في الاشتقاق: استأببت فلاناً بباءين، أي: اتخذته أباً.
وقوله: وقد يقال أخو قد ذكرنا الدليل على ذلك فيما أنشد الكسائي والفراء دليلا على أنه وزنه فعل بسكون العين.
وقوله: وقد يقصر حم وهما وهذا هو الأصل، لأنه من حيث وزنها فعل كان يلزم القصر فيها، سواء أضيفت أم لم تضف، فتقول: قام حماك وأباك وأخاك وقام أبا وأخا وحماً، وقصر حم مشهور، نص عليه أصحابنا، ومنه قيل للمرأة حماة، وحكاه أبو عبيد عن الأصمعي وأما قصر أب فقال الفراء من العرب من يقول: هذا أباك، بالألف على كل حال وقال:
إن أباها وأبا أباها قد بلغا في المجد غايتاها
وأما قصر أخ فزعم الفراء أن قصر أخ لم يسمعه كما سمعه في أب وأجاز ذلك هشام، أجاز: جاءني ومررت/ بأخاك وحكي " مكره أخاك لا بطل"، وأنشد المصنف في الشرح مستدلاً على قصر
الأخ:
أخاك الذي إن تدعه لملمه يجبك بما تبغي، ويكفك من يبغي
وإن تجفه يوماً فليس مكافئاً فيطمع ذا التزوير والوشي أن يصغي
ولا دليل فيه لأنه يحتمل أن يكون منصوباً بإضمار فعل، التقدير: ألزم أخاك، وإّذا دخل الدليل الاحتمال سقط به الاستدلال.
والضمير في قوله: أو يلزمها النقص عائد على أخ وأب وحم، ويعني بالنقص حذف لاماتها كحذف لام غد وشبهه، فمن نقص أب قول الراجز:
يأبه اقتدى عدي في الكرم ومن يشابه أبه فما ظلم
وقول الآخر:
سوى أبك الأدنى وأن محمداً... علا كل عال يا بن عم محمد
ومن نقص أخ ما حكاه أبو زيد من قولهم: " جاءني أخك".
وأجاز الفراء: هذا أبك وأخك.
فدل ذلك على أنه لغة لا ضرورة.
وأما نقص حم فحكي الفراء أنه يقال: هذا حمك: وأنكر هذه اللغة البصريون قال س في النسب إلى حم: حموي، قال: " ولا يجوز إلا
ذا" ولو جاز أن تقول " هذا حمك" لجاز أن تقول في النسب: حمي، كما تقول إلى يد: يدي ويدوي.
فتلخص في أب وأخ وحم القصر والنقص ومصاحبة الحروف حالة الإضافة، وفي أب وأخ التشديد، وفي أخ وحم بناؤه على فعل، وفي حم بناؤه مهموزاً على فعل أو فعل، وفي هن النقص والتشديد ومصاحبة الحروف حالة الإضافة.
وترتيب لغات حم في الجودة: مصاحبة الحروف، فالإتمام على فعل بالواو كدلو، فالقصر، والنقص، فالإتمام على فعلٍ بالهمز، فعلى فعل بالهمز، ذكره بعض أصحابنا.
وقوله: كيد ودم، وربما قصرا استطرد من ذكر لغات هذه الأسماء إلى ذكر لغة غيرها مما شبهها به، ومن غَلب عليه حُبُّ شيء استغرقه، وليس من الضروري ذكر لغاتِ هذه الأسماء فضلاً عن ذكر ما شبهت به، ولا هو داخل في علم النحو.
وأنشد المصنف في الشرح قولَ الشاعر:
غفلت، ثم أتت تطلبه... فإذا هي بعظام ودما
وقولَ الراجز:
يا رُبَّ سارٍ بات ما توسدا... إلا ذراع العنس أو كف اليدا
ويحتمل هذا البيت أن يكون "اليدا" تثنيةً على لغة من
يثني بالألف مطلقاً، وحذف النون على حد قولهم " بيضك ثنتا وبيضي مائتا" فلا يكون فيه حجة، فيحتاج في إثبات قصر اليد إلى دليل غيره.
وقول الآخر:
أهان دمك فرغاً بعد عزته... يا عمرو بغيك إصراراً على الحسد
وقولَ الآخر:
.................. والدم يجري بينهم كالجدول
-[ص: وقد تُثَلَّثُ فاء فم منقوصاً أو مقصوراً، أو يضعف مفتوح الفاء أو مضمومها، أو تتبع فاؤه حرف إعرابه في الحركات كما فُعل بفاء مرءٍ وعيني/ امرئ وابنم، ونحوهما فوك وأخواته على الأصح، وربما قيل: "فا" دون إضافة صريحة نصباً، ولا يختص بالضرورة نحو: يصبح ظمآن وفي البحر فمه خلافاً لأبي علي.]-
ش: قال أبو جعفر النحاس: حكي الكوفيون في فم لغات لا يعرفها أكثر البصريين.
قال أبو عمرو الشيباني: يقال: فم، وفم، وقال الفراء: وفي فم لغات: إعراب الفاء والميم، ورفع الفاء في كل وجه، وفتح الفاء وإعراب الميم.
فقول المصنف: " وقد تثلث فاء فم منقوصاً" فالفتح هو
المشهور، وحكى س في تثنيته: فمان، والضم حكاه الشيباني والفراء والكسر حكاه الشيباني.
وقوله: أو مقصوراً يعني أنه يقال: فما وفما وفماً ولم يذكر المصنف في شرحه شاهداً إلا على الفتح، قال: " أنشد الفراء:
يا حبذا عينا سليمي والفما
وحكي ابن الأعرابي في تثنيته: فموان وفميان".
وأطلق القول، فدل على أن ذلك لا يختص بالنظم دون النثر وعلى هذا يكون قول الفرزدق:
هما نفثا في في من فمويهما.....................
فصيحاً، إذ قد ثبت القصر وتثنيته بقول ابن الأعرابي وقد أجاز ذلك س، أجاز فموان وأنشد بيت الفرزدق
ولأبي العباس في هذا البيت قولان:
أحدهما: أن قوله: "فمويهما" لحن، لأنه جاءت الميم مع الواو، والميم بدل منها، فالجمع بينهما خطأ.
والقول الآخر: أنه جعل الواو بدلا من الهاء لخفائها للين وهذا إنما
قاله أبو العباس لاعتقاده أن الميم ليست من أصل بنية الكلمة، وإنما هي بدل من الواو.
قال أبو العباس: تقول في الإفراد فم فاعلم، فتبدل الميم من الواو لأنهما من مخرج واحد.
وإنما الميم والباء والواو من الشفة، وكانت الميم أولى بالبدل من الباء لأن الواو من الشفة، ثم تهوي في الفم لما فيها من المد واللين حتى تنقطع عند مخرج الألف، والميم تهوي في الفم حتى تتصل بالخياشيم لما فيها من الغنة والباء لازمة لموضعها" انتهى كلامه.
وعلى ثبوت لغة القصر تكون الميم من أصل بنية الكلمة وانقلبت الألف في التثنية واواً وياء اعتباراً لما انقلبت عنه من ياء أو واو.
