التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيلصفحات 70-109

-[ص: و"لدن" لأول غاية زمان أو مكان، وقلما تعدم "من".
وقد يقال لدن ولدن ولدن ولدن ولد ولد ولد.
وإعراب اللغة الأولى لغة قيسية.
وتجبر المنقوصة مضافة إلى مضمر.
ويجر ما يليها بالإضافة لفظًا إن كان مفردًا، وتقديرًا إن كان جملة.
وإن كان "غدوة" نصب أيضًا، وقد يرفع.
وليست "لدي" بمعناها، بل بمعنى "عند" على الأصح.
وتعامل ألفها معاملة ألف "إلى" و"على"، فتسلم مع الظاهر، وتقلب ياًء مع المضمر غالبًا.]-

ش: "لدن" مبنية لشبهها بالحرف في لزومها استعمالًا واحدًا، وهو كونها مبدأ غاية، وامتناع الإخبار بها وعنها، فلا يبني عليها المبتدأ، بخلاف عند ولدي، فإنهما لا يلزمان استعمالًا واحدًا، بل يكونان لابتداء الغاية وغيرها، ويبنى عليهما المبتدأ، قال تعالى ﴿وعِندَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ﴾، وقال ﴿ولَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ﴾، ﴿ولَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾.
وقوله لأول غاية زمان مثاله: لدن غدوة، وما رأيته من لدن ظهر الخميس.
وقوله أو مكان مثله ﴿آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا﴾، أي: من جهتنا ونحونا.
وفي البسيط: هي بمعنى عند، لكنها أشد منها إبهامًا، يدل على ذلك أنها لا تقع جوابًا عن أين كما تقع فيه عند، ولذلك بنيت، بخلاف عند.
وقيل: إن عند تكون لما هو حاصل أو في تقدير الحاصل، فتقول: هذا عندي، وإن لم يكن حاصلًا، ولا كذلك / [4: 6/ ب] لدنك، إنما هي للحاصل المتصل.

وقوله وقلما تعدم من أكثر مجيئها بمن، كقوله ﴿وهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ﴾، ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ﴾.
ومجيئها بغير من نحو قولهم: لدن غدوة، وما رأيته لدن شب.
وقوله وإعراب اللغة الأولى لغة قيسية اللغة الأولى هي لدن، أعربتها قيس تشبيهًا بعند، وبلغتهم قرأ أبو بكر عن عاصم ﴿لِّيُنذِرَ بَاسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ﴾، جر النون، وسكن الدال، وأشمها الضم، والأصل من لدنه بضم الدال.
وحكي أبو حاتم ﴿مِّن لَّدُنْهُ﴾ بضم الدال وكسر النون.
وتقول في النصب: لدنه، ولدنه، بضم الدال، وسكونها مشمة الضمة.
وأما قول الراجز: تنتهض الرعدة في ظهيري من لدن الظهر إلى العصير فيجوز أن يكون كسر النون إعرابًا على هذه اللغة، ويجوز أن تكون مبنية على السكون، وكسر النون لالتقاء الساكنين.
قال المصنف في الشرح: "ووفيها على غير اللغة القيسية تسع لغات: سكون النون مع ضم الدال أو فتحها أو كسرها، وكسر النون مع سكون الدال وفتح اللام أو ضمها، وفتح النون مع سكون الدال وضم اللام، وحذف النون مع سكون الدال وفتح اللام أو ضمها، وحذف النون مع ضم الدال وفتح اللام" انتهى.

ووجدت في طرة نسختي من هذا الكتاب - أعني أصلي الذي بخطي من كتاب تسهيل الفوائد مخرجًا- "وولت"، بلام مفتوحة وتاء مكسورة، وينبغي أن يكشف هذه اللفظة.
وقوله وتجبر المنقوصة مضافةً إلى مضمر قال س: "أما لد فهي لدن محذوفة، كما حذفوا يكن؛ ألا ترى أنك إذا أضفته إلى مضمر رددته على أصله، تقول: من لدنه، ومن لدني" انتهى.
ولا يجوز: من لدك، ولا من لده.
وقوله ويجر ما يليها بالإضافة لفظًا إن كان مفردًا، وتقديرًا إن كان جملة جازت إضافتها إلى الجمل، وكان القياس ألا تضاف إلى الجمل؛ لأنها ظرف غالبه للمكان، ولا يضاف إلى الجمل من ظروف المكان إلا "حيث" و"لدن".
وتضاف إلى الجملة الاسمية، نحو قوله: وتذكر نعماه لدن أنت يافع إلى أنت ذو فودين أبيض كالنسر وإلى الفعلية، قال: لزمنا لدن سالمتمونا وفاقكم فلا يك منكم للخلاف جنوح وقال: صريع غواٍن، راقهن، ورقنه لدن شب حتى شاب سود الذوائب

فأما قول الآخر: [4: 7/ أ] /وليت، فلم تقطع لدن أن وليتنا قرابة ذي قربى ولا حق مسلم فخرج على زيادة "أن" وإضافة "لدن" إلى الجملة الفعلية، وعلى جعل "أن" مصدرية، أي: لدن ولايتك إيانا.
وقال ابن الدهان: ولا يضاف من ظروف المكان إلى الجمل إلا حيث وحدها، وقيل: لدن أيضًا.
وليس كذلك، فأما قول الشاعر: وأن لكيزًا لم يكن رب عكةٍ لدن صرحت حجاجهم، فتفرقوا فـ "أن" مراده مع "صرحت" بدليل ظهورها معها في قوله: أراني لدن أن غاب رهطي.................. فأضافه إلى المفرد.
وقوله وإن كان غدوة نصب أيضًا أي: وإن كان المفرد لفظ غدوة فيجوز الجر على الأصل، والنصب، قال الأخطل:

لدن غدوة، حتى إذا ما تغيظت هواجر من شعبان حاٍم أصيلها وقال آخر: ومازال مهري مزجر الكلب منهم لدن غدوةً حتى دنت لغروب وقد تزاد "ما" بين "لدن" و"غدوة" المنصوبة، قال الشاعر: وقفت بها القلوص، وقلت: عوجا فعاج الركب من قلٍص عجال لدن ما غدوةً حتى اكتسينا لمثنى الليل أثناء الظلال وقال يونس في كتاب "النوادر" له: "بعضهم ينصب ما بعد لدن، فيقول: لدن غدوةً، وبعضهم ينصب مع حذف النون، فيقول: لد غدوةً".
ولا يعني يونس أنه ينتصب بعد لدن كل اسم، إنما المحفوظ نصب غدوة فقط، قال س: "لا ينصب لدن غير عدوة، فلا تقول: لدن بكرةً؛ لأنه لم يكثر في كلامهم" انتهى.
وأما قوله: من لد شولًا فإلى إتلائها فهو على إضمار كان الناقصة، وتقدم الكلام على ذلك في باب كان.

وقال ابن خروف: الإضافة في لدن غدوة أكثر.
وقد وجهوا نصب غدوةً بلدن بأنها شبهت نونها - وإن كانت من بنية الكلمة- بالتنوين؛ إذ صارت هذه النون تثبت تارةً وتحذف أخرى، فأشبهت ضاربًا، فكما قالوا ضارب زيدًا قالوا لدن غدوةً.
وأجاز بعضهم انتصاب غدوةً على إضمار كان مضمرًا فيها اسمها، كما قال س في: "من لد شولًا"، أي: من لد كانت شولًا.
وأجاز بعضهم انتصاب غدوةً بعد لدن على التمييز.
وهو إعراب يعسر تعقله.
وإذا انتصبت غدوة بعد لدن فالمحفوظ أنها منونة وإن كان حقها أن تمتنع من الصرف؛ وإنما / [4: 7/ ب] صرفوها لأنهم لما عزموا على إخراجها عن النظائر في حالها غيروها في ذاتها بالصرف.
وأيضًا لو لم يصرفوها لفتحوا، فلم يعلم أمنصوبة هي أم مجرورة؛ لأنها لا تنصرف، فلما عزموا على نصبها وإخراجها لكثرة الاستعمال عن حال نظائرها صرفوها ليكون ظهور التنوين مع الحركة يحقق قصدهم.
فإن قلت: فمن رفع، فقال: غدوة، وجر، فقال: غدوة، ما الذي دعاه إلى الصرف، ولا إشكال فيه كما في النصب؟ فالجواب: أنهم لما أوجبوا صرفها منصوبة - وهو الأكثر من أحوالها - حملوا الجر عليه لأنه أخوه، فصار لها تنوين في الحالين، فحملوا الرفع عليهما، والرفع هنا

