فكانت بدلاً من الفعل.
وابن عصفور نقل أن النصب بما في إلا من معني أستثني.
وغير موافق أيضاً لما يدل عليه كلام المصنف أنه منصوب بنفس إلا من غير مراعاة أن مدلولها أستثني، ولا أنها بدل من الفعل.
وأما مذهب س فقد تقدم النقل أنه منصوب بالجملة المتقدمة عليه بوساطة إلا.
وزعم المصنف أنه منصوب في مذهب س والمبرد والجرجاني بنفس إلا، وهو اختياره، قال: "وقد حفي كون هذا مذهب س علي جمهور الشراح لكتابه، وأنا أستعين الله علي بيان ما خفي عليهم من ذلك بنصوص يعضد بعضها بعضاً، فمن ذلك قوله: (إلا يكون الاسم بعدها علي وجهين:
أحدهما: ألا تغير الاسم عن الحال التي كان عليها قبل أن تلحق، كما إن "لا" حين قلت: لا مرحبا ولا سلام، لم تغير الاسم عن حاله قبل أن تلحق، فكذلك إلا، ولكنها تجيء لمعني كما تجئ "لا" لمعني.
والوجه الآخر: أن يكون الاسم بعدها خارجاً مما دخل فيه ما قبله، عاملاً فيه [4: 36/ أ] / ما قبله من الكلام، كما تعمل عشرون فيما بعدها إذا قلت: عشرون درهماً).
فجعل "إلا" نظيرة "لا" المحمولة علي "إن" في أن ما تدخل عليه تارة تصادفه مشغولاً بعامل غيرها، فتؤثر في معناه دون لفظه، وتارة تصادفه غير مشغول بعامل غيرها فتؤثر في لفظة ومعناه.
ثم صرح بأن العامل في زيد من نحو قاموا إلا زيداً ما قبله من الكلام، فإما أن يريد بما قبله "إلا" وحدها، أو الفعل وحده، أو كليهما، فدخول "من" مانع من أن تريد كليهما؛ لأنها للتبغيض لا لبيان الجنس؛ فإن التي لبيان الجنس لا تدخل بعد "ما: إلا علي نكرة، كقوله تعالي {ومَا خَلَقَ اللَّهُ
مِن شَيْءٍ}، ﴿واعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ﴾، ﴿ومَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ﴾،فلو كانت "من" في قول س لبيان الجنس لم تدخل علي الكلام معرفاً، بل كانت تدخل عليه منكراً، وإذا لم تدخل عليها إلا معرفاً فهي للتبغيض، ويلزم من ذلك انتفا أن تريد كليهما وثبوت إرادة الفعل وحده أو إلا وحدها، وإرادة "إلا" أولي؛ لأنها قبل المستثني لا قبل غيره، والفعل قبله وقبل غيره، فإرادته مرجوحة، وإرادة "إلا" راجحة.
ولأن ما قبل الشيء إذا لم يرد به الجميع حمل علي الذي يلي، ولهذا إذا قال النجوى: (ياء التثنية مفتوح ما قبلها وياء الجمع مكسور ما قبلها) علم محل الفتحة والكسرة.
ويعضد إرادة إلا قوله (كما تعمل عشرون فيما بعدها إذا قلت عشرون درهماً)، فجعل موقع المستثني من عامله موقع الدرهم من العشرين، فعلم أنه لم يرد الفعل لأنه منفصل مكتف، بخلاف إلا، فإنها مثل العشرين في الاتصال وعدم الاكتفاء، فكانت مرادة" انتهي ذكره النص الأول من كلام س واستدلاله.
ولا دليل له في شيء منه، بل هو دليل عليه، وكلامه مدخول علي ما نبينه إن شاء الله، وكلام س يدل علي أن الناصب هو الجملة بوساطة إلا كما نسبه الجماعة إليه، فنقول:
أما تشبيهه إلا في الاستثناء المفرغ بـ "لا" الداخلة علي "مرحبا وسلام" فليس فيه أكثر من أن ما بعد إلا مشغول بما قبلها، فهو علي حسبه، لا يجوز فيه إلا شغله بما قبله، فكأنك لم تذكر إلا، كما أن مرحبا مشغول بعامل له ناصب له
مضمر، فكأنك لم تذكر لا؛ لأنها دخلت علي متأثر بشيء قبلها، كما دخلت إلا علي شيء متأثر بشيء قبلها.
وأما أن في ذلك إشعاراً بأن إلا هي العاملة النصب في المستثني فلا.
وأما قوله "فجعل إلا نظيرة لا المحمولة علي إن" إلي آخره فليس كذلك، ليست لا هذه هي المحمولة في العمل علي إن، بل هي للدعاء في قولك: لا مرحبا بهم، ولا سلام علي عمرو، وليست للنفي العام؛ بدليل أن الجملة التي هي فيها ليست خبرية؛ لأنها لا تحتمل الصدق والكذب، بل في تشبيهها بـ"لا" التي للدعاء إشعاراً بأن إلا لا تعمل، كما لا تعمل لا التي للدعاء.
وأما قوله المصنف "ثم صرح بأن العامل في زيد من نحو: قاموا إلا زيداً، ما قبله من الكلام" فهذا هو مدعي الجماعة ومستندهم أن مذهب س أن زيداً منصوب/ [4: 36/ ب] مما قبله من الكلام، وهي الجملة بأسرها، ولذلك عبر بعض أصحابنا عن هذا المعني [أنه انتصب عن تمام الكلام، وهو في ذلك بمنزلة التمييز.
وأما ترديد المصنف في أن يريد ب"قبله" إلا وحدها، أو الفعل وحده، أو كليهما، وحصره ذلك في هذا التقسيم- فليس هذا التقسيم حاصرا؛ إذ بقي قسم، وهو أن ير يد ب"قبله" من الكلام الجملة بأسرها، وهو مدعي الجماعة في أنه مذهب س.
وأما قوله المصنف "فدخول من مانع من أن تريد كليهما" فلا حاجة لهذا؛ لأنه لم يذهب أحد لم يذهب أحد إلي أن الاسم بعد المنصوب بالفعل وإلا معاً.
وقوله "لأنها للتبغيض لا لبيان الجنس" الظاهر أنها لبيان الجنس، هذا إذا فرعنا علي أن من تكون لبيان الجنس، وأما علي من نفي ذلك المعني عنها فتكون
للتبعيض، ومعنى التبغيض هنا أن ما قبل إلا هو كلام من جملة الكلام، ولا يراد بالتبغيض هنا جزء الكلام، بل كلام من جملة الكلام.
وأما قوله "فأن التي لبيان الجنس لا تدخل بعد ما إلا علي نكرة"، وذكره آيات من القرآن جاء فيها، بعد "ما" الاسم المجرور.
بمن نكرة فلا يدل ذلك علي أنها لا تجر المعارف بعد "ما"، ليمنع أحد: اشتريت من عندك من الثياب، وما تريد من الفضة أعطيك، ونظرت إلي ما نظرت من الخيل، وأكلت ما أشبعني من اللحم، والقرآن ملآن من مجيء المعرفة بعد "ما"، قال تعالي ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾، ﴿ولا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾، ﴿ومَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِنَ الكِتَابِ والْحِكْمَةِ﴾، ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾، ﴿واذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ والْحِكْمَةِ﴾، فاشتراط التنكير في ذلك ليس بشيء.
وهكذا عادة هذا الرجل، يقعد قواعد يستبد فيها برأيه، ولا دليل عليها: ثم كلام المصنف بعد ذلك تكثير لا طائل تحته ولا فائدة.
وقوله"ويعضد إرادة إي قوله كما يعمل عشرون" إلي آخره بل يعضد ما قال الجماعة؛ لأن لفظ س "عاملا فيه ما قبله من الكلام، كما تمل عشرون فيما بعدها" فشبه عمل الجملة بعمل عشرين، وليس في ذلك تشبيه إلا بعشرين.
ثم قال المصنف: "وأظهر من هذا قوله في خامس أبواب الاستثناء: (حدثنا أن بعض العرب الموثوق بعربتيه يقول: ما مرت بأحد إلا زيداً).
ثم قال س: (فعلي هذا: ما رأيت أحداً إلا زيداً، فتنصب زيداً علي غير رأيت، وذلك أنك لم تجعل الآخر بدلاً من الأول، ولكنك جعلته منقطعاً مما عمل في الأول، فيعمل ما قبله كما عمل العشرون في الدرهم)، فصرح بأن نصب زيداً في المثال المذكور علي لغة من لا يبدل، إنما هو بغير رأيت فتعين نصبه بإلا، فلم يكتف بذلك التصريح حني قال (ولكنك جعلته منقطعاً مما عمل في الأول)، فهذان تصريحان لا يتطرق إليهما احتمال غير ما قلناه إلا بمكابرة وعناد" انتهي ما ذكره في هذا النص.