وقوله: أو يضعف مفتوح الفاء أو مضمونها أما التضعيف فحكاه ابن السكيت وأنشد
يا ليتها قد خرجت من فمه
قال: ولو قيل من فمه لجاز.
وأنشد صاحب الترقيص:
ألذ ما ضممت عندي ضمه... كطعم شهد ريقه وفمه
وحكى كراع فم بالضم والتشديد وحكي صاحب " اليواقيت" الفتح والضم والكسر مع التشديد، قال: " والأول أفصح" يعني الفتح، وقال اللحياني: " يقال فم وأفمام" فدل الجمع على أن التشديد لغة ضرورة، إذ كان تفريعاً على مادة المفرد.
وخالف ابن جني فقال: " الوجه أن تشديد الميم ليس بلغة" انتهى.
واتضح بهذه النقول أنه له مواد أربع: " ف وهـ" وهي التي زعم الأكثرون أنها الأصل، ويدل عليها التصغير والتكسير والاشتقاق، نحو فوية وأفواه وما فاه بكذا وفلان أفوه ومفوه ونحوها.
" ف م ي" " ف م و" ويدل عليه: هذا الفما، والتثنية فميان فموان.
"ف م م" يدل عليه أفمام
وقوله: أو تتبع فاؤه حرف إعرابه في الحركات هذا حكاه الفراء، فتقول: هذا فم ورأيت فماً ونظرت إلى فم.
والأفصح في فم المخفف فتح فاء فم، ثم ضمها ثم كسرها، ثم الإتباع وهي أضعف اللغات، لأن سبب الإتباع إنما هو الإضافة، فإذا زالت الإضافة فينبغي أن يزول الإتباع وكان الضم دون الفتح لأنه يلزم فيه الخروج من ضم إلى كسر حالة جر، ولولا أن الكسرة عارضة لما جاز ذلك.
وكان الكسر دون الضم لأنه فيه الخروج من كسر إلى ضم، ولا يوجد البتة لا في اسم ولا فعل، الخروج من ضم إلى كسر، فإنه يوجد في الفعل نحو ضرب.
وقوله: كما فعل بفاء مريء لغا ثلاث: إحداها الفتح على كل حال، وبها جاء القرآن قال تعالى: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ والثانية الكسر على كل حال.
والثالثة حكاها ابن السكيت وغيره وهي الإتباع بأنه تبع لأن الهمزة قد تخفف، فتقول: مر، فيقع على الراء الإعراب وقرأ الحسن بكسر الميم، يعني في قوله: ﴿بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ وقرأ ابن
أبي إسحاق (بين المرء) بضم الميم.
وقال: ناس من تهامة يجرون الميم، كأنه يكسر الميم إذا انكسرت الهمزة، ويضمها إذا انضمت، ويفتحها إذا انفتحت، كما يقول بعض العرب: هذا فمك، وفي فمك.
وقوله: وعيني امرئ وابنم أما امرؤ ففيه لغتان: إحداهما الإتباع كما ذكر المصنف، وهي لغة القرآن، قال تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾.
والثانية فتح الراء في كل حال والإعراب في الهمزة حكاها الفراء، وأنشد:
بأبي امرأ والشام بيني وبينه أتتني ببشرى برده ورسائله
قال: وأنشد أبو ثروان:
أنت امرأ من خيار الناس كلهم... تعطي الجزيل، وتشري الحمد بالثمن
وعلى هذه اللغة جاء التأنيث، قالوا: امرأة وهي الأصل.
وحكي الجوهري أن من العرب من يضم الراء على كل حال، فيقول: رأيت امرؤ ومررت بامرؤ.
ولا تدخلا أل على امرئ استغنوا بدخولها على مريء.
وقال الفراء بعض نويس يقولون: الامرؤ الصالح وإلا مرآة الصالحة فيدخلون اللام على امرئ.
وقال أبو علي: " ولعل هذا الذي سمعها منه لم يكن فصيحاً.
لأن قول الأكثر على خلافه"
واختلفوا في وزن امرئ: فذهب ألجرمي إلى أن وزنه فعل بفتح العين ولذلك قال: إن سميت به وجمعته بالواو والنون قلت مرؤون، أو جمع تكسير قلت أمراء لأنه على مثال ابن.
وذهب أبو بكر/ بن شقير إلى أن وزنه فعل بسكون العين، وقال تعالى: ﴿بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ ومن قال في النسب مرئي فإنما غيره كما غيرت أشياء كثيرة في النسب.
وأما "أبنم" فهو ابن زيدت عليه الميم، وفيه لغتان: إحداهما فتح النون وهي القليلة فتقول جاء أبنم ورأيت ابنماً ومررت بابنم.
والثانية إتباع حركة النون لحركة الإعراب في الميم، فإذا ثنيت فتحت النون والميم، تقول ابنمان.
ولم تجمعه العرب فتقول ابنمون، وإن كانوا قد جمعوا ابناً فقالوا بنون.
ولم يسمع بتأنيثه، وإن كان قد سمع تأنيث ابن نحو ابنة
وقال المتلمس:
وهل لي أم غيرها إن ذكرتها أبى الله إلا أن أكون لها ابنما
قال أبو العباس: " وأتبعوا لأن هذه الميم زيدت على اسم كان مفرداً منها، وكان الإعراب يقع على آخره فلما زدت عليه ميماً عربت الميم إذ كانت طرفاً وأتبعت ما قبلها إذ كانت الميم قد تسقط فيرجع الإعراب" انتهى.
وهذا الذي ذكرناه من أن الحركة التي في راء امرئ ونون ابنم إذا وافقت حركة الآخر وهي حركة إتباع لا حركة إعراب هو مذهب البصريين.
وذهب الفراء وغيره من الكوفيين إلى أنها حركة إعراب، وأن الاسم معرب من مكانين، قال يعقوب: يقال: هو امرؤ فيعرب من مكانين من الراء ومن الهمزة، وقال الفراء: وأما ابنم فيعرب من مكانين وكذلك أبوك وأخوك وحموك وفوك وذو مال، هي معربة عندهم من مكانين وسيأتي تبيين ذلك عند ذكرنا المذاهب التي في هذه الأسماء إن شاء الله تعالى
وقوله: ونحوهما فوك وأخواته على الأصح يعني أن أباك وأخواته نحو امرئ وابنم في الإتباع، فإذا قلت قام أبوك فأصله أبوك ثم أتبعت حركة الباء لحركة الواو، فقيل أبوك ثم استثقلت الضمة في الواو فحذفت.
وإذا قلت مررت بأبيك فأصله يأبوك ثم أتبعت حركة الباء لحركة الواو، فصار بأبوك ثم استثقلت الكسرة في الواو فحذفت، فصار بأبوك، ثم انقلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها فصار بأبيك.
وإذا قلت رأيت أباك فأصله أبوك، فقيل: تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفاً والأولى أن نقدر أن حركة الباء هي حركة إتباع بعد حذف حركة الأصل لتتوافق الأحوال كلها رفعاً ونصباً وجراً في الإعراب.
وهذا الذي ذكر أنه الأصح هو مذهب س وأبي علي
الفارسي وجمهور البصريين وأصحابنا وأتبع في هذه الأسماء ولم يتبعوا في نظيرها مثل عصاك لأن الإعراب كان قد دخل الحرف الذي قبل حرف الإعراب في حال من الأحوال من غير أن يتغير معنى الاسم في الحالين حين قلت: أخ وأب وحم وهن، ولما لزم الإتباع في هذه أتبعوا في فيك وذي مال وإن لم يدخل فيما قبل حرف الإعراب منهما إعراب في حال من الأحوال/ حملاً على أخواتهما، إذ قد استقر من أحكام كلامهم أنه إذا لزم شيء في بعض الباب حمل الباقي عليه كيعد وما حمل عليه.
وقوله: على الأصح مما يفسد اختياره أولا أن هذه الحروف هي نفس الإعراب، وأنها نابت عن الحركات فنابت الواو عن الضمة والألف عن الفتحة، والياء عن الكسرة.
وهذا الذي اختاره من النيابة وأنها هي الإعراب هو مذهب قطرب والزيادي والزجاجي من البصريين وهشام من الكوفيين في أحد قوليه.
ولم يذكر المصنف في هذا الكتاب غير هذين المذهبين وفي هذه الأسماء عشرة مذاهب: منها هذان المذهبان.
والثالث: مذهب المازني وأصحابه واختاره الزجاج، وهو أنها معربة بالحركات التي قبل هذه الحروف وهذه الحروف إشباع.
الرابع: مذهب قوم منهم ألربعي، وهو أنها معربة بالحركات التي قبل هذه الحروف وهي حركات منقولة من هذه الحروف.
والخامس: مذهب قوم من المتأخرين منهم أبو الحجاج الأعلم وأبو عبد الله بن أبي العافية، وهو أنها معربة بالحركات التي قبل هذه الحروف وليست منقولة بل هي الحركات التي كانت فيها قبل أن تضاف فثبتت الواو في الرفع لأجل الضمة، وانقلبت ياء لأجل الكسرة وألفاً لأجل الفتحة.
السادس: مذهب الكسائي والفراء وهو أنها معربة بالحركات والحروف معاً وهو الذي يعنون به أنه إعراب من مكانين.
السابع: مذهب ألجرمي وهشام في أحد قوليه وهو أنها معربة
بالتغير والانقلاب حالة النصب والجر، وبعدم ذلك حالة الرفع.
الثامن: مذهب أبي زيد السهلي وتلميذه أبي علي الرندي، وهو أن " فاك" و"ذا مال" معربان بحركات مقدرة في الحروف وأن أباك وأخاك وحماك وهناك معربة بالحروف.
التاسع: مذهب الأخفش أنها دلائل إعراب.
وقال كذلك في المثنى والمجموع على حده.
واختلف في تفسير قول الأخفش إنها دلائل إعراب على قولين:
فقال أبو إسحاق والسيرافي: المعنى أنها معربة بحركات مقدرة في الحروف التي قبل حروف العلة ومنع من ظهور الحركات في تلك الحروف كون حروف العلة تطلب حركات من جنسها.
وقال ابن السراج وابن كيسان: معنى قول الأخفش أنها حروف إعراب ولا إعراب فيها لا ظاهر ولا مقدر فهي دلائل إعراب بهذا التقدير.
فعلى هذا الاختلاف في فهم قول الأخفش في المثنى يمكن أن يفسر قوله في هذه الأسماء إنها دلائل إعراب فيكون قولا التفسير مذهبيين، وهما التاسع والعاشر.
وقال صاحب البسيط: " قال الأخفش: هي زوائد دوال على الإعراب
كالحركات.
وظاهر هذا القول أنها ليست حروفاً للإعراب ولا إعراباً كما قال قطرب.
وقال أبو علي وجماعة من أصحابه: هي حروف إعراب ودوال على الإعراب وكأن جمع بين قول/ الأخفش وسيبويه، فحكموا بأنها حروف إعراب وصورها المختلفة تغني عن تقدير الإعراب فهي لامات.
والجمع لا يصح، لأن كونها دوال يقتضي كونها زائدة على مذهب الأخفش وكونها حرف إعراب يقتضي كونها غير زائدة " انتهى.
فأما المذهب الأول فهو الذي اختاره المصنف أولاً وبدأ به، ونصره في الشرح ب"أن الإعراب إنما جيء به لبيان مقتضى العامل، ولا فائدة في جعل مقدر متنازع فيه دليلاً وإلغاء ظاهر واف بالدلالة المطلوبة، ولا يمنع من ذلك أصالة الحروف لأن الحرف المختلف الهيئات صالح للدلالة، أصلا كان أو زائداً مع أن في جعل الحروف المشار إليها نفس الإعراب مزيد فائدة، وهو كون ذلك توطئة لإعراب المثنى والمجموع على حدة لأنهما فرعان على الواحد وإعرابهما بالحروف لا مندوحة عنه، فإذا سبق مثله في الآحاد أمن من الاستبعاد فلم يحد عن المعتاد" انتهى ما ذكره المصنف.
وفيه مناقشات:
الأولى: قوله: " ولا فائدة في جعل مقدر متنازع فيه دليلاً" وهذا لا يتم إلا على مذهب من يقول: الإعراب مقدر في الحروف أو فيما قبل الحروف أما على مذهب من يزعم أن هذه الحركات التي قبل هذه الحروف
هي الإعراب -وذلك على مذهب المازني أو ألربعي أو الأعلم - فليس الإعراب مقدراً فقد تساوت هذه المذاهب مع مذهبه في أن الإعراب ظاهر.
المناقشة الثانية قوله: " ولا يمنع من ذلك أصالة الحروف إلى آخر تعليله" نعم يمنع من ذلك لأن الحرف الأصلي لا يكون إعرابا لأن الإعراب زائد على أصول الكلمة أو ما نزل منزلة الأصل من زائد والفرض أن هذا الحرف أصل، فتدافعا.
وقوله هذا يؤدي إلى مذهب ألجرمي لأن أصل هذه الحروف هو واو وقد ثبت في الرفع ولم ينقلب وانقلب في النصب والجر، وسيأتي فساده.
والمناقشة الثالثة قوله: " وإعرابهما بالحروف لا مندوحة عنه" بل عنه مندوحة، وسيأتي ذكر الخلاف في إعراب المثنى والمجموع وأن أكثر النحويين لا يقول إنهما معربان بالحروف.
وقد رد أصحابنا هذا المذهب الذي اختاره المصنف وقالوا: هو فاسد لأمرين:
أحدهما أن الواو قد ثبتت في هذه الأسماء قبل دخول العامل عليها، فلو كانت إعرابا لم يوجد فيها إلا بعد دخول العامل.
وقد تنبه المصنف لهذا حين قال: " ونحوهما فوك وأخواته على الأصح" فقال في الشرح مرجحاً للأصح عنده: " إن من الأسماء السنة ما يعرض استعماله دون عامل، فيكون بالواو، كقولك: أبو جاد هوز، فلو كانت الواو من الأسماء قائمة مقام ضمة الإعراب لساوتها في التوقف على عامل، وفي عدم ذلك دليل على أن الأمر بخلاف ذلك" انتهى قوله.
وهو منقود أيضاً لأن الضمة تساوي الواو، ولا
يتوقفان على عامل، حكي النحويون أن العرب إذا تلفظت بأسماء العدد لمجرد العدد، ولم تعن معدودًا، ولا دخل عليها عامل لا في اللفظ ولا في التقدير، أنها تكون مضمومةً/ لكن بشرط أن تعطف على غيرها، أو يعطف غيرها عليها، فيقولون لمجرد العدد بلا عامل: واحد واثنان وثلاثةً وأربعةً، كلها بالضم، فقد ساوت الضمة الواو في ذلك.
والأمر الثاني في إفساد هذا المذهب هو أن الإعراب زائد على الكلمة، فيؤدي ذلك إلى بقاء فيك وذي مالٍ على حرف واحد، وهما معربان وصلًا وابتداء، وذلك لا يوجد إلا في شذوذ من الكلام، نحو ما حكي أبو بكر بن مقسم عن أبي العباس أحمد بن يحيى من قولهم: "شربت ما يا فتى"، يريدون: شرب ماء يا فتى.
وأما بقاء الاسم المعرب على حرف واحد في الوصل دون الابتداء فيوجد في كلامهم، نحو قولك: "من أب لك" في لغةً من ينقل.
وأما المذهب الثاني - وهو مذهب س - فهو الذي صححه المصنف، ورجحه بما سبق ذكره عنه، وبأن أصل الإعراب أن يكون بحركات ظاهرة أو مقدرةً، فإذا أمكن القدير على وجه يوجد معه النظير فلا عدول عنه، وقد أمكن ذلك.
وإذا كان التقدير مرعيًا في المقصور والمحكي والمتبع في نحو: جاء الفتى، ومن زيدًا؟ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ووا غلام زيداه، مع عدم ظاهر تابع للمقدر، فهو عند وجوده ذلك أحق بالرعاية.
وأما المذهب الثالث فرده أصحابنا بان الإشباع بابه الشعر، نحو قوله في إشباع الواو:
وأنني حيثما يثني الهوى بصري من حيثما سلكوا أدنوا فانظروا
وفي إشباع الألف:
أعوذ بالله من العقراب الشائلات عقد الأذناب
وفي إشباع الياء:
يحبك قلبي ما حييت، فإن أمت يحبك عظم في التراب تريب
يريد: فأنظر، والعقرب، وترب.
وهذه الحروف تكون في هذه الأسماء في فصيح الكلام.
وأما المذهب الرابع فرده أصحابنا بأن النقل لا يكون إلا في الوقف
بشرط أن يكون الحرف المنقول إليه الحركة ساكنًا صحيحًا، والمنقول منه صحيحًا، نحو قوله:
أنا ابن ماويةً إذ جد النقر
يريد النقر.
وهذه الأسماء ينطق بها هكذا في الوصل والوقف، وقد فات شرط النقل في الوقف أيضًا.
وضعفه المصنف في الشرح بأنه يلزم فيه جعل حرف الإعراب غير آخر والتباس فتحة الإعراب بالفتحة الني تستحقها البنية.
وأما المذهب الخامس فهو فاسد لأنه إما أن تكون الحروف لامات الكلمات ردت إليها حالة الإضافة، أو تكون زائدةً نشأت عن الحركات، فإن كانت زائدةً نشأت عن الحركات فهو المذهب الثالث، وقد تبين فساده.
وإن كانت لامات الكلمات ردت إليها فيلزم من ذلك جعل الإعراب في عينات الكلمات أو في فاءاتها مع وجود اللامات التي هي حروف الإعراب، أو العينات التي هي محل الإعراب عند فقد اللامات، وذلك/ لا يجوز لأن الإعراب إنما يكون في آخر الكلمة لفظًا أو تقديرًا.
وأما المذهب السادس فهو فاسد بما فسد به قول من قال: "الإعراب بالحروف".
وأيضًا ففيه خروج عن النظير؛ إذ لا يوجد علامتا إعراب في معرب واحد.
وقال عبد الرحمن بن إسحاق: "معرب من مكانين محال عند البصريين؛ لأنه لو جاز أن يجعل في اسم واحد رفعان لجاز أن يجتمع فيه إعرابان مختلفان، فكما امتنع المختلفان امتنع المتفقان" انتهى كلامه.
وإذا بنيت على هذا المذهب من أوى مثل أبوك لقلت: آياك، أو من وأى قلت: ووؤؤك، أو من هوى قلت: هايك.
فإن جمعت قلت: ايوك وهيوك ووؤؤك، فيختلف في الأوليين المفرد والجمع، ويتفقان في وؤوك.
وإذا ثنيت قلت: هذان آياك، ووؤياكز واختلف الكسائي والفراء في تثنية هايوك، فقال الكسائي: هوياك، وقال الفراء: هاياك.
وأما المذهب السابع فرد بأنه يلزم فيه عدم النظير؛ إذ لم يوجد في الأسماء المفردة معتلة الآخر كانت أو صحيحةً ما إعرابه كذلك، وإذا أمكن حمل إعرابها على ما له نظير كان أولى.
وبأن عامل الرفع لا يكون أحدث فيها شيئًا، ويكون عدم التأثير إذ ذاك علامةً للرفع، والعدم لا يكون علامة للإعراب.
ولما أحسن ابن عصفور بهذا عدل في التثنيةً والجمع إلى قوله:
إن علامة الرفع فيهما بقاء اللفظ على حاله قبل دخوله ليأخذ ذلك ثبوتيًا لا عدميًا.
وأما المذهب الثامن فرد كون أبيك وأخيك وحميك وهنيك معربة بالحروف بما رد به الأول.
وأما المذهب التاسع - وهو أن بمدر أنها معربة بالحركات المقدرة في الحروف التي قبل حروف العلة - فرد بما زد به المذهب الخامس.
وأما المذهب العاشر فهو ظاهر الفساد؛ إذ لا يكون حرف إعراب إلا ويكون فيه الإعراب إما ظاهرًا وإما مقدرًا.
وقوله: وربما قيل "فا" دون إضافة صريحةً نصيًا.
لا يجوز عند البصريين أن يفرد إلا بالميم لأنه لا يلحقه التنوين، إذ لو لحقه لحذف حرف المد واللين، فكان يكون على حرف واحد، ولا يجوز، وأما ما أنشد الكوفيون للعجاج من قوله:
خالط من سلمى خياشيم وفا
فتأوله ابن كيسان على أنه إنما جاز ذلك لأنه موضع لا يلحقه التنوين فحذف،: فحذف التنوين، ويقي مفردًا على حرفين، إذ الألف هي المنقلبة عن عين الكلمة، فلم يلزم من ذلك أن يبقى على حرف واحد.
وذهب المصنف إلى أنه حذف المضاف، ونوي ثبوته، إذ أرادت خياشيمها وفاها، وهو قول أبي الحسن، فبقي على حاله مع المضاف إليه
المثبت.
قال: "ومثله:
وداهية من دواهي المنو... ن، يرهبها الناس، لا فا لها
أقحم اللام، وثنوى الإضافة، كقولهم: لا أبا لك" انتهى.
وليس مثله لأن "خياشيم وفا"، لم يذكر بعدها ما يضاف إليه رأسًا، فهو مضاف إلى مفقود في اللفظ.
وأما "لا فا لها" فليس ثم مضاف إليه محذوف.
بل هو الضمير المتصل به لام الجر، وليس التقدير: لا فاها لها، فليس مثله.
ويشعر قوله: وربما/ قيل بالتقليل، وهذا لم يسمع منه إلا هذا، وهو من ضرائر الشعر الذي حسنه الوزن وما قبله من عدم الإضافة، ولا يجوز مثل هذا في الكلام.
وقوله: خلافًا لأبي علي زعم أبو علي الفارسي أن الميم لا تثبت حالة الإضافة إلا في الشعر.
وسأل عيسى بن عمر ذا الرمة; هل تقولون: هذا فو؟ فقال: بل يقولون: قبح الله ذا فا.
وهي عربيةً، فاستعملها في الإفراد من غير عوض.
قال المصنف في شرحه: "والصحيح أن ذلك جائز في النظم والنثر، وفي الحديث، الصحيح "لخلوف فم الصائم".
وعلى مذهب أبي علي أصحابنا، قالوا: "وقد يعوضون في الضرورة من الواو ميمًا في حال الإضافة، نحو قوله:
يصبح عطشان وفي البحر فمه
ولذلك لم يجعل فم مفردًا من "فمه" لأن فما استعمل في الفصيح، وفمه لا يكون إلا في الضرورةً، وأيضًا فإن الإفراد قبل الإضافة، فلا يجعل الإفراد منها.
قال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: "وأقبح من ذلك في الضرورةً أن تعوض الميم مشددة في حال الإضافة، نحو قوله:
يا ليتها قد خرجت من فمه حتى يعود البحر في أسطمه
انتهى.
فجعل التشديد مع الإضافة من أقبح الضرورات، وليس التشديد كما زعم، بل تقدم لنا أن يعقوب واللحياني نقلا التشديد، وأن اللحياني نقل أنه جمع على أفمام، فعلى هذا التشديد لغة لا ضرورةً.
-[ص: وتنوب النون عن الضمة في فعل اتصل به ألف اثنين أو واو جمع أو ياء مخاطبة، مكسورة بعد الألف غالبًا، مفتوحةً بعد أختيها، وليست دليل الإعراب، خلاف للاخفش.]-
ش: يشمل قوله ألف اثنين أن تكون الألف علامة نحو قولك: يقومان الزيدان، أو ضميرًا نحو: الزيدان يقومان.
وكذلك قولك: يقومون الزيدون، والزيدون يقومون.
وهذا الذي ذكرناه من تقسيم الألف والواو إلى علامة تثنية وجمع وإلى ضمير هو على المشهور، وسيأتي في باب المضمر ذكر الخلاف فيه إن شاء الله.
ومثل المصنف في الشرح علامةً الجمع بقوله: "يتعاقبون فيكم ملائكةً بالليل وملائكةً بالنهار"، وردد ذلك في كتبه، فيقول: على لغة "يتعاقبون فيكم"، وهي اللغة التي يسميها النحاة لغة "أكلوني البراغيث"
وما مثل به ليس على ما زعم؛ لأن الحديث، رواه مطولًا مجودًا البزار في
مسنده، فقال فيه: "إن لله ملائكة يتعاقبون فيكم، ملائكةً بالليل وملائكةً بالنهار" وفي آخره: "وتركناهم وهم يصلون" فاغفر لهم اللهم يوم الدين".
فالواو في "يتعاقبون" ضمير يعود على الملائكة، وارتفع "ملائكةً" على أنه بدل من الواو.
واختصر الحديث، مالك، وأصله هذا الحديث المطول المجود.
وقوله: مكسورةً بعد الألف الأصل في زيادة هذه النون للإعراب الكسون لأن الحركة زيادةً، فلا ينبغي أن تدعى إلا بدليل، وحركت لالتقاء الساكنين، وكانت الحركةً كسرةً على أصل التقاء الساكتين، أو حملًا على نون التثنية للشبه الذي بينهما.
وقوله: غالبًا/ إشارةً إلى فتح بعض العرب إياها، كقراءةً من قرأ ﴿أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾ بفتح النون.
وقوله: مفتوحةً بعد أختيها يعني بعد الواو نحو تفعلون، وبعد الياء نحو تفعلين.
وكانت مفتوحةً طلبًا للتخفيف، فلم يكررها على أصل التقاء الساكنين استثقالًا للجمع بين الواو والكرة، أو بين الياء والكرة، أو حملًا على نون الجمع؛ لأن الأفعال فرع عن الأسماء بدليل افتقارها إليها في التركيب، فكما فتحت في زيدون وزيدين فكذلك فتحت في تفعلون وتفعلين.
وقوله: وليست دليل الإعراب، خلافًا للأخفش قال المصنف في
الشرح: "زعم الأخفش أن هذه النون ليست إعرابًا، وإنما هي دليل إعراب مقدر قبل ثلاثة الأحرف.
قال: "وهو قول ضعيف لأن الإعراب مجتلب للدلالةً على ما يحدث بالعامل، والنون متصفةً بذلك، فادعاء إعراب غيرها مدلول عليه بها مردود لعدم الحاجة إليه والدلالة عليه.
وهذا الذي حكاه المصنف عن الأخفش حكاه لنا صاحبنا أبو جعفر أحمد بن عبد النور المالقي صاحي كتاب "رصف المباني في حروف المعاني" عن أبي زيد السهيلي، قال: زعم أبو زيد السهيلي أن الإعراب مقدر في الأحرف التي قبل هذه الأحرف، كما هو مقدر في "غلامي"، وأن شغل تلك الحروف بالحركات المناسبة لهذه الحروف منعها من ظهور الإعراب في تلك الحروف، كما منع الإضافة إلى ياء المتكلم من ظهور الحركة في آخر المضاف لشغل الآخر بالحركةً التي تطلبها ياء المتكلم.
قيل له: فما بال هذه النون تثبت في الرفع وتحذف في النصب والجزم؟
فقال ما معناه: إن هذه النون إنما لحقت هذه الأفعال لوقوعها موقع الأسماء، فهي من تمام دخول الرفع في المضاف لقيامه مقام الاسم، فكما قلت: إن زيدًا يقوم، فرفعته لحلوله محل قائم، فكذلك إذا قلت: إن الزيدين يقومان، لحقته هذه النون لحلوله محل قائمان، فإذا لم يحل محل الاسم لم تلحقه النون، فإذا قلت: لم يقوما، أو لن يقوما، لا يتقدر: لن قائمان، ولا:
لم قائمان، فلم تثبت النون لذلك، ولذلك إذا دخل الناصب والجازم في نحو لن يضرب ولم يضرب ذهب الرفع لأنه لا يحل محل الاسم.
فعلى مذهبه تكون علامة الرفع في نحو يقومان ضمةً مقدرةً في الميم، وأما في النصب ففتحةً مقدرةً، وأما في الجزم فسكون الميم تقديرًا.
وذهب الفارسي إلى أن هذه الأفعال معربةً، ولا حرف إعراب فيها، قال: "لأنه لا يكون حرف الإعراب فيها النون لسقوطها للعامل، وهي حرف صحيح، ولا يكون الضمير لأنه الفاعل، ولأنه ليس في آخر الكلمة، ولا ما قبل الضمائر من اللامات لملازمتها لحركة ما بعدها من الضمائر من ضم وفتح وكسر، وحرف الإعراب لا يلزم الحركةً، فلم يبق إلا أن تكون معربةً، ولا حرف إعراب فيها" وبين قول الفارسي هذا وقول الأخفش مناسبةً، إلا أن الأخفش يقول: إن الإعراب فيها مقدر، فهو أشبه.
وفي البسيط: "زعم بعضهم أنها - يعني الألف والواو والياء في المضارع - علامة إعراب بمنزلة الزيدان والزيدون، تدل على التثنية والجمع/ للفاعل.
ووجه فساده أن النون إما أن تكون كنون التثنية، ويبطل بحذفها في بعض الأحوال، أو يكون لها حظ في الإعراب، ويبطل لأنه إما أن تكون معربةً من مكانين، ولا يكون لأنه خروج عن الفصاحة واستعمال ما لا يحتاج إليه ولا نظير له، أو كون لها مع من الإعراب؛ لأنها إن كانت علامةً رفع مثلًا فلا تكون الواو موجودةً حينئذ، وبالعكس، ولم تكن" انتهى.
وهذا الخلاف المنقول عن الأخفش وعن السهيلي وعن غيرهما يبين وهم من ذكر أنه لا خلاف بين النحويين في أن النون علامة إعراب لا حرف إعراب، وهو الأستاذ أبو الحسن بن عصفور قال: "بدليل حذف الجازم
لها، والجازم لا يحذف حرف الإعراب إذا كان متحركًا، وإنما يحذفه إذا كان ساكنًا، ثم لم يغز، ولم يخش ولم يرم".
-[ص: وتحذف جزمًا ونصبًا، ولنون التوكيد، وقد تحذف لنون الوقايةً، أو تدغم فيها، وندر حذفها مفردة في الرفع نظمًا ونثرًا وما جيء به لا لبيان مقتضى العامل من شبه الإعراب، وليس حكايةً أو إتباعًا أو نقلًا أو تخلصًا من مسكونين، فهو بناء، وأنواعه ضم وفتح وكسر ووقف.]-
ش: مثال حذفها جزمًا ونصبًا: لم يقوما ولن يقوما.
وإنما حمل المنصوب على المجزوم لأن الجزم مختص بالفعل، فحمل المشترك على المختص، ولم يحمل على المشترك، وهو الرفع، كما حمل منصوب المثنى والمجموع على حده على مجروره، قالوا: رأيت الزيدينِ والزيدينَ حملًا على مررت بالزيدينِ وبالزيدينَ.
ومثال حذفها لنون الوقاية قول تعالى: ﴿أَتُحَاجُّونَنِي فِي اللَّهِ﴾ في قراءة من حذف النون.
وقد اختلف في المحذوفةً، فقيل: هي نون الرفع، وهو مذهب، واختيار المصنف، ورجح ذلك في شرحه إنها قد تحذف دون سبب مع عدم ملاقاتها لنون الوقاية، ولا تحذف نون الوقايةً المتصلةً بفعل محض غير مرفوع بالنون، وحذف ما عهد أولى من حذف ما لم يعهد
حذفه، وأيضًا فنون الرفع نائبةً عن الضمةً، وقد حذفت الضمة تخفيفًا في الفعل في نحو ﴿إِنَّ اللهَ يَامُرُكُمْ﴾ ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾ في قراءة من سكن، وفي الاسم نحو ﴿وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ﴾ اللام، في قراءة من سكن اللام، وليؤمن بذلك تفضيل الفرع على الأصل، وليؤمن أيضًا حذف نون الوقاية، إذ لا يعرض لها سبب آخر يدعو إلى حذفها، وحذف نون الوقاية أولًا لا يؤمن معه حذف نون الرفع عند الجزم والنصب، ولأن نون الوقاية لو كانت المحذوف لاحتج إلى كسر نون الرفع بعد الواو والياء، وإذا حذفت نون الرفع لم يحتج إلى تغيير ثانٍ.
انتهى، وفيه بعض اختصار.
وقال س في بعض أبواب نون التوكيد: وتقول: هل تفعلن ذلك؟ فتحذف نون الرفع لأنك ضاعفت النون، وهم يستثقلون التضعيف، فحذفوها إذ كانت تحذف وحدها - يعني في الجزم والنصب - وهم في هذا الموضع أشد استثقالًا للنونات، وقد حذفوا فيما هو أشد س ذلك، بلغنا أن بعض القراء قرأ ﴿أَتُحَاجُّونَنِي﴾، وكان يقرأ ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾، وهي قراءة أهل
المدينة، استثقالاً للتضعيف/" وقال في:
... فليني
"وإنهم مما يحذفون لفظ النون للاستثقال، فإذا حذفوها هنا للتكرير، وهي لا تحذف وحدها، فالتي تحذف وحدها أولى بالحذف".
ونقل المصنف أن أكثر المتأخرين ذهب إلى أن المحذوفة نون الوقايةً، وأن الباقية نون الرفع، وهو مذهب الأخفش والمبرد والأخفش الصغير وأبي علي وابن جني، لأنها المتكررةً المستثقلة، ولا تدل على إعراب، فكانت أولى بالحذف.
ويمكن أن يستدل له بأن نون الوقاية يجوز حذفها لكثرة الأمثال في نحو إنَّني وكأنَّني، وهذه الحروف إنما لحقها نون الوقاية تشبيهًا بالفعل، فلو لم
يكن يجوز حذفها في بعض جنس الفعل لاجتماع الأمثال لما جاز حذفها في إنَّ وكأنَّ وشبههما، ولكان يلزم من ذلك تفضيل الفرع على الأصل في ذلك.
وأيضًا فنون الرفع دخلت لعامل، ونون الوقاية جاءت بغير عامل، فلو كان المحذوف هو نون الرفع للزم من ذلك وجود مؤثر بلا أثر مع إمكانه.
وأيضًا فدخول نون الوقاية إنما يضطر إليها حيث لا يكون ثَمَّ ما يمكن أن يقي الفعل من الكسر، وقد أمكن ذلك بنون الرفع، فإنه يحصل بها كونها علامةً للرفع، وكونها تقي الفعل من الكسر، فكان حذف نون الوقاية أولى.
ومثال الإدغام فيها قراءة من قرأ ﴿أَتُحَاجُّونِّي﴾ ﴿تَامُرُونِّي﴾ بالتشديد.
ومثال ندور حذفها في الرفع نظمًا قول الشاعر:
فإنْ يَكُ قوم سرهم ما صنعتم... ستحتلبوها لاقحًا غير باهل
وقال الراجز:
أبيت أسري، وتبيتين تدلكي... وَجْهَكِ بالعنبر والمسك الذكي
يريد: ستحتلبونها، وتبيتين تدلكين وأنشد صاحب «البسيط»:
ولا تغصبوا الناس أموالهم... إذا مَلَكتم ولم تغصبوا
على أن "لا تغصبوا" نفيٌ لا نهي، أي: ولا تَغْصِبُون.
ومثال ذلك نثرًا قراءة أبي عمرو في رواية من روى ذلك عنه ﴿قَالُوا سَاحِرَانِ تَظَّاهَرَا﴾، بتشديد الظاء، وأصله تتظاهران، فأدغم التاء في الظاء، وارتفع (ساحران) على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: قالوا أنتما ساحران تظاهرا.
وفي الحديث "والذي نفس محمد بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا"، أصله: لا تدخلون ولا تؤمنون.
وحذف هذه النون عند أصحابنا من غير جازم ولا ناصب ولا اجتماع مثلين مخصوص بالشعر إجراء لها مجرى الضمة في ذلك.
وقوله: وما جيء به لا لسان مقتضى العامل إلى آخره أراد أن يحصر حركات آخر الكلمة، وكان قد ذكر حركات الإعراب، وهي الضمةً والفتحةً والكسرةً، فذكر أن الحركة تكون للحكاية نحو: من زيدًا؟ ومن زيدٍ؟ لمن قال: رأيت زيدًا، ومررت بزيد.
وقد ذكرنا الخلاف في هذه الحركات وأن مذهب الكوفيين أنها/ حركة إعراب، وبينا ذلك في شرح باب الحكاية من هذا الكتاب.
وتكون للإتباع نحو قراءة عن قرأ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ بكسر الدال، ومنهم زيد بن علي، وقراءة من قرأ ﴿لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا بضم التاء، أتبع في الأولى الدال للام، وفي الثانية التاء لضمة الجيم.
وتكون للنقل نحو قراءة ورش {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ﴾ بفتح الميم، نقل حركة الهمزة إلى الميم، وحذف الهمزة.
وتكون للتخلص من ساكنين، نحو قوله تعالى: ﴿مَن يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ حرك الهمزة لأنها ساكنةً قد لقيت اللام ساكنةً، فحركها ليخلص من الجمع بين ساكنين.
وقوله: فهو بناء أي: ما خالف حركة الإعراب، وحركة الحكاية، وحركه الإتباع، وحركة النقل، وحركة التخلص من ساكنين، فهو بناء.
فتلخص عن كلامه أن حركات الآخر ست.
ونقصتنه حركةً سابعةً، وهى حركة المضاف إلى ياء المتكلم غير مثنى ولا مجموع على حده على مذهب الجمهور، فإنها ليست حركة بناء عندهم، ولا هي من الحركات التي عدها.
وقوله: وألقابه ضم وفتح وكشر ووقف وهذه التسمية لألقاب البناء بالضم والفتح والكسر والوقف، ولألقاب الإعراب بالرفع والنصب والجر والجزم هي لـ "س"، ولذلك قال في كتابه: "وإنما ذكرت ثمانية محار لأفرق"، فذكر أنه ذكر ذلك لتفر ق بين ما يحدث بعامل وبين ما وضعت عليه الكلمة فلا يزول.
وكثير من النحويين البصريين والكوفيين يقولون: إنها تجري على أربعة مجارٍ، ولا يفرقون في الحركات كما فرق س. وقد غلط أبو عثمان س في قوله: "وهى تجري على ثمانيةً مجار"، قال: لأن المبني لا يتغير، فكيف تكون له مجار" ذكر ذلك عن أبي عثمان أبو يعلى بن أبي زرعة.
ولابني كيسان والزجاج وعلي بن سليمان ومحمد بن الوليد كلام في تصحيح كلام س ليس هذا موضعه.
-[ص:
باب إعراب المعتل الآخر
يظهر الإعراب بالحركة والسكون، أو يقدر في حرفه، وهو آخر المعرب، فإن كان ألفًا قدر فيه غير الجزم، وإن كان ياء أو واوًا تشبهانه قدر فيهما الرفع، وفي الياء الجر.
وينوب حذف الثلاثة عن السكون إلا في الضرورةً، فيقدر لأجلها جزمها، ويظهر لأجلها جر الياء ورفعها ورفع الواو، ويقدر لأجلها كثيرًا، وفي السعة قليلًا، نصبهما ورفع الحرف الصحيح وجره، وربما قدر جزم الياء في السعة.]-
ش: مثال الظهور المذكور: زيد لم يخرج، ومثال التقدير: قام الفتى، فالضمة مقدرةً فيه.
هذه عبارةً أكثر النحويين، يقولون: في التقدير.
وقال أبو علي: "والاختلاف الكائن في الموضع" والموضع عند النحويين غيره للمبنى.
وقال بعض أصحابنا: الإعراب ملفوظ به ومقدر نحو الملهى؛ لأن الألف منقلبةً عن ياء متحركة، ومنوي نحو حبلى وأرطي لأن ألفهما لم تنقلبا عن شيء، فالإعراب فيهما منوي.
وكذلك غلامي؛ لأن تقدير حركة يؤول إلى اجتماع حركتين، ولا يصح، فالإعراب منوي لا مقدر ومعتبر، وهو في موضع الاسم المبني نحو "هذا"، فإذا الإعراب/ ملفوظ به ومقدر ومنوي ومعتبر.
وقوله: فإن كان ألفًا قدر فيه غير الجزم الذي آخره ألف من الأسماء المعربة قدر فيه الرفع والنصب والجر، أو من المضارع المعرب بغير النون قدر فيه الرفع والنصب، مثال الأول: قام الفتى، ورأيت الفتى، ومررت بالفتى، ومثال الثاني: يخشى زيد، ولن يخشى.
قوله: وإن كان - يعني حرف الإعراب - ياء أو واوًا يشبهانه في كونهما حرفي مد ولين، قدر فيهما الرفع، [وفي الياء الجر]، نحو: يغزو القاضي، ويرمي إلى الداعي، فالضمة مقدرةً في واو يغزو وياء القاضي وياء يرمي، والكسرةً مقدرةً في ياء الداعي.
ودل كلامه هذا على أن المنقوص بقياس - وهو ما آخره ياء قبلها كسرةً لازمةً - تقدر فيه الضمةً والكسرةً، وتظهر الفتحة، نحو ﴿أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾.
وأغفل مسألة من هذا المنقوص تقدر فيها الفتحةً حالة النصب، وهي ما أعرب من مركب إعراب متضايفين وآخر أولهما ياء، وذلك نحو: رأيت معدي كرب، ونزلت قالي قلا، وذلك أن هذا النوع من المركب نقل فيه ثلاثة أوجه: البناء على الفتح، وإعرابه إعراب ما لا ينصرف، وإعرابه إعراب المضاف والمضاف إليه، فعلى هذا الوجه تقدر في "معدي" الفتحة حالة النصب، لا خلاف في ذلك في هذا الوجه، جعلوا الياء فيه كياء دردبيس، فكما لا تأثر هذه الياء للعوامل، كذلك لا تأثر هذه الياء، استصحب فيها حكمها حاله البناء وحاله إعرابه إعراب ما لا ينصرف.
وقد تنبه المصنف لذلك في باب منع الصرف، فقال في الفصل الثالث منه: "قد يضاف صدر المركب فيتأثر بالعوامل ما لم يعتل" انتهى.
فقوله: "ما لم يعتل" يشمل
أحواله الثلاث من الرفع والنصب والجر، فتقول: قام معدي كرب، ورأيت معدي كرب، ومررت بمعدي كرب.
ودل كلام المصنف أيضًا على أن ما آخره ياء تشبه الألف يقدر فيه الرفع، وقد بينا ذلك بنحو يرمي، وهذا كما ذكر، إلا أن في نحو يعيي ويحيي خلافًا، فمذهب الجمهور أنه تقدر فيه الضمةً، وزعم الفراء أن الياء قد تكون في آخر الفعل وما قبلها ساكن، فظهر علامة الرفع فيها إذ ذاك لأن الياء إذا مكن ما قبلها جرت مجرى الحرف الصحيح، وأنشد من ذلك قول الشاعر:
وكأنها بين النساء سبيكة... تمشى سدة بيتها فتعي
والصحيح أنه لا يقال تعي، وإنما يقال تعيي، هكذا هو السماع وقياس التصريف، بن جهة أن الفعل إذا كان معتل العين واللام جرت عينه مجرى الحرف الصحيح، فلم تعل، فلا فرق بين الياء التي هي عين الكلمة في تعيي وبين الدال في تجدي، فكما أن الضمة تقدر في ياء تجدي، فكذلك تقدر في ياء تعيي، ولا نقول إنها مثل العين في يقر وذلك أنه يقول إن أصله يعيي، فنقل حركة العين التي هي الياء في يعيي إلى العين التي هي الفاء، فتسكن العين، فيصير نظير يقر، فكما أدغمت الراء في الراء إذ أصله يقرر، فنقلت، فالتقى المثلان والأول ساكن، فوجب الإدغام، فكذلك تدغم الياء الساكنةً في الياء التي هي لام الفعل.
والبيت الذي أنشده الفراء لا/ يعرف قائله، بل لعله مصنوع، وإذ ثبت كان شاذًا لا يعتد به.
وقد تلخص مما أشار إليه المصنف وقررناه أن الألف والياء اشترك فيهما الاسم والفعل، نحو يخشى الفتى، ويقضي قاضي بلدك، وأن الواو التي
حركةً ما قبلها من جنسها لا تكون إلا في الفعل، نحو تغزو، ولا تكون في الاسم إلا إن كان مبنيًا أو معربًا عرض بطرف الواو فيه، أو كان يستحيل إلي غيره، فإن أدى القياس في معرب غير ما ذكر أو عارض بناء إلى ذلك قلبت الواو ياء، والضمة قبله كسرةً، إلا إن كان منقولًا من لسان العجم أو من الفعل، ففي قلبه وإقراره مذهبان: القلب مذهب البصريين، والإقرار مذهب الكوفيين، وذكرنا توضيح هذا في التصريف.
وقوله: وينوب حذف الثلاثةً من السكون يعني بالثلاثة الألف والواو والياء المذكورات، فقول: لم يخش، ولم يغز، ولم يرم.
وإنما حذف الجازم هذه الحروف لأنها عاقبت الضمةً، فأجريت في الحذف مجرى ما عاقبته، فكما أن الضمةً تحذف في نحو لم يخرج، فكذلك تحذف هذه الحروف بالجازم، هكذا قرر الشيوخ.
ونقول: الذي يقضيه النظر أن هذه الحروف انحذفت عند الجازم لا بالجازم.
يدل على أنها لم تحذف للجزم شيئان:
أحدهما: أن الجازم لا يحذف إلا ما كان علامة للرفع، وهذه الحروف ليست علامةً للرفع، وإنما علامةً الرفع ضمة مقدرةً فيها.
والآخر: أن الإعراب زائد على ماهية الكلمة، والواو والياء في نحو يغزو ويرمي من الحروف الأصلية؛ إذ هما من الغزو والرمي، والألف في نحو يغشى منقلبةً من أصل؛ لأنه من الغشيان، وقد يكون الحرف منقلبًا عن حرف ملحق بأصل، نحو يسلنقي ويغرندي، ماضيهما اسلنقى، واغرندى،
وهما ملحقان باحرنجم، وحرف الجزم لا يحذف الحرف الأصلي ولا الملحق بالأصلي، فكان القياس يقتضي أن يحذف الجازم الضمة المقدرةً في الحروف، لكن يبقى المجزوم بصورة المرفوع لو اقتصر على ذلك، فحذف الجازم الضمةً المقدرةً، وحذفت هذه الحروف لئلا يلتبس المجزوم بالمرفوع، لكون الصورة تكون واحدةً، فلذلك قلنا إن هذه الحروف تحذف عند الجازم لا بالجازم.
وفي كتاب س إيماء إلى هذا المعنى.
وظاهر قول المصنف: "وينوب حذف الثلاثة عن السكون" أنه متى كان الفعل آخره ياء أو واو أو ألف مطلقًا تحذف هذه الخروف للجازم الذي يدخل عليها.
وهذا تحته قسمان: أحدهما: أن لا تكون تلك الحروف بدلًا من همزة.
والآخر: أن تكون بدلًا من همزةً.
فإن لم تكن بدلًا من همزةً فالحكم كما ذكر.
وإن كانت بدلًا من همزةً نحو يقرا في يقرأ ويقري في يُقرئ، ويوضو في يوضؤ.
قال بعض أصحابنا: فهذا إما أن يقدر أن الجازم دخل عليه قبل البدل، فسكن الهمزة، ثم أبدلها حرفًا مناسبًا لحركة ما قبلها، فيصير يقرأ المجزوم: يقرا، ويقرئ: يقري، ويؤضؤ: يوضو، كما أبدلت/ في كاس وبئر وبؤس، فقلت: كاس وبير وبؤس، فعلى هذا الإبدال لا يجوز حذف حروف العلةً لأن الجازم قد عمل عمله في حذف الضمةً من الهمزة قبل الإبدال.
وإما أنك تبدل قبل أن يدخل الجازم، فقول في يقرآ ويقرئ ويوضؤ: يقرا ويوضو ويقري، فتصير شبيهة بيخشى ويغزو ويرمي، فإذا دخل الجازم حذف هذه الحروف.
هذا مذهب الأستاذ أبي الحسن بن عصفور، وظاهر كلام المصنف.
وقد رد أصحابنا على ابن عصفور في جواز الحذف، وقالوا: لا يجوز
إلا الإقرار لأن البدل المحض الذي ليس على التسهيل القياس لا يجوز إلا في الضرورة، نص على ذلك س وغيره من النحاةً، وقد ذكر هذا أبو علي في التذكرة والحجة، وابن جني في "المعرب" له، وأفرد له في الخصائص بابًا ذكر فيه أنه لا يجوز إلا في الضرورةً، فما نص عليه س وأصحابه أنه لا يجوز إلا في الضرورة لا يسوى بينه وبين ما اتفق عليه أنه جائز في الكلام فصيح، وما كفى ابن عصفور ما ذكر فيه من جواز الحذف حتى قدمه على الإثبات.
وقال أبو عبد الله بن هشام: يقرا ويقري ويوضو صرف الفعل تصريف المعتل على ما حكاه الأخفش من نحو قريت وتوضيت ورفوت، والأصل قرأت وتوضأت ورفأت.
وكلتا اللغتين ضعيفةً، فإذا دخل الجازم على المضارع في هذه اللغة لم يجد إلا حرف العلة مسكنًا، فيحذفه كما يحذفه من يرمي ويخشى ويغزو، والإثبات أحسن، وعليه قوله:
عجبت من ليلاك وانتيابها من حيث زارتني، ولم أورابها
يريد: ولم أورأ بها، أي: لم أشعر بها من ورائي.
وعلى الثاني البيت