دخيل على النصب، فلما كان فرعًا في هذا الموضع حمل على النصب في التنوين.
انتهى ملخصًا من كلام ابن جني.
وإذا عطفت على غدوةً المنصوبة بعد لدن، فقلت: لدن غدوةً وعشية - فقد أجاز أبو الحسن الجر في المعطوف والنصب: أما الجر قيل: فلان غدوة وإن لم يجر لفظًا فهو في موضع جر.
وأما النصب فلأنه معطوف على منصوب، قال المصنف في شرح الشافية الكافية له: "والنصب في المعطوف بعيد عن القياس" انتهى.
وهذه المسألة مما زادته "الشافية الكافية" على "تسهيل الفوائد".
والذي أختاره أنه لا يجوز في المعطوف إلا النصب، ولا يجوز الجر لأن غدوةً عند من نصبه ليس في موضع جر، فليس من باب العطف على الموضع، وهو نصب صحيح، فإذا عطف عطف عليه، ولاسيما على مذهب من جعل غدوةً منصوبًا بكان مضمرة، فلا يتخيل فيه إذ ذاك جر البتة.
فإن قلت: يلزم من ذلك أن تكون لدن قد انتصب بعدها ظرف غير غدوة، ولم يحفظ نصب بعدها إلا في غدوة.
فالجواب: أنه يجوز في الثواني ما لا يجوز في الأوائل؛ ألا ترى أنك تقول: رب رجل وأخيه يقولان ذلك، وكل شاةٍ وسخلتها بدرهم، و:

أي فتى هيجاء أنت وجارها.............. ولا تقول: رب أخيه، ولا: كل سلختها، ولا: أي جارها، فكذلك هذه المسألة، لو باشرت المعطوف لدن لم يكن فيه إلا الجر، فلما كان معطوفًا جاز فيه النصب لأنه معطوف على معرب صحيح الإعراب، ولا موضع له، أعني غدوةً.
وقوله وقد يرفع حكي الكوفيون رفع غدوة، وتأويله على تقدير كان، أي: لدن كانت غدوة، كذا قال بعضهم.
والظاهر من كلام ابن جني أنه مرفوع بلدن، قال ابن جني: "وقد شبهه بعضهم بالفاعل، فرفع، فقال: لدن غدوة، كما تقول في اسم الفاعل: ضارب زيد، والقياس الجر بها لأنها ظرف، وقد أجراها بعضهم على القياس".
وقوله / [4: 8/ أ] وليست "لدي" بمعناها بل بمعنى "عند" على الأصح صرح س بأن لدى بمعنى عند، وقد تقدم مخالفتها لـ "لدن" في كونها يخبر بها كـ "عند".
وقوله وتعامل ألفها إلى آخره قال تعالى ﴿إذِ القُلُوبُ لَدَى الحَنَاجِرِ﴾، وقال ﴿ولَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾، كما تقول: علينا وإلينا.
وبعض العرب لا يقلب مع المضمر، بل يقر الألف معه كما يقرها مع المظهر، وكذلك إلى وعلى، قال الشاعر:

إلا كم - يا خناعة - لا إلانا عزا الناس الضراعة والهوانا فلو برئت عقولكم بصرتم بأن دواء دائكم لدانا ودلكم إذا واثقتمونا على نصر اعتمادكم علانا

-[ص: و"مع" للصحبة اللائقة بالمذكور، وتسكينها قبل حركةٍ وكسرها قبل سكون لغة ربعية، واسميتها حينئذ باقية على الأصح.
وتفرد، فتساوي "جميعًا" معنًى، و"فتًى" لفظًا لا يدًا وفاقًا ليونس والأخفش، وغير حاليتها حينئٍذ قليل.]-

ش: قال المصنف في الشرح: "ومن الظروف العادمة التصرف (مع)، وهو اسم لمكان الاصطحاب أو وقته على حسب ما يليق بالمصاحب.
ويدل على اسميته دخول من عليه في قولهم: ذهب من معه، حكاه س، ومنه قراءة بعض القراء ﴿هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾.
وكان حقه أن يبنى لشبهه بالحروف في الجمود المحض والوضع الناقص؛ إذ هو على حرفين بلا ثالث محقق العود، والمراد بالجمود المحض ما لزمه وجه واحد من الاستعمال، إلا أنه أعرب في أكثر اللغات لمشابهته عند في وقوعه خبرًا وصفة وحالًا وصلة ودالًا على حضور وعلى قرب، فالحضور كـ ﴿ونَجِّنِي ومَن مَّعِيَ﴾، والقرب كـ ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾، وكقول الراجز: إن مع اليوم أخاه غدوا"

وقوله وتسكينها قبل حركة مثاله: زيد مع عمرٍو، وكسرها قبل سكون مثاله: زيد مع القوم، ومع ابنك لغة ربعية، روى ذلك الكسائي عن ربيعة، قاله المصنف.
وفي المحكم: "ربيعة وغنم يسكنون مع قبل حركة"، ولم يحفظ س أن السكون لغة، فزعم أن السكون لا يكون إلا في الاضطرار، نحو قول الشاعر: ريشي منكم، وهواي معكم وإن كانت زيارتكم لماما وحركة مع حركة إعراب، ولذلك تأثرت بالعامل في: من معه، ومن سكن بني، وهو القياس.
وقوله واسميتها حينئذ باقية على الأصح أي: حين تسكن؛ لأن / [4: 8/ ب] معناها معربًة ومبنية واحد.
وزعم أبو جعفر النحاس أن الإجماع منعقد على حرفيتها إذا كانت ساكنة.
وليس ذلك بصحيح، بل الأصح كونها اسمًا إذ ذاك، وكلام س مشعر بذلك، وأن الشاعر إنما يسكنها اضطرارًا.
وقوله وتفرد، فتساوي "جميعًا" معنًى أي: تفرد عن الإضافة، وتفوق بذلك عند لأنه تمكن ما، وعند لا تفرد.
وأما مساواتها "جميعًا" معنًى فليس بصحيح.

وهذه المسألة جرت بين أحمد بن يحيى وأحمد بن قادم، وهما من شيوخ الكوفيين، سأل أحمد بن يحيى عنها ابن قادم، قال: فلم يزل يركض فيها إلى الليل، وفرق أحمد بن يحيى بأن جميعًا يكون للقيام في وقتين، وفي وقت واحد، إذا قلت قام زيد وبكر جميعًا احتمل الوجهين، و"معًا" لا يكون إلا في وقت واحد إذا قلت: قام زيد وبكر معًا.
وقوله و"فتًى" لفظًا لا "ريدًا" وفاقًا ليونس والأخفش اختلف في فتحة معًا: فذهب الخليل وس إلى أنها فتحة إعراب كفتحتها حالة الإضافة، والكلمة ثنائية اللفظ حالة الإفراد وحالة الإضافة، فهي كالفتحة في: رأيت زيدًا.
وذهب يونس والأخفش إلى أن الفتحة فيها كفتحة تاء فتًى، وأنها حين أفردت رد إليها المحذوف - وهو لام الكلمة- فصار مقصورًا، قال المصنف في الشرح: "وهو الصحيح"، يعني مذهب يونس والأخفش، قال: "لقولهم: الزيدان معًا، والعمرون معًا، فيوقعون معًا في موضع رفع كما توقع الأسماء المقصورة، نحو: هو فتًى، وهم عدًا، ولو كان باقيًا على النقص لقيل: الزيدان مع، والعمرون مع، كما يقال: هم يد واحدة، وهم جميع" انتهى.
والصحيح ما ذهب إليه س والخليل؛ لأن الأصل أن المحذوف الآخر لا يرد لا في حالة الإفراد ولا في حالة الإضافة، وذلك نحو يد ودم وحر، وقد رد بعضها في حالة الإضافة، نحو أب وأخ، وأما أن يرد حالة الإفراد ولا يرد في الإضافة فلا يوجد له نظير سوى هذا الذي فيه الخلاف، فحمل معًا على ما يوجد له نظير كثير