وكلام س عليه لا له؛ لأنه إذا انتصب في الاستثناء لا يدعي س أنه منصوب بالفعل/ [4: 37/ أ] الناصب لأحد في قوله: ما رأيت أحداً، وإنما هو منصوب بالجملة نفسها لا بجزئها الذي هو الفعل، بخلاف جعله بدلاً، فإنه منصوب بالفعل وحده، إما نفس رأيت الناصب لأحد، وإما بتكرره علي الخلاف في العامل في البدل، وسيأتي.
وقول المصنف "فتعين نصبه بإلا" لا يتعين من انتفاء نصبه بالفعل وحده أن يكون الناصب إلا، بل الجملة بأسرها.
وقول س "ولكنك جعلته منقطعاً مما عمل في الأول" أي: لم يسلط عليه الفعل فينصبه أحداً.
ثم قال"وعمل فيه ما قبله" أي: الجملة بكمالها، فهو منتصب عن تمامها لا عن جزئها، ولم يختلف كلام س في أن الناصب له ما قبله.
وقول المصنف "هذان تصريحان" إلي آخره، نعم، هما تصريحان يشهدان بخلاف دعواه، وهو المكابر المعاند.
ثم قال المصنف: وقال - يعني س- في تاسع أبواب الاستثناء بعد أن مثل بأتاني إلا أباك: (وانتصب الأب إذا لم يكن داخلا فيما داخلاً فيما ما قبله، ولم يكن صفة، وكان العامل فيه ما قبله من الكلام)، والذي دخل فيه ما قبله إسناد المعني إلي المعني وتأثر اللفظ، فلزم من ذلك ألا يكون لفظ الأب منصوبا بلفظة أتي، كما لم يكن لمعناه حظ من معناه، فإذا لم يكن النصب بأتي تعين أن يكون بإلا، فحاصل س أن إلا هنا ناصبة ما استثني بها إذا لم يكن بدلاً ولا مشغولاً عنها بما هو أقوي منها، ومن نسب إليه خلاف هذا فقد تقول أو غلط فيما تأول" انتهي ما فهمه عن س في هذا الفصل.
ولا حجة له فيه، بل هو حجة عليه؛ لأن س إنما نفي أن يكون داخلاً في الإتيان الذي دخل فيه القوم، ولم يكن صفة فيتبع ما قبله في الرفع، بل بقي فضلة من الفضلات، عمل فيه ما قبله من الكلام، فليس العامل فيه الفعل، ولا يتعين إذ ذاك في قوله "مقابله من الكلام" أن يكون العامل إلا، لأن ليست كلاماً، وس يقول "يعمل فيه ما قبله من الكلام"، فهذا هو النص علي أن العامل فيه الجملة بأسرها لا الفعل ولا إلا.
وقوله "فحاصل كلام س أن إلا هي ناصبة" إلي آخره ليس بصحيح، بل حاصل كلام س أن الناصب لما بعد إلا ما قبله من الكلام، والذي قبله من الكلام هو الجملة.
وقوله "ومن نسب إليه خلاف هذا- أي خلاف أن الناصب إلا - فقد تقول أو غلط فيما تأول" وهو الذي تقول أو غلط قيما تأول، وكلامه هذا من ضن بنفسه، وهو جسور علي الرد علي الأئمة س فمن دونه، وهي عادة من نظر وحده، واستبد برأيه، وهذا الرجل قليل النظر في كتاب س، ويجهل كثيراً من مذاهبه ومن نقوله عن العرب، فيخالفه، وقد بينا من ذلك كثيراً في هذا الشرح، وحين أمعن النظر في كتاب س في هذه المسألة التي لا يجدي الخلاف فيها شيئا، لأنه خلاف ليس راجعاً إلي اختلاف في المعني - فهم كلام س غير ما فهمه المفتشون كتاب س / [4: 37/ ب] المنقرون عن معانيه، كالأستاذ أبي علي وأصحابه.
ثم قال المصنف "وإذ قد بينت النصوص الشاهدة بأني فيما اخترته موافق ل (س)، فلم يبق إلا تليين ما يدل علي صحة ذلك".
قلت: وأي نصوص شهدت بأنه موافق ل"س"؟ بل شهدت بمخالفته، وقد بينا ذلك.
ثم خذ المصنف في الاستدلال علي أن إلا هي العاملة، وملخص ما طول به أنها مختصة بدخولها علي الاسم، وليست كجزء منه، فيجب لها العمل كوجوبه لسائر الحروف التي هي كذلك، ما لم تتوسط بين عامل مفرغ ومعمول، فتلغي وجوباً إن كان التفريغ محققا، وجوازاً إن كان مقدراً، نحو: ما قام أحد إلا زيد.
ثم اعترض علي نفسه بأن إلا قد ثبت دخولها علي الفعل، فلا تصح دعوي الاختصاص.
وأجاب بأن الفعل في موضع الاسم، فلم يزل اختصاصها،
نحو: نشدتك الله إلا فعلت، معناه: ما أسألك إلا فعلك، وما زاد إلا ما نقص، ومنافع إلا ما ضر، أي النقصان، وإلا الضرر، وما تأتيني إلا قلت حقاً، وما أتيتك إلا تكلمت بالجميل، وما زاد إلا نفع، وما قل إلا ضر، وما تكلم إلا ضحك، وما جاء إلا أكرمته، فجميع هذه أحوال، وهي أفعال مؤولة بالاسم، ولو كان مطلق الدخول علي يبطل الاختصاص بالاسم ما أضيف اسم إلي فعل؛ ولا وقع القول حالاً، ولا ثانياً لظن، ولا خير كان أو إن، لأن هذه مسلط عليها عامل الاسم، فكما لم يبطل اختصاص هذه بالأفعال لا يبطل اختصاص إلا بدخولها علي الفعل.
ثم اعترض علي نفسه بأنها لو كانت عاملة لا تصل الضمير بها كما اتصل بإن، فكونه بقوله تعالي ﴿ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلاَّ إيَّاهُ﴾، وفي الاستثناء المنقطع: ما في الأرض أخبث منه إلا أيله- دليل علي أنها ليست بعاملة، وبهذا رد [علي] من ذهب إلي أن "إلا" هي الناصية.
وأجاب بأنه انفصل تشبيهاً بالمنصوب علي التحذير والنداء من حيث هو منصوب لا مرفوع معه.
وبأنه انفصل حملاً علي انفصاله في التفريغ ليجري الباب علي سنن واحد.
وبأن إلا والمستثني بها في حكم جملة مختصرة، فكره واختصار الضمير باتصاله، والاختصار إجحاف.
وبأن نسبة ما النافية في موافقة الفعل معني لا لفظاً، وفي الإعمال تارة والإهمال تارة، ومعمول ما إذا كان مضمراً كان منفصلاً، فألحقت بها.
وبأن إلا تشبه لا العاطفة في لزوم التوسط
وجعل ما بعدها مخالفاً لمقابلها، والضمير بعد لا منفصل، فجرت في ذلك إلا مجراها، ومع ذلك فللمستحق بعد إلا النصب علي الاستثناء شبه بالمفعول المباشرة عامله، فكان له بذلك حظ في الاتصال إذا كان ضميراً، فنبهوا علي ذلك يقوله:
.......................... ألا يجاورنا إلاك ديار
وقوله:
أعوذ بري العرش من فئة بغت علي، فما لي عوض إلاه ناصر
[4: 38/ أ] /وليس هذا ضرورة لتمكن أن يقال: أن لا يكون لنا ظل ولا جار، وأن يقال: علي فما لي غيره عوض ناصر.
وأيضاً فالمعروف من كلام العرب إيقاع المنفصل موضوع المتصل في الضرورة، نحو قوله:
............... قد ضمنت إياهم الأرض..............
والعكس غير معروف، فلو لم يكن الأصل في الضمير في الاستثناء الاتصال لم يسع في البيتين أن يصلا، كما لا يسوغ في المعطوف ولا في المفعول معه.
قلت: قد نص المصنف في باب المضمر علي أن "إلاك" شاذ، وأما "إلاه ناصر" فلا يتعين أن يكون ضمير نصب، بل يجوز أن يكون ضمير رفع، حذف منه الواو، كقوله:
فبينا هـ يشري رحله....................................
والتقدير: إلا هو، وارتفع بعد إلا وإن كان مقدما كما ارتفع في قوله:
....................... فلم يبق إلا واحد منهم شفر
وأما قوله "وليس هذا بضرورة" إلي آخره فهذا ليس بشيء؛ لأنه ليس من ضرورة إلا ويتمكن الشاعر من أن يبدلها بنظم آخر، فعلي هذا يستحيل أن توجد ضرورة فالمصنف لا يفهم معني الضرورة، وقد تكلمنا معه في ذلك في باب الجوازم كلاماً طويلاً في كتاب التكميل.
ثم اعترض المصنف علي نفسه فقال: "فإن قيل: لو كانت عاملة لعلمت الجر، كما عمل غيرها من الحروف التي لا تشبه الفعل، ولذلك حكم بحرفية عدا وخلا وحاشا إذا جرت، وفعلي إذا نصبت".
وأجاب بأنه لا يسلم ذلك، بل اللائق به عمل لا يصلح للفعل وهو جر أو نصب لا رفع معه، فكان النصب أولي بالأربعة؛ لأنه أخف من الجر، لكن منعت منه عدا وأختاها لأنهن يكن أفعالاً، فتستوجب النصب حينئذ، فلو عملته وهن أحرف لجهلت الحرفية، فتعين الجر بها إذا كن أحرفا، ولم يمنع من النصب مانع، فعملته.
أيضاً فإن إلا مخصوصة بكثرة الاستعمال والتعرض للتكرار، فأوثر من بين أخواتها الحرفية بأخف الإعرابيين.
انتهي ما لخص من كلامه.
وذكر شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع الخلاف في ناصب المستثني, فقال: "زعم س أنه منتصب بما قبله, كما انتصب الدرهم في قولك: عشرون درهمًا", فظاهر هذا انتصب بعد تمام الكلام على التشبيه بالمفعول به, كما انتصب الدرهم.
ثم ذكر مذهب السيرافي أنه انتصب بالفعل, ومذهب المبرد أنه انتصب بما في إلا من معنى الاستثناء, ومذهب الكسائي أنه انتصب بمخالفته للأول, ومذهب الفراء.
وذكر ما ردت به هذه المذاهب.
ثم قال: "المقصود في ذكر هذه العوامل ربط القوانين وتثبيتها في النفس, فأولى هذه بالنظر إلى ذلك المعنى أن يكون انتصابه بما تقدم أولاً على التشبيه, ويكون في ذلك كالتمييز, والأمر في ذلك قريب".
-[ص: فإن كان المستثنى "بإلا" متصلاً مؤخرًا عن المستثنى منه المشتمل عليه نهي أو معناه, أو / [4: 38/ أ] نفي صريح, أو مؤول غير مردود به كلام تضمن الاستثناء- اختير فيه متراخيًا النصب, وغير متراخٍ الإتباع إبدالاً عند البصريين, وعطفًا عند الكوفيين.
ولا يشترط في جواز نصبه تعريف المستثنى منه, خلافًا للفراء, ولا في جواز الإبدال عدم الصلاحية للإيجاب, خلافًا لبعض القدماء.]-
ش: غرضه تبيين المواضع التي يشرك فيها بين النصب والبدل, وكان قد ذكر أنه يجوز في المستثنى بإلا النصب مطلقًا, أي: في موجب وغير موجب إذا ذكر المستثنى منه, وإذا حصر المشترك تعين النصب لما سواه.
واحترز بقوله بإلا من المستثنى بغيرها فإن له أحكامًا ستأتي.
وبقوله متصلاً من الاستثناء المنقطع, فالنصب فيه راجح أو واجب.
وبقوله مؤخرًا عن المستثنى منه من أن يكون مقدمًا عليه.
وبقوله المشتمل عليه كذا من الموجب.
وقال المشتمل, ولم يقل: الكائن معه, أو نحوه- تنبيهًا على أنه إذا انتقض النفي أو النهي فلا يكون له حكم, نحو: ما شرب أحد إلا الماء إلا زيدًا, ولا تأكلوا إلا اللحم إلا عمرًا.
وكذا إن انتقض الحال, نحو: ما مررت بأحدٍ إلا قائمًا إلا زيدًا.
فهذا وما أشبه بمنزلة ما لا نفي فيه ولا نهي؛ إذ المعنى: شربوا الماء إلا زيدًا, وأكلوا اللحم إلا زيدًا, ومررت بهم قائمين إلا زيدًا.
ولا يجوز في قائمًا أن يكون صفة لأحد لأن "إلا" لا تعترض بين الصفة والموصوف.
ولا حالاً من التاء؛ لأن معنى ما مررت إلا قائمًا: مررت قائمًا, ولو قلت مررت قائمًا بأحد لم يجز, فكذلك ما في معناه, فثبت أن قائمًا حال من أحد, وزيدًا منصوب؛ لأنه بعد إيجاب, ذكر هذا أبو علي في "التذكرة".
وقوله أو معناه أي: معنى النهي.
ومثل المصنف بقول عائشة رضي الله عنها (نهي عن قتل جنان البيوت إلا الأبتر وذو الطفيتين), فهو محمول على تقدير: لا يقتل جنان البيوت إلا الأبتر, هذكا مثل المصنف هذا المسألة, وخرج هذا الأثر على أن التقدير: لا يقتل جنان البيوت 'لا الأبتر, فالرفع على البدل من
تقدير المرفوع الذي هو معمول لقوله "لا يقتل" الذي هو معنى نهى.
ويمكن أن يكون الرفع من تحريف الرواة؛ لأنه لا وجه له؛ لأن [ما] قبله موجب.
وإن صحت الرواية بالرفع فله تخريج غير الذي ذكره المصنف, وهو أن يرتفع صفة على الموضع؛ لأن "جنان البيوت"- وإن كان مجرورًا- هو مرفوع الموضع بإضافة المصدر المقدر أن ما ينحل إليه مبني للمفعول, والتقدير: نهى عن أن يقتل جنان البيوت إلا الأبتر وذو الطفيتين.
وقوله والمؤول مثاله ﴿ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاَّ اللَّهُ﴾، ﴿ومَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إلاَّ الضَّالُّونَ﴾, فهذا هو استفهام في اللفظ ونفي في المعنى, وأكثر ما يكون ذلك في هل ومن, وقد جاء في أي, ولذلك عطف بعدها ب"ولا", قال:
[4: 39/أ] / فأذهب, فأي فتى في الناس أحرزه عن حتفه ظلم دعج ولا جبل
فلو قيل على هذا: أي الناس ينظر الغني إلا الجاهلون, على الإبدال من ضمير ينظر- لحسن.
ومن النفي المؤول: قل رجل يقول ذلك إلا زيد, وأقل رجلٍ يقول ذلك إلا زيد, إذا أريد بهما النفي, وارتفاع زيد على أنه بدل من الضمير المستكن في يقول في المسألتين؛ لأن المعنى: ما يقول ذلك إلا زيد.
ولا يجوز أن يكون بدلاً من رجل في: رجل يقول ذلك إلا زيد.
وعلل الأستاذ أبو علي ذلك بأمرين:
أحدهما: أن قل لا تعمل إلا في نكرة, ولذلك قيد س قوله: "وقل من يقول ذلك" فقال "إذا جعلت من بمنزلة رجل" يعنى: نكرة.
والثاني: أنها لا تعمل إلا في منفي, فهو بدل من الضمير محمول على المعنى, ولا يجوز في أقل رجلٍ يقول ذلك إلا زيد أن يكون "إلا زيد" بدلاً من "أقل"؛ لأن "أقل رجلٍ" لا يمكن تفريغه لقولك إلا زيد.
وأجازه ابن خروف حملاً في المعنى.
والمنع مذهب السيرافي، وهو الراجح؛ لأن أقل هي كلمة النفي, ولا يجوز الحمل على المعنى في البدل إلا أن بكون المبدل منه يبقى في اللفظ المقدر المحمول عليه؛ وأقل لا يبقى, فالبدل من الضمير.
فإذا أردت بأقل رجلٍ التقليل لا النفي المحض فزعم ابن خروف أنه لا يجوز في إلا زيدًا إلا النصب؛ لأنه موجب المحض.
وأجاز السيرافي فيه البدل؛ لأنه نفي للكثير, فالمعنى: ما يقول ذلك كثير إلا زيد, أي: ما يقوله إلا زيد.
قال بعض شيوخنا: وظاهر كلام س قول السيرافي؛ لأنه لم يفصل في أقل بين أن يكون للنفي المحض أو للتقليل.
ونقول: لا يحتاج فيه إلى التفصيل؛ لأنه قد تقرر أن الموجب لا يكون فيه البدل, فالذي يظهر أن مذهب ابن خروف هو الصواب.
قال المصنف: "ومن التفي المؤول قراءة بعض السلف ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إلاَّ قَلِيلاً﴾؛ لأن قبله ﴿فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾، فبذلك صار فشربوا بمعني: لم يتركوه" انتهى.
وزعم الفراء وتبعه ابن خروف أن ارتفاع (إلا قليل) على الابتداء, والخبر محذوف, التقدير: لكن قليل منهم لم يشربوا منه, ونظيره ما حكة س من قولهم: والله لأفعلن كذا إلا حل ذلك أن أفعل كذا, أي: لكن حل ذلك, وإلا منقطعة, وحل مبتدأ.
وهذا الذي ذهبا إليه ضعيف؛ لأنه لا دليل على الخبر؛ لأن شربوا لا يدل على أن غيرهم لم يشربوا؛ ألا ترى أنه لو جاء هنا بخبر آخر غير لم يشربوا المقدر لأمكن, فيحتمل: إلا قليل اغترفوا غرفة, وبحتمل: إلا قليل لم يشرب.
ولا تدل قراءة النصب على الاستثناء على أن يكون التقدير: إلا قليل منهم لم يشرب.
