وبين: كان زيد يقوم.
وكذا لا يجوز في: كان زيد وجهه حسن، ولا في: كان زيد أبوه منطلق، ولا في: كان زيد قائم، على أن تضمر في كان ضمير الأمر؛ لأن الجملة لا تقوم مقام الفاعل إذا كان بعضها قد عمل في بعض.
والذي تختاره من هذه المذاهب هو مذهب الفارسي، وهو أنه لا يجوز أن تبني كان وأخواتها للمفعول، ولم يسمع شيء من ذلك عن العرب، والقياس يأباه، فوجب أطراحه.
ولم يتعرض المصنف لغير كان من الأفعال.
والفعل جامد، فلا يبني للمفعول، ومتصرف لازم لم يعتد إلى شيء البتة، فقد مر الخلاف فيه، ومتعد، وتقدم الكلام فيه، وبقى شيء منه يتكلم عليه، وهو (قال) وما في معناها إذا لم يكن لها معمول في اللفظ إلا الجملة، و (ظن) وأخواتها إذا سدت أن ومعمولًا لها مسد مفعوليها، فتقول:
الجملة بعد (قال) إما أن تكون أسمية أو فعلية:
فإن كانت أسمية فإما أن يكون فيها ضمير يعود على فاعل قال، أو لا يكون فيها ضمير: إن كان فيها ضمير، نحو: قال زيد أبوه منطلق- لم يجز أن يبني للمفعول.
وإن يكن فيها ضمير، نحو: قال زيد عمرو منطلق- فيجوز أن يبني للمفعول، فيقال: فيقال: عمرو منطلق، فذهب الكوفيون إلى أن الجملة في موضع المفعول الذي لم يسمم فاعله.
وذهب البصريون إلى أنه ضمير المصدر الدال عليه قال، والجملة بعده في موضع التفسير لذلك الضمير، فلا محل لها من الإعراب.
وإن كانت فعليه فإما يكون فيها ضمير يعود على فاعل قال أو لا: إن لم
يكن فيها ضمير، نحو: قال زيد قام عمرو- جاز أن يبني، فتقول: قيل قام عمرو والخلاف بين البصريين والكوفيين في الذي يقام على ما تقدم.
وإن كان فيها ضمير، وهو غير غائب، نحو: قال زيد أقوم- فيجوز أن يبني قال للمفعول، وأنت مخير في الثاني، فإن شئت أقررته على حاله، فقلت: قيل زيد يقوم- بيتها معًا، فقلت: قيل يقام، هذا مذهب الكوفيين.
وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز ذلك فيما أدى إلى أن يغير الثاني لأجل تغير الأول، سواء أكان التغير واجبًا أم جائزًا.
وحيث غير بناء الثاني لبناء الأول اختلف فيه: فذهب الكسائي إلى أن فيه ضمير مجهول.
وذهب بعض البصريين إلى أن فيه ضمير المصدر.
وذهب/ الفراء إلى أنه فارغ.
وإذا سدت "أن" ومعمولا لها مسد مفعولي ظن فإن اشتملت الصلة على ضمير غيبة يعود على فاعل ظن، نحو: ظن زيد أنه قائم، أو ظن زبد أن القائم هو، أو أن القائم أخوه- لم يجز بناء هذا للمفعول.
وإن لم تشتمل جاز، نحو: ظن أني عالم، أو أنك عالم، أو ظن أن زيدًا عالم، و"أن: وما بعدها تتقدر بمصدر، فهو القائم مقام الفاعل.
فلو سدت "أن" الخفيفة مسد المفعولين، نحو: ظن زيد يخرج عمرو- فيجوز أن يبني، فتقول: أظن أن يخرج عمرو.
وإن كان في الصلة ضمير غيبة يعود على فاعل ظن، نحو: ظن زيد أن يقوم- فلا يجوز إلا بناؤهما معًا، فتقول: ظن أن يقام.
أو ضمير متكلم أو مخاطب، نحو: ظننت أن أقوم، وظننت أن تقوم- فتقول: ظن أن أقوم، وظن أن تقوم، ويجوز فيهما: ظن أن يقام، هذا مذهب الكوفيين.
وخلاف الكسائي والفراء وبعض البصريين في يقام كهو في باب قال.
والبصريون على مذهبهم في أنه لا يجوز تغيير بناء الثاني لتغيير بناء الأول، لا جوزًا ولا وجوبًا، و"أن" وصلتها تتقدر بالمصدر، وهو القائم مقام الفاعل.
وقوله ولا مميز، خلافًا للكسائي لا يقام في هذا الباب مفعول معه، ولا مفعول من أجله، ولا حال، ولا تتميز؛ لأنها لا يتسع فيها، بخلاف المصدر وظرفي الزمان والمكان.
فمن الاتساع في المصدر ما حكاه س: ثماني حجج حججتهن بيت الله، وقال:
ويوم شهدناه سليمًا وعامرًا.........
وحكي المصنف عن الكسائي جواز إقامة المميز، وقال في الشرح ما نصه: "وأجاز الكسائي في امتلأت الدار رجالًا: أمتلئ رجال.
وحكي: خذه مطيوبة به نفس، ومن الموجوع رأسه، والمستفوه رأيه.
والموفوق أمره" انتهى.
وقال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور وقد ذكر أن التمييز لا يقام مقام الفاعل في هذا الباب، فال: "فأما قوله تعالى (بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا)، و (سَفِهَ نَفْسَهُ) وأمثالها فالفراء يقول: هو ينتصب بتحويل الفعل عنه في الأصل، والأصل: بطرت معيشتها، وسفهت نفسه، والناصب له الحديث والمحدث عنه، ولم يجز إقامتها مقام الفاعل.
وذهب الكسائي إلى أن ينتصب على التشبيه
بالمفعول به، وانتصب بخروجه عن الوصف، كغيره من المنصوبات، وأجاز أن يقام مقام الفاعل، وحكي عن العرب ما حكاه المصنف، ولم يجز تقديمه، فلم يجز: نفسه سفه زيد" انتهى.
وتأتي بقية الأقوال في باب التمييز.
فعلى ما حكاه ابن عصفور لا يكون انتصابه في مذهب الكسائي على التمييز، إنما انتصب عنده على التشبيه بالمفعول به، فإذا بناه للمفعول فلم يبن التمييز، إنما يني المشبه بالمفعول به، وهذا مخالف لما حكاه المصنف عن الكسائي أنه يجيز إقامة التمييز هنا.
ووافق ابن أصبغ المصنف في النقل عن الكسائي أنه يقيم/ التمييز، فقال: لا يجيز البصريون بناء الفعل على التمييز، وأجازه الكسائي وهشام.
وكذا قال أبو جعفر الصفار، قال: "وأجاز الكسائي وهشام إذا قلت: طبت بذلك نفسًا، وضقت ذرعًا، أن تقول" طيب بذلك نفس، وضيق به ذرع.
قال هشام: شبه بالخارج من الوصف وإن كان مفسرًا؛ لأن الفعل يأتي بالمضي والاستقبال.
وحكي الكسائي: خذه مطوية به نفس.
ولا يجيز الكسائي مع ذلك تقديمه ولا إضماره لأنه ليس بمفعول صحيح.
فأما البصريون والفراء فلا يجيزون من هذا شيئًا.
فإن قلت وجع عبد الله رأسه لم يجز أيضًا: وجع رأسه: ولا: ألم بطنه، عند البصريين والفراء.
وعلة البصريين أن فيه معنى (من)، وعلة الفراء أنه عنده مميز كالأول.
وأجازه الكسائي، وأجاز فيه التقديم والإضمار لأنه قد قوي عنده" انتهى كلام الصفار، وهو مخالف لكلام ابن عصفور في قوله: ولم يجز تقديمه، والصفار يقول: وأجاز فيه التقديم.
وقوله ولا يجوز: كين يقام، ولا: جعل يفعل تقدم الكلام في: كين يقام.
وأما قوله ولا جعل يفعل فـ "جعل" هذه من أفعال المقاربة، وهي من باب كان، وأصله: جعل زيد يفعل، والخلاف الجاري في "كين يقام" هو جار في "جعل يفعل".
ومما يلحق بهذا الباب من الأفعال مما في جواز بنائه للمفعول خلاف ما ذكره بعض أصحابنا، وهي مسألة: اشتكى زيد عينه، ونحوه، قال: لا يجوز بناؤه للمفعول عند البصريين ولا الفراء، وأجازه الكسائي وهشام.
