التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيلصفحات 244-283

بقوله فارساً، وكذلك لما قال «داري خلف دارك» انبهمت / مسافه الخلف، ففسرت بقوله فرسخا.
وأما قوله «لأن الخلف ليس بالفرسخ» أما من حيث المدلول والقطع عن هذا التركيب فصحيح، وأما في هذا التركيب فليس بصحيح، بل مسافه خلف دارك هي الفرسخ.
وأما الثاني فلا أسلم أن امتلأ لا يطلب ماء، بل هو طالب له من حيث إن المطاوع دال علي الحامل، فهو طالب له من حيث المعني وإن لم يصح إسناده إليه.
وقوله يقدر غالبا إسناده إليه مضافا إلي الأول شمل قوله «إسناده إليه» أن يكون منقولا من فاعل، نحو: طابت نفس زيد، في قولك: طاب زيد نفسا، وقال الشاعر: تلفت نحو الحي حتي وجدتني... وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا وأن يكون منقولا من المفعول، نحو ﴿وفجرنا الأرض عيونا﴾، لأن إسناد الفعل إلي ما كان تمييزا وإضافته إلي ما كان انتصب بعدهما يشمل الإسناد إلي النوعين، لكن المصنف فسر في ضرحه أنه يريد بالإسناد إلي الفاعل، قال: «واحترزت بقولي يقدر غالبا من نحو ﴿وفجرنا الأرض عيونا﴾، وامتلأ الكوز ماء، و ﴿كفى بالله شهيدا﴾، وما أحسن الحليم رجلا».
فأما قوله تعالي ﴿وفجرنا الأرض عيونا﴾ فقد استدل به علي مجيء التمييز منقولا من المفعول، وإلي أن التمييز يكون منقولا من المفعول ذهب أكثر المتأخرين، وبه قال ابن عصفور وهذا المصنف.

وقال الأستاذ أبو الحسن الأبذي: «هذا القسم لم يذكره النحويون، وإنما الثابت كون التمييز منقولا من الفاعل».
وتأول كلام الجزولي علي أنه يمكن أن يريد بقوله «منقولا من المفعول» أي: من المفعول الذي لم يسم فاعله، نحو: ضرب زيد ظهرا وبطنا، وفجرت الأرض عيونا.
وحمل الأستاذ أبو علي (عيونا) علي أنه منتصب علي الحال لا علي التمييز ن ويكون حالا مقدرة تسمية بالمآل، كقوله ﴿إني أرنى أعصر خمرا﴾ أي: صارت عيونا بعد التفجير.
قال ابن الضائع: «والأولي أن يقال: إن التفجير وكونها عيونا متلازمان، ليس أحدهما قبل الآخر بالزمان، وإنما غلطه في ذلك كون التفجير سببا في كونها عيونا، فليست عيونا قبل التفجير، بل فجرت في حال أنها عيون» انتهى.
وهذه الحال جامدة، ويتأول فيها الاشتقاق، وهو أن عيونا في معني محال أو حوامل للماء، وكثيرا ما تأتي الحال جامده، وقد نص علي ذلك س. قال الأستاذ أبو علي: «فعلى هذا لم يثبت التمييز منقولا من المفعول، فينبغي ألا يقال به» انتهى.
وتأوله أبو الحسين بن أبي الربيع تأويلين:

أحدهما: أن انتصاب (عيونا) علي البدل من الأرض، أي: وفجرنا عيون الأرض، وحذف الضمير، أي: عيونها.
والثاني: أن انتصابه علي إسقاط حرف الجر، والأصل: فجرنا الأرض بعيون، وغرست الأرض بشجر.
ورد ذلك عليه بالتزام العرب التنكير في ذلك، ولو كان مفعولا علي اسقاط حرف الجر أو بدلا لجاز أن يأتي معرفة ونكرة، فتقول: فجرت الأرض عيونها، وغرست الأرض شجرها، وفجرت الأرض العيون، وغرست الأرض / الشجر، ولو كان معمولا علي إسقاط الحرف لجاز تقديمه علي الفعل.
وأما «امتلأ الكوز ماء» فلا نعلم خلافا أن انتصاب ماء علي التمييز عن الجملة وعن تمام الكلام، ولا يجوز أن يكون ماء منصوبا علي إسقاط حرف الجر وإن كان أصله حرف الجر، ويجوز أن تصرح به فتقول: امتلأ الكوز من الماء، لأنه لو كان كذلك لجاز أن يأتي نكرة ومعرفة، ولجز تقديمه علي الفعل، ولكنه لما التزم فيه التنكير والتأخير عن الفعل دل علي أن العرب انما نصبته علي التمييز، وقد تقدم لنا أن الماء من حيت المعني هو فاعل، لكنه ليس فاعلا لـ «امتلأ»، إنما هو فاعل لـ «ملأ» الذي امتلأ مطاوعه.
وكذلك تفقأ زيد شحما، هو مطاوع فقأ، فالشحم فاعل، لكنه بـ «فقأ»، كما أن الماء فاعلا بـ «ملأ»، والشحم غير المتفقئ، والماء غير الممتلئ، فهما بخلاف: طاب زيد نفسا، النفس هي الطيبة، وحسن وجها، الوجه هو الحسن، فكأنه قال: تشقق زيد من أجل الشحم أو به، وامتلأ الإناء بالماء أو من الماء.
ويجوز أيضا التصريح في تفقأ زيد شحما بـ «من» فتقول: من شحم.

وأما ﴿كفى بالله شهيدا﴾ فهذا تمييز، يدل عليه جواز دخول من عليه، فتقول: كفي بالله من شهيد.
وجعل المصنف هذا التمييز مما انتصب عن الجملة، ولا يصح أن يكون فاعلا بـ «كفي»، إذ ليس المعني علي: كفى شهيد الله.
وهذا النوع فيه خلاف: عده المصنف مما انتصب عن تمام الجملة، وهو الظاهر في بادي الرأي.
وعده بعضهم مما انتصب عن تمام الاسم، فذكر أن الذي يأتي عن تمام الاسم ثلاث أضرب: أعداد، ومقادير، ومحمول عليها، فذكر الأعداد والمقادير، ثم قال: «الضرب الثالث المحمول عليها، وذلك كقولك: حسبك به فارسا، ولله دره شجاعا، وكفي به ناصرا، ﴿وكفى بالله وكيلا﴾، وويحه رجلا، ولي مقله رجلا، وعلي التمرة مثلها زبدا، فهذا النوع- وإن لم يكن داخلا تحت المقادير- فإنه يناسبها من حيث إنه يزيل الاحتمالات المبهمة، فإنك في قولك هذا قب دخول المميز متعجب من الاجناس التي احتملها، فإذا قلت فارسا أو شجاعا أو رجلا بينت المقصود.
والباء في «حسبك به» يجوز أن تكون زائده، فتكون الكاف مفعولة والهاء فاعلة في المعني.
ويجوز أن تكون غير زائدة، فتكون الكاف فاعلة في المعني، التقدير: اكتف به» انتهى.
ويظهر من كلام الأخفش في الأوسط أن «كفاك به رجلا» من المحمول على المقادير، لأنه ذكره مع: حسبك من رجل، وناهيك من رجل، وهدك وشرعك وكفوك، قال الأخفش: «واعلم أن هدك وشرعك وكفيك لا تثني ولا تجمع ولا تؤنث.
ويجيء فيها نحو كفاك ونهاك، تقول: هدوك وكفوك، وتقول:

أحسبوك وأحسباك، ولا يجيء ذلك في: شرعك.
ومن قال كفاك به رجلا قال: كفاك بهم، للجميع، وكفاك بهما، للاثنين، لأن اسم الفاعل هو الذي بعد الباء، والباء زائدة» انتهى.
وإذا استعملوا هدك ونهاك وكفاك وأحسبك وهي أفعال في معني هدك وناهيك وكفيك وحسبك ألحقوها الضمائر وعلامه التأنيث إذا أسندت إلي المثنى والمجموع / والمؤنث، وجاء بعدها التمييز كما جاء بعد الأسماء، والكلام فيها كالكلام في ﴿كفي بالله شهيدا﴾.
وقد ذكر بعض شيوخنا مع «أبرحت فارسا» «لله دره»، وقال: «وكذلك: ﴿كفي بالله شهيدا﴾ كـ (اكتف بالله شهيدا)، وكذلك قولهم: تالله رجلا» وأما «ما أحسن الحليم رجلا» فكان قبل همزه النقل: حسن الحليم رجلا، فهذا تمييز ليس منقولا من فاعل، فهو شبيه بقولهم: كفى بزيد ناصرا، فيمكن أن يجري فيه الخلاف كما جري في ذلك، فول قلت ما أحسن الحليم عقلا كان هذا من قبيل ما انتصب عن تمام الكلام بلا خلاف، لأن أصله: حسن الحليم عقلا، أي: حسن عقل الحليم، فهو منقول من الفاعل كـ «طاب زيد نفسا».
وقد قسم بعض أصحابنا التمييز المنتصب عن تمام الكلام إلي: منقول من فاعل او مفعول أو مبتدأ، نحو: طاب زيد نفسا، ﴿وفجرنا الأرض عيونا﴾، وزيد أحسن وجها منك، الأصل: طابت نفس زيد، وفجرنا عيون الأرض، ووجه زيد أحسن من وجهك، وهذه الثلاثة يحصرها أنها منقولة من مضاف.
وإلي مشبه بالمنقول، وذلك نحو: امتلأ الإناء ماء، ونعم رجلا زيد.
ووجه الشبه أن امتلأ مطاوع ملأ، فكأنك قلت: ملأ الماء الإناء، ثم صار تمييزًا بعد أن

كان فاعلاً.
وأما نعم رجلا زيد فكان الأصل: نعم الرجل، قم أضمرت، وصار بعد أن كان فاعلا تمييزا.
والى ما ليس بمنقول ولا مشبه بالمنقول، نحو: حبذا رجلا زيد.
وزعم ابن الضائع أن التمييز في باب نعم وحبذا شبيه بالمنقول، فإذا قلت نعم رجلا زيد فالأصل: نعم الرجل، فلما أسندت الفعل إلي ضمير مبهم جئت برجل بيانا، وكذلك حبذا.
قال: «والظاهر من كلام س أن التمييز في نعم رجلا زيد ونحوه أشبه بالمقادير».
وقول ابن عصفور إنه أشبه بالمنقول ليس كذلك، بل هو كـ (ويحه رجلا) وبابه.
ومنه أيضا: ربه رجلا، فهذا كله نمط واحد.
وقوله فإن صح الإخبار به عن الأول فهو له أو لملابسه المقدر مثاله: كرم زيد أبا، فهذا يصح أن يقع أب خبرا لزيد، فتقول: زيد أب، فيجوز فيه وجهان: أحدهما: أن يكون زيد هو الأب أي: كرم زيد نفسه أبا، أي: ما أكرمه من أب، وإذ ذاك لا يكون هذا التمييز منقولا من الفاعل، ويجوز إذ ذاك دخول من عليه.
والثاني: أن يكون التمييز ليس زيدا، وإنما هو أبوه، فيكون الأصل: كرم أبو زيد، أي: ما أكرم أباه، ويكون منقولا من الفاعل، ولا يجوز إذ ذاك دخول من عليه.

وقوله وإن دل الثاني علي هيئه وعني به الأول جاز كونه حالا إلي آخره مثال ذلك: كرم زيد ضيفا، إذا أريد زيدا هو الضيف جاز أن يكون ضيفا منصوبا علي الحال لدلالته علي هيئه، وجاز أن يكون تمييزا لصلاحية من.
والأجود المجيء بـ «من» عند قصد التمييز رفعا لتوهم الحالية.
وإن لم يعن به الأول، بل المعني: كرم ضيف زيد- لم يجز نصبه علي الحال، / بل يتعين أن يكون تمييزا، ولا يجوز دخول من عليه لأنه فاعل في الأصل.

-[ص: ولمميز الجملة من مطابقة ما قبله إن اتحدا معني ما له خبرا، وكذا إن لم يتحدا، ولم يلزم إفراد التمييز لإفراد معناه أو كونه مصدرا لم يقصد اختلاف أنواعه، وإفراد المباين بعد جمع إن لم يوقع في محذور أولى.]-

ش: مثال المسألة الأولي: كرم زيد رجلا، وكرم الزيدان رجلين، وكرم الزيدون رجالا، فالتمييز مطابق لما قبله في الإفراد والتثنية والجمع لاتحاده بما قبله في المعني كما يجعل مطابقا له في الإخبار، فأما قوله ﴿وحسن أولئك رفيقا﴾ فرفيق وخليط وصديق وعدو يخبر بها وهي مفردة عن جمع كثيرا، ويزيده هنا حسنا أنه تمييز، والتمييز قد اطرد في كثير منه الاستغناء بالمفرد عن الجمع.
ويحتمل أن يكون الأصل: وحسن رفيق أولئك، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وجاء التمييز علي وفق المحذوف.
وقوله وكذا إن لم يتحدا أي: يطابق ما قبله في الإفراد والتثنية والجمع إذا كان غير متحد بما قبله من حيث المعني، ومثاله: حسن الزيدون وجوها.
واحترز بقوله «ولم يلزم إفراد التمييز لإفراد معناه» من قولهم: كرم الزيدون أصلا، إذا كام أصلهم واحدا، فأصل لم يتحد من حيث المعني بالزيدين، س

وأصلهم واحد، فلا تجوز المطابقة لإبهام اختلاف أصولهم.
فإضا كان الأصل واحدا لزم إفراده لإفراد مدلوله.
وكذلك أيضا شرط ألا يكون التمييز مصدرا لم يقصد اختلاف نوعه، نحو: زكا الزيدون سعيا.
فإن قصد اختلاف الأنواع في المصدر لاختلاف محاله جاء التمييز جمعا، كقوله ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا﴾، لأن أعمالهم مختلفة المحال، هذا خسر بكذا وهذا خسر بكذا، وكقولك: تخالف الناس آراء، وتفاوتوا أذهانا.
وقوله وإفراد المباين إلى آخره مثاله ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا﴾، والزيدون قروا عينا، الإفراد هنا أولي من الجمعية لأنه أخصر، ولأنه يدل علي أنه أريد به الجمع لجمع ما قبله، 'ذ معلوم أن الجمع لا يكونون ذوي نفس واحدة ولا ذوي عين واحدة.
ويجوز أن يأتي جمعا مطابقا للجمع قبله، فتقول: طابوا أنفسنا، وقر الزيدون أعينا.
وقوله إن لم يوقع في / محذور شرط في كون إفراد المباين أولي من المطابقة في الجمع، ومفهوم الشرط أنه إذا أوقع في محذور كان الجمع أولي، وليس كذلك، بل إذا أوقع في محذور لزمت المطابقة، كقولك: كرم الزيدون آباء، بمعني: ما أكرمهم من آباء، لأنك لو أفردت لتوهم أن المراد كون أبيهم متصفا بالكرم.
ويحتمل أيضا هذا المثال أن يكون المعني: كرم آباء الزيدين، فإذا أردت هذا المعني لزمت المطابقة.
وقد يلزم الجمع أيضا بعد المفرد في المباين إذا كان معني الجمع يفوت بقيام المفرد مقامه، نحو قولك: نظف زيد ثيابا، لأنك/ لو قلت ثوبا توهم أنه له ثوب واحد نظيف.

فرع: طاب الزيدان أبا وأخا، تريد الأب لأحدهما والأخ للآخر، لا يجوز أن يجمع ولا أن يعطف، ولا يقال انه يجوز كما كان في النعت، كقولك: قام الزيدان الضاحك والعاقل، لأنا نقول: الأصل في التمييز الإضافة، وأنت لو قلت: طاب أخو الزيدين وأبوهما- وأنت تريد أخدهما- لم يجز.
والتمييز في التعجب غير المبوب له، وفي باب نعم وبئس، وفي حبذا-يطابق المتعجب منه والمخصوص بالمدح والذم في الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث، فتقول: زيد لله دره رجلا! والزيدان لله درهما رجلين! والزيدون لله درهم رجالا! وهند لله درها امرأة! والهندان لله درهما امرأتين! والهندات لله درهن نساء! وكذلك: حسبك، وشرعك، وهدك، وكفيك، وويحه، وأبرحت، وما أنت.
وتقول: نعم رجلين الزيدان، ونعم رجالا الزيدون، ونعم امرأه هند، ونعم نساء الهندات.
وحبذا رجلا زيد، وحبذا امرأه هند، وحبذا رجلين الزيدان، وحبذا رجالا الزيدون.
وأما التعجب المبوب له في النحو فإن كان المتعجب منه عينا والتمييز معني فالإفراد، إلا أن تقصد الأنواع فيجمع، نحو: ما أحسن زيدا أدبا! وما أحسن الزيدين أدبا! وما أحسن الزيدين أدبا! وكذلك أحسن بزيد أدبا! إلي آخره.
وإن كان التمييز عينا طابق المتعجب منه في إفراد وفي تذكير وفروعهما، فتقول: ما أحسن زيدا رجلا! وما أحسن الزيدين رجلين! وما أحسن الزيدين رجالا! وكذلك: أكرم بزيد رجلا! إلي آخره.
وأما أفعل التفضيل فإن كان التمييز معني فكتمييز المتعجب منه، وإن كان عينا جاز إفراده وجمعه، فتقول: الزيدون أحسن الناس وجها، وأحسن الناس وجوها، ومن كلام العرب: هم أحسن الناس وجوها وأنضرهموها.

وأما «كفى بزيد ناصرا» فيطابق ما قبله في إفراد وفي تذكير وفي فروعهما، قال تعالي ﴿وكفي بنا حاسبين﴾، وتقول: كفي بالزيدين شاهدين.
وكذلك هدك وأحسبك ونهاك.
ويجوز في نحو «داري خلف دارك فرسخا» أن يثني ويجمع، فتقول: فرسخين، وفراسخ.
والتمييز بعد (كم) و (كائن) و (كذا) و (ربه) يأتي ذكره عند ذكر هذه إن شاء الله.

-[ص: ويعرض لمميز الجملة تعريفه لفظا، فيقدر تنكيره، أو يؤول ناصبه بمتعد بنفسه أو بحرف جر محذوف، أو ينصب علي التشبه بالمفعول به لا علي التمييز محكوما بتعريفه، خلافا للكوفيين.
ولا يمنع تقديم المميز علي عامله إن كان فعلا متصرفا، وفاقا للكسائي والمازني والمبرد، ويمنع إن لك يكنه بإجماع، وقد يستباح في الضرورة.]-

ش: قد تقدم لنا ذكر طرف من تعريف التمييز عند ذكر المصنف في حده «من نكرة»، وذكرنا اختلاف النحويين في ذلك.
وتخصيص المصنف عروض التعريف.
بمميز الجملة لا فائدة له، إذ الخلاف واقع في مميز المفرد ومميز الجملة، والسماع ورد في / بعض هذا وبعض هذا، فالتخصيص ليس بجيد.
وقوله فيقدر بنكرة يعني انه إن كان بـ (أل) قدرت زائدة، وإن كان بالإضافة نوي فيها الانفصال، وحكم بتنكير المضاف، قال المصنف في الشرح «كما فعل

» في قولهم: كم ناقة وفصيلها لك فقدر: كم ناقة وفصيلا لها، وكما قال س [في] قولهم: كل شاة وسخلتها بدرهم، قال: «وإنما يريد: كل شاة وسخلة لها بدرهم»، وحكي عن بعضهم: هذه ناقة وفصيلها راتعان، علي تقدير: هذه ناقة وفصيل لها راتعين، ثم قال: «والوجه: كل شاة وسخلتها بدرهم، وهذه ناقة وفصيلها راتعين، لأن هذا أكثر في كلامهم، وهو القياس، والوجه الآخر قاله بعض العرب» انتهى.
ولا يتخرج غبن زيد رأيه، ووجع بطنه، علي أنها إضافة يراد بها الانفصال، لأن هذا ضمير يعود علي معرفة، وليس من مواضع انفصال الإضافة، فهي إضافة محضة، ولا يسوغ قياسه على: كم ناقة وفصيلها لك، ولا على كل شاو وسخلتها بدرهم، وهذه ناقة وفصيلها راتعان، لأن الضمير في هذه عائد علي نكرة، فيمكن أن يلحظ فيه التنكير بالنسبة إلي ما عاد عليه من النكرة، وإن كان الأكثر أن يلحظ فيه التعريف، ألا تري إلي جعل س قول الشاعر: ...................................... أظبي كان أمك أم حمار من قبيل ما أخير فيه عن النكرة بالمعرفة، إذ الضمير في كان عائد علي ظبي، فهو نكرة من حيث المعني لعوده على نكرة.

وقوله أو يؤول ناصبه بمتعد بنفسه فيؤول غبن بـ «سوأ» أي: جعله سيئا، وألم بـ «شكا».
وأما سفه نفسه فذكر بعضهم أنه متعد بنفسه، وأن معناه: أهلك نفسه.
وقال المبرد: ضيع نفسه.
وقال الزمخشري: امتهم نفسه.
وجعله نظير قوله ? (الكبر أن تسفه الحق).
ويدل علي أنهم أرادوا التعدية أنهم يقولون: سفه زيد وسفه، ولا يقولون في نصب الرأي إلا سفه بالكسر، ولما كان لا يتعدى لم يسقطوا معه حرف الجر.
وقال صاحب «العجائب والغرائب» في قوله تعالى ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه﴾: إن نسه توكيد لـ (من)، و (من) منصوب علي الاستثناء، كما تقول: ما قام أحد إلا زيدا نفسه.
وقوله أو بحرف جر محذوف: كأنه قيل: غبن في رأيه، ووجع في بطنه، وألم في رأسه، قم أسقط حرف الجر، فتعدي الفعل ونصب.

وقوله أو ينصب علي التشبيه بالمفعول به فيحمل الفعل اللازم علي الفعل المتعدي، كما حملت الصفة اللازمة علي اسم الفاعل المتعدي، فقالوا: غبن رأيه والرأي، ووجع بطنه والبطن، كما قالو: هو حسن وجهه والوجه.
قال المصنف في الشرح: «ومن ذلك قراءة بعضهم ﴿فإنه ءاثم قلبه﴾، ومنه قول الشاعر: وما قومي بثعلبة بن سعد... ولا بفزارة الشعر الرقابا» انتهى.
ولا يتعين ما قاله في قراءة ﴿فإنه ءاثم قلبه﴾، إذ يجوز أن يكون (قلبه) منصوبا علي البدل/ من اسم إن، أي: فإن قلبه آثم.
وقال المصنف في الشرح: «إلا أن النصب علي التشبيه بالمفعول به شاذ في الأفعال مطرد في الصفات.
وإنما كان الأمر كذلك لوجهين: أحدهما: أن الصفة اللازمة تساوي الصفة المتعدية في عمل الجر بالإضافة، بعد رفعها ضميرا، والجر أخو النصب وشريكه في الفضيلة، فجاز أن تساويها في استبدال النصب بالجر، والفعل بخلاف ذلك.
الثاني: أن المنصوب علي التشبيه بالمفعول به لو حكم باطراده في الفعل اللازم كمان حكم باطراده في الصفة اللازمة لم يتميز لازم الأفعال من متعديها، بل كان اللازم يظن متعديا، ولا يعرض مثل ذلك إذا كان النصب على التشبيه

بالمفعول به مقصورا الاطراد علي الصفات شاذا في الأفعال.
ومما شذ وروده في الفعل ما في الحديث من قول راويه (إن امرأه كانت تهراق الدماء)، أراد: تهراق دماؤها، فاسند الفعل إلي ضمير المرأة مبالغة، ثم نصب الدماء علي التشبيه بالمفعول به أو علي التمييز وإلغاء الألف واللام.
ويجوز أن يكون أراد: تهريق الدماء، ثم فتح الراء، وقلب الياء ألفا لا لأنه فعل ما لم يسم فاعله، بل علي لغة طيئ، كما قال شاعرهم: نستوقد النبل بالحضيض، ونصـ... طاد نفوسا بنت علي الكرم وكما الآخر: أفي كل عام مأتم تبعثونه... على محمر ثوبتموه، وما رضا إلا أن المشهور في لغة طيئ أن يفعل هذا بلام الفعل لا بعينه، وحرف العلة في تهراق عين، فمعاملته معاملة اللام علي خلاف المعهود» انتهى.
وهذا تخريج في غاية البعد، لأن ذلك إنما تفعله طيئ بالياء المتحركة لفظا بالفتح، وتكون لام الكلمة، وهذا ليس كذلك، واصل هذا التخريج لأبي زيد السهيلي، زعم أن الدماء مفعول به صحيح، وأصله (أن امرأه كانت تهريق الدماء)، وهو في معني تستحاض، وهو مبني للمفعول به، فغسرت ياء تهريق في اللفظ فصار في اللفظ كتستحاض مبنيا للمفعول، ومرفوعه في المعني فاعل، والدماء مفعول صحيح.

وأما قوله تعالى ﴿بطرت معيشتها﴾ فخرجه المصنف في الشرح علي تقدير انفصال الإضافة والتنكير، وعلي اسقاط حرف الجر، وعلي أن يكون الأصل: بطرت مده معيشتها، ثم حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، فانتصب علي الظرفية، نحو ﴿وإدبار النجوم﴾.
وقوله لا علي التمييز محكوما بتعريفه، خلافا للكوفيين قد تقدم أن ابن الطراوة وافقهم علي ذلك، ومما استدل به علي ذلك باب الصفة المشبهة باسم الفاعل، ولا خلاف في جوازه فصيحا، وليس بتمييز عندهم، فان التمييز عندهم لفظة اصطلاحية منهم علي المفسر الذي لا يجوز فيه التعريف إلا شذوذا كمفسر المقادير، ولا يحفظ في لسان/ العرب: عندي رطل الزيت، ولا قفيز الشعير.
وقوله ولا يمنع تقديم المميز علي عامله إن كان فعلا متصرفا تقدم الخلاف في العامل في التمييز في نحو: طاب زيد نفسا، وتصبب زيد عرفا، ونحوه، وأن ابن عصفور حكي أن مذهب المحققين أنه ليس منصوبا بـ «طاب» ولا بـ «تصبب» ولا لما اشبههما من الأفعال، وأنه منصوب عن تمام الكلام، فالعامل فيه هو تمام الكلام، وهو عامل معوي، وبني علي ذلك منع تقدمه علي الجملة بأسرها.
واستدل علي صحه هذا المذهب بأن ما انتصب عن تمام الكلام قد لا يكون فيه فعل، نحو داري خلف دارك فرسخا، وبأنه قد لا يكون الفعل فيه طالبه، فكيف يكون ناصبا له، نحو: امتلأ الكوز ماء.
وتقدمت منازعتنا له في المثالين.
ولم يشعر المصنف بهذا الخلاف الذي ذكرناه، فلو يودعه فص كتابه ولا شرحه.

ولم يتعرض المصنف لتوسط التمييز بين الفعل ومرفوعة، نحو: طاب نفسا زيد وكرم أصلا عمرو، وحسن وجها عمرو، وضرب ظهرا وبطنا بكر، ولا نعلم خلافا في جواز ذلك في نحو هذا الفعل، قال زفر بن الحارث: فلو نبش المقابر عن عمير... فيخبر عن بلاء أبي الهذيل يطاعن عنهم الأقران حتي... جري منهم دما مرج الكحيل وقال آخر: تضوع مسكا بطن نعمان أن مشت... به زينب في نسوه خفرات في أحد التوجيهين في مسكا.
والتوجيه الآخر نصبه علي الحال.
وقال الأستاذ أبو الحسن بن الضائع: «التمييز المنتصب بعد تمام الكلام العامل فيه الفعل يجوز توسيطه، فتقول تفقا شحما زيد، وحسن وجها عبد الله، وهو متفق عليه» انتهى.
وقياس توسطه مع الوصف، فتقول أطيب نفسا زيد، وما حسن وجها عمرو، وما أحسن وجها منك أحد.
ومن زعم أنه يكون منقولا من مفعول فقياس قوله أن يجيز التوسط، فيقول: غرست شجرا الأرض، وفجرت عيوناً الأرض.

ومن زعم أن قولهم دارى خلف دارك فرسخا هو من المنتصب عن تمام الكلام لا يجيز توسيطه بين الجزأين فلا يقول: دارى فرسخا خلف دارك.
واما من يجعله منصوبا عن تمام الاسم فهو احرى بالمنع.
وأما المسألة التى ذكرها المصنف، وهى انه يجوز تقدم التمييز على العامل اذا كان فعلا متصرفا فاحترز بقوله "متصرفا" من ان يكون غير متصرف، فانه لا يجوز وذكر المصنف الاجماع على ذلك ومثاله: ما أحسن زيد رجلا! وأحسن بزيد رجلا! فلا يجوز: ما رجلا أحسن زيدا ولا: رجلا أحسن بزيد.
ونقص المصنف شرط اخر فى جواز التقديم على العامل اذا كام فعلا متصرفا وهو ان يكون التمييز غير منقول، فانه لا يجوز تقديمه على العامل فيه وان كان فعلا متصرفا وهو قولك: كفى بزيد ناصرا كفى بزيد باجماع ولا: شهيدا كفى بالله.
وقد عده المصنف فى مميز الجملة، واما غيره فعده فيما انتصب عن تمام الاسم, فامتنع التقديم كما امتنع فيما انتصب عن تمام الاسم.
وقد أثبت المصنف كون التمييز منقولا من المفعول, فيندرج جواز تقديمه على العامل اذا كان فعلا متصرفا فيجوز: شجرا غرست الارض وعيونا فجرت الارض.
وأما ما العامل فيه الوصف فان المصنف جعله مما انتصب عن تمام المفرد, فقياس قوله يقتضى الا يجوز تقديمه على الوصف فلا يجوز: ما نفسا طيب زيد ولا: اغضبا ممتلئ عمرو؟ وقياس من جعل ذلك منتصبا عن تمام الكلام ان يجيز ذلك لجريان الوصف مجرى الفعل.
أما فى أفعل التفضيل فانه لا يجوز تقديم التمييز عليه مجال لا مقال: ما وجها أحسن منك احد ولا: زيد وجها أحسن منك.
والفرق بينه وبين الوصف الذى قبله ان الوصف له فعل بمعناه, وأفعل التفضيل لم تبن العرب فعلا بمعناه فضعف

عن أن يلحق بالوصف الذى ذكرناه,ولضعفه اقتصر به على العمل فى الضمير غالبا, ولا يعمل المظهر الا فى لغة ضعيفة أو بشرط, وسياتى ذلك فى بابه ان شاء الله وقوله... وفاقا للكسائىوالمازنى والمبرد يعنى ان الكسائى والمازنى والمبرد أجازوا: نفسا طاب زيد وعرقا تصبب بكر, وما اشبه ذلك وقال فى الشرح: "حكى ابن كيسان أن الكسائى أجاز: نفسه طاب زيد.
وان الفراء منع ذلك" انتهى وما ذهب اليه المصنف فى نقله عن الكسائى أنه يجيز تقديم التمييز على العامل من حكاية ابن كيسان عن الكسائى "نفسه طاب زيد"زهم,لان الكسائى ليس مذهبه فى ذلك أنه مشبه بالمفعول ولذلك اختلف هو والفراء فى ذلك فالفراء يعتققد أنه تمييز فمنع من تقديمه على الفعل,والكسائى يعتقد انه مشبه بالمفعول, فيجيز تقديه,ولذلك أجاز الكسائى بناء هذا للمفعول لاعتقاده أنه مشبه بالمفعول وحكى عن العرب: من المسفوه رأيه؟ ومن الرجوع ظهره؟ وخذه مطيوبة به نفس وقد بينا وهم المصنف على الكسائى فى ان يجيز بناء الفعل الذى لم يسم فاعله للتمييز فى باب النائب عن الفاعل فى قوله "ولا مميز خلافا للكسائى" وذكرنا ذلك ان الكسائى لايعتقد كونه تمييزا بل مشبها بالمفعول,وقد وافق البصريون الكسائى فى جواز التقديم فى: رأسه وجع زيد ورايه سفه عمرو, وذلك لاعتقادهم أن غير تمييز.

ونقول: اختلف النحويونفى تقديمه على الفعل: فذهب س والفراء وأكثر البصريين والكوفيين الى منع ذلك,وبه قال ابو على فى شرحه الابيات وأكثر نتأخرى أصحابنا.
وذهب الكسائى - ان صح النقل عنه من غير طريق المصنف - والجرمى والمازنى والمبرد ومن اخذ بمذهبهم من البصريين وبعض الكوفيين الى جواز ذلك,وهو اختيار هذا المصنف وهو الصحيح لكثرة ما ورد من الشواهد على ذلك وقياسا على سائر الفضلات, قال الشاعر: أتهجر ليلى للفراق حبيبها... وما كان نفسا بالفراق يطيب

وقد تكلف المتأخرون فى تأويل هذا البيت على انه خبر كان على حذف مضاف أى: وما كان ذا نفس بالفراق يطيب أو على أنه خبر كان بغير اضمار لأن النفس يراد بها الانسان كما قالوا: ثلاثة أنفس.............................................................. حين أرادوا الذكر,وعليه قراءة (بلى قد جائتك) بالفتح وفى يطيب ضمير النفس اذا الفعل للنفس: وقال ابن السيد:"لا حجة فيه لوجهين: أحدهما: أنه ضرورة,بدليل أنه لم يسمع الا فى هذا البيت" قال"فكما أن جميع ما يرد من الضرائر لا يكون حجة على ما يستعمل فى فصيح الكلام فكذلك هذا" قال: " والوجه الثانى أن الزجاج قال: ان الرواية: ................................................. وما كان نفسى بالفراق تطيب" انتهى

أما الوجه الثاني فهو ضعيف جدا لأنه لا تعارض روايةبرواية لا بتخطئه ولا بتكذيب.
واما الوه الاول فوافقه عليه ابن عصفور فقال "لم يجئ الا فى بيت واحد من الشعر, ولا حجة فيه لانه قد يتقدم فى الشعر ما لا يجوز تقديمه فى الكلام".
وهذا من ابن السيد وابن عصفور ومن قال بقولهما عدم اطلاع على كلام العرب وتقليد ل "س" قال س: " وهو- يعنى -الفعل - فى انهم قد ضعفوه مثله ", يعنى مثل عشرين.
وقال قبل ذلك:"ولا يقدم فيه المفعول فيقال ماء امتلأت,كما لا يقدم فى الصفات المشبهة":قال ابن الضائع:"وهذا فصل قد جمع السماع والقياس فظاهر قوله (ولا يقدم) أنه ليس من كلامهم, وقاسه على الصفة لان الحكم فيهما واحد فى النقل زالتفسير ز وايضا فالصفة تعمل فيه معرفة ونكرة, فعملها اقوى وهذا لايعمل فيه الا نكرة فهو أحرى بمنع التقديم" انتهى.
وهذا غير متجه لأن كلام س لم ينقل فيه المنع عن العرب, انما هذا من رايه, ولو اطلع على ما قالته العرب فى ذلك من التقديم لأتبعه,لكنه هو لم يطلع على ذلك,وقد جاء منه جملة فى كلام العرب تبنى القواعد الكلية على مثلها,ولم

ينقل نصاً عن أحد من العرب انها تمنع ذلك,فوجب القول بالجواز والحق أحق أن يتبع قال ربيعة بن مقروم الضبى: وواردة كانها عصب القطا... تثير عجاجا بالسنابك أصبها رددت بمثل السيد نهد مقلص... كميش اذا عطفاه ماء تحلبا وقال بعض طيئ: اذا المرء عينا قر بالاهل مثريا... ولم يعن بالاحسان كان مذمما وقال اخر: ولست اذا ذرعا أضيق بضارع... ولا يائس عند التعسر من يسر وقال اخر: أنفسا تطيب بنيل المنى... وداعى المنون ينادى جهارا وقال آخر:

ضيعت حزمي فى ابعادى الأملا... وما ارعويت,وشيبا رأسى اشتعلا وحجة من منع ذلك انما هو عدم السماع على زعمه - وقد بينا كثرة ذلك - وأقيسته مدخولة منقوضة كلها,معارضة للنصوص الواردة فى كلام العرب فلا التفات اليها وقد ذكرنا تلك الاقيسة ومعارضتها فى كتاب "منهج السالك فى الكلام على الفية انب مالك" فلا تطول بها هنا؛ اذ لا فائدة فى ذكرها,والاقيسة انما ينبغى أن يستانس بها بعد تقرر السماع ولا يبنى عليها وحدها دون السماع حكم نحوى, وقد اطلنا الكلام على شئ من أقيسة النحاة فى ذلك الكتاب اخر التمييز فيطالع هناك.
وقال المصنف فى الشرح: "زانتصر ل "س" بأن مميز هذا النوع فاعل فى الاصل وقد أوهن بجعله كبعض الفضلات,فلو قدم لازداد الى وهنه وهنا, فمنع ذلك لأنه اجحاف".
قال "وهذا الاحتجاج مردود بوجوه: أحدها: أنه دفع روايات برأى ولا دليل عليه فلا يلتفت اليه.
الثانى: ان جعل التمييز كبعض الفضلات محصل لضرب من المبالغة, فقيه تقويه لا توهين,فاذا حكم بعد ذلك بجواز التقديم ازدادت التقوية, وتأكدت المبالغة, فاندفع الاشكال.
الثالث: أن أصالة فاعلية التمييز المذكور كأصالة فاعلية الحال فى نحو: جاء راكبا رجل فان أصله: جاء راكب على الاستغناء بالصفة, وجاء رجل راكب

على عدم الاستغناء بها, فالصفة والموصوف شئ واحد فقدم راكب, ونصب بمقتضى الحالية,ولم يمنع ذلك تقديمه على جاء مع انه يزال على اعرابه الأصلى وعن صلاحيته للاستغناء به عن الموصوف,فكما تنوسى الآصل فى الحال كذلك تنوسى فى التمييز - انتهى هذا الوجه ولا أعلم احدا ذهب الى ان الحال أصلها أن تكون فاعلة ولا أنها منقولة من الفاعل غير هذا الرجل.
الرابع: أنه لو صح اعتبار الأصالة فى عمدة جعلت فضله لصح اعتبارها فى فضلة جعلت عمدة, فكان يجوز للنائب عن الفاعل من التقديم على رافعه ما كان يجوز له قبل النيابة والامر بخلاف ذلك؛ لان حكم النائب فيه حكم المنوب عنه, ولا تعتبر حال التى انتقل عتها فكذلك لا تعتبر الحال التى انتقل عنها التمييز المذكور.
الخامس: أن منع تقديم التمييز المذكور عند من منعه مرتب على كونه فاعلا فى الأصل ذلكانما هو فى بعض الصور وفى غيرها هو بخلاف ذلك نحو: امتلأ الكوز ماء, "وفجرنا الارض عيونا", وفى هذا دلالة على ضعف علة المنبع لقصورها عم عموم الصور.
السادس: أن اعتبار أصالة الفاعلية فى منع التقديم على العامل متروك فى نحو, أعطيت زيدا درهما: فان زيدا فى الاصل فاعل,وبعد جعله مفعولا لم يعتبر ما كان لو من منع التقديم,بل أجيز فيه ما يجوز فيما لا فاعلية له فى الأصل, فكذا ينبغى ان يفعل بالتمييز المذكور" انتهى.
وليس التمثيل باعطيت زيدا درهما نظيرا لطاب زيدا نفسا؛ لأن فتعلية زيد فى أعطيت زيدا درهما لم تكن لأعطيت انما كانت ل "عطا يعطو" بمعنى تناول وفاعلية نفس كانت ل "طاب نفسه ففرق بين ما يصح اسناده الى الفعل من غير

تغيير للفعل وبين ما لا يصلح اسنادهللفعل لأنه بعد النقل بالهمزة يمتنع ان يكون فاعلا لذلك الفعل ففاعلية زيد فى: أعطيت زيدا درهما, وأخرجت زيدا, قد أميتت,وجئ بصيغة لا تقبله على طريقة الفاعلية, وفاعلية ذلك التمييز يقبلها الفعل فلا ينبغى أن يشبه طاب زيد نفسا بأعطيت زيدا درهما.
وقوله ويمنع ان لم يكنه باجماع أى: ويمنع التقديم ان لم يكن العامل فعلا متصرفا باجماع قال المصنف فى الشرح: "أجمع النحويون على منع تقديم المميز على عامله اذا لم يكن فعلا متصرفا" وقال ايضا "فان كان كان عامل التمييز غير فعل أو فعلا غير متصرف لم يجز التقديم باجماع" انتهى.
وكثيرا ما يتسرع هذا الرجل الى الاجماع, ويكون ف المسألة خلاف.
أما قوله "فان كان عامل التمييز غير فعل" فان قوله "غير فعل" يشمل الوصف ويشمل غير الوصف من العدد والمقادير وما حمل على ذلك فأما الوصف فقد ذكرنا أن قياس من اجاز التقديم مع الفعل أن يجيزه مع الوصف الا فى أفعل التفضيل؛ وأما غير الوصف فان فى بعض صوره خلافا بين النحويين, وذلك اذا انتصب التمييز بعد اسم شبه الاول نحو: زيد القمر حسنا, وثوبك السلق خضرة فيجوز عند الفراء: زيد حسنا القمر وثوبك خضرة السلق, وذلك على ان يكون زيد وثوبك هما المبتدأ, والقمر ولسلق هما الخبران,فان عكست لم يجز التقديم لان صلة الاسم لا تتقدم عليه,والخبر مبنى على التصرف, فلو قلت مررت بعبد الله حسنا لم يجز تقديم حسنا على القمر؛ لأن القمر

ليس بخبر فهذا نوع من التمييز المنتصب عن تمام الاسم وقع فيه الخلاف؛ اذ العامل فيه هو القمر والسلق لقيامهما مقام مثل المحذوفة التى ينتصب عنها التتمييزفى قوله: زيد مثل زهير شعرا.
وقد ارتكب مذهب الفراء فى هذه المسألة بعض الشعراء المحدثين, قال الخالديان من ابيات يمدحان بها سيف الدولة ممدوح المتنبى - وكان قد اهدى لهما هدية فيها وصيف ووصيفة: رشا أتانا, وهو حسنا "يوسف"... وغزالة, هى بهجة "بلقيس" وقوله وقد يستباح فى الضرورة قال المصنف فى الشرح:"فان استجيز فى ضرورة عد نادرا كقول الراجز: ونارنا لم ير نارا مثلها... قد علمت ذاك معد كلها أراد: لم ير مثلها نارا فنصب نارا بعد مثل بمثل كما نصبو زيدا فى قولهم: على التمرة مثلها زيدا, ثم قدم نارا على مثل مع كونه عاملا لا يتصرف, ولولا الضرورة لم يستبح" انتهى ولا ضرورة فيه على مذهبه لان الضرورة عنده هو ما لا يمكن ان يقع فيه تغيير, فان أمكن لم يكن ذلك ضرورة, وقد أمكن ذلك بأن يبنى ير لما لم يسم فاعله, ويرفع نارا به, ويكون مثلها صفة, فيقول: لم ير نار مثلها.

وتأول أصحابنا هذا البيتعلى أن تكون "لم ير" فيه علمية, و "مثلها" المفعول الاول,وهو مرفوع ب"ير" وانتصب نارا على انه المفعول الثانى, والتقدير: لم يعلم مثلها نار.
ووهم الأستاذ أبو الحسن بن عصفور فى شرحه الكبير, وفى نسخة كتابه "المقرب" القديمة,وتبعه شيخنا الاستاذ أبو الحسن بن الضائع فى شرحه للجمل, فحملا هذ البيت على أنه من توسط التمييز بين الفعل العامل فيه ومعموله نحو: طاب نفسا زيد.
وهو وهم فاحش؛ لأن هذا تمييز منتصب عن تمام الاسم وهو قوله "مثلها" والتمييز المنتصب عن "مثل" لا يجوز تقديمه فتقديمه فى البيت ضرورة.
مسألة يجوز حذف التمييز اذا قصد ابقاء الابهام,أو كان فى الكلام ما يدل عليه.
ويجوز أن يبدل كقوله تعالى "ثلث مائة سنين", و "اثنتى عشرة أسباطا أمما".
قيل: ويكون فى المعطوف عليه, نحو ثلاثةوعشرون درهما ونحوه الاصل: ثلاثة دراهم لكنهم تركوه تشبيها بخمسة عشر لدلالة ما بعده عليه.

ولا يجوز حذف المميز لأنه يزيل دلالة الابهام, الا أن يوضع غيره موضعه,كقولهم: ما رأيت كاليوم رجلا.
وقد يحذف من غير بدل, كقولهم: تالله رجلا أى: تالله ما رأيت كاليوم رجلاً.

-[ص:

باب العدد

مفسر ما بين عشرة ومئة واحد منصوب على التمييز ويضاف غيره الى مفسره مجموعا مع ما بين اثنين وأحد عشر ما لم يكن مئة فيفرد غالبا,ومفردا مع مئة فصاعدا وقد يجمع معها وقد يفرد تمييزا وربما قيل: عشرو درهم وأربعو ثوبه, وخمسة أثوابا, ونحو ذلك ولا يفسر واحد واثنان و "ثنتا حنظل" ضرورة]- ش: مناسبة هذا الباب لما قبل هى أن بعض ما ينتصب عن تمام الاسم يكون تفسيرا لعدد فناسب ذكره بعقب باب التمييز,وانجر معه ذكر أحكام العدد.
و"ما بين عشرة ومئة" يشمل احد عشر واحدى عشرة, وتسعة وتسعين

وما بينهما فتفسير هذا كما ذكر بواحد منصوب,قال تعالى "انى رأيت أحد عشر كوكبا", فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا", وواعدنا موسى ثلاثين ليلة","واختار موسى قومه سبعين رجلا" ويتعين كونه واحدا عند جمهور النحويين فلا يجيزون فى التمييز المنصوب بعد العدد الجمع.
وذهب الفراء الى أن ذلك جائز فتقول: عندى أحد عشر رجالا, وقام ثلاثون رجالا ويمكن أن يستدل له بقوله تعالى (وقطعناهم اثنتى عشرة أسباطا) فظاهر قوله (أسباطا) أنه تمييز وهو جمع وعلى ذلك حمله

الزمخشري قال: فان قلت: مميز ما عدا العشرة مفرد فما وجه مجيئه مجموعا"؟ وأجاب بان الرد: وقطعناهم اثنتى عشرة قبيلة وأن كل قبيلة أسباط لا سبط فأوقع أسباط موقع قبيلة كما قال: ..................................... بين رماحىمالك ونهشل قال المصنف فى الشرح:"فمقتضى ما ذهب اليه أن يقال: رأيت احدى عشرة أنعاما اذا أريد احدى عشرةجماعة كل واحدة منها أنعام ولا بأس برأيهلو ساعد استعمال لك قوله (كل قبيلة أسباط لا سبط) مخالف لما يقوله أهل اللغة: ان السبط فى بنى اسرائيل بمنزلة القبيلة فى العرب فعلى هذا معنى قطعناهم اثنتى عشرة أسباطا: قطعناهم اثنتى عشرة قبائل فأسباط واقع موقع قبائل لا موقع قبيلة فلا يصح كونه تمييزا وانما هو بدل والتمييز محذوف" انتهى وام يبين المحذوف وتقديره اثنتى عشرة فرقة ولا بين ما يكون بدلا منه ولا يجوز أن يكون بدلا من المحذوف لأن العامل فيه اذ ذاك يكون هو العامل فى المبدل منه أو تكريره فيلزم ما فررنا منه وانما هو بدل من اثنتى عشرة اى: وقطعناهم أسباطا أى: قبائل قال المصنف فى الشرح:"وأجاز بعض العلماء أن يقول القائل: عندى عشرون دراهم لعشرين, رجلا قاصدا أن لكل منهم عشرين درهما" قال المصنف قى الشرح: "وهذا اذا دعت الحاجة اليه فاستعماله حسن وان لم تستعمله

العرب لانه استعمال لا يفهم معناه بغيره" انتهى وكيف يكون استعماله حسنا ولم تستعمله العرب؟ وقوله "انه يفيد ذلك معنى أن لكل واحد عشرين دررهما "منازع فيه؛ لأن المفرد فى عشرين درهما واقع موقع الجمع فكم أن هذا المفرد لا يدل على ذلك المعنى فكذلك هذا الجمع لا يفيده بل لو صرح فيه بالتركيب العربى الذىلا خلاف فى جوازه وهو أن تقول عندى دراهم عشرون او: عندى عشرون من الدراهم لعشرون رجلا -لم يفد ذلك أن عنده لكل رجل عشرين درهما قال المصنف فى الشرح " ان وقع موقع تمييز شئ منها جمع فهو حال أو تابع ك (بنى مخاض) فى قول ابن مسعود) قضى رسول الله - فى دية الخطأ عشرين بنت مخاض وعشرين بنى مخاض وعشرين ابنة لبون وعشرين حقة وعشرين جذعة) ف (بنى مخاض) نعت أو حال انتهى.
ويعنى أنه نعت لعشرن او حال منها ويكون التمييز محذوفا أى: وعشرين جملا بنى مخاض وهذا اذا صح أن بنى مخاض من كلام ابن مسعود وكثيرا ما يقع اللحن فى الحديث؛ لأن كثيرا من رواتبه يكونو لحانين وعجما.
ولا يجوز الفصل بين التمييز والعدد الا فى ضرورة نحو قوله:

فى خمس عشرة من جمادى ليلة... لا أستطيع على الفراش رقادى وقال الاخر على أننى بعد ما قد مضى... ثلاثون للهجر حولا كميلا وقال اخر: ........................ وعشرون منها اصبعا من ورائيا فرع: ذكره فى البسيط: اذا أتيت بنعت مفرد جاز فيه الحمل على المفسر كالصفة نحو: عندى عشرون رجلا صالحا وعشرون درهما وازنا على اللفظ ووازنة على المعنى ووزن سبعة على المصدر وما صح منها أن يكون للعدد جار عليه نحو: عندى عشرون درهما وزن سبعة وان شئت رفعت على عشرون.
وان كان جمعا: فان كان سالما فلا يكون الا على العدد نحو: عندى عشرون رجلا صالحون وان كام منكسرا جاز أن يكون للعدد وللتمييز نحو: عندى عشرون رجلا كراماً، وقال:

فيها اثنتان وأربعون حلوبة... سواد كحافية الغراب الأسحم وقوله ويضاف غيره- أى غير مفسر ما ذكر- الى مفسره مجموعا مع ما بين اثنين وأحد عشر مثال ذلك: ثلاثة أثواب وثلاث ليل وعشرة أشهر وعشر سنين وكذا ما بينهما وتخصيصه ما ذكر بقوله "مجموعا"يدل على أنه يفرد مع غيره نحو: ألف درهم ومئة رجل وشذما حكى أبو زيد: شربت ثلاثة مد البصرة قال: أوقعو الواحد موقع الجمع وقوله ما لم يكن مئة أى: ما لم يكن المفسر للعدد مة فيفرد غالبا فتقول: ثلاثمئة وذلك بخلاف الألف فانه يجمع فتقول: ثلاثة الاف قال المصنف فى الشرح:"والقياس يقتضى أن يقال ثلاث مئات أو مئتين كما يقال: ثلاثة الاف الا ان العرب لا تجمع المئة اذا أضيف اليها عدد الا قليلا كقول الشاعر ثلاث مئين للملوك وفى بها... ردائى وجلت عن وجوه الاهاتم ومن أجل هذا الوارد بجمع قلت فيفرد غالبا" انتهى وقال الاخر أنشده المبرد فى المقتضب: ثلاث مئين قد مررن كواملا... وها أنا هذا أرتجى مر أربع وقال الاخر:

ثلاثة آلاف ونحن نصية... ثلاث مئين ان كثرنا وأربع وقال الاخر: بخمس مئين من دراهم عوضت... من العنز ما جادت به كف حاتم وما ذكره من أن القياس مت ذكر هو قول أبى على فى "الايضاح"قال: "وهكذا كان القياس فى ثلاثمئة وأربعمئة أتبين بالجمع فيقال: مئات أو مئين ولكنه مما استغنى فيه بلفظ الواحد عن الجميع" انتهى وكذا قال س قال "وأما تسعمئة وثلاثمئة فكان ينبغى أن تكون فى القياس مئين ومئات ولكنهم شبهوه بعشرين واحد عشر حين جعلوا ما بين به العد واحدا؛ لأنه اسم لعدد وليس بمستنكر فى كلامهم أن يكون اللفظ واحدا والمعنى جميع " انتهى قال بعض أصحابنا: انما استغنى بلفظ الواحد عن الجميع فى ثلاثمئة الى تسعمائة لينبهو بذلك على ان الاصل فى الاعداد أن تكون مينة بمفرد وذكر الفارسى فى "الشيرازيات" أن الاصل فى الاسماء التى تبين العدد ان تكون مفردة وذلك أن المعدود قد علم قدره بذكر العدد فانما يحتاج الى ما يبين جنسه والواحد يكفى فى ذلك ولفظه اخف من الجمع فكان التبيين به اولى وعلى ذلك جاء الاستعمال فى ضروب العدد الا ما كان الثلاثة الى

العشرة فإنه يبين بالجموع الموضوعة لاقل العدد وسبب ذلك مشابهتها للأحاد من جهة تكسيرها الأحاد وتحقيرها على لفظها كما تحقر الأحاد فتقول فى تصغير صبية صبية,وفى تصغير أوطب وأبيات وأسقية: أويطب وأبيات وأسيقية, وتقول فى تكسيرها اواطب وأبابيتوأساق وليس تكسير جموع الكثرة فى الحسن كتكسير جموع القلة ومن جهة أنها توصف بها الاحاد نحو برمة أعشار وحبل أقطاع,وثوب أخلاق.
ومن جهة عودة الضمير المفرد المذكر عليها نحو قوله تعالى (وان لكم فى الانعام لعبرة نسقيكم مما فى بطونه) ومما حسن تبيينها بها مناسبتها لها فى القلة ومما يبين لك أن الاصل فى الاعداد من الثلاثة الى العشرة التبيين بالمفرد أنهم قد بينوا ضربا منها به وذلك قولهم ثلاثمئة واربعمئة الى الالف وجاء الاستعمال به فى حال السعة والاختيار وقلهم ثلاث مئين ومئات شاذ فى القياس وانما يجئ فى الشعر نحو قوله وأنشد البيتين اللذين تقدم ذكرهما ثم قال: فأما ضافة الثلاثة وأخواتها الى صيغ جمع الكثرة نحو قولهم ثلاثة شسوع وقوله تعالى (ثلاثة قروء) -فقليل وغير مقيس ومع ذلك فإنهم

رفضو العدد القليل من شسوع فلم يقولو اشساع واستغنو بلفظ الكثير عن ذلك انتهى كلام الفارسى فى الشيرازيات فعلى هذا قوله فى "الايضاح"وقول س ان القياس فى ثلاثمائة واربعمئة أن تبين بالجمع مخالف لما ذكر فى "الشيرازيات" من أن الاصل فى ذلك أن تكون مفردة والجمع بين القولين ان لنا قياسين: احمدهما اصل: وهو ان اصل التمييز فى العدد ان يكون واحدا والثانى: انهم حين خالفو هذا الاصل فاضافو فى ثلاثة وتسعة وما بنهما الى جمع- صار هذا اصلا ثانيا فلما اضافو ذلك الى مئة كان القياس فيها ان تجمع فترك هذا القياس واضيف ذلك الى لفظ المئة مفردة وزعم الفراء ان السبب فى افراد مئة فى العدد نحو ثلاثمئة الى تسعمئة أن العدد لما كان عقده من غير لفظ لعشرة فلم يقولو عشر مئة بل قالو الف الحق بباب عشرين وثلاثين حين خالف كل عقد منها ولم يعشر بلفظ العشرة الا برى انك تقول: تسع وعشرون ثم تقول ثلاثون وتقول تسع وثلاثون ثم تقول: أربعون فجرت المئى لذلك فى توحيدها مجرى الرهم واشباهه بعد عشرين وخمسين واشباهها وحكى ان بعض العرب يقول: عشر مئة فيجعل العقد من لفظ العشرة وأنشد فى ذلك: يوم يشد الغنوى أربه... بعقد عشر مئة لن تتعبه قال:"وأهل هذه اللغة يقولون: ثلاث مئين وأربع مئين" انتهى

وفي كتاب الصفار عن الفراء "لا يقول ثلاث مئين الا من لا يقول الف وانما يقول عشر مئين ومن يوقول الف ولا يقول عشر مئين لا يقول: ثلاث مئين" انتهى وقول المصنف فى الشرح"الا ان العرب لا تجمع المئة اذا اضيف اليها عدد الا قليلا" يدل على جواز ذلك فى قليل من الكلام ويعضده ما حكيناه عن الفراء لانه زعم ان من لغته عشر مئة يجمع فيقول ثلاث مئين فجعلها لغة كما ترى وهو مخالف لما نص عليه أبو على فى "الايضاح" قال وربما جاء فى الشعر: ثلاث مئات واربع مئين" وتقدم قوله فى الشيرازيات "ان قولهم ثلاث مئات ومئين شاذ فى القياس وانما يجئ فى الشعر" ويظهر من كلام س جواز ذلك فى الكلام لانه شبه به ما يجوز فى الكلام قال س:"ومثل ذلك فى الكلام قوله تبارك وتعالى (فان طبن لكم عن شئ منه نفسا) وقررنا به عينا وان شئت قلت انفسا واعينا كما قلت ثلاثمائة وثلاث مئين ومئات" انتهى... وهو قول بعضهم: انه يجوز فى الكلام والاكثرون يخصون ذلك بالشعر وتقدم فى باب التمييز علة الجر فى باب العدد فالاضافة فى ثلاثة اثواب ومئة درهم والف درهم جاءت على الاصل وعلة النصب فى عشرين وبابه والمركب تقدم ذكرها هناك وقوله ومفردا مع مئة فصاعدا مثاله: مئة دينار وألف درهم.

وقوله وقد يجمع معها اى: مع المئة ومن ذلك قراءة حمزة والكسائى (ثلاث مئة سنين) باضافة (مئة) وأجاز ذلك الفراء قال:"من العرب من يضع السنين موضع السنة" قال بعض اصحابنا "هو جمع شاذ فى الاستعمال خارج عن القياس ووجهه انه شبه مئة بعشرة من حيث كانت المئة تعشير العشرات كما ان العشرة تعشير لما تضاف اليه من المعدودات" انتهى وقال المبرد:" هو خطأ فى الكلامغير جائز وانما يجوز فى الشعر للضرورة" وجوزه على ان تريد بالجماعة الواحد كما يكون العكس فى قوله: كلوا فى بعض بطنكم تعفوا.............................................. قيل: ويحتمل ان تكون اضافة غير محضة بتقدير من كما كان ذلك فى خمس كلاب أى: ثلاثمائة من السنين.
وقد أجاز ابو العباس فى قولهم "عليه مئة بيضا" ان يكون بيضا تمييزا ورد عليه الحالى من النكرة ألا ترى انه لو رفع لكان صفة للمئة والمئة مبهمة الوصف فلذلك كان النصب حالا والرفع صفة ومن قرأ يالتنوين فتخرج على عطف البيان او البدل قيل: ولا يجوز أن يكون (سنين) تفسيرا لانه يلزم أن يكون أقل ما لبثوا تسعمئة سنة سوى التسع فلا تجوز اضافة المئة الى السنين وقد قرئ به وهو ضعيف

وقوله وقد يفرد تمييزا اى: يفرد ما كان مجرورا مع مئة فينصب تمييزا وظاهرا كلامه انه يجوز ان تقول؟ عندى مئة رجلا وعندى مئة دينارا وقال المصنف فى الشرح:"وأشرت بقولى (وقد يفرد تمييزا) الى قول الربيع بن ضبع الفزارى: اذا عاش الفتى مئين عاما... فقد ذهب المسرة والفتاء انتهى وانشد س: أنعت عيرا من حمير خنزرة... فى كل عير مئتان كمرة وقال ايضا:" وهو يقوى ما ذهب اليه ابن كيسان من جواز: الالف درهما والمئة دينارا" انتهى وقال اصحابنا: لايجوز تنوين المئة ونصبالتهمييز الا فى ضرورة وكذلك ايضا تثنيتها فى لزوم اضافتها الى التمييز بمنزلتها نحو قولك: مائتا درهم ولا يجوز اثبات النون ونصب التمييز الا فى ضرورة شعر وانشدوا البيتين السابقين

قالو: وإثبات النون فى مئين ونصب التمييز أحسن من اثبات التنوين فى مئة ونصب التمييز لشبهمئين بعشرين فى ان اخرها النون كام ان اخر عشرين كذلك وقال س:"وقد جاء فى الشعر بعض هذا منونا " وتنشد البيتين قال المصنف فى تاشرح:"ومثله فى رواية من نصب مئة من قول حذيفة- فقلنا (يا رسول الله! اتخاف علينا ونحن ما بين الستمئة الى السبعمئة؟ فاجرى الالف واللم فى تصحيح نصب التمييز مجرى النون من" مئتين عامل" لاستوائهما فى المنع الاضافة" قال "ويروى: (ما بين الستمئة الى السبعمئة) بجر مئة, وفيه ثلاثة أوجه: احدهما: ان يكون أراد مئات على انه بدل ثم استعمل المفرد مكان الجمع اتكالا على فهم المعنى, كما قيل «ان المتقين فى جنات ونهر» والثانى ان تكون الالف واللام زائدتين فلم تمنعا من الاضافة كما تمنعا فى قول الشاعر: تولى الضجيع اذا تنبه موهنا... كالاقحوان من الرشاش المستقي

جارٍ التحميل