ولا تدل قراءة النصب على الاستثناء على أن يكون التقدير: إلا قليل منهم لم يشرب؛ لأن لكل قراءة حكمها؛ ألا ترى أن س منع في: أكلت السمكة حتى رأسها, بالرفع على أن يكون مبتدأ محذوف الخبر؛ لاحتمال أن يكون الخبر لا يقدر ب"مأكول" وإن كانت حتى إذا عطفت أو جرت تدل/ [4: 39/ب] على أن ما بعدها داخل فيما قبلها؛ فلا تجعل قراءة الاستثناء دليلاً على تعين الخبر أنه: لم يشربوا, كما لم يجعل تعين الخبر بعد حتى أنه "مأكول" لأنها إذا جرت أو عطفت كان بعدها داخلاً فيما قبلها, وإذا لم يتعين ذلك فلا دليل على الخبر.
وزعم الزمخشري أنه محمول على المعنى, أي: لم يبق إلا قليل منهم, كذا قدره.
واستبعد ابن خروف قول الزمحشري لترك ظاهر اللفظ, وحذف فعل وفاعل, والبدل من شيءٍ مقدر, ولا يكون البدل إلا من ملفوظ به.
وزعم ابن عصفور أن قوله (إلا قليل) صفة للضمير في (فشربوا), وأن الوصف بإلا يخالف جميع الأوصاف, فتكون صفة للضمير, وسيأتي الكلام على ذلك عند تكلم المصنف على الوصف ب"إلا" إن شاء الله.
وقال شيخنا أبو الحسن بن الضائع: "الأولى عندي أن تكون بدلاً من الضمير, حكم لها بحكم غير, وأبدلت كما أبدلت غير, فلو قال فشربوا منه غير قليل منهم لجاز بالرفع على البدل, فكذلك يجوز في إلا.
فإن قيل: فليجز أن تقول: قام إلا زيد, كما تقول: قام غير زيد.
قلت: من شرط إجراء "إلا" مجرى "إلا" مجرى "غير" جواز الاستثناء في ذلك الموضع الذي تجري مجراها فيه؛ ومع ذلك يجوز الاستثناء؛ لأن الاسم المستثنى منه مذكور, فلا يجوز: قام إلا زيد؛ لأنه لا يجوز أن يكون استثناء هنا.
فإن قيل: ليس أصل غير أن تكون بدلاً, فكيف تحمل على غير فيما ليس أصلاً فيها؟
قلت: "غير" صفة استعملت استعمال الأسماء, فحكمها أن يجوز فيها كل ما يجوز في الأسماء, فلم لا تكون "إلا" مثلها مع إبقاء جواز حكم الاستثناء فيها؟ ثم إن البدل يجوز في إلا في الواجب إذا تؤول فيه معنى النفي, فلم لا يجوز هنا على أن يتأول فيها حكم الغير؟ وهذا أقرب في تأويل الشاذ وتوجيهه" انتهى كلامه, وكان قد قدم أن قراءة ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ﴾ شاذة.
قال المصنف في الشرح: "ومن النفي المؤول ما أنشده الأخفش من قول الشاعر:
لدمٍ ضائعٍ, تغيب عنه أقربوه إلا الصدى والجبوب
ومن قول الآخر:
وبالصريمة منهم منزل خلق.. عافٍ تغير إلا النؤى والوتد
لأن تغيب بمعنى: لم يحضر, وتغير بمعنى: لم يبق على حاله" انتهى.
وما ساغ من التأويل في ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ﴾ هو سائغ هنا ومحتمل.
وقوله غير مردود به كلام تضمن الاستثناء مثاله قول القائل: قاموا إلا زيدًا, وأنت تعلم أن الأمر بخلاف ذلك, فتدخل ذلك, فتدخل النفي, وتأتي بالكلام مثل ما كان تعلق به المردود عليه, فتنصب زيدًا, / [4: 40/أ] ولا ترفعه؛ لأنك لم تقصد معنى: ما قام إلا زيد, فتقول: ما قاموا إلا زيدًا.
وكذلك إذا قال: لي عندك مائة إلا درهمين, فأردت جحد ما ادعاه- فإنك تقول: ما لك عندي مائة إلا درهمين, فيكون هذا بمنزلة قولك: ما لك عندي الذي ادعيته.
ولو رفعت الدرهمين لكنت مقرًا بهما جاحدًا الثمانية والتسعين؛ لأن المستثنى المبدل مما قبله في حكم الاستقلال, فكأنك قلت إذا رفعت: ما لك عندي إلا درهمان.
وهذا الشرط الذي هو "غير مردود به كلام تضمن الاستثناء" لم يذكره أصحابنا؛ إلا أن ابن عصفور ذكر عن ابن السراج أنه ذهب إلى أن قولك "ما جاءني القوم إلا زيد" إن قدر أن الأصل: ما جاءني القوم, ثم أتى بعد ذلك بالاستثناء- فالمختار الرفع.
وإن قدر أن الأصل: جاءني القوم إلا زيدًا, ثم دخل حرف النفي- فالنصب؛ لأن حرف النفي لا يغير عمل العامل الذي يدخل عليه.
قال ابن عصفور: وهذا الذي ذهب إليه من دخول حرف النفي في هذا الباب على إيجاب ملفوظ به قبل ذلك ليس من كلام العرب؛ بدليل أن قولك قام القوم إلا زيدًا معناه: قام القوم ولم يقم زيد, وأنت إذا نفيت قام القوم ولم يقم زيد احتمل الكلام ثلاث معان: أحدها ألا يكون واحد من القوم قد قام.
والثاني أن يكون جميعهم قد قاموا.
والثالث أن يكون بعضهم قد قام وبعضهم لم يقم.
فلو كان النفي من قولك ما قام القوم إلا زيدًا داخلاً على الإيجاب كان الكلام محتملاً لهذه المعاني الثلاثة, وليس كذلك, بل لا يستعملون هذا الكلام إلا إذا أرادوا أن يجيزوا أن زيدًا قام من القوم ولم يقم غيره.
وقوله اختير فيه متراخيًا النصب مثاله: ما ثبت أحد في الحرب ثباتًا نفع الناس إلا زيدًا, ولا تنزل على أحد من بني تميم إن وافيتهم إلا قيسًا؛ لأنه قد ضعف التشاكل بالبدل لطول الفصل بين البدل والمبدل منه, وهذا أيضًا لم يذكره المصنف.
قال المنصف: "والأصل في هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يختلي خلاها, ولا يعضد شوكها).
فقال العباس: يا رسول الله, إلا الإذخر.
فقال: (إلا الإذخر).
وقد
يكون من هذا: (ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة).
وعلل قوم هذا النوع بعروض الاستثناء, قال ابن السراج: فإن لم تقدر البدل, وجعلت قولك: ما قام أحد, كلامًا تامًا لا تنوى فيه الإبدال من أحد, ثم استثنيت- نصبت, فقلت: ما قام أحد إلا زيدًا, فعلى هذا يكون للزوم النصب بعد النفي سببان: التراخي, وعروض الاستثناء" انتهى.
وقول المصنف "فعلى هذا يكون للزوم النصب بعد النفي سببان) ليس بجيد لفظه ل"لزوم"؛ لأنه قال في الفص: "اختير النصير", فليس بلازم.
وقوله وغير متراخ الإتباع مثاله: / [4: 40/ب] ما قام القوم إلا زيد, وما ضربت أحدًا إلا زيدًا، وما مررت بأحد إلا زيد.
ونذكر تقسيم أصحابنا في المستثنى بالنسبة إلى الموجب وغير الموجب إذا ذكر المستثنى منه وكان المستثنى متصلاً مؤخرًا؛ فنقول:
الموجب: ما ليس بمنفي في المعنى, وسواء أكان في اللفظ منفيًا أم لم يكن, فقام القوم إلا زيدًا, واضرب القوم إلا زيدًا, وإن قام القوم إلا زيدًا, وإن قام القوم إلا زيدًا قمت, وما أكل أحد إلا الخبز إلا زيدًا, وما جاء القوم إلا ركبانًا إلا زيدًا, وأمثال هذه- كل هذا موجب, وكل هذا نصب.
وحكي الأخفش عن بعض العرب أنهم جعلوا الاستثناء من المخفوض مخفوضًا, فتقول: مررت بالقوم إلا بزبد.
قال: "وهذا ضعيف؛ لأن الباء معدية, وغلا معدية, ولا يجمع بين معديين" انتهى.
وينبغي أن تجعل الباء زائدة؛ لأن الجمع
بين أداتي تعدية ليست إحداهما في معنى الأخرى لا يجوز؛ فإن كانت في معناها فربما جاء ذلك في الشعر, نخو قوله:
فأصبحن لا يسألنني عن ما به............
وغير الموجب: ما هو منفي في المعنى, وسواء أكان في اللفظ منفيًا أم لم يكن, فما قام إلا زيد, ولا تضرب القوم إلا زيدًا, وهل قام أحد إلا زيد, وقل رجل يقول ذلك إلا زيد- كل هذا غير موجب, وحكمه اختيار الإتباع على ما يبين.