-[ص: فصل
يضم مطلقًا أول فعل النائب، ومع ثانية إن كان ماضيًا مزيدًا أوله تاء، ومع ثالثه إن أفتتح بهمزه وصل.
ويحرك ما قبل الآخر لفظًا إن سلم من إعلال وإدغام، وإلا فتقديرًا بكسر إن كان الفعل ماضيًا، ويفتح إن كان مضارعًا.]-
ش: أخذ المصنف يذكر كيفية بناء الفعل للمفعول، وهو المطلب الرابع، إذ ذكر أولًا البواعث على حذف الفاعل، وثانيًا ما يقوم مقام الفاعل، وثالثًا أشار إلى بعض الأفعال التي لا تبني للمفعول على رأي بعضهم، وهي كان وأخواتها.
فذكر في هذا أن الفعل المبني للمفعول يضم أوله مطلقًا، سواء أكان ماضيًا أو مضارعًا، فإن كان أوله تاء مزيدة بضم ثانية، فتقول في تعجل وتجوهر وتشيطين وتضارب: تعجل وتجوهر وتشيطن وتضورب، وتنقلب ياء تفعيل وألف تفاعل واوًا، كما انقلبت في
فعيل وفاعل.
وتقول في المضارع: يتعجل ويتجوهر ويتشيطن ويتضارب.
وإن كان فيه همزة وصل ضم مع ضم أوله ثالثة، فتقول: أنطلق في الماضي، وينطلق في المضارع.
وقوله ويحرك ما قبل الآخر لفظًا إلى آخره مثاله/ ضرب ويضرب.
ومثاله في المعتل والمدغم قولك قيم ورد ويقام ويرد.
وجماع القول في الماضي المعتل إنه إما أن يكون ثلاثيًا أو زيد:
فإن كان ثلاثيًا فإما أن يكون معتل الفاء، أو العين، أو اللام:
فإن كان معتل الفاء بالواو جاز قبلها همزة، سواء أكان مضعفًا أن غير مضعف، نحو أعد في وعده، وأود في ود، إلا أن المضاعف تحذف الكسرة من عينه، ويدغم، كما كان قبل تحويله للمفعول.
وإن كان معتل العين فيأتي حكمه عند كلام المصنف فيه إن شاء الله.
وإن كان معتل اللام تتقلب ألفه ياء وإن كانت منقلبة عن واو، نحو غزي.
ومعتل ألفًا بالواو واللام يجوز قلب واوه همزه، نحو أقي في وقي.
ولغة لطيئ يقرون الألف في معتل اللام، فيقولون: رضا وزها، في رضي وزهي، ووقًا في وقي، وقال الشاعر:
أفي كل عام مأتم تبعثونه على محمر، ثوبتموه، وما رضا
وقد استعمل ذلك غير طيئ، قال علي بن عبد الرحمن بن علقمة بن عبده التميمي:
زها الشوق حتى ظل إنسان عينه يفيض بمغمور من الماء متأق
ومعتل العين واللام إن كانا مثلين جاز حذف الحركة في المثل الأول، وأدغم في الثاني، فتقول في حيي حي.
وإن كان زائدًا على ثلاثة فإن كان معتل الفاء بواو جاز إبدالها همزة، فتقول أوعد في ووعد.
وإن كانت واو ساكنة، وبعدها تاء أفتعل- جاز أن تبدل منها تاء وتدغمها في تاء أفتعل، فتقول في أوتعد من الوعد أتعد.
وإن كانت الفاء ياء ساكنة أبدلت منها واوًا، فتقول في أيقن مبنيًا للمفعول أوقن.
وإن كان بعدها تاء أفتعل أبدلت منها تاء، وأدغمتها فيها، فتقول في لغة من قال ايتبس منن اليبس: اوتبس، فتبدل منها واو، وفي لغة من قال اتبس: اتبس، بالإبدال والإدغام.
وإن كان معتل العين على وزن انفعل وافتعل فيأتي حكمه عند كلام المصنف فيه إن شاء الله.
أو على غير ذلك، وصحت في فعل الفاعل- صححت في فعل المفعول، فتقول في استحوذ: استحوذ، وفي أطول: أطول، وفي أغيل: أغيل.
وإن لم تصح- وإن كان أصل ما انقلبت الألف عنه ياء أو واوًا- فلا يجوز إلا الياء، نحو أبين واستبين وأعيد واستعيد.
ومن قال من العرب اسطعت بحذف التاء في فعل الفاعل جاز له إذا بناه للمفعول أن يقول اسطيع واسطوع، ومن قال استطاع بالرد قال استطيع.
ومعتل اللام يصير ياء، تقول: أعطي ورومي، في أعطى ورامي.
ومعتل الفاء واللام إن كانت ألفًا ياء قبلت بعد الضمة واوًا، أو واوًا مضمومة جاز/ قلبها همزة، وتنقلب الألف ياء، فتقول في أيديت عنده يدًا: أودي عنده يد، وفي واريت: وروى وأروى، واستودي الحساب.
ومعتل العين واللام كمعتل اللام خاصة، فتقول في أحيا واستحيا وأحييت وأحياييت وأغوى واستغوى: أحيي واستحيي وأحيوي وأحيويي وأغوي واستغوي، ويجوز أحي واستحي وأحيي وأحيوي.
والمعتل اللام خاصة إذا ضوعف جري مجري المعتل العين واللام، فتقول في افعللت وافعاللت من رمي: ارمييت وارماييت، فإذا بنيا للمفعول قال: أرميي وأرمويي وأرمي وأرموي.
وإن أسند شيء من ذلك إلى ضمير متكلم أو مخاطب أو نون إناث لم يجز الإدغام، نحو أحييت وأحييت واستحيين.
والمضارع من هذا كله مضموم أوله مفتوح ما قبل آخره، ويصير حرف العلة بعده ألفًا، وما كان منه محذوف ألفاء ترد، وما كان في عينه بالثقل كسره تصير ألفًا، فتقول: يتلافى ويحيا ويستحيا ويغوي ويحيايا ويوعد ويقام ويستقام.
وما روى أبو زيد من قولهم: لم يجد، وبعضهم من قوله:
............ لم يدع من المال إلا مستحتا أو مجلف شاذ.
وجماع القول في المضاعف الماضي أنه إما أن يكون ثلاثيًا أو أزيد:
إن كان ثلاثيًا، وفك في الفاعل- فك في فعل المفعول، فتقول في مششت الدابة: مشش مشش كثير، وكذا نظيره الذي فك شذوذًا.
وإن لم يفك فتحذف الكسرة، وتدغم، فتقول رد، وسنذكر لغة الكسر إن شاء الله عند ذكر المصنف لها.
وإن كان زائدًا على ثلاثة أحرف، وهو مضعف العين، فكالصحيح، فتقول في خلص: خلص.
أو مضاعف غير العين، والأول من المثلين بعد حرف ضم لأجل البناء للمفعول- فكالثلاثي المدغم، فتقول ارتد واضطر وانقد.
ومن كسر في رد كسر هنا.
أو الأول بعد حرف ساكن، والفعل ملحق- فكالملحق به، نحو جلبب كدحرج.
أو غير ملحق، والساكن الصحيح- فلا يجوز إلا نقل الكسرة من أول المثلين إلى الساكن قبله، نحو قد أقشعر من هذا الأمر، واطمئن إلى زيد.
أو حرف مد ولين لم يجز عند البصريين إلا حذف الكسرة من أول
المثلين والإدغام، نحو أحمور من الخجل، وخجول فلان.
وزعم الكوفيون أنه يجوز أحمير وخيل، وأنه إذا تركت الهمزة في نحو أطمأنت جاز أن تقول أطمون وأطمين، كما قلت احمور وأحمير، قال الفراء: سمعت أبا ثروان يقول: قد أطمين عند.
وهذا شيء لا يعرفه البصريون.
وإن أسند شيء من هذا إلى ضمير متكلم أو مخاطب أو نون إناث زال الإدغام، وكسر الأول، تقول: رددت ورددت ورددن وارتددت وارتددن.
والمضارع من جميع المضاعف يسكن أول مثليه بحذف الفتحة منه إن كان الساكن قبله/ حرف مد ولين، وتنقل منه إلى الساكن قبلها إن كان صحيحًا، ولم يكن الفعل ملحقًا، ثم يدغم أولهما في الثاني، فتقول: يرد ويرتد ويقشعر ويحمار ويخال.
