التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيلصفحات 290-329

قائمًا.
وعَلَّلَ المنع في "أن" بأنها لما عملت فيما بعدها أشبهت الأدوات، وبعدت عن المصادر، فلم يجز فيها ما جاز في المصادر.
وفي هذا التعليل نظر، فإن المصدر أيضًا عامل فيما بعده.
وقيل: علة ذلك أن الحال إنما تسد مسد الخبر إذا كان ظرف زمان، وظرف الزمان لا يكون خبرًا لـ"أن" والفعل.
وقوله والخبر الذي سدت مسده مصدر مضاف إلى صاحبها لا زمان مضاف إلى فعله وفاقًا للأخفش.
الذي ذهب إلى أن الخبر هو زمان مضاف إلى فعله /هو س وجمهور البصريين، ويقدرونه إن كان ماضيًا: إذ كان قائمًا، ومستقبلًا: إذا كان قائمًا.
واختار المصنف مذهب الأخفش، والتقدير: ضربي زيدًا ضربه قائمًا، فضربي: مبتدأ، وضربه: خبره، وقائمًا: منصوب بـ "ضربه"، وهو مصدر مضاف إلى المفعول، وفاعله ضمير المتكلم محذوفًا على ما يذكر في "باب المصدر"، وكأنه كان في الأصل: ضربي زيدًا ضربيه قائما.
ورد هذا المذهب بأنه "إما أن يفهم من نفس الخبر عين المفهوم من المبتدأ، فلا يصح، وإما أن يفهم منه أن ضربيه المطلق مثل ضربيه قائمًا، وهو غير المعنى المفهوم، وإن جعل المصدر مضافًا إلى فاعله صار المفهوم منه غير المطلوب من الكلام".
قاله شيخنا بهاء الدين بن النحاس، رحمه الله.
وقال: "هنا نكتة لطيفة، وهو أن الاسم العامل ومعموله يتنزلان

منزلة المضاف والمضاف إليه في باب النداء، وباب "لا"، فكما يحذف المضاف، ويقام المضاف إليه مقامه، كذلك يحذف العامل، ويبقى معموله، إلا أنه لما كان الأكثر إذا حذف المضاف يعرب المضاف إليه إعرابه، ولا كذلك العامل والمعمول، كثر حذف المضاف، وقل حذف العامل.
وهذا وإن اشترك فيه مذهب س والأخفش، فإن مذهب س ينفرد بما أذكره، قال شيخنا الإمام جمال الدين محمد بن عمرون الحلبي، رحمه الله: "والذي يوضح المسألة أن معنى: ضربي زيداً قائماً: ما ضربت زيداً إلا قائماً، وهذا المعنى لا يستقيم إلا على مذهب س لأن العامل يتقيد بمعموله، فإذا جعلت الحال من تمام المبتدأ يكون الإخبار بأن ضربي مقيداً بالقيام واقع، وذا لا ينفي أن يقع الضرب في غير حال القيام، وإذا جعل الحال من جملة الخبر يكون ضربي زيداً هذا الذي لم يقيد بحال كائن إذا كان قائماً، فلو قدر وقوع ضرب في غير حال القيام يكون مناقضاً للإخبار، إذ من المحال وقوع غير المقيد بالحال في زمان وتختلف شيء منه عن ذلك الزمان إذا أريد الحقيقة".
ثم قال - رحمه الله - في مسألة: أكثر شربي السويق ملتوتاً: "وما أبطلنا به مذهب من يعتقد أن الحال من معمول المصدر يظهر في هذه المسألة أكثر، لأن ملتوتاً لو جعل من تمام الشرب يكون الإخبار حينئذ عن أكثر شرب سويق ملتوت أنه حاصل، وذلك لا ينفي أكثرية في غير حال اللت، والمراد من هذا الكلام أن الأكثرية تقع في حال اللت، ولو وقعت في غير حال اللت لا يكون في الإخبار كبير فائدة" انتهى.
وقد رجع المصنف في الشرح مذهب الأخفش على مذهب سيبويه

بأنه أقل حذفاً مع صحة المعنى، لأنه لم يحذف منه إلا خبر مضاف إلى مفرد، ومذهب س حذف منه خبر، ثم نائب عن الخبر مع فعل وفاعل، لأن الأصل فيه: ضربي زيداً مستقر إذا كان قائماً.
ولأنه حذف منه خبر عامل، فبقي معموله، ودلالة المعمول/ على عامله قوية، وفي مذهب س بقي فيه بعد الحذف معمول عامل أضيف إليه نائب عن الخبر الأصلي الذي هو مستقر، فضعفت الدلالة لبعد الأصل بكثرة الوسائط.
وأيضاً فالحاذف آمن عذراً في الحذف لأن المحذوف لفظه مماثل للفظ المبتدأ، فيستثقل الباعث على الحذف، وليس في قول القائل "ضربي زيداً ضربه قائماً" تعرض لكون زيد وقع به غير الضرب المقارن لقيامه أو لم يقع، بل تعرض به لما تعرض بقولك: ضربته قائماً.
انتهى ما رجح به المصنف مذهب الأخفش على مذهب س. أما الأول فلا ترجيح فيه لأن مستقراً العامل في "إذا كان" ممات الحذف إذا كان يقدر، ولا يلفظ به، ولا يجمع بينه وبين الظرف، بل تنتقل أحكامه إلى الظرف من تحمل الضمير، ومن رفع الظاهر به وغير ذلك، فكأنه لم يحذف إلا الظرف الواقع خبراً، فقد ساوى من حيث الحذف مذهب س مذهب الأخفش.
وأما الثاني - وهو كثرة الوسائط - فهو مبني على الأول، وإذا بطل الأول بطل الثاني.
وأما أنه يؤمن عذر في الحذف لمماثلة المحذوف لفظ المبتدأ فهذا هو المبعد من تقدير الحذف، لأنه إن كان مماثلاً لفظ الخبر المحذوف للفظ المبتدأ فلا حاجة له، إذ قد استفيد من لفظ المبتدأ معنى لفظ الخبر.
فإن قلت: قد يقيد بالحال هذا الخبر المحذوف؟ قلت: الحال التي تقيد الخبر تكون في المعنى وصفاً للمبتدأ وخبراً عنه، فهي في الصورة حال،

وهي في المعنى خبر، مثاله قوله تعالى ﴿وهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾، وقوله ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾، "وقائماً" هنا من وصف المفعول ولا من وصف المبتدأ، فلا يجوز أن تكون مقيدة للخبر في تقدير الأخفش.
وما ذكره المصنف من أن مذهب الأخفش هو حذف الخبر قبل الحال، وأن تقديره "ضربه قائماً" نقله غيره عنه.
ونقل بعض أصحابنا أن مذهب أبي الحسن أن الحال سدت مسد الخبر كالظرف لأنها في تقديره، كأنك قلت: ضربي زيداً في حال كونه قائماً، والعرب تقول: أكثر شربي يوم الجمعة، فاستعملوا الحال استعمال الظرف.
وبه قال الجرمي في "الفرخ"، وهو مذهب أبي الحجاج الأعلم، وقال به ابن كيسان، وسيأتي ذكره والرد عليه.
وحكي أبو علي عن عضد الدولة أنه كان يرى حذف المصدر لطول الكلام وتكرير اللفظ والدلالة على المعنى، وكان يقدر ضربي زيداً: ضريبة قائماً، وأكثر شربي السويق: شربي إياه ملتوتاً، فحذف المصدر، وأبقي معموله، فقام مقامه.
وكان يستحسن هذا القول أبو القاسم بن القاسم، وفيه حذف المصدر وإبقاء معموله، وأكثر النحويين لا يجيزونه، وقد نص على منعه س، وقدره في مواضع./ والذي يصح من مذهبه منعه.
وهذا الذي ذهب إليه العضد هو مذهب الأخفش.
وإنما كان الخبر ظرفاً دون غيره في مذهب س لأنا نقدر الخبر

محذوفاً، والحذف وتوسع، فالظروف أحمل لذلك من غيرها، وقدر ظرف زمان دون ظرف المكان لأن الحال عوض منه كما ذكرنا، والحال لظرف الزمان أنسب منها لظرف المكان لأنها توقيت للفعل من جهة المعنى، كما أن الزمان توقيت للفعل، ولذلك قدر س الحال بـ "إذا" في قوله تعالى: ﴿وطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ﴾، فقال: "إذ طائفة في هذه الحال"، ولأن المبتدأ هنا حدث، وظرف الزمان مختص بالإخبار به عن الحدث دون الجثة، فهو أخص به من ظرف المكان.
وكان الظرف الزماني المقدر "إذ" و"إذا" دون غيرهما لأن "إذ" تستغرق الماضي، و"إذا" تستغرق المستقبل.
وكان المقدر بعدهما "كان" التامة دون غيرها لأن الظرف المقدر لابد له من فعل أو معناه ليكون ظرفاً له، والحال لابد لها أيضاً من عامل، والأصل في العمل للفعل، فقدرت "كان" التامة لتدل على الحدث المطلق الذي يدل الكلام عليه.
ولم يعتقد في "قائم" الخبرية للزومة التنكير، وحكي ابن خروف أن الفراء أجاز أن يكون منصوباً على خبر "كان"، وانشد قول الشاعر: لذو الرمة ذا الرمـ ـة أشهر منه غيلاناً فنصب "ذا الرمة" و"غيلان" - وهما علمان - على الخبرية.
وهذا نادر لا يعتد به، ودخول الواو عليهما على ما سيأتي - إن شاء الله - يوجب

الحالية.
وهذا الذي حكاه ابن خروف عن الفراء هو خلاف مذهبه في هذه المسألة على ما سيأتي ذكره إن شاء الله.
وزعم الزمخشري أنه يجوز أن يكون التقدير: إذ كنت أو إذا كنت قائماً، فتكون "كان" مسندة إلى فاعل الضرب.
ولا ينبغي أن يجوز هذا إلا بدليل لأن التقييدات بالأحوال والصفات، وعود الضمير لا يكون إلا لأقرب مذكور، ألا ترى أن ما جاء من ذلك في تمثيلهم يعين أن يكون حالاً من المفعول، كقولهم: أكثر شربي السويق ملتوتاً، وأكلي التفاحة نضيجة، وغير ذلك، أما إذا دل دليل على ذلك أو كان المصدر قد اقتصر به على الفاعل لحذف المفعول أو لكونه مصدراً لفعل لازم، فيتعين إذ ذاك تقدير: إذ كنت، أو إذا كنت، إن كان المصدر مضافاً لضمير متكلم، وإن كان مضافاً لمخاطب أو لغائب طابق.
وقوله ورفعها خبراً بعد أفعل مضافاً إلى "ما" موصولة بـ "كان" أو "يكون" جائز.
أي: رفع الحال، أي: ما كان حالاً، ومثال ذلك: أخطب ما يكون الأمير قائماً، فأجاز الأخفش في "قائم" الرفع على أنه خبر "أخطب".
وتبعه المبرد وأبو علي الفارسي/ وهذا المصنف، قال في الشرح: "يلزم من ذلك ارتكاب مجازين:

أحدهما إضافة "أخطب"، مع أنه من صفات الأعيان، إلى "ما يكون"، وهو في تأويل الكون.
والثاني الإخبار بـ "قائم" مع أنه في الأصل من صفات الأعيان، عن "أخطب ما يكون" مع أنه في المعنى كون لأن أفعل التفضيل بعض ما تضاف إليه، والحامل على ذلك قصد المبالغة، وقد فتح بابها بأول الجملة، فعضت بآخرها مرفوعاً" انتهى.
ولذلك امتنع رفع قائماً في قولك: ضربي زيداً قائماً، إذ لم يفتتح أول الجملة بمجاز.
ولم يذكر المصنف خلافاً في المسألة، إنما ذكر إجازته لذلك، وذكر غيره الخلاف، فقال: أجاز الأخفش: عبد الله أحسن ما يكون قائم، بالرفع ومنعها س إلا بالنصب.
قال شيخنا الإمام بهاء الدين بن النحاس رحمه الله: "وجه ابن الدهان رفع الأخفش قائماً بأن جعل "أخطب" مضافاً إلى "أحوال" محذوفة، تقديره: أخطب أحوال كون الأمير، فلا مجاز في قائم حينئذ" انتهى.
فقوله "فلا مجاز في قائم حينئذ" غير مسلم، بل هو مجاز لأن تقديره "أخطب أحوال كون الأمير" لا يخبر عنه بـ "قائم" لأن قائماً من صفات الأعيان لا من صفات الأحوال، فالمطابق للإخبار عن قوله "أخطب أحوال الأمير" أن يقال: القيام، كما تقول: أحسن أحوال الأمير السرور أو الضحك، ولا تقول: الضاحك ولا السار، فجعله قائماً خبراً عن "أخطب" فيه مجاز بلا شك.
قال شيخنا بهاء الدين بن النحاس: "ويجوز أن تجعل "ما" بمنزلة شيء، ويكون الأمير صفته، والعائد محذوف خبر "يكون الأمير"،

و"يكون" ناقصة، كأن أصلها: اخطب أحوال يكون الأمير فيها قائماً، وتكون "ما" للعموم والكثرة كقوله ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ ولا يَنفَعُهُمْ﴾.
ودليل وقوعها للجنس والعموم والإشارة إليها بقوله ﴿ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾، وتكون "ما" حينئذ كناية عن الأحوال، فيتوجه ما قاله الأخفش" انتهى.
ويكون الإخبار بـ "قائم" عن "أخطب أحوال يكون الأمير فيها قائماً" على سبيل المجاز، إذ القائم ليس خبراً عن "أخطب" في الحقيقة، لأن من صفات الأعيان لا صفات الأحوال كما بينا.
وأجازوا أيضاً في هذا المثال أن يكون التقدير: أخطب أزمان كون الأمير قائماً، قالوا: فيجوز على هذا أن تكون "إذا" أو "إذ" المقدرة المحذوفة خبراً عن "أخطب" بنفسها، لأن "أخطب" إذ ذاك زمان لإضافته إلى الزمان، ولا يكون العامل في "إذا" ولا في "إذا" إذ ذاك محذوفاً لأنه هو المبتدأ.
قالوا: ولا يستنكر خروج "إذا" عن الظرفية ورفعها، فقد جاءت مجرورة في قول الشاعر: وبعد غد، يا لهف نفسي على غد إذا راح أصحابي، ولست برائح فأبدل "إذا" من "غد".
وحكي: جئتك بعد إذ قام زيد، وفي القرآن ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنَا﴾.

وأجاز أبو العباس الرفع الصريح فيها، وذلك: إذا يقوم زيد إذا يقوم عمرو، فـ "إذا" الأولى مبتدأة، والثانية خبر.
ويبين لك ذلك أنه إذا ظهر الإعراب في الظرف رفع، تقول: أخطب ما يكون الأمير يوم الجمعة، إذا جعلت "أخطب" زماناً، فإن جعلت "أخطب" كوناً نصبت يوم الجمعة، وكان "إذا" و"إذا" في موضع نصب.
وهذا الذي أجازوه من التصرف في "إذ" و"إذا" وإخراجهما عن الظرفية لا يجوز عندي، وسيأتي الكلام على ذلك في "باب المفعول المسمى ظرفاً" إن شاء الله.
فعلى هذا الذي قالوه في "أخطب ما يكون" تكون "ما" مصدرية، ولا حذف، وهو الظاهر، أو يكون المحذوف أزماناً أو أحوالاً مضافة إلى الكون، أو تكون "ما" بمعنى شيء، و"تكون" صفة.
وأجاز ابن الدهان في "ضربي زيداً قائماً" رفع "قائم" على أن يكون خبراً عن "ضربي" إذا كان معنى "قائم" ثابت ودائم، كما تقول: الأمر بيننا قائم، والحرب قائمة على ساق، وهذا جار على قولهم: ضربي زيداَ شديد، ولا خلاف في جوازه.
وقوله وفعل ذلك بعد مصدر صريح دون ضرورة ممنوع أي: رفع ما كان حالاً على أن يكون خبراً للمصدر الصريح ممنوع، مثال ذلك: ضربي زيداً قائم.
واحترز بقوله "صريح" من المسألة التي أجاز فيها الرفع، وهي: أخطب ما يكون الأمير قائم.
وقوله دون ضرورة مشعر بأن ذلك يجوز في الضرورة، وهو أن يكون خبراً عن المصدر الصريح.
ثم لما تكلم في المسألة في الشرح لم يجز الرفع على هذا الوجه، وهو أن يكون خبراً عن "ضربي"، إنما أجازه على إضمار