فأما إذا دخل حرف النفي على المبتدأ, أو على نواسخه, أو كانت أداة النفي هي الناسخة- فسنذكره عند تعرض المصنف لذلك.
مسألة مثل السابقة: قال أبو علي: وتقول: ما أكل أحد إلا الخبز إلا زيدًا.
قال ابن هشام: هذا فصل عظيم المنفعة في هذا الباب, وذلك أنه قد تقدم أن المخرج في هذا الباب من المنفي موجب, ومن الموجب منفي, والاستفهام الذي بمعنى النفي كالنفي, والاستفهام الحقيقي إعرابه كالنفي, يفرغ لما بعد إلا العامل, ولا يفرغ, فإذا كان اللفظ نفيًا والمعنى إيجابًا, أو كان الأمر بالعكس, أو التفت هذا المعنى أم اللفظ- فالملتفت في هذا المعنى دون اللفظ, ولذلك لا يجوز في هذه المسألة إلا النصب وإن صدرت بالمنفي؛ لأنك إنما تستثنى زيدًا ممن أوجبت لهم أكل الخبز, وأخرجت زيدًا عنهم فيما أوجبته لهم, وصار المعنى: كلهم أكلوا الخبز إلا زيدًا, فإنه يأكل الخبز, أو أكله وغيره من الأطعمة, أو لم يأكل شيئًا أصلاً؛ إذ المعنى خروجه من حكم الأول, وعلى كل واحد من هذه المعاني يخرج من حكم الأول, فهذا ما تقتضيه جميعه "ما" و"إلا" من الحصر.
ومثل هذا: ما مررت بأحد إلا قائمًا إلا زيدًا, أوجبت لكل واحد منهم حالة القيام, ونفيت عنهم كل ما يتاقضه, وأخرجت زيدًا منهم فيما أوجبت لهم من القيام, فلم يجز فيه إلا النصب.
ومثل ذلك: ما أتاني بنو محمد إلا بنو جعفر إلا خالدًا, فنفيت عن بني محمد الإتيان سوى بني جعفر, ثم أخرجت خالدًا- وهو/ [4: 41/أ] منهم- مما أدخلتهم فيه من الإتيان, فلم يكن فيه إلا النصب لا غير.
وعكس هذه المسألة: أتاني بنو محمد إلا بني جعفر إلا خالد, ترفعه, تحمله على المعنى؛ لأنك حين استثنيت من إيجاب نصبت كما قدمنا, فبنو جعفر قد نفيت عنهم الإتيان, فكأنك قلت: ما أتاني بنو جعفر, ثم استثنيت منهم خالدًا, فأدخلته فيما نفيت, فصار موجبًا له عن نفي, فرفعه على المعنى.
فإن قلت: قد رفعت, ولا ترفع هنا بعد "إلا" ما ترفعه قبلها, أو كان بدلاً من مرفوع.
قلنا: هذه القسمة غير حاصرة, العرب تبدل في هذا الباب على التوهم, كأنك قلت: ما أتاني بنو جعفر, فلذلك قلت: إلا خالد, لاسيما البدل, فإنك تحمله على عامل آخر, فالتقدير: ما أتاني من بني عمك إلا خالد.
ومن هذا الباب: أقل رجل يقول ذلك إلا زيد, فأفل موجب في اللفظ منفي في المعنى, فكأنك قلت: ما أحد يقول ذلك إلا زيد, فأقل: مبتدأ, وزيد: بدل منه على توهم: ما أحد يقول ذلك.
ثم تقول العرب: قل رجل يقول ذلك إلا زيد, قال س: "فليس زيد بدلاً من الرجل في قل, ولكن قل رجل في موضع: أقل رجل, ومعناه كمعناه, وأقل
رجل: مبتدأ مبني عليه, والمستثنى بدل منه".
يريد أن قل رجل لما كان في معنى أقل رجل حملت ما استثنى فيه على ما استثنى فيما هو في معناه؛ فيزيد هنا بدل من متوهم لا ملفوظ به حملاً على المعنى كما قدمنا.
ومثل هذا: ما جئتني فأكرمك, نصبوه بأن, وعطفوه على متوهم من المعنى, لأن ما جئتني [بمنزلة]: لم يكن منك مجيء, ف"أن أكرمك" بمنزلة: فإكرام.
انتهى.
وتقدم الكلام في أقل رجل يقول ذلك, وقل رجل يقول ذلك.
ومن هذا الفصل ما حكي الخليل وس عن العرب من قولهم: ما علمت أحدًا يقول ذلك إلا زيد, ترفع زيدًا بدلاً من الضمير في يقول من حيث كان منفيًا في المعنى وإن لم يدخل على فعله حرف النفي.
ومن هذا الفصل قولهم: أبيت إلا الخروج, فسلطوا الفعل على ما بعد إلا في الإنجاب لأنه في معنى النفي, كأنه قال: ما أردت إلا الخروج, وقال تعالى ﴿ويَابَى اللَّهُ إلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ﴾.
ويقولون: أعطيته إلا ثيابي, أي: لم أمنحه.
ويأتي هذا في كلامهم, ومنه عندي قول ابن اللبانة:
أنكرت إلا التواءات القيود به وكيف تنكر في الروضات حيات
كأنه قال: لم أعرف, فلعله سمع هذا من كلامهم, وإن كان قاسه فقياس صحيح على ما تمهد مما أعطى أبو علي أصله وإن لم يمد فروعه.
وقوله إبدالاً عند البصريين, وعطفًا عند الكوفيين مذهب س والبصريين أن تبعية المستثنى للمستثنى منه في مثل هذه المسألة هي على طريقة البدل, وهو بدل بعض من كل؛ لأنه على/ [4: 41/ب] تكرار العامل, فيتقدر ما قام القوم إلا زيد: ما قام إلا زيد, ولما كان معنى النصب على الاستثناء والتبعية على البدل واحدًا كان البدل أولى لما فيه من مشاكله الإعراب.
ويدل على اختيار الرفع قراءة السبعة ﴿ولَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إلاَّ أَنفُسُهُمْ﴾ بالرفع, وقراءة أكثرهم ﴿مَّا فَعَلُوهُ إلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾, وقال أبو عمرة: الرفع في لغة العرب الوجه.
وذهب الكسائي والفراء: إلى أنه تابع على العطفية لا على البدلية.
وقد رد أحمد بن يحي ثعلب البدل؛ لأن البدل يكون على وفق المبدل منه في المعنى, وهذا مخالف؛ لأن الأول منفي عنه القيام, والثاني مثبت له القيام, والعطف توجد فيه المخالفة, نحو: ما قام بل عمرو, وما قام جعفر لكن خالد, ف"إلا" إذ ذاك حرف عطف.
قال شيخنا الأستاذ أبو الحسن الأبذي: "وهذا فاسد؛ لأن الذي يعني بالبدل هنا إنما هو بدل البعض من الكل, وبدل البعض من الكل الثاني فيه مخالف للأول في المعنى؛ ألا ترى إذا قلت رأيت القوم بعضهم فتكون رأيت القوم أولاً مجازًا, ثم تبينت بعد ذلك من رأيت منهم, وهو البعض, وإنما يشترط في البدل أن بكون شريك الأول في العامل خاصة, وأنت إذا قلت ما قام القوم إلا زيد كان زيد شريك القوم في العامل, والتقدير: ما قام إلا زيد" انتهى.
وقد وجدنا من البدل ما يكون فيه الثاني مخالفًا للأول, نحو: مررت برجل لا زيد ولا عمرو, فهذا بدل, وليس بعطف؛ لأن من شرط "لا" العاطفة أن تكون مؤكدة, ولو جاز هنا أن تكون عاطفة لجاز: مررت برجل لا زيد, كما تقول: مررت بزيد بلا عمرو, فلزوم تكريرها دليل على أنها ليست بعاطفة.
وكما جاز في النعت المخالفة إثباتًا ونفيًا, نحو: مررت برجل لا كريم ولا شجاع, كذلك جاز في البدل.
فإن قلت: إذا كان بدل بعض من كل فلابد فيه من ضمير يعود على المبدل منه؛ حذف فذلك قليل, وهذا البدل لم نجد العرب تصرح [معه] بالضمير إلا قليلاً, كقوله ﴿مَّا فَعَلُوهُ إلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾، ﴿ولَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إلاَّ أَنفُسُهُمْ﴾.
فالجواب: أنه أغنى عن الضمير في أكثر الكلام قوة تشبث المستثنى بالمستثنى منه بالأداة؛ لأنه إذا قيل ما قام القوم إلا زيد علم أن زيدًا من القوم, وأنه أوجب له ما نفي عنهم, ولقوة الاتصال بإلا جاز: ما قام زيد إلا قعد عمرو, فأغنت "إلا" عن الواو وقد, وإن كان الأصل: إلا وقد قعد عمرو.
وقال ابن عصفور: "إلا مع الاسم المقرون بها بمنزلة غير لو أضيف لإلى ذلك الاسم؛ ألا ترى أنك لو قلت ما جاءني القوم إلا امرأة كان معناه ومعنى قولك ما جاءني القوم غير امرأة واحدًا, فكما أن (غير امرأة) بدل من القوم إذ لا يمكن أن يكون معطوفًا عليهم عطف نسق؛ إذ ليس في الكلام حرف عطف, ولا نعتًا له ولا [4: 42/أ] عطف بيان؛ لأنه نكرة, والقوم معرفة- فكذلك (إلا امرأة)؛ لأنه في /معناه" انتهى.
وقد رد مذهب العطف بوجهين:
أحدهما: أنه لو كانت إلا عاطفة لم تباشر العامل في نحو: ما قام إلا زيد, وحروف العطف لا تلي العوامل.
والثاني: أنها لو كانت عاطفة لعطفت في الإيجاب كما عطفت في النفي.
وهذا لا يلزم؛ لأن لبعض الحروف خصوصيات في العطف, فهذه "لا" يعطف بها في الإيجاب, ولا يعطف بها في النفي, وهذه لكن, يعطف بها في النفي, ولا يعطف بها في الإيجاب.
وقوله ولا يشترط في جواز نصبه تعريف المستثنى منه, خلافًا للفراء ومذهب الفراء مردود بالسماع والقياس:
أما السماع فهو ما روى س عن يونس وعيسى جميعًا أن بعض العرب الموثوق بعربيتهم يقول: ما مررت بأحد إلا زيدًا, بالنصب بعد النكرة, ويرجح أن يكون من هذا قراءة من قرأ ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إلاَّ امْرَأَتَكَ﴾ في قراءة من نصب لتتفق القراءتان في الاستثناء من شيء واحد, ولأنه قيل: أخرجها معهم, وأمر ألا يلتفت منهم أحد إلا هي, فلما سمعت هدة العذاب التفتت, وقالت: يا قوماه.
فأدركها حجر فقتلها.
ويحتمل أن تكون قراءة النصب استثناء من ﴿بِأَهْلِكَ﴾, فيكون من معرفة, فلا يكون في ذلك حجة على الفراء.
قال المصنف في الشرح: "ويمكن في قراءة ابن كثير وأبي عمرو أن تجعل ﴿امْرَأَتَكَ﴾ مبتدأ, و ﴿إنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾ خبره, والاستثناء منقطع" انتهى.
وأما القياس فالنصب هو الأصل, والإتباع داخل عليه, وقد رجح عليه لطلب المشاكلة, فلو جعل تقدير ترجيحه عليه مانعًا منه لكان ذلك إجحافًا بالأصل, فضعف بهذا الاعتبار.
وقوله ولا في جواز الإبدال إلى آخر المسألة حكي س عمن لم يسم أن المنفي إذا جاز في لفظه الإيجاب لم يجز فيه إلا النصب على الاستثناء, ولا يجوز البدل, نحو: ما أتاني القوم إلا أباك؛ لأنه بمنزلة: أتاني القوم إلا أباك.
واستدلوا على ذلك بأن الأصل قبل الحرف النافي النصب؛ فإذا دخل حرف النفي لم يتغير الإعراب عما كان عليه, وإنما يجوز ذلك عندهم فيما لا يصلح للإيجاب, نحو: ما جاء أحد إلا زيد.
وما ذهبوا إليه مردود بالسماع والقياس:
أما السماع فقوله تعالى ﴿مَّا فَعَلُوهُ إلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ في قراءة الجمهور, وحكي يونس عن أبي عمرو أن الوجه في اللغة: ما قام القوم إلا عبد الله, بالرفع, و (فعلوه) و"قام القوم" يقع في الإيجاب.
وأما القياس للنفي أحكام لا تكون في الوجوب, منها: حذف المستثنى منه وتفريغ العامل للمستثنى, قال س: " ولو كان حكم الواجب ما جاز: ما أتاني أحد" انتهى.
ومسوغ جواز البدل فيما أجمع عليه صلاحيته للتفريغ, وهذا موجود في: ما أتاني القوم إلا زيد, كما هو موجود في: ما أتاني أحد إلا زيد, فوجب تساويهما في الحكم بجواز البدل, كما تساويا في تضمن المسوغ, وهو صلاحية التفريغ.
وزعم/ [4: 42/ب] بعض النحويين أن البدل يختص بما يكون ما بعد إلا مستثنى مما يكون فيه المستثنى منه مفردًا؛ نحو رجل وامرأة.
وقد رد بقوله تعالى ﴿ولَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إلاَّ أَنفُسُهُمْ﴾, فشهداء ليس مفردًا, بل هو جمع, وقد أبدل منه.
-[ص: وإتباع المتوسط بين المستثنى منه وصفته أولى من النصب, خلافًا للمازني في العكس.
ولا يتبع المجرور ب"من" و"الباء" الزائدتين ولا اسم "لا" الجنسية إلا باعتبار المحل، وأجاز بنو تميم إتباع المنقطع المتأخر إن صح إغناؤه عن المستثنى منه, وليس من تغليب العاقل على غيره فيخص ب"أحد" وشبهه, خلافًا للمازني.]-
ش: مثال ذلك: ما جاءني أحد إلا زيدًا خير منك, وما قام القوم إلا زيدًا العقلاء, وما بالبادية غنم إلا غنمك خير من غنمي, وما مررت بأحد إلا زيد خير منك, في زيد الإتباع بدلاً, والنصب على الاستثناء, كحاله لو تأخر عن الصفة, وكما كان المختار البدل حال التأخر كذلك هو المختار حال التقدم على الصفة, هذا ظاهر مذهب س, وهو اختيار المبرد أيضًا.
واختلف النقل عن المازني, فالمشهور عنه أنه يجوز الوجهين, ويختار النصب على الاستثناء.
ونقل ابن عصفور عنه في تصانيفه أنه لا يجيز فيه المازني إلا النصب على الاستثناء؛ وأن يونس وغيره أجازوا البدل.
ونقل عنه في بعض تصانيفه أيضًا أنه يختار النصب, ولا يوجبه, واختلف اختياره: فمرة اختار البدل, ومرة اختار النصب على الاستثناء.
فحجة من احتار النصب أن المبدل منه منوي به الطرح, فلا ينبغي أن يوصف بعد ذلك, بل إذا أردت الوصف نصبته على الاستثناء؛ لأن المستثنى منه إذ ذاك لا يكون منويًا به الطرح, وإذا لم يكن منويًا به الطرح ساغ وصفه.
وأيضًا فإن البدل على نية تكرار العامل, فإذا أبدلت كنت قد فصلت بين النعت والمنعوت بجملة, وإذا نصبت على الاستثناء كنت قد فصلت بينهما بمفرد معمول لما تقدم, فسهل الفصل به.
وأيضًا فإن حكم البدل إذا اجتمع مع الصفة أن تكون الصفة مقدمة على البدل.
وحجة من اختار الرفع أن الصفة فضلة, ولا اعتداد بالتقدم عليها, ولأن المستثنى في نحو ما جاء أحد إلا زيد إنما رجح إتباعه على نصبه لأنه إذا أتبع شاكل ما قبله وما بعده؛ فكان إتباعه متوسطًا أولى من إتباعه غير متوسط.
قال المبرد: "والقياس عندي قول س؛ لأن الكلام إنما يراد لمعناه, والمعنى الصحيح أن البدل والمبدل منه موجودان معًا, لم يوضعا على أن يسقط أحدهما إلا في بدل الغلط, فإن المبدل منه بمنزلة ما ليس في الكلام".
والبدل- وإن كان في تقدير جملة أخرى- إنما أتى به ليبين المبدل منه, كما أن النعت كذلك والموصوف لما فيها من / [4: 43/أ] تسديد الكلام وإن لم يكن لها موضع من الإعراب- فالأحرى أن يحسن بين المنعوت والنعت بالبدل؛ لأنه مفرد في اللفظ, وتابع لما قبله, ومبين له كالنعت, فالفصل به أيضًا بين المنعوت والنعت أسهل من الفصل بالاستثناء بينهما؛ لأن الاستثناء لا يشبه النعت.
وقال ابن عصفور: "النصب أضعف من البدل؛ لأن فيه الفصل بينهما بالاستثناء".
قال: "ولا يجوز الفصل بين الصفة والموصوف إلا في الشعر, كقوله:
أمرت من الكتان خيطًا, وأرسلت رسولاً, إلى أخرى, جريا, تعينها"
ولولا السماع ما أجزنا: ما لي أحد إلا أباك صديق, وكان ينبغي ألا يجوز؛ ألا ترى أنه لا يجوز: ضرب زيد عمرًا العاقل.
وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع: "إذا كان الفصل والموصوف بما هو من تمام الموصوف لم يكن ضعيفًا, والاستثناء من تمام المستثنى منه؛ لأنه بيان له, بل إن قيل إنه اتصالاً من البدل كان؛ ألا ترى أن أسماء العدد مع المستثنى قد صار لها دلالة أخرى خلاف ما وضعت له, فإن اسم العدد نص في معدودة, لا يجوز أن تقول: (عندي عشرة) وعندك تسعة, ومع المستثنى تصير العشرة اسمًا للتسعة إذا قلت: عندي عشرة إلا واحدًا, فقياس ابن عصفور الفصل بالاستثناء على ما ذكر فاسد.
والصحيح في المسألة أن النصب في المستثنى المتقدم على صفة المستثنى منه أجود من النصب [فيه] متأخرًا ".
وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن الأبذي: "من لحظ أن الصفة هي في المعنى الموصوف, فإذا تقدم الاستثناء عليها فكأنه تقدم على الموصوف- نصب.
ومن لحظ أن المستثنى منه قد تقدم على المستثنى أحاز البدل كما أجازه في مثل قولك: ما قام القوم إلا زيد, والوجهان متكافئان" انتهى.
ومن أمثلة هذه المسألة: ما لي أحد زيد صديق, ومن لي إلا زيد صديق, ف"إلا زيد" بدل مِن مَن, ومًن: مبتدأ, خبره: لي.
ومثل س هذا بنصب صديق حالاً مِن مَن, فقال: من لي إلا أبوك صديقًا.
وزعم المبرد أن "إلا أبوك" خبر ل"من" كقولك: ما لي إلا أبوك, وأدخلت إلا على الخبر لأن الكلام في معنى النفي، فإذا أنكر أن يكون له أحد غير الأب صديقًا فكأنه قال: ما لي إلا أبوك, وصديقًا: حال متعلق به.
وغره قول س: "لأنك أخليت من للأب", فتوهم أنه خبر له.
ومقصود س أن يكون "من لي" مستقلاً, "ولي" هو الخبر, وكأنه قال: أي إنسان كائن لي, ففي "لي" ضمير مرفوع, ومنه استثني, وصديقًا: حال منه, والحال صفة في المعنى, فقد تقدم المستثنى على الصفة, وبهذا دخل في باب تقديم المستثنى على الصفة.
والصحيح أنه بدل؛ لأنه يبقى مجرور لا عامل له؛ لأن من لا تعمل, وكذلك الأب, وقد فصل بين صديقًا وبين ما يعمل فيه بخبر المبتدأ فهو لحن, وس في مسألة تقديم المستثنى على/ [4: 43/ ب] الصفة بدأ بالبدل, ثم حكي النصب عن بعض العرب, ومن ذلك قول الشاعر:
وإني لعبد الضيف ما دام نازلا وما شيمة لي غيرها تشبه العبدا
وفي شرح أبي الفضل الصفار: "س فصل بتابع, فهو بمنزلة الصفة, ولا يجوز: ضرب زيد عمرًا العاقل, ولولا السماع ما أجزنا: ما لي أحد إلا أباك صديق؛ ألا ترى قوله: (وقال بعضهم: ما مررت بأحد إلا زيدًا خير منه), فهو قد حكاه عن بعض العرب".
وقوله ولا يتبع إلى قوله إلا باعتبار المحل هذه مسائل ثلاث, مثالها: ما في الدار من أحد إلا زيد, ليس زيد بشيء إلا شيئًا لا يعبأ به, لا إله إلا الله.
رفعت المبدل من "أحد" لأن أحدًا في موضع رفع بالابتداء, ولم تحمله على اللفظ فتجره لأن معرفة موجب, و"من" الزائدة لا تجر إلا منكرًا غير موجب.
ونصبت المبدل من "بشيء" لأنه في موضع نصب إبليس, ولم تحمله على اللفظ فتجره لأنه خبر موجب, ولا عمل للباء الزائدة في خبر موجب.
ورفعت المبدل من اسم "لا" لأنه في موضع رفع بالابتداء, ولم تحمله على اللفظ فتنصبه لأنه معرفة موجب, و"لا" إنما تعمل في منكر منفي.
وهذا ظاهر قول س وأبي علي, ومقتضاه أنه يجوز في النكرة.
وقد قال بعض النحويين إنه لا يجوز إجماعًا.
وقال ابن هشام: "فإن قيل: إذا كان هذا الاسم نكرة, نحو: لا رجل في الدار إلا رجلاً من بني تميم أو إلا تميميًا- قلنا: قد كان يجوز لولا أمر آخر يمنع من جوازه, وهو أن "لا" لا تعمل في الواجب, بمنزلة من, فلذلك لا يجوز حمل البدل بعد إلا على اللفظ هنا في معرفة ولا نكرة.
وهذا الموضع مما استفدته بنظري ومباحثتي, ولم أستفده بتعليم ولا من كتب القوم" انتهى.
ومن الإتباع على محل الباء الزائدة قوله:
يا بني لبيتى, لستما بيد إلا يدًا, ليست لها عضد
والعطف والبدل من باب واحد, فكما تقول: ما أتاني من أحد لا عبد الله ولا زيد, ولا أحد فيها لا زيد ولا عمرو, فتحمل على الموضع لا على اللفظ- فكذلك تفعل في البدل.
وقال الأستاذ أبو علي: "إن قلت كيف يكون عبد الله في قوله لا أحد فيها إلا عبد الله بدلاً من أحد, وأنت لا يمكنك أن تحله محله؟
فالجواب: أن هذا إنما هو على توهم: ما فيها من أحد إلا عبد الله؛ إذ المعنى واحد, وبلا شك أن هذا يمكنك فيه الإحلال, والتقدير: ما فيها إلا عبد الله".
قال ابن عصفور: "وهذا الإشكال الذي ذكره لا يتقدر في المسألة, وإذا لم يتقدر لم يحتج إلى الانفصال عنه؛ من جهة أنه لا يلزم أن يحل - إلا عبد الله) محل (أحد) الواقع بعد "لا"؛ لأن البدل إنما يلزم أن يكون على نية تكرار العامل, وقد حصل ذلك في هذه المسألة وأمثالها؛ ألا ترى أن (عبد الله) بدل من موضع (لا أحد) [4: 44/أ]، / فيلزم أن بكون العامل فيه الابتداء, كما أن العامل في موضع (لا أحد) الابتداء, وبلا شك أنك إذا أبدلته منه كان مبتدأ في التقدير, وخبره محذوف, وكذلك حرف النفي, لدلالة ما قبله عليه, والتقدير: لا أحد فيها لا فيها إلا عبد الله, ثم حذف, واختصر" انتهى.
وهذا الذي ذكره المصنف في مسألة "ما الدار من أحد إلا زيد" هو على مذهب جمهور أهل البصرة؛ وكذلك مذهب الكوفيين في هذه المسألة لأنهم لا يجيزون دخول من الزائدة على معرفة, فلو كان نكرة جاز عندهم الحمل على اللفظ, نحو: ما أتاني من أحد إلا غلام.
وفي البسيط: ذكر الفراء أن الكسائي يجوز هذا بالجر, فيقول: ما جاءني من أحد إلا رجلٍ, وما من إله إلا إله واحد.
قال: وليس ذلك بشيء.
وأما الأخفش فيجيز دخولها على النكرة والمعرفة في الواجب وغيره, فيجوز عنده حمل زيد على اللفظ.
فإن كان الحمل على اللفظ وعلى الموضع لأي يتعذر جاز فيه الوجهان, والاختيار الحمل على اللفظ لما فيه من المشاكلة في لفظ الإعراب, مثاله: ما خشنت بصدر رجل إلا صدر زيد, بخفض صدر على اللفظ, ونصبه على الموضع؛ لأن موضع صدر المتقدم نصب؛ ألا ترى أنه يجوز أن تقول: ما خشنت صدر رجل.
ويجوز النصب على أصل الاستثناء, فتقول: لا رجل في الدار إلا زيدًا, وما جاءني من أحد إلا زيدًا, ومنه قوله:
مهامهًا وخروقًا, لا أنيس بها إلا الضوابح والأصدقاء والبوما
ويجوز جر الاسم فيما كان قبله مجرور, على أن تكون "إلا" وما بعدها صفة لذلك المجرور, وأنشدوا بيت النابغة بالخفض:
إلا الأوراي لأيا ما أبينها والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد
على الصفة ل"من أحد" من قوله:
............ عيت جوابًا, وما بالربع من أحد
وأنشد الفراء والكسائي:
أبني لبينى, لستما بيد إلا يد, ليست لها عضد
وأجاز هذا الفراء, ولم يجز مثل بيت النابغة.
قال: "ورأيت الكسائي يخفضه, وأنزل إلا بعد الجحد بمنزلة غير, وحمله على (إلا يد), وليس مثله؛ لأن الباء تدخل في الجحد في المعرفة".
وقال بعض أصحابنا: ولا دليل فيه, ولا فرق بين المسألتين, والباء- وإن دخلت على المعارف- لا تدخل في الإيجاب, فهي لا يصح تقديرها داخلة على ما بعد إلا, وإذا كانت إلا لا تدخل بعدها الباء ولا من فقد استويا من هذا الوجه, وهو المطلوب هنا في الإثبات والنفي, وقد ذكرنا أن ذلك يجوز على الصفة, وإنما امتنع ذلك على تقدير البدل.
