتَوَهَّم في زيدُ نعمَ الرجلُ أنه على كلامين، فكذلك في: نِعمَ الرجلُ زيدٌ.
وقال المصنف في الشرح: «ومن لوازم كونه خبرًا قبل دخول كان أن يقال: نِعمَ الرجالُ كانوا الزيدين، ونِعمَ النساءُ كُنَّ الهنداتِ، ونِعمَ الرجلُ ظَننته زيدًا، ونِعمَ الرجلان وُجدا إياكما، لكنَّ العرب لم تقل إلا: نِعمَ الرجالُ كان الزيدون، ونعمَ النساءُ كانت الهندات، ونعِمَ الرجلُ ظننتُ زيدًا، ونِعمَ الرجلان وُجدتما، فعُلم بهذا أنَّ المخصوص لم يكن قبله ضمير، فيكون هو خبره بل كان مبتدأ مخبرًا عنه بجملة المدح أو الذم».
قال: «ومِن لوازم ذلك جواز دخول إنَّ؛ لأنَّ الخبر والمخبر عنه عند من يري صحة ذلك جملة خبرية أُجيب بها سؤال مقدر، وتوكيد ما هو كذلك بإنَّ جائز، والجواز هنا مُنتَفٍ مع أنه من لوازم الخبرية، فالخبرية إذًا منتفية؛ لأنَّ انتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم.
وأمَّا على القول بكول المخصوص مبتدأَ مقدَّم الخبر فيلزم منه موافقة الواقع، وهو امتناع دخول إنّ إلا مع تقدُّم المخصوص، كقولك: إنَّ زيدًا نِعمَ الفتى» انتهى، وفيه بعض تلخيص.
ولقائلٍ أن يقول: الذي قال فيه إنه خبر مبتدأ محذوف لم يقل ذلك على سبيل الوجوب، بل على سبيل الجواز، ويمكن أن العرب حين أدخلت الناسخ لم تُراع هذا الجائز، بل راعت الجائز الآخر، وهو أن يكون مبتدأ؛ لأنها التزمت حذف

جارٍ التحميل