أولى من حمله على ما لا نظير له.
وإتمام معًا عكس أب وأخ؛ لأنه أتم في الإفراد، وحذف في الإضافة، فإذا معًا ليس من باب أب، وإذا لم يكن منه وجب حمله على باب يد ودم، وهذا كان يكون القياس في باب أب، وذلك على الخلاف الذي مر في باب أخ وأب حالة الإضافة، أهي لام الكلمة ردت أم هي إعراب أو إشباع، فلم يرد المحذوف فيصير على هذين القولين من باب يد ودم، ويكون كل ما حذف منه اللام جنسًا واحدًا لا يرد لا في إفراد ولا إضافة.
وأما ما ذكره المصنف من أنه كان يلزم إذا وقع خبرًا للمبتدأ أن يرفع، / [4: 9/ أ] فيقال: الزيدون مع - هذا خطأ فاحش؛ لأن "مع" قد تقرر أنها ظرف لا يتصرف، وقد ذكر هو ذلك، فلا يستعمل مبتدأ ولا فاعلًا ولا مفعولًا، وإنما تصرف بدخول "من" عليه على سبيل الندور، ولم يزله ذلك عن عدم التصرف، فقولهم الزيدان معًا هو منصوب على الظرف الواقع خبرًا، كما تقول: الزيدان عندك، وإذا كان ظرفًا لا يتصرف فلا يرفع؛ ألا ترى أنه حالة الإضافة أيضًا لا يرفع إذا قلت: زيد مع بكر.
وقوله، وغير حاليتها حينئذ قليل يعني أن الأكثر فيها أن تكون منصوبة على الحال، نحو: جاء زيد وبكر معًا، وجاء الزيدون معًا.
وأما استعمالها في موضع رفع خبرًا فقليل، ومن ذلك قول الشاعر: أفيقوا - بني حرٍب- وأهواؤنا معًا وأرحامنا موصولة - لم تقضب

وقول الآخر: حننت إلى ريا، ونفسك باعدت مزارك من ريا، وشعباكما معًا وقول الآخر، وهو حاتم الطائي: أكف يدي عن أن ينال التماسها أكف صحابي حين حاجتنا معًا وأما قول علقمة: فأوردتها ماء، كأن جمامه من الأجن حناء معًا وصبيب فيظهر أنه انتصب على الحال من حناء وصبيب، وتقدم على أحد المتعاطفين ضرورة.
ويحتمل أن يكون في موضع رفع على الصفة لهما، وتقدم على أحد المتعاطفين ضرورة.
وذهب بعض النحويين إلى أن "معًا" في نحو "وأهواؤنا معًا" في موضع نصب على الحال، والخبر محذوف، وهو العامل في الحال، والتقدير: وأهواؤنا كائنة معًا.
وهذا باطل بالإجماع على بطلان نظيره، لو قلت: زيد قائمًا، تريد: كائن - لم يجز.

-[ص: ويتوسع في الظرف المتصرف، فيجعل مفعولًا به مجازًا. ويسوغ حينئٍذ إضماره غير مقرون بـ "في"، والإضافة، والإسناد إليه. ويمنع من هذا التوسع - على الأصح- تعدي الفعل إلى ثلاثة.]-

ش: ظاهر كلامه اختصاص الظرف المتصرف بالتوسع فيه بأن يجعل مفعولًا به على طريق المجاز؛ ولا يختص ذلك بهذا الظرف، بل يجوز ذلك في المصدر المتصرف أيضًا، فينصب مفعولًا به على التوسع والمجاز، ولو لم يصح فيه ذلك ما جاز أن يبنى لفعل ما لم يسم فاعله حين قلت: ضرب ضرب شديد؛ لأن بناءه لفعل [4: 9/ ب] /ما لم يسم فاعله فرع عن التوسع فيه بنصبه نصب المفعول به، وتقول: الكرم أكرمته زيدًا، وأنا ضارب الضرب زيدًا.
قال في البسيط: "وهذا الاتساع إن كان لفظيًا جاز اجتماعه مع المفعول الأصلي إن كان له مفعول؛ وإن كان معنويًا بأن يوضع بدل المفعول به فإذا قلت ضرب الضرب فكأنك قلت: ضرب الذي وقع به الضرب ضربًا شديدًا، فوضعت بدله مصدره، فلا يكون فيما لا يتعدى - فلا يجتمع مع المفعول الأصلي لأنه كالعوض منه حال التوسع.
وقيل: يجوز الجمع بينهما على أن يكون المفعول منصوبًا نصب التشبيه بالمفعول به؛ وإذا كان الاتساع معنى فلا يجمع بين المتسع فيه والمطلق.
وقيل: لا يجوز الجمع بين شيئين من نوع واحد وإن اختلفا بالوصف؛ لأنه معنى واحد به أحد الأوصاف، فإذا أخذ مع أحدهما فلا يؤخذ مع غيره.
وفيه نظر.
وقد جوز س: سير عليه أيما سيٍر سيرًا شديدًا، وقال الشاعر:

فهي تنوش الحوض نوشًا من علا نوشًا، به تقطع أجواز الفلا" انتهى وفيه بعض تلخيص.
وفي البسيط أيضًا: "المصادر يتوسع فيها، فتكون مفعولًا، كما يتوسع في الظروف، فتكون إذا جرت أخبارًا بمنزلة الأسماء الجامدة، ولا تجري صفة بهذا الاعتبار، وإن كان بمعنى فاعل جاز، يعني أن يكون صفة".
قال: "وإذا توسع فيها فكانت عامة على أصلها لم تثن ولم تجمع رعيًا للمصدر، أو خاصة، نحو: ضرب زيد، وسير البريد - فربما جاز التثنية والجمع" انتهى.
والظرف هنا يتناول ظرف الزمان وظرف المكان، وإنما شرط في الظرف التصرف لأن ما لزم الظرفية لا يجوز فيه التوسع؛ لأن التوسع مناف لعدم التصرف؛ إذ يلزم من التوسع فيه كونه يسند إليه، ويضاف إليه، وهذا لا يجوز في عادم التصرف.
ويشمل المتصرف ما كان مشتقًا نحو المشتى والمصيف والمضرب، وما ليس مشتقًا نحو اليوم، فيجوز التوسع فيه كما جاز في اليوم.
وكذلك المصدر الذي أوله ميم كالمضرب.
ولا يمنع التوسع إضافة الظرف إلى الظرف المقطوع عن الإضافة المعوض مما أضيف إليه التنوين، نحو حينئٍذ وساعتئٍذ، فتقول: سير عليه حينئذ.
وما ينصب من المصادر انتصاب الظرف، نحو: أتيتك خفوق النجم، ومقدم الحاج - يجوز فيه التوسع.
ولا ينتصب انتصاب الظرف إلا المصادر المتمكنة، وأصل "بين" المصدر بأن يبين بينًا إذا افترق، ولما كان الافتراق يقتضي زمانًا وضع موضعه، ويجوز فيه التوسع، ومنه ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾.

وأما صفة الظرف، / [4: 10/ أ] نحو: سرت قليلًا - فيضعف فيه التوسع إلا إن وصف، وقد يحسن في بعضها إذا كثر فيها التصرف كقريب، وهو سماع.
وقوله فيجعل مفعولًا به مجازًا هذا مذهب البصريين.
وفصل الكوفيون، فزعموا أن ما كان العمل في جميعه انتصب على التشبيه بالمفعول به، ولا يجوز انتصابه على الظرف؛ لأن الظرف يلزم عندهم أن يكون العمل في بعضه من جهة أنه ينتصب على تقدير "في"، و"في" للتبعيض عندهم، وإن كان العمل في بعضه جاز أن يكون انتصابه على الظرف، أو على التشبيه بالمفعول به.
وقوله ويسوغ حينئٍذ - أي: حين التوسع- إضماره غير مقرون بـ "في" وذلك أن أصل الظرف أن يتعدى إليه الفعل بوساطة في، ولذلك يجوز التصريح بها في كثير من الظروف، لكنه استغنى عن "في" بمعناها في الأسماء الظاهرة، فإذا أضمرت تعدي الفعل إلى الضمير بوساطة "في"؛ لأن الضمير غالبًا يرد الأشياء إلى أصولها؛ ألا ترى قولهم في لد زيد: لدنه، وفي لم تك صديقنا: إن لم تكنه فمن يكونه، وفي قعدت جبنًا: الجبن قعدت له، وفي المال لزيٍد: المال له، فرد النون في لدنه، وفي تكنه، واللام في له، وفتح اللام في له رجوعًا إلى الأصل - لأجل الضمير، فعلى هذا تقول: اليوم سرت فيه، فإذا جاء بمثل "اليوم سرته" علم أنه لم يقصد الظرفية، وإنما جعل مفعولًا به على سبيل التوسع.
فمن التوسع في ظرف الزمان قوله: ويوٍم شهدناه سليمًا وعامرًا قليٍل سوى الطعن النهال نوافله وقول الآخر:

يا رب يوٍم لي، لا أظلله أرمض من تحت وأضحى من عله وقول الآخر: في ليلة يحبها الطعام ومن التوسع في ظرف المكان قوله: ومشرٍب، أشربه، رسيل لا آجن الطعم ولا وبيل فالضمير في "شهدناه" عائد على يوم، وفي "لا أظلله" عائد على يوم، وفي "يحبها" عائد على ليلة، وفي "أشربه" عائد على مشرب، وهو مفعل من الشرب، أي: مكان شرب، وكان الأصل: شهدنا فيه، ولا أظلل فيه، ويحب فيها، وأشرب فيه، فاتسع، ونصب الضمير نصب المفعول به مجازًا، ومن تمثيل س: سير عليه فرسخان.
قال ابن هشام الخضراوي: الضمائر من الزمان والمكان لا تقع خبرًا للمبتدأ منصوبة كما يقع الظرف في شيء من كلام العرب؛ تقول: يوم الخميس سفري فيه، ولا تقول: / [4: 10/ ب] سفري إياه، ولا: إن سفري إياه، ولا: كان سفري إياه، إلا أن تدخل عليه "في".
فدل هذا على أن الضمائر لا تنتصب

ظروفًا؛ لأن كل ما ينتصب ظرفًا يجوز وقوعه خبرًا إذا كان مما يصح عمل الاستقرار فيه، ولم أر أحدًا نبه على] ذلك [هذا التنبيه.
وقوله والإضافة تارة يضاف إليه المصدر على طريق الفاعلية، كقوله تعالى ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾.
وتارة على طريق المفعول به، كقوله تعالى ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾، أي: إمضاء أربعة أشهر بتربص.
وتارة يضاف إليه الوصف على طريق الفاعلية، كقولهم: يا سارق الليلة أهل الدار وتارة على طريق المفعول به، كقولهم: يا مسروق الليلة أهل الدار، ذكرهما س، وقال: رب ابن عم لسليمى مشمعل طباخ ساعات الكري زاد الكسل وقال: فإن أنت لم تقدر على أن تهينه فدعه إلى اليوم الذي أنت قادره

قال الفارسي: "إذا أضفت إلى شيء منه، فقلت: يا سائر اليوم ويا ضارب اليوم - لم يكن إلا اسمًا، وخرج بالإضافة إليه عن أن يكون ظرفًا؛ لأنها إذا كانت ظروفًا كانت في مراده فيها ومقدرة معها؛ بدلالة ظهورها مع علامة الضمير، فإرادة ذلك فيها تمنع الإضافة إليها؛ ألا ترى أنك إذا حلت بين المضاف والمضاف إليه بحرف جر نحو اللام في غلام لزيٍد لم تصح الإضافة، ومنع منها الحرف".
قال ابن هشام الخضراوي: "ولا يظهر عندي؛ لأن كل مضاف سوى باب الحسن الوجه يقدر باللام أو بمن، وعند قوم أن اللام أو من هو الخافض، ولم يمنع ذلك من الإضافة.
وقولنا الظرف مقدر بفي معناه تصلح في اللفظ إن كان متمكنًا، لا نعني إضمارها لعدم الخفض، ولا تضمينها لعدم البناء، وإذا لم تضمر ولم تضمن فتقدرها تقدير معنى، كتقدير لام الملك في: غلام زيد، ومن التبيين في: ثوب خز، فكذا تقول هنا في الوعاء، ولا تمنع الإضافة كما لم يمنعها تقدير لام الملك.
والذي أراد س أن الأول يخفض الثاني بالنيابة عن حرف الجر، فصار بمنزلته، وقام الدليل عند س على أن حرف الجر يخرج الظرف عن ظرفيته بدليل سين وسط، سكنوه متى جعلوه ظرفًا، وفتحوه غير ظرف، فإذا قالوا "في وسط" فكلهم يفتحها، ولا يسكنها أحد، وهذا وجدته لابن طاهر، وهو كلام صحيح، ولو قال الفارسي: الظرف إذا عمل فيه الفعل صح دخول الجر عليه، فإذا دخل لم يصح دخول آخر، وكذا إذا / [4: 11/ أ] أضيف إليه لم يصح دخول حرف الجر، ومعنى الظرفية مصاحب لجواز دخول الحرف أو تقدير دخوله - كان صحيحًا" انتهى.

وقال ابن عصفور: "هذا الذي استدل به - يعني الفارسي- هو الذي عول عليه أكثر النحويين، وهو عندي ضعيف؛ لأن العرب تفصل بين المضاف والمضاف إليه بحرف الجر ملفوظًا به في باب لا، نحو قولك: لا أبا لك، وفي باب النداء، نحو قوله: ................. يا بؤس للجهل ضرارًا لأقوام وإذا لم يعتدوا به فاصلًا وهو ملفوظ به فالأحرى ألا يعتدوا به فاصلًا وهو مقدر، وليس ما ذكروه من أن المقدر بمنزلة الملفوظ به صحيحًا؛ إذ لو كان كذلك لم يصل الفعل إلى نصب الظرف كما لا يصل إليه مع التلفظ بـ "في"، بل لقائل أن يقول: كما لم يعتدوا بـ "في" المقدرة، ولذلك نصبوا، كذلك ينبغي ألا يعتدوا بها إذا أضافوا، وإلى ذلك ذهب أبو موسى الجزولي، فإنه أجاز الإضافة مع بقاء الظرفية.
فإن قال قائل: إنما جاز الفصل باللام لأنها مؤكدة لمعنى الإضافة من حيث كانت على معنى اللام، ولذلك لم يجز الفصل بغيرها من حروف الجر التي لا يوافق معناها معنى الإضافة، فأما قوله: وقد علمت أن لا أخا بعشوزن ولا جار إذ أرهقتها بالحوافر فالأخ ليس بمضاف، وإنما جاء به على لغة من يقول أخا كعصا، والظرف على تقدير في، ومعنى في غير موافق لمعنى الإضافة، فلذلك لم تجز الإضافة إلى الظرف.

فالجواب: أن الإضافة إلى الظرف من قبيل إضافة التخفيف، وليست على معنى اللام فيناقض معناها معنى في، وإنما المخفوض منصوب في التقدير.
والدليل على أن الإضافة للتخفيف أن المضاف لا يتعرف بها وإن كان الذي أضيف إليه معرفة؛ ألا ترى أن طباخاً لم يتعرف بإضافته إلى ساعات الكرى، ولذلك أجري على النكرة.
والصحيح عندي أنه لا يضاف إليه إلا بعد الأتساع فيه كما ذهب إليه أبو علي، لكن العلة فيه غير ما ذكره، وهو أن الظرف إذا دخل عليه الخافض خرج عن الظرفية؛ ألا ترى أن وسطاً إذا دخل عليها الخافض صارت اسماً بدليل التزامهم فتح سينها، و «وسط» المفتوحة السين لا تكون إلا اسماً.
والسبب في خروج الظروف بالخفض عن الظرفية إلى الاسمية ما ذكره أبو الحسن في كتابه الكبير من أنهم جعلوا الظرف بمنزلة الحرف الذي ليس باسم ولا فعل؛ لشبهه به من حيث كان أكثر الظروف أخرج منها الإعراب، وأكثرها أيضاً لا يثنى ولا يجمع ولا يوصف، قال: فلما كانت كذلك كرهوا أن يدخلوا فيها ما يدخلون في الأسماء.
وقوله والإسناد إليه قال المصنف في الشرح: «من ضروب المجاز التوسع بإقامة الظرف/ [4: 11/ب] المتصرف مقام فاعل الحدث الواقع فيه، ومقام المفعول الموقع به الحدث، فالأول كقوله تعالى ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾، وقوله ﴿إنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾، وكقول الشاعر:

أقول للحيان، وقد صفرت لهم وطابي، ويومي ضيق الجحر معور والثاني كقولهم: ولد له ستون عاماً، وصيد عليه الليل والنهار، وكقول الشاعر: أما النهار ففي قيد وسلسلة والليل في جوف منحوث من الساج يعني نفسه، وكان مأسوراً، فأخبر أن نهاره مقيد، وليله مسجون، مبالغة ومجازاً» انتهى.
وقد يتوسع فيه بأن يرتفع خبراً، نحو: الضرب اليوم.
وزاد بعض الشيوخ وجهاً آخر مما يخالف فيه الظرف الظرف المتوسع فيه، وهو أن الظرف لا يؤكد، ولا يبدل؛ لأن الظرف زيادة في الكلام غير معتمد عليها، بخلاف المفعول.
قال صاحب البسيط: «وفي هذا نظر» انتهى.
وظاهر كلام المصنف أن كل ظرف يجوز فيه التوسع، فيجوز فيه ما ذكر من الأحكام.
وفي البسيط: ليس هذا التوسع مطرداً في كل ما يكون ظرفاً من الأمكنة كما كان في الزمان؛ بل المتوسع فيه من الأمكنة سماع، وغير المتوسع فيه من الأزمنة سماع، يقال في المكان: نحي نحوك، وقصد قصدك، وأقبل قبلك، رفعوا، فدل على نصب التوسع، ولا يجوز في خلف وأخواتها، فتقول: ضربت خلفك، فتجعله مضروباً، وكذلك لا يتوسع فيها فتجعلها فاعلاً كما في ظرف الزمان، فتوسع الفاعل والمفعول غير مطرد في المكان، وإنما كان ذلك لأن ظروف الزمان

أشد تمكناً منها في هذا، وقد نبه عليه س. ولا يقال: ظروف المكان هي أشد تمكناً لقربها من الأشخاص؛ لأنا نقول: ظرف المكان أشد تمكناً من الزمان من وجه، وهو قربها من الأناسي، وهو الموجب لأن يتعدى الفعل لها بالوساطة إلا ما أبه الزمان منها، وظرف الزمان أشد منه تمكناً في الانتصاب بعد الفعل، والتوسع معلول به، فلذلك لم يكن هذا التوسع في المكان، وإنما كان معلولاً لقوة فهم المعنى والدلالة.
وأما التوسع في الرفع بأنه خبر الابتداء فجائز في كلها إلا ما لزم الظرفية كدونك، وهو في هذا كظرف الزمان، وهو مذهب البصريين.
وذهب الكوفيون والجرمي إلى أنه لا يجوز كما في الأول إلا في ضرورة من قافية، كقوله ........................................ خلفها وأمامها وقوله ويمنع من هذا التوسع على الأصح تعدي الفعل إلى ثلاثة [4: 12/أ] / هذه المسألة فيها ثلاثة مذاهب: أحدها: جواز ذلك، وهو مذهب الأخف، وهو ظاهر كلام س، وعزاه ابن خروف إلى س، قال ابن خروف: «وإنما قاسه س، ولم يقس النقل- يعني في باب أعلم- لأن النقل فيه نصب الفاعل، ولا ينصب الفاعل إلا تشبيهاً بما ثبت أصله في الكلام، كما نصب الفاعل في: حسنٍ الوجه، تشبيهاً بضارب زيداً.
ونصب الظرف على الأتساع ليس فيه تغييره عما كان عليه، وجميعه مجاز في متعد لواحد

أو أكثر، والنقل كله حقيقة، فاقتصر فيه على السماع، بخلاف نصب الظرف على الأتساع، فإنه مجاز، ولا معنى لمراعاة التعدي وغير التعدي فيه» انتهى.
قال س في «باب الفاعل الذي يتعداه فعله إلى ثلاثة مفعولين» ما نص: «واعلم أن هذه الأفعال إذا انتهت إلى ما ذكرت لك من المفعولين، فلم يكن بعد ذلك متعدى- تعدت إلى جميع ما يتعدى إليه الفعل الذي لا يتعدى الفاعل، وذلك قولك: أعطى عبد الله زيداً المال إعطاء جميلاً، وسرقت عبد الله الثوب الليلة، لا تجعله ظرفاً، ولكن كما تقول: يا سارق الليلة زيداً الثوب، لم تجعلها ظرفاً» انتهى.
يريد س أنها- وإن وصلت إلى غاية التعدي- فلا يمنعها ذلك من أن تتعدى اتساعاً لما تعدى إليه اللازم والمتعدي لواحد ولاثنين في الاتساع من نصب الظرف والمصدر نصب المفعولية؛ وهذا مذهب الجمهور.
المذهب الثاني: جواز ذلك في اللازم، وفي المتعدي إلى واحد، وفي المتعدي إلى اثنين، ولا يجوز في المتعدي إلى ثلاثة؛ وذلك أن الأتساع مع الفعل اللازم له ما يشبه به، وهو المتعدي إلى واحد، والأتساع مع المتعدي إلى واحد له ما يشبه به، وهو المتعدي إلى [اثنين، والأتساع مع المتعدي إلى اثنين له ما يشبه به، وهو المتعدي إلى] ثلاثة، وأما ما يتعدى إلى ثلاثة فليس له ما يشبه به؛ إذ ليس لنا فعل يتعدى إلى أربعة.
وقال ابن عصفور: «ذا قول أكثر النحاة» انتهى.
ونسب بعضهم إلى المبرد، وهذا هو اختيار المصنف، قال في الشرح: «جواز تعدي ذي ثلاثة إلى ظرف على أنه مفعول به يستلزم مشبهاً دون مشبَّه به؛

لأنه إذا فعل ذلك بما له مفعول واحد أو مفعولان لم يعدم أصلاً يحمل عليه، بخلاف نصبه بما له ثلاثة، فإنه يلزم منه فرع لا أصل له، ومشبه دون مشبه به، فوجب منعه، ولأن جواز ذلك في غير باب أعلم مرتب على ما سمع من إقامة الظرف مقام فاعل الحدث الواقع فيه، ومقام ما يوقع به في إخبار عنه وإضافته إليه، ولم يسمع من ذلك شيء في باب أعلم- فلا يحكم فيه بجواز ذلك المجاز لعدم سماع ما يترتب عليه» / [4: 12/ب] انتهى.
وما ذكره المصنف وغيره من أن على جواز الأتساع ي التشبيه ليس بصحيح؛ وإنما جوز س ذلك من وجه آخر، وذلك أن تعدي الفعل إلى الظرف اتساعاً غير معتد به، ولا يراعي مراعاة تعديه إلى المفعول به غير المتسع فيه.
ويدللك على ذلك تعدي ما لا يتعدى إليه، فلولا أنه لا يعتد به لم يجز في قام ونحوه مما لا يقتضي مفعولاً به، فلما كان كذلك صح الأتساع في الظرف فيما يتعدى إلى ثلاثة، ولم يلتفت س إلى ما يكون نظيراً في كلام العرب أصح أم لا؛ لأنه لا يلزم ذلك، ولا يعتد بهذا التعدي، فكأنه لم يجعل الظرف مفعولاً به، ولم يتوسع فيه؛ إذ ذاك مجاز لا حقيقة، ولولا ذلك لم يجز في قام ونحوه؛ لأن ذلك ممتنع في الحقيقة، وإنما جاز لضرب من المجاز.
وأما قوله «لم يسمع من ذلك شيء في باب أعلم، فلا يحكم فيه بجواز ذلك المجاز لعدم سماع ما يترتب عليه» فهذا أمر لازم له فيما يتعدى إلى اثنين، وقد جوز والتوسع فيما يتعدى إلى اثنين، ولم يسمع من ذلك شيء فيما يتعدى إلى اثنين، فينبغي على ما قرر ألا يجوز ذلك، وقد جوز هو الأتساع فيما يتعدى إلى اثنين، فناقض.

المذهب الثالث: أنه لا يجوز الأتساع مع ما يتعدى إلى ثلاثة، ولا مع ما يتعدى إلى اثنين؛ لأنه ليس له أصل يشبه به؛ لأنه لا يوجد ما يتعدى إلى ثلاثة بحق الأصل؛ ألا ترى أن أعلم وأرى منقولان من علم ورأى، وما عداهما مما يتعدى إلى ثلاثة محمول عليهما ومضمن معنييهما، فإذا كان ما يتعدى إلى ثلاثة فرعاً كله فلا يحمل عليه غيره؛ لأن الحمل لابد أن يكون على الأصول لا على الفروع.
قال ابن عصفور: «وهذا هو الصحيح قياساً وسماعاً: أما القياس فلأنه لما كان الظرف المتسع فيه مشبهاً بالمفعول به؛ بدليل وصول الفعل إلى ضميره بنفسه- وجب أن يكون العامل مشبهاً بالعامل في المفعول به.
وأما السماع فلأنه قد سمع الأتساع فيما لا يتعدى، نحو: يوم الجمعة ضمته، وفيما يتعدى إلى واحد، نحو قوله: ويوماً شهدناه سليماً وعامراً........................ ولا يحفظ فيما عدا ذلك» انتهى.
وقد ذكرنا أن س لم يجز الأتساع من جهة التشبيه، فلا يلزم ما ذكر ابن عصفور.
وأما السماع فهو كما ذكر، ولا يمتنع القياس؛ إذ الجامع كون الأتساع فيه إنما هو على سبيل المجاز لا على سبيل الحقيقة، وهذا شيء يشترك فيه المتعدي إلى ثلاثة وإلى اثنين مع المتعدي لواحد ومع اللازم.
ولم يبين المصنف العامل الذي يتوسع في الظرف معه، والظرف تارة يعمل فيه الفعل أو ما جرى مجراه من الأسماء، وتارة يعمل في الحرف أو الاسم الجامد بما فيه من معنى الفعل، وذلك قليل، فإذا عمل/ [4: 13/أ] فيه الحرف أو الاسم الجامد

بما فيه من معنى الفعل فلا يتوسع فيه مع شيء منهما؛ لأن الظرف المتوسع فيه مشبه بالمفعول به، والعامل في المفعول به لا يكون رفاً ولا اسماً جامداً، فلا يعملان في المشبه به، وهو الظرف المتوسع فيه.
فرع: هل يتوسع في الظرف مع كان وأخواتها؟ هو مبني على الخلاف في كان أتعمل في الظرف أم لا، فإن قلنا لا تعمل فلا يتوسع، وإن قلنا يجوز لها أن تعمل فيه فالذي يقتضيه النظر أنه لا يجوز التوسع في الظرف معها.
وإنما قلنا ذلك لأنه يكثر المجاز فيها؛ لأنها إنما رفعت المبتدأ ونصبت الخبر تشبيهاً لها بالفعل المتعدي إلى واحد، فعملها بالتشبيه هو مجاز، فإذا نصبت الظرف على طريق الأتساع فهو مجاز أيضاً، فيكثر المجاز، فيمنع منه.
ونظير ذلك قولهم: دخلت في الأمر، لا يجوز حذف «في» لأن هذا الدخول مجاز، ووصول دخل إلى الظرف بغير وساطة «في» مجاز، فلم يجمع عليها مجازان.
وقال ابن عصفور: وأما كان وأخواتها فإنه يجوز معها، الأتساع في الظرف لأنها على كل حال فعل، والفعل قد يعمل في المفعول به.
فرع: إذا جوزنا التوسع مطلقاً أو خاصاً فهل يجوز في كل فعل أن يتوسع فيه في أكثر من واحد؟ فإذا توسعنا معه في الظرف فهل يتوسع في المصدر؟ إن قلنا إنه توسع في اللفظ فلا يبعد، وإن قلنا إنه في المعنى فيبعد؛ لأنه لا يوضع شيئان بدل شيء واحد، بل إن توسعت في الظرف فلا تتوسع في غيره.
فرع: إذا توسع في واحد فلا يتوسع فيه نفسه مرة أخرى، مثال ذلك أن تتوسع فتضيف إليه مثلاً، ثم تنصبه نفسه نصب المفعول توسعاً.
ومن النحويين من ذهب إلى أنه لا يتوسع في شيء من الأفعال إلا إذا حذف المفعول الصريح إن كان التوسع في المعنى؛ وإن كان توسعاً في اللفظ فحينئذ يجوز

مطلقاً.
وسببه أن التوسع في المعنى يجعل المتوسع فيه واقعاً به المعنى، ولا يكون معنى واحد في محلين من غير عطف ولا ما يجري مجراه.
ورد بقولهم: يا سارق الليلة أهل الدار فذكر المفعول.
وأجيب بأنه توسع في اللفظ.
مسألة: لا خلاف أن الأتساع على وجهين: أحدهما: أن يكون على حذف المضاف، فإذا قلت: صيد عليه يومين، فأردت: وحش يومين- جاز بلا خلاف.
والآخر: أن تجعل اليومين مصيدين مجازاً.
وهذا مذهب س والجمهور.
وزعم ابن كيسان أن هذا الأتساع لأمر يلطف إدراكه، وهو أن القائل: يوم الجمعة صمته- فإنما اتسعت على أنك اعتمدته بالصوم، ولم تصم غيره، ولو قلت صمت فيه احتمل أن تكون صمت فيه وفي غيره، فالأتساع على معنى/ [4: 13/ب] اختصاصه بالفعل، ودخل الفعل معنى اعتمدته بكذا، فانتصب على معنى اعتمدت.
قال: والدليل على ذلك أنهم لا يفعلون ذلك إلا في الظرف

المختص، ولو قلت صمت الدهر لم يجز أن ينتصب على السعة.
وزعم أنك لا تقول: الدر صمته؛ لأنه لا يمكن الاعتماد في هذا، وأثار هذا الاختلاف.
أما إذا قلت «يوم الجمعة صمته» فمعناه على قول الأكثرين أن الصوم وقع بهذا اليوم؛ وعلى مذهب ابن كيسان لم يصم سواه.
ومذهبه في الأتساع في ظرف المكان كمذهبه في ظرف الزمان.
ويستدل بأنه لا يجوز ذلك إلا في المختص لا في المبهم، فإذا قلت سير عليه فرسخان فالمعنى: لم يسر عليه إلا هذين لا غيرهما، ولا يجوز: سير عليه مكان.
والمصدر إذا اتسع فيه، فانتصب نصب الظرف، نحو: سير عليه خفوق النجم- فإما على إرادة: زمن خفوق النجم، وإما على جعل الخفوق حيناً.
ولا يكون ذلك في ظرف المكان، لو قلت: سير عليه ضرب زيدٍ، تريد: مكان ضر بزيدٍ- لم يجز؛ لأن ظرف المكان يقع فيه قليلاً وكثيراً، والزمان قدر للفعل، إن قليلاً فقليل، وإن كثيراً فكثير، فاستسهل فيه ذلك، فصار يعبر بالمصدر عنه مطلقاً غير مقتصر بذلك على مصدر دون مصدر، وينبغي أن يرتكب في ذلك أنه على حذف المضاف لإطراده في جميع العربية.
وزعم ابن كيسان أن الأتساع على الطريق الآخر، ويسهله ما ذكرناه من كونه مقداراً للزمان، ومعبراً عنه به.
وينبغي أن [يكون] في «ولد له ستون عاماً» أقوى؛ إذ ليس فيه إلا تجوز واحد، وهنا قد تجوزت قبل السعة بأنه جعلت المصدر حيناً، فينبغي أن يكون الأتساع أبعد.
والأتساع عندنا على طريق الحذف، وعند ابن كيسان على أن يكون المصدر مفعولاً.

-[ص:

باب المفعول معه

وهو الاسم التالي واواً تجله بنفسها في المعنى كمجرور مع، وفي اللفظ كمنصوب معدي بالهمزة.
وانتصابه بما عمل في السابق من فعلٍ أو عامل عمله، لا بمضمر بعد الواو، خلافاً للزجاج، ولا بها، خلافاً للجرجاني، ولا بالخلاف خلافاً للكوفيين.
وقد تقع هذه الواو قبل ما لا يصلح عطفه، خلافاً لأبن جني.
ولا يقدم المفعول معه على عامل المصاحب باتفاق، ولا عليه، خلافاً لابن جني.]- ش: قوله التالي واواً جنس يشمل واو العطف في نحو: مزجت عسلاً وماءً.
وقال المصنف: «قلت في حده التالي واواً ليخرج التالي غير الواو مما يطلق عليه في اللغة مفعول معهن كالمجرور بمع وبباء المصاحبة، نحو: بعت الفرس بلجامه، وجلست مع زيد، فإن/ [4: 14/أ] عرف النحاة يقصر المفعول معه على المبوب له هنا» انتهى ملفقاً معناه من كلام المصنف.
وجرى في ذلك على عادته كابن عصفور من ذكر الجنس أولاً، وأنه يحترز به من كذا، وقد تكلمنا معهما في أوائل هذا الشرح على أن الجنس لا يورد للاحتراز.
وقوله تجعله بنفسها في المعنى كمجرور مع إلى بالهمزة هذا فصل يخرج به المعطوف بعد ما تفهم منه المصاحبة، نحو: أشركت زيداً وعمراً، ومزجت عسلاً وماءً، بخلاف: سرت والنيل، فإن المصاحبة لم تفهم إلا من الواو.
ونبه بقوله وفي اللفظ كمنصوب معدى بالهمزة على أن الواو تعدي ما قبلها من العوامل إلى ما بعدها، فينتصب به بوساطة الواو، فعلاً كان ما عدته

كصنع، أو عاملاً عمل الفعل، نحو: عرفت استواء الماء والخشبة، والناقة متروكة وفصيلها، ولست زائداً حني يفعل.
وس يسميه مفعولاً معه، ومفعولاً به.
وقال ابن عصفور: "المفعول معه هو الاسم المنتصب بعد الواو التي بمعني مع المضمن معني المفعول به، وذلك نحو قولك: ما صنعت وأباك؟ ألا تري أن الواو بمعني مع، والأب في المعني مفعول به، كأنك قلت: ما صنعت بأبيك؟ ولو لم ترد هذا المعني لكان الاسم الذي بع الواو معطوفا علي الاسم الذي قبله" انتهي.
وزعم بعض النحويين أنه لا يكون إلا مصاحب فاعل فعل مذكور أو مقدر؛ ليخرج منه مصاحب المفعول في قولك: ضربت زيدا وعمراً، وتخيل أنه من المعطوف ليس إلا، وأنه لو أريد المفعول معه هنا لأتي بالأصل، وهو مع؛ لأن فائدة النصب التنصيص علي المعية، ولما اشتبهت هنا وجب العدول إلي الأصل، فإن لم يعدل فيحمل علي العطف الأصلي.
وبعضهم جوز فيه الأمرين.
وبعضهم حمله علي العطف لأنه أولي وإن كان يجوز أن تكون بمعني مع، ولا تنكر المعية للمفعول، نحو قولهم: كفاك وزيداً درهم، وامرأ ونفسه.
وشرط انتصابه أن يكون بعد تمام كلام.
وزعم الصيمري أنه يجوز أنه يجوز أن ينتصب عن تمام الاسم، فأجاز: كل رجل وضيعته، وقاس ذلك علي قول العرب: كيف أنت وقصعة من ثريد؟ وهذا قياس فاسد؛ لأن جملة المبتدأ والخبر هنا في

معنى الفعل، فعوملت معاملته؛ إذا المعني: كيف تكون وقصعة؟ وإذا لم تكن الجملة في معني الفعل لم يجز النصب، لو قلت زيد أخوك وعمرا لم يجز، فإذا لم يجز بعد الجملة التي ليست في معني الفعل فكيف بعد المفرد.
وأيضا المفعول معه فضلة، والفضلات هي من قبيل المفعولات، فلا تنتصب إلا بالفعل أو ما جري مجراه.
وقوله وانتصابه بما عمل في السابق من فعل مثاله: جاء البرد والطيالسة، واستوي الماء/ والخشبة.
وفي كان الناقصة خلاف: ذهب بعضهم إلي أن لمفعول معه لا يكون بعدها لأنها ليس فيها معني حدث يعدي بالواو، ولا تعمل إلا في اسمها وخبرها لا غير، وتأول ما ورد من ذلك بعد كان، نحو قوله: فآليت أنفك أحدو قصيدة تكون وإياها بها مثلاً بعدي وقول الآخر: فكونوا أنتم وبني أبيكم مكان الكليتين من الطحال وقول الآخر: فكان وإياها كحران، لم يفق عن الماء إذ لاقاه حني تقددا علي أن "كان" في هذه الأبيات تامة، ومثلاً والظرف والمجرور أحوالاً، وإلي هذا ذهب الأستاذ أبو علي.

وذهب الجمهور إلي جواز ذلك في "كان" الناقصة؛ لأن الصحيح أنها مشتقة، وأنها تدل علي معني سوي الزمان، فعلي هذا تعمل في الظرف، ويتعلق بها الجار، وتنصب المفعول معه كسائر الأفعال، وأنت تري افتقار" كان" في الأبيات المذكورة إلي ما بعدها افتقار المسند للمسند إليه، وجعل "مثلاً" و "مكان الكليتين" و "كحران" أحولا يفوت هذا المعني.
والذي ينبغي أن يكون ذلك مقيساً في كل اسم يصح عطفه علي اسم كان الناقصة؛ لأنه كثر هذا فيها، كتلك الأبيات وغيرها.
وقال في البديع: "المفعول معه يكون من الفعل المتعدي وغير المتعدي عند الأكثرين، تقول: لو خليت والأسد لأكلك، ولو تركت الناقة وفصليها لرضعها.
وقال قوم: إن هذا لا يكون إلا مع غير المتعدي؛ لئلا يلتبس بالمفعول به، فلا يقال ضربتك وزيداً، وزيداً: مفعول معه".
وقوله أو عامل عمله مثال ذلك: لست زائلاً وزيداً حني يفعل، وأعجبني استواء الماء والخشبة، والناقة متروكة وفصيلها، وأنشد أبو علي: لا حبسك أثوابي، فقد جمعت هذا ردائي مطوياً وسربلا وجعل سربالاً مفعولاً معه، وعامله مطويا.
ومذهب س أنه لا ينصبه العامل المعنوي، كحرف التشبيه والظرف المخبر به والجار والمجرور واسم الإشارة، ولذلك لم ينصبه به"لك" في قوله: هذا لك وأباك، ولا في: حسبك وزيداً درهم.

وأجاز أبو علي في قوله "وسربلا" أن يكون العامل فيه "هذا".
وهو خلاف ظاهر كلام سيبويه.
وصح الفعل وما جري مجراه العمل في المفعول معه مع توسط الواو لما كانت حرف عطف في الأصل؛ فكما يصح للفعل العمل في المعطوف مع توسط / [4: 15/ أ] دليل مررت برجل قائم زيد وأبوه فكذلك هذا.
قل أبو الحسن بن الباذش: "المفعول معه يعمل فيه الفعل بتوسط الواو، بمنزلة حرف الاستثناء، إلا أن حرف الاستثناء يسلط الفعل ومعني الفعل، ولا تسلط الواو بمعني مع إلا الفعل عند س، فهي متروكة علي العطف أبداً، إلا في الفعل، فإنها تنقل من العطف إلي التعدية، وتسلط الفعل" انتهي.
ويعني أيضاً وما جري مجري الفعل من مصدر واسم فاعل ومفعول.
وقوله لا بمضمر بعد الواو، خلافاً للزجاج فإذا قلت: ما صنعت وأباك؟ فالتقدير عنده: ولابست أباك، وإنما لم يجز عمل الفعل فيه لفصل الواو.
وما ذهب إليه باطل؛ لأن في نصب الاسم بفعل مضمر إحالة لباب المفعول معه؛ إذ يصير منصوباً علي أنه مفعول به لا مفعول معه.
وأيضاً فد بينا أن توسط الواو في العطف لا يمنع عمل العامل، فكذلك في هذا.
وأيضاً فإذا كان الفعل يطلب المفعول علي معني يقتضي توسط حرف بينهما عمل فيه مع توسطه؛ ألا تري أنك تقول: ما ضربت إلا زيداً، فتنصب زيداً بتوسط إلا، ولم تبال بهذا الفصل، لأن المعني يقتضيه، وكذلك الفصل ب "إما"، نحو: ضربت زيداً وإما عمراً.

قال المصنف في الشرح: " ومما يبين فساد تقدير الزجاج أنه إما أن يقصد تشريك صنعت ولابست في الاستفهام، ولا يصح؛ لأن شرط عطف الفعل علي الفعل بعد اسم الاستفهام جواز الاستغناء بالثاني عن الأول، والأمر بخلاف ذلك في التقدير؛ إذ لا معني لقول القائل: ما لابست أباك؟ أو لا يقصد التشارك، ولا يصح؛ إذ لا تعطف جملة خيرية علي جملة استفهامية مع استقلال كل واحدة منهما، فألا يجوز ذلك مع عدم الاستقلال كما في المثال المذكور أحق وأولي" انتهي.
وهذا مخالف لمذهب س، قد أجاز س التخالف في تعاطف الجملتين بالخبر والاستفهام، فأجاز: هذا زيد ومن عمرو.
قال المصنف في الشرح: "وأيضاً لو كان كما قال الزجاج لم يحتج إلي الواو مع إضمار الفعل، كما لا يحتاج إليها مع إظهاره، لو قلت: ما شأنك لابس زيداً؟ دون واو صح، فينبغي مع الإضمار الاستغناء عنها، والاستغناء عنها باطل، وما أفضي غلي الباطل باطل" انتهي، وفيه بعض تلخيص.
وقوله ولا بها، خلافاً للجرجاني شبهه الجرجاني- والله أعلم- أنه رآها مختصة بالاسم؛ إذ لا يقع الفعل بعدها، ولاختصاصها بما دخلت عليه من الاسم

أورد النحويون سؤالاً فيها، فقالوا: إن قيل: لم تخفض هذه الواو الاسم وهي مختصة به؟ فالجواب: أنها لم تخفضه لأن أصلها العطف، وحرف العطف لا يخفض / [4: 15/ ب] اختصاصه، فلذلك لم يجز لخفض بها، وسيأتي الدليل علي أنها حرف عطف في الأصل.
وقال المصنف في الشرح: "وكان حق الواو إذ كانت معدية أن تجر ما عدت العامل إليه كما فعلت حروف الجر؛ إلا أنها أشبهت الواو العاطفة لفظاً ومعني، فلم تعط عملاً، بل أعطيت مثل ما أعطيت العاطفة من إيصال عمل ما قبلها إلي ما بعدها لا علي سبيل الإتباع.
وكان في ذلك أيضاً تنبيه علي أن أصل المجرور بحرف أن يكون منصوباً، ولكنه جر لفظاً، ثم حكم علي موضوع معموله بالنصب؛ إذ لم تتمحض عالميتيه، فإنه معد، ولتظهر بذلك مزية المتعدي نفسه بنفسه علي المتعدي بواسطة" انتهي.
فلما رأي الجرجاني اختصاصها بالاسم ادعي أن النصب بها نفسها.
ورد هذا المذهب بأنها لو كامن هي العلة للنصفي الاسم لاتصل الضمير بها، ولم ينفصل في نحو: فكان وإياها كحران...................................... كما اتصل بأن وأخواتها، فقلت: إنك وليتك، فأما قول ابن أحمر: وكنا رهم كابني سبات، تفرقا جميعا، وكانا منجداً وتهاميا

فالواو للعطف، والضمير ضمير رفع عطفاً علي الضمير في كنا، وليست واو مع، ولا "هم" بعدها ضمير نصب متصل.
وبأنه حكم بلا نظير؛ لأنه ما من حرف ينصب إلا وهو مشبه بالفعل.
أو مشبه بما شبه بالفعل.
وبأنه لو كان كما زعم لم يشترط في وجود النصب تقدم فعل أو ما جري مجراه، فكان يقال: كل رجل وضيعته، بالنصب، وذلك لا يقال.
وقوله ولا بالخلاف، خلافاً للكوفيين هذا الذي نسبه إلي الكوفيين هو قول بعضهم.
ومعظم الكوفيين والأخفش ذهبوا إلي أن الواو مهيأة لما بعدها أن ينتصب انتصاب الظرف؛ لا بالخلاف كما نسبه المصنف إلي الكوفيين، قالوا: وذلك أن الواو في قولك جاء البرد والطيالسة إنما هي واقعة موقع مع، وكأنك قلت: جاء البرد مع الطيالسة، فلما حذفت مع، وقد كانت منتصبة علي الظرف، ثم أقمت الواو مقامها- انتصبت الطيالسة بعدها علي أمعني انتصاب مع الواقعة الواو موقعها؛ إذ لا يصح انتصاب الحرف، كما أنه في قوله تعالي ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلاَّ اللَّهُ﴾ ارتفع (الله) إذ لا يمكن أن يظهر الرفع في إلا؛ إذ الأصل: غير الله، فجعل الرفع الذي في غير اسم الله.
وهذا المذهب باطل؛ إذ لو كان انتصاب هذا الاسم علي الظرف لكان إذا أضمر يتعدي إليه الفعل بوساطة في، وأنت لا تأتي به إلا منفصلاً، نحو قوله:

..................... تكون وإياها بها مثلا بعدي ولم يقل: تكون وفيها.
وأما/ [4: 16/ أ] المذهب الذي عزاه المصنف إلي الكوفيين- وهو النصب بالخلاف- فالخلاف معني من المعاني، ولم يثبت النصب بالمعاني المجردة من الألفاظ، وأيضاً لو كان الخلاف ناصياً لقيل: ما قام زيد لكن عمراً، ويقوم زيد لا عمراً، ولا يقال، بل يرفع العرب عمراً في المسألتين.
وقوله وقد تقع هذه الواو قبل ما لا يصح عطفه، خلافاً لابن جني قال المصنف في الشرح ما مخل خصه: " إن ابن جني زعم أن العرب لا تستعمل واو مع إلا في موضع يصلح أن تكون فيه عاطفة، وإن ابن خروف أنكر ذلك".
قال: "والعرب تستعملها في مواضع لا يصلح فيها العطف، وذلك علي ضربين: أحدهما: ترك فيهما العطف لفظاً ومعني، كقولهم: استوي الماء والخشبة، ومازلت أسير والنيل، وقوله: فكان وإياها كحران................................... البيت.
يصف رجلاً مات معانق امرأة بعد فراق.
والثاني: استعمل فيه العطف لمجرد اللفظ كاستعمال النعت علي الجوار، ومنه قولهم: أنت أعلم ومالك، أي: أنت أعلم مع مالك كيف تدبره، ومالك معطوف

في اللفظ، ولا يجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر؛ لأن المال ليخبر عنه بأعلم، وشرط عطف المبتدأ المضمر خبره أن يكون الخبر المضمر مثل خبر المعطوف عليه" انتهي.
وهذا الذي اختاره المصنف وابن خروف من أن واو مع قد تقع قبل ما لا يصح عطفه؛ وأن استعمال العرب علي ذلك- ليس مذهب الجمهور، ولا ينبغي أن ينسب أنها لامتقع إلا قبل ما يصح عطفه لابن جني وحده، بل قول ابن جني محكي عن أبي الحسن الأخفش، وتلقاه جل النحويين بالقبول، وبه قال السيرافي والفارسي، وغيرهم، وكفي بهذا حجة، فكلام الأخفش وحده كالنقل عن العرب، فلا ينبغي أن يتعدي، وهذا اختيار الأستاذ أبي علي، واين عصفور، وابن الضائع، وغيرهم.
وقد ادعي الإجماع علي ذلك أبو الحسن بن الباذنش، قال: "ويمتنع بإجماع أن يكون المفعول معه غير منقول من العطف، ولا يكون فيه إلا النصب في شئ من الأفعال، كما زعم أبو القاسم- يعني الزجاجي- في قولهم استوي الماء والخشبة أنه لا يجوز فيه النصب؛ لأن المعني: ساوي الماء الخشبة، وهذا خلاف ما الباب عليه من أن بعض المعطوف هو الذي لا يجوز فيه النصب" انتهى.

وفي البديع: " وتقول: جلست والسارية، والأخفش لا يجيز هذه.
قال: ولا أقول: ضحكت وطلوع الشمس؛ حيث لا يصح فيه العطف؛ إذ الطلوع لا يكون منه ضحك، وأجاز: جاء البرد والطياليسة، لأن المجزئ يصح منها، وأجاز ابن جني ذلك جميعه".
والدليل علي أنها حرف عطف في الأصل ثلاثة أشياء: الأول: أنه لو لم تكن العاطفة/ [4: 16/ ب] لكانت مختصة بالاسم، وللزم خفضه بها، فلما لم يخفض دل علي أنها حرف عطف في الأصل، فروعي ذلك، فليمنع.
والثاني: امتنعا تقدم ما بعدها علي الفعل كما لا يتقدم المعطوف علي الفعل، ولو لم يكن أصلها العطف لتقدم كما تقدم سائر المفعولات.
والثالث: أنه لا يجوز أن تستعمل إلا حيث يجوز فيه العطف حقيقة، نحو: جاء البرد والطيالسة، ما صنعت وأباك، أو مجازاً، نحو سار زيد والنيل؛ ألا تري أنه يصح عطفه علي المجاز من جهة أنه لا يفارق زيداً في حال سيره؛ كما لا يفارقه من سايره.
وقد منعت العرب والنحاة إجازة: انتظرتك وطلوع الشمس، بالنصب؛ لأنه لا يجوز إسناد هذا الفعل إلي طلوع الشمس.
فأما قولهم ما زلت أسير والنيل فلا متضاد النيل معه لا يبعد أن ينسب إليه السير، فمن حيث لا يفارقك جزء من النيل يمكن أن ينسب إليه أنه سائر معك.
وأما استوي الماء والخشبة- بالنصب- فقد غلط الزجاجي في دعواه أنه لا يجوز فيوال خشبة إلا النصب؛ فزعم ابن عصفور أن الذي غلطه هو أنه لايجوز

جارٍ التحميل