والملحق كالذي ألحق به، فتقول: يجلبب كيدحرج.
وإن أسند شيء منه إلى نون الإناث زال الإدغام، وعاد الأول منهما إلى أصله من التحريك بالفتح، فتقول يرددن.
-[ص: وإن أعتلت عين الماضي ثلاثيًا أو على انفعل أو افتعل كسر ما قبلها بإخلاص أو إشمام ضم، وربما أخلص ضمًا، ويمنع الإخلاص عند خوف اللبس.
وكسر فاء فعل ساكن العين لتخفيف أو إدغام لغة، وقد تشم فاء المدغم، وشذ في تفوعيل تفعيل.
وما تعلق بالفعل غير فاعل أو مشبه به أو نائب عنه منصوب لفظًا أو محلًا.
وربما رفع مفعول به ونصب فاعل لأمن اللبس.]-
ش: مثال ذلك قال وباع وانقاد واختار.
وإطلاق المصنف لا يصح لأنهم يطلقون على ما فيه حرف العلة سواء أصح أم أعتل معتلًا، فيوهم أن مثل عور وصيد وأعتون يكون فيه الحكم الذي ذكره، وليس كذلك، بل حكم هذه التي صحت فيها العين حكم الصحيح، فتقول: عور في المكان، وصيد فيه، واعتون
فيه، فإزالة هذا أن يزيد فيه "بألف"، أي: وإن اعتلت بألف.
وذكر المصنف في مثل قال وباع وانقاد واختار وجوها ثلاثة:
الأول: كسر ما قبلها بإخلاص، فتقول: قيل وبيع وأنقيد وأختير، فالأصل في قيل: قول، استثقلت الكسرة على الواو، فنقلت إلى القاف بعد تقدير حذف حركتها، فسكنت الواو، فأنقلبت ياء لكسرة ما قبلها، نحو ميزان.
والأصل في بيع: بيع، فاسثقلت الكثرة على الياء، فنقلت إلى الباء بعد تقدير حذف حركتها، فالعمل في ذوات الواو أكثر منه في ذوات الياء.
وأصل أنقيد واختير: أنقود وأختير، فعمل في قيل وبيع.
الوجه الثاني: كسر ما قبل عين الكلمة بإشمام ضم.
وهذان الوجهان قرئ بهما في السبعة.
وقال أبو الحكم بن عذرة: "ومن الناس من ذهب إلى أن الإشمام إنما يتصور في الوقف دون الوصل، وذلك أن معناه ضم الشفتين من غير صوت، وذلك لرأي العين لا للسمع.
قال: والإشمام على هذا لا يتمكن أولًا لأنه لا بد لك أن تشوب الكسرة شيئًا من صوت الواو، فتغير صوت الناطق بهذه الكسرة إلى صوت الضمة، فتبطل حقيقة الإشمام.
ومن القراء من زعم أن الإشمام يمكن أولًا من غير أن يتغير لفظ الكسرة، كما يكون الإشمام في الوقف، ولا تتغير الكسرة، وهذا ليس في قوة البشر، ولو تكلفت ذلك لم تستطعه.
وقد كان الأستاذ أبو الحسن- يعني أبن عصفور- يقول: لعل هذا المذكور يهيئ شفتيه للنطق بالضمة قبل النطق بالحرف، ثم ينطق به، فيكون الإشمام في غير الأواخر عكس ما هو في الآخر، وهو رأي فاسد؛ لأنه إذا قام الدليل على أن النية بالحركة أن تكون بعد الحرف وجب ألا يقع الإشمام إلا بعد نطق الحرف؛ إذ هو إشارة للحركة، فينبغي أن تكون تلك الإشارة في موضع الحركة، وأيضًا فقد اتفق في الوقف على الإشمام بعد النطق بالحرف، واختلف هنا، فينبغي أن يرد ما أختلف فيه إلى ما أتفق عليه، فإن تعذر ذلك كما تقدم وجب ألا يقال إنه إشمام، ولو قيل فيه أنه روم لكان صحيحًا؛ لأن الروم عبارة عن تضعيفك النطق بالحركة حتى يسمع لها صويت ضعيف يكاد يخفي، لكن يدركه الأعمى، وهذا موجود في مثل قيل وغيض، فينبغي أن يسمى رومًا، لكن عبارة من تقدم عنه بالإشمام كما ذكرت لك" انتهى كلام أبن عذره.
وقال س: "وبعض العرب يقول: خيف وقيل وبيع، فيشم".
قال ابن خروف: "الإشمام هنا صوت، كما تريد ذلك في رد؛ ألا ترى أنه لا يجري بضم الشفتين إلا صوت الواو، ولا بد منذ لك".وقال الأستاذ أبو علي: زعم أبو عمرو الداني أن الإشمام هنا.
بمعنى الاختلاط، وأنه لا بد من سماعه، ومحال أن يكون الإشمام في مثل هذا الموضع من التي وقع الإشمام فيها في الوصل كالإشمام في الوقف.
يريد غير مسموع.
وقال: إنه لا يطوع بالنطق به لسان.
قال الأستاذ أبو علي: وقد كان شيخًا أبو عمرو بن الطفيل المقرئ المجود يتقنه، ويشم الحرف
الموصول من غير أن يسمع إشمام، وقد سمعته يورده غير مرة، ولا يسمع لإشمامه صوت أصلًا.
وقد قال س في باب من أبواب الأجزاء: "وسمعنا من العرب من يشم الضم".
وهذا ظاهرة أن الإشمام في الموصول مسموع كما قال أبو عمرو الداني.
وقوله ربما أخلص ضمًا قال المصنف: "وبعض العرب يخلص الضمة، فإن كانت العين واوًا سلمت لسكونها بعد ما يجانسها، وإن كانت ياء اقلبت واوًا لسكونها بعد ضمة، وعلى هذه اللغة قول الراجز:
ليت، وهل ينفع شيئًا ليت ليت شبابًا بوع، فأشتريت
ومثله الآخر:
حوكت على نيرين إذ تحال تخبط الشوك، ولا تشاك"
انتهى.
وهذه لغة فقعس ودبير، وهما من فصحاء بني أسد، وهي موجودة في لغة هذيل.
وهذه اللغات الثلاثة جارية في انقاد واختار إذا بنيا للمفعول.
وقال/ أبو الحكم بن عذره.
"لغة قول وبوع هي أراد اللغات لشذوذها استعمالًا وقياسًا، وهذه اللغة الثالثة إنما تكون في الثلاثي من الأفعال، فأما الزائد على ذلك فليس فيه
إلا النقل، نحو أنقيد" انتهى.
فعلى هذا لا يجوز أنقود ولا أختور.
وما ذكرناه قبل من جواز ذلك نقله الأستاذ أبو الحسن بن عصفور وشيخنا الأستاذ أبو الحسن الأبذي، كما نقله المصنف.
وقوله ويمنع عند خوف اللبس قال المصنف في الشرح: "لا يجوز إخلاص الكسر ولا إخلاص الضم إذا أسند الفعل إلى تاء الضمير أو نونه إلا بشرط ألا يلتبس فعل المفعول بفعل الفاعل؛ بل يتعين عند خوف الالتباس إشمام الكسرة ضمًا.
ومثال ما يخاف فيه الالتباس قولك في بيع العبد: بعت يا عبد، وفي عوق الطالب: عقت يا طالب، فإن هذا ونحوه لا يعلم كون المخاطب فيه مفعولًا إذا أخلصت الكسرة مما عينه ياء، والضمة مما عينه واو، بل الذي يتبادر إلى ذهن السامع كون المسند إليه فاعلًا، والمراد كونه مفعولًا، ولا يفهم ذلك إلا بالإشمام، فوجب التزامه في مثل هذا" انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره المصنف من أنه يمنع الإخلاص عند خوف اللبس لم يذكره أصحابنا، ولم يعتبروه، قالوا: إذا أسند شيئًا من هذه الأفعال المعتلة المبنية للمفعول إلى ضمير متكلم أو مخاطب أو نون جماعة المؤنث فإن العرب تختار الكسر في الفاء إذا كانت فيما سمي فاعله مضمونة؛ فيقولون: طالما قدت، فيضمون الفاء إذا كان مسندًا إلى الفاعل، ويكسرونها إذا كان مسندًا للمفعول، ومنهم من يشم الضم تفرقه بين المعنيين، وقد يجوز أن تضم الفاء فيهما.
وتختار العرب الضم في الفاء إذا كانت فيما سمي فاعله مكسورة، فيقولون: طالما ضمت إذا كان مسندًا للفاعل، وطالما ضمت وضمن إذا كان مسندًا للمفعول تفرقه بين المعنيين.
ومن أشار إلى الضم في الفاء أشار إليه إذا حذف الياء، وقد
يجوز أن تكسر الفاء فيهما.
انتهى ما نقلوه عن العرب، ولم يشترطوا في الإخلاص ألا يلبس، ولا تعين إشمام الكسرة ضمًا إذا ألبس، بل ذكروا في نحو قدت الكسر، وفي نحو بعت الضم، على سبيل الاختيار، ثم جواز الإشمام، ثم جواز الضم في نحو فقدت مبنيًا للمفعول، كالبناء للفاعل.
وفي شرح المهاباذي: "لم يخف الالتباس في خفت إذا كان مبنيًا للمفعول، وجواز الكسر في بعت مبنيًا للمفعول؛ لأن الفرق بينهما حاصل تقديرًا وإن لم يكن فرق بينهما- يعني لفظًا- ومن ذلك ما حاكاه ذو الرمة عن أمة بني فلان: "غثنا ما شئنا"، وهو فعلنا؛ لأنه يقال: غبث القوم، فإذا رددته إلى نفسك فلت: غثت" انتهى.
ولم يبالوا بالإلباس، كما لم يبالوا به حين قالوا "مختار" لأسم الفاعل واسم المفعول، والفارق بينهما تقديري لا لفظي.
وأما س فلم يتعرض لهذا التفصيل الذي ذكره أصحابنا، ولا لما ذكره المصنف من أنه يمنع الإخلاص عند خوف الالتباس، بل أجاز فيها إذا أسندت إلى ضمير متكلم أو مخاطب أو نون إناث الأوجه الثلاثة التي هي في قيل وبيع إذا كانت مسندة لغير ضمير المتكلم ونون الإناث؛ قال س: "وإذا قلت فعلت أو فعلن أو فعلنا من هذه الأشياء ففيها لغات:
أما من قال قد بيع وزين وخيفت وهيبت فإنه يقول: قد خفنا وبعنا وخفن وزن وبعت وهبت، يدع الكسرة على حالها، ويحذف الياء لأنه التقى ساكنان.
وأما من ضم بإشمام إذا قيل فعل فإنه يقول: قد بعنا، وقد رعن، وقد زدت.
وكذا جميع هذا يميل الفاء ليعلم أن الياء قد حذفت، فيضم، وأمال كما ضموا وبعدها الياء لأنه أبين لفعل.
وأما الذين يقولون بوع وقول وخوف وهوب فإنهم يقولون بعنا وهبنا وخفنا وزدنا، لا يزيدون على الضم والحذف، كما لا يزيد الذين قالوا رعن وبعن على الكسر والحذف" انتهى كلام س. وهذا هو الصحيح المنقول عن العرب:
إذا قالت حذام فصدقوها فإن القول ما قالت حذام.
وقوله وكسر فاء على ساكن العين لتخفيف أو إدغامه لغة قال المصنف في الشرح: "وقد يقال في فعل: فعل تخفيفًا دون نقل، وربما نقلوا بعد التخفيف، فقالوا في علم: علم" انتهى.
وقوله وكسر فاء فعل ساكن العين لتخفيف أو إدغامه لغة قال المصنف في الشرح: "وقد يقال في فعل: فعل تخفيفًا دون نقل، وربما نقلوا بعد التخفيف، فقالوا في علم: علم: انتهى.
والذين قالوا في ضرب ضرب، فسكنوا الرء، هم الذين يقولون في قيل وبيع: قول وبوع، لم ينقلوا في المعتل ولا في الصحيح، بل سكنوا فيهما، فينبغي أن تكون لغة ضرب بكسر الضاد ليس مفرغة على هذه اللغة؛ لأن هؤلاء ليس في لغتهم النقل ولا في المعتل ولا في الصحيح، بل يكون ذلك من لغة من كسر ما قبل الآخر، ثم سكن، ثم نقل الكسرة إلى الفاء، فقال ضرب.
وقوله لغة أما كسر الفاء إذا سكنت العين تخفيفًا فإن مذهب الجمهور أنه لا يجوز، وحكي عن قطرب إجازته، فعلى مذهب الجمهور ليس بجائز، ولا هو لغة كما ذكر المصنف.
وأما كسر الأول من المضاعف إذا وجب الإدغام نحو رد فقد قاله غيره، فيقول في رد: رد بكسر الراء، نقلت حركة العين إلى الفاء بعد تقدير سكونها.
وقال الجمهور: لا يجوز إلا الضم.
وأجاز الكسر بعض الكوفيون، وهو الصحيح، وهو لغة لبني ضبة ولبعض بني تميم ومن جاورهم، يقولون: رد الرجل، وقد/ قميصه، وقرأ علقمة (رُدَّتْ إِلَيْنَا)، (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا)، وهي في مذهب الذين قالوا قيل وحيل.
إلا أن الوجه في فاء رد الضم، والوجه في فاء قيل وكيل الكسر.
وقال المهاباذي: من أشم في قيل وبيع أشم في رد.
فعلى هذا يكون في رد وجوه قيل وبيع: إخلاص الضم، والإشمام، وإخلاص الكسر.
مسائل في هذا الباب
الأولى: يجوز في قولك "ضرب زيد قيامًا وقعودًا" أن يتقدم قيامًا وقعودًا - وانتصابهما على الحال- فتقول: قيامًا وقعودًا ضرب زيد؛ لأن العامل فعل متصرف، وفعل ما لم يسم فاعله يجوز أن يتعدى إلى الحال والظرف كفعل ما سمي فاعله، والتقدم والتأخير في مثل هذا سواء، هذا مذهب البصريين، وسواء عندهم أكان ذو الحال مضمرًا أم ظاهرًا.
ومنع التقديم هشام.
وأجازه الكسائي إن كانت الحال من مضمر، فإن كانت من مظهر منع.
المسألة الثانية: يضرب أي رجل- بالنصب في أي- يجوز فيه التقديم والتأخير لأنهما حال عندهم.
ومنع هشام التقديم، وقال: القطع لا يتقدم الاسم وفعله، ويجوز تأخيره.
قال: تقطعه من المضمر.
وأجاز التقديم الكسائي لأنه يقدم حال المضمر خاصة.
وفصل الفراء، فقال: إن قدرت الكلام لا يتم إلا بالحال جاز التقديم، ومنع إن قدرته يتم دونها؛ لأن الحال عنده على ضربين، يقدمها في الناقص، ولا يقدمها في التام.
المسألة الثالثة: ذهب الكوفيون، والمبرد، وابن الطراوة إلى أن صيغة الفعل المبني للمفعول أصل غير مغير من صيغة الفاعل.
ونسب هذا المذهب ابن الطراوة إلى س. وذهب جمهور البصريين إلى أنه ليس بأصل، وأنه مغير من فعل الفاعل.
وهذا الخلاف لا يجدي كبير فائدة.
واستدل للمذهب الأول بأنه قد جاءت أفعال مبنية للمفعول، ولم تبن قط
للفاعل، نحو جن زيد، وزكم، وورد، من ورد الحمى، ولقي، من اللقوة، وفلج، ورهصت الدابة، ونحو ذلك، ولو كان فرعًا للزم ألا يوجد إلا حيث يوجد الأصل.
وبأنهم همزوا الواو المضمومة في أوله، فقالوا في وعد: أعد، في وقتت، أقتت، ولو كان مغيرًا من باب الفاعل لكانت الضمة عارضة، فلم تهمز؛ إذا كان يحكم لها بحكم الأصل، وه ومن وعد ووقت، وليس يهمزه أحد لخفة الفتحة؛ ألا ترى أنهم لم يهمزوا واو (لَتَرَوُنَّ)، ولا (اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ) لعروض الضمة فيها، فدل على أن الضم أول الفعل أصل.
ورد الأول بأن العرب قد تستغني بالفرع عن الأصل، الدليل على ذلك الجموع التي وردت ولا مفرد لها، كعباديد وشماطيط.
وأجيب/ عن الثاني بأنه- وإن كان فرعًا- فقد صار بإزاء معنى، إذا استعمل ذلك المعنى كان هذا التغيير مطردًا لا بد منه، فصار كالأصل.
وأيضًا فإنه كثيرًا ما يعتد بالعارض في لسان العرب، فهذا منه.
واستدل للمذهب الثاني بقول العرب بويع وسوير، فلم يدغموا ذلك، والقاعدة أنه متى اجتمع ياء وواو وسبقت احدهما بالسكون أدغم في الآخر، فلما كان مغيرًا من ساير وبايع حمل على أصله، فلم يدغم لعروض هذا الاجتماع.
وأجيب عن كونه لم يدغم- وإن كان أصلًا- بأنه كان لو أدغم يلتبس فوعل بفعل، ولأنه يمكن أن يحمل سوير على ساير وإن لم يكن أصلًا، كما حملوا عور وصيد على أعور وأصيد، وليس ذلك أصلًا لهما، وسوير في معنى ساير، بمعنى أنه إذا سوير فقد سايره مساير.
واستدل أيضًا لهذا المذهب الثاني بقولهم مدعو مراعاة للأصل الذي هو دعوت إذا زالت الكسرة، كما قالوا موازين جمع ميزان حيث زالت الكسرة، وكما قالت مياسير جمع موسر حيث زالت الضمة، وبأن طلب الفعل للفاعل من جهة المعنى أولًا وللمفعول ثانيًا، فينبغي أن تكون بنيته له أولًا، وللمفعول ثانية عن بنيته للفاعل.
المسألة الرابعة: تقول العرب: مررت برجل كفاك بعه رجلًا، فـ "به" في موضع رفع على الفاعلية، ولو سقطت الباء لاستكن الضمير في كفاك إذ تقدم عليه مفسره، ولا يجوز رد هذا الفعل لما لم يسم فاعله في هذا الترتيب مع وجود "به".
وأجاز ذلك الكسائي، فتقول: مررت برجل كفيت به رجلًا.
وغلطه الفراء، وقال: الثاني في رفع، فكان ينبغي أن يسقط، وإن سقط ذهب المدح.
وقوله وما تعلق بالفعل وليس بفاعل ولا شبيه به يعني بالشبيه بالفاعل أسم كان وأخواتها.
وقوله أو نائب عنه هو المفعول الذي لم يسم فاعله.
وقوله منصوب لفظًا يعني كالمصدر وظرف الزمان وظرف المكان والمفعول
به والحال والتمييز والمستثنى- بشرط جوزا نصبه- والمفعول معه والمفعول من أجله.
وقوله أو محلًا مثاله المجرور بحرف زائد، نحو: ما رأيت من أحد، أو بغير زائد، نحو: مررت بزيد.
وقوله ربما رفع مفعول به إلى آخره مثاله: خرق الثوب المسمار، وانتصب العود على الحرباء، وقول الشاعر:
مثل القنافذ هداجون، قد بلغت نجران، أو بلغت سواتهم هجر
والسوات هي البالغة، ن وهجر هي المبلوغة، وقول الآخر:
إن سراجًا لكريم مفخرة تحلى به العين إذا ما تهجره.
/ وحقه أن يقول: يحلي بالعين، قال ثعلب" حلا الشيء في فمي يحلو: وحلي بعيني يحلي، وحلاوة فيهما جميعًا، وقول الفرزدق في ضيافته الذئب:
وأطلس عسال، وما كان صاحبًا رفعت لناري موهنًا، فأتاني أي: رفعت له ناري، وقول النابغة:
على حين عاتبت المشيب على الصبا................
أي: عاتبني المشيب على الصبا.
وظاهر كلام المصنف أن ذلك جائز في الكلام على قلة إذا لم يلبس.
وقلب الإعراب لفهم المعنى فيه مذاهب ثلاثة:
أحدها: أنه يجوز ذلك في الكلام والشعر اتساعًا لفهم المعنى.
واستدل لهذا المذهب بقوله تعالى (مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ)، وبقول العرب: إن فلانة لتنوء بها عجيزتها، فالعصبة والعجيزة لا تثقل، إنما يثقل بهما، والمعنى: لتنوء العصبة بها، ولتنوء فلانة بعجيزتها، أي: تثقل بها، وبقولهم: عرض الناقة على الحوض، وإنما يعرض الحوض على الناقة، وأدخلت القلنسوة في رأسي، والمعنى: أدخلت في القلنسوة.
ومن القلب قوله:
كانت فريضة ما تقول كما كان الزناء فريضة الرجم
وقوله:
وتركب خيل لا هوداة بينها وتشقى الرماح بالضياطرة الحمر.
التقدير: كما كان الرجم فريضة الزني، وتشقى الضياطرة الحمر بالرماح وإلى هذا المذهب في الآية ذهب أبو عبيده وجماعة، وأنه على القلب.
وأجاز أبو علي في قوله تعالى ﴿وآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ أن يكون من المقلوب، أي: فعميتم عليها.
وكثيرًا ما يقول به أبو العباس في القرآن وغيره.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز إلا لمجرد الضرورة.
المذهب الثالث: أنه لا يجوز إلا للضرورة وتضمين الكلام معنى يصح معه القلب، كقوله:
......................................... أو بلغت سواتهم هجر
حمله على المعنى، فكأنه قال: أو حملت سواتهم هجر؛ لأنه إذا بلغت السوات هجر فقد حملتها هجر.
والذي صححه أصحابنا أنه لا يجوز في الكلام، ولا يجوز في الشعر إلا في حال الاضطرار.
والصحيح أن أكثر ما جاء من القلب سببه التضمين، وقد يجيء منه في الضرورة ما لا يلوح فيه وجه التضمين، بل قلب لمجرد الضرورة.
وقد تأولوا ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾، ولتنوء بها عجيزتها، على أن الباء للتعدية، أي: لتنئ العصبة، ولتنيئها عجيزتها، كالباء في ﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾، أي:
لأذهب سمعهم.
وعلى /هذا خرج الآية الكسائي والفراء.
وفي البسيط: وقد يجوز أن يتبادلا يعني الفاعل والمفعول الإعراب، وذلك في موضعين:
أحدهما: أن يكون كل واحد منهما فاعلًا من جهة المعنى، نحو: ضارب زيد عمرًا، وقوله:
.............................. قرع القواقيز أفواه الأباريق
والثاني: أن يكون مفهومًا من جهة المعنى، نحو: خرق الثوب المسمار، وكسر الزجاج الحجر.
وقيل: وقد يجوز رفعهما معًا، ونصبهما معًا، لفهم المعنى، وأنشدوا:
إن من صاد عقعقًا لمشوم كيف من صاد عقعقان وبوم
فرفع عقعقان وبوم؛ لأنه قد عرف أنهما مصيدان، ومنه:
قد سالم الحيات منه القدما
-[ص: فصل
يجب وصل الفعل بمرفوعة إن خيف التباسه بالمنصوب، أو كان ضميرًا غير محصور، وكذا الحكم عند غير الكسائي وابن الأنباري في نحو: ما ضرب عمرو إلا زيدًا.
فإن كان المرفوع ظاهرًا والمنصوب ضمير لم يسبق الفعل ولم يحصر فبالعكس.
وكذا الحكم عند غير الكسائي في نحو: ما ضرب عمرًا إلا زيد، وعند الأكثرين في نحو: ضرب غلامه زيدًا.
والصحيح جوازه على قلة.]-
ش: مرفوع الفعل يشمل الفاعل والمفعول الذي لم يسم فاعله واسم كان وأخواتها، ويتنزل منزلة الجزء منه، والأصل أن يليه، والفصل بينهما بالمنصوب جائز ما لم يعرض موجب للبقاء على الأصل أو الخروج عنه.
وخوف الالتباس بكونهما مقصورين أو مضافين إلى ياء المتكلم أو مشارين أو نحوهما مما لا يظهر فيه إعراب من غير دليل على تعيين الفاعل موجب لتقديم الفاعل على المفعول؛ هكذا قال ابن السراج في أصوله والجزولي والمتأخرون من أصحابنا.
وقد نازعهم في ذلك أبو العباس الإشبيلي المعروف بابن الحاج، وكان من تلاميذ الأستاذ أبي علي، ورد ذلك على ابن عصفور في مقربه، وقال: "لا محصول لما ذكروا، ولا يوجد في كتاب سيبويه شيء من هذه الأغراض الواهية".
قال: "وبيان ذلك أن في العربية أحكامًا مفرطة الكثرة، إذا حدثت طرأ منها لبس، ثم لا نقول بالقول المطلق إنه لا يجوز إحداثها، وذلك كتصغير عمر وعمرو، فإن اللفظ بهما واحد، ولا نقول لأجل ذلك لا يجوز تصغيرهما أو تصغير أحدهما، ولكن نقول أليس من المقاصد المعروفة بين العقلاء إجمال ما يتخاطبون به، وهذا
ليس خاصًا بلسان، بل هو عام في جميع الألسنة، ثم نقول: لا يبعد أن /يقصد قاصد لإفادة أن موسى ضرب عيسى، أو ضربه عيسى، فيأتي في ذلك باللفظ المحتمل، وهو لم يقصد إلا إعماء هذا الخبر، وبقيت فيه بعد فائدة أخرى، وهو أنه ضرب أحدهما الآخر من غير تعيين.
ونقول أيضًا: لا يمتنع أن يتكلم به لغة، ويتأخر البيان لوقت الحاجة، فإن تأخير البيان يجوز عقلًا عند الكل، ويجوز شرعًا عند الأكثرين، قال به الشافعي وأكثر أصحابه والأقل من أصحاب أبي حنيفة وبعض أصحاب مالك وحذاق المتكلمين.
نعم يمكن أن يقال هنا إذا أجملا فينبغي أن يبقي مع الظاهر من تقديم الفاعل، لكن ليس هذا قطعًا على منعه.
قال الزجاج في معانيه في قوله سبحانه ﴿فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾: يجوز أن يكون ﴿تِّلْكَ﴾ في موضع رفع على اسم ﴿زَالَت﴾، وفي موضع نصب على خبر ﴿زَالَت﴾، ولا اختلاف بين النحويين في الوجهين" انتهى.
فعلى ما قاله ابن الحاج، واتبع فيه الزجاج، وذكر أن س لا يتعرض لشيء مما ذكره ابن السراج ومتأخرو أصحابنا _لا يجب تقديم الفاعل على المفعول وإن ألبس.
ونفرع على المشهور، فنقول: إذا ألبس وجب تقديم الفاعل، ويزول الإلباس بقرينة معنوية، كولدت هذه هذه، تشير بالأولى إلى صغيرة، أو كقولك: أكل كمثرى موسى، أو لفظية كضربت موسى سعدي، وضرب موسى العاقل عيسى.
وإنما قال "مرفوع الفعل" لأنه لو كان مرفوعًا بالاسم لم يجب اتصاله
بالاسم، مثاله: عجبت من ضرب زيد عمرًا، ومررت برجٍل راكٍب أبوه الفرس، فيجوز في هذين تأخير الفاعل عن المفعول.
وقوله أو كان ضميرًا غير محصور مثاله: ضربت زيدًا، وأكرمتك.
واحترز بقوله غير محصور من نحو: إنما ضرب زيدًا أنا.
ويندرج تحت قوله أو كان ضميرًا غير محصور أيضًا مسألتان: إحداهما ممنوعة بإجماع، والأخرى فيها اختلاف:
فالممنوع: أن يكون الضمير المتصل بالفعل عائد على المفعول، مثاله: الزيدين ضربا.
والتي فيها اختلاف: أن يكون الضمير المتصل بالفعل عائد على ما اتصل بالمفعول، مثاله: ثوب أخويك يلبسان، فنقل المنع عن الأخفش والفراء، ونقل الجواز عن هشام، واختلف عن الكسائي والمبرد وأكثر البصريين: فنقل ابن كيسان عن الكسائي والمبرد الجواز.
ونقل أحمد بن جعفر الدينوري المنع عن البصريين.
ونقل النحاس منعها عن أكثر البصريين.
وقال المبرد محتجًا للجواز: ليس هذا بأبعد من قولك: ضرب زيد غلامه.
وقال أيضًا محتجًا للمنع: هو معلق بالثاني، والثوب /مضاف إلى الأخوين، فلو قال يلبسان ثوب أخويك لم يجز لتقدم المكني على الظاهر.
وذكر غيره أن ذلك لا يجوز لأن المفعول فضلة، فيجوز الاستغناء عنه، وعود الضمير على ما اتصل به يخرجه عن ذلك؛ لأنه يلزم ذكر المفعول ليعود الضمير الفاعل على ما اتصل به، قالوا: ولهذا امتنع: زيدًا ظن قائمًا؛ لأن المفعول إذ ذاك يلزم ذكره ليعود الضمير الفاعل عليه، وذلك مخرج له عن أصل
وضعه؛ لأن المفعولين في باب ظننت يجوز حذفهما اختصارًا واقتصارًا.
قال بعض أصحابنا: والصحيح في مثل غلام هند ضربت الجواز لأن المفعول لا يلزم، وإنما يلزم ما أضيف إليه المفعول؛ ألا ترى أنك لو قلت هند ضربت لساغ، وليس كذلك زيدًا ظن قائمًا؛ لأنه لا سبيل إلى حذف المفعول؛ إذ لو حذفته لم يبق للضمير ما يفسره.
وقوله وكذا الحكم عند غير الكسائي وابن الأنباري في نحو ما ضرب عمرو إلا زيدًا يعني أن الحكم أن يتقدم الفاعل ويتأخر المفعول إذا كان المفعول محصورًا بحرف النفي وإلا، نحو ما مثل به من نحو: ما ضرب عمرو إلا زيدًا.
وهذه المسألة كما ذكر فيها خلاف:
فذهب قوم منهم الجزولي والأستاذ أبو علي إلى أنه يجب فيها تقديم الفاعل، وهذا اختيار المصنف.
وذهب البصريون والفراء والكسائي وابن الأنباري إلى انه يجوز تقديم الفاعل على المفعول وتأخيره عنه.
وقوله عند غير الكسائي وابن الأنباري موهم أنه مذهب البصريين والكوفيين غير الكسائي، وليس كما ذكر، بل مذهب هؤلاء في هذه المسألة هو مذهب الكسائي.
وإنما هو مذهب قوم منهم الجزولي.
وقوله فإن كان المرفوع ظاهرًا إلى قوله فبالعكس مثاله: أكرمك زيد، والدرهم أعطيه عمرو.
واحترز بقوله لم يسبق الفعل من نحو: إياك يكرم زيد، والدرهم إياه أعطى زيد عمرًا.
ومعنى فبالعكس أنه يجب فيه تقديم المفعول على الفاعل، نحو: أكرمك زيد.
واحترز بقوله ولم يحصر من نحو قوله: إنما يكرم زيد إياك.
وقوله وكذا الحكم عند غير الكسائي في نحو ما ضرب زيدًا إلا عمرو غير الكسائي هم البصريون والكوفيون وقوم منهم ابن الأنباري والجزولي والأستاذ أبو علي، ذهب هؤلاء إلى أنه إذا كان الحصر في الفاعل بحرف نفي وإلا وجب تقديم المفعول وتأخير الفاعل، وذهب الكسائي إلى أنه يجوز، ولا يجب.
وتلخص في المحصور بالا ثلاثة مذاهب:
1 _مذهب الكسائي أنه يجوز التقديم والتأخير، سواء أكان المحصور الفاعل أم المفعول.
2 _ومذهب قوم منهم الجزولي أنه يجب تأخير /ما حصر بالا وتقديم ما لم يحصر، سواء أكان فاعلًا أم مفعولًا.
3 _ومذهب البصريين والفراء وابن الأنباري أنه إن حصر الفاعل وجب تقديم المفعول، وإن حصر المفعول جاز تقديم الفاعل وتأخيره.
وإذا كان الحصر بـ"إنما" فذكر الشيخ بهاء الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن النحاس أن النحاة أجمعوا على أنه متى أريد الحصر في واحد منهما وجب تأخيره وتقديم الآخر، فتقول "إنما ضرب عمرو هندًا" إذا أردت الحصر في المفعول، و"إنما ضرب هندًا عمرو" إذا أردت الحصر في الفاعل.
فأما الكسائي فاستدل على صحة مذهبه بالسماع، قال الشاعر:
ولما أبى إلا جماحًا فؤاده ولم يسل عن ليلى بماٍل ولا أهل وقال الآخر: تزودت من ليلى بتكليم ساعةٍ فما زاد إلا ضعف ما بي كلامها وقال الآخر: وهل ينبت الخطي إلا وشيجة وتغرس إلا في منابتها النخل وقال الآخر: فلم يدر إلا الله ما هيجت لنا عشيةً آناء الديار وشامها وقال الآخر: ما عاب إلا لئيم فعل ذي كرٍم ولا هجا قط إلا جبأ بطلا وقال الآخر: نبئتهم عذبوا بالنار جارهم وهل يعذب إلا الله بالنار وفرق الكسائي بين إنما وحرف النفي وإلا بأن إنما لا دليل معها على الحصر في أحدهما إلا تأخير المحصور؛ فلم يجز تقديمه لئلا يلتبس المحصور بغير المحصور، بخلاف الحصر بحرف النفي وإلا، فإن اقتران الاسم بالا دليل على الحصر فيه تقدم أو تأخر.