مبتدأ مقرون بواو الحال، تقديره: ضربي زيداً وهو قائم، قال: "وحقه أن يمنع مطلقاً لأن شبيه بقولك: جاء زيد راكب، على تقدير: وهو راكب، لكن الضرورة أباحت حذف المبتدأ المقرون بالفاء في جواب الشرط، وهو أصعب، فإجازة حذف مبتدأ مقرون بواو الحال أولى.
ومثال حذف المبتدأ مقروناً بالفاء قول الشاعر: بني ثعل لا تنكعوا العنز شربها بني ثعل من ينكع العنز ظالم" انتهى كلامه.
وكان ينبغي أن لا يقول "دون ضرورة"، بل يقول: وفعل ذلك بعد مصدر صريح ممنوع، فإن أدت الضرورة إلى رفعه خبر مبتدأ محذوف، وتكون الجملة حالاً، جاز.
ولم يبين المصنف جهة الأصعبية.
ونقول: بل هو في الشرط أسهل لأن جواب الشرط لابد أن يكون جملة، وكونها أسمية جائز، فإذا حذف دل طلب الشرط عليه.
وأما هذه/ الحال السادة مسد خبر المبتدأ ففيها خلاف: أتقوم الجملة مقامها أم لا؟ يجوز إلا أن تكون صريح الاسم، وسيأتي ذكر ذلك.
فعلى هذا لا مقتضى للجملة، بخلاف جملة الشرط، فإنها تطلب جملة الجواب، وتقتضيه، فإذا حذف منها شيء، دل عليه الشرط.
ص: وليس التالي "لولا" مرفوعاً بها، ولا بفعل مضمر، خلافاً للكوفيين.
ولا يغني فاعل المصدر المذكور عن تقدير الخبر إغناء المرفوع بالوصف المذكور، ولا الواو والحال المشار إليهما، خلافاً لزاعمي ذلك، ولا يمتنع وقوع الحال المذكورة فعلاً، خلافاً للفراء، ولا جملة اسمية بلا واو،

وِفاقاً للكسائي، ويجوز إتباع المصدر المذكور، وفاقاً له أيضاً.
ش: المناسب ذكر قوله "وليس التالي لولا مرفوعاً بها، ولا بفعل مضمر، خلافاً للكوفيين" متصلاً بقوله "ووجوباً بعد لولا الامتناعية غالباً"، أما أن يفصل بذلك بين مسائل الحال السادة مسد الخبر فغير سديد في التصنيف.
وقوله مرفوعاً بها هو قول الفراء.
وقوله ولا بفعل مضمر هو قول الكسائي.
وأبهم في قوله "خلافاً للكوفيين".
وقد أمعنا الكلام على المرفوع بعد "لولا" في كتاب "التكميل" في الفصل الثاني من "باب تتميم الكلام على كلمات مفتقرة إلى ذلك".
وقوله ولا يغني فاعل المصدر المذكور إلى آخر المسألة تقدم الكلام على هذه المسألة، فأغنى عن إعادته.
وقوله ولا الواو والحال المشار إليهما، خلافاً لزاعمي ذلك.
أما الواو فيعني بها واو المصاحبة، فلا تغني عن الخبر، وقد تقدم الكلام على ذلك.
وأما الحال فقد ذهب الكسائي والفراء وهشام وابن كسيان إلى أن الحال بنفسها هي الخبر لا سادة مسدة، على خلاف بينهم في ذلك:

فقال الكسائي وهشام: الحال إذا وقعت خبراً للمصدر كان فيها ذكران مرفوعان: أحدهما من صاحب الحال، والآخر من المصدر.
وإنما احتاجوا إلى ذلك لأن الحال لابد لها من ضمير يعود على ذي الحال، وهي خبر، والخبر عندهم لابد فيه من ضمير يعود على المبتدأ، لأن المبتدأ عندهم إنما يرتفع بما عاد عليه في أحد مذهبي الكوفيين.
و"ضربي" مبتدأ مرفوع، فلابد له من رافع، فاحتاجوا إلى القول بتحمل "قائم" ضميره ليرفعه، حتى إنهما قالا: يجوز أن تؤكد الضميرين اللذين في "قائماً"، فتقول: ضربي زيداً قائماً نفسه نفسه، وقيامك مسرعاً نفسك نفسه، فإن أكدت القيام أيضاً على المضمرين قلت: قيامك مسرعاً نفسك نفسه، فتكرر النفس ثلاث مرات.
وزعم الفراء ومن أخذ بقوله أن الحال/ إذا وقعت خبراً للمصدر لا ضمير فيها من المصدر لجريانها على صاحبها في إفراده وتثنيته وجمعه وتعريها من ضمير المصدر للزومها مذهب الشرط، والشرط بعد المصدر لا يتحمل ضمير المصدر، فكذلك الحال.
وجاز نصب قائماً ومسرعاً وما أشبههما على الحال عند الكسائي وهشام والفراء وإن كان خبراً لما لم يكن المبتدأ، ألا ترى أن المسرع هو المخاطب لا القيام.
والقائم هو زيد أو أنا لا الضرب، فلما كان خلاف المبتدأ انتصب على الخلاف، لأن الخلاف عندهم يوجب النصب.
وقال ابن كيسان: إنما أغنت الحال عن الخبر لشبهها بالظرف.
وحكي أبو محمد بن السيد البطليوسي عن الكوفيين أن الخبر محذوف بعد "قائم"، تقديره: ثابت أو موجود.
وكذا قال ابن هشام في الإفصاح، قال: "والكوفيون يجعلون قائماً حالاً من زيد، والعامل فيه

المصدر، والتقدير: ضربي زيداً قائماً واقع، على معنى: يقع أو وقع، وقالوا: تقدير اسم مفرد أولى من تقدير ظرف قد قام مقام جملة، ثم تقدير فعل وفاعل بعده، فتقدير اسم مفرد أولى".
قال: "وهذا التقدير لا يوافق المعنى الشرط، كأنه قال: إنما أضربه بشرط أن يكون قائماً، وإنما ضربته لما كان قائماً، وهذا المعنى يصح بتقدير إذ وإذا، فلهذا احتاج البصريون إلى تقديرهما".
فأما مذهب الكسائي وهشام فأبطل بأن العامل الواحد لا يعمل في معمولين ظاهرين ليس أحدهما تابعاً للآخر رفعاً، فكذلك لا يعمل في مضمرين، وأما قولهم في "زيد حيث عمرو" من أن "حيث" رفعت زيداً وعمراً لنيابتها مناب ظرفين فقد أبطلناه فيما تقدم في الفصل قبل "باب الابتداء".
وإذا انتفى أن ترفع الحال ضميرين انتفى كونها خبراً.
وأيضاً، فنقول: ضربي الزيدين قائمين، فلا يمكن أن يكون فق "قائمين" ضميران، لأنه لو كان كذلك لكان أحدهما مثنى من حيث عوده على مثنى، والآخر مفرد من حيث عوده على مفرد، وتثنية اسم الفاعل وإفراده إنما هو بحسب ما يرفع من الضمير، فلزم أن يكون اسم الفاعل مفرداً في حال واحدة، وهذا لا يمكن.
وأما تأكيد الضميرين فشيء قالوه بقياس مبني على قول فاسد، ولا سماع يعضده.
وأما ما ذهب إليه الفراء فأبطل بأن الشرط بمفرده من دون جواب لا يصلح أن يكون خبراً لأنه لا يفيد، وإذا كان كذلك تعين أن يكون جواب الشرط محذوفاً، فيكون الضمير محذوفاً مع الجواب، مع أن قيام الشرط

بمفرده دعوى لا دليل على شيء منها.
وما ذهب إليه ابن كيسان من أن الحال تشبه الظرف، فكأنه قال: ضربي زيداً في حال قيام، ليس بشيء، لأنه لو جاز ذلك لهذا التقدير لجاز مع الجثة/ أن تقول "زيد قائماً" لأنه في معنى: زيد في حال قيام، وحيث لم يجز ذلك دل على فساد ما ذكره.
وقال المصنف في الشرح موضحاً لهذا الدليل السابق في إبطال مذهب ابن كيسان: "إما أن يقدر لهذه الحال عامل أو لا، أن لم يقدر لها عامل لزم استغناؤها عما لا يستغنى عنه الظرف مع أنه أصل بالنسبة إليه، ولو جاز ذلك مع المصدر لجاز مع غيره، فكان يقال: زيد قائماً، لأنه بمعنى: زيد في حال قيام.
وإن قدرت لم يكن العامل إلا مثل المقدر في الظرف، فكما يقدر في: زيد في حال قيام: زيد مستقر في حال قيام، يقدر: ضربي زيداً مستقراً قائماً، فكان يلزم من ذلك الإخبار عن الضرب بما للضارب، وذلك محال، وما أفضى إلى المحال محال" انتهى.
وأما ما حكاه ابن السيد عن الكوفيين فقد رد لأنه تقدير ليس في اللفظ ما يدل عليه، فكما تقدره "ثابت" فيجوز أن تقدره "منفي"، ولأنه يكون من الحذف الجائز لا الواجب، لأن قائماً إذ ذاك يكون حالاً من "زيد"، والعامل فيه المصدر، فلا تكون الحال سدت مسد الخبر، فلا يجب حذفه، وإنما يجب إذا سدت الحال مسده، لأن الحال إذ ذاك عوض من الخبر بدليل أن العرب لا تجمع بينهما، ولا تحذف خبر هذه المصادر إلا مع وجود الأحوال للمناسبة التي بين الحال والخبر، لأن أصل الخبر التنكير كالحال، ولأن الحال هي صاحبها، كما أن الخبر المفرد هو المبتدأ، والحال مقيدة كما أن الخبر كذلك، ففهم من عدم اجتماعهما قصد العوضية، ولا تتصور العوضية إلا على قول من قدر أن الخبر قبل الحال، لأنك إذا قدرت الخبر

"ثابت" أو "موجود"، وجعلت قائماً حالاً من "زيد" فإما أن يكون إخبارك المخاطب عن ضرب قد عهد منك إيقاعه بزيد في حال قيامه، فلا يكون في الإخبار بثابت أو موجود فائدة لأنه معلوم عنده، أو عن ضرب لم يعهده منك في تلك الحال، فلا دليل على ذلك المحذوف لجواز أن يكون التقدير: ضربي زيداً قائماً غير ثابت، ولأن في جعل "قائماً" معمول "ضربي" حذف الحبر برمته، وفي جعل "قائماً" معمول الخبر حذف بعض الخبر، وحذف بعض الخبر أولى من حذف جميعه.
وتلخص من مجموع هذه المذاهب أن النحويين أجمعوا على رفع "ضربي" من قولك: ضربي زيداً قائماً.
فقيل: ارتفع على الفاعليه بفعل محذوف.
وقيل: على الابتداء.
فقيل: لا خبر له لإغناء فاعله عنه.
وقيل: له.
خبر فقيل: ملفوظ، وهي الحال على اختلاف في التقدير، وقيل: محذوف.
فقيل: بعده.
وقيل: قبله.
فقيل تقديره: ضربه قائماً.
وقيل: إذا كان أو إذ كان.
وهذا الذي ذكرناه من سد الحال مسد خبر المبتدأ ينبغي أن يقتصر به على مورد السماع/ لأنه شيء خارج عن القياس، فلا يجوز ذلك إلا فيما سمع، وهو أن يكون المبتدأ مصدراً أو أفعل التفضيل مضافاً إلى المصدر أو ما قدر بالمصدر.
وزعم الأستاذ أبو الحسن بن عصفور أن الاسم الذي لا حقيقة له في الوجود يجري مجرى المصدر في هذا المعنى لا مجرى الجثث، فتسد الحال مسد خبره.
واستدل على صحة ذلك بقول الشاعر:

خيال لأم السلسبيل ودونها مسيرة شهر للبريد المذبذب فـ "خيال" مرفوع بالابتداء، وجاز الابتداء، وجاز الابتداء به لأنه وصف بقوله "لأم السلسبيل"، فلا يصح أن يكون خبراً لأنه صفة، بل الخبر هو محذوف، سدت الحال - وهي قوله "ودونها مسيرة شهر" - مسدة.
وساغ ذلك لأن الخيال لا حقيقة له جسمية.
ولا حجة في هذا البيت لأنه يحتمل أن يكون "خيال" خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذا خيال.
وقوله ولا يمتنع وقوع الحال المذكورة فعلاً، خلافاً للفراء.
اختلف في ذلك: فأجاز ذلك أبو الحسن والكسائي وهشام، نحو: حسنك تركب، أي: راكباً.
ونقل عن س المنع.
واختلف النقل عن الفراء: فحكي ابن خروف عنه الجواز، ونقل ابن عصفور المنع، وهو الصحيح عنه.
ونقل ابن أصبغ الخلاف عن الكسائي.
وقال أبو بكر بن الأنباري: "أجاز الفراء رد الحال إلى الاستقبال إذا كانت غير رافعة، وأبطل ذلك فيها إذا رفعت، فخطأ عند الفراء: حسنك تركب.
وأجاز هو والكسائي: حسنك تركب مسرعاً.
قال ابن عصفور: والذي يمنعه الفراء المضار المرفوع.
وعلله بأن النصب الذي في لفظ المفرد عوض من التصريح بالشرط، والمستقبل المرفوع ليس في لفظه ما يكشف مذهب الشرط" انتهى.
والصحيح الجواز لورود ذلك عن العرب، قال الشاعر:

ورأي عيني الفتى أباكا يعطي الجزيل، فعليك ذاكاً وقال الآخر: عهدي بها في الحي قد سربلت بيضاء مثل المهرة الضامر قال ابن هشام: يمكنه أن يجعل الخبر في المجرور، أي: عهدي واقع بها، ويجعل الجملة حالاً من الضمير المجرور.
وقوله ولا جملة اسمية بلا واو وفاقاً للكسائي.
اختلف في وقوع الجملة الأسمية حالاً مصحوبة بالواو: فنقل عن س والأخفش أنه لا يجوز ذلك، وأن الحال لا تسد مسد الخبر إلا إذا كانت اسماً منصوباً.
وأجاز ذلك الكسائي والفراء.
وقد ورد السماع بما منعه س، قال الشاعر: عهدي بها الحي الجميع، وفيهم عند التفرق ميسر وندام وقال آخر: خير اقترابي من المولى حليف رضا وشر بعدي عنه، وهو غضبان

ولم ينقل المصنف خلافاً في الجملة الاسمية المصحوبة بواو الحال، بل حكي عن ابن كيسان ما ظاهره الجواز في كل الأحوال، قال: "قال كيسان: إن قلت "مسرتك أخاك هو قائم" جاز ذلك عن الكسائي وحده، فإن جئت بالواو قبل "هو" جازت في كل الأقوال".
فظاهر قوله "في كل الأقوال"

أنه لا خلاف في ذلك، وقد حكي أن س منع من ذلك.
وأما إذا كانت جملة اسمية لا واو معها فأجاز ذلك الكسائي فيما فيه ذكر، كما قاله ابن كيسان، واتبعه المصنف.
ومنع ذلك الفراء وقال: واو الحال هي رافعة المصدر، والرافع لا يحذف.
والبصريون على مذهب الكسائي في هذا الأصل، قاله بعضهم.
ويقتضي مذهب س المنع لأنه لا يجيز وقوع الجملة الاسمية المصحوبة بالواو حالاً، وكونها محذوفة الواو فرع على هذا المنع، فهو أولى بالمنع.
والذي ورد عن العرب في هذا إنما هو بالواو، فينبغي إتباعه.
ومن أجاز حذفها فليس مذهبه ببعيد.
قال المصنف في الشرح: "مقتضى الدليل أن يكون حذف الواو هنا أولى لأنه موضع اختصار، لكن الواقع بخلاف ذلك، وباب القياس مفتوح".
وقوله ويجوز إتباع المصدر المذكور وفاقاً له أيضاً.
أي: للكسائي، أجاز الكسائي: ضربي زيداً الشديد قائماً، وشربي السويق كله ملتوتاً.
وحجته في ذلك إتباع القياس.
وحجة من منع أن الموضع موضع اختصار، ولم يرد به سماع، ولا يجوز أن يقع المصدر موضع هذه الحال لأنه لا مناسبة بينه وبين الزمان، لأنهم إنما عدلوا إلى الحال المشتقة للمناسبة، وهذه المناسبة لا تحفظ إلا مع صورة الحال الأصلية، ولا يجوز التجوز في الحال لكونها كالظرف، لأنه لا يتجوز في الشيء الواحد مرتبين.
وقد أغفل المصنف ذكر مسائل تتعلق بهذه المسألة:

الأولى: أجاز السيرافي وابن السراج دخول "كان" الناقصة على هذا المصدر، فتقول: كان ضربي زيداً قائماً.
وقال ابن عصفور: هو قبيح لأن تعويض الحال من الخبر إنما يكون بعد حذفه، وحذف خبر "كان" قبيح.
الثانية: إذا كنيت عن المصدر الذي سدت الحال مسد خبره قبل ذكر الحال، نحو "ضربي زيداً هو قائماً" حال سدت مسد خبره.
وعند الكسائي يرتفع الضرب بالراجع من "هو"، ويرتفع "هو" بقائم، وهذا جار على مذهبه.
وقال الفراء: لا يجوز ذلك/ لأن المكني مثل "زيد" لا يرفعه إلا ما يرفع زيداً وعمراً، والحال لا ترفع زيداً ولا عمراً.
الثالثة: اختلفوا في جواز تقديم هذه الحال على المصدر: فقال الفراء: لا يجوز ذلك سواء أكانت من ظاهر أم من مضمر، فيمنع: مسرعاً قيامك، وإن كان يجيز: مسرعاً قمت، لأن الحال مبنية على الشرط، والشرط يرفع آخراً، ولا يعرب أولاً، فيقال: قيامك إن أسرعت، وسكوتك إن أنصفت، ولا يقال: أن أنصفت سكوتك.
وقال الكسائي وهشام: يجوز ذلك إذا كانت من مضمر لا من ظاهر، فيجوز: مسرعاً قيامك، كما يجوز: مسرعاً قمت، ومسرعاً تقوم، ولا

يجوز: مسرعاً قيام زيد.
فإن كان المصدر متعدياً نحو "شربك السويق ملتوتاً" فمنع التقديم الكسائي والفراء وهشام، فلا يجيزون: ملتوتاً شربك السويق.
وأجاز ذلك البصريون سواء أكان المصدر متعدياً أم لازماً، نقلاً عنهم، خلافاً لمن قال: لا نقل عن البصريين، بل مقتضي قولهم جواز تقديمها إن قدر الخبر مقدماً على المصدر، ووجوب التأخير إن قدر مؤخراً.
وقال ابن الدهان: لا يمتنع في القياس تقديمها، ومن نقل وعلم حجة على من لم ينقل ولم يعلم.
وفي الإفصاح: ذكر السيرافي أن الزجاج أجاز: قائماً ضربي زيداً، قدم الحال كقولك: اليوم القتال، كأنك قلت: إذا كان قائماً ضربي زيد يقع.
الرابعة: تقديم الحال على مفعول المصدر، نحو: شربك ملتوتاً السويق، أبطل ذلك الكسائي والفراء وهشام، وحكي عن البصريين جواز ذلك.
ولعله لا يصح، وإجازة ذلك تشكل لأن فيه الفصل بين المصدر ومعموله بالحال التي سدت مسد الخبر، بخلافها إذا تقدمت، فإنه لا يلزم في ذلك فصل بين المصدر ومعموله.
الخامسة: إذا كانت الحال بالواو فهل يجوز تقديمها على المصدر؟ أبطل ذلك الكسائي وهشام الفراء إن كان المصدر متعدياً لمفعول، نحو قولك: وهو ملتوت شربي السويق، وإن كان لازماً جاز ذلك عند الكسائي،

نحو: وأنت راكب حسنك، ولم يجز ذلك عند الفراء لأن الحال لا ترفع مقدمة.
السادسة: أجمعوا على إبطال: أكلك متكئاً الطعام، لأن الطعام في صلة الأكل، ومتكئاً خبره، والصلة لا تأتي بعد الخبر، وقد تقدم الخلاف في جواز نحو: شربك ملتوتاً السويق، فينظر ما الفرق بين المسألتين.
السابعة: اتفقوا على جواز دخول "إن" وفاء "أما"، تقول: إن حسنك راكباً، وأما حسنك فراكباً.
الثامنة: اتفقوا على منه: ما حسنك براكب، لأن الباء تغير نصب الحال، فتفسد المسألة لذلك.
التاسعة: أما ضربيك فإنه حسناً، على أن الهاء ترجع إلى الضرب، وخبر إن حسناً، وحكم كان وظن حكم إن في هذا المعنى، فأجازوا: أما ضربيك فكان حسناً، وأما/ ضربيك فظننته حسناً، على أن حسناً صفة الضرب.
وأبطلها الفراء على حسناً صفة للياء والكاف.
والكسائي يجيزهن كلهن.
العاشرة: أجاز الكسائي وهشام: عبد الله وعهدي بزيد قديمين، وكذلك: عبد الله والعهد بزيد قديمين.
ترتيب المسألة: العهد بعبد الله وزيد قديمين، فقدم "عبد الله"، ورفع بما بعده، وثني "قديمين" لأنه لـ "عبد الله" و"زيد"، وكانا خبراً للعهد كما تكون الحال خبر المصدر.
وسوى الكسائي وهشام بين قولك: إن عبد الله والعهد بزيد قديمين، وعبد الله وإن العهد بزيد قديمين.
ولا يعلم أن الفراء أجاز شيئاً من هذا، وأصحابه يردون على الكسائي

وهشام ما جوزاه من هذه المسائل.
وقياس البصريين يقتضي المنع.
ولا يجوز في قول الكسائي وهشام: عبد الله فالعهد بزيد قديمين، ولا يصلح عندهما في هذا المعنى العطف إلا بالواو الجامعة.
الحادية عشرة: أجاز الكسائي والبصريون تقديم معمول الحال السادة مسد خبر المصدر على الحال بعد تمام المصدر بما هو من صلته، نحو: ضربي زيداً فرساً راكباً، تقديره: راكباً فرساً.
ومنع ذلك الفراء، قال: لأن راكباً لا يرد إلى الاستقبال، وما لم يرد إلى الاستقبال لم تقدم صلته عليه، وإنما يجيز الكسائي تقديم صلته عليه إذا كانت إلى جنبه، فإن فرق بينهما لم يجز ذلك عنده.
وقياس قول البصريين الجواز.
والثانية عشرة: أجاز الزجاج: عبد الله أحسن ما يكون القيام، وقال: لا يجوز غيره.
ومنعها المبرد.
الثالثة عشرة: "أكثر ضربي زيد" منعها الكوفيون، وأجازها البصريون.
قيل: ولا خلاف نعلم في جواز: أكثر لبسي الكتان.
الرابعة عشرة: أجاز ابن كيسان: أما ضربي زيداً فكان قائماً نفسه نفسه، فتكون الأولى لذكر زيد، والثانية لذكر الضرب.
وحكي أبو جعفر النحاس إن ذلك جائز على مذهب البصريين والكسائي، وغير جائز على مذهب الفراء.
الخامسة عشرة: "علمي بزيد كان ذا مال" منعها أبو علي على أن يكون "علمي" مبتدأ، و"بزيد" متعلق به، "وكان" في موضع خبره، واسمها مستتر فيها، وهو عائد على علمي، و"ذا" خبر كان من حيث إنه يصير التقدير إلى: علمي ذو مال، و "ذو مال" ليس نفس العلم، ولا منزل منزلته.

وتجوز المسألة على وجوه: منها ما جوزه بعضهم من أن تكون من باب: ضربي زيداً قائماً، أي: كائناً ذا مال، وقد كان ذا مال، وذلك على تقدير الكوفيين في نقل من نقل عنهم أنهم يقدرون الخبر متأخراً محذوفاً، أي: علمي بزيد كان قائماً واقع، أو على تقدير العضد: علمي بزيد علمي به ذا مال، وأما على تقدير من قدر "إذا كان" فلا يصح.
ويمكن أن يكون خبر علمي، أي: علمي ملتبس كان قائماً واقع، أو على تقدير العضد: علمي بزيد علمي به ذا مال، وأما على تقدير من قدر "إذا كان" فلا يصح.
ويمكن أن يكون خبر علمي، أي: علمي ملتبس يزيد أو واقع به ذا مال، أي: غنياً، ويمكن أن تكون "كان" زائدة، ويكون المعنى: علمي بزيد ذا مال.
/وزعم بعض النحويين أنه يجوز: علمي بزيد كان ذا مال، على تقدير: إذ كان، وحذف "إذا" للدلالة عليها.
وهذا ضعيف لأن العرب إنما حذفت هنا الظرف والفعل معاً، واطرد ذلك في كلامهم، ولم تحذف أحدهما دون الآخر.
وأجاز الأستاذ أبو علي في بعض تقاييده على الإيضاح أن تكون "كان" ناقضة، واسمها مضمر يعود على العلم، و"ذا مال" حال تسد مسد خبر "كان" كما تسد مسد خبر المبتدأ.
قال بعض أصحابنا: واتفقوا على منع ما أجازه الأستاذ أبو علي، واختلفوا في التعليل: فقيل: امتنع ذلك لأنه باب حذف واختصار وتعويض، ولم يجعل العرب ذلك إلا مع المصدر أو مع مضاف إلى المصدر، وعلى أن يكون بعضه أو كله لا مع ضميره، وإن كان في المعنى مصدراً، وعلينا إتباعهم.
وقال أبو علي في التذكرة: لم يجز لأنك حلت بينه وبين معموله، يريد أن الحال القائمة مقام الخبر عن المصدر لابد أن يكون في المصدر من الحال له، ويكون معمول المصدر، فإذا أضمرت المصدر لم يبق معموله لأن

الضمير العائد على المصدر لا يعمل، فإذا لا يصح أن تكون الحال سادة مسد الخبر عن مصدر مضمر لأنها لا تسد إلا عن مصدر معموله صاحب الحال، والمضمر لا يعمل، فليس له معمول.
وقيل: لم يسمع منهم: ضربي زيداً هو قائماً، فلا تدخل عليه كان، فيكون اسماً لها، وكل ما كان اسماً لـ "كان" يجوز أن يتقدم، ويضمر فيها ضميره، فتقول في كان زيد قائماً: زيد كان قائماً، وهذا لم يأت في نحو هذا، لم يسمع: ضربي زيداً كان قائماً.

-[ص: ويحذف المبتدأ أيضاً جوازاً لقرينة، ووجوباً كالمخبر عنه بنعت مقطوع لمجرد مدح أو ذم أو ترحم، أو بمصدر بدل من اللفظ بفعله، أو بمخصوص في باب نعم، وبئس، أو بصريح في القسم، وإن ولي معطوفاً على مبتدأ فعل لأحدهما واقع على الآخر صحت المسألة، خلافاً لمن منع، وقد يغني مضاف إليه المبتدأ عن معطوف، فيطابقهما الخبر.]-

ش: مثال حذفه جوازاً لقرينة: صحيح، لمن قال: كيف زيد؟ و: مسك، عند شم طيب، و: إنسان، عند رؤية شبح، وقال الشاعر: إذا ذقت فاها قلت: طعم مدامة معتقة مما تجيء به التجر أي: هذا طعم مدامة.
ولو كان هذا معرفة لجاز جعله مبتدأ محذوف الخبر.
ومما يحسن الحذف دخول فاء الجزاء على ما لا يصلح أن يكون مبتدأ، كقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ أي: فصلاحه لنفسه.
وقوله لمجرد مدح أو ذم أو ترحم مثاله: الحمد لله أهل الحمد، ومررت بزيد الفاسق، ومررت ببكر المسكين.
وإنما التزم/ هنا إضمار

المبتدأ لأنه مما يجوز فيه القطع إلى النصب على إضمار فعل لا يجوز إظهاره، قصدوا إنشاء المدح أو الذم أو الترحم، ولم يريدوا به الإخبار، فالتزموا فيه الإضمار إمارة على الإنشاء، كما فعلوا في النداء، إذ لو أظهر لأوهم الإخبار، فأجري الرفع مجرى النصب في إضمار الرافع والناصب ليستويا.
واحترز بقوله "لمجرد مدح أو ذم أو ترحم" من أن يكون لغير ذلك، فإنه يجوز إظهار المبتدأ وإضماره، وإظهار الناصب وإضماره، نحو: مررت بزيد الخياط، يجوز فيه الرفع والنصب، ويجوز أن تقول: بزيد هو الخياط، وبزيد أعمي الخياط، وقال الشاعر: نفسي فداء أمير المؤمنين إذا أبدى النواجذ يوم باسل ذكر الخائض الغمر والميمون طائره خليفة الله يستسقى به المطر

وقوله أو بمصدر بدل من اللفظ بفعله مثاله قولهم: سمع وطاعة، وقال الشاعر: فقالت: حنان، ما أتى بك ههنا أذو نسب أم أنت بالحي عارف التقدير: أمري سمع وطاعة، وأمري حنان.
والأصول في هذا النصب لأنه مصدر جيء به بدلاً من اللفظ بالفعل، فلم يجز إظهار ناصبه لئلا يكون جمعاً بين البدل والمبدل منه، ثم حمل الرفع على النصب، فالتزم إضمار المبتدأ.
وقيل لبعضهم: كيف أصبحت؟ فقال: حمد الله وثناء عليه، أي: أمري

حَمْدُ الله.
وقد جاء إظهار هذا المبتدأ في الشعر، أنشد ابن جني في الخصائص: فقالت: على اسم الله، أمرك طاعة وإن كنت قد كلفت ما لم أعود وقوله أو بمخصوص في باب نعم وبئس مثاله: نعم الرجل زيد، جوزوا في "زيد" أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هو زيد، فعلى هذا قالوا: يكون قد حذف المبتدأ وجوباً، وسيأتي الكلام في هذه المسألة إن شاء الله.
ويتضح أنه لا يجوز في هذا المخصوص إلا أن يكون مبتدأ، والجملة التي قبله في موضع الخبر، له، كما لو كان تقدم على الجملة.
وقوله أو بصريح في القسم مثاله قول العرب: في ذمتي لأفعلن، أي: في ذمتي ميثاق أو عهد، وهذا عكس قولهم: لعمرك لأفعلن، ذكر هذه المسألة أبو علي الفارسي، وقال الشاعر: تسور سوار إلى المجد والعلا وفي ذمتي لئن فعلت ليفعلا ومما يجب فيه إضمار المبتدأ مواضع: أحدها أن يذكر الشاعر منزلاً أو منازل/ يتغزل بها، ثم يقول: دار فلانة، أو ديار فلانة، كما قال الشاعر: أتعرف رسم الدار قفرا منازله كسحق اليماني زخرف الوشي ماثله

بتثليث أو نجران أو حيث نلتقي من النجد في قيعان جاش مسايله ثم قال: ديار سليمى إذ تصيدك بالمنى وإذ حبل سلمى منك دان تواصله أي: هي ديار، أو تلك ديار.
وقال الآخر: هل تعرف اليوم رسم الدار والطللا كما عرفت برسم الصيقل الخللا دار لمروة إذ أهلي وأهلهم بالقادسية نرعى اللعو والغزلا

وكذلك ما انتصب توكيداً لنفسه، نحو ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾، و ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾، و ﴿كَتَبَ اللَّهُ﴾ و ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾، هذا كله يجوز رفعه بإضمار مبتدأ لا يجوز إظهاره.
قال بعض أصحابنا: "وكذلك سائر ما جاء من الفصل الأول".
يعني ما ارتفع خبر مبتدأ، وأصله أن ينصب بفعل لا يجوز إظهاره.
قال: "إلا أنه غير مقيس، لا تفعله".
يعني ترفعه على خبر مبتدأ إلا فيما سمعت بخلاف ما جاء في الديار، وما قطع في النعوت، وفي مصادر التوكيد، لكن ما سمع منه لا يكون إلا على هذا، أي: على خبر مبتدأ، كقولهم: من أنت زيد؟ الثاني: قول العرب: من أنت زيد؟ أي: مذكورك زيد، حذفت

المبتدأ وجوباً لأنهم قالوا: من أنت زيداً؟ بالنصب، أي: تذكر زيداً، اضمروا في الرفع كما أضمروا في النصب.
الثالث: قول العرب "لا سواء" حكاه س، وتأوله على حذف المبتدأ، تقديره: هذا لا سواء، وقال س: "إنما دخلت لا هنا لأنها عاقبت ما ارتفعت عليه سواء، ألا ترى أن لا تقول: هذان لا سواء".
والمبرد لا يمنع ظهوره، يعني ظهور المبتدأ.
وقدره بعضهم بعد "لا"، أي: لا هما سواء.
ومن كلام المختار بن أبي عبيد، وقد قتل حفص بن عمر بن سعد بن أبي وقاص، وأباه عمر بن سعد: "عمر بالحسين، وحفص بعلي بن الحسين، ولا سواء"، أي: ولا هما سواء.
ولم تكرر "لا" لأن المعنى: ولا يستويان، فكما أن الفعل لا يلزم تكرير "لا" معه، فكذلك مع ما في معناه.
وفي كتاب أبي الفضل الصفار: س لا سواء، يريد أن هذه اللفظة تستعمل عندما تسوي بين شيئين أو أشياء، فيقول الراد: لا سواء، أي: هما لا سواء، لكن لم يظهر قط ما ارتفعت عليه سواء، وعاقبه "لا"، فكما أنك لو قلت "هما سواء" لم يلزم تكرار، فكذلك ما عاقبه.
الرابع: قولهم "لاسيما زيد" في من رفع زيداً، التقدير: لا سي الذي هو زيد.

وقوله وإن ولي معطوفاً إلى آخر المسألة مثال/ ذلك: عبد الله والريح يباريها، فمجيز ومانع، والمنع أظهر لأن "عبد الله" مبتدأ، و"الريح" معطوف عليه، والمعطوف على المبتدأ مبتدأ، و"يباريها" خبر عن المبتدأ الواحد، ويبقى الآخر لا خبر له، فلو لم تكن الواو صحت إجماعاً.
ومن أجازها من البصريين جعل خير المبتدأين محذوفاً، وتقديره: عبد الله والريح يجريان يباريها، و"يباريها" في موضع نصب على الحال، واستغنى بها عن الخبر لدلالتها عليه.
ومن أجازها من الكوفيين فعلى معنى: يتباريان، إذ من باراك فقد باريته، ولم يقدر محذوفاً.
قال أبو بكر بن الأنباري: عبد الله والريح يباريها، وأخوك والدنيا يذمها، بين هشام أن "عبد الله" رافعة في الأصل ما عاد من "يباريها"، و"الريح" يرفعها رجوع الهاء في "يباريها"، والواو نسقت "الريح" على "عبد الله"، فبنيا على: عبد الله والريح يتباريان، وعبد الله والدنيا مقرونان ومجتمعان، وبطل: عبد الله فالريح يباريها، وأخوك ثم الدنيا يذمها.
ولهشام في هاتين المسألتين جواب آخر، وهو أن الواو ترفع "عبد الله"، و"الريح" نسق على "عبد الله"، و"يباريها" حال لـ "عبد الله" و"الريح".
وتلخيص المسألة: عبد الله مع الريح يباريها، إذا كان معروفاً بالسخاء والإفضال والإشباه للريح في هذا المعنى، فكانت الواو هنا على ما هي عليه في: كل ثوب وثمنه، وكل رجل وضيعته.
وقال أحمد بن يحيي: إذا نسقت الريح على عبد الله على أن يباريها

حال نصب إذا صرف إلى الدائم، فقيل: مباريها، وإذا عمل على أن يباريها خبر عبد الله والريح اختلطا في عقدة، واجتمع "عبد الله" و"الريح" في التقرب لاختلاط الخبرين، إذا صرف "يباريها" إلى الدائم رفعه، وأتي بعده بكناية صاحبه، وصاحبه "عبد الله".
وقيل: عبد الله والريح مباريها هو، بإسكان الياء، وأخوك والدنيا ذامها هو، برز "هو" بعد "مباريها "وذامها" لأن فاعلاً جرى على غير صاحبه، فلم يحتمل ضميراً من صاحبه، كما فعل ذلك في "يدك باسطها أنت" لما جرى "باسط" على اليد، وهو فعل للكاف، لم يحتمل ضميراً من الكاف، فظهر صاحبه معه وأبرز.
قال أبو بكر: وقد شرحنا من إجازة الكوفيين هذا المكني، وأبي البصريون إلا إظهاره.
وأصل المسألتين بغير واو عاطفة: عبد الله الريح يباريها، وأخوك الدنيا يذمها.
وللريح والدنيا وجهان: أحدهما النصب بـ "يباري" و"يذم"، وهما مبنيان عند الكوفيين على التأخر بعد الفعل، والبصريون ينصبون الدنيا والريح بفعل مضمر قبل الدنيا والريح، يفسرهما الفعل المظهر.
والوجه الآخر ارتفاعهما برجوع الهاء.
فمن عمل على أن "الدنيا" والريح في موضع نصب، وصرف المستقبل إلى الدائم، لم يحتج إلى زيادة في الكلام، فقال: عبد الله الريح مباريها، وأخوك الدنيا ذامها، فذام ومبار/ رافعهما عبد الله والأخ.
ومن عمل على أن "الدنيا" و"الريح" في موضع رفع، وصرف المستقبل إلى الدائم، قال: عبد الله الريح مباريها هو، وأخوك الدنيا ذامها هو، احتيج في هذا المعنى إلى إبراز "هو"، وفيه من الحذف ما في غيره.
وقد أجاز هشام: كل رجل وأخوه قائم، على أن كلا يرفعه رجوع الهاء، والأخ رافعه قائم، نسقت الأخ على كل، لما اجتمع الخبران واختلطا

شُبِّها باختلاطهما في: عبد الله والدنيا يذمها.
وقد خالف بعض الكوفيين هشاماً في هذا وفي إجازته: عبد الله وصاحبه قائم، على أن الصاحب معطوف على عبد الله تشبيهاً بـ "أخوك والدنيا يذمها"، وقال: لا ينبغي أن نقيس على المختلطين غيرهما.
انتهى ما لخص من كلام ابن الأنباري في هذه المسألة.
وقد أطلق المصنف في قوله "وإن ولي معطوفاً على مبتدأ"، وقد قيدوه بأن يكون العطف بالواو، فلو كان بالفاء أو بثم لم يجز.
وقيد المصنف بقوله "فعل لأحدهما"، وقد جوزوا ذلك في الفعل وفي اسم الفاعل كما سبق في كلام ابن الأنباري.
وقال المصنف في الشرح: "واستدل أبو بكر بن الأنباري على صحة هذا الاستعمال بقول الشاعر: واعلم بأنك والمنيـ ـة شارب بعقارها" انتهى: ولا حجة فيه لأنه لا يتعين أن تكون الواو للعطف، إذ يحتمل أن تكون واو "مع"، ويكون "شارب" خبراً لـ "أن" في قوله "بأنك"، التقدير: بأنك مع المنية شارب بعقارها، كما تقول: إنك مع هند محسن إليها.
وقد جعل الكوفيون هذا مقيساً على أن تكون الواو بمعنى "مع"، فيجيزون: إن زيداً وعمراً قائم، كأنك قلت: إن زيداً مع عمرو قائم، فليس لك ما تخبر عنه إلا اسم واحد، ولو أردت العطف عندهم لم يجز إلا أن تثني الخبر.
واستدلوا على ذلك بقوله:

فإنك والكتاب إلي علي كدابغة, وقد حلم الأديم وسيأتي ذكر هذه المسألة في "باب إن" إن شاء الله.
وقوله وقد يغني مضاف إلي آخر المسألة.
قال المصنف في الشرح: "قد يقصد اشتراك المضاف والمضاف إليه في خير, فيجيء الخبر مثني كقول بعض العرب "راكب البعير طليحان", والأصل: راكب البعير والبعير طليحان, فحذف المعطوف لوضوح المعني" انتهي.
وهذه المسألة أجازها الكسائي وهشام, فلو قدمت, فقلت "طليحان صاحب الناقة" أبطلاها إذ لم يقم سابق دليل علي تثنية الخبر, والمرفوع المخبر معنه واحد.
قال ابن الأنباري: "وإنما جاز الأول لأن التقدير في التقديم: الناقة والصاحب, فثني الخبر بالدليل السابق, وهو الاثنان المذكوران, واستحال / "طليحان صاحب الناقة" لتثنية الفعل ورفعه من غير سبق دليل يوجب التثنية, ولا تأخر اثنان مرفوعان يكون مبناه عليهما, وما يصح البناء علي مدلول عليه إلا بمقارنة الدليل وسبقه إياه" انتهي.
وقال صاحب البديع: فأما قولهم "راكب الناقة طليحان" فتقديره: أحد طليحين, فحذف المضاف, وأقيم المضاف إليه مقامه.
ويجوز أن يكون قد حذف المعطوف للعلم به, تقديره: راكب الناقة والناقة طليحان, ومثله

قول الشاعر: أقول له كالنصح بيني وبينه هل أنت بنا في الحج مرتحلان وقد جوز بعضهم: غلام زيد ضربتهما, فيعيد الضمير إليهما.

-[ص: والأصل تعريف المبتدأ وتنكير الخبر, وقد يعرفان.
وينكران بشرط الفائدة, وحصولها في الغالب عند تنكير المبتدأ بأن يكون: وصفا, أو موصوفا بظاهر أو مقدر, أو عاملا, أو معطوفا, أو معطوفا عليه, أو مقصودا به العموم أو الإبهام, أو تالي استفهام أو نفي أو لولا أو واو الحال أو فاء الجزاء أو ظرف مختص أو لاحق به, أو بأن يكون دعاء, أو جوابا, أو واجب التصدير, أو مقدرا إيجابه بعد نفي.
والمعرفة خبر النكرة عند س في نحو: كم مالك؟ واقصد رجلا خير منه أبوه.]-

ش: إنما كان الأصل تعريف المبتدأ لأن المبتدأ مسند إليه, والإسناد إلي المجهول لا يفيد المخاطب إلا بقرينة لفظية أو معنوية تقربه من المعرفة.
وإنما كان الأصل تنكير الخبر لأن نسبته من المبتدأ نسبة الفعل من الفاعل, والفعل يلزمه التنكير, فرجح تنكير الخبر علي تعريفه, قاله المصنف, قال: "أو لكونه إذا كان معرفا مسبوقا بمعرفة توهم كونهما موصوفا وصفة, فمجيئه نكرة يرفع ذلك التوهم".
ومثال تعريفهما: ﴿اللهُ رَبُّنَا﴾ و ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ﴾.
وقوله وقد يعرفان مثاله: زيد القائم, وفائدته أقل من فائدة الإخبار بالنكرة؛ لأنك إنما تستفيد منه النسبة إلي المبتدأ لا ثبوته, لأنك تعلمه,

ويشترط فيه أن لا يكون معلوم النسبة لأنه لا فائدة فيه إلا أن يدخله معني تعظيم, نحو: أنا أنا, ونحوه.
وقد خير بعض النحويين في جعل أيهما شئت المبتدأ أو الخبر.
وقال بعضهم: هو بحسب المخاطب, فإن علم منه أنه في علمه أحد الأمرين, أو سأل عن أحدهما بقوله: من القائم؟ فقلت في جوابه: القائم زيد, فلا اختيار هنا؛ لأن الثاني كالمجهول, وأما لو أحضر الأمرين, فقال: هل أخوك زيد؟ فحينئذ تكون بالخيار.
وأما من خير فلأنه لا فرق بين كونه في ذكره الأمران أو أحدهما إذا كان عالما بذلك في الجملة.
وفي الإفصاح: قال بعض المتأخرين: محل الفائدة - وهو الذي كان غير معلوم عند المخاطب - / هو الخبر, والمعلوم عنده هو الاسم, يعني في "باب كان".
قال: وكذلك جعلوه في المبتدأ والخبر, وألزم بعضهم تقديم الخبر علي هذا لئلا يلبس.
وقال بعضهم: إذا كان أحد الاسمين أعم من الآخر فالعموم هو الخبر, نحو: زيد صديقي, إذا كان له أصدقاء غيره, ولا يجوز علي هذا: صديقي زيد, كما لا يجوز: الحيوان زيد, ولا: الكاتب عمرو, ولا: كاتب الأمير عمرو, إذا كان له كتاب, وتقول: عمرو كاتب الأمير.
إذا لم يكن له كاتب ساواه.
وقال بعضهم: هذا علي معني الحصر.
والذي عليه المتقدمون قول أبي علي: إنك تجعل ما شئت منهما الاسم والآخر الخبر, يعني في "باب كان وأخواتها" وكذا في المبتدأ والخبر.

وقد قال أبو بكر بن الصائغ في قول الشاعر: أردت قصيرات الحجال, ولم أرد قصار الخطا, شر النساء البحاتر إن "البحاتر" هو المبتدأ, و "شر النساء" الخبر لأنه أعم منه؛ لأن القصر من العيوب, والقصائر بعض معيبات النساء.
وسلم له ابن السيد هذا علي أنه الوجه والأصل, وأجاز أن يكون مبتدأ لأن الأول هو الثاني, وإذا علمنا من أحد الشيئين أنه الآخر علم من الآخر أنه الأول, فوقعت الفائدة.
واحتج بقول زهير: وإما أن تقولوا: قد أبينا فشر مواطن الحسب الإباء قال: فدخول الفاء يدل علي أنه مبتدأ لأنها لا تدخل علي الخبر.
قال ابن هشام: "وهذا خطأ فاحش لأن الجواب إنما يكون في صدر الكلام, فإن تقدم الخبر كان صدرا, ودخلت عليه الفاء, كقولك: أما زيد ففي الدار, و: إن كان زيد في السجن ففي الدار عمرو.
والحجة في قوله تعالي ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَآبِّ عِندَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ﴾ " انتهي, وفي بعضه لي قليل توضيح.

وقوله وينكران من النكرات ما يلزم حالا واحدة, نحو: عريب وكتيع وأحد الذي همزته أصل, تقول: ما أحد مثلك, ونحوه؛ لأنه عام, ولا يقع إلا في النفي, وسيأتي خلاف المبرد فيه.
ومنه ما لا يلزم طريقة واحدة.
وقوله وحصولها - أي: وحصول الفائدة - في الغالب قال المصنف: "تنبيه علي أن الفائدة قد يندر حصولها في الإخبار عن نكرة خالية من جميع ما ذكر, كقول من خرقت له العادة برؤية شجرة ساجدة أو بسماع حصاة مسبحة: شجرة سجدت, وحصاة سبحت" انتهي.
والمصنف لم يستوف المسوغات لجواز الابتداء بالنكرة, وسنذكر ما أغلفه منها, ونبين أن في هذا مسوغا منها: فالوصف قول العرب " ضعيف عاذ بقرملة", أي: إنسان ضعيف أو حيوان ضعيف التجأ إلي ضعيف والقرملة: شجرة ضعيفة.
والموصوف بظاهر "شوهاء ولود خير/ من حسناء عقيم".
وهذا يسميه بعضهم خلفا من موصوف, أي: امرأة شوهاء.
وبمقدر قولهم: "السمن منوان بدرهم", أي: منوان منه بدرهم, وصف "منوان" بالمجرور المقدر, ومنوان: مبتدأ, بدرهم: خبره, والجملة خبر عن قولهم "السمن".
وجعل المصنف من هذا قوله {وَطَآئِفَةٌ قَدْ

أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ} أي: من غيركم, وهم المنافقون, وقول الشاعر: إني لأكثر مما سمتني عجبا يد تشج, وأخري منك تأسوني أي: يد منك.
ولا يتعين ما ذكر لأنه موضع تفصيل, فيجوز أن يكون المسوغ هو التفضيل.
وأنشد المصنف أيضا من ذلك: وما برح الواشون حتي ارتموا بنا وحتي قلوب عن قلوب صوادف أي: قلوب منا عن قلوب منهم.
والعامل: "أمر بمعروف صدقة, ونهي عن منكر صدقة".
قال المصنف: (ويدخل في هذا المضاف إلي نكرة, نحو "خمس صلوات كتبهن الله علي العباد").
والمعطوف: زيد ورجل قائمان, فـ "رجل" نكرة جاز الابتداء بها لعطفها علي معرفة.
والمعطوف عليه قوله تعالي ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾ علي أن يكون التقدير: طاعة وقول معروف أمثل, فساغ الابتداء بقوله (طاعة) لأنه عطف

عليه ما فيه مسوغ لجواز الابتداء به, وهو (معروف) الذ هو وصف لقوله (وقول), وقال الشاعر: غراب وظبي أعضب القرن ناديا بصرم, وصردان العشي تصيح فابتدأ بـ "غراب" - وهو نكرة - لعطف "وظبي" عليه, وفيه مسوغ, وهو وصفه بـ "أعضب القرن".
وظاهر كلام المصنف في الشرح أن مطلق العطف مسوغ لجواز الابتداء بالنكرة, وجعل من ذلك قولهم "شهر ثري, وشهر تري, وشهر مرعي" وقول الشاعر: فيوم علينا, ويوم لنا ويوم نساء, ويوم نسر وهذا عند غيره ليس مسوغ الابتداء فيه بالنكرة ما ذكره المصنف من العطف, وإنما مسوغ ذلك التفضيل, وقد ذكره أصحابنا في المسوغات, وأغفله المصنف.

وجعل المصنف مما ابتدئ فيه بالنكرة لأجل العطف قول الشاعر: عندي اصطبار وشكوى من معذبتي فهل بأعجب من هذا امرؤ سمعا ولا يتعين ما ذكره المصنف لأنه قد تقدم هنا علي النكرة ظرف, وهو مسوغ لجواز الابتداء بالنكرة, وقد ذكر هذا المسوغ المصنف, وسيأتي في التمثيل.
والمقصود به العموم قول ابن عباس "تمرة خير من جرادة", وقول العرب "خبأة خير / من يفعة سوء".
والإبهام مثله المصنف بقولهم: ما أحسن زيدا! وأصحابنا يقولون: جاز الابتداء بـ "ما" لأن فيها معني التعجب.
وجعلوا من ذلك قول العرب: عجب لزيد.
ولم يذكر المصنف هذا المسوغ, استغني عنه بالإبهام.
وتالي الاستفهام: أرجل في الدار؟ والنفي: ما رجل في الدار.
و"لولا" قول الشاعر: لولا اصطبار لأودي كل ذي مقة حين استقلت مطاياهن للظعن

وواو الحال قول الشاعر: سرينا, ونجم قد أضاء, فمذ بدا محياك أخفي ضوؤه كل شارق وقال البعيث: أغر إذا ما شد عقدا لذمة حماها, وطير في الدماء كروع وأنشد المصنف في الشرح: عرضنا, فسلمنا, فسلم كارها علينا, وتبريح من الوجد خانقه ولا يتعين أن يكون الابتداء هنا بالنكرة لأجل واو الحال؛ لأن "من الوجد" إما أن يكون متعلقا بتبريح, أو يكون في موضع الصفة, وكل منهما مسوغ, أما إذا كان متعلقا بتبريح فيكون المسوغ كون المبتدأ عاملا, وأما إن كان في موضع الصفة فيكون المسوغ كونه موصوفا بظاهر, وقد ذكر المصنف هذين المسوغين.
وفاء الجزاء قول العرب: "إن ذهب عير فعير في الرباط".
وظرف مختص: أمامك رجل, فلو كان غير مختص لم يجز, نحو: أماما رجل.
واللاحق به هو الجار والمجرور.
قيل: وإنما جاز هذا لأن المخبر عنه في الحقيقة هو أمامك, المعني: أمامك معمور برجل.
وشرط السهيلي أن يكون المجرور معرفة.

جارٍ التحميل