وقوله أجاز ينو تميم إتباع المنقطع المتأخر إن صح إغناؤه عن/ [4: 44/ب] المستثنى منه مثال ذلك: ما في الدار أحد إلا وتد, فبنو تميم يجعلون المنقطع المؤخر من المستثنيات في غير الإيجاب كالمتصل, والحجازيون ينصبونه وجوبًا.
واحترز بقوله "المتأخر" من أن يكون متقدمًا, نحو: ما في الدار إلا حمارًا أحد, فإنه لا يجوز فيه على مذهب البصريين إلا النصب, وسيأتي ذكر تقديم المستثنى على المستثنى منه فقط, إن شاء الله.
واحترز بقوله" إن صح غناؤه عن المستثنى منه" من كونه لا يصح ذلك فيه, وهو كل استثناء منقطع لا يجوز فيه تفريغ ما قبل إلا للاسم الواقع بعدها, من ذلك قولهم: ما زاد إلا ما نقص, وما نفع إلا ما ضر, ففي زاد ونفع ضميران فاعلان, فالمعنى: لكنه نقص, ولكنه ضر, وما مصدرية, كأنه قال: ما زاد إلا النقص, وما نفع إلا الضر, قال س: "ف (ما) مع الفعل اسم" يعني: هي مصدرية, ولذلك شبهه بقولهم: ما أحسن ما كلم زيدًا! أي: ما أحسن كلامه زيدًا! فلو فرغت
العامل على النقص والضر لم يصح.
فهذا النوع لا يجوز فيه عند جميع العرب إلا النصب.
وزعم السيرافي أن المصدر المقدر مبتدأ, خبره محذوف, أي: لكن النقصان أمره, فكأنه قال: ما زاد النهر لكن النقصان أمره, وما نفع زيد لكن الضرر شأنه, ونقله عن مبرمان.
ولو كان على ما ذهب إليه السيرافي لجاز عند أهل الحجاز: ما فيها أحد إلا حمار, على أن يكون مبتدأ, خبره محذوف.
وزعم الأستاذ أبو علي أن المصدر هنا مفعول به حقيقة ل"زاد" والتقدير: ما زاد شيئًا إ النقصان, ثم فرغه له, كـ"ما ضرب إلا زيدًا" وجعله متصلاً, وكان الذي قام مقام الزيادة النقصان, ومقام النفع الضرر.
ورد هذا بأن الضرر لا نسبة بينه وبين النفع.
وجعل ابن طراوة ما زائدة, وخطأ س في جعل ما مصدرية؛ لأنه يكون المعنى: ما زاد إلا النقص, وما نفع إلا الضرر, وهذا خلف؛ لأن الضرر لم ينفع, والنقص لم يزد.
ورد على ابن الطرواة بأن س لم يرد الاتصال, وهو جعله متصلاً, وإنما أراد س: ما نفع, لكن الضرر حصل أو وقع, فلم يجعل الضرر مفرغًا له العامل كما توهمه ابن الطرواة عليه, وإنما قال بزيادتها لأنه لم يفهم عن س إلا أن الفعل مفرغ.
ووجه زيادتها بأن قال: فرقوا بين فعل الذي يكون حالاً, فلا تزاد فيه ما, وما ل يكون حالاً, فزادوا فيه ما.
وهذا الذي قال لم يثبت نظيره, وفيه دعوى الزيادة من غير داعية إلى ذلك.
ومن هذا النوع عند المصنف قوله تعالى ﴿لا عَاصِمَ اليَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إلاَّ مَن رَّحِمَ﴾، ف"من" في موضع نصب عنده؛ لأنك لو حذفت المستثنى منه- وهو عاصم- واستغنيت بالمستثنى عنه -/ [4: 45/أ] لم يصح.
ومنه عنده قول الشاعر:
ألا لا مجير اليوم مما قضت به صوارمنا إلا امرأ كان مذعنا
ومن هذا النوع عند ابن عصفور قوله تعالى ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا المَوْتَ إلاَّ المَوْتَةَ الأُولَى﴾، فـ (الموتة الأولى) منصوبة على الاستثناء.
ولا يجوز أن يجعل مع إلا بدلاً من الموت؛ لأنه لا يستقيم ذلك لفساد المعنى.
وفي قوله وأجاز بنو تميم دلالة على أنه لا يتحتم عندهم البدل, بل الأفصح عندهم النصب, وأما البدل فهو ضعيف؛ لأن لا يتصور إلا على ضربين من التأويل:
أحدهما: أن يكون مجازًا, وتنزيل ما ليس من الجنس منزلة ما هو من الجنس, فإذا قلت: ما في الدار أحد إلا حمار, جعلت الحمار في الدار قائمًا مقام الأناسي, على حد قولهم: عتابك السيف, وقول أبي ذؤيب:
فإن تمس في قبر برهوة ثاويا أنيسك أصداء القبور تصيح
ويكون البدل في هذا الوجه من قبيل بدل بعض من كل.
والثاني: أن يكون الاسم الذي قبل إلا ذكر توكيدًا, فمراده: ما في الدار إلا حمار, وذكر أحد توكيدًا ليعلم أنه ليس بها آدمي.
والبدل على هذا من قبيل بدل الإضراب, بمنزلة قوله: ما أعانه إخوانه إلا إخوانكم.
وهذان الضربان عامان في كل ما أبدل من الأول وليس بعضه.
وزعم بعض النحويين أن البدل في الاستثناء المنقطع قد يجوز على وجه آخر؛ وهو ألا ترد نفي الأول خاصة, بل نفيه ونفي ما يلابسه؛ لأن الدار إذا علم أنه ليس بها أحد فليس بها ما يلابس الأحدين, كالأوراي وغيرها مما يلابسهم, فجاز لذلك إبدال "الأواري" في قوله:
........ وما بالربع من أحد إلا الأواري لأيا ما أبينها..........
من "أحد" لعمومه في المعنى, على الطريق بدل بعض من كل؛ لأن أحدًا إذ ذلك بمنزلة الخاص الموضوع موضع العام.
وهذا المذهب لا يصح؛ لأنه لا يطرد في هذا الباب؛ إذا قد يكون ما بعد إلا ليس بعض الأول ولا ملابسًا له, نحو قوله:
وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير, وإلا العيس
فاليعافير ليس بعض الأنيس ولا ملابسًا له.
وزعم بعض المتأخرين- ونقل ابن الضائع أنه الأستاذ أبو علي- أن البدل يتصور على تقدير حذف العطف والمعطوف، والتقدير: ما في الدار ولا غيره إلا الأوراي, والعرب قد تحذف المعطوف لفهم المعنى.
قال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: "وهذا غير سائغ عندي لأمرين:
أحدهما: أن حذف المبدل منه وإبقاء البدل لم يثبت من كلام العرب.
والآخر: أنه لا يمكن/ [4: 45/ب] أن يكون التقدير: ولا غيره إلا الأواري, لفساد المعنى؛ لأنه لم يرد نفي غير الأحدين عنها؛ إذ معلوم أنه قد يكون بها نبات وشجر ووحش وغير ذلك مما هو غير الأحدين" انتهى.
والوجه الأول قد تنازع فيه, فقد أجازوا: الذي ضربت زيدًا أخوك, استغنت الصلة بالبدل عن لفظ المبدل منه وسيأتي الكلام على هذه المسألة إن شاء الله في باب البدل حيث تعرض لها المصنف.
وتقدير" ولا غيره" يخرج أن يكون ما بعد إلا من الاستثناء المنقطع, لأن قوله (الأواري) مندرج تحت عموم تقديره: ولا غيره, فهو تقدير يحيل الاستثناء المنقطع, فلا يجوز.
وذكر المصنف أن بني يقرؤون ﴿مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ بالرفع, إلا من لقن النصب وهذا مخالف لما حكيناه عنهم من أن الأفصح عندهم النصب, قال: "وعلى لغتهم:
وبلدة ليس بها أنيس.............
البيت, وقول الفرزدق:
وبيت كريم قد نكحنا، ولم يكن لنا خاطب إلا السنان وعامله"
قال المصنف: "ويلتحق لهذا إتباع أحد المتباينين الآخر، نحو: ما أتاني زيد إلا عمرو, وما إخوانكم إلا أخوانه, وهما من أمثلة س، والأصل: ما أتاني أحد إلا عمرو, وما أعانه أحد إلا إخوانه, فجعل مكان (أحد) بعض مدلوله, وهو: زيد, وإخوانكم, ولم يذكر زيد ولا إخوانكم فيمن نفي عنه الإتيان والإعانة لذاتهما, لكن ذكرا توكيدًا لقسطهما من النفي, ودفعا لتوهم المخاطب أن المتكلم لم يعرض له هذا الذي أكد به, فذكرهما توكيدًا" انتهى.
وأنشد:
والحرب لا يبقى لجا حمها التخيل والمراح
إلا الفتى الصبار في النـ ـجدات والفرس الوقاح
وأنشد أيضًا:
عشية لا تغني الرماح مكانها ولا النبل إلا المشرفي المصمم