وأما حجة من ذهب إلى أن المحصور منهما يجب تأخيره فإجراء لحرف النفي وإلا مجرى إنما.
وأما مذهب البصريين فقالوا: لابد أن يتقدم غير المحصور ويتأخر المحصور ليحصل الفرق بينهما، وإنما جوزنا تأخير الفاعل إذا كان المفعول مقرونًا بالا للسماع الذي استدل به الكسائي، ولأن الفاعل إذا تأخر في اللفظ علم أنه مقدم في النية، فحصل للمحصور فيه تأخير من وجه، وهو النية، ولغير المحصور تقديم، بخلاف ما إذا كان الحصر في الفاعل، فإنا /لو قدمناه وأخرنا المفعول كان قد وقد في رتبته من التقديم، والمفعول قد وقع في رتبته من التأخير، فلا يكون واحد منهما منويًا به غير موضعه، فلا يحصل ما يقتضيه الموضع من تقديم غير المحصور لفظًا أو نية.
وتأولوا ما استدل به الكسائي مما دخلت على الفاعل فيه إلا بأنه تم الكلام عند الاسم الذي دخلت عليه إلا، وما بعده على فعل، التقدير: درى ما هيجت، ويعذب بالنار.
وأما قوله "إن إلا قرينة دالة على الحصر فيما اقترنت به، فلا يحصل لبس" فنقول: بل يحصل اللبس، وهو أن يظن أننا أردنا الحصر في الاسمين اللذين بعد إلا، وكأننا قلنا: ما ضرب أحد أحدًا إلا زيد عمرًا، فغنا إذا أردنا هذا المعنى قلنا هذا.
فإن قلت: هذا يلزم إذا كان المفعول مقرونًا بالا، وجاز تأخير الفاعل.
قلنا: لا يلزم لأنه وإن تأخر لفظًا فالنية به التقديم، بخلاف المفعول مع الفاعل المقرون بالا، فإنك إذا أخرته كان مؤخرًا لفظًا ونيةً، فافترقا.
ويظهر من ابن عصفور في (المقرب) اختيار مذهب البصريين، فإنه ذكر في القسم الذي يجب فيه تقديم المفعول أنه إذا كان الفاعل مقرونًا بالا يجب تقديم
المفعول، ولم يذكر في القسم الذي يجب فيه تقديم الفاعل أنه إذا كان المفعول مقرونًا بالا وجب تقديم الفاعل، ولا تعرض لذلك.
وكذلك يظهر من ابن معط في فصوله.
والذي نختاره هو مذهب الكسائي وقوفًا مع السماع، والتأويل فيه بعيد.
وقوله عند الأكثرين إلى آخره هذه مسألة: ضرب غلامه زيدًا، وقد تقدم الكلام عليها مستوفى في أوائل الفصل الرابع من باب المضمر في أوائل الكتاب.
وقال المصنف في الشرح هنا: "والصحيح جوازه لوروده في كلام العرب الفصحاء"، وأنشد ستة أبيات تدل على الجواز.
وقال أبو جعفر النحاس: "فأما إنشاد أبى عبيدة:
لما عصى أصحابه مصعبًا أدى إليه الكيل صاعًا بصاع
فهذا لا يجوز عند أهل النظر من البصريين في شعر ولا غيره، ورواية الأصمعي:
لما عصى المصعب أصحابه.................................
والبيت لأبى العباس السفاح.
وأنشد هشام:
جزى ربه عني عدي بن حاتم جزاء الكلاب العاويات، وقد فعل
وهذا البيت مصنوع، نحلة عمرو بن كلثوم، وقال هشام فيه: وهذا من متاع الشعر" انتهى كلام النحاس.
ولو تقدم المفعول على الفعل، فقلت: زيدًا ضرب غلامه _لم يجز ذلك عند الفراء والكسائي، وأجازها هشام، وأجازها المبرد، يجعلها /بمنزلة: ضرب زيدًا غلامه.
قال ابن كيسان: بينهما فصل عندي؛ لأنك غذا قلت: زيدًا ضرب غلامه، فنقلت زيدًا من أول الكلام إلى آخره _وقع بعد الكلام، فصار المضمر قبل المظهر، فبطلت، وقولك ضرب زيدًا غلامه في موضعه، لا ينقل، فيجعل بعد زيد لأن العامل فيه وفي الغلام واحد، فإذا كانا جميعًا بعد العامل فكل واحد منهما في موضعه وإن كان الفاعل أولى بالتقديم من المفعول.
-[ص:
باب اشتغال العامل
عن الاسم السابق بضميره أو ملابسه
إذا انتصب لفظًا أو تقديرًا ضمير اسم سابق مفتقر لما بعده أو ملابس ضميره بجائز العمل فيما قبله غير صلة، ولا مشبه بها، ولا شرط مفصول بأداته، ولا جواب مجزوم، ولا مسند إلى ضمير السابق متصل، ولا تالي استثناء، أو معلق، أو حرف ناسخ، أو كم الخبرية، أو حرف تحضيض، أو عرض، أو تمن بـ"ألا" _وجب نصب السابق إن تلا ما يختص بالفعل، أو استفهامًا بغير الهمزة، بعامل لا يظهر موافق للظاهر أو مقارب، وقد يضمر مطاوع للظاهر، فيرفع السابق.]-
ش: مثال انتصاب الضمير لفظًا: زيد ضربته، ومثال انتصابه تقديرًا: زيد مررت به.
واشتغال العامل يشمل الفعل، نحو ما مثلناه، ويشمل ما يعمل عمل الفعل هنا.
قال شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع: "لا يدخل هنا مما يعمل عمل الفعل ما عدا أسماء الفاعلين والمفعولين لامتناع تقدم معمولة، فالصحيح ألا يفسر في هذا الباب إلا ما يجوز أن يعمل فيما قبله، فلا اشتغال في الصفات المشبهة، ولا في المصادر، ولا في أسماء الأفعال" انتهى.
فأما جمع أسماء الفاعلين والمفعولين فإن كان مسلمًا فالقياس يقتضي أن يدخل في أبواب الاشتغال، فنقول: زيدًا أنتم ضاربوه، وزيدًا أنتن ضارباته.
وإن
كان مكسرًا فتكسيره يبعده عن شبه الفعل، ويلحقه بالأسماء المحضة، فلذلك أحتاج س إلى شواهد لإعماله من الكلام ومن الشعر، فقال بعض أصحابنا: ينبغي ألا يدخل في الاشتغال لأن عمله ملفق ضعيف، والاشتغال كذلك باب ملفق، فيضعف عن الدخول فيه لأنه لا يقوى على أن يفسر، ولذلك لم يمثل عليه س، ولا عرض له في مسألة من الاشتغال، وإنما ذكره بحكم الانجرار؛ لأنه لما ذكر اسم الفاعل واسم المفعول، ومنه جار وغير جار _ذكر أيضًا جمعهما المكسر من حيث إنه غير جار، وهو قد يعمل.
ومن الناس من جوز أن يدخل في الاشتغال، قال: لأنه قد ثبت أنه يعمل، وقد ذكرها س في أبواب الاشتغال، فينبغي أن /يدخل فيه.
والذي يقتضيه التحرز أنه لا يكون في الاشتغال إلا بسماع من العرب.
وقد أبهم المصنف في الشرح، فقال: "واشتغال العامل يتناول اشتغال الفعل، نحو: أزيدًا ضربته؟ واشتغال غير الفعل، نحو: أزيدًا أنت ضاربه" انتهى.
واحترز بقوله ضمير اسم سابق من أن يكون الاسم متأخرًا، نحو: ضربته زيدًا، على البدل، أو زيد، على الابتداء.
واحترز بقوله مفتقر لما بعده من قولك: في الدار زيد فأكرمه.
وقوله أو ملابس ضميره هو أن يكون مضافًا إلى الضمير، نحو: زيد ضربت أخاه، أو مشتملًا صفته عليه، نحو: هند ضربت رجلًا يبغضها، أو
الصلة عليه، نحو: هند أكرمت الذي يحبها، أو عطف عليه عطف بيان، نحو: زيد ضربت عمرًا أخاه، أو عطف عليه عطف نسق بالواو خاصة، نحو: زيد ضربت عمرًا وأخاه، او مضاف إلى واحد من هذه الخمسة.
فلو أبدل منه لم يكن ملابسًا، أو عطف عليه بغير الواو لم يكن ملابسًا، أما البدل فلأنه على تكرار العامل فتخلو الجملة الواقعة خبرًا من الرابط، وأما العطف بـ"ثم" فلكون الفعل يستحيل أن يكون متحدًا في المعطوف والمعطوف عليه، بخلاف الواو؛ لأنها إذ ذاك تكون جامعة بمعنى "مع"، فكأنك قلت: ضربت رجلًا مع أخيه.
ولا ينحصر الشاغل للفعل فيما ذكره المصنف من الضمير والملابس له، بل قد يشغله ظاهر هو الأول، نحو: إذا زيدًا لقيت زيدًا فأكرمه، تريد: لقيته، ولا يكون هذا إلا في الشعر، نحو قوله:
إذا الوحش ضم الوحش في ظللاتها سواقط من حر، وقد كان أظهرا
وقوله بجائز العمل فيما قبله أي: بعامل يجوز له أن يعمل في الاسم الذي قبله، يعني: لو لم يشتغل بالضمير أو السبي، فإنه مع اشتغاله بأحدهما لا يجوز له أن يعمل في الاسم الذي قبله، وهو الذي له الضمير أو الملابس، لو لم يشتغل بالضمير أو السببي _ليس حاصرًا لمسائل الاشتغال؛ لأن منها قسمًا لا يجوز فيه للعامل أن
يعمل في الاسم الذي قبله، وذكره المصنف في أواخر هذا الباب، ولهذا يقول أصحابنا: ولولا ذلك أي: عمله في الضمير أو السببي لعمل في الاسم السابق أو في موضعه، وذلك نحو: إن زيد قام أكرمته، وأزيد قام؟ فيجيزون هنا الاشتغال وارتفاع زيد بفعل محذوف يفسره الفعل الذي بعده وإن كان لا يجوز أن يعمل قام في زيد لو فرضناه فارغًا من الضمير.
ويشترطون في هذا الضرب أن يتقدم الاسم ما يطلب الفعل إما على اللزوم وإما على الاختيار.
وذهب أبو القاسم حسين بن الوليد المعروف /بابن العريف إلى أنه لا يشترط ما يطلب الفعل، فيجيز في نحو "زيد قام" أن يرتفع زيد بإضمار فعل يفسره ما بعده، التقدير: قام زيد قام، وهذه نزعة كوفية.
فإن قلت: كيف جاز أن يفسر ما لا يعمل؟
فالجواب: أنه لما قويت الدلالة هنا على الفعل بالحرف الطالب له جاز أن يفسر ما لا يعمل؛ إذ قد يعمل في اسم آخر في موضع ذلك الاسم، كالظرف مثلًا، فتقول: أخلفك زيد قام؟
وقال الأستاذ أبو الحسن علي بن جابر الدباج: "لا يبعد أن يقال إن
هذا الفعل يصح له العمل في الأول مقدمًا عليه، وذلك مع أداة تطلب الفعل، وذلك أن العامل متصرف في نفسه، فكذلك يتصرف في معمولة إلا أن يمنع من ذلك مانع، وذلك المانع في الفاعل هو أنه يلتبس بالمبتدأ في قولك قام زيد، وزيد قام، فإذا جاء حرف لا يليه إلا الفعل لفظًا أو تقديرًا زال ذلك اللبس، فيصح أن يكون فاعلًا مقدمًا إن قدرت الفعل فارغًا من الضمير، وفاعلًا بإضمار فعل إن قدرت الفعل مشغولًا بضمير".
وهذا الذي قاله هذا الأستاذ إنما هو بناء منه على أن الفاعل لا يتقدم لأجل اللبس بالمبتدأ، فعلى هذا متى زال اللبس فينبغي أن يجوز تقديمه، ونحن نجد اللبس يزول، والفاعل مع ذلك لا يتقدم، وما سبب ذلك إلا أنه ينزل من الفعل كجزء منه مع اللبس المذكور في بعض المسائل، وحمل ما لا لبس فيه على ما فيه اللبس، لكنه يسوغ أن يفسر وإن لم يعمل لقوة طلب الفعل.
وقوله بجائز العمل هذا متعلق بقوله إذا انتصب.
قال المصنف في الشرح: "وخرج بذلك فعل التعجب، نحو: زيد ما أحسنه، وأسماء الفاعل، نحو: زيد تراكه، وأفعل التفضيل، نحو: زيد أكرم منه عمرو، فليس للاسم المتقدم على هذه إلا الرفع؛ لأنها لا تعمل فيما تقدم، وما لا يعمل لا يفسر عاملًا على الوجه المعتبر في هذا الباب، وهو كون العامل المشغول عوضًا في اللفظ من العامل المضمر دليلًا عليه، ولكونه عوضًا امتنع الإظهار؛ إذ لا يجمع بين العوض والمعوض منه، ولكونه دليلًا لزم أن يكون موافقًا في المعنى أو مقاربًا، فلو قصدت
الدلالة دون التعويض لم تكن المسألة من باب الاشتغال، كقول الراجز:
يا أيها المائح دلوي دونكا
فـ (دلوي) منصوب بعامل مقدر مدلول عليه بالملفوظ به.
نص على ذلك س. وليس الملفوظ به عوضًا من المقدر.
فلو جمع بينهما لم يمتنع.
والحاصل أن المجعول دليلًا دون تعويض لا يلزم صلاحيته للعمل في موضع دلالته، بخلاف المجعول دليلًا وعوضًا، ومن كلام العرب: البهم أين هو؟ /فنصب قائل هذا] البهم [بفعل مضمر، وجعل (أين هو) دليلًا عليه مع عدم صلاحيته للعمل" انتهى.
وشرط أصحابنا في العامل أن يكون متصرفًا، فإن كان غير متصرف لم يجز أن يفسر، وذكروا أن "ليس" يجيء فيها الاشتغال، ففي كتاب س: "أزيدًا لست مثله"، وقدروه: أباينت زيدًا لست مثله.
وهذا لا يتخرج إلا على مذهب من يجيز تقديم خبر ليس، وقد نسب ذلك إلى س، وسبق ذكر الخلاف فيها في باب كان وأخواتها.
وقوله فيما قبله أي: في الاسم الذي قبله، وهو الاسم السابق الذي ذكره
المصنف، ولو قال "بجائز العمل في ذلك الاسم" لكان أوضح، ولولا أنه فسر قوله "فيما قبله" بالاسم السابق لكنا نستنتج منه أن يدخل فيما قبله الاسم السابق، ومسألة: أزيد قام؟ فإن "قام" وإن لم يعمل في "زيد" الرفع فإنه يجوز أن يعمل في اسم آخر في موضعه، وقد بينا ذلك.
وظاهر كلام النحويين أنه يشترط في باب الاشتغال تقدم الاسم وتأخر العامل، فعلى ظاهر ما ذكروه لا يجوز "ضربته زيدًا" على أن يكون انتصاب "زيد" على إضمار فعل يفسره ضربته، ويكون منويًا به التقديم، ومنويًا بـ"ضربته" التأخير؛ لأنه يلزم تقديم الضمير على ما يعود عليه، ولا مقتضي لتأخره عنه، وليس التفسير كالخبر؛ لأن الأصل في التفسير أن يتقدم على المفسر، ورتبة الخبر التأخير، وإن لم يكن ذلك شرطًا فينبغي أن يجوز، ووجهه أن المفسر هو في المعنى خبر.
ويجوز رفع الاسم على الابتداء، وجعل هذه الجملة خبرًا.
وقوله غير صلة هذا استثناء منقطع؛ لأن ما ذكر لا يندرج تحت قوله "بجائز العمل فيما قبله".
ومثاله: زيد أنا الضاربة، وأذكر أن تلد ناقتك أحب إليك أم أنثى.
وقوله ولا مشبه بها المشبه بالصلة الصفة والمضاف إلى الفعل، شبها بها في تتميم ما قبلهما بهما، فلا عمل لهما في الاسم على تقدير التفريغ، ولا يفسران عاملًا فيه مع الاشتغال، ومثال ذلك: ما رجل تحبه يهان، وزيد يوم تراه يفرح.
وقوله ولا شرط مفصول بأداته مثاله: زيد غن زرته يكرمك؛ لأن أداة