هذا المبتدأ، فلو راعت هذا الجائز الثاني /عند دخول الناسخ لكان نقضًا لِما اعتزما عليه من الحذف؛ لأنه إذا ذاك يَبرز في كان وأخواتها في التثنية والجمع، وفي ظننت وأخواتها.
وقال الأستاذ أبو الحسن بن الباذِش: «لا يجيز س أن يكون المختصُّ بالمدح والذم إلا مبتدأَ في: نِعمَ الرجلُ زيدُ، وبئسَ الرجلُ عمرُو، كما كان في: زيدُ نِعمَ الرجلُ، وعمرُو بئسَ الرجلُ، وتكون الجملة في موضع رفع، وذلك أنَّ نِعمَ وبئسَ لا يتم المعنى المقصود بهما إلا باجتماع المختصَّ بالمدح والذم مع الجنس الذي هو منه، فلا يتقدر على هذا إلا مبتدأً، كما لا يتقدر ذهب أخوه زيدٌ إلا مبتدأ، وهذا يقتضي تشبيه نِعمَ به.
ويدلُّ علي فساد الوجه الآخر أنَّ الاسم المختصَّ بالمدح والذم يجوز حذفه، فإذا كان خبر المبتدأ محذوفًا، ثم حُذف هو ـــ آل إلى حذف الجملة كلها، وذلك غير جائز» انتهى.
وبهذا قوَّى أبو الفتح كونه لا يكون إلا مبتدأ.
وقال س: «وأمَّا قولهم نِعمَ الرجلُ عبدُ الله فهو بمنْزلة: ذهبَ أخوه عبدُ الله، عَمِلَ نِعمَ في الرجل، ولم يَعمل في عبد الله.
وإذا قال عبدُ الله نِعمَ الرجلُ فهو بمنْزلة: عبدُ الله ذهبَ أخوه».
فسوَّى س بين التركيبين تأخير المخصوص وتقديمه.
ثم قال س: «كأنه قال: نِعمَ الرجلُ فقيل له: مَن هو؟ فقال: عبدُ الله وإذا قال عبدُ الله فكأنه قيل له: ما شأنُه؟ فقال: نِعمَ الرجلُ» انتهى.
فلم يُرد س بقوله «من هو» أنَّ الكلام على جملتين إذا تأخر المخصوص، كما لم يُرد ذلك «إذا قال: عبدُ الله، فكأنه قيل له: ما شأنُه؟ فقال: نِعمَ الرجلُ» لأنَّ عبد الله حالة التقديم يستحيل أن يكون جملة، وإنما أراد أنَّ تَعَلُّقَ المبتدأ بالخبر والخبر بالمبتدأ تَعَلُّقُ لازم، فإذا بدأتَ بالمبتدأ احتجتَ إلى خبر، وإذا بدأتَ بالخبر احتجتَ إلى مبتدأ، لا أنَّ ذلك على جملتين، فإذا قلت «ذهب» فكأنه قيل لك: مَن الذاهبُ؟ وإذا قلت «زيدٌ» فكأنه قيل لك: ما شأنه؟ وبأن بهذا النص من س فساد نسبة ذلك لـ «س»، كما فعل المصنف في قوله إنّ س أجاز أن يكون خبر مبتدأ واجب الإضمار، وأنه لم يتصفح كلامه، أو قَلَّدَ مَن نَسب ذلك إلى س.
وقال ابن عصفور: «الذي يدلُّ على أنه إذا تأخَّر لا يلزم فيه أن يكون مبتدأ والجملةُ خبر قولُهم: نِعمَ البعيرُ جملُ، ونِعمَ الإنسانُ رجلُ، ونِعمَ مالاً ألفُ، ومنه قوله ـــــ - عليه السلام - ـ: (نِعمَ المالُ أربعون، والكثيرُ ستُّون، وويلُ لأصحابِ المئين إلا مَن أعطى الكريمة، ومَنَحَ الغزيرة، ونَحَرَ السمينة، وأَطعَم القانعَ والُمعْتَزَّ)، فأربعون وألف ورجل وجمل أخبار لمبتدآت مضمرة، ولا يجوز أن تكون مبتدأة، وما قبلها خبر لها؛ لأنها نكرات، ولا مسوِّغ للابتداء بها، وإذا ثبتَ جعله خبرَ مبتدأ محذوف لفهم المعنى فلا مانع يمنع من جواز جعله مبتدأ، والخبر محذوف لفهم المعنى» انتهى كلامه.
وما ذهب إليه من تعيُّن هذه الأسماء النكرات لأن تكون خبر مبتدأ محذوف، وامتناع أن تكون مبتدآت لكونها نكرات، ولا مسوَّغ للابتداء بها ــــ غير صحيح، بل فيها مسوِّغان: أحدهما ذكره هو في باب /المبتدأ والخبر، والآخر ذكره غيره:
فأمَّا الذي ذكره هو فهو أن تكون النكرة لا تُراد لعينها، فهذا عنده من المسوِّغات لجواز الابتداء بالنكرة، وجَعل من ذلك قول الشاعر:
مُرَسَّعةُ... بينَ... أرْساغِهِ... بهِ عَسَمٌ يبتَغي أرْنَبا
قال: «النكرة هنا لا تراد لعينها؛ ألا ترى أنه لا يريد مُرَسَّعة دون مُرًسَّعة».
وقال أيضًا: «وينبغي أن يزاد في شروط الابتداء بالنكرة أن تكون النكرة لا تُراد لعينها، نحو: رجلُ خيرُ من امرأة، تريد: واحدُ من هذا الجنس أيّ واحد كان خيرٌ من كل واحدة من جنس النساء، إلا أنَّ معناه يؤول إلى العموم، إلا أنه يخالف العموم في أنه يدلُّ علي كل واحد على جهة البدل، أعني أنه لا يتناول الجميع دفعةً واحدة، وكلُّ يتناول الجميع في دفعة واحدة» انتهى كلامه.
فالمسوَّغ الموجود في قولهم: رجلُ خيرُ من امرأة، وتمرةُ خيرُ من جرادة، ومُرَسَّعةُ بين أرساغه ـــ هو بعينه موجود في قولهم: نِعمَ البعيرُ جملُ، ونِعمَ مالاً ألفُ؛ لأنهما نكرتان لا ترادان لعينهما، بل حُكم على واحدٍ من الجمال بأنه نِعمَ البعير، وعلى واحد من الألف بأنه نِعمَ المال.
فعلى هذا الذي تقرر يجوز أن يتقدم، فتقول: جملُ نِعمَ البعيرُ، وألفُ نِعمَ مالاً.
والمسوِّغ الذي ذكره غيره هو أنه يجوز أن يكون نكرة إذا كان خبره جملةً مشتملة على فائدة، إلا أنه يجب تأخيره، وذلك نحو: قصدَ غلامَه رجلُ، فإنه جائز جواز «عندك رجلُ»؛ لأنَّ في تقديم الجملة ما في تقديم الظرف من رفع توهُّم
الوصفية مع عدم قبول الابتداء، فعلى ما قَرَّرَ هذا المقرِّر يكون جملُ مبتدأ، وقد تقدَّمَتْه جملة مشتملة على فائدة، وهي: نِعمَ البعيرُ، إلا أنه لا يجوز تقديم هذا المبتدأ على هذا المسَّوغ؛ لأنَّ تقديم الخبر هنا مسوِّغُ لجواز الابتداء بالنكرة.
واستشهد بعض النحويين على أنَّ المخصوص حالة التأخير خبر مبتدأ محذوف بقول العرب: شَدَّ ما أنك ذاهب، قال: فـ «ما» منصوبة على التمييز، وأنك خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: شَدَّ شيئًا، ثم أوضح، فقال: هو أنَك ذاهب.
ولا يتوجه في «أنَّ» هنا إلا هذا الإعراب؛ إذ لا تكون مبتدأة.
وقيل: يجوز أن تكون فاعلةً بـ «شَدَّ».
وكذلك: عَزَّ ما أنك ذاهب.
وقال الفارسي: «لا يظهر المبتدأ الذي زيدٌ خبره بعد: نِعمَ الرجلُ زيدٌ، لا يقال: هو زيدُ، وذلك لأنَّ هاتين الجملتين قد انعقدتا انعقاد الجملة الواحدة، فطالتا، فاستخَفوا حذف المبتدأ البتَّة، وقَوَّى على ذلك أنَّ الجملة الواحدة منهما قد يُضمر فيها الفاعل، فلا يظهر البتَّة، نحو: نِعمَ رجلاً زيدُ، فلمَّا كان موضع إضمار البتَّة كان أيضًا موضع حذف البتة» انتهى.
وقد ردَّ بعض أصحابنا على مَن جوَّز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر، وأنَّ التقدير: زيدٌ الممدوحُ ـــ بأنَّ الذي يقول نِعمَ الرجلُ زيدُ ليس في نفسه نِعمَ الرجلُ زيدٌ الممدوحُ، ولا يمكن أن يُحذف خبرُ مبتدأ إلا وهو مراد في النفس، فُيحذف للعلم به اختصارًا.
وإنما حمل على هذا القائلَ به تجويزُ الإعراب من غير التفات إلى المعنى، وذلك ليس بشيء، بل لا ينبغي أن يوجَّه إعراب حتى يصح معناه.
وقال /المصنف في الشرح رادَّا على من زعم أنَّ المخصوص مبتدأ محذوف الخبر ما نصه: «هذا غير صحيح؛ لأنَّ هذا الحذف مُلتَزَم، ولم نجد خبرًا يلتزم حذفه إلا ومحلُّه مشغول بشيء يسدّ مسدّه، كخبر المبتدأ بعد لولا، وهذا بخلاف ذلك، فلا يصح ما ذهب إليه».
وذهب ابن كسيان إلى أنَّ المخصوص بدل من المرفوع.
وهو باطل لأنه لا يقال: نِعمَ زيدُ.
وأيضًا فإنه يكون بدلاً لازمَ التبعية، وليس في الأبدال ما هو كذلك.
وقوله أو أَوَّلَ مَعمُولَيْ فعلٍ ناسخٍ مثالُه قول الشاعر:
لَعَمْري لئنْ... أنْزَفْتُمُ أو صَحَوْتُمُ... لَبِئسَ النَّدامَي كُنتُمُ، آلَ أَبْجَرَا
وقال زهير:
يَمينًا لَنِعْمَ... السَّيَّدانِ وُجِدتُما... على كُلِّ حالٍ مِن سَحيلٍ ومُبْرَمِ
وقوله ومِن حَقَّه أن يختصّ قال المصنف في الشرح 3: «ومن حق المخصوص بالمدح والذم أن يكون معرفةً أو مقاربًا لها بالتخصيص، نحو: نِعمَ الفتي رجلُ من بني فلان، ونِعمَ العملُ طاعةُ وقولُ معروفُ» انتهي.
ويَرد على ما قال قولُهم: نِعمَ البعيرُ جملُ، ونِعمَ الإنسانُ رجلُ، ونِعمَ مالاً ألفُ، و (نِعمَ المالُ أربعون)، فهذه مخصوصات بالمدح لم تختصّ.
وقوله ويَصلح للإخبار به عن الفاعل موصوفًا بالممدح بعد نِعمَ وبالمذموم بعد بئسَ، فإن بايَنَه أوِّل قال في الشرح: «كقولك في نِعمَ الرجلُ زيدٌ: الرجلُ الممدوحُ زيدٌ، وفي بئسَ الولدُ العاقُّ أباه: الولدُ المذمومُ العاقُّ أباه» انتهى.
وهذا الذي ذكره في الشرح لا يَسُوغ إلا إذا رَفع نِعمَ وبئسَ الظاهر، أمَّا إذا رَفع المضمرَ فإنه لا يَصلح ذلك فيه، بل يُعتبر ذلك في التمييز، فإذا قلت نِعمَ رجلاً زيدُ فالإخبار بما ذكر يكون في التمييز، فتقول: الرجلُ الممدوحُ زيدُ، وكذا في بئسَ.
وهذا الذي ذكره المصنف من اختيار المخصوص بأن يُخبَر به عن الفاعل موصوفًا بما ذكر هو معنى ما ذكره أصحابنا مِن أنَّ شرط المخصوص ألا يكون أعمّ ولا مساويًا؛ بل يكون أخصّ، فلو قلت: نِعمَ الرجلُ الإنسانُ، أو نِعمَ الرجلُ المرء، لم يجز، بل شرطه أن يكون أخصَّ من الفاعل؛ لأنه إذا كان أعمَّ أو مساويًا
لم يكن في الإخبار فائدة.
وقوله فإن بايَنَه أُوِّلَ قال أبو موسى: «ومِن شرطه أن يَصدُق عليه اسم الفاعل» أي: اسم المرفوع بنِعمَ وبئسَ، نحو: نِعمَ الرجلُ عبدُ الله، فلا تقول: نِعمَ الفرسُ الرجلُ.
وكذلك أن يصدق عليه التمييز، فلو قلت نِعمَ فرسًا عبدُ الله لم يجز.
«فأن وقعَ ما يُوهم خلاف هذا يُؤوَّل»، نحو قوله تعالى ﴿بئس مثل القوم الذين كذبوا بايت الله﴾، تأوله أبو علي على وجهين:
أحدهما: أن يكون (الذين) في موضع رفع على إضمار مثل، أي: مثلُ الذين، وهو المخصوص بالذم، وحذف، وقام (الذين) مقامه.
والثاني: أن يكون (الذين) في موضع جر صفة للقوم، والمخصوص محذوف،
أي: بئسَ مَثَلُ القومِ المكذبين مثلُ هؤلاء.
وقد ضعف وصف ما يضاف إليه /فاعل نِعمَ وبئسَ لأنَّ فيه تخصيصًا، والتخصيص مباين لعموم الجنس.
وقوله وقد يُحذَف وتَخلُفُه صفتُه اسمًا وفعلاً مثال حذفه والصفة اسم: نِعمَ الصديقُ حَليمٌ كريمٌ، وبئسَ المُصاحبُ عَذولٌ خذولٌ.
قال المصنف في
الشرح: «ويكثُر ذلك إذا كانت الصفة فعلاً والفاعل ما، كقوله تعالى ﴿قل بئسما يأمركم به إيمانكم﴾ وكقوله ﴿ولبئس ما شروا به أنفسهم﴾» انتهى.
وقد تقدم الخلاف 4 في هذه المسألة، وهي إذا جاء بعد نِعمَ وبئسَ ما.
وقال المصنف في الشرح 5: «ويَقلُّ إذا لم يكن الفاعل ما، نحو: نِعمَ الصاحبُ تَستعين به فُيعينك، التقدير: صاحبُ تَستعين به فُيعينك».
وهذا الذي أجازه المصنف من «نِعمَ الرجلُ تستعين به» قد تقدَّم الخلاف فيه، وأنَّ الكسائى هو الذي أجازه، وأنَّ أكثر النحويين معنوه، وذلك عند الكلام على كون «ما» تكون فاعلةً تامَّةً على مذهب س.
وقوله وقد يُغني متعلَّق بهما أي: يٌحذف الموصوف وصفته، ويبقى ما يتعلَّق بهما، أي: ما يقتضيهما من جهة المعنى، نحو قول الراجز:
بئسَ مَقامُ الشَّيخِ أمْرِسْ أمْرِسِ... إمَّا على قَعْوٍ وإمَّا اقْعَنْسِسِ
تقديره: بئسَ مَقامُ الشيخِ مَقامُ مَقُولُ فيه أَمْرِسْ أمْرِسْ، فحُذف مَقام ـــ وهو الموصوف ـــ وصفته ـــ وهو: مَقُولُ فيه ــ وبَقيَ ما يطلبهما، وهو معمول القول الجملة الأمرية.
وقوله وإن كان المخصوص إلى آخر المسألة إذا كان المذكر كُني به عن مؤنث، أو المؤنث كُني به عن مذكر ــــ جاز أن تعامله معاملة ما كُني به عنه،
فتقول: هذه الدارُ نِعمَتِ البلدُ، وهذا البلدُ نِعمَ الدارُ، قال س: «وأمَّا قولهم: هذه الدارُ نِعْمَتِ البَلَدُ، لّما كان البلدُ الدارَ أقحموا التاء، فصار كقولك: مَن كانت
أُمَّك؟ وما جاءتْ حاجتَك؟ ومن قال نِعمَ المرأةُ قال نِعْمَ البلدُ، وكذلك: هذا البلدُ نِعمَ الدارُ، لَمّا كانت البلدَ ذُكِّرَتْ» انتهى.
وقال الشاعر:
أو حُرَّةٌ عَيْطَلٌ ثَبْجاءُ مُجْفَرَةٌ... دَعائمَ الزَّور، نِعْمَتْ زَوْرَقُ البَلَدِ
الحق علامةَ التأنيثِ والزَّورَقُ مذكر؛ لأنه كَنى به عن الحُرَّة، وهي الناقة.
وقال الآخر:
نِعْمَتْ كِساُء الضَّجيعِ شَهْلةٌ فُضُلٌ... غرَّاءُ بَهْكَنةٌ شَنْباءُ عُطْبولُ
وقال الراجز:
نِعْمتْ جَزاءُ المُتَّقيِنَ الَجَّنهْ... دارُ الأَمانِي والمَنى والمنَّهْ
وترك التاء أجود إذا كان الفاعل مذكرًا قد كُني به عن مؤنث مراعاةً للفظ.
وفي كلام ابن عصفور في الشرح «الشرح الكبير» ما يوهم أنك إذا قلت «هذا البلدُ نِعمَ الدارُ» لا تلحق العلامة، وإن كان الدار عنيت بها البلد، والدار مؤنثة، والبلد مذكر.
وما قاله ابن عصفور ظاهر من كلام س، وهو أنه لا يجوز في «هذا البلدُ نِعمَ الدارُ» التأنيث؛ لأنه قال: «فَلَزِمَ هذا في كلامهم»، لكن القياس يقبله، والنحويون قالوه، فُيحمل كلام س على أنه أراد بالزوم لزومًا أكثريَّا، كما /قال في «كأيِّنْ مِن رجلٍ» إنّ مِنْ لَزمَتْ، ثم صَّرح بأنَّ أكثر العرب هم الذين يُلحقونها لا كلهم.
والأحسن في نِعْمَتِ الجاريةُ أختُك التاء، وكذلك في التثنية، وأمَّا في الجماعة من الإناث فالأحسن ترك التاء، نحو: نِعمَ النساءُ أخواتُك.
وقال س: «واعلمْ أنَّ نِعمَ تُذَكَّر وتُؤَنث، تقول: نِعْمَتِ المرأةُ، ونِعْمَ المرأةُ، كما قالوا: ذهبَ المرأة، والحذف في نِعْمَتْ أكثرُ».
يعني أكثر من الحذف في ذهبتِ المرأةُ؛ لا أنَّ الحذف في نِعْمَتْ إذا كان فاعلها مؤنثًا أكثر من الإثبات.
-[ص: وتُلحَق ساءَ ببئسَ، وبها وبِنِعمَ فَعُلَ موضوعًا أو محوَّلاً من فَعَلَ أو فَعِلَ مضمَّنًا تعجُّبًا، ويَكثُر انجرارُ فاعلِه بالباء، واستغناؤه عن الألف واللام، وإضمارُه على وَفْق ما قبلَه.]-
ش: قال المصنف في الشرح: «يقال: ساءَ الرجلُ أبو لهب، وساءتِ المرأةُ حمالةُ الحطب، وساءَ رجلاً هو، وساءتِ امرأةً هي، بإجراء ساءَ مُجري بئسَ في
كل ما ذكر، ولذلك استُغني بـ (ساءَ) عن بئسَ في قوله تعالي ﴿ساء مثلا القوم﴾، وبـ (بئسَ) عن ساءَ في قوله تعالى ﴿بئس مثل القوم﴾، وقد جُمعنا في قوله تعالى ﴿بئس الشراب وساءت مرتفقا﴾ انتهى.
وفي كلامه نقد من وجهين:
أحدهما: إفراد ساءَ بالذكر، وهي فرد من أفراد فَعُلَ المُجْرى مُجرى بئسَ ونِعمَ، وساءَ في الأصل فعلُ متعدَّ إلى واحد، متصرف، على وزن فَعَلَ، بفتح العين،
تقول: ساءَ الأمرُ زيدًا يَسوءُه، فحُوِّل إلى فَعُلَ ــــ بضم العين ـــ لِما في ذلك من
المباغة، فهو مندرج تحت قوله أو مُحَموَّلاً من فَعَلَ، فإفراده بالذكر لا وجه له.
النقد الثاني: قوله «إنه استُغني ببئسَ عن ساء في قوله تعالى ﴿بئس مثل القوم﴾.
وليس هذا استغناءً؛ لأنَّ ما جاء على الأصل لا يقال إنه استُغني به عما ضُمِّنَ معناه، بل الأمر بالعكس، وهو الاستغناء بالمضمَّن عما ضُمِّن معناه، كما قال المصنف في ساءَ إنه استُغني بها عن بئسَ في قوله ﴿ساء مثلا القوم﴾.
وعلى باب بئسَ حمل أبو علي ﴿ساء مثلا القوم﴾، وجعله غيرُه من باب: طابَ زيدُ نفسًا.
وقال في «التذكرة»: «يكون انتصاب المَثَل على حد انتصاب الحمل في قوله ﴿وساءهم يوم القيمة حملا﴾».
وجعل ابن دُرُسْتُوَيْه القومَ من جنس الَمثَل، وهو عنده من باب: حَسُنَ رجلاً زيدُ، فزيدُ من الرجال، وكذلك القوم عنده من المَثَل، ولذلك لم يكن: نِعمَ أمثالاً القومُ، كما تقول: نِعمَ رجالاً القومُ؛ لأنهم لَمَّا ضُرب بهم المَثَل صاروا مَثَلاً على الاتَّساع، فصار «مَثَلاً» جنسًا منه القوم الذين كَذَّبوا، كما تقول: نِعمَ رجلاً زيدٌ، فزيدٌ من جنس الرجال، فسُمِّي ما ضُرب به المَثَل مثَلاً على الاتِّساع، حكى هذا عن غيره، واستحسنه، وأجاز ما ذكر أبو علي.
وقوله وبها ــ أي وبئسَ ــ ونِعمَ فَعُلَ موضوعًا مثاله: حَسُنَ الخُلقُ خُلُقُ خُلُقُ الحكماء، وقَبُحَ العنادُ عنادُ المبطلين، وشَنُعَتِ الوُجُوهُ وُجوهُ الكافرين.
وقوله أو مُحَوَّلاً من فَعَلَ وفَعِلَ قال المصنف في الشرح: «فمنها قول العرب: لَقَضُوَ الرجلُ فلانُ، وعَلُمَ الرجلُ فلانُ، بمعنى: نِعمَ القاضي هو، ونِعمَ العالمُ هو انتهى.
ومعني الإلحاق أنه يثبت لفَعُلَ سائر الأحكام التي لِنعمَ وبئسَ من الفاعل والتمييز /والمضمر ومجيء «ما» بعده، كقوله ﴿ساء ما يحكمون﴾، ويُتأول مثل قوله ﴿ساء مثلا القوم﴾ ـــ أي: مَثَلُ القومِ ـــ لاختلاف التمييز والمخصوص.
وفي كلام الشارح التمثيل في المُحَوَّل من فَعِلَ إلى فَعُلَ قوله «وعَلُمَ الرجلُ فلانُ»، ونصَّ النحويون على أنَّ الفعل إذا كان على وزن فَعَلَ أو فَعِلَ حُوِّلَ إلى فَعُلَ، وصار المتعدي منها لازمً، وإنَّ العرب شَذَّتْ في ثلاثة ألفاظ 5، فلم تُحَوَّلها،
بل أبقتها على أصلها من الوزن، واستعملَتْها استعمال نِعمَ من غير تحويل، لكن جعلتها لازمة، وهي عَلِمَ وجَهِلَ وسَمِعَ، فتقول: عَلِمَ الرجلُ زيدُ، وجَهِلَ الرجلُ عمرٌو، وسَمِعَ الرجلُ عمرٌو إذا أرادوا المباغة في عمله وجهله وسماعه.
وذكر خَطَّاب بن يوسف المارِدِيّ شرطَّا في إلحاق فَعُلَ بِنعمَ وبئسَ، وهو أنه لا يُبنَي مُتَوَصَّلاً به إلى ما يجوز التعجب منه، قال في كتابه «الترشيح» حين تكلَّم علي لَفَعُل ما نصبه: «فإن تعجبت من الرباعي فصاعدًا أو الألوان والعاهات فانهم عدَلوا فيه عن الأصل في هذا البناء، واستغنوا عنه بقولهم: أَفْعَلُ الفعل فِعلُه، تقول: أَشَدُّ الحُمرةِ حُمرتُّه، وأسْرَعُ الانطلاقِ انطلاقُه، وأَفْحَشُ الصَّمَمِ صَمَمُه، والاسم الأول مبتدأ، والثاني مضاف إليه، وما بعد المضاف خبر وكان القياس أن يقولوا: لَفَحُشَ الصَّمَمُ صَمَمُه، ولَشَدَّتِ الحُمرةُ حمُرتُه، فيرفعوه من حيث رَفعوا: لَكَرُمَ الرجلُ زيدٌ، ولكنهم استَغنَوا عنه بما ذكرتُ لك» انتهى.
وقوله مُضَمَّنًا تَعَجُّبًا اختلفوا في هذه الصيغة: فذهب الفارسيُّى وأكثر النحويين إلى إلحاقها بباب نِعمَ فقط، فعلى هذا تَثبت لها جميع أحكام نِعمَ.
وذهب الأخفش والمبرد إلى أنه يجوز إلحاقها بباب التعجب.
وفي «البسيط»: «المغَّير عن أصل صيغته للمدح لازمٌ لذلك المعنى الذي غُيِّر له بحيث صار من ألفاظ المدح وغيرُ لازم، الازم حَبَّذا، وعكسه لا حَبَّذا، وغير اللازم كل فعلٍ على ثلاثة أحرف يُبنى منه فَعُلَ، ويوضح للمدح والذمّ إن قبلهما في المعنى قياسًا، وهذا عامّ وخاصّ، العامّ ما كان معناه يَقُرب من معنى نِعمَ وبئسَ، أو
فيه نسبة إليهما، كعَظُمَ وصَغُرَ وساءَ وكَبُرَ ولَطُفَ وهانَ وعَزَّ وشَدَّ ونحوه، والخاصّ ما دلَّ على خصوصية ما مُح به، نحو: حَسُنَ وفَقُة، ورُدَّ إلى فَعُلَ ليكون من أفعال النحائر؛ إذ بها يقع المدح والذم، وليصير إلى ما لا يتعدى، وهو أصل الباب كنعمَ وحَبَّذا.
واختلفوا في فاعلها: فقال الأكثرون كالأخفش وغيره: يكون بمْنزلة نِعمَ وبئسَ وحَبَّذا، يكون ظاهرا عامَّا، ومضافًا، أو مضمرًا مفسَّرًا، أو حرف إشارة مفسَّرًا وغير مفسَّرًا وغير مفسَّر، والاسم بعدها كما تقدم فيها، كقولك: عَظُمَ رجلاً زيدٌ، وتقول: حَسُنَ ذا زيدٌ، وهو يقلُّ لقلَّة ما يُبنى من هذا، وإنما سُمع منه حَبَّذا، وشَدَّ ما أنك ذاهب، وعَزَّ ما أنك منطلق، بُني مع ما، وصارا معًا بمنْزلة مصدر في موضع الظرف، كما تقول: حَقَّا أنك ذاهب، أي: في الحقَّ أنك ذاهب، أي: في الشَّدِّ والعِزِّ أنك ذاهب، كما صارت قَلَّما /غالبة عليها الحرفية لتركيبها معها.
وقال بعضهم: يجوز أن يكون فاعلها كل اسم، وأجاز: حَبَّ زيدٌ.
والخاصّ كالعامّ، نحو: فَقُهَ رجلاً زيدٌ، وحَسُنَ رجلاً عبدُ الله» انتهي ما لخص من البسيط.
والصحيح جواز الاستعمالين، أعني استعماله استعمال نِعمَ وبئسَ، فيكون فاعله وأحكامه كأحكامها.
واستعماله استعمال فعل التعجب، فلا يلزم فاعله أن يكون كفاعل نِعمَ وبئسَ في كونه ذا أل أو مضافًا إليه أو مضمرًا على شريطة التفسير، ويكون مخصوصه المرفوع به خاصة، حكى الأخفش الاستعمالين في الكبير له عن العرب.
وفي «الإيضاح»: «ذكر أبو الحسن والفراء وأبو العباس وجماعة أنَّ العرب تنقل الثلاثي إلى فَعُلَ بالضم، وتجعله في العمل بمْنزلة نِعمَ وبئسَ، فيكون فاعله جنسًا فيه اللام، أو مضافًا إلى ما فيه اللام، أو مضمرًا مبهمًا مفسَّرًا بنكرة منصوبة،
والمعتل من الثلاثي يقدر فيه ذلك التقدير، فتكون ألفه منقلبة عن معتلِّ مضموم، نحو: عِلُمَ الرجلُ زيدٌ، وجَهُلَ الرجلُ عمرٌو، وعَلُمَ رجلاً زيدٌ، وباع وقال على ذلك الحد.
فإن كان على فَعُلَ بالضم تُرك على حدّه.
وكثيرًا ما تدخل اللام،
فتقول: لَعَلُمَ رجلاً زيدٌ، وينبغي أن يكون جواب قسم، كما تقول لَنِعمَ الرجلُ زيدٌ» انتهى.
وقال المصنف في الشرح: «فإذا قلت لَقَضُوَ الرجلُ فلانُ بمعنى: نِعمَ القاضي هو ـ ففيه معنى: ما أَقْضاه!» انتهى.
وكيفية بنائه أنه إمَّا أن يكون صحيحًا عينه ولامه، أو معتلَّهما، أو معتلّ أحدهما، أو مضعَّفتهما:
إن كان صحيحَهما على فَعُلَ وَضْعًا أو تحويلاً من فَعَلَ وفَعِلَ فإمَّا أن تُجريه مُجرى نِعمَ أو مُجرى فِعل التعجب، إن أَجريتَه مُجرى نِعمَ، نحو: حَسُنَ الوجهُ وجهك ـ فيجوز فيه إقرار ضمة العين، وتسكينها، ونقلها إلى فاء الكلمة.
وإن أجريتَه مُجرى فِعل التعجب جاز الضم والتسكين، ولا يجوز النقل.
وإن كان مضعقًا فالإدغام، فتقول: لَحَبَّ الرجلُ زيدٌ، ويجوز النقل إلى الفاء، فتقول: لَحُبَّ الرجلُ زيدٌ.
وإن كان معتلَّهما من باب قُوَّة قلبتَ الضمة كسرةً واللامَ ياءً استثقالاً للواوين والضمة، فتقول: لَقَوِيَ الرجلُ زيدٌ.
أو من باب شَوى، فتقلب الياءَ واوًا لضمة ما قبلها، وتفعل بها ما فعلت بباب قُوَّة، فتقول: لَشَويَ الرجلُ زيدٌ.
ويجوز التسكين فيهما، فتقول: لَقَوْيَ الرجلُ زيدٌ، ولَشَوْيَ الرجلُ عمرُو، ولا يُدغم لأنه سكون عارض.
وإن كان معتلَّ العين، نحو جادَ وباعَ ــ لزم قبلها ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فتقول للرجل إذا كان حسن القول أو البيع: قالَ الرجلُ زيدٌ، وباعَ الرجلُ عمرُو.
وإن كان معتلَّ اللام، وكان على فَعُلَ وضعًا، نحو سَرُوَ، قلت: سَرُوَ الرجلُ عمرٌو، ويجوز التسكين.
وإن كان أصله فَعَلَ وفَعِلَ نحو غزا ورمى ولَهِيَ وخَشِىَ، ففي ذلك خلاف: ذهب الجمهور إلى أنه يُحَوَّل إلى فَعُلَ، فتظهر الواو فيما أصله الواو، نحو غَزُوَ، وتنقلب الياء فيما أصله ياءٌ واوًا، فتقول: قَضُوَ.
وذهب بعض النحويين إلى أنه يُقَرُّ على حاله، فتقول: لَرَمَى الرجلُ زيدُ، ولَغَزا الرجلُ الرجلُ /عمرُو؛ لأنَّ هذا الفعل يشبه الأسماء في عدم التصرف، فكما يُكره فيها أن يجيء في آخرها واو مضموم ما قبلها فكذلك كُره فيما أشبهها.
وإذا أسكنت عين الكلمة مما لامه ياء لم تردّ اللام إلى أصلها من الياء وإن ذهبت الضمة التي أوجبتْ قبلها؛ لأنَّ هذا سكون عارض، كما لم يعتدُّوا بسكون قولهم: دُنْيَ له، أي: دُنِيَ له، فيردّوها إلى الواو إذ زال موجب قلبها ياء ــ وهو الكسرة ـ لأنه سكون عارض أيضًا.
وقوله ويكثر انجرارُه بالباء قال المصنف في الشرح: «ولِكَون فَعُلَ المذكور مُضَمَّنًا تعجُّبًا استُحسِن فيه ما لم يُستَحسَن في نِعمَ من جرِّ فاعله بالباء حملاً على أفْعِلْ به في التعجب، فإذا قيل حَسُنَ بزيدٍ رجلاً نُزَّلَ منْزلة: أحسِنْ بزيدٍ رجلاً» انتهى.
وقول المصنف «ما لم يُستَحسَن في نِعمَ» عبارة ليست بجيدة؛ لأنها تُشعر بجواز جرِّ فاعل نِعمَ بالباء، وهو لا يجوز، فتخليص العبارة أن يقال: «ما لا يجوز في
نِعمَ».
حكى الكسائي عن العرب: «مررتُ بأبيات جادَ بهنَّ أبياتًا، وجُدْنَ أبياتًا» حَذف الباء، وجاء بضمير الرفع متصلاً، وقال الشاعر:
حُبَّ... بالزَّورِ... الذي لا تُرَى... منهُ... إلا... صَفْحةٌ أو لِمامْ
وقال آخر:
لَحَبَّ... بنارٍ... أوُ قِدَتْ بين مُحْلِبٍ... وفَرْدَةَ، لو يَدنو مِنَ الَحبلِ واصِلُهْ
وقال آخر:
يُضيءُ سَناهُ الَهضْبَ هَضْبَ مُتالعٍ... وحَبَّ بذاكَ البَرقِ، لو كانَ دانِيا
وقال آخر:
سَرَتْ تَخْبِطُ الظَّلماءَ مِن جانَبِيْ قَسًا... وحُبَّ بها مِن خابِطِ الليلِ زائرِ
وقال آخر:
فقلتُ: اقْتُلُوها عَنكمُ بِمِزاجِها... وحُبَّ بِها مَقتُولةً حينَ تُقتَلُ
وقال آخر:
بَكَتْ عَينِي، وحُقَّ لها بُكاها... وما يُغْنِي البُكاءُ ولا العَويلُ
وقوله واستغناؤه عن الألف واللام مثاله ما تقدَّم ذكره من حكاية الكسائي: «جادَ بهنَّ أبياتًا، وجُدْنَ أبياتًا»، و «لَحَبَّ بنار»، وحَبَّ بذاكَ البرقِ»، وحُبَّ بها مِن خابط»، وحُبَّ بها مقتولةً»، وحُقَّ بكاها».
وقوله وإضمارُه على وَفقِ ما قبلَه تقول: الزيدون كَرُمُوا رجالاً، تُنَزَّله
منْزلة: الزيدون ما أَكْرَمَهم رجالاً، ولا يجوز هذا في نِعمَ وبئسَ، إنما تُضمر فيهما ضميرًا مفرًا مُسْتَكِنَّا، يُفَسَّره ما بعده، وهذا الضمير الذي فَعُلَ يكون على وَفقِ ما قبلَه مِن إفرادٍ وتثنية وجمع وتذكير وتأنيث.
فأمَّا قوله ﴿كبرت كلمة تخرج من أفوههم﴾، فيحتمل أن يكون مثل:
نِعْمَتِ /امرأة هندٌ، وهو قول ابن بَرْهان، ويكون المبتدأ محذوفًا، كما قال ﴿كبر مقتا عند الله أن تقولوا﴾، فظهر المبتدأ، وصَدَق عليه الأول، وتقديره: كبرت كلمةً كلمةٌ تخرج.
وأن يكون فاعل ﴿كَبُرَتَ﴾ ضميرًا يرجع إلى ﴿أتخذ الله ولدا﴾، وهو قول الزمخشري في «الكشاف».
وأجاز بعض النحويين في ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ الله﴾ أن ينتصب (مَقْتًا) على الحال، و (أن تَقولوا) فاعل (كَبُرَ).
وفي ﴿كبرت كلمة تخرج﴾ أن تكون (كلمةً) حالاً موطِّئة بالصفة، والفاعل مضمر لتقدُّم ذكره.
وتقدَّم مِن قولنا أنَّ فَعُلَ لا يُستعمل في الضمة النقل إلى فاء الكلمة إلا إذا كان للمدح أو الذمّ لا في التعجب، وأنشدا علي ذلك قول الشاعر:
لم يَمْنَعِ الناسُ مِنَّي ما أَرَدتُ، ولا... أُعْطِيهمُ ما أَرادُوا، حُسْنَ ذا أَدَبَا
-[ص
: باب حَبَّذا
أصلُ «حَبَّ» من «حَبَّذا»: حَبُبَ، أي: صار حبيبًا، فأُدغِم كغيره، وأُلزِم مَنعِ التصرف وإيلاءَ «ذا» فاعلاً في إفرادٍ وتذكير وغيرهما.
وليس هذا التركيب مُزيلاً فعليَّة حَبَّ، فيكون مع «ذا» مبتدأً، خلافًا للمبرد وابن السراج ومن وافقهما، ولا اسميةَ «ذا» فيكون مع حَبَّ فعلاً فاعلُه المخصوص، خلافًا لقوم.
وتدخل عليها «لا»، فتحصل موافقهُ «بِئسَ» معنًى.]-
ش: حَبَّذا ولا حَبَّذا من الصيغ التي وُضعت للمدح والذم عمومًا كِنعمَ وبئسَ، والعامّ ما أُجملت فيه الصفات المحمودة أو المذمومة بحيث لا يخصُّ اللفظ واحدًا منها إبلاغًا في ذلك؛ لأنَّ التخصيص يتطرق إليه احتمال أنَّ له الوصف الآخر.
قيل: والفرق بينهما وبين نِغمَ وبئسَ أنَّ حَبَّذا تُشعر مع دلالتها على المدح بأنَّ الممدوح محبوب وقريب من النفس، ولا حَبَّذا بالعكس، ولا تُشعر بذلك نِعمَ وبئسَ.
وقيل: ليستا للمدح والذم بالوضع، وإنما وَضعُها للمبالغة في تمكُّن الحب، فتكون أبلغ من أَحَبَّ، لكن الحبَّ قريب من المدح؛ لأنَّ المحبوب ممدوح في الأكثر.
وقوله أصلُ حَبَّ من حَبَّذا حَبُبَ أي: صار حبيبًا يدلُّ على ذلك كونه لا يتعدى، ولأنَّ ما بُني للمدح من هذا النوع يكون على فَعُلَ أصلاً أو تحويلاً، ولأنه إذا لم يُستعمل مع «ذا» جاز نقل حركة العين إلى الفاء، وروي بالوجهين:
.................. وحُبَّ بها... مَقتُولةً... حينَ... تُقْتَلُ
ولا يجوز مع ذكر «ذا» إلا الفتح، فتقول: حَبَّذا.
وأصله قبل استعماله للمدح فَغَلَ، وهو متعدِّ، تقول: حَبَبْتُ زيدًا ــــ وهو أقلُّ من أَحْبَبْتُ ـــ فهو محبوب، وهو أكثر من مُحَبّ، وهو حبيب، أي: محبوب، وقرأ أبو رجاء العُطارِديّ ﴿فاتَّبِعُوني يَحبَّكُمُ الله﴾، بفتح الياء وكسر الحاء، وكان قياسها الضم؛ لأنَّ المضعف من فَعَلَ المتعدي قياسُه يَفعُل، نحو شَدَّه يَشُدُّه.
وقوله فأُدغِم كغيره متى كان ثلاثيَّا مضعفًا وجب الإدغام، وسواء أكان على وزن فَعَلَ كشَدَّ، أو فَعِلَ كشَلَّ، أو فَعُلَ كلَبَّ، وقد جاء في بعض ذلك الفك، نحو: لَحِحَتْ عينُه.
وقوله وألزِمَ /منعَ التَّصَرُّف لأنه صار كالحرف الذي جيء به لمعنىً في غيره؛ إذ أصله ألا يدل على المدح، وذلك بخلاف غيره، فإنه يتصرف، نَحو: لَبَّ الرجلُ، تقول فيه: لَبُبْتَ ولم تَلْبُبْ، وفَعُلَ من المضاعف قليل النظير.
وقولهوإيلاَء «ذا» فاعلاً أي: وأُلزِم إيلاءَ «ذا» فاعلاً، ذكر بعض النحويين الاتَّفاق على أنه لا يكون بعدها إلا «ذا» اسم الإشارة، وقد ورد فيها رفعها لغير الإشارة، كقوله:
......... وحُبَّ مَنْ يَتَجَنَّبُ..................................
فقيل: هو استعمال للأصل، وإنما الكلام بعد التركيب.
وقوله في إفرادٍ وتذكير وغيرهما مثال الإفراد والتذكير:
يا حَبَّذا جَبَلُ الرَّيَّانِ مِنْ جَبَلٍ.............................................
ومثال التثنية قوله:
حَبَّذا أنتما خَليلَيَّ إنْ لَمْ... تَعْذلانِي في دَمْعِيَ المُهَراقِ
ومثال الجمع قوله:
وحَبَّذا نَفَحاتٌ مِن يَمانِيةٍ... تأتيكَ مِن جَبَلِ... الرَّيَّانِ أحْيانا
وتقول: حَبَّذا الزيدون.
ومثال التأنيث:
ألا حَبَّذا هندٌ وأَرضُ بِها هندُ.........................................
وقول الآخر:
يا حَبَّذا القَمْراءُ واللَّيلُ الداجْ... وطُرُقُ... مِثلُ... مُلاءِ... النَّسَّاجْ
وهذا الذي ذهب إليه المصنف من أنَّ «ذا» هو الفاعل هو على قولِ مَن لم يَّدعِ التركيب، وهو مذهب ابن كسيان، وابن دستوريه، والفارسي في
«البغداديات» وابن بَرهان، وابن خروف، وظاهر مذهب الخليل وس على زعم المصنف.
واختلف الذاهبون إلى هذا المذهب في علة إفراد اسم الإشارة وتذكيره وإن اختلف المخصوص بالتثنية والجمع والتأنيث:
فقيل: امتنع أن يطابق المخصوص لأنه جرى كالمثل، نحو: «أَطِرَّي فإنَّكِ ناعِلة، و «الصَّيفَ ضَيَّعْتِ اللَّبَنَ».
وقال أبو علي: (ذا) جنس شائع، فلا يختلف كما لا يختلف الفاعل في نِعمَ وبئسَ إذا كان ضميرًا.
وقال ابن كيسان: إنما كان (10) ذلك لأنَّ الإشارة فيه أبدًا إلى مذكر محذوف.
والتقدير عنده: حَبَّذا حُسنُ زيدٍ، وحَبَّذا أمرُه وشأنُه، وكذلك تثنيةً وجمعًا وتأنيثًا، ثم حُذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه.
قال في «البسيط»: «وهذا فاسد من وجوه:
منها: أنه دعوى لا دليل عليها؛ إذ لم يتكلموا به في موضع، وإنما يُدَّعَى الإضمار إذا تُكُلَّم به في موضع.
الثاني: أنَّ ما بعد الإشارة وصف له، ولا يُحذف لأنه هو العمدة؛ لأنه لازم الوصف في مواضع الإبهام كما في النداء، ولأنه كالمضمر في التفسير.
والثالث: أنَّ حذف المضاف مع الإقامة لا يُخرج الملفوظ به عن أن يُعتبر في التثنية والجمع والتأنيث، فتقول: اجتمعتِ اليمامةُ، ولا تقول: اجتمعَ اليمامةُ» انتهى.
وعلى هذا الوجه اعتمد ابن عصفور في رده على /ابن كيسان، قال:
«لأنَّ العرب إذا حَذفت المضاف، وأقامت المضاف إليه مُقامه، فإنما تجعل الحكم من تذكير وتأنيث وإفراد وتثنية وجمع على حسب الملفوظ به لا المحذوف، فتقول: اجتمعت اليامةُ، ولا تقول: اجتمعَ اليمامُة، وإن كان الأصل فيه قبل الحذف: اجتمع أهلُ اليمامةُ» انتهى.
وهذا الذي ذكراه ليس كما ذكراه، بل إذا حُذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مُقامه في الإعراب ـــ لا يتعين أن تكون الأحكام على حسب ما أُقيم مُقامه، بل في ذلك طريقان: أحدهما ما ذكراه، وهو الأكثر.
والثاني مراعاة المحذوف، وقد جاء ذلك في أفصح كلام، قال تعالى ﴿أو كظلمت في بحر لجي يغشه موج﴾، التقدير: أو كذي ظلمات، فأعاد الضمير على ذي المحذوف.
والرابع: لو كان كذلك لجار أن تقول: حَبَّذا، ويتم المقصود؛ لأنه ليس لازم الوصف لجواز الحذف بالفرض، ولأنَّ بعض العرب ينصب بها التمييز لما أراد بيان الذات، ولو كان كما قال لكان الأَولى ردّ الأصل» انتهى.
وقوله وليس هذا التركيب إلى قوله ومَن وافقهما قال المصنف في
الشرح: «صرَّح المبرد في (المقتضب) وابن السراج في (الأصول) بأنَّ حَبَّ وذا جُعلتا اسمًا مرفوعًا بالابتداء.
ولا يصحُّ ما ذهبا إليه من ذلك؛ لأنهما مُقرَّانِ بفِعليَّة حَبَّ وفاعلية ذا قبل التركيب، وأنهما بعد التركيب لم يتغيرا معنًى ولا لفظًا، فوجب بقؤهما على ما كانا عليه، كما وجب بقاء حرفية (لا) واسمية ما رُكِّبَ معها في نحو: لا غلامَ لك، مع أنَّ التركيب قد أَحدثَ في اسمِ (لا) لفظًا ومعنًى ما لم يكن، فبقاءُ جزأي حَبَّذا على ما كانا عليه أولَى؛ لأنَّ التركيب لم يغيرهما لا لفظًا ولا معنًى.
وأيضًا لو كان تركيب حَبَّذا مُخرجًا من نوع إلى نوع لكان لازمًا كلزوم تركيب إذما، ومعلوم أنَّ تركيب حَبَّذا لا يلزم لجواز الاقتصار على حَبَّ عند العطف، كقول بعض الأنصار - رضي الله عنه -:
فَحَبَّذا... رَبَّا، وحَبَّ ديِنا
أراد: وحَبَّذا دِينا، فحَذف ذا، ولم يتغير المعنى، ولا يُفعل ذلك بـ (إذْما) وغيرها من المركبات من المركبات تركيبًا مُخرجًا من نوع إلى نوع، فعُلم بذلك أنَّ تركيب حَبَّذا ليس مُخرجًا من نوع إلى نوع.
وأيضًا لو كان حَبَّذا مبتتدأ لدخلت عليه نواسخ الابتداء كما تدخل على غيره من المبتدآت؛ فكان يقال: إنَّ حَبَّذا زيدٌ، وكان حَبَّذا زيدًا، وفي مَنعِ ذلك دلالة على أنَّ حَبَّذا ليس مبتدأ.
وأيضًا لو كان مبتدأ لَلَزِمَ إذا دخلتْ عليه (لا) أن يُعطف عليه منفي بـ (لا) أخرى، فكان يمتنع أن يقال: لا حَبَّذا زيدٌ، حتى يقال: ولا المرضيُّ فِعلُه، ونحو ذلك، كما يُفعل مع المبتدأ الذي حَبَّذا مُؤَدِّ معناه.
واختار ابن عصفور اسمية حَبَّذا مُستَدلاَّ بأنَّ العرب قد أكثرتْ من دخول (يا) عليها دون استيحاش؛ وزعم أنَّ فِعْلَ ذلك مع غيرها مما فِعلِيتَّه مُحَقَّقة مُستَوحَش منه، كقوله:/
ألا يا اسْقيِاني قَبلَ غارةِ سِنْجالِ........................................
وعكسُ ما ادَّعاه أَولَى بالصحة؛ لأنَّ دخول (يا) على فعل الأمر أكثر من دخولها على حَبَّذا، فمن ذلك قراءة الكساني ﴿ألا يا اسْجُدُوا﴾، قال العلماء:
تقديره: ألا يا قوم اسجدوا، فكذلك يكون التقدير في يا حَبَّذا: يا قومِ حبَّذا، أو نحو ذلك، فإنَّ حذف المنادى وإبقاء حرف النداء مُجَوَّز بإجماع، ومنه قول الشاعر:
يا، لعنةُ اللهِ والأقوامِ كُلِّهِم... والصالحينَ على سِمعانَ مِنْ جارِ
وليس بشيء قولُ مَن قال في قراءة الكسائي: إنَّ معناها: ألا لَيِسْجُدوا، فحذف لام الأمر، وبقي الفعل مجزومًا؛ لأنه قد روي عن الكسائي أنَّ القاريء بروايته إذا اضطرَّ إلى الوقف على الياء يقف بالألف، ويبدأ بعدها (اُسْجُدوا) بضم الهمزة، فعُلِمَ بذلك أنه فعلُ أمرٍ قبلَه (يا).
وقد جعل بعض العلماء (يا) في مثل هذا لمجلاد التنبيه دون قصد نداء، مثل (ها) ومثل (ألا) الاستفتاحية.
وهذا هو الظاهر من كلام س في (باب عدَّة ما يكون عليه الكلم).
ويؤيد هذا كثرةُ دخولها على (ليت) في كلام مَن لا يَحضره منادًى، ولا يَقصد نداًء، كقوله ﴿يليتنى كنت معهم﴾، وكثرةُ معاقبتها لـ (ألا) الاستفتاحية قبل ليتَ وربَّ، كقول الشاعر:
ألا ليتَ شِعْرِي هل أَبِيتَنَّ ليلةً... بِوادٍ وحَولِي إذخِرٌ وجَلِيلُ
وكقول الآخر:
يا ليتَ شِعْرِيَ هل يُقْضَى انْقضاءُ نَوَى... فَيجمَعَ اللهُ بينَ الرُّوحِ والجسد
وكقول امرئ القيس:
ألا رُبَّ يومٍ صالحٍ لكَ منهما... ولا سِيَّما... يومٌ... بِدارةِ... جُلْجُلِ
وكقوله أيضًا:
فيا رُبَّ مَكْرُوبٍ كَرَرْتُ... وَراءَهُ... وطاعَنْتُ عنه الخَليلَ حتى تَنَفَّسَا»
انتهى.
قال س: «وزعم الخليل أنَّ حَبَّذا بمنْزلة حَبَّ الشيءُ، ولكنَّ ذا وحَبَّ بمنْزلة كلمة واحدة؛ نحو لولا، وهو اسم مرفوع، كما تقول: يا بنَ عَمَّ، فالعَمّ مجرور؛ ألا ترى أنك تقول للمؤنث حَبَّذا، ولا تقول حَبَّذه؛ لأنه صار مع حَبَّ على ما ذكرتُ لك، وصار المذكَّر هو اللازم؛ لأنه كالمَثَل».
قال أستاذنا أبو جعفر بن الزبير ــ رحمه الله ــ «لا تَعَلَّقَ لِمن يَنسُب إليه أنَّ حَبَّذا كله اسم بهذا اللفظ؛ إذ ليس صريحًا، بل لو قيل إنَّ ظاهره رَعْي الفصل لكان الوجه؛ ألا ترى تنظيره بـ (ابن عَمَّ)، وقوله (فالعَمّ مجرور)، وتعويله على تعليل بقاء (ذا) مع المذكر والمؤنث على صورة واحدة، فلهذا عَوَّل ابن خروف وأبو علي الشلوبين على هذا المفهوم» انتهى.
وممن ذهب إلى أنه بمجموعه اسم السيرافي وغيره، /وحملوا كلام س في قوله «وهو اسم مرفوع» على أنَّ «وهو» عائد على قوله «ولكنَّ ذا وجَبَّ بمنْزلة كلمة واحدة» أي: وحبَّذا اسم مرفوع.
والقائل الآخر يقول: «وهو» عائد على «ذا» وحده.
واستَدلً مَن قال بِغَلَبة الاسم في التركيب بأنَّ جهة الاسمية أصل، والاسم أكثر تصرفًا؛ لأن الخبر يَستَقِلُّ به، ولأنَّ التركيب يكون من الأسماء، نحو بَعْلَبَكّ، ولا يكون من الأفعال.
ونَسب أبو الحسين بن أبي الربيع إلى الخليل وس هذا المذهب، قال:
«وعليه أكثر النحويين».
وقال في «اللباب»: «استَدَلَّ من قال بالتركيب وجَعَلَهما في تقدير اسم مفرد بحسن ندائه، وبقولهم: ما أُحَيبِذَه، فصغروه تصغير المفرد، وبأنَّ ذا لم يُثَنَّ ولم يُجمَع، وبأنه لا يُحذف، ويضمر في الفعل كما فُعل بِنعمَ.
وهذا لا يعتمد عليه؛ لأنَّ المنادى محذوف، ولأنَّ التصغير شاذّ، ولأنَّ إفراده لكونه جرى المثل، والأمثال لا تُغَيَّر عن أَوَّليَّتها».
وظاهر كلام المصنف أنَّ حبَّذا مع كون «حَبَّ» فعلاً ماضيًا، و «ذا» فاعل به مركب؛ ألا ترى إلى قوله «وأنهما بعد التركيب لم يتغيرا معنًى ولا لفظًا»، وأنَّ تشبيهه بقولك: لا غلام.
على أنه يحتمل أن يُتأوَّل كلامُه على أنه يريد بالتركيب نقلَه إلى معنى المدح العامّ، وكونَه لم يبق على مدلوله الأول من أنه يدلُّ على معنًى خاص من المحبة، وكونه كان متصرفًا.
وينبغي هذا التأويل لنصهم على أنَّ من قال بأنه فعل وفاعل لا يدَّعي التركيب.
وقوله ولا اسمية ذا إلى قوله خلافًا لقوم استَدَلَّ مَن قال بغلبة الفعل على الاسم في التركيب في حَبَّذا بأنه هو المبدوء به، وهو أكثر حروفًا.
ورَجَّحَ بعضهم هذا بأنه لا يبقي معه شذوذ، وهو كون أحدهما مفردًا والآخر مثنَّى، فلا
يتبعه، نحو: حَبَّذا الزيدان، ولأنه يفسَّر، والمبتدأ ليس فيه إبهام حتى يكون التمييز من تمامه.
وممن ذهب إلى كونه مركبًا وأنه كله فعل، والمخصوص فاعل ـ أبو الحسن الأخفش وأبو بكر خَطَّاب.
وليس في قول العرب «لا تُحَبَّذْه» دلاله على أنَّ حَبَّذا كله فعل؛ إذ ليس مضارعَ حَبَّذا، وإنما هو مضارع لـ «حَبَّذْ»، ومعنى لا تُحَبِّذه: لا تقل له حَبَّذا، كما تقول: لم يُبَسْمِلْ زيدٌ، أي: لم يقل باسمِ الله.
وقال بعض أصحابنا: استدلُ القائلون بالتركيب بإفرادِ اسم الإشارة، وبكونِ حَبَّ لا يتصرف بحسب المشار إليه، وبكونِ العرب لا تَفصل بين (حَبَّ) و (ذا) بشيء، لا تقول: حَبَّ في الدار ذا زيدٌ، وأنت تريد: حَبَّذا في الدار زيدٌ.
وقوله وتَدخل عليها (لا) فتَحصل موافقة بئسَ معنًى إذا دخلتْ «لا» على حَبَّذا كانت للذمّ كما كانت دون «لا» للمدح، وقال الشاعر:
لا حَبَّذا أنتِ يا صَنعاءُ مِنْ بَلَدٍ... ولا شَعُوبُ هَوًى مِنِّي ولا نُقُمُ
وقال الآخر: /
ألا... حَبَّذا عاذِرِي في الَهوَى... ولا... حَبَّذا... الجاهِلُ... العاذِلُ
وقال الآخر:
ألا حَبَّذا أهلُ الَملا غيرَ أنَّه... إذا ذُكِرَتْ مَيُّ فلا حَبَّذا هِيَا
ودخول «لا» على حَبَّذا لا يخلو من إشكال؛ لأنك إمَّا أن تُفَرَّع على أنَّ حَبَّذا كلُه فعل، أو حَبَّ فعل، و «ذا» اسم، وكلاهما لا ينبغي أن تدخل عليه «لا»؛ لأنَّ «لا» لا تدخل على الماضي غير المتصرف، وتدخل على المتصرف قليلاً.
أو تُفَرَّع على أنه بمجموعه اسم، ولا ينبغي أن تدخل عليه؛ لأنه إمَّا أن تقدِّره منصوبًا بها، وليس بجيد؛ لأن النصب على العموم، نحو: لا رجلَ، ولا يصح هنا لأنه خصوص.
وإمَّا أن تقدَّره مرفوعًا، وليس بجيد؛ لأنَّ الأصح تكرار «لا»، فلا بُدَّ منه، ولا يجوز أن تكون غير مكررة إذا ارتفعت الأسماء بعدها بالابتداء إلا على مذهب الأخفش والمبرد.
ص: ويُذكَر بعدهما المخصوصُ بمعناهما مبتدأً مخبرًا عنه بهما، أو خبرَ مبتدأ لا يظهر، ولا تعمل فيه النواسخ، ولا يُقَدَّم، وقد يكون قبلَه أو بعدَه تمييزٌ مطابق أو حالٌ عاملُه حَبَّ، وربَّما استُغني به أو بدليل آخر عن المخصوص.
وقد تُفرَد حَبَّ، فيجوز نقلُ ضمة عينها إلى فائها، وكذا كلُّ فَعُلَ حلقيّ الفاء مُراد به مدحٌ أو تعجُّبٌ.
وقد يُجَرُّ فاعلُ «حَبَّ» بباءٍ زائدة تشبيهًا بفاعِلِ أو أفْعِلْ تعجُّبًا.
ش: الضمير في «بعدهما» عائد على حَبَّذا وعلى لا حَبَّذا، ولَّما كان المصنف قد اختار أنَّ حَبَّ فعلٌ ماضٍ، وأنَّ الفاعل به «ذا» ـ فَرَّعَ الإعراب على ذلك، فيجوَّز فيه وجهين:
أحدهما: أن يكون مبتدأً مخبرًا عنه بهما، والرابط للجملة بالمبتدأ هو اسم الإشارة، كقوله تعالى ﴿ولباسُ الَتقْوَى ذَلِكَ خيرُ﴾، هذا إذا قلنا بأنَّ «ذا» أريد به الخصوص، وإن قلنا إنه شائع فالعموم هو الرابط.
الوجه الثاني: أن يكون خبرَ مبتدأ محذوف واجب الحذف، كأنه قيل لمن قال حبَّذا: مَن المحبوب؟ فقال: زيدٌ، يريد: هو زيدٌ.
قال المصنف في الشرح: «والحكم عليه بالخبرية هنا أسهل منه في باب نِعمَ؛ لأنَّ مصعِّبه هناك نشأ من دخول نواسخ الابتداء، وهي هنا لا تدخل؛ لأنَّ حَبَّذا جارٍ مجرى المثل، والمثل وما جرى مجراه لا يغيَّران».
وقال ابن كيسان: ليس مبتدأ، بل هو تابع لـ «ذا» على البدل تبعًا لازمًا.
وأمَّا من قال بالتركيب وتغليب الاسم فاختارأبو علي أن تكون حَبَّذا خبرًا، والمخصوص مبتدأ.
وقال المبرد: حَبَّذا مبتدأ، والمخصوص خبره.
وأباه أبو علي.
وأجاز بعضهم فيه هذين الوجهين ووجهًا آخر، وهو أن يكون مبتدأُ محذوف الخبر كالأوجه الثلاثة التي أجازوها في: نِعمَ الرجلُ زيدٌ.
وذهب بعض النحويين إلى أنه عطف بيان، وبعضهم إلى أنه بدل لازم.
وأبطل كونَه مبتدأَ محذوف الخبر أو خبرَ مبتدأ محذوف جوازُ حذف المخصوص، فيَلزم حذف الجملة بأسرها من غير دليل على حذفها، وكونها تكون جملةً مفلتة مما قبلها /لا موضع لها من الإعراب.
ويُبطل عطفَ البيان مجيء المخصوص نكرة واسم الإشارة معرفةً، فقد اختلفا تعريفًا وتنكيرًا، وذلك لا يجوز في عطف البيان، ولذلك خطِّئ الزمخشري في إعرابه ﴿مَقَامُ إبراهِيمَ﴾ عطف بيان من ﴿ءايت بينت﴾ للتخالف في التنكير والتعريف.
ومما جاء فيه التخالف في حبَّذا قول الشاعر:
وحَبَّذا نَفَحاتٌ مِن يَمانيةٍ... تأتيكَ مِن جَبَلِ الرَّيَّانِ أَحْيانا
ويُبطل البدلَ أنه على نَّية تكرار العامل، ولا يجوز له أن يلي حَبَّ، وعدمُ مطابقة اسم الإشارة للبدل.
وأمَّا مَن قال إنه كله فِعل، فغَلَّبَ جَنْبة الفعلية ــــ فإنَّ المرفوع بعد حَبَّذا فاعل به.
ويُبطل هذا الإعرابَ أنه يجوز حذفُه، والفاعلُ لا يُحذف.
وقوله ولا تَعمل فيه النواسخ فلا تقول: كان حبَّذا زيدٌ، لا برفع زيد ولا بنصبه، بخلاف نِعمَ وبئسَ، فإنه قد تقدَّم لنا ذكر جواز ذلك، فتقول: كان نعمَ الرجلُ زيدٌ.
ولا تظهر علةٌ في منع ذلك، وإنما الرجوع في ذلك للاستقراء.
وقوله ولا يُقَدَّم يعني أنه لا يقال: زيدٌ حَبَّذا، وذلك بخلاف نِعمَ وبئسَ، فإنه يجوز تقديمه عليهما، فتقول: زيدٌ نعمَ الرجلُ، مع أنَّ التقديم مرجوح في نِعمَ لانهم
أرادوا الإبهام، فكان التأخير أحسن لأنه موضع تفسير، ولَزِمَ في حَبَّذا تأخيره.
وما نقصَ حَبَّذا من التصرف الذي في نِعمَ وبئسَ فلأنها فرع عنهما، فلا يكون فيها ما يكون في الأصل من وصفٍ وتأكيدٍ وتقديمٍ وغير ذلك، قاله في البسيط.
وقال المصنف في الشرح ما معناه: «إنَّ علة امتناع دخول النواسخ على حَبَّذا وامتناع تقديم المخصوص عليها هو أنها جَرَت مجرى المَثَل، وما جرى مجراه لا يُغَيَّر.
وأغفلَ أكثر النحويين التنبيه على هذين الحكمين، ونَبَّهَ ابن بابشاذ على امتناع التقديم، لكن جَعل سببَ ذلك خوف توهُّم كون المراد: زيدٌ أَحَبَّ ذا، وتوهُّمُ هذا بعيد، بل المانع إجراؤه مُجري الَمثَل» انتهى.
وقوله وقد يكون قبله أو بعده تمييز مطابق مثال مجيء التمييز قبله قول الشاعر:
ألا... حَبَّذا قَومًا سُلَيمُ، فإنَّهُمْ... وَفَوْا... إذ... تَواصَوْا بالإعانِة والنَّصْرِ
ومثال مجيء التمييز بعده قول رجل من طِّيئ:
حَبَّذا الصَّبرُ شِيمةً لامْرىٍء را... مَ مُباراةَ مُولَعٍ بالَمعالي
ومعنى قوله مطابق أي: للمخصوص المذكور بعد حَبَّذا، يطابقه في إفراد وتذكير وفروعهما، فتقول: حَبَّذا رجلاً زيدٌ، وحَبَّذا رجلين الزيدان، وحَبَّذا رجالاً الزيدون، وحَبَّذا امرأةً هندٌ، وحَبَّذا امرأتين الهندان، وحَبَّذا نساءً الهندات.
وكذا لو تأخر التمييز عن المخصوص، فإنه يطابقه أيضًا، نحو: حَبَّذا زيدُ رجلاً، إلى آخر المُثُل.
وظاهر قول المصنف وقد يكون قبله أو بعده /تمييز أن الأولى أن يتقدم التمييز على المخصوص، وذلك من حيث قُدِّم تقديمه على المخصوص على تأخيره
عنه، وقد صرَّح بذلك في الشرح، قال فيه: «وإذا قُدِّم عليه المخصوص، وأُخِّر هو ـــ يعني التمييز ـــ فهو سهل يسير، واستعمالُه كثير، إلا أنَّ الأوَّل أَولى وأكثر»، ويعني بالأوَّل تقديم التمييز على المخصوص.
وهذا الذي اختاره المصنف هو مخالف لقول أبي علي الفارسي، قال أبو علي:
«ضَعْفُ حَبَّذا رجلاً زيدٌ يؤكَّد عندك ضَعفَ حَبَّ؛ ألا ترى أنهم إنما ينصبون بعد تمام الكلام، ولّما لم يستقلّ حَبَّ بـ (ذا) ـــ وإن كان في الأصل فعلاً وفاعلاً ـ ضَعُفَ،
نحو: حَبَّذا رجلاً زيدٌ؛ لأنَّ الجملة لم تتمّ بعد وإن كان قد تقدم فعل وفاعل، فإذا تأخَّر بعد زيد جاء بعد استقلال الكلام، فحسُن النصب» انتهى كلامه، ويظهر منه أنَّ الناصب لهذا المنصوب ليس حَبَّ، وإنما هو منتصب عن تمام الكلام من: حَبَّذا زيدٌ.
وكذا المتفهَّم من كلام أبي محمد بن السِّيْد، قال في قوله:
يا... حَبَّذا... جَبّلُ الرَّيَّانِ مِنْ جَبَلٍ...............................
«مِن جبلٍ: في موضع نصب على التمييز، والعامل فيه معنى الجملة المقدمة، كما قال الآخر:
يا فارِسًا ما أنتَ مِن فارسٍ!.................................
كأنه قال: هو حبيب إلي من بين الجبال، أو اختصصته بمحبتي من بين الجبال، كذا قال الكسائي والفراء» انتهى كلام ابن السَّيْد.
ونقول: مَن أَبقى «حَبَّ» و «ذا» على أصلهما من الفعل والفاعل ــ كما ذهب إليه المصنف ــ فالذي يقتضيه مذهبه هو ما قاله المصنف من أنَّ تقديمه أجود؛
وأنَّ تأخيره ضعيف؛ لأنَّ العامل فيه عنده هو حَبَّ، فيكون ذلك فصلاً بين العامل والمعمول بالمخصوص.
ويَقوى ضَعفُه إذا أعربنا المخصوص خبر مبتدأ محذوف، فيصير فصلاً بجملة بين العامل والمعمول، وليست جملةً اعتراضية، فكان القياس يقتضي ألاً يجوز ذلك.
وقوله أو حالٌ مثال مجيء الحال قبل المخصوص قول الشاعر:
[يا حَبَّذا مَرْجُوَّا الُمثرِي السَّخِي... مَنْ يَرْجُهُ فَعَيشُهُ العَيشُ الرَّخِي]
ومثال تأخير الحال عنه قول الشاعر:
يا حَبَّذا المالُ مَبذُولاً بلا سَرَفٍ... في أَوْجُهِ... البِرِّ إسْرارًا وإعْلانَا
وقول الآخر:
يا حَبَّذا الجَنَّةُ واقْتِراُبها... طَيِّبَةً وباردًا شَرابُها
على أنَّ طَيِّبةً يحتمل أن يكون حالاً من الضمير المجرور في «اقترابها».
وحكم الحال في مطابقة المخصوص قبله وبعده حكم التمييز.
وأمَّا التقديم للحال على المخصوص والتأخير عنه فيظهر من عطف قوله «أو حالٌ» أنها مساوية للتمييز، فيكون تقديمها أولى من تأخيرها.
وقيل: التمييزُ ينبغي تقديمه، وأمَّا الحال فيستوي فيها /الأمران.
وقال المصنف في الشرح: «فأما التمييز فكثير ومتفق على استعماله».
وقال أيضًا: «والتزم بعض المتأخرين كونَ المنصوب بعد (ذا) تمييزًا، وليس ذلك ملتزمًا؛ لأنَّ الحال
قد أغنت عنه في النظم والنثر» انتهى.
وهذا الذي ذكره المصنف من أنَّ التمييز مُتَّفَق على استعماله إن عنى الاتفاق من العرب على فهمه عنهم أنه تمييز فيمكن؛ وإن عنى أنَّ الاتفاق من النحاة فليس كذلك، فنقول:
اختلف النحويين في هذا المنصوب بعد حَبَّذا:
فذهب الأخفش، والفارسي، والرَّبعيّ، وخَطَّاب المارِدِيّ، وجماعة من البصريين ـ إلى أنه منصوب على الحال لا غير؛ وسواء أكان جامدًا أم مشتقَّا.
وذهب أبو عمرو بن العلاء إلى أنه منصوب على التمييز لا غير، وسواء أكان جامدًا أم مشتقَّا.
وأجاز نصبَه على التمييز الكوفيون وبعض والبصريين.
وفَصَّل بعضهم، فزعم أنه حال إن كان مشتقَّا، وتمييز إن كان جامدًا.
وقبول الجامد والمشتقّ دخول مِن عليهما يرجَّح أن ينتصبا على التمييز؛ لأنَّ الحال لا تدخل عليها مِنْ.
والذي يظهر أنه إن كان جامدًا كان تمييزًا، وإن كان مشتقَّا فمقصدان للمتكلم: فإن أراد تقييد المبالغة في مدح المخصوص بوصف كان ذلك المنصوب
حالاً، ولا يصح دخول مِن عليه إذ ذاك.
وإن أراد عدم التقييد بل تبيين جنس المبالَغ في مدحه كان ذلك المنصوب تمييزًا، مثال الأول: حَبَّذا هندٌ مُواصِلةً، أي: في حال مُواصلتها.
ومثال الثاني: حَبَّذا راكبًا زيدٌ، وهذا الذي تدخل عليه من.
وفي «البسيط» جواز نصب هذا المنصوب بإضمار «أعني».
فلا يكون إذ ذاك لا تمييزًا ولا حالاً، بل هو مفعول بهذا الفعل المضمر، وهو قول غريب.
وقوله ورُبَّما استُغني به أو بدليل آخر عن المخصوص فمثال ما استغنى بذكر التمييز عن المخصوص قول الراجز:
باسمِ الإلهِ، وبهِ بَدِينا... ولو عَبَدْنا غيرَه شَقِينا
فحَبَّذا رَبَّا وحُبَّ دِينا
أي: فحَبَّذا رَبَّا الإلهُ.
ومثالُ ما حُذف فيه المخصوص لدليل آخر غير التمييز، وذلك للعلم به، كما حُذف في نِعْمَ وبئسَ إلا أنه في حَبَّذا قليل ـــ قولُ الشاعر:
ألا حَبَّذا لولا الحياءُ...، ورُبَّما... مَنَحتُ الَهوى مَنْ ليسَ بالُمتَقارِبِ
يريد: ألا حَبَّذا حالتي معكِ، يشير إلى أنَّ هواه إياها، وزيارته لها، وما ترتَّب على ذلك في قوله:
هَوِتُكِ حتى كادَ يَقتُلُنِي الهَوى... وزُرتُكِ حتى لامَنِي كُلُّ صاحِبِ
وحتى رأي مِنَّي أدانِيكِ رِقّةً... عليكِ، ولولا أنتِ ما لانَ جانِبِي
وبعد ذلك البيت:
بأهلي ظباٌء منْ رَبيعة عامر... عِذابُ الثْنايا، مُشْرِفاتُ الحَقائِبِ
وفي جواز حذفه دليلٌ على فساد قولِ مَن ذهب إلى أنَّ حَبَّذا كله فعل، وأنَّ المخصوص فاعل به؛ إذ الفاعل لا يجوز حذفه.
ودليلٌ على أنه لا يكون خبرَ مبتدأ محذوف؛ إذ يلزم حذف /الجملة بأسرها من غير عِوض عنها ولا قائم مقامها، وذلك لا يجوز.
ومِن أحكام حَبَّذا جوازُ الفصل بالنداء بينها وبين مخصوصها، كما قال كثَّير:
فقلتُ ــ وفي الأحشاءِ داءٌ مُخامِرٌ ـــ... ألا حَبَّذا ـــ يا عَزّ ـــ ذاكِ التَّشايُرُ
وجواز تأكيدها التأكيد اللفظي، أنشد أبو الفتح في «المنصف»:
ألا حَبَّذا حَبَّذا حّبَّذا... حَبيبٌ تَحَمَّلتُ فيه الأَذَى
ويا حَبَّذا بَرْدُ أنْيابِهِ... إذا أّظْلَمَ اللّيلُ واجْلَوَّذا
ومجيءُ المخصوص اسم إشارة مخالفًا في الرتبة لـ «ذا» المتصلة بحَبَّذا نحو ما
أنشدناه من قوله:
...................... ألا حَبَّذا ـــ يا عَزّ ـــ ذاكِ... التَّشاُيرُ
وقول الآخر:
فقد بَسْمَلَتْ ليلى غَداةَ لَقِيتُها... فيا حَبَّذا ذاك الحَبيبُ المُبَسْمِلُ
ويُقَوِّي هذا كونَ حَبَّذا مركبة، وأنَّ «ذا» ليس فاعلاً بـ «حَبَّ»؛ لتحالفه مع «ذاك» رتبةً؛ لأنَّ «ذا» موضوع للقريب، و «ذاك» موضوع للبعيد على قول، أو للوسط على قول، ولا يمكن أن يكون الشيء في الحالة الواحدة قريبًا بعيدًا، أو قريبًا متوسطًا، إلا بتجوُّز.
وأمَّا ما ذكره المصنف من أنه يجوز حذف ذا، واستدلاله على ذلك بقوله:
فَحَبَّذا رَبَّا، وحَبَّ دِينا
وتقديره «وحَبَّذا دينًا» فإنَّ القواعد تأبى ذلك؛ لأنه إن كان فاعلاً فلا يجوز حذفه، وإن كان جزءًا من المركب الذي حُكم عليه بأنه اسم كله أو الذي حُكم عليه أنه فعل كله فلا يجوز حذفُه؛ لأنه حالة التركيب صار جزءًا من أجزاء الاسم أو أجزاء الفعل، فكما لا يصحُّ حذف الاسم ولا بعض الفعل كذلك لا يصحّ في
حَبَّذا.
وأمَّا قوله «وحَبَّ دينا» فلا حجة فيه على حذف ذا؛ لأنَّ لِحَبَّ استعمالين: أحدهما: أن تليها «ذا»، وتُضَمَّن المبالغة في المدح.
والثاني: ألا تليها «ذا»، وتكون مما بُني على فَعُلَ، وأجري مُجرى نِعمَ وبئسَ، ويتخرَّج «وحَبَّ دينا» على أن تكون «حَبَّ» استُعملت هذا الاستعمال الثاني، فيكون في حَبَّ ضمير يفسِّره قوله «دِينا»، ويكون قد حذف المخصوص،
وتقديره: وحَبَّ دينًا ديُننا، كما أنك تقول لمن ذكر زيدًا: نِعمَ رجلاً، تريد: نِعمَ رجلاً زيدٌ، فيكون مثل قول الشاعر:
وزادَهُ كَلَفًا بالحُبِّ أَنْ مَنَعَتْ... وحَبَّ شيئًا إلى الإنسانِ ما مُنِعا
وإذا احتمل أن يكون من باب نِعمَ وبئسَ لم يكن في قوله «وحَبَّ دِينا»
دليل على جواز حذف «ذا».
ومِن ذهب إلى أنَّ «ذا» فاعل بـ «حَبَّ» في قولهم «حَبَّذا زيدٌ» فهو لا يجيز إتباعه لا بنعت ولا عطف ولا تأكيد ولا بدل؛ ويجوز ذلك في المخصوص.
وقوله وقد تُفْرَدُ حَبَّ، فيجوز نقل ضمة عينها إلى حائها يعني أنها تفرد مِن ذا، فيجوز أن يكون مرفوعها /كل اسم يصحّ أن يكون فاعلاً، فيجوز أن تبقى الحاء مفتوحة استصحابًا لحالها من الفتح السابق فيها، ويجوز ضم الحاء نقلاً لضمة عين الكلمة إلى الفاء؛ إذ قد بُني حَبَّ على وزن فَعُلَ، ولا يسوغ هذا النقل إلا حيث لا يكون الفك، فإن كان الفك ــ كإسناد حَبَّ إلى ما يسكن له آخر الفعل ـ لم يجز النقل، فتقول: حَبُبْتَ يا هذا، وحَبُبْتِ يا هند، وكذلك ما أشبهه، وإنما يجوز النقل فيما لم يكن فيه فكٌّ، نحو حُبَّ زيدٌ في حَبَّ زيدٌ.
وقوله وكذا كلُّ فَعُلَ حلقيّ الفاء مراد به مدح أو تعجُّب يعني أنه يجوز نقل ضمة فَعُلَ إلى الفاء إذا أريد به المدح أو التعجب.
وقال المصنف في الشرح:
«وهذا النقل جائز في كل فِعلٍ على فَعُلَ مقصود به التعجب، كقول